← Джавами‘

Джавами‘ · id 7721

دروس للشيخ علي بن عمر بادحدح

علي بن عمر بادحدح

Полный текст (2 691 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.

стр. 1436

توجيهات ووصايا يحتاج إليها المسلمون في مواقفهم من الحرب ولسنا نريد أن نفيض في هذا القول ولكننا ننتقل إلى الرسائل التي نحتاج إليها نحن، رسائل نوجهها إلى عموم المسلمين ورسائل نوجهها إلى المخدوعين من الموالين، ورسائل نوجهها إلى الثابتين من المقاومين؛ علنا ندرك فيها كثيراً مما نحتاج إليه من أنوار القرآن وهداه وثوابته.

стр. 1437

وجوب الإصلاح والتغيير ولا بد لنا أن ننتبه إلى أمور مهمة وإلى غايات عظيمة ومنها: الإصلاح والتغيير: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد:١١] إن مواجهتنا لأعدائنا وانتصارهم في بعض الميادين علينا ليس لقوتهم، فإنهم أضعف منا في جوانب كثيرة، وإنما انتصارهم بسبب ضعفنا، إنهم يصنعون ونستهلك، ينتجون ونشاهد، يروجون فنقبل، يكذبون ونصدق، ولو وجدوا غير ذلك لوجدنا غير ذلك. لقد كان الغزو وإرادة التأثير موجوداً وفاعلاً منذ عهد النبي ﷺ ، لكنه وجد إيماناً ويقيناً تكسرت عليه كل هذه الحملات، ولعلي أذكر مثلاً واحداً: يوم تبوك، يوم تخلف من تخلف وكان من المخلفين ثلاثة صادقون، ومنهم كعب بن مالك، فأمر النبي ﷺ أن يقاطعوا ولا يكلموا ولا يعاملوا، قال كعب: حتى ضاقت علي نفسي وضاقت علي الأرض بما رحبت. فسمعت الدولة العظمى أن فرداً في هذه الأمة ربما اعتراه ضعف وأصبح مهيئاً ليتم النفوذ من خلاله وأن يكون الغزو عبره ومن طريقه، فأرسلت القوة العظمى رسولاً يبحث ويسأل عن كعب بن مالك، قال: فدلوه علي فجاءني بكتابٍ من القائد والملك الأعظم في دولته العظمى، يقول فيه: قد علمنا أن صاحبك قلاك، فالحق بنا نواسك، ولم يجعلك الله في أرض مضيعة. فماذا قال هذا المقُاطَع الذي لا يكلمه أحد، والذي عاش فترة من المعاناة النفسية الشديدة، هل لان وضعف؟ هل استجاب لإغراءات اللجوء السياسي أو لإغراءات المنهج الفكري؟ قال: (فعلمت أنها الفتنه)! كل ما سبق لم يكن شيئاً ولم يكن فتنةً بالنسبة له. قال: فعلمت أنها الفتنة فعمدت بها التنور فسجرتها، أي: أحرقها حتى لا يبقى لها أثر ولا يبقى له ذكر ولا يعاود النظر إليها مرة أخرى، ورد أولئك على أعقابهم خائبين، واليوم يأتينا كثير وكثير ويتلقفه منا كثير! أين صلابة إيماننا؟ أين ثبات أخلاقنا؟ أين قوة دعوتنا؟ أين قوة مواجهتنا؟ ذلك أمر لا بد له من التغيير والإصلاح. نسأل الله أن يردنا إلى دينه رداً جميلاً، وأن يثبتنا على الحق، وأن يرد أعداءنا على أعقابهم خائبين، وأن يردهم بغيظهم لا ينالون خيرا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. أقول هذا القول، وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 1438

وجوب المرابطة والجهاد في مختلف الميادين ثالثاً: المرابطة والجهاد: فهذه معركة ليس ميدانها بقعةً معينة، وليست صورتها قتالاً بالأسلحة، بل هي أوسع من ذلك وأشمل، إنها تريد تقويض الاقتصاد والاستيلاء على الثمرات، إنها تريد تبديل المناهج وتغيير الأخلاق، إنها تريد نقض أساس الحكم بالإسلام وتغيير شريعة القرآن، إنها تريد فسخ عرى الأسرة المسلمة وتعرية المرأة المسلمة، إنها تريد أن تدخل إلى قلوب المسلمين فتغير ولاءهم وبراءهم، وإلى عقولهم فتغير أفكارهم وتصوراتهم. أفليست هذه المعركة جديرة بأن يخندق المسلمون في ميادينها كلها ولا ينبغي أن تكون في ميدان واحد، بل لا بد أن تكون هذه الميادين فيها جهاد من أهل الإسلام، فمن ذلك جهادهم الثقافي، وفضحهم السياسي، وصدهم الاقتصادي، وحسبنا في ذلك أن نرى اليوم شعوباً بوذية وشعوباً غربية تنادي بمقاطعة أمريكا، وأهل الإسلام أولى بذلك وأحرى وأجدر، فلا نشتري بضائعهم، ولا نسوق ثقافتهم، ولا نشاهد أفلامهم، ولا نروج ما يقولونه ويزعمونه من هذه الأباطيل فلا نذهب إلى بلادهم ولا نستثمر في ديارهم. ولا بد أن يكون هذا موقف مبدأ وإيمان لا موقف رد فعل آلي، ولا بد أن يكون ذا شمول في نوعه ومجالاته، وأن يكون ذا شمول في عموم أمة الإسلام؛ إن ثلاثمائة وألف مليون لو صرخوا صرخة واحدة لزلزلوا الأرض كلها، فما بالهم لا يجتمعون على أمرٍ قد ظهر وانكشف وصار أوضح من الشمس في رابعة النهار، وهذا أمر لا بد منه ولا بد من الأخذ به وهو ضرب من ضروب الجهاد. ولا بد كذلك من الجهاد في ميادين الدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتثبيت عقائد الإسلام، وتوضيح شرائعه، والرد على كل من يعتدي على كتاب الله وسنة رسول الله، ورد الشبهات التي تبث وتذاع وتشاع عن دين الله وأحكام شرائع الله، وكل ذلك لا بد له من عمل وبذل، إنه لا ينبغي لنا أن نحصر الأمور في ميدان واحد، وإن كان ميدان الجهاد متعيناً في أوقاته وزمانه وأهله، ومتعيناً على عموم الأمة أن تعد له عدته، وأن تأخذ أسباب قوته وأن تهيئ النفوس بالتربية وبالعمل الجاد وبالأسلوب الذي ليس فيه هذا الترف والتميع والتمايل مع الغناء والرقص والانسلاخ من الأخلاق، والانحلال مع الأفلام الداعرة الماجنة وغير ذلك مما يروجه أولئك القوم وغيرهم. فلا بد من رباط، والرباط يعني أن تواصل العمل وألا تترك الموقع، وإذا تركته فخلف بعدك غيرك ليأتي ويكمل الدور، وينبغي التواصي بذلك وأن تكون الأعين مفتوحة والقلوب واعيةً والعدة متأهبة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انفِرُوا جَمِيعًا﴾ [النساء:٧١] انفر وتوجه لميادين القتال المباشرة وغير المباشرة فالجهاد ساحته واسعة، وعداء أولئك القوم لنا لا يقتصر على جانب دون جانب بل في سائر ما يتعلق بإسلامنا، وإسلامنا يتعلق بالحياة كلها، ويحكم دنيانا كلها ويحكم ما في قلوبنا ونفوسنا من المشاعر والعواطف، وما في عقولنا من الأفكار والخواطر، وما تنطق به ألسنتنا من الأقوال والكلمات، فلذلك ينبغي أن يكون دأبنا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ﴾ [الصف:١٠ - ١١] وقد قال ﷺ : (جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم) وهذا أمره واضح، وقد سبق لنا حديث عنه.

стр. 1439

وجوب التحلي بالثقة والثبات أولاً: الثقة والثبات: فلا ينبغي أن يفت هذا العدوان في عضد المسلمين، ولا أن يتسرب اليأس إلى نفوسهم، ولا أن يهزمهم في سويداء قلوبهم وأعماق نفوسهم وخواطر أفكارهم. وللأسف أننا ربما نجد بعضاً من ضعاف الإيمان قد أصبحت أمريكا إلههم الذي يُعبد، وأنها القوة التي لا تُقهر، وكأنها هي التي تصرف أمور الكون وشئونه، ويقولون لك ما يقولون بألسنة تدل على خور وجبن وضعف، ولعلنا لا نطيل فنسوق من آيات القرآن وحسبك بها مثبتاً وموضحاً ومجلياً للحقائق، وذلك فيما ساق الله لنا من قصص بني إسرائيل وموسى ﵇: ﴿قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف:١٢٨] وذلك في أثناء المواجهة مع الطغيان ومع فرعون، فكان موسى يقول لهم: (استعينوا بالله واصبروا، إن الأرض لله يورثها من يشاء من عبادة والعاقبة للمتقين) جزماً قطعاً يقيناً لا شك فيه. وكان عندهم شيء من التردد ﴿قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا﴾ [الأعراف:١٢٩] أي: قد وقع لنا بلاء وحصلت لنا هزائم وحلت بنا نكبات، وتشردنا في الأرض وذقنا مرارة العبودية: ﴿قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف:١٢٩]. ثم ساقت الآيات صور الصراع والمواجهة، وكانت خاتمتها: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ﴾ [الأعراف:١٣٧]. إيجاز يلخص مواجهة الإيمان مع الطغيان عندما يكون الإيمان راسخاً في القلوب واليقين ثابتاً في النفوس، وينبغي أن يكون هذا تأكيداً لهذه المعاني وتوثيقاً لها في خضم هذه الأحداث، لا أن يكون سبباً في نقضها أو ضعفها، أفي شك نحن من آيات الله؟! أفي شك نحن من سنن الله؟! أفي شك نحن مما رأينا بأم أعيننا فيما نطالعه من سيرة رسول الله ﷺ ؟! أفي شك نحن من صفحات تاريخنا الإسلامي الوضيئة المشرقة، حين روت لنا معارك واجهت فيها فئة مؤمنة قليلة، في أحوال كثيرة، وميادين عديدة في مواجهات مختلفة مع أمم متنوعة، فيوم استمسكت بدينها واستنصرت بربها، عزت وعلت وسمت وانتصرت رغم ضعفها وقلة عددها وعدتها، ونحن نرى صوراً من ذلك وكان الناس يقولون: إنهم في ليلة وضحاها سينهون كل شيء، ونحن نرى ما نرى من صور يسيرة ولمحات وضيئة لا نستطيع أن ننسبها كليةً إلى الإيمان واليقين والجهاد والفداء لكننا نقول: إن من ومضات من ذلك، وكل شعوب الأرض وأممها تقول: من يقف أمام هذه القوة العظمى مع التحالف الذي يسندها؟! ونحن نعلم أنهم اليوم يضاعفون ويرسلون المزيد من الرجال والعتاد؛ لأنهم لا يزالون يجدون أن هذه المقاومة الهزيلة الضعيفة الخاوية من كثير من العدة والعتاد، استطاعت أن تصنع شيئاً يعده الناس والعسكريون أمراً فريداً يستحق أن يدرس وأن يدون.

стр. 1440

الخسارة والدمار لأهل الظلم والاستكبار الرسالة الثانية: الخسارة والدمار لأهل الظلم والاستكبار: لا بد أن ندرك أن سنة الله ماضية في أن الظلم عاقبته إلى خسار ونهايته إلى دمار: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود:١٠٢] وأن الظلم ظلمات يوم القيامة، وأن الظلم في الدنيا حسرةٌ وندامة، أيَّا كان هذا الظلم حتى وإن كان المسلم هو الظالم فإن له عقوبة دنيوية وأخروية، كيف والظالمون من الكافرين! كيف والظالمون يظلمون أهل إسلام وإيمان في الجملة وفي بلاد الإسلام قاطبة؟! والله قد بين لنا ذلك في آيات كثيرة، وجلاه رسولنا ﷺ في أحاديثه وفي المواقف العديدة من سيرته، ﴿وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا﴾ [الكهف:٥٩] إن موعدهم آتٍ وإنه لقريب، و ﴿إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾ [هود:٨١] ليل لا بد له من نهار، وظلمةٌ لا بد أن تنجلي عن إشراق وأنوار، لكن لا بد من اليقين بذلك ولا بد من العمل له، فإن رسول الله ﷺ أوذي هو وأصحابه وهاجر وقاتل ودمي وجهه الشريف، وقُتل بين يديه خلص أصحابه وأقربائه، ثم علت رايته وانتشرت عقيدته وعظمت في بلاد الأرض كلها دولته؛ لأنها قامت على هذا اليقين، وكل تكبر وطغيان فإن مصيره إلى الهلاك. والله قد قص علينا في كتابه قصص أمم كثيرة طغت، وبغت، وتجبرت، وتكبرت، فأذلها الله وأرغم أنوفها ومرغها في التراب، وجعل عاليها سافلها، وذلك عندما وجد الخلص من عباده معلقين حبالهم به، ملقين ولاءهم له ولأوليائه، متعلقين به في عبادتهم وطاعتهم، محكمين لشرعه في أحوالهم وعلاقتهم ومعاملاتهم؛ عند ذاك تتحقق هذه السنن وتمضي كما بينه الله ، يقول الحق جل وعلا: ﴿فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هَؤُلاءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ [الزمر:٥١]. هل تعجز قوة الله أمريكا أو غير أمريكا أو قوى الأرض كلها؟! ولكن بعض الناس لا يوقنون! فنحتاج أن ندرك هذا كما أخبرنا الحق جل وعلا: ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾ [فصلت:١٥] ألا ترون أن هذا حال الكفار اليوم، ألا ترون أن هذا وصفهم؟! ﴿فَاسْتَكْبَرُوا فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ [فصلت:١٥] وهو قادر جل وعلا على أن يفضحهم ويهزمهم ويذلهم، وذلك وفق سنته جل وعلا.

стр. 1441

رسالة إلى الموالين لأعداء الإسلام الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين. أما بعد: أيها الإخوة المؤمنون! أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله، فإن تقوى الله أعظم زاد يقدم به العبد على مولاه، ولقد أشرنا من قبل إلى كثير من المعاني التي يمكن أن تدرج في هذه الرسائل الموجهة إلينا جميعاً. أصلح نفسك وادع غيرك، أمر لا بد منه، وهذه قضايا كثيرة وهي -كما قلنا من قبل- تحتاج منا إلى تذكر دائم وتناصح مستمر وعملٍ غير منقطع، في حرصنا على الوحدة والائتلاف ونبذ الفرقة والاختلاف، ومنع ترويج الشائعات وصد إخلال الأمن والتجمع على الثوابت من كتاب الله وسنة رسوله، وجعلها الفيصل والحكم في الأمور. ورسالتان أخيرتان نوجههما: الرسالة الأولى: إلى الموالين لأعداء الله المشاركين لهم، ظناً منهم أنهم سيصدقون في وعودهم وأنهم سينفذون لهم ما وعدوهم به من حكمٍ أو مالٍ أو غير ذلك، يزعمون أنهم سينشرون الحرية ويقيمون العدالة ويحفظون الثروات لأهلها. وقد وقعت العقود للشركات الأمريكية في هذه الأيام قبل أن تنتهي الحرب أو ينجلي غبارها، أولئك الموالون يرون أنهم يوالون لأنهم يواجهون البعث وهو حزب في مفرداته وعقائده كفر صريح محض، ولكن ينبغي أن يدركوا أن القضية فيها دماء المسلمين من الساجدين الذاكرين الموحدين، وهذا أمر خطير! وقد جاءت فيه الآيات الصريحة الواضحة، وجاءت فيه مقالات العلماء القاطعة، كما قال ابن جرير عند تفسير قوله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة:٥١] قال: من تولاهم ونصرهم على المؤمنين فهو من أهل دينهم وملتهم. فإنه لا يتولى متولٍ أحداً إلا وهو به وبدينه وما هو عليه راضٍ، وإذا رضيه ورضي دينه فقد عادى ما خالفه وسخطه وصار حكمه حكمه. وقال الشيخ ابن باز ﵀ تعليقاً على هذه الآية: أجمع علماء الإسلام على أن من ظاهر الكفار على المسلمين وساعدهم عليهم بأي نوع من المساعدة فهو كافر مثلهم، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ ...﴾ [المائدة:٥١]، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ [الممتحنة:١]، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الإِيمَانِ﴾ [التوبة:٢٣] والآيات في هذا كثيرة. ولذلك ينبغي أن يعلموا هذا حتى وإن ظنوا أن في ذلك خيراً، فإن دم المسلم معصوم وحرمته عظيمة، فضلاً على أنه قد تجلى وانكشف لكل ذي عينين أن القوى الغازية لن تفي بوعدها، وحسبنا التجربة القريبة الماضية في أفغانستان، وأنها قد أعلنت أنها تريد من خلال ذلك أغراضاً أخرى وأهدافاً أخرى أكثر ضرراً وشراً وفساداً، وأنها تريد هيمنتها الاقتصادية والسياسية والثقافية والفكرية كما هو معلوم لأكثر الناس، حتى وإن قال بعضهم: ربما يكون في ذلك ضرب من الإكراه. فإنه مقرر عند أهل الإسلام أن مسلماً لو أكره على قتل مسلم لم يجز له ذلك حتى ولو قتل؛ لأن عصمة نفسه ليست بأحق من عصمة نفس أخيه المسلم، قال ابن تيمية: إذا كان المكره على القتال في الفتنة ليس له أن يقاتل بل عليه إفساد سلاحه، وأن يصبر حتى يُقتل مظلوماً، فكيف بالمكره على قتال المسلمين مع الطائفة الخارجة عن شرائع الإسلام؟! لا ريب أن هذا يجب عليه إذا أُكره على الحضور ألا يقاتل، ولو أكره رجل رجلاً على قتل مسلم معصومٍ فإنه لا يجوز له قتله باتفاق المسلمين وإن أكرهه بالقتل، فإنه ليس حفظ نفسه بقتل ذلك المعصوم أولى من العكس. وحسبنا حديث المصطفى ﷺ ، وليتنا نكتب هذا الحديث ونعلقه في جميع الأماكن حتى نراه (المسلم أخو المسلم لا يظلمه، ولا يخذله، ولا يسلمه) كيف تظلم أخاك المسلم وكيف تخذله في وقت يحتاج فيه إلى نصرتك فإذا أنت مع عدوه عليه! (ولا يسلمه) أي: لا يتركه لعدوه يتمكن منه، فهذه حقيقة الإسلام وأخوة الإيمان، وما وراء ذلك الخطر العظيم الذي ذكرناه في الآيات وأقوال العلماء.

стр. 1442

رسالة إلى المسلمين في أرض العراق ورسالة أخيرة إلى المسلمين في أرض العراق: إلى الذين ثبتوا وقاموا وقاتلوا، نريد أن نحيي هذه الوقفة الشجاعة، ولكننا نقول لهم: اجعلوها باسم الله، وارفعوا راية دين الله، وكبروا الله وهللوا الله، لا ترفعوا راية بعث كافر ولا غيره، اعلموا أنكم في جهاد دفع، وأنكم إن قاتلتم حتى للدفاع عن أرواحكم، وعن أعراضكم، وعن دياركم، وعن أموالكم فأنتم شهداء، فأخلصوا نيتكم لله: (من قاتل دون ماله فهو شهيد، من قاتل دون عرضه فهو شهيد). ولذلك ينبغي لنا أن ندعو لهم أن يصلح الله حالهم، وأن يثبت إيمانهم وأن يجعل رايتهم راية الإسلام؛ حتى يعظم الله ثباتهم ويقوي عزمهم ويفك أسرهم ويعينهم بإذنه على عدوهم. ولقد قدموا موقفاً يشير إلى مسألة مهمة: الوهن الذي يفت في النفوس من هول القوة العظيمة التي تتكسر بأسباب بسيطة، ولقد أسقط الأفغان من قبل قوة عظيمة! ونحن لا نريد أن نكون عاطفيين لكننا نقول: ما رأيتم، وما سمعتم، وما علمتم، وهو يدل على أن هذه الهيبة العظيمة والهالة الهائلة ليست في حقيقة الأمر كما يروج لها، كم خابوا وخسروا، كم توقفوا وترددوا، كم جبنوا وانسحبوا، كم وقع لهم ما وقع! ولئن انتصرت أعداد ضخمة وقوىً هائلة على ما هو أقل منها بكثير، فليست العبرة في هذا النصر بأنه قد تحقق ولكن كيف يكون الميزان المختل، ثم يكون الثبات والمواجهة، ولذلك نقول: إن هذا درس، نسأل الله أن يكونوا فيه على أعلى درجات الإيمان والإخلاص لله ، درسٌ في أن مقاومة الظلم وأن حماية العرض أمر له أثره وقوته، وكأنما بشعارهم يرسلونه وبأقوالهم وقوة مواقفهم ينبهون بها المتخاذلين والخائفين، يقولون: نحن مع ضعفنا ببنادقنا بأحوالنا البسيطة استطعنا أن نصنع شيئاً عظيماً، ولعلنا نؤكد عليهم وندعو لهم أن يصحح الله مقاصدهم ونياتهم: غايتي العظمى التي محضتها كل جهودي هي أن أسبق خيل الموت للعيش السعيد وأغذي كربلاء العصر من نزف وريدي خنت من خانوا كتاب الله أرباب الجحود وتمردت بإيماني على الكفر العنيد ونحرت الخوف قرباناً بساحات الصمود وتماديت فأدمى جبهة العيب صدودي ما فرشت الخد يوماً للموالي والعبيد لا ولم أمدح حواة العصر حراس اليهود يخسأ اللص ومن يطري على اللص المريد ذاك نهجي واضح غيبي به مثل شهودي منه لا أبرأ لو حزوا على السيف وريدي نسأل الله أن يبرم لأمة الإسلام أمر رشد يعز فيه دينه وينصر فيه أوليائه، نسألك اللهم أن تنزل سخطك على أعداء الإسلام والمسلمين، وأن تحل بهم نقمتك، وأن تشدد عليهم وطأتك، اللهم أحصهم عددا وأقتلهم بددا، ولا تغادر منهم أحدا، اللهم أرنا فيهم عجائب قدرتك، وعظيم سطوتك، واقذف الرعب في قلوبهم، واجعل الخلف في صفوفهم، واجعل بأسهم بينهم، ورد كيدهم في نحرهم، واشغلهم بأنفسهم، واجعل تدبيرهم تدميراً عليهم، اللهم خالف كلمتهم واستأصل شأفتهم. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 1443

على صعيد عرفات يوم عرفة هو أعظم يوم تشهده الأمة المحمدية، ففيه تلتقي القلوب، وتنتهي العصبيات، وتذوب الشحناء والبغضاء، وفيه تسكب العبرات، وترتفع الآهات والأنات، وتختلج القلوب الفرحات والمسرّات إنّ يوم عرفة هو يوم التوبة والأوبة، ويوم الطاعة والحوبة، ويوم معرفة حقيقة الدنيا وحقارتها وأن ما عند الله خير وأبقى.

стр. 1444

عرفات دروس وعبر الحمد لله غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب، ذي الطول لا إله إلا هو إليه المصير، نحمده ، سبقت رحمته غضبه، وتعددت نعمه، وعم نواله، وزاد فضله، وعظم بره، ووجب شكره، نحمده على آلائه ونعمه التي لا تعد ولا تحصى، حمداً كما يحب ربنا ويرضى، نحمده جل وعلا على كل حال وفي كل آن، هو أهل الحمد والثناء، فله الحمد في الأولى والآخرة. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، اختاره الله جل وعلا ليكون خاتم الأنبياء والمرسلين، وجعله سيد الأولين والآخرين، ويوم القيامة إمام المتقين، وقائد الغر المحجلين إلى جنات النعيم. وأشهد أنه ﵊ قد بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده، ما من خير إلا وأرشدنا إليه، وما من شر إلا وحذرنا منه، وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، وصلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين، وعلى صحابته الغر الميامين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك ورحمتك يا أرحم الراحمين! أما بعد:

стр. 1445

في عرفات تسكب العبرات أيها الإخوة المؤمنون! ننتقل معاً إلى حيث يجتمع الحجيج على صعيد عرفات، حيث ترفع الدعوات، وتسكب العبرات، حيث تلغى الطبقات، وتزول العصبيات والنعرات، على صعيد عرفات حيث تتوحد الأهداف والغايات رغم تباين الألوان واختلاف اللغات، على صعيد عرفات حين تهفو القلوب إلى خالقها وبارئها، وحين ترتفع الأكف إلى معطيها والمنعم عليها، حينما يتجرد المسلمون من كل حول وطول إلى حول الله وقوته، حينما يرى المسلمون حقيقة ضعفهم وفقرهم، فيلجئون إلى قوة الله، ويلتمسون عطاءه من غناه، حينما يعرف المسلمون أنهم ضعفاء لا حول لهم ولا طول إلا أن يمدوا أيديهم، ويصلوا حبالهم برب الأرباب وملك الملوك ، على صعيد عرفات حينما يتجرد المسلمون من الدنيا ويتعلقون بالآخرة، حينما يعرفون حقيقة الدنيا وأنها دار مقر لا دار ممر، حينما يستشعرون المشهد العظيم، والحشر العظيم، والهول العظيم في يوم القيامة: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين:٦]، إنه يوم من أيام الله العظيمة، إنه مشهد من المشاهد التي تحيي القلوب الميتة، وتوقظ العقول الغافلة، وتحيي الأنفس التي كثر عليها الران، وانشغلت بالدنيا، وضربت عليها الغفلة. إنه يوم من أيام الله يجمع فيه عباده على صعيد واحد، متجردين من دنياهم، متوحدين في شعارهم، متوحدين في مقاصدهم ومطالبهم، ولذلك نشهد في هذا المشهد العظيم ما نحتاج إلى تذكره، والاتعاظ به، ودوام الإفادة منه لعل الله ألا يحرمنا الأجر والثواب، وألا يحرمنا من فيض عطائه لأهل الموقف الذين اجتمعوا بقلوب خاشعة، وأعين دامعة، وأنفس ضارعة لله .

стр. 1446

يوم عرفة مشهد التوبة والإنابة إن هذا المشهد هو مشهد التوبة والأوبة والإنابة لله رب العالمين، إنه وقفة مع الله في أراضيه الطاهرة المقدسة، وبين يديه سبحانه جل وعلا، وهو الذي يباهي بأهل الموقف الذين جاءوا من كل فج عميق، تركوا وراءهم الأهل وخلفوا الأولاد، وأنفقوا في طريقهم الأموال، وبذلوا الجهد، ولحقهم الإرهاق، انطلقوا بقلوبهم قبل أجسادهم، ولهجوا بخواطرهم قبل ألسنتهم، وعاشوا يبغون هذه اللحظة، وينتظرون تلك الوقفة بين يدي الله : ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُوْلَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا * وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُوْلَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [النساء:١٧ - ١٨]، التوبة التوبة يا عباد الله! ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور:٣١]. باب عظيم من أبواب الرحمة الإلهية، ومن أبواب العفو الرباني: (إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل وذلك الدهر كله)، و (إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر)، (يقبل توبة العبد ما لم تطلع الشمس من مغربها)، هكذا أخبرنا رسول الله ﷺ ، وفي كل ليلة وفي الثلث الأخير من الليل يتفضل رب الأرباب، وملك الملوك، الغني عن العباد بالنزول إلى السماء الدنيا، وينادي: (هل من سائل فأعطيه؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ هل من تائب فأتوب عليه؟)، هذا نداء الله ، وهذه أبوابه مشرعة مفتوحة فأين المقبلون؟ وأين التائبون؟ وأين المستغفرون؟ وأين النادمون؟ وأين المتضرعون؟ وأين الباكون؟ إنهم اليوم على صعيد عرفات يبكون ويستغفرون، يلبون ويدعون، فالله نسأل ألا يحرمنا من أجره وثوابه، وقد أخبرنا النبي ﷺ عن عظمة هذا اليوم، وعن سعة التوبة العبادية، والمغفرة الإلهية في حديث عائشة ﵂ في صحيح الإمام مسلم عن رسول الله ﷺ أنه قال: (ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبداً من النار من يوم عرفة، وإنه ليدنو ثم يباهي بهم الملائكة فيقول: ماذا أراد هؤلاء؟) و الجواب أنهم ما جاءوا، ولا أنفقوا، ولا بذلوا، ولا تعبوا إلا ابتغاء غاية واحدة هي مغفرة الله ، ورضوان المولى . وفي حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده في سنن الترمذي عن رسول الله ﷺ أنه قال: (خير الدعاء دعاء يوم عرفة، وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير)، فهذا موسم التوبة، وهذا موسم الإنابة والأوبة إلى الله ، تفكر عبد الله كم أسرفت على نفسك في المعاصي؟! وكم قصرت في حق الله من الواجبات؟! وكم تركت من المندوبات والمستحبات؟! وكم غرقت في الشهوات؟! تفكر فإن هذا الموقف موقف تذكر واتعاظ واعتبار، تفكر عبد الله وارجع إلى الله قبل أن يبلغ الأمر إلى مداه، وقبل ألا ينفع الندم.

стр. 1447

يوم عرفة هو يوم الدعاء اعلم أن هذا اليوم الأغر هو يوم الدعاء فمن رحمة الله بعباده أنه جل وعلا طلب منهم الدعاء: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر:٦٠]، وقال : ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة:١٨٦]، وهذا هو طريق إجابة الدعاء: ﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي﴾ [البقرة:١٨٦] أي: لأمر الله ، مسارعة إلى الواجبات، ومسابقة إلى الخيرات، واجتناباً للمعاصي وبعداً عن السيئات. ﴿وَلْيُؤْمِنُوا بِي﴾ [البقرة:١٨٦] ليكن توحيدهم لله خالصاً لا شك فيه ولا شبهة، ولا رياء ولا طلباً للسمعة، حينئذٍ إذا أخلصت التوحيد لله، وإذا استجبت لأوامر لله، فإنك إذا دعوت الله أجابك الله وأعطاك من فضله سبحانه جل وعلا، والله قد أخبرنا أنه يحب سؤال السائلين، وتضرع المتضرعين، كما صح في حديث النبي ﷺ في سنن الترمذي عنه ﵊: (إن الله حيي ستير، يستحي إذا رفع عبده كفه إليه أن يردهما صفراً)، وقد وعد النبي ﷺ بأن الدعاء مجاب إما في العاجلة وإما في الآجلة، وإما أن يرد به من القضاء والبلاء ما لا يعلمه إلا الله . وفي الحديث عن جابر ﵁ عند ابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما عن رسول الله ﷺ : (إذا كان يوم عرفة فإن الله ينزل إلى السماء الدنيا فيباهي بهم الملائكة، ويقول رب العزة والجلال : انظروا إلى عبادي أتوني شعثاً غبراً ضاجين) أي: علت أصواتهم بالتلبية والدعاء، وضج بالدعاء: إذا رفع صوته، وفي بعض الروايات ضبطها: (ضاحين) أي: بارزين للشمس يلتمسون رحمة الله، ويرفعون أكف الضراعة والدعاء لله، (انظروا إلى عبادي أتوني شعثاً غبراً ضاجين من كل فج عميق، أشهدكم أني قد غفرت لهم، فتقول الملائكة: يا رب! إن فيهم فلاناً عبد يرهق -أي: يرتكب المعاصي ويقترف السيئات- وفيهم فلاناً وفلانة! فيقول رب العزة جل وعلا: أشهدكم أني قد غفرت لهم)، قال النبي ﷺ في هذا الحديث: (فما من يوم أكثر عتيقاً من النار من يوم عرفة)، إنه يوم الله ، إنه يوم العباد ليغتنموا من فضل الكريم .

стр. 1448

يوم عرفة يوم إعلان الطاعة لله والحرب على المعاصي انظر في المقابل إلى إعلان الطاعة أنه يقتضي إعلاناً لحرب المعصية، وأن إعلان الولاء لله يقتضي إعلان العداء للشيطان، فما إن ينصرف من عرفة حتى يرمي الجمار ليؤكد أنه لا سبيل للشيطان عليه بإذن الله، وأنه قد أعلن التوبة لله، وبدأ صفحة جديدة مع الله، فكلما عرضت له شهوة آثمة، وكلما عرضت له شبهة مشككة استعاذ بالله من الشيطان الرجيم، ودحر هذا الشيطان الذي جاء في حديث مرسل عند الإمام مالك أن النبي ﷺ قال: (ما رؤي الشيطان يوماً هو فيه أصغر ولا أدحر ولا أحقر ولا أغيظ منه يوم عرفة، وما ذاك إلا لما يرى من تنزل الرحمة، وتجاوز الله عن الذنوب العظام، إلا ما كان من يوم بدر قيل: وما رأى يوم بدر؟ قال: رأى جبريل وهو يزع الملائكة)، نعم إنه يوم لله ويوم على شياطين الإنس والجن التي تتربص بهذه الأمة الدوائر، إنه يوم إعلان وحدة الأمة الإسلامية، أفترون الناس في ذلك الصعيد وهم من أصقاع مختلفة، ومن أعراق متباينة ينطقون بلهجات ولغات مختلفة؟ أفلا ترون أنهم في شعار واحد، وفي مكان واحد، وعلى صعيد واحد، وبأعمال واحدة، ليس لهم إلا غاية واحدة تنطق بها جميع الألسنة، وتهفو بها جميع القلوب؟ إنها غاية رضوان الله ، إنه تحقيق الهدف الأسمى من وجود هذا الإنسان في هذه الحياة الدنيا: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦]، إنها العبودية لله، إنه الاستسلام لأمر الله، إنه الاستمساك بمنهج الله، إنه الرضا بقضاء الله، إنه أن يكون العبد لله وبالله ومن الله وعلى الله، إنه أن تكون لله في كل حال وفي كل آن، وأن تبقى مشدود القلب بالله، وأن تبقى مرتبطاً بأحكام الله ، إن المعنى في هذا الصعيد عظيم، وإن الدلالات في هذا الموقف عديدة، إنه أمر تحتاج الأمة أن تتنبه إليه وقد كثرت بينها الشقاقات، وتعاظمت الخلافات، وكثرت النزاعات، ذلك أن القلوب لم تكن مخلصة لله ، وأن الغايات لم ترتبط برضوان الله ، وهنا يكثر البلاء، ويعظم العناء، ولا حل ولا نجاة إلا بالعودة لله .

стр. 1449

يوم عرفة تتجلى فيه قيمة الدنيا الحقيقية وفي صعيد عرفات تتجلى الدنيا بقيمتها الحقيقية التي أخبر النبي ﷺ أنها: (لو كانت تعدل عند الله جل وعلا جناح بعوضة ما سقى كافراً منها شربة ماء)، وأخبر ﷺ فيما صح عنه: (أن الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر)، وفي الحج وفي مقام عرفة وغيره يشعر المسلم بقيمة هذه الدنيا، فلا تراه يبني في تلك المواقع دوراً، ولا يشيد قصوراً؛ لأنه يعلم أنها أيام قلائل ثم يأتي الرحيل، وحينئذ يستعد لما بعد ذلك اليوم، وإلى أوبته إلى دياره الأولى، وإلى معاقله الأصيلة، واعلم أنك في هذه الدنيا مرتحل كأنك غريب أو عابر سبيل، فما بالك بها منشغل، وكأنك عنها غير مرتحل؟! انتبه وتأمل! فإن الله قد جعل لنا في هذه المواقف عظات وعبر كثيرة، فينبغي لنا أن نتأملها وأن نحيا معها، وأن نسأل الله فيها أن يبدل فرقة الأمة وحدة، وضعفها قوة، وشتاتها لحمة وتوحداً، ونسأله جل وعلا أن يتقبل منا ومن عباده الصالحين، وأن يتقبل من الحجاج والمعتمرين: إلى عرفات الله يا خير زائر! عليك سلام الله في عرفات ويوم تولي وجهة البيت ناظراً وسيما مجال البشر والقسمات على كل أفق بالحجاز ملائك تزف تحايا الله والبركات فالله نسأل أن يوفقنا للصالحات، وأن يصرف عنا الشرور والسيئات، وأن يوفقنا للتوبة، وأن يتقبل منا خالص الدعوات، أقول هذا القول، وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب، فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 1450

مقاصد اجتماع الحجيج في عرفات الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وكرمك يا أرحم الراحمين! أما بعد: أيها الإخوة المؤمنون! أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله؛ فإن تقوى الله أعظم زاد يقدم به العبد على مولاه، وإن هذا الموقف العظيم على صعيد عرفات ينبغي أن يهز القلوب هزاً، وأن يستجيش المشاعر الإيمانية التي تتضرع إلى الله ، وتتذكر التفريط في جنبه، وتعلن التوبة لله . ففي هذا الموقف دروس عظيمة فإنه في موقف عرفات إعلان للوحدة، وبيان لحقيقة الدنيا، وإعلان للتوبة، ورفع للدعاء إلى الله ، وبيان لوحدة المقاصد والغايات، وهذه كلها معان عظيمة ينبغي أن تتذكرها الأمة سيما الأوبة والإنابة لله ، والإعلان الصادق بالارتباط بالله، والسعي نحو رضاه، وأن الآخرة هي المبتغى والمقصد: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ [القصص:٧٧] فادعوا الله ، وأكثروا في هذا اليوم العظيم من الدعاء وأنتم صائمون متقون من فضل الله ، وقد جعل الله لكم ما يعوض تخلف من يتخلف عن الحج من أمر الصيام المكفر للذنوب والخطايا، ومن أمر الأضاحي التي تقدم لله وما فيها من الأجر والثواب، فمدوا أيدي الضراعة وتكلموا بلسانها لله : مددت يدي نحوك يا إلهي! وإني في حماك لمستجير غني أنت عن مثلي وإني إلى رحماك يا ربي فقير إلهي ما أقول إذا دعاني؟ لحين حسابي اليوم العسير فهل أوتى كتابي في يميني أو العقبى عذاب مستطير فحاسبني بجودك لا بفعلي فأنت بما أتى مثلي بصير

стр. 1451

أحكام الأضحية وإن في هذا المقام لأمر يحتاج إلى التذكير والتنبيه، وهو في أمر الأضحية التي هي سنة مستحبة مؤكدة عن رسول الله ﷺ ، وقد علمنا وبين لنا في سنته كيف نفعل ونصنع في هذه الأضحية، فقد ورد في صحيح مسلم من حديث أنس ﵁، عن رسول الله ﷺ أنه قال: (من ذبح قبل الصلاة فإنما يذبح لنفسه، ومن ذبح بعد الصلاة فقد أتم نسكه، وأصاب سنة المسلمين)، فالذبح للأضحية إنما يكون بعد صلاة العيد، وفي حديث البراء مثله: (من ذبح قبل الصلاة فإنما هو لحم قدمه لأهله)، وإنما السنة الحقيقية التي بينها النبي ﷺ أن يذبح بعد الصلاة، وقد بين العلماء توقيتها سيما لأهل الحج، أنه يمتد إلى غروب شمس آخر يوم من أيام التشريق، وأما سنها فقد اتفقوا على أنه لا يجوز من الإبل والبقر والغنم إلا الثنية، والثنية من الإبل ما كان عمره خمس سنين، ومن البقر والمعز ما تجاوز سنتين وطعن في الثالثة، وينبغي أن يأخذ من أوساط البهائم والنعم فلا يأخذ العرجاء البين عرجها، ولا العوراء البين عورها، ولا العجفاء البين عجفها، ولا المريضة البين مرضها، كما ورد في حديث النبي ﷺ عند الترمذي من حديث البراء. وقد بين أهل العلم أنه يجوز للمرء أن يشترك مع غيره في أضحية واحدة بأن يشترك السبعة في بدنة أو في ناقة أو جمل، وكذلك يجوز أن يضحي المرء عن نفسه وعن أهله بأضحية واحدة، وإن كان يستطيع الزيادة فهي أجر وثواب من الله عظيم، ويجوز الأكل منها والتصدق بها، وقد ورد عن النبي ﵊ ما فيه حث على الأكل من الأضحية، وأن ذلك من سنته ﷺ ، بل قد ورد في الأحاديث أنه ﷺ نبه على الادخار من لحم الأضحية حتى يؤكل ولو في غير يومها، فهذا يدل على هذه السنة من سنن النبي ﷺ ، ويجوز على الصحيح أن يضحي المرء عن غيره إذا أراد أن يهب له أجر ذلك، وقد قال بعض أهل العلم: إن غير ذلك أولى، فالصدقة أعظم أجراً من الأضحية بالنسبة لمن أراد أن يضحي عن غيره أو عن ميت، وهذا كله من الأحكام التي ينبغي التنبه لها، وقد ورد في بعض الأحاديث وفيها ضعف: (أن من أفضل الأعمال في يوم النحر إراقة الدم، وإن الدم ليقع من الله بمكان قبل أن يقع إلى الأرض)، والله قد قال: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ [الحج:٣٧]، ولذلك فإن يوم العيد -يوم غد- هو اليوم الذي يضحي فيه المسلمون، ويتذكرون سيرة أبيهم إبراهيم الخليل ﵇، ويشاركون أهل الحج في بعض هذه المعاني والمعالم التي يبتغون وينالون بها أجر الله ، ويشاركون فيها إخوانهم الحجيج، وهذا أيضاً معلم من معالم التراحم والتكافل بين أمة الإسلام، ليتفقد الأغنياء الفقراء، وليرحم الأقوياء الضعفاء، وهذه سنة النبي ﷺ التي ثبتت عنه وداوم عليها، وقد فعل ذلك بنفسه ﵊، وقد قال أهل العلم: من السنة أن يذبح أضحيته بنفسه إن استطاع ذلك، بل قد نص بعضهم على أن المرأة تذبح أضحيتها بنفسها إن استطاعت ذلك، وقد فعل النبي ﷺ ذلك بنفسه، ونحر بعض إبله التي ضحى بها بيده الشريفة ﵊، وهذا من إعلان التوبة إلى الله ، ومن إعلان التقرب له ، وأن كل شيء إنما يوهب ويقدم لله : ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ [الحج:٣٧]. فاللهم نسألك أن تغفر ذنوبنا، وأن تكفر سيئاتنا، وأن تمحو زلاتنا، وأن تقيل عثراتنا، اللهم ضاعف حسناتنا، وارفع درجاتنا، وأعل مراتبنا، اللهم إنا نسألك غفران الذنوب، وستر العيوب، برحمتك يا علام الغيوب! اللهم إنا نسألك أن تجعل خير أعمالنا خواتيمها، وخير أيامنا يوم نلقاك وأنت راضٍ عنا، اللهم إنا نسألك توبة نصوحاً، ودعاء مستجاباً، اللهم إنا نسألك الندم على ما سلف وفات من التقصير والتفريط، ونسألك اللهم العزم فيما يأتي على الخيرات والمسارعة إلى الطاعات، اللهم إنا نسألك أن تجعلنا من عبادك الصالحين، وأن تجعلنا من عبادك المخلصين، وأن تجعلنا من جندك المجاهدين، وأن تتوفانا مسلمين غير خزايا ولا نادمين. اللهم إنا نسألك العفو والعافية والمعافاة الدائمة في الدين والدنيا والآخرة، اللهم تقبل حج الحجاج والمعتمرين، اللهم أمنهم في حجهم، وسهل لهم أمورهم، ويسر عليهم مناسكهم يا رب العالمين! اللهم تقبل من عبادك المؤمنين، اللهم واجعل هذا الحج خيراً وبراً ورحمة على عبادك المؤمنين، اللهم واجعل من ورائه للمسلمين وحدة من بعد فرقة، وقوة من بعد ضعف، وعزة من بعد ذلة، اللهم اجمع كلمة المسلمين على الحق يا رب العالمين! اللهم أصلح ذات بينهم، وألف بين قلوبهم، واجمعهم على كتابك وسنة نبيك ﷺ ، اللهم اجعلهم بكتابك مستمسكين، ولأوامرك مستجيبين، وعن نواهيك مبتعدين برحمتك يا أرحم الراحمين! اللهم إنا نسألك أن تطهرنا من الذنوب والخطايا، وأن تنقينا منها كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، اللهم اغسلنا من ذنوبنا وآثامنا، وطهرنا بالماء والثلج والبرد، اللهم إنا نسألك ألا تجعل لنا في هذه الأيام المباركة ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا كرباً إلا نفسته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا مبتلىً إلا عافيته، ولا ضالاً إلا هديته، ولا ميتاً إلا رحمته، ولا مجاهداً إلا نصرته، ولا داعياً للحق إلا وفقته، ولا حاجة من حوائج الدنيا والآخرة هي لك رضاً ولنا فيها صلاح إلا أعنتنا على قضائها ويسرتها يا أرحم الراحمين! اللهم تول أمرنا، وارحم ضعفنا، واجبر كسرنا، واغفر ذنبنا، وبلغنا فيما يرضيك آمالنا، اللهم إنا نسألك لقلوبنا الصفاء والنقاء، ولأبداننا الصحة والعافية، ولأعمالنا الصواب والقبول، اللهم اجعل ألسنتنا لاهجة بذكرك وجوانحنا عاملة بشكرك، اللهم فرج همومنا، ونفس كروبنا، واقض حوائجنا يا قاضي الحاجات! يا مفرج الكربات! نسألك اللهم أن تتقبل دعاءنا وألا تردنا خائبين، اللهم انصر عبادك وجندك المجاهدين في كل مكان يا رب العالمين! اللهم احقن دماء المسلمين، اللهم وأزل عنهم الشحناء والبغضاء والفرقة والخصام والشقاق والنزاع يا رب العالمين! اللهم إنا نسألك لعبادك المؤمنين المضطهدين والمعذبين أن ترحمهم، وأن تلطف بهم، وأن تعجل فرجهم، وأن تفرج كربهم وأن تقرب نصرهم، اللهم ارزقهم الصبر على البلاء، ورضهم بالقضاء، اللهم اجعل ما قضيت لهم زيادة في الإيمان واليقين، ولا تجعله فتنة لهم في الدين، اللهم إنا نسألك أن ترفع عنهم السخط والبلاء والغضب يا رب العالمين! اللهم إنا نسألك أن تجعل خير أعمالنا خواتيمها، وخير أيامنا يوم نلقاك وأنت راضٍ عنا يا أرحم الراحمين! اللهم واجعل هذا البلد آمناً مطمئاً رخاءً وسائر بلاد المسلمين، اللهم وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين! اللهم وفق ولاتنا لهداك، واجعل عملهم في رضاك برحمتك يا أرحم الراحمين! عباد الله! صلوا وسلموا على رسول الله؛ استجابة لأمر الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٥٦]، وترضوا على الصحابة الكرام، وخصوا منهم بالذكر ذوي القدر العلي، والمقام الجلي: أبا بكر وعمر وعثمان وعلياً وعلى سائر الصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك ورحمتك يا أرحم الراحمين! وَأَقِمِ الصَّلاةَ! إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ، وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ.

стр. 1452

مجتمعاتنا والصيف تعتبر الإجازة الصيفية أكثر أيام الشباب فراغاً من شواغل الدراسة ونحوها، إلا أن كثيراً منهم يعمرها بالسهر والكسل واللهو والنوم وكل غث غير مفيد، مع أنه كان يعد هذه الأيام فيما مضى لكل سمين نافع، ومع ذلك ما إن تأتي هذه الأيام إلا وينسى أو يتناسى ما وعد به نفسه ومناها، فلابد من استغلال المواهب والطاقات، وتوجيه الشباب للنهوض بالأمة، واللحاق بركب الحضارة، والتخلي عن سفاسف الأمور وغثائها.

стр. 1453

مظاهر وصور التهاون في الصيف الحمد لله، الحمد لله الموصوف بصفات الكمال، المتفرد بالعزة والجلال، منه المبتدى وإليه المرجع والمآل، حبب إلينا الإيمان ودعانا إلى صالح الأعمال، وكره إلينا الكفر وحذرنا من سوء الفعال، أحمده حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يليق بجلاله وعظيم سلطانه، هو أهل الحمد والثناء، لا نحصي ثناءً عليه هو كما أثنى على نفسه، فله الحمد على كل حال، وفي كل آن، وله الحمد في الأولى والآخرة. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، اختاره الله جل وعلا ليكون خاتم الأنبياء والمرسلين، وجعله سيد الأولين والآخرين، وبعثه كافةً إلى الناس أجمعين، وجعله رحمةً للعالمين. وأشهد أنه ﵊ قد بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده، ما من خير إلا وأرشدنا إليه، وما من شر إلا وحذرنا منه، وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، فجزاه الله خير ما جازى نبياً عن أمته، ورزقنا وإياكم اتباع سنته، وحشرنا يوم القيامة في زمرته، وصلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك ورحمتك يا أرحم الراحمين. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: أيها الإخوة المؤمنون! على أبواب الصيف يتجدد الحديث عن مجتمعاتنا والصيف، ذلك أن أموراً وأحوالاً وأوضاعاً كثيرة ربما يقع فيها كثيرون وهي مما ينبغي أن ينتبه له المسلم، وأن يحذر منه المؤمن، لأنه لا يليق به ولا يتناسب مع غاياته وأهدافه، ومع سماته وصفاته. وكثير من الإخوة قد أشار إلى التنبيه على بعض هذه الأمور لأهميتها، وحرصاً على أن نكون -بإذن الله في موضع طاعته ، وفي أسباب طلب العز والنصر والقوة لهذه الأمة التي لحق بها كثير من الضعف، وتمزقت أوصالها، واختلفت آراؤها، وحل بها كثير من غضب الله ؛ بسبب تفريطها في طاعته، وتقصيرها في التزام منهجه. إن هناك ظواهر كثيرة أحب أن أقف على بعض منها بشيء من الوضوح والصراحة، وبتسليط الضوء على الأسباب التي تؤدي إلى هذه الظواهر، ومن خلال رؤية إلى بعض صور العلاج لها.

стр. 1454

إدمان السهر والانشغال باللهو كثيراً ما يرتبط بالأذهان أن إجازة الصيف هي خلو عن أي عمل، وترك لأي طلب أو أخذ أو زيادة في العلم، وهذا يظهر أكثر في صفوف طلاب المدارس والجامعات الذين تتوقف دراستهم؛ فيرى أحدهم أن نظره في كتاب، أو مطالعته في مسألة، أو مراجعته لمنهج من المناهج كبيرة من الكبائر، وعظيمة من العظائم، وتسلط في أذهان كثير من أبنائنا وشبابنا أن هذه الفترة رغم امتدادها وطولها، ورغم وجود الفراغ فيها، ورغم تهيؤ كثير من الأسباب النافعة خلالها: أنه ينبغي لهم أن يكونوا عطلاً من كل علم وعمل، ونجد ذلك يتمثل في صور عمليه، وظواهر اجتماعية كثيرة: منها: السهر والعبث: فنحن نرى كثيرين في هذه الأوقات لا ينامون إلا بعد الفجر، أو ربما بعد انبثاق النور وبداية النهار، وذلك ليناموا بعد ذلك سائر يومهم، ونجد هذا السهر عابثاً ليس فيه شيء ينفع ويفيد في غالب الأحوال، بل فيه لغو باطل، وكلام لا نفع فيه، وربما وقع فيه اجتماع على بعض صور وأعمال من معاصي الله ، وربما يكون فيه كثير من أسباب الأذى؛ ولذلك نجد هذه الصورة تبرز لنا لتدلنا على هذا التعطل والبطالة. وصورة أخرى نراها أيضاً تابعة لها، وهي النوم والكسل: فلا انشغال بعمل، ولا ارتباط بهدف، ولا سعي لإنجاز مهمة، بل لو كان هناك وقت غير النوم فإنه يقضى في الفراغ الذي لا جدوى فيه ولا نفع. ونجد أيضاً صورةً ثالثة: وهي التفاهة والأذى التي نجد فيها كثيراً من الشباب والشابات، رغم سهرهم وعبثهم، ورغم نومهم وكسلهم، يفيض الوقت لكثرته، فلا يقضونه إلا في أمور تافهة، يفكر أحدهم في ملابسه أو سيارته، وتفكر الأخرى في زينتها أو أسواقها، أو غير ذلك، ويقع من وراء ذلك ما يقع من الأذى للناس، أو من التجريح لهم، أو ما يقع من آثار الاجتماعات والتجمعات التي يقضون فيها أوقاتهم، فنجد حينئذ تجسداً لهذه الصورة التي لا تليق بالمسلم، فضلاً عن شباب الأمة الذين هم أملها المرتقب.

стр. 1455

أسباب التهاون في إجازة الصيف نحن نرى أن تلك المظاهر تدفعها أسباب، وتهيئها أوضاع، ذلك أن هناك تربية أسرية تكرس هذه المعاني، فنجد كثيراً من الآباء والأمهات يغرسون في نفوس أبنائهم أنه لا ينبغي له أن يقرأ، ولا أن يتعلم ولا أن يعمل شيئاً، ولا أن تسند إليه مهمة، ولا أن يقوم بأي شيء. وكذلك نجد أمراً آخر يساعد على ذلك، وهو البيئة الاجتماعية -الدائرة الأوسع من دائرة البيئة الأسرية- فنحن نرى حديث الناس في الصيف عن قضاء الأوقات أو قتلها في اللهو والعبث، أو غير ذلك من الصور التي تكرس هذا المعنى. وأمر ثالث أيضاً: وهو الدعاية الإعلامية التي تعمق هذا المفهوم، فهناك دعوة للسياحة، ولقضاء أوقات الفراغ، وللتنزه، وغير ذلك من الأمور التي قد يكون أصلها ليس محظوراً ولا محرماً، لكن تعميقها وجعلها غايةً، وصرف الأوقات والأموال فيها؛ هو الأمر الذي ينبغي أن يترفع عنه المسلم. إننا حينما نجسد هذه الصورة نقف على خطر عظيم، ذلك أن هناك وقتاً طويلاً يمتد إلى أشهر، وشبابنا وشاباتنا وطلابنا وطالباتنا تصل أعدادهم إلى الملايين، وهناك أوضاع متنوعة متعددة تضيع بلا جدوى ولا ثمرة. ونحن أمة نحتاج إلى مزيد من مضاعفة الجهد والعمل وتحصيل الثقافة والعلم؛ لندرك من سبقنا في أبواب كثيرة من أبواب التقدم والعلم، ولنحصل كثيراً مما فاتنا وسبقتنا إليه أمم أخرى، ومع ذلك نجد الأمر على هذا النحو. بل إننا نجد شكوى مزعومةً من بعض الشباب في أوقات الدراسة، هذا وهم يأملون ويؤجلون كل آمالهم وطموحاتهم إلى هذه الفترة؛ فتجد أحدهم لا يجد فرصةً للعبادة والطاعة بحجة انشغاله بالدراسة، وآخر لا يجد متسعاً من الوقت للثقافة والاطلاع وزيادة المعلومات بسبب الانشغال بالتحصيل والاختبارات، وثالث لا يرى فرصةً لتنمية المهارات، أو ممارسة الهوايات، فأين هذا كله في هذه الفترة؟

стр. 1456

التهاون بالعبادات والطاعات وإهمالها نحن نسأل عن الليل، أين قيام الليل من هذا السهر العابث واللهو التافه الذي تقضى فيه كثير من الأوقات؟ أين قول الله : ﴿وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات:١٨]؟ أين أنت أخي الشاب المسلم من قول الله : ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾ [المزمل:٦]؟ أفلا تذكر النبي ﷺ وصغار الصحابة، وتذكر الشباب الغض الطري كيف كان يقضي ليله، وهو في النهار من المجاهدين ومن العاملين، لا من النائمين والكسالى الذين تتاح لهم فرصة للراحة، مع ذلك كان دأبهم على ما نعلمه ويعلمه كثير منا لكنه لا يؤثر في واقعنا؛ فكلنا نعلم قصة ربيعة بن كعب ﵁ لما سأله النبي ﷺ عن أمنيته ليدعو له بها، فقال: (أسألك مرافقتك في الجنة، قال: أو غير ذلك؟ قال: ليس إلا هو، قال: فأعني على نفسك بكثرة السجود)، فلم يكن ﵁ يدع قيام الليل بعد ذلك وهو في الرابعة عشرة من عمره. وعبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ كما في صحيح البخاري جاء إليه النبي ﵊، وقال له: (ألم أخبر أنك تصلي فلا تنام، وتصوم فلا تفطر، وتقرأ القرآن في كل ليلة؟ قال: نعم يا رسول الله)، هذا الخير بلغ النبي ﵊ عن حال عبد الله بن عمرو وهو الشاب الذي كان في مقتبل العمر، فكان يصلي فلا ينام، يصوم فلا يفطر، ويقرأ القرآن في كل يوم، حتى رده النبي ﵊ إلى الاعتدال، وذكر له صيام يوم وإفطار يوم، وأن ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه الأخير، وأن يختم القرآن في خمس، أو في سبع كما في بعض الروايات. نحن نقول لإخواننا ولأنفسنا ولآبائنا: إن هذا الوقت الذي يفرغ فيه الإنسان أو الشاب من هذا الارتباط بالدارسة أو التحصيل وغير ذلك، ينبغي أن يقابله هذا الاستثمار في العبادة والطاعة. أين الذكر والتلاوة؟ كثير من الشباب لا يجدون -كما يقولون- وقتاً لتلاوة القرآن وذكر الله في أوقات الدراسة، أفليس جديراً بهم أن يقرءوا جزءاً من القرآن في أول نهارهم، وجزءاً في آخر يومهم، أو أكثر من ذلك كما كان شباب صحابة النبي ﷺ يفعلون؟ أين المسارعة إلى الخيرات، والمسابقة إلى المساجد والصلوات؟ أين هذا الذي كان يُترك بعضه أو كثير منه بحجة الانشغال بالدارسة والتفرغ لها؟ فما بالنا نشكو هذه الشكاوى المزعومة، وندعي هذه الدعاوى الموهومة، ثم إذا جاء الوقت وحانت الفرصة لم نجد الصورة الصادقة لهذه الدعوى.

стр. 1457

إهمال الثقافة والاطلاع في أوقات الفراغ لماذا لا يستثمر الوقت في مثل هذا المجال لتحصيل مزيد من العلم، أو التهيؤ للعام القادم، أو مراجعة ما مضى من التحصيل، أو في زيادة في أبواب من الفهم والعلم يميل إليها الشاب أو الشابة، كأنه -كما أشرت من قبل- ينبغي ألا يكون خلال هذه المدة الطويلة في الإجازة الصيفية أي قراءة ولا اطلاع، ولا كتاب، ولا مقال. نجد كأن الإنسان إنما جعل له هذا الوقت ليبدده من غير فائدة، ونحن نعلم ما كان من سلفنا رضوان الله عليهم كيف نقلوا لنا سنة النبي ﷺ ، كيف نقلوا لنا القرآن الكريم، كيف نقلوا لنا هذه الثروة الهائلة من العلوم الإسلامية، والمؤلفات الضخمة، حيث لم يكن أحدهم ينام ملء عينيه، ويأكل ملء ماضغيه، ويطمئن إلى الدنيا، وينشغل باللهو والعبث، بل كانوا على جد وعمل. فهذا ابن عقيل الحنبلي يقول: إنه لا يترك لحظةً إلا وهو ينشغل بقراءة، فإن لم يكن فبكتابة، فإن تعب تمدد وشغل فكره في مسألة من المسائل، وكان بعض السلف وبعض علماء الأمة من أمثال إمام الحرمين الجويني لا ينام إلا مغلوباً، فليس له وقت في النوم، وإنما يقرأ ويطالع ويدرس ويعمل، حتى يرهق فينام، فإذا نام نومةً قصيرةً كانت أو طويلة استيقظ وواصل عمله. جد ودأب واستثمار واستغلال، فما بالنا نحن في هذه الظروف اليسيرة التي هيأ الله فيها أسباباً من النعم كثيرة، نفرط مثل هذا التفريط، وندع مثل هذه الفرص دون اغتنام.

стр. 1458

التقصير في التوجيه للشباب ونجد أيضاً أن هناك ضعفاً فيما ينبغي أن يقدم للشباب في هذه الأوقات، فلا نرى كثيراً من البرامج التي تحثهم على القراءة والاطلاع، لا نجد مسابقاتٍ ثقافية تتناسب مع وقت الفراغ وتكون فيما ينفع ويثمر. لا نجد أيضاً التوجيه الإعلامي المناسب الذي يعمق هذا التوسع الفكري والاطلاع الثقافي لدى شبابنا، حتى إننا نجد أحياناً صوراً ممسوخةً لا يعرف فيها أحدهم ما درسه من المناهج، بل لا يعرف أحدهم أن يجيد كتابة اسمه فضلاً عن أن يكون صاحب علم ومعرفة.

стр. 1459

دعوة إلى استغلال الأوقات في تنمية المهارات كسب العمل التدرب على المهن الفرص التي تتاح في هذا الوقت للشباب، لماذا لا تستغل في العمل والجد وتحمل المسئولية؟ لماذا يبقى شبابنا حتى التخرج من الجامعة وهو لا يزال غير قادر على تحمل المسئولية؟ ألم يكن من صحابة المصطفى ﷺ من قاد الجيوش وهو في السابعة عشرة من عمره؟ ألم يكن منهم من تولى الإمارة، ومن عمل أعمالاً وقام بمهمات عظام، كمهمة نقل القرآن وكتابته التي قام بها زيد بن ثابت وهو شاب غض طري، فلماذا لا نعود أبناءنا على تحمل المسئولية؟ ولم يعيشون على كد آبائهم فحسب دون أن يتهيئوا لحمل المسئولية والقيام بالعمل؟ لقد كان عمر بن الخطاب ينظر إلى الرجل فتعجبه عبادته وطاعته، فيسأل عن عمله ونفقته، فيقال له: إنه لا عمل له، وإن أخاه أو أباه ينفق عليه، فيسقط من عينه؛ لأن الإنسان بلا عمل وبلا مسئولية وبلا مهمة لا قيمة له، كيف يعيش بغير كدح في الحياة واستثمار لها، وأخذ بالأسباب التي تعينه على طاعة الله فيها. يقول النبي ﵊: (ما أكل ابن آدم طعاماً قط خير من أن يأكل من عمل يده)، ونعلم توجيهه ﵊ عندما للرجل الذي جاءه يسأله فأعطاه، ثم جاء يسأله فأعطاه، ثم قال له: (أليس عندك من مال؟ قال: لا إلا قصعةً وكذا، قال: فائتني بهما، فنادى بهما النبي ﷺ للبيع فبيعا بدرهمين، فقال: كل بدرهم واشتر بدرهم فأساً أو قدوماً، ثم اذهب فاحتطب، فذهب فعمل فدعا له النبي ﵊، وبين أن شرف العمل وقيمته في هذا الدين الإتقان فيه، كما أخبر النبي ﵊: (إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه)، لا بد أن نستغل هذا الوقت لنشغل أبناءنا وفتياتنا بما يعود عليهم بالفائدة والنفع. ونحن نعلم أن هناك فرصاً من العمل تتاح للطلبة على وجه الخصوص ليشغلوا أوقاتهم، وليكتسبوا بعض الخبرات، ولكن أيضاً هناك بطالة مقنعة، بعضهم يأخذ أعمالاً أو وظائف لمجرد أن يأخذ بعض الأموال دون أن تكون هناك مهمة ولا عمل ولا اكتساب لخبرة، هذا أيضاً نوع ليس مرغوباً فيه. ونجد أيضاً فرصاً أخرى تتيحها معاهد التدريب المهني للتدرب في مجال الكهرباء أو الميكنيكا أو غير ذلك من الأمور النافعة التي تجعل الإنسان عنده مهنة تدفع عنه الفقر إن شاء الله ، وهذا أمر متاح معروف، وقد رأيت له إعلانات كثيرة تدعو الشباب إلى أن يشتركوا في مثل هذه الدورات المجانية بغير مقابل، فاذهبوا وانظروا مدى الإقبال عليها، فإنكم واجدون حالةً تحتاج إلى إعادة نظر. وهناك فرص أخرى كثيرة ينبغي أن تستثمر؛ لأجل العمل، ولأجل تحمل المسئولية، ومن ذلك المراكز الصيفية التي تجمع بين كثير من المنافع: في استغلال الأوقات، والدفع والتشجيع على العبادة والطاعات، وزيادة العلم والثقافة، واكتساب المهارة، وغير ذلك. والرسول ﵊ قد بين لنا أنه: (ما من نبي إلا وقد رعى الغنم)، وأخبر عن نفسه أنه كان يرعاها لأهل مكة على قراريط، ليبين لنا شرف العمل. وكان علماؤنا منهم الفراء، ومنهم الخياط، ومنهم البزاز، ألقابهم تدل على مهنهم، فإنهم اشتغلوا بالعمل وبالعلم، وتحملوا المسئولية، فينبغي لنا أن نلغي هذه الصورة من ترك العمل والعلم، خاصةً في صفوف أبنائنا وشبابنا: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة:١٠٥]. أقول هذا القول، وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب؛ فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 1460

صور للمضار والأخطار التي تقع في السفر الخارجي الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد صادق الوعد الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك ورحمتك يا أرحم الراحمين. أما بعد: أيها الإخوة المؤمنون! أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله؛ فإن تقوى الله أعظم زاد يقدم به العبد على مولاه، وإن من أعظم التقوى الحرص على نعم الله ، وتقييدها بشكرها علماً وعملاً. وأنتقل إلى صورة أخرى من صور واقعنا الاجتماعي، وهي صورة تتعلق بتبديد الثروات من مال ووقت وجهد، ويرتبط هذا التبديد إلى حد كبير بوقت الصيف والإجازة التي فيه، ونرى لذلك أيضاً صوراً عديدة: أولها: كثرة السفر إلى خارج البلاد. وثانيها: كثرة الأفراح وما يقع فيها من إسراف. وثالثها: بذل الأموال للأبناء في الهدايا والمصاريف وغيرها.

стр. 1461

أخطار عقدية وسلوكية ناتجة عن السفر إلى الخارج وأقف وقفات سريعة ليس المقصود منها أن نفصل القول في هذه الجوانب، ولكنها ومضات يكفي القليل منها للتنبه إلى ما يقع من خلل، وما قد يستتبع ذلك من خطر. فنحن نجد كثيرين يتنادون إلى السفر من هذه البلاد إلى غيرها من بلاد أخرى، وكثيرون يذهبون أيضاً إلى بلاد الكفر التي لا تقيم وزناً لخلق، ولا ترفع شعاراً لإيمان، ولا شيئاً من ذلك، وهنا يتعرض المسلم في سفره هذا إلى مخاطر عدة: أولاً: المخاطر الاعتقادية: حيث يفتن بعض الناس أو الشباب على وجه الخصوص بأهل الكفر فيعظمونهم، ويرون فيهم مثلاً يحتذى، ويرون في صورة حياتهم قدوة ينبغي أن تطبق في حياتنا، وقد يفتنون في دينهم فيتشككون في بعض عقائدهم. ثانياً: المخاطر السلوكية: حيث يرون صوراً من التحلل، والإباحية، ووجود الخمور، وكثرة الخنا والفجور، ونحو ذلك مما نعلمه ولا يخفى على أحد، ولا يحتاج إلى بيان.

стр. 1462

أخطار أمنية واقتصادية ناتجة عن السفر إلى الخارج ثالثاً: المخاطر الأمنية: نسمع بالاعتداء على الأموال بالخطف، أو الاعتداء بالضرب، ونحو ذلك مما وقع لكثيرين ولم يعتبر بهم غيرهم. رابعاً: المخاطر الاقتصادية: حيث يتفنن كثير من الناس في تبذير الأموال في غير ما حاجة إلى السفر أو اللهو، ونحو ذلك، فينفعون بذلك أعداء الأمة، ويضعفون مواردهم المادية واقتصاد بلادهم، وهذا أيضاً كله صورة مصغرة.

стр. 1463

معالجة الأوهام الدافعة إلى السفر إلى الخارج عندما تبحث عن الدعوى في ذلك، تجد أنها: نحن نريد أن نرفه عن أنفسنا، وأننا خلال فترة طويلة لم يكن عندنا فرصة لهذا الترفيه. وأقول: هذا أيضاً تصور غير صحيح، فنحن في كل أسبوع عندنا يومان من أيام العطلة والإجازة، وعندنا عطلة في الربيع، وعطلة في الأعياد، وعطلة في رمضان، وأخرى في الحج، وكثير من الناس يقضون هذه العطل فيما يقولون إنه ترفيه عن أنفسهم، أو تجديد لنشاطهم، فهل يضاف إلى ذلك ثلاثة أشهر ربما تكون ربع العام، فيكون ترفيهنا أكثر من نصف العام، إذاً: فأين علمنا، وأين عملنا، وأين جهدنا وجهادنا؟! إذا كان نصف عمرنا يقضى فيما نجعله ترفيهاً أو نحو ذلك، وإذا كنا نجد أننا بحاجة إلى ذلك، فينبغي ألا يصاحب ذلك شيء من المحرمات، ولا الوقوع في معاصي الله ، وينبغي ألا يكون ذلك مبرراً لكل هذه التجاوزات والترخصات بحجة أننا نريد أن نرفه عن أنفسنا. وإذا أردنا أن نرفه عن أنفسنا فإن هناك مواضع كثيرة في هذه البلاد وفي غيرها من البلاد التي يقل فيها الفساد، ولا يوجد فيها ما في بلاد الكفر، فإن كنت فاعلاً ففي مثل هذا واقتصد في الوقت والإنفاق؛ لأن هذا كله ينبغي أن يقابل بأمر آخر نحتاج إليه ونستفيد منه أكثر من هذا. ونحن نعرف أيضاً أحوال إخواننا المسلمين في بلاد كثيرة كالبوسنة والهرسك، وكشمير وغيرها، أفيكون لنا كل الاطمئنان والسعادة في أن نبذل وننفق ونلهو ونلعب ونمرح ونفرح، دون أن نتذكر إخواننا باقتطاع شيء من أموالنا، أو باقتطاع شيء من وقتنا لنتفقد أحوالهم، أو نزورهم في بلادهم، أو غير ذلك مما ينبغي أن نشغل به أنفسنا وأفكارنا وعقولنا. أين نحن أيضاً من سفر العبادة؟ لم لا يكون هذا الموسم موسماً لمجاورة بيت الله الحرام في مكة المكرمة، ولزيارة مسجد النبي ﷺ في المدينة المنورة؟ وقت هنا ووقت هناك، الانتقال والتغيير للمكان وللناس هو أيضاً نوع من التجديد، أفلا يكون ترفيهاً؟ أفلا يكون زيادة للإيمان؟ ألا يوجد صورة من صور الانتفاع إلا أن يكون السفر إلى خارج البلاد، هذا أيضاً أمر ينبغي أن يكون الإنسان منه على ذكر، علماً بأن المسلم ليس عنده في الحقيقة فراغ حتى يقول: أريد أن أبدد هذا الوقت، فالوقت هو الحياة: والوقت أنفس ما عنيت بحفظه وأراه أسهل ما عليك يضيع لم تفرط في هذا الوقت والله يخاطب نبيه ﷺ ويقول: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ﴾ [الشرح:٧]، أي: إذا فرغت من شأن الدنيا وأعمالها، فانصب لطاعة الله ، فليس هناك فراغ في الحقيقة، فالدنيا مزرعة وحرث للآخرة، وكل وقت يمكن أن تستثمره في طاعة الله ؛ ولذلك ينبغي أن نتنبه إلى هذا المعنى.

стр. 1464

صور للمضار الناتجة عن الأفراح وغيرها ونجد الصورة الأخرى أيضاً في الأفراح وما يصاحبها من إسراف وتبذير بدعوة الأعداد الكبيرة، وتهيئة الأطعمة الوفيرة، واشتراط تغيير الملابس للنساء، وغير ذلك من أمور ينفق فيها من الأموال ما ينبغي أن يدخر ويبذل في أبواب الخير أخرى، أو ينتفع به لأمور أعظم من هذا وأشرف. وإذا كان يقترن مع ذلك محرمات فيكون الإنفاق في هذا الباب إنفاقاً محرماً، وغير ذلك من الصور التي تقترن في أمور الأفراح وهي كثيرة جداً. وكذلك الأموال التي يعطيها الآباء لأبنائهم؛ ليشتروا ويرفهوا عن أنفسهم دون أن يسألوهم في أي شيء صرفوا هذا المال، وقد يصرفونه فيما يضرهم، وقد يكون مدخلاً لهم إلى شيء من المحرمات، أو من المخاطر الكبرى كالمخدرات وغيرها: إن الشباب والفراغ والجدة مفسدة للمرء أي مفسدة

стр. 1465

دعوة إلى اليقظة وشكر نعمة الله فينبغي الترشيد والانتباه؛ ولذا ألخص قولي في دعوة صادقة لنا جميعاً أيها الإخوة: أن نحرص حرصاً أكيداً على طاعة الله، وأن نستثمر الأوقات التي أتاحها الله لنا، لا لشيء إلا لذكره ولشكره : ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا * وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾ [الفرقان:٦١ - ٦٢]. دعوة صادقة: أولاً: بترشيد الإنفاق والتبرع في سبيل الله؛ رشدوا في السفر والأفراح، وابذلوا في سبيل الله . ثانياً: المحافظة على الأوقات، والعمل بطاعة الله : أكثروا من الذكر والتلاوة، وطلب العلم، واستغلال الوقت في هذه الفرصة المتاحة. ثالثاً: ترك البطالة، والاشتغال بالأعمال. رابعاً وأخيراً: تقوية الأواصر والتعاون على الخير: لم لا تكون الإجازة فرصة عظيمة لصلة الأرحام والتزاور، وتقوية الأواصر، وقيام المشاريع الخيرة بين أهل الحي والجيران؟ لم لا نستثمر هذه الأوقات في طاعة الله ؟ اللهم إنا نسألك أن توفقنا لما تحب وترضى، اللهم خذ بنواصينا إلى طريق الحق والسداد، وألهمنا الرشد والصواب، اللهم ردنا إلى دينك رداً جميلاً، اللهم إنا نسألك العفو والعافية، والمعافاة الدائمة في الدين والدنيا والآخرة، اللهم اهدنا واهد بنا، واجعلنا هداة مهديين يا رب العالمين. اللهم استعملنا في طاعتك، وسخرنا في الجهاد في سبيلك، برحمتك يا أرحم الراحمين، اللهم إنا نسألك أن توفقنا للطاعات، وأن تصرف عنا الشرور والسيئات، وأن تغفر اللهم لنا ما مضى وما هو آت. اللهم تولَّ أمرنا، وارحم ضعفنا، واجبر كسرنا، واغفر ذنبنا، وبلغنا فيما يرضيك آمالنا. اللهم إنا نسألك أن تجعل خير أعمالنا خواتمها، وخير أيامنا يوم نلقاك وأنت راض عنا. اللهم اجعلنا من عبادك المخلصين، ومن جندك المجاهدين، واجعلنا من ورثة جنة النعيم، اللهم اجعل لنا من كل هم فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً، ومن كل فتنة عصمة، ومن كل بلاء عافية، يا أرحم الراحمين، اللهم إنا نسألك إيماناً كاملاً، ويقيناً صادقاً، ورزقاً طيباً، وعلماً نافعا، ورزقاً واسعاً، وتوبة قبل الموت، ومغفرةً بعد الموت، برحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وارفع بفضلك كلمة الحق والدين، ونكس رايات الكفرة والملحدين، اللهم من أرادنا وأراد الإسلام والمسلمين بخير فوفقه لكل خير، ومن أرادنا وأراد الإسلام والمسلمين بسوء فاجعل دائرة السوء عليه، واجعل تدبيره تدميراً عليه، يا سميع الدعاء. اللهم اجعل هذا البلد آمناً مطمئناً رخاءً وسائر بلاد المسلمين، اللهم اجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين، اللهم وفق ولاتنا لهداك، واجعل عملهم في رضاك، اللهم من أرادنا وأراد الإسلام والمسلمين بسوء فاجعل دائرة السوء عليه، اللهم اجعل دائرة السوء على الكافرين، اللهم عليك بسائر أعداء الدين فإنهم لا يعجزونك، اللهم زلزل الأرض تحت أقدامهم، وخذهم أخذ عزيز مقتدر، اللهم أحصهم عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تبق منهم أحداً، اللهم لا ترفع لهم راية، واجعلهم لمن خلفهم عبرة وآية، اللهم استأصل شأفتهم، ودمر قوتهم، وفرق كلمتهم، يا قوي يا عزيز يا منتقم يا جبار. اللهم رحمتك ولطفك بعبادك المضطهدين والمعذبين، اللهم رحمتك بالمشردين والمبعدين، اللهم رحمتك بالأسرى والمسجونين، اللهم رحمتك بالشيوخ الركع، والأطفال الرضع، اللهم رحمتك بالصبية اليتامى، والنسوة الثكالى، اللهم ارفع عنهم البلاء، اللهم وارزقهم الصبر على البلاء، والرضا بالقضاء، اللهم اجعل ما قضيت لهم زيادة في الإيمان واليقين، ولا تجعله فتنة لهم في الدين، برحمتك يا أرحم الراحمين. عباد الله: صلوا وسلموا على رسول الله استجابةً لأمر الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٥٦]، وترضوا على الصحابة الكرام، وخصوا منهم بالذكر ذوي القدر العلي، والمقام الجلي؛ أبا بكر وعمر وعثمان وعلي، وعلى سائر الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وكرمك يا أرحم الراحمين.

стр. 1466

البطل الفريد والشهيد القعيد ما زالت الأمة الإسلامية على مر العصور والدهور تنجب أبطالاً يعانقون الكواكب والنجوم رفعة وعزة، ومن هؤلاء الأبطال بطل شامخ عزيز، بطل شاء الله أن يجعل من حياته ومواقفه وهيئته صورة فريدة تلفت الأنظار، إنه البطل القعيد أحمد ياسين ﵀، ذلك الرجل الذي جمع الله بكلماته جموعاً متفرقة، وأحيا بها نفوساً ميتة، ذلك الرجل الذي أوقع في النفوس والقلوب أعظم التأثير بكلمته وخطابه، وصبره وثباته الذي شمخ به إلى العلياء، مقاوماً كل قوى الظلم والطغيان، ومستمسكاً بالوحي والقرآن، حتى منّ الله عليه بالشهادة والموت في سبيله، فإلى جنة الرضوان، بإذن الرحيم الرحمن.

стр. 1467

ومضات من حياة الشيخ المجاهد: أحمد ياسين ﵀ الحمد لله، لا إله غيره ولا رب سواه، لا يضل من استهداه، ولا يخيب من رجاه، من توكل عليه كفاه، ومن التجأ إليه وقاه، له الحمد كما يحب ويرضى على آلائه ونعمه التي لا تعد ولا تحصى. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت، وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن نبينا وقائدنا وقدوتنا محمداً عبد الله ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، أرسله إلى الناس أجمعين، وبعثه رحمة للعالمين، هدى به من الضلالة، وأرشد به من الغواية، وأشهد أنه ﵊ قد بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، فجزاه الله خير ما جازى نبياً عن أمته، ووفقنا وإياكم لاتباع سنته، وحمل دعوته، ورفع رايته، وأسأل الله أن يحشرنا في زمرته، وصلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢] ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]، أما أبعد: فيا أيها الإخوة المؤمنون: (البطل الفريد والشهيد القعيد رحمه الله تعالى). هذا هو موضوع حديثنا، وأحب بادئ ذي بدء أن أشير إلى أن خطيب المنبر يتعرض لضغوط نفسية كثيرة، فما عسى أن يقول في الأحداث العظيمة، والأمور ليست على ما يحب المرء ويرضى، وكيف يلبي ما قد يجول في خواطر ونفوس السامعين؟ وكيف يتلقى قبل خطبته وبعدها من الناس ما يقولونه من مشاعرهم أو ما يطلبونه من توجيه وإرشاد، أو حث وحظ وتحريض على ما يرونه فيما يحبون أن يكون عليه الحال؟ وثمة أمر آخر لا يجهله أحد: وهو أن المقام يكون فيه الحديث محزناً ومؤلماً، ومن جهة أخرى يجب أن يكون مؤثراً ومحركاً يقع فيه من تأثير العواطف وضبط العقل وحكمته ما يكون، وهذا لا يسير إلا بتيسير الله . ولسنا -أحبتي الكرام- في مقام نريد فيه أن نثير العواطف، ونهيج المشاعر، ونذرف الدموع ثم نمضي مرة أخرى ونرجع إلى سيرتنا الأولى، ونعود على أعقابنا، ننشغل بدنيانا وننسى واقع أمتنا، ونتغافل عن سوء حالنا، ونتجاهل شدة هجمة أعدائنا. من الممكن أن يتحدث الخطيب فتلتهب المشاعر فيبكي ويُبكّي، وقد قلت مراراً أنني لا أجيد هذا ولا أحبذه، وأحسب أن كل مؤمن غيور قد اعتصر قلبه حزناً وأسىً، وما أحسب أحداً إلا وقد بكى ما شاء الله له أن يبكي، لكن الأمر ليس على ما نريد من هذه المشاعر التي تسكن بها بعض أحزاننا وآلامنا، فرأيت أن أتنحى عن مقامي هذا في الحديث إليكم؛ لأنني أجد صعوبة فيه؛ فرأيت أن أتحدث إليكم في هذا المقام بمسيرة حياته، ومجموع متفرق من كلماته. الرجل الذي نتحدث عنه اليوم حديثه إليكم أبلغ من حديثي، وكلماته أوقع في النفوس وأعظم تأثيراً في القلوب؛ لأنها ليست كلمات بلاغة وإنشاء ولكنها كلمات صدق وإخلاص، صدقتها الأفعال، وروتها الدماء، وشمخت بها إلى المراتب العليا من استعلاء الإيمان وثبات اليقين الذي نسأل الله ألا يحرمنا وإياكم منه. مسيرة حياته في ومضات أرويها لكم وأقصها عليكم دون أن أعلق إلا باليسير.

стр. 1468

استشهاده ﵀ ومضى رحمه الله تعالى على هذه المسيرة حتى تعرض بعد الاعتقال إلى محاولة الاغتيال التي لم تكن بينها وبين استشهاده إلا نحو ستة أشهر، ثم جاءت الخاتمة الحسنة بإذن الله في يوم الإثنين، وبعد صلاة فجر وبعد فريضة ووسيلة وورد ذكر؛ ليكون على موعد مع ما أراده الله وتمناه هو لنفسه في هذه الدنيا، إنها الشهادة التي تمثل قمة الشموخ والإيمان وعظمة المسلم المجاهد، إذ كيف لهذا الرجل الضعيف الواهي الواهن أن يضرب بثلاثة صواريخ من طائرة تعضدها طائرات مقاتلة لا تستخدم إلا في حروب الدول، ولا تستخدم إلا في القصف المدمر العنيف؛ لأنهم كانوا يدركون عظمة هذا الرجل، وعظمة حركة رأسه، وعظمة كلماته، وعظمة حركة كرسيه!! ولقد كان في تدبيرهم حتف لهم بإذن الله إذ أعطوه ما تمناه، وإذ جعلوا من شهادته وقوداً محركاً للأمة بإذن الله، وجعلوه يختم هذه الحياة بما صدقت كل كلمة من كلماته، وكل موقف من مواقفه، وجعلوا شهادته الأخيرة هي قمة عطائه، وأعظم جهاده، وأسمى درجات تضحياته وفدائه في سبيل الله ، وفي سبيل نصرة دينه وأمته، وفي سبيل مواجهة أعدائه من أعداء الدين والأمة.

стр. 1469

خروجه من سجون الاحتلال وفي السجن ومع التعذيب تذهب عينه اليمنى، ويضعف بصره في عينه اليسرى، وتزداد آلامه في أحشائه ﵀، ويأبى الله لهذا الرجل إلا أن تكون حياته فريدة، وأن تكون شهادته أيضا فريدة، فيخرج رغم هذا الحكم في صفقة تبادل الأسرى في عام (٨٥).

стр. 1470

تأسيسه لحركة حماس وبعد هذا! هل تاب من فعلته؟ وهل أقعدته أمراضه مع شلله؟ كلا! فقد تحرك حركة أعظم مما كان يتحركها من قبل، وتحرك حينئذ وقد رأى ثمرة جهده وجهد إخوانه وهي تزهر في المساجد التي امتلأت بالشباب، وفي الرجوع والأوبة إلى الله ، فرأى الوقت مناسباً أن يجيش هذا الزخم الدعوي الإيماني ليكون فعلاً حركياً عملياً في مقاومة أعداء الله. فنشأت حركة المقاومة الإسلامية حماس.

стр. 1471

المعتقل الأخير وبهذه الجهود العظيمة التي تحرك فيها الشيخ أعيد اعتقاله بعد عامين تقريباً، وسجن نحواً من عامين، وحكم عليه بحكم فريد غريب، حكم عليه بالسجن مدى الحياة وزيادة خمسة عشر عاماً، فانظروا كيف هو الطغيان والعنصرية اليهودية البغيضة! كيف يحكم على امرئ مدى الحياة وزيادة خمسة عشر عاماً؟ هل سيعتقل بعد موته خمسة عشر عاماً؟ وقد خيب الله أملهم، فلم تكن وفاته في سجونهم. ومرة أخرى وبقدر الله وبسبب من أحد أبنائه وأبطاله ورجاله، يخرج الشيخ مرة أخرى بعد سنوات غير قصيرة عام سبعة وتسعين، ويخرج حينئذ وهو قائد عظيم، وهو الذي أخذ السمة العظيمة في تأسيس حركة الجهاد والمقاومة الإسلامية.

стр. 1472

أول اعتقال اعتقل في العشرين من عمره أول اعتقال في زنزانة منفردة شهراً كاملاً، ثم خرج من بعد وواصل مسيرة الدعوة وتحريك الناس وتربية الشباب الذين لم يأتوا من فراغ، ولم يكن استشهاده ولا استشهاد أبنائه من حماس أمراً جاء فلتة من الزمان، أو جاء في اندفاع عاطفي؛ بل كان ثمرة تربية إسلامية إيمانية دعوية جهادية كان فيها هو الرائد القائد، ثم معه صحبه الكرام الذين قطعوا مراحل وعقوداً من الزمن قبل أن تأتي بطولاتهم، وقبل أن يسطروا بدمائهم تلك المآثر العظيمة والمواقف الجليلة. مضى رحمه الله تعالى حتى نشط في الدعوة نشاطاً كان فيه المبرر لاعتقاله ومحاكمته بتهمة عجيبة: (تدمير دولة إسرائيل). الرجل الذي كان يوم ذاك لم يتجاوز إلا منتصف الثلاثينات من عمره أو قريباً من الأربعين وهو على حاله المعروفة يواجه بهذا الاتهام، ويحكم عليه بالسجن ثلاثة عشر عاماً.

стр. 1473

خروجه إلى الضفة بعد الاحتلال في العاشرة أو الثانية عشرة من عمره حلت النكبة العظمى باحتلال اليهود عليهم لعائن الله لأرض الإسراء عام ثمانية وأربعين، وخرج مع أسرته طريداً مهاجراً كآلاف ومئات آلاف وبضعة ملايين من أهل أرض الإسراء، وانتقل إلى الضفة والقطاع كما انتقل الكثير من هؤلاء الناس؛ انتقلوا إلى هناك حيث قسوة العيش ومرارته وشدته، حتى إن الغلام الصغير الذي كان يدرس في المرحلة الابتدائية اضطر إلى أن يقطع دراسته، وأن يعمل في أحد المطاعم ليسهم في إعالة أسرة كانت تتكون من سبعة أفراد.

стр. 1474

الشيخ المجاهد يصاب بالشلل لقد رأى الحياة المرة والظلم والطغيان في أشد صوره وأقساها منذ لحظات حياته الأولى؛ فارتسمت على صفحات قلبه، وسطرت في مخيلته، وجرت مع دمائه في عروقه، وسكبت في نفسه ما سكبت من رفض الظلم والعدوان وقوة المواجهة للطغيان. ومضى بعد ذلك ليكمل مراحل تعليمه في صغره ونعومة أظفاره، ومنذ فترة شبابه الأولى أراد الله أن يكون في حياته عبرة عظيمة، وأن يكون في مواقفه وفي هيئته ما يجعله فريداً يلفت الأنظار، وقعيداً يشد الأبصار. في السادسة عشر من عمره تعرض لحادث كسرت فيها بعض فقرات من عنقه، وأصبح مشلولاً قعيداً لا يتحرك إلا قليلاً، ولم تلبث بعد فترات اعتقال وتعذيب وإجرام أن زادت حتى صار ذلك الرجل العظيم لا يتحرك منه إلا رأسه، ولكن رأسه إذا تحرك أقام الدنيا وأقعدها، وحرك الجماهير وألهبها، وأوقع في الأعداء ما يوقع من رعب وخوف، وما ينزل بهم من خسائر فادحة في أرواحهم وممتلكاتهم ﵀ رحمة واسعة.

стр. 1475

نشاطه ﵀ في الدعوة إلى الله في هذه الفترات من عمره لم يكن ذلك الفتى الشاب رغم هذه الحادثة ورغم الظروف القاسية قانعاً بأن يكون كغيره طريح فراشه، وقعيد كرسيه؛ بل كان في تلك الفترة من عمره داعية متحركاً، ومشاركاً في مواجهة الظلم والطغيان، فقد شارك في المظاهرات الاحتجاجية على العدوان الثلاثي في عام ١٩٥٦م، وكان له دور ومشاركة دعوية، وعندما تخرج من الثانوية وقد تعلم عند الشيوخ في المساجد تقدم إلى مهمة التعليم؛ ليكون معلماً، وكادت أحواله الصحية أن تمنعه من ذلك، ولكن تيسير له ذلك؛ فعلم في التربية الإسلامية واللغة العربية، وبث روح العزة والمقاومة والجهاد، وبين حقائق الأعداء وطرائقهم في حرب الإسلام وأهله، وهذا من عجائبه. وصار يخطب في الجماهير، وكان خطيباً مؤثراً معبراً بحاله قبل مقاله، وكان في العشرين من عمره خطيباً للمسجد العباسي في غزة، وشهد له المنبر بالمواقف العظيمة التي كان يؤثر فيها في الناس في هذه الفترات والمراحل الأولى قبل أن يكون هناك في تلك الفترات الزمنية دعوة أو صحوة إسلامية؛ بل كان الإسلام غريباً يوم كان مد اليسارية والقومية والاشتراكية والبعثية قد مد في أمة الإسلام والعرب على وجه الخصوص مداً كاد ألا يسلم منه أحد.
следующие страницы →