← Джавами‘

Джавами‘ · id 7721

دروس للشيخ علي بن عمر بادحدح

علي بن عمر بادحدح

Полный текст (2 691 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.

стр. 1401

أهمية الاجتهاد في الطاعات في رمضان الحمد لله، الحمد لله فتح أبواب الرحمة، وبسط أسباب المغفرة، ووعد بمنته بالعتق من النيران في شهر رمضان، له الحمد على ما أفاض من الخيرات، وما أنزل من الرحمات، وما ضاعف من الحسنات، وما محا من السيئات، نحمده جل وعلا حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه ملء الأرض والسماوات، نحمده جل وعلا كما يليق بجلاله وعظيم سلطانه، حمداً يوافي فضله وإنعامه، ويولي لنا رحمته ورضوانه، ويقينا سخطه وعذابه، سبحانه لا نحصي ثناءً عليه، هو كما أثنى على نفسه؛ فله الحمد في الأولى، وله الحمد في الآخرة، وله الحمد على كل حال وفي كل آنٍ. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت، وهو على كل شيء قدير. وأشهد أن نبينا وقائدنا وقدوتنا وسيدنا وحبيبنا محمداً عبد الله ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، ختم الله به الأنبياء والمرسلين، وجعله سيد الأولين والآخرين، وأرسله إلى الناس كافة أجمعين، وبعثه رحمة للعالمين، وهدى به من الضلالة، وأرشد به من الغواية، وكثر به من بعد قلة، وأعز به من بعد ذلة. وأشهد أنه ﵊ قد بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، فجزاه الله خير ما جازى نبياً عن أمته، ووفقنا لاتباع سنته، وحشرنا يوم القيامة في زمرته، وجعلنا من أهل شفاعته. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: أيها الإخوة المؤمنون! اكتمل القمر، وانتصف الشهر، واقتربت العشر، وكل بداية تمضي إلى منتهاها، وتصل إلى غايتها، والعاقل المتدبر من يفكر في العواقب، ومن يستعد للخواتم، ومن لا ينقطع في أثناء السير، وكل مشمر له عزم ونية خالصة يوشك -بإذن الله جل وعلا- أن يتحقق له وعد ربه في قوله: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت:٦٩]. ولا شك -أيها الإخوة الأحبة- أننا ننتظر في مثل هذا المقام أن يكون مختصاً بالحديث عن مزيد الطاعة والعبادة، والأجر والفضيلة فيما بقي من هذا الشهر العظيم، وفي عشره الأواخر على وجه الخصوص، وهو أمر مطلوب ومرغوب، وجدير أن نتحدث عنه، ولكنني أعلم أن كثيراً مما يذكر في هذا الموضوع يكاد يكون محفوظاً. لقد كان المصطفى ﷺ إذا دخلت العشر أحيا ليله، وأيقظ أهله، وشد المئزر. وكان ﵊ يعتكف في كل عشر أخيرة من شهر رمضان. وكان يخلي بينه وبين الخلائق؛ ليتفرغ لصلته بربه، ولما بينه وبين الخالق . وكلنا يعرف ويستطيع ويجيد أن يتحدث عن ليلة القدر وفضيلتها، وما ورد من أنها في أوتار الشهر، وذلك أمر نحتاج أن نتواصى به، وأن نتذكره، سيما وأن صوراً من الواقع -وللأسف الشديد- تعارضه وتناقضه وتخالفه، فمع عشر الذكر والتذكر والاعتبار نرى عشر اللهو والتسوق والانشغال، ومع عشر الليل الذي يُحيا بالتلاوة والدعاء والركوع والسجود نرى العشر التي تُشغل بشراء الأحذية، والبحث عن الأكسية، والاستعداد بالأطعمة إلى غير ذلك مما هو معلوم. ومع كل هذه المقدمة التي أحدثكم بها فإنني لم أتحدث عن العشر، ولا عن فضلها، ولا عن ليلة القدر وأجرها؛ لما ذكرته من المعرفة؛ ولأنكم ستسمعون ذلك خلال الأيام القادمات في كل الكلمات والمواعظ، غير أن وقفتنا اليوم هي عن: (رمضان والأمة بين عامين). أليس جديراً بنا أن نتفكر في دور رمضان، وأثر فريضة الصيام في أمة الإسلام، ليس في الأفراد لما يكثرون من تلاوة القرآن، وما يزيدون من صلاة الليل، وما يسعون إليه من أمور الخير هنا أو هناك؛ لكن في تغير أحوال الأمة كلها؟! أليس جديراً بنا -ونحن نمضي، وتمر بنا الأيام، وتتوالى الأعوام- أن ننظر إلى مسيرتنا، ونقوم ما اعوج منها، ونكمل ما نقص منها، ونستدرك ما فات منها؟ هذه نظرات عامة، ووقائع حاضرة، ومن بين صور الواقع المؤلم تبزغ أنوار وبشريات لمستقبل مشرق بإذن الله جل وعلا.

стр. 1402

أثر رمضان في وحدة المسلمين رمضان والوحدة: في رمضان وحدة في العبادات، فالأمة كلها تصوم شهراً في وقت واحد، وعلى صفة وهيئة واحدة، ووفق متابعة لرسول الهدى ﷺ واحدة، إنها أمة تصوم وتصلي، وتزكي وتعتمر، وتتلو القرآن، وتكثر الذكر، وتعظم الدعاء، وتجتهد في الابتهال، وتتواصل في التضرع. إنها أمة يقول لها الله في رمضان ما جاء في القرآن: ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾ [المؤمنون:٥٢]. إنها الأمة التي يذكرها رمضان بأن لها إلهاً واحداً لا تخضع إلا له، ولا تخشى إلا منه، ولا ترجو إلا إياه، ولا تعتمد إلا عليه، ليس في قلوبها رهبة من الخلق وإن عظمت قوتهم، وليس في نفوسها ذل للمخلوقين وإن عظمت أعطياتهم، إنها أمة العبادة؛ أمة واحدة، يجمعها التعبد لله .

стр. 1403

وحدة مشاعر المسلمين في رمضان رمضان ووحدة المشاعر: كلنا نردد هذا القول؛ فنقول: إننا في رمضان نشعر بشيء من ألم الحرمان، ونتذكر الفقير والمسكين، ولكننا كذلك في وحدة مشاعرنا تشدنا هذه المشاعر إلى أن نرتبط بكل مسلم على ظهر الأرض من أقصى الصين شرقاً إلى أقصى المغرب غرباً، ونذكر كل دمعة تذرفها أم فلسطينية، وكل دم يُراق على أرض العراق، وكل بيت يُهدم فوق رءوس ساكنيه، وكل جريمة تُرتكب في حق أمتنا هنا أو هناك. إن لم يكن رمضان هو الذي يوحد مشاعرنا، ويربط قلوبنا، ويجدد وحدتنا، ويقوي آصرتنا، ويذكرنا بتاريخنا، ويلزمنا باستعادة ترتيب صفوفنا، فإن رمضان يمر علينا، وحينئذ لا نخرج منه إلا بآيات تُتلى، وأذكار تردد، وركعات تُصلى، وربما تكون القلوب ليست فيها حاضرة، والنفوس ليست بها متأثرة، فهل نرضى لأنفسنا ولأمة محمد ﷺ خير أمة أخرجت للناس أن يكون حظها من فريضة من الفرائض وركن من الأركان هو هذا الزاد الضئيل، والتأثير الخافت الذي لا يكاد يبين؟! لننظر بين عام مضى وعام أتى ما الذي في أمتنا جرى، ولنتنبه إلى صور أخرى في رمضان.

стр. 1404

أثر رمضان في تكافل المسلمين فيما بينهم رمضان والتكافل: ألسنا اليوم في مجتمعاتنا المحدودة نرى المال يُبذل للفقير، والمواساة تُبذل للحزين، وصور من التكامل والتكافل تجدد وتحرك المعاني المؤثرة المعبرة فيما وصف ومثل به رسول الله ﷺ لأمة الإسلام بقوله: (المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً)، وقوله: (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد؛ إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى)، فأين تكافلنا خارج نطاق حينا، وخارج نطاق مسجدنا ومدينتنا وبلدنا؟ إنه تكافل أمة الإسلام كلها، فهل نسينا ما كنا نذكره من قبل، ونتحدث عنه بكل قوة وجرأة وحرقة عن فلسطين؟ واليوم تجددت لنا أحداث العراق، ولم تكن من قبل، وغداً وبعد غد، لكن الأصوات خفتت، والألسن خرست، والأقلام أُغلقت، ولا يكاد المرء يسمع شيئاً من ذلك، وإن سمع فعلى ندرة، وربما بتخوف، وكأن الأمور تحتاج منا إلى تأمل أكبر.

стр. 1405

انتصارات المسلمين في رمضان رمضان والانتصار: إنها حقيقة مهمة لابد أن نقف عندها وقفات كثيرة: ففي رمضان يحصل انتصار على الشهوات والملذات، وانتصار على علل النفس والنزغات، وانتصار على الضغائن والخصومات، تلك هي حقيقة هذا الشهر في أمة الإسلام إذا وعت وأدركت المقاصد العظيمة والحكم الجليلة في مثل هذه الفريضة. إنه انتصار لهذا الشهر على سلطان شهوة الجسد، وعلى الكبر والغرور في النفس، وعلى العادات والتقاليد المخالفة في المجتمع، وعلى السمعة والرياء في الأعمال، وعلى القوة والأذى من الأعداء. إن رمضان الذي يحقق انتصار المؤمن في نفسه، وانتصاره على ضعفه، وانتصاره على شيطانه يحقق في حقيقة الأمر انتصار الأمة على ضعفها وذلها وخذلانها واستسلامها لأعدائها؛ وذلك الذي تجدد في يوم بدر؛ اليوم الذي سماه الله يوم الفرقان. وهكذا فتح مكة الذي كان نهاية لصورة الجاهلية والظلم والطغيان، وما جرى بعد ذلك من فتوح وانتصارات في رمضان، نعم قد يكون اتفاقاً في التاريخ، لكنه قطعاً تجدد في معاني الانتصار الحقيقية في أوصال الأمة، بدءاً من قوة إيمانها، ومروراً بقوة وحدتها، وانتهاءً بقوتها المادية العملية. واليوم نتساءل: هل هذه المعاني موجودة في حياة أمتنا؟ وما هو الواقع بين عام مضى وعام أتى؟

стр. 1406

مآسي وأحزان من واقع إخواننا في فلسطين أستسمحكم عذراً -ونحن في هذه الأيام التي تهش فيها النفوس وتبش، وتفرح القلوب وتطرب لما في هذا الشهر والعشر من الخير- أن نذكر شيئاً من المآسي والأحزان؛ لأن الواقع يفرض علينا ألا نكون أسرى لمجرد ما نحن فيه في ذواتنا أو مجتمعاتنا، فالدائرة أوسع. نقف وقفة سريعة أمام أرقام لقضيتنا الأولى في أرض فلسطين خلال فترات الانتفاضة الجهادية المباركة، أريد منها في ومضات سريعة أن أشير إلى أن الأمر ما يزال متفاقماً، وهناك صور تزيده ظلمة وظلاماً وحيرة وأسىً وألماً. أكثر من ثلاثة آلاف وخمسمائة شهيد، منهم نحو سبعمائة من الطلبة، وواحد وثلاثون جنيناً قتلوا على الحواجز التي منعت وصول أمهاتهم إلى المستشفيات، وقتل كذلك أكثر من مائة مريض. وهكذا أصيب خمسة وخمسون ألف جريح وأكثر، منهم ألفان وخمسمائة وأربعون امرأة، وأكثر من ستة آلاف إعاقة، وأكثر من أربعة آلاف وستمائة إصابة للطلبة، ونحو من أربعمائة إصابة لأهل الإسعاف من الممرضين، وثمانية آلاف أسير إلى يومنا هذا يقبعون في سجون الظلم والإرهاب في الكيان الصهيوني، منهم سبعة وتسعون قد أمضوا عشرين عاماً، ومنهم فئات من صغار السن ما بين السادسة عشرة والسابعة، ومنهم ست فتيات قاصرات يُعتدى عليهن ويُؤذين بكل صور الإيذاء، وأضف إلى ذلك نحو ثمانمائة من الأطفال الشهداء، وأكثر من تسعين بالمائة من أطفال فلسطين يشعرون في كل لحظة بأنهم معرضون للأذى أو القتل، ونحو ستة آلاف وسبعمائة بيت مدمر تدميراً كاملاً، ونحو ذلك العدد بأقل من المباني التي هدمت، ونحو عشرة آلاف شردوا من بيوتهم، وأكثر من مليون ونصف شجرة دمرت، وأكثر من مائتين وثمانمائة وثمانين بئراً ردمت، وأكثر من آلاف وآلاف من رءوس الأغنام والأبقار أتلفت وقتلت، والمدارس التي أغلقت تجاوزت ألفاً، والمعاهد والجامعات العليا تجاوزت عشراً، وستة وأربعون في المائة من إخواننا في تلك الأرض الطاهرة لا يأكلون في يومهم إلا وجبة واحدة، ونحو ثلاثة عشر وأربعة من عشرة في المائة مصابون بسوء التغذية! والجدار الذي يسمى: جدار الفصل العنصري نسمع عنه، ولا نعلم أنه قد اقتطع نحو ستة عشر بالمائة من الأراضي، وأنه قد أفنى وأنهى وجود مائة قرية من قرى إخواننا في فلسطين، وأنه قد استولى على أكثر من خمسين في المائة من مصادر المياه في غزة! أقول -أيها الإخوة الأحبة-: أليس هذا جديراً بأن يكون حديثنا هذا أيضاً في رمضان، أم أننا نتحدث عن عدد الركعات، وأصوات الأئمة، وحسن الدعاء، وكأن عبادتنا ليست إلا في هذه الجوانب، وكأن دور هذا الشهر ليس إلا في هذه الميادين، وكأننا ننسى الحقائق؟! وليس هذا هو المؤلم فحسب؛ بل اليوم، وخلال هذا العام نجد تغيراً كبيراً، فالعمليات الاستشهادية أصبحت بنوع من شبه الإجماع انتحارية، ومساعدة الذين هدمت بيوتهم أو الذين قتل عائلهم هو تمويل للإرهاب، والتعليم الإسلامي وتعليم أحكام الشريعة ضرب من التطرف والتشدد، بل وحلقات القرآن وتحفيظه بؤر للإرهاب والعنف، وسيروا وراء ذلك؛ فإنكم ستجدون أن تغيراً كبيراً قد جرى في عام، وأصبحنا اليوم تمر علينا الأحداث ونسمعها كما يشرب أحدنا كأس الماء! ألسنا بالأمس سمعنا، واليوم سنسمع كم قتل في العراق! وكم استشهد في فلسطين! وكم حصل هنا! وكم جرى هناك! وكأن الأمر يمضي ولا يعنينا، بل ونحن نكرس عكسه وضده في واقعنا.

стр. 1407

الواقع الإعلامي المر في بلاد الإسلام والمسلمين وأنتقل بكم إلى صورة أخرى ارصدوها خلال عام، ولست هنا براصد ولا محلل: الواقع الإعلامي: إنها قنوات أكثر، وفجور أكبر، وتطبيع أظهر، وإشغال وإلهاء، ألسنا نرى ذلك، ونتحدث به في مجالسنا؟! ولكنه يسري في صفوفنا، ويتسلل إلى بيوتنا، ويؤثر في شبابنا وشاباتنا، ويغير في كلماتنا ومصطلحاتنا، فلم نعد نسمع اليوم العدو الصهيوني، وإنما أصبحنا نسمع ونرى ونشاهد من يتحدث من أولئك المغتصبين والمحتلين، ويؤتى بهم على أنهم محللون، أو أنهم كذا أو كذا إلى غير ذلك، وأصبح الحال كما قال الشاعر: يموت المسلمون ولا نبالي ونهرف بالمكارم والخصال ونحيا العمر أوتاراً وقصفاً ونحيا العمر في قيل وقال وننسى إخوة في الله دارت بهم كف الزمان على الرمال ألسنا نرى القنوات ترقص وتغني، ومن بعد في نشرة الأخبار الدبابات تقصف وتدمر؟! ألسنا نرى الفوازير والمسابقات المخزية والمخجلة في بعض القنوات، بل ونحن نسمع ونرى من يطعن في كل هذه المعاني مروراً بتعليمنا الإسلامي، وانتهاءً بحجاب نسائنا وعفة بناتنا بلسان عربي مبين في قنواتنا الفضائية الكثيرة الشهيرة؟! أليس ذلك جديراً بأن يلفت نظرنا؟!

стр. 1408

واقع كثير من المجتمعات الإسلامية وأنتقل إلى واقع اجتماعي: ففي قضية المرأة: فهنا وهناك تبرج واختلاط، مصحوب بتبرير وتشريع قانوني أو تشريع من فتاوى وأقاويل باطلة. وفي الأسرة: تفكك وانحلال. وفي الشباب: تميع واختلال. وفي العلاقات الاجتماعية: تقطع وانشغال. وفي الوحدة المطلوبة: تنصل واستقلال، وذلك له حظ حقيقي في واقع الأمر. ولسنا نقول ذلك توهيناً؛ ولكن لئلا نغفل عن واقعنا، ونعيش في لذة من أمور حسنة ممدوحة، لكنه لا ينبغي أن يكون الاقتصار عليها. قال الشاعر: نحن يا شهرنا العظيم غدونا أرنبات تفيد من صياد وغدت خيمة الأخوة في الريـ ح بلا أعمد ولا أوتاد كتبتنا الأيام في هامش السـ طر روتنا من غير ما إسناد ولعل بعضكم يقول -وأنا قد قلت ذلك لنفسي-: لمَ مثل هذا الحديث؟ وهل أغلقنا نوافذ الأمل وأطفأنا أنواره؟ فأقول: لا؛ لكن الشق الأول: هو أننا لابد أن نفتح أعيننا، وأن نرى ما حولنا، وأن ندرك تعاظم الأخطار التي تهدد أمتنا، وأن نقول ذلك، وأن نذكر به، كما قال الشاعر: يا أمتي إن قسوت اليوم معذرة فإن كفي في النيران تلتهب وإن قلبي قد طاف الرجاء به وقد تدفق منه الماء والعشب فكم يعز بقلبي أن أرى أمماً طارت إلى المجد والعربان قد رسبوا

стр. 1409

مبشرات من واقع الأمة الإسلامية ومع ذلك -أيها الإخوة الأحبة المؤمنون- ليست هذه هي الصورة، بل ثمة صورة أخرى تبشرنا بخير، تلك التي ننظرها في واقع أمتنا عموماً، وفي مثل هذه المناسبات والمواسم الإيمانية والعبادية خصوصاً. فنحن بحمد الله اليوم نجد صوراً أخرى، نجد إيماناً في القلوب يقوى، وعزة في النفوس تزأر، وشموخاً في مواقف إخواننا المجاهدين في أرض فلسطين تبدي لنا صوراً عجيبة فريدة! كل الذي ذكرناه يقابله أنهم أبلوا في العدو بلاءً حسناً، وأنهم أقضوا مضجعه، وأنهم خربوا تجارته، وأفسدوا سياحته، وأدخلوا الرعب في قلوب أبنائه، وخلطوا أوراقه السياسية، وأوقعوا من القتلى في صفوفهم ما لم يقتل بمجموع كل الحروب التي كانت مع العدو الصهيوني في الحروب العربية الرسمية كما يقال. ونرى فيهم وفي نسائهم وفي شبابهم صوراً تذل لها أعناقنا إعزازاً وإكراماً لها، وكذلك خجلاً من مواقفنا أمام تلك المواقف الشامخة البطولية العظيمة. ونحن نرى جيلاً من العقيدة والإيمان يبزغ في كل بقاع الأرض، وكلما اشتدت قبضة الظلم والطغيان على أمتنا تفجرت ينابيع اليقين والإيمان في صدور أبنائها، وكلما عظمت صور المقاومة والجهاد والمغالبة لأعداء الله، وصور الرجوع والتمسك بدين الله، ألسنا نرى اليوم المساجد تملأ أكثر مما كانت من قبل؟ ألسنا نرى القرآن يتلى أكثر مما كان من قبل؟ ألسنا نرى مكة -حرسها الله ومسجدها الحرام يغص بالناس في زحام شديد لم يكن مشهوداً منذ سنوات قريبة ماضية؟ كل ذلك من مبشرات الخير التي نراها في أمتنا، والتي نستشرف فيها أملاً مشرقاً، ونستشرف فيها تعرضاً لسنة الله ، قال : ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد:١١]. ونرى فيها اقتراباً من تحققنا لما أراد الله منا ليتحقق لنا ما وعدنا الله به: ﴿إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد:٧]، وذلك ما لا نغفل عنه؛ لكننا -وللأسف الشديد- نغفل عن الجانب الأول، والإعلام يصرفنا عنه، والسياسة تلبسه علينا، ونحن ربما ننصرف أو ننجرف وراء هذا التيار أو ذاك.

стр. 1410

أهمية تصحيح الأخطاء فحقيق بنا وجدير بنا في هذا الشهر أن ننظر إلى أحوال أمتنا، وأن نصحح مسارها، وتصحيح المسار يبدأ منا كأفراد، وذلك ما نقوله الآن ونحن في منتصف الشهر وقرب بداية العشر. فما هي أوضاعنا التي كنا نشكو منها، والتي تحدثنا عنها بأسىً بعد رحيل رمضان الذي مضى؟ قولوها الآن، وأعيدوها مرة أخرى، وقلتم وقلنا جميعاً بعد انقضاء شهر رمضان الذي مضى: لئن جاءت العشر القادمة -إن شاء الله- فإنني لن أفعل ولن أفعل ولن أفعل، وإذا جاءت سأفعل وسأفعل وسأفعل! فهاهي الآن تأتينا من جديد، فهل نحن نقول ولا نفعل؟ وهل نحن نضحك على أنفسنا أو نخادع ربنا؟! أسأل الله أن يردنا إلى دينه رداً جميلاً، وأن يبصرنا بعيوب أنفسنا، وأن يقوي عزائمنا في طاعته ومرضاته، وأن ييسر لنا فيما بقي من شهرنا جداً وتشميراً في الطاعات، ومغفرة في الذنوب والسيئات، ومضاعفة في الأجور والحسنات، ورفعة في المنازل والدرجات. أقول هذا القول، وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب، فاستغفروه؛ إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 1411

المفهوم الواسع للعبادة الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى من تبعهم واقتفى أثرهم ونهج نهجهم إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين. أما بعد: أيها الإخوة المؤمنون! أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله؛ فإن تقوى الله أعظم ما يقدم به العبد على مولاه، ونحن في موسم التقوى الأعظم، وفي أيامها ولياليها الأكثر والأكبر، فلنحرص ولنشمر عن ساعد الجد في طاعة ربنا وتقواه. ولعلي -أيها الإخوة الكرام- هدفت من مثل هذا الحديث إلى أمرين اثنين مهمين: أولهما: أن نوسع المفهوم الصحيح للعبادة، فليست مقتصرة على الركعات، ولا الزكوات، ولا الدعوات، ولا التلاوات، بل هي أوسع من ذلك، فهي تشمل سائر جوانب الحياة، كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام:١٦٢ - ١٦٣]. والغاية التي خلقنا الله لها وهي العبادة لا تنحصر في وقت قصير في المسجد، ولا في شهر واحد من عام، ولا في أوقات محدودة، ثم نمضي غافلين عن أننا عباد لله القائل: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦]. إن هماً تحمله في قلبك إزاء ما يقع لأمتك هو ضرب من العبادة، إن تفكيراً تعمله في فكرك للخروج من أزمة أو مأزق في هذه الأمة هو ضرب من أعظم ضروب العبادة، إن سعياً تسعاه لتسد حاجة، أو تسد ثغرة، أو ترمم ثلمة هو ضرب عظيم من أضرب العبادة، وذلك ما أردت أن ننبه إليه أولاً.

стр. 1412

أهمية الانتباه لما يضعف مفهوم العبادة وأواصر الأمة وثانياً: أن ننتبه إلى أمور تتسلل إلى قلوبنا وعقولنا وكلماتنا تضعف قوة هذه المشاعر التعبدية على هذا النحو الواسع في المفهوم، وتضعف الانتماء والارتباط بالأمة، فنعود ونحن نريد إصلاح حالنا ووضعنا، وننسى إخواننا هنا وهناك، وتتقطع الأواصر ليس بالمشاركة المباشرة؛ بل حتى بالمواصلة المالية؛ بل حتى بالمواصلة بالتذكر والدعاء وغير ذلك من صور كثيرة تحتاج منا إلى مثل هذه المراجعة. وهذا هو الذي لعلي أردت أن أوصله إليكم، وأوصله إلى نفسي أولاً. وأما حديثنا عن العشر والفضل والأجر فمبذول ومطلوب، ولكننا لا نريد فقط أن نريح أنفسنا، وأن نتحدث بذلك، ثم ننصرف وكأننا قد أكملنا واجبنا تجاه أمتنا، وكأننا قد أدينا ما علينا تجاه ديننا، وكأننا قد نصرنا الله ، وننتظر أن يتنزل علينا نصر ربنا، ذلك ما أحسب أنه جدير باهتمامنا. نسأل الله أن يردنا إلى دينه رداً جميلاً، وأن يبدل حال أمتنا من بعد ضعفها قوة، ومن بعد ذلها عزة، ومن بعد فرقتها وحدة. اللهم ألف بين قلوب المؤمنين، واجمع صفوفهم على كلمة الحق والهدى يا رب العالمين! اللهم اهدهم لما اختلف فيه من الحق بإذنك، وأخرجهم من الظلمات إلى النور. اللهم وحد صفوفهم، واربط بين قلوبهم. اللهم إنا نسألك أن تجعل أمة الإسلام أمة واحدة على أعدائها، متآخية فيما بين أبنائها. اللهم إنا نسألك أن تردنا إليك رداً جميلاً. اللهم خذ بنواصينا إلى طريق الحق والسداد، وألهمنا الرشد والصواب. اللهم إنا نسألك أن تجعلنا من عبادك الصالحين، وأن تكتبنا في جندك المجاهدين، وأن تجعلنا من ورثة جنة النعيم برحمتك يا أرحم الراحمين! اللهم تول أمرنا، وارحم ضعفنا، واجبر كسرنا، واغفر ذنبنا، وأقل عثراتنا، وامح سيئاتنا، وضاعف حسناتنا، وارفع درجاتنا، وبلغنا فيما يرضيك آمالنا برحمتك يا أرحم الراحمين! اللهم إنا نسألك العفو والعافية والمعافاة والدائمة في الدين والدنيا والآخرة. اللهم أبرم لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر يا سميع الدعاء! اللهم عليك بسائر أعداء الدين فإنهم لا يعجزونك، أحصهم اللهم عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تغادر منهم أحداً، زلزل اللهم الأرض من تحت أقدامهم، واقذف الرعب في قلوبهم، واجعل الخلف في صفوفهم، واستأصل شأفتهم، ودمر قوتهم، ورد كيدهم في نحرهم، وأشغلهم بأنفسهم، واجعل بأسهم بينهم. اللهم لا تبلغهم غاية، ولا ترفع لهم راية، واجعلهم لمن خلفهم عبرة وآية. اللهم أذل أعناقهم، وسود وجوههم، واجعلهم عبرة للمعتبرين، وأنزل اللهم بهم بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين يا قوي يا عزيز يا متين! اللهم رحمتك ولطفك بإخواننا المؤمنين المضطهدين والمعذبين، والمشردين والمبعدين، والأسرى والمسجونين، والجرحى والمرضى في كل مكان يا رب العالمين! اللهم امسح عبرتهم، وسكن لوعتهم، وآمن روعتهم، وفرج همهم، ونفس كربهم، وعجل فرجهم، وقرب نصرهم، وادحر عدوهم، وزد إيمانهم، وعظم يقينهم، واجعل ما قضيت عليهم زيادة لهم في الإيمان واليقين، ولا تجعله فتنة لهم في الدين. اللهم اجعل ما بقي من هذا الشهر لنا ولهم أمناً وأماناً، وسلماً وسلاماً. اللهم وفقنا فيه لطاعتك ومرضاتك، واجعل ختامه ختام خير مختوم بالمغفرة والرضوان والعتق من النيران برحمتك يا رب العالمين! اللهم اجعل لنا ولهم من كل همّ فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً، ومن كل فتنة عصمة، ومن كل بلاء عافية يا سميع الدعاء! اللهم ثبت إخواننا المجاهدين، اللهم أنزل على قلوبهم الصبر واليقين، وثبت أقدامهم في مواجهة المعتدين، وحد اللهم كلمتهم، وقو شوكتهم، وسدد رميتهم، وعظم قوتهم، وانصرهم على عدوك وعدوهم يا رب العالمين! اللهم اجعل هذا البلد آمناً مطمئناً رخاءً وسائر بلاد المسلمين، وأصلح اللهم أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين! اللهم وفق ولي أمرنا لهداك، واجعل عمله في رضاك، وارزقه بطانة صالحة تدله على الخير وتحثه عليه يا سميع الدعاء! اللهم مكن في الأمة لأهل الخير والرشاد، واقمع أهل الزيغ والفساد، وارفع في الأمة علم الجهاد، وانشر رحمتك على العباد برحمتك يا أرحم الراحمين! عباد الله! صلوا وسلموا على رسول الله؛ استجابة لأمر الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٥٦]، وترضوا على الصحابة الكرام، نخص منهم بالذكر ذوي القدر العلي والمقام الجلي وهم: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، وعلى سائر الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين. والحمد لله رب العالمين.

стр. 1413

رمضان ضيفنا المنتظر لقد فضَّل الله بعض مخلوقاته على بعض لحكمة يعلمها جل وعلا، ومما فضله الله شهر رمضان؛ حيث أنزل فيه القرآن، وجعل صيامه ركناً من أركان الإسلام، وجعل فيه ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر، وفتح فيه أبواب الجنان، وغلق أبواب النيران، وصفد المردة من الجان، فعلى المسلم أن يستغل هذا الموسم العظيم في الاستكثار من الطاعات والعبادات، والانتهاء عن الذنوب والمخالفات.

стр. 1414

تفضيل الله لبعض مخلوقاته الحمد لله، الحمد لله العالم بكل شيء، القادر على كل شيء، القاهر لكل شيء، الذي لا يعجزه في الأرض ولا في السماوات شيء، له الحمد كما يحب ويرضى على آلائه ونعمه التي لا تُعد ولا تُحصى، ﷻ ، وعز جاهه، وتقدست أسماؤه، وعمّ نواله، وعظم عطاؤه، فهو المحمود على كل حال وفي كل آنٍ، له الحمد ملء السماوات والأرض وملء ما بينهما وملء ما شاء من شيء بعد. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت، وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن نبينا وقائدنا وقدوتنا وحبيبنا وسيدنا محمداً عبد الله ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، ختم به الأنبياء والمرسلين، وجعله سيد الأولين والآخرين، أتم به النعمة، وأكمل به الدين، هدى به من الضلالة، وأرشد به من الغواية، وأعز به من بعد ذلة، وكثر به من بعد قلة. وأشهد أنه ﵊ قد بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، فجزاه الله خير ما جازى نبياً عن أمته، ووفقنا لاتباع سنته، وحشرنا يوم القيامة في زمرته، وجعلنا من أهل شفاعته، وسقانا جميعاً من حوضه. وصلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: أيها الإخوة المؤمنون! رمضان ضيفنا المنتظر، تطوي الأيام مسيرتها اقتراباً منه، وشوقاً إليه، وتمر الليالي متواليات ليهل علينا -بإذن الله هلاله، وندعو الله أن يجعله هلال يمن وإيمان، وسلامة وإسلام، وهلال رشد وخير، ننال به من الله أجراً، ويمحو به عنا وزراً، ويجعله لنا في موازين حسناتنا ذخراً. كل ضيف لابد من معرفته قبل قدومه، وأحسب أن الجميع يعرف رمضان، وقد مر به على مدى أعوام وأعوام؛ ولكننا في كل مرة وعام نذكر من الصور المحزنة، والأحوال المؤلمة، والغفلة المستحكمة، والمعاصي المتكاثرة ما لعلنا نحتاج معه دائماً وأبداً إلى أن نجدد هذه المعرفة تجديداً يخلص إلى أعماق القلوب والنفوس، ويرشد خطرات وأفكار العقول، ودائماً نحن في حاجة إلى ذلك. فوقفة مع الحكم والآثار في الخصائص والاختيار نبدؤها بحق الاختيار والتخصيص الذي جعله الله له وحده من دون سائر الخلق أجمعين: قال : ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ﴾ [القصص:٦٨]، فليس لأحد أن يصطفي أو أن يختار زمناً فيجعل له مزية أو فضيلة، ولا مكاناً فيجعل له حرمة أو حكماً، ولا إنساناً فيجعل له شرفاً أو فضلاً، بل الله جل وعلا هو الذي له الحق وحده في ذلك كله. وقال : ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾ [الحج:٧٥]، وقال سبحانه: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام:١٢٤] فاختار من بين الخلق صفوتهم، وجعلهم رسله وأنبياءه، وهو الذي جعل أيضاً من الأماكن أماكن خصت بالحرمة والأحكام في بلد الله الحرام ومدينة الرسول ﵊، ثم جعل من الأزمان أزماناً لها خصائص في الفضل ليس لأحد أن يعينها إلا هو جل وعلا، وأطولها مدىً وأكثرها زماناً وامتداداً شهر رمضان المبارك.

стр. 1415

رحمة الله في تخصيص بعض مخلوقاته بالفضل الحكمة العامة في ذلك: رحمة الله جل وعلا بالخلق الذين يعلم طبيعتهم، وغفلتهم من بعد ذكرهم، وضعفهم من بعد نشاطهم، وفتورهم من بعد إقبالهم، فيدركهم الله بحكمته ورحمته؛ ليقيل العثرات، ويمحو السيئات، ويضاعف الحسنات، ويفيض الخيرات، ويعمهم بالبركات، فإنهم ضعفاء ليست لهم قوة ولا حول إلا بحوله وقوته ، قال سبحانه: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك:١٤]. والله تعالى جعل لنا من رحمته في أيام دهرنا نفحات نتعرض فيها إلى الرحمات، ونتطهر فيها من المعاصي والسيئات؛ لتتزكى النفوس، وتطهر القلوب، وتقبل الجوارح على طاعة الله ، ولو لم يكن ذلك كذلك لاستولت الغفلة، ولأظلمت النفوس، وقست القلوب، وعميت العيون، وصمت الآذان، إنها حكمة الخالق ورحمته الغامرة! فمن ذا الشقي الذي لا يتعرض لها؟ ومن ذا الغبي الذي لا يفطن لها؟ فحاول قليلاً من التدبر والتأمل بالفكر والعقل التماساً للحكمة، وقليلاً بل كثيراً من التعرض للخير والطاعة والفضل والرحمة.

стр. 1416

ذكر بعض خصائص شهر رمضان وهذا الشهر له خصائصه واختياره، وفيه من الخصائص والفضائل ما يضيق المقام عن حصره وذكره، فهو ركن مفروض، كما قال : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:١٨٣]، وفي حديث ابن عمر الذي ذكر أركان الإسلام ذكر فيه الصيام. وهو مخصوص في النهار بالصيام، وفي الليل بالقيام؛ ليجتمع فيه من العبادات ما قل أن يجتمع في غيره من الأيام والليالي. وهو شهر مختص بالقرآن نزولاً ومدارسة، كما قال تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ [البقرة:١٨٥]، وكما قال ابن عباس: (كان رسول الله ﷺ أجود بالخير من الريح المرسلة، وكان أجود ما يكون حين يلقاه جبريل يدارسه القرآن). وله اختصاص في مضاعفة الحسنات وتكفير السيئات، كما في الحديث المحفوظ المشهور: (كل عمل ابن آدم يضاعف: الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، إلا الصوم؛ فإنه لي وأنا أجزي به). ويضاف إلى ذلك فتح أبواب الجنان في رمضان، وتخصيص باب الريان، كما قال ﷺ : (إذا كان شهر رمضان فتحت أبواب الجنان، وأغلقت أبواب النيران، وصفدت الشياطين) رواه أبو هريرة في الصحيحين عن رسول الله ﷺ . وقال ﷺ : (إن في الجنة باباً يقال له: الريان، يدخل منه الصائمون يوم القيامة، ينادون على رءوس الأشهاد، فإذا دخلوا أغلق فلم يدخل دونهم أحد)، وغير ذلك مما تعلمون. وصيام رمضان جنة ووقاية، ومباعدة من النار، كما قال ﷺ : (الصيام جنة كجنة أحدكم في القتال)، حديث صحيح عن رسول الهدى ﷺ ، وصيام يوم يباعد بينك وبين النار سبعين خريفاً. كل هذه الخصائص وغيرها تجتمع في هذا الشهر، فما هي الآثار؟

стр. 1417

الآثار الإيمانية لشهر رمضان

стр. 1418

التدرج في العودة إلى الله والقرب منه في رمضان أقف -أيها الأحبة الكرام- مع ثلاثة آثار مهمة، جدير بنا أن ننتبه لها، وأن نتواصى بها: الأثر الأول: الإقبال والإكثار من الطاعات. ودعوني أذكر لكم ذلك ما يقع لي ولكم ولكل أحد في غالب الأحوال: أكثر الناس يصومون، فإن سألت أحدهم عن السبب يقول: لأنه ركن من الأركان، وفريضة من الفرائض، فيصومه وإن شق وثقل على النفس، وإن كرهه من القلب كما قد يحصل، لكنه يقول: لابد أن أصوم، فيشرع في ركن وفريضة هي مما افترضه الله عليه وأحبه منه، كما في الحديث القدسي: (إن أحب ما تقرب إلي به عبدي الفرائض). ثم إذا صام ماذا يقول؟ يقول: هل أصوم وأؤدي فرضاً، ثم لا أصلي؟! وهل أترك فريضة الصلاة الواجبة في كل يوم وآخذ فريضة الصيام التي هي مرة في العام؟! فيجول في ذهنه ذاك، فيقول: لابد مع الصيام من الصلاة، فيصلي إن كان تاركاً لها، أو مقصراً فيها، أو متخلياً عن أدائها في أوقاتها، أو متخلفاً عن شهودها في أماكنها، فيبدأ بالصلاة. ثم يقول: شهر رمضان شهر القرآن، وسأذهب إلى المسجد للصلاة، وسأمكث فيه أوقاتاً، فلمَ لا أرطب لساني بالقرآن؟! ولمَ لا أحيي قلبي بتلاوة كلام الرحمن؟! فيبدأ في تلاوة القرآن. ثم يتذكر أن هذا الشهر شهر مخصوص بقبول الدعاء، كما قال ﷺ : (ثلاثة لا ترد دعوتهم، ومنهم: الصائم حين يفطر)، ويتذكر أنه في وقت الأسحار يكون مستيقظاً، ويتذكر أن هذا هو الثلث الأخير من الليل الذي ينزل فيه رب العزة والجلال إلى السماء الدنيا وينادي برحمته عباده: (هل من تائب فأتوب عليه؟ هل من مستغفر فأغفر له، وذلك الدهر كله) فيبدأ حينئذ يلتفت إلى الدعاء، والدعاء مخ العبادة كما قال ﷺ . فإذا بسجوده يطول ليكثر دعاؤه، وإذا بقنوته يطول ليكثر دعاؤه، وإذا به في أعقاب كل صلاة وفي كل وقت يرفع يديه إلى الله متضرعاً وداعياً. ثم يقول: رمضان أعظم مواسم الإحسان من الكريم المنان ، فلمَ لا أصوم وأحسن؟ ولمَ لا أصوم وأنفق؟ ويتذكر أجر تفطير الصائم، وأنه يناله كاملاً غير منقوص، ويتذكر أجر الصدقة ومضاعفتها، فيدخل في عبادة جديدة، وإذا به من غير شعور، وربما من غير عزم سابق قد ألم بهذه الطاعات كلها، وإذا بها لا أقول: تخف على نفسه؛ بل تصبح محبوبة له، يرغب فيها، ويشتاق إليها، ويحس بلذتها، ويتذوق حلاوتها، وذلك أثر معروف من آثار الطاعات، فالطاعة تجلب الطاعة بعدها، والحسنة تقود إلى الحسنة التي وراءها، وبذلك نجد هذا الأثر لمن تأمل في هذه الخصائص. ثم ينتقل إلى مرحلة أخرى -أيها الإخوة- وأريد أن يتصور كل أحد ذلك في نفسه، أليست هذه الخواطر التي ذكرتها تجول بالفعل، وتتدرج كما أشرت إلى تدرجها؟ ثم ينتقل إلى هذه المرحلة المهمة، وهي مرحلة الإتقان، فإذا صام يقول: لمَ لا أصوم وأخلص؟ وفي الحديث القدسي: (إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به، يدع طعامه وشرابه وشهوته من أجلي). فيرتقي إلى مرتبة عظيمة: إخلاص ليس فيه شائبة رياء، وتعلق بالله يعظم محبته في خالقه ومولاه، ويعلق قلبه به، ويتدرج ليبلغ في بعض الأحوال إلى درجة الإحسان، التي هي أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك. أليس ذلك أيضاً يجول في خواطرنا؟ ثم يقول -وهو الذي قد كان مفرطاً من قبل-: هأنذا أصلي، فلمَ لا أخشع؟ ولمَ لا أتدبر؟ ولمَ لا أحضر قلبي في صلاتي؟ ولمَ لا أكون فيها كما ذكر النبي ﷺ عن ربه سبحانه في الحديث القدسي المحفوظ المشهور: (قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين؛ فإذا قال عبدي: الحمد لله رب العالمين. قال الله : حمدني عبدي) إلى آخر الحديث، فيستحضر حينئذ أنه بين يدي الله، وأنه في مناجاة وصلة مباشرة مع الله، فيتغير قلبه، وتتبدل نفسه، ويصبح غير الذي كان من قبل، وذلك حاصل لنا جميعاً بتفاوت واختلاف في الدرجات، وربما ينكر قبله الذي يعرفه فيقول: هل أنا هو؟ أنا برقة قلبي، ودمعة عيني، وخضوع نفسي، وشعوري بهذه الروحانية الإيمانية، هل أصبح في صدري قلب غير قلبي الأول؟ وهل بثت في نفسي روح غير روحي الأولى؟ إنها نعمة كبيرة! ثم إذا به يتدرج في الإتقان، فيقول: أنا أنفق، فلمَ لا أنفق من الطيب؛ لأن النبي ﷺ يقول: (إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً)، ولمَ لا أتيمم الأحسن من مالي فأنفقه؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران:٩٢]، وكم من جولات فيها مشاحة للنفس في أول الشهر، لكنها تنفق، ثم إذا بها تكثر، ثم إذا بها تصطفي ما قد يكون عزيزاً أثيراً عندها فتنفقه في سبيل الله ؛ فيرقى العبد إلى مراتب الإتقان في هذه العبادات. ثم يتلو فيقول: ولم أتلو هذًّا كهذِّ الشعر؛ ولا يهمني إلا آخر السورة؟ لمَ لا أتفكر وأتدبر؟ ولمَ لا أفتح قلبي لأنجو من صفة الكفر والنفاق؛ لقوله : ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد:٢٤]؟ وإذا بقلبه ينفتح، وإذا بأنوار القرآن تنسكب فيه، وإذا ببصيرته ترى ما لم يكن يرى من قبل، وإذا به يدرك في معرفة الأحوال والأوضاع ما لم يكن يعرفه من قبل، وإذا به يقارن حينئذ وهو يتلو، والقرآن يأمر، فيبحث عن نفسه هل هو حيث أمر الله في كتابه، والقرآن ينهى، فينظر في حاله: هل كان موجوداً في تلك الدائرة المنهي عنها. وتلك خصيصة، وذلك أثر عظيم من آثار الفضائل الرمضانية، فتأملوا فيه وتدبروه، واجتهدوا في تذكره واستحضروه.

стр. 1419

مجانبة المعاصي والذنوب بالتدرج في رمضان الأثر الثاني: مجانبة المعاصي والمحرمات. ومرة أخرى نبدأ ذلك بالتسلسل الفعلي الواقعي: يصوم فيترك الطعام والشراب، وهو الحلال الزلال؛ لأن الله أمر بتركه وحرمه في أثناء النهار، فيقول: فما بالي لا أترك الحرام الدائم على مدى الأيام والأعوام؟ أليس هذا نظراً عقلياً حصيفاً، ومنطقاً واضحاً جلياً؟ ويقول: ما بالي إذاً لا أنتبه إلى الخطورة التي أقارف فيها ما حرم الله وأنا أترك ما أباحه من طعام وشراب امتثالاً للنهي هنا، وتخلياً عنه هناك؟ قال ﷺ : (رب صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش، ورب قائم ليس له من قيامه إلا السهر والتعب). ويفكر العقل فيقول: لمَ أجعل هذه الفريضة عناءً ونصباً وتعباً وأخرج منها بغير غنيمة ولا مكسب؟ إن العاقل لا يرضى لنفسه ذاك. ثم يتذكر مرة أخرى، وهو يستمع ويسمع كثيراً من النصوص التي يكثر ذكرها في رمضان، كحديث النبي ﷺ : (وإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، وإن سابه أحد أو شاتمه فليقل: إني صائم)، فيمسك لسانه ليتم صومه. وإذا به يقول: ما لي لا أمتنع عن الغيبة؟ ولمَ لا أترك النميمة؟ ولماذا لا أقطع السب والشتم؟ ولماذا أذكر فاحش القول؟ يتذكر هدي وشمائل المصطفى ﷺ . ثم انظروا أيضاً مرة أخرى وهو يستمع إلى حديث عن النبي ﷺ : (من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه)، فيقول: كيف أصوم وأكذب؟! وكيف أصوم وأغش في بيعي وشرائي؟! وكيف أصوم وسهام عيني تخترق المحرمات؟! وكيف أصوم وأذني وعاء لكل النفايات من الأقوال الباطلة، والأغاني الماجنة؟! إنها سلسلة تتوالى عند المسلم إذا كان يقظ العقل حي القلب، وتلك الآيات تأتيه مرة أخرى، والأحاديث تتلى عليه مرة وأخرى، ثم إذا به يتأمل بعد ذلك كله وقد بدأ يترك تلك المحرمات، ويلتفت حينئذ إلى عاداته المذمومة التي بدأ يتركها. فالدخان الذي يواظب عليه، واللعب واللهو الذي يجعل له في كل يوم نصيباً، يقول: لمَ وقد تركت ذلك لا أترك هذا؟ وكذلك من علامة ترك المعصية: كره المعصية بعدها، ومن اجتناب المحرمات: نفرة القلب من المعاصي والسيئات.

стр. 1420

رمضان فرصة عظيمة للمراجعة والمحاسبة وأثر ثالث عظيم لابد من ذكره والتنبيه عليه، وهو فرصة المحاسبة والمراجعة: المواسم هي كذلك، فالناس يريدون أن يحاسبوا أنفسهم، وأن يراجعوا بعد ذلك مسيرتهم، لكن الذي يقعدهم عن ذلك أمران اثنان: الأول: الانشغال في زحمة الحياة؛ نهار عامل، وليل ساهر، ولقاء بالناس دائم، فلا يفرغ لحظة ليقف مع نفسه لمحاسبتها. والسبب الثاني: ضعف العزيمة والإرادة، قد يجد الفرصة فيقول: لمَ لا أراجع؟ لكنه يعود مرة أخرى ويسير، يغض بصره ويصم أذنه حتى لا يواجه نفسه؛ لأنه يقول: من الصعب أن أترك هذا، من المستحيل أن أفعل هذا، من غير المتوقع أن أكون كذلك! فكيف تكون آثار رمضان في هذا الجانب؟ أولاً: زحمة الحياة التي نشكو منها. ففي رمضان فرص كثيرة متاحة للهدوء والسكينة، وفيه فترة من الزمان تستطيع فيها أن تفكر، فهل ثمة من ينشغل في الدقائق القليلة قبل الإفطار من كل يوم؟ أليس هو جالساً في بيته؟ أليس هو فارغاً من شغله؟ أليس جسمه قد استراح؟ أليس هو متهيئاً لإفطاره؟ فهي دقائق قليلة معدودة، لكنها من أعظم الفرص في الهدوء والسكينة، ومن أعظم الفرص في خلو البال وهدوئه، وحينئذ تثور أسئلة المحاسبة، وتبدأ خطوات المراجعة. وانظر أخي مرة أخرى في رمضان وقيام الليل، ووقت السحر، من عندك يشغلك؟ ومن معك يتحدث إليك؟ إنك وحدك في جوف الليل، بل في ثلثه الأخير، أفليس وقتاً خلصت فيه من ضجيج الحياة وصخبها إلى هدوء الليل وإلى مناجاة الله ودعائه؟ أفليس ذلك الوقت مناسباً لجرد الحساب؟ قال الفاروق عمر بن الخطاب ﵁: (حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، وتهيئوا للعرض الأكبر). وأيضاً: ففي رمضان يسن الاعتكاف، وفيه تقطع الصلة بالخلق؛ لتفرغ نفسك للصلة بالخالق، وتقطع علائق الدنيا لتمد حبال الوصل بالآخرة، أفليست أياماً وليالي مقتطعة من العمر لتكون فرصة لهذه المراجعة والتذكر؟ حري بنا -أيها الإخوة الأحبة- أن ننتهز تلك الفرصة. وأما العزيمة الضعيفة المهزومة في غير رمضان فهي فتية وقوية وأبية في شهر رمضان، فحينئذ تقول: قد انتصرت فتركت طعامي وشرابي، قد انتصرت فاستطعت أن أغلب شهوتي ولذتي؛ فحينئذ بإذنه جل وعلا تنتصر، فتجدد المسيرة، وتراجع طريقك الذي تسير فيه، وحينئذ تتنزل الخيرات والبركات. نسأل الله أن يبلغنا رمضان، وأن يعيننا فيه على الصيام والقيام، وأن يجعلنا فيه من المقبولين ومن عتقاء الرحمن الرحيم في هذا الشهر الكريم، إنه ولي ذلك والقادر عليه. أقول هذا القول، وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 1421

صور مناقضة لما هو مطلوب في رمضان الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين. أما بعد: أيها الإخوة المؤمنون! أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله؛ فإن تقوى الله أعظم زاد يقدم به العبد على مولاه، ورمضان موسم التقوى الأكبر والأعظم؛ إذ تتزود فيه القلوب بهذه التقوى. ما ذكرته -أيها الإخوة الأحبة- أحسب أنه استنباط يطابق الواقع، وأنه أمر من الأمور المهمة التي ينبغي أن نتهيأ بها لاستقبال شهرنا. ولعلي أقف هذه الوقفات في نوع من ذكر الجمل والكلمات مع قليل ويسير من التعليقات؛ لنرى كثيراً من صور التناقضات وأحوال المفارقات التي تباعد بيننا وبين تلك الآثار والخيرات والبركات. شهر رمضان شهر الجد والعمل، أفليست صور كثيرة واستعدادات كثيرة تظهر الخمول والكسل؟ وشهر رمضان شهر الجود والإنفاق، أفليست في واقعنا صور من التبذير والإسراف؟ وشهر رمضان شهر المكارم والخصائص، فما بالنا في كثير من أحوالنا نجعله شهر المعايب والنقائص: فلا تضيق الصدور إلا فيه، ولا يشتد الغضب إلا في أيامه، ولا يعظم اللهو إلا في لياليه، ولا تكثر وتتعاظم بعض أسباب الإغراء والإغواء إلا فيه؟! أفليس هذا أمراً ظاهراً بين لا يحتاج إلى إقامة دليل ولا برهان؟ رمضان شهر التلاوة والذكر، والواقع لدى بعض الناس أنه شهر الغفلة واللهو، فتراهم ينامون حتى عن صلواتهم المفروضة، ويسهرون على المحرمات المقطوع بحرمتها دون أدنى شك. رمضان شهر المناجاة والدعاء، وهو عند كثير من الناس شهر اللغو والغناء، حيث يجتمعون في كل ليلة ليكون لهم حديث ليس له خطام ولا زمام، ولا نفع ولا فائدة، بل هو حديث في كثير منه يكون عليهم لا لهم، وفي مضرتهم لا منفعتهم، فضلاً عما يكون في الليالي مما هو غير مباح. رمضان شهر الصبر والانتصار، لكننا نجعله في بعض أحوالنا شهر الضيق والاندحار، فكم من شخص تراه في رمضان كأنما كتب على جبينه الهزيمة، وكأنما هيئته تمثل أعظم صور الاندحار والضعف والهوان، وتعجب من ذلك! ولا عجب إذا عرفنا أن فقه الصيام إذا لم يكن في القلوب والنفوس فلن تظهر آثاره على الأجسام والأبدان. رمضان شهر الحمية والصحة، وإذا بنا نجعله شهر الشراهة والبطنة، فثمة أطعمة لا نراها ولا نسمع عنها إلا في رمضان، وكأن الصيام لا يتم على وجهه الحقيقي؛ بل ربما لا يصح الصيام عند بعض الناس على الوجه المشروع إلا إن كانت تلك الأكلة أو ذلك الشراب موجوداً، وهذا أيضاً من واقعنا. رمضان شهر التراويح والتهجد، لكن يجعله كثير من شبابنا وشاباتنا بل -وللأسف- رجالنا ونساؤنا شهر التسكع والتسوق، فتبقى الأسواق ساهرة حتى تخلط ليلاً بنهار، وتعمي في حقيقة الأمر القلوب والأبصار. أيها المؤمنون الأذكياء العقلاء! لا تكونوا من الحمقى والمغفلين، فاشتروا ما تريدون في الأيام الأولى من رمضان، ولا تكن النساء كذلك من المغفلات المضيعات للأوقات الشريفة الفاضلة في البحث عن الأكسية والأحذية، فأمة تصنع ذلك رغم ما حباها الله به من الفضائل والخصائص فعلها ذلك أقبح القبيح، وأشنع الشناعة! رمضان شهر الإخاء والوحدة، ونجعله في بعض أحوالنا شهر الأنانية والعزلة، وننسى أحوال إخواننا الذين يصومون معنا في أرض فلسطين، ولعلكم سمعتم ورأيتم ما مضى خلال هذا الأسبوع من تشديد الجرائم التي مع كثرتها تتعود عليها العيون والقلوب والنفوس، فلا شيء يتغير أو يتأثر، إنها حملة صهيونية باغية إرهابية على إخواننا في رفح من أرض فلسطين، فالبيوت المهدمة أكثر من مائتين وخمسين بيتاً خلال أسبوع واحد، وفي ليلة واحدة وباتصال هاتفي من تلك الديار كان عدد الذين باتوا في العراء أكثر من ألفين وخمسمائة نفس من الرجال والنساء والأطفال! وهناك صور كثيرة في العراق المحترق بدخانه وأمنه الغائب، ورغد عيشه المفقود! وهكذا أحوال أمتنا هنا وهناك، بل إلى جوار بيتك، بل في حيك، بل في قرابتك! أين هذه الروح التي توحد الأمة، وتذكرها بإخوتها؟ رمضان شهر القدوات والمنجزات، شهر كان من موتاه الشهيد الحي خالد بن الوليد ﵁، ومن آثاره فتح الفتوح في فتح مكة، ويوم الفرقان في يوم بدر، ثم نجعله شهر التفاهات والسخافات، فنأتي بالمقابلات مع الفنانين والفنانات، ونسألهم: ماذا يأكلون؟! وأي شيء يشاهدون؟! ومتى ينامون؟! ومتى يستيقظون؟! وكأن تاريخنا وأمتنا قد انتهت إلى سقط المتاع، وإلى هذا القول الرخيص الذي ينبغي أن نتنزه عنه! وغير ذلك كثير. أسأل الله أن يعصمنا بعصمته، وأن يتداركنا برحمته، وأن يوفقنا لطاعته، وأن يجنبنا معصيته؛ إنه ولي ذلك والقادر عليه. اللهم إنا نسألك العفو والعافية، والمعافاة الدائمة في الدين والدنيا والآخرة. اللهم إنا نسألك لأبداننا الصحة والسلامة، ولقلوبنا الصفاء والنقاء، ولنياتنا الإخلاص والتجرد، ولأعمالنا الصحة والصواب، ولأجورنا المضاعفة والكثرة يا رب العباد! اللهم إنا نسألك أن تبلغنا فيما يرضيك آمالنا، اجعلنا اللهم من عبادك المخلصين، واكتبنا في جندك المجاهدين، واجعلنا من ورثة جنة النعيم برحمتك يا أرحم الراحمين! اللهم تول أمرنا، وارحم ضعفنا، واجبر كسرنا، واغفر ذنبنا، وبلغنا فيما يرضيك آمالنا. اللهم أقل عثراتنا، وامح سيئاتنا، وضاعف حسناتنا، وزد خيراتنا، ووفقنا لما تحب وترضى، واصرف عنا ما لا تحب وترضى يا أرحم الراحمين! اللهم أبرم لهذه الأمة أمر رشد؛ يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر يا سميع الدعاء! اللهم مكن في الأمة لأهل الخير والرشاد، واقمع أهل الزيغ والفساد، وارفع في الأمة علم الجهاد، وانشر رحمتك على العباد برحمتك يا أرحم الراحمين! اللهم اجعل هذا البلد آمنا مطمئناً رخاءً وسائر بلاد المسلمين، وأصلح اللهم أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين! اللهم وفق ولي أمرنا لهداك، واجعل عمله في رضاك، وارزقه بطانة صالحة تدله على الخير وتحثه عليه يا سميع الدعاء! اللهم من أرادنا وأراد الإسلام والمسلمين بخير فوفقه لكل خير، ومن أرادنا وأراد الإسلام والمسلمين بسوء فاجعل دائرة السوء عليه، واجعل تدبيره تدميراً عليه يا رب العالمين! اللهم يا سميع الدعاء! يا من لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء! نسألك اللهم أن تذل الشرك والمشركين، والكفرة والكافرين، والطغاة المتجبرين، اللهم عليك بهم أجمعين، أرنا اللهم فيهم عجائب قدرتك، وعظيم سطوتك، اقذف الرعب في قلوبهم، واجعل الخلف في صفوفهم، وزلزل الأرض تحت أقدامهم، وخذهم أخذ عزيز مقتدر. اللهم لا ترفع لهم راية، ولا تبلغ لهم غاية، واجعلهم لمن خلفهم عبرة وآية. اللهم إنا ندرأ بك في نحورهم، ونعوذ بك اللهم من شرورهم. اللهم رد عنا وعن إخواننا المسلمين كيد الكائدين، وادفع عنا شرور المعتدين، وسلم ديار المسلمين، واحقن دماءهم، واحفظ أعراضهم وأموالهم يا رب العالمين! اللهم إنا نسألك أن تلطف بإخواننا المسلمين المضطهدين والمعذبين، والمشردين والمبعدين، والأسرى والمسجونين، والجرحى والمرضى، والمشردين والمبعدين في كل مكان يا رب العالمين! اللهم امسح عبرتهم، وسكن لوعتهم، وفرج همهم، ونفس كربهم، وعجل فرجهم، وزد إيمانهم، وعظم يقينهم، واجعل ما قضيت عليهم زيادة لهم في الإيمان واليقين، ولا تجعله فتنة لهم في الدين. اللهم واجعلنا لهم مناصرين، ولهم مؤيدين، واجعلنا لهم معينين، وسخرنا لنصرتهم وإغاثتهم وإعانتهم يا رب العالمين! اللهم إنا نسألك أن تحسن ختامنا وعاقبتنا في الأمور كلها، وأن تجيرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة يا أرحم الراحمين! اللهم انصر عبادك وجندك المجاهدين في كل مكان يا رب العالمين! ثبت اللهم خطوتهم، وسدد رميتهم، وقو شوكتهم، وأعل رايتهم، وانصرهم على عدوك وعدوهم يا رب العالمين! عباد الله! صلوا وسلموا على رسول الله؛ استجابة لأمر الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٥٦]، وترضوا على الصحابة الكرام، نخص منهم بالذكر ذوي القدر العلي والمقام الجلي: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، وعلى سائر الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين. والحمد لله رب العالمين.

стр. 1422

روح العطاء والإباء إن روح العطاء والإباء والاستعلاء بهذا الدين والعمل له مستمرة ماضية عبر الدهور والعصور، ولنا في كل عصر علماء ورجال كان لهم من صلابة الموقف، وثبات الأقدام، وقوة الجنان القِدْح المعلى، فحافظوا على الدين من عبث العابثين، واستهزاء المستهزئين، فحري بنا الاقتداء بهم، والاعتبار بمواقفهم في نصرة هذا الدين.

стр. 1423

صور ومواقف من العزة والإباء الحمد لله حمداً يليق بجلاله، وأشهد أن لا إله إلا هو وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، أسمع به آذاناً صماً، وفتح به قلوباً غلفاً، وكثر به من بعد قلة، وأعز به من ذلة، وأشهد أنه ﵊ قد بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، فجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، فجزاه الله خير ما جازى نبياً عن أمته ووفقنا وإياكم لاتباع سنته، وحشرنا يوم القيامة في زمرته، وجعلنا من أهل شفاعته، وصلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى من تبعهم واقتفى أثرهم ونهج نهجهم إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١] أما بعد: أيها الإخوة المؤمنون: روح العطاء والإباء قضية ينبغي أن نبثها في القلوب، وأن نشعل نارها في النفوس، سيما وقد تحدثنا في الجمعتين الماضيتين عن أمور من التقصير والتفريط أوصلت إلى اعتداءات عظيمة على الأمة ومقدساتها، وأسلفت القول أن من أسباب ذلك أسباباً تتصل بتقصيرنا وبتفريطنا، ولعل ذلك كان له وقع شديد على النفوس. ومن هنا رأيت اليوم أن نجول في قصص متنوعة وأخبار متفرقة، يجمعها أنها كانت تبذل لدين الله وتعطي لدعوة الله، وتسخر كل ما بين أيديها ابتغاء مرضات الله ، ومواقف أخرى نرى فيها صلابة المواقف وثبات الأقدام وقوة الجنان في مواجهة كل ما قد يكون فيه امتهان للدين أو استحقار لقدر أهله، أو امتهان لدعوته، أو أي صورة لا يقبلها مسلم غيور أو مؤمن أبي، ولست في هذه القصص معتبراً لتاريخ متسلسل ولا لرابط معين، وإنما هي مواقف متنوعة، أحسب أن في تنوعها ما قد يربطنا بها، ويجعل لنا جميعاً حظاً منها، إذ لو قصصنا قصصاً عن العلماء فقد يقول كثير منا: نحن لسنا من العلماء، وإن قصصنا أخبار الأمراء فقد يقول كثير منا: نحن لسنا منهم، لكننا سننوع حتى يرى كل أحد منا أنه ينبغي أن يترجم حبه لدينه وغيرته عليه إلى صور من صور العطاء والإباء تبقي هذا الدين شامخاً عزيزاً، عالية رايته، خفاقة بنوده، لا يستطيع أحد مهما بلغ من قوته وجبروته وغطرسته وكبريائه أن ينال منه أو من أهله وأتباعه.

стр. 1424

سلطان العلماء وبائع الأمراء وأبدأ بمواقف شهيرة لرجل عظيم عرفه تاريخ الإسلام وسجل سيرته ومآثره؛ لأنه أعطى ووقف المواقف المشرفة، وهو العز بن عبد السلام، سلطان العلماء وبائع الملوك كما اشتهر في التاريخ، رجل من أهل العلم يتوقد قلبه غيرة على الإسلام، وتفيض نفسه حمية لنصرته، وتأبى عزته وكرامته أن يذل أو أن يلين. تلقى العلم حتى تفوق في أصوله وفروعه، ثم ولي الخطابة في الجامع الأموي بدمشق، فصار يبلغ دين الله ويحيي في القلوب المعاني الإسلامية الإيمانية العظيمة، لم تكن تأخذه في الله لومة لائم، ولا يمنعه من قولة الحق خوف مضرة. لما وقع من أمير الشام الملك الصالح إسماعيل انحراف عظيم لوضع يده في يد النصارى المسيحيين ضد ملك المسلمين في مصر الملك الصالح أيوب، وكان ثمن هذه الصفقة الخاسرة أن سلم للنصارى صفد وصيدا وغيرها من البلاد، فنطق لسان الحق وظهرت غيرة الإيمان، وتجلت حمية الإسلام في العز بن عبد السلام، فأنكر ذلك وصرح به، وجلّى موقف الإسلام وأبدى أحكامه في شأن هذا الولاء للأعداء والموالاة لهم ضد المسلمين. وحين قال كلمة الحق عزل عن خطابته، وأقصي من منصبه، فما كان منه بعد ذلك إلا أن حمل متاعه وزاده، ورأى أن لا مقام له ببلد لا يستطيع أن يقول فيه الحق ولا أن يبلغ الدين، فانطلق إلى مصر، فبلغها واستقبله ملكها وأعظم قدره ورفع مكانه، وجعله قاضي القضاة، وجعله خطيباً. ثم لما نظر في حال مصر وجد أن جل الأمراء الذين يستعين بهم الملك الصالح هم من المماليك الذين غلبوا على الحكم في مصر، وهم أرقاء عبيد، فقال قولة الحق: إن هؤلاء لا تصح لهم ولاية، ولا يصلح منهم في حكم الشرع تصرف في بيع ولا شراء، وسارت فتاواه بذلك، وبلغت إلى نائب الحاكم في مصر وهو من أولئك المماليك، فاشتاط غضباً، ثم مضى إلى الملك الصالح أيوب يشكو هذا العالم، فاستدعاه فسمع منه ولم يعجبه قوله؛ لأنه يعني أن جل المسئولين سيكونون تحت هذه الدائرة، وكان بينهما حديث، فكأن الملك زاد في غلظة قوله بأنه ليس هذا من اختصاصك ولا من شأنك، فخرج العز بن عبد السلام ولم يصنع شيئاً، إلا أنه عزم مرة أخرى على أن يشد رحاله ويضرب في أرض الله ، وأدرك ملك مصر فداحة الأمر وخطورته، وأن ذلك سيكون له في الناس أثر عظيم، فأرسل إليه يستعطفه ويستلطفه ويعتذر منه، فقبل بشرط واحد وهو: أن يمضي حكم الله في أولئك بأن يجعل حريتهم صحيحة بطريق شرعي. وكيف ذلك؟ بأن ينادي عليهم بيعاً ويزيد في سعرهم، فيشتريهم الملك ويشتريهم بعض من يرى ذلك فيعتقهم، ويكون المال لبيت مال المسلمين، وجرى الحراج على الأمراء، وسمي من بعد: (بائع الملوك وسلطان العلماء)، وأنفذ أمره وقرر ما حكم به شرع الإسلام، ثم كان الأمر من بعد على ما كان من أمر العز بن عبد السلام ﵀ ورضي الله عنه. وهذه صورة تدلنا على المواقف العظيمة التي يقفها العلماء الصادقون المخلصون الذين ملئت قلوبهم بالإيمان واليقين، فلم يكن فيها مساحة لتمتلئ بالدنيا وتعظيم أهلها، أو الخوف من أمرائها وذوي السلطان فيها، وذلك ما كان منه ﵀ ورضي الله عنه، حتى إنه عندما دعا الظاهر بيبرس لمبايعته أعاد عليه القول في صحة حريته، فأخرج له ما يثبت ذلك، فبايعه مع عموم الناس. وذلك أمر بين، وسمت معلوم عند من يعرف حقيقة الدين، كما أخبر المصطفى ﷺ : (إن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا درهماً ولا ديناراً وإنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر)، وكذلك ما أخبر به المصطفى ﷺ عندما قال: (أعظم الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر)، ومن قبل جاء قوله جل وعلا: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف:١٠٨].

стр. 1425

مهندس مسلم يفرغ نفسه لتصحيح صورة الإسلام في الغرب وأنتقل إلى صورة أخرى بعيدة في زمانها ومكانها، وفي طبيعتها وشأنها، إنها صورة مهندس مسلم أحسب بل أكاد أجزم أن أحداً منا لا يعرف عنه شيئاً. عاش في دولة أوروبية في أوائل القرن الماضي، وأسس مجلة سماها: (بريد الإسلام) عام (١٩٢٩م)، وفرغ نفسه لتصحيح صورة الإسلام في بلاد الغرب، ومراسلة القوم مراسلة متصلة أفضت في جملة جهوده إلى أن أسلم على يده نحو أربعة آلاف نفس. كان في بعض طرقات تلك البلد لوحات صغيرة تعلق، مكتوب عليها: لقد عرفت خطأً عن الإسلام، فإذا أردت أن تعرف الحقيقة فراسل هذا العنوان، فستأتيك الكتب والتعريفات، فتأتيه المراسلات ويراسل ويرد ويجيب ويعيد ويزيد، حتى يكون من ذلك إما إسلام، وإما معرفة حقة للإسلام وبعد عن الصورة المغلوطة والحقد الأسود. وفي تجربته حصل أن بعض المراسلات استمرت سبعة عشر عاماً، أخبر فيها: أن رجلاً من تشيكوسلوفاكيا كان يراسله على مدى سبعة عشر عاماً، ثم زاره بعدها، وعندما لقيه قال له: إن لي عندك مفاجأة، فقال: وما هي؟ فقال الرجل: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، ففرح بذلك فرحاً عظيماً. وأي جهد هذا الذي يبذله عندما كان يكتب، لكنه يقول: إنه راسل نحو مائة ألف شخص عبر هذه المدة الطويلة، ومن لطائف ما ذكر من القصص: أنه كان يراسل رجلاً ألمانياً، وفي هذه المراسلات ذكر له: أن رسول الله ﷺ عندما دعا إلى الإسلام كان أول من أسلم على يديه من الصبية والصغار: علي بن أبي طالب، ومن الرجال: أبو بكر الصديق، ومن النساء: خديجة ﵂، وعندما راسله وطالت المراسلات كان له ابن يطلع على بعض هذه المراسلات، وعندها قرر الأب أن يسلم، وأعلن إسلامه في مراسلته، فأرسل له هذا المهندس يهنئه ويرسل له شهادة بإسلامه، وحينئذ راسل الصبي مرة أخرى، وقال: إني أريد أن ترسل شهادة باسمي حتى أوقعها، فأرسل إليه: إنك صغير حتى تكبر وتتعرف على حقائق الإسلام، فأعاد إليه الرسالة: وهل طلب محمد ﷺ من علي بن أبي طالب أن يستأني ويتريث حتى يكبر ثم يدخل في الإسلام؟! فأرسل إليه بما أراد. وذكر قصة عن صيدلي وامرأة من الديانة الكاثوليكية المسيحية، فراسلهما وقتاً طويلاً، ثم طلبا منه أن يحضر إليهما، فأعطاهما سمته وشكله حتى يعرفاه، وعند محطة القطار ذهب معهما إلى البيت، فكان أول سؤال عند دخوله: هل أنت متوضئ؟ فأجاب بنعم، فقالا: ونحن متوضئان، فصلِّ بنا، وذلك في أول صلاة لهما. وهكذا نجد أن جهداً من فرد واحد يثمر في بيئة غير المسلمين مثل هذه الثمار، ولا يقول أحد إنني أعجز عن مثل هذا، ولكنه تلمح الأجر وابتغاؤه، فقد قال ﷺ : (لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم)، وقد قال ﵊: (من دعا إلى هدى فله أجره وأجر من عمل به إلى يوم القيامة). أفليس كل واحد يستطيع أن يصور صفحة من كتاب فيبعثها هنا أو هناك، أو أن يأخذ شريطاً لغيره من أهل العلم والدعوة فيرسله هنا أو هناك، أفلسنا نستطيع أن نكون من ذوي العطاء، ومن ذوي العلم، ومن ذوي القدرة على الحجة وإن لم يكن ذلك بأنفسنا فعن طريق هذه الوسائل الكثيرة التي يسرها الله لنا.

стр. 1426

امرأة تسببت في هداية حاكم وأنتقل إلى صفحات تاريخية أخرى، وإلى نوع آخر حتى لا يبقى لأحد خروج عن دائرة ما نتحدث عنه، أنتقل إلى دور المرأة المسلمة لنرى مواقفها، لنرى أن أهل الإسلام كلهم يتحملون المسئولية، فليس ثمة فرق بين رجل وامرأة، فكلهم يحمل هم الإسلام ويبلغ دعوته ويذود عنه، ليس هناك فرق بين صغير ولا كبير، فلقد رأينا صغار الصحابة كيف كانوا يتنافسون ليدخلوا في صفوف المجاهدين وهم في نعومة أظفارهم وأول بلوغهم. امرأة كانت سبباً في هداية حاكم، كان أحمد بن طولون حاكم مصر في زمن مضى، وفي أول عهده كان ظلوماً غشوماً، وفي سطوة جبروته وسكوت كثيرين عن الإنكار عليه خوفاً منه، اعترضت طريقه امرأة وسلمته ورقة هذا نصها: ملكتم فأسرتم، وقدرتم فقهرتم، وأنعم الله عليكم ففسقتم، ووردت عليكم الأرزاق فقطعتم، هذا وقد علمتم أن سهام الأسحار نافذة غير مخطئة -وتعني بذلك دعوات المظلومين- لا سيما من قلوب أجعتموها وأكباد أوجعتموها، اعملوا ما شئتم فإنا صابرون، وجوروا فإنا بالله مستجيرون، واظلموا فإنا إلى الله متظلمون، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون. فوقعت الكلمات في نفسه موقعاً، وعاد من ظلمه عادلاً، وحسنت سيرته في الناس. أفكان يعجز أن يقول هذا عالم مخلص أو داعية صادق أو رجل جريء، أفكان يعجز عن مثل هذا عموم الأمة حتى انتدبت له امرأة سجل التاريخ كلماتها وموقفها، وذلك دليل إخلاص وتجرد، فإن قول الحق ابتغاء وجه الله ونصرة لدينه قد يكون له من الأثر أبلغ وأعظم مما قد يظن صاحبه. وهنا أستحضر لكم حديثاً لرسول الله ﷺ رواه الإمام أحمد في مسنده وابن ماجة في سننه وسنده حسن، قال ﵊: (لا يزال الله يغرس في هذا الدين غرساً يستعملهم فيه بطاعته إلى يوم القيامة)، فلنكن من هذه الغراس التي تستعمل في طاعة الله. لو أن كلاً منا قال كلمة، أو منا كتب رسالة، أو وقف موقفاً، أو رفع دعوة، أو سكب دمعة، أو زفر زفرة بحرقة؛ لوجدنا كثيراً من الخير يعم، ولوجدنا كثيراً من الحق يصل إلى الآذان ويبلغ القلوب، فلا بد من روح العطاء ولا بد كذلك من روح الإباء.

стр. 1427

الخليفة الخامس: عمر بن عبد العزيز وأنتقل إلى صورة أخرى، فإن الخير في أمة الإسلام في كل إنسان، وهذه صورة لحاكم عادل منصف قائم بحق الله في رعيته، إنه الخليفة الخامس عمر بن عبد العزيز، وكلكم يعرف خبره، وهذه ومضة من ومضات سيرته العطرة: عندما تولى الخلافة في أول أمره جاءه أقرباؤه من بني أمية يسلمون عليه ويباركون له ويهنئونه، وينتظرون منه الأعطيات والولايات، كما كان الشأن في عهد من سبقه، وكما درج على ذلك ملوك بني أمية، فوقف عمر بن عبد العزيز وقال: أتحبون أن أولي كل رجل منكم على جند من هذه الأجناد؟ فإني أجعلكم قواداً للجيوش المجاهدة في شرق الأرض وغربها، فسكتوا ونطق أحدهم: قال: ومالك تعطينا ما لا تأخذ لنفسك؟ أي: لم تجد لنا من الولايات إلا قيادة الجيوش التي فيها ما فيها من النصب وإزهاق الأرواح وسفك الدماء؟! فالتفت عمر بن عبد العزيز وقال: أترون بساطي هذا، إني أعلم والله إنه إلى بلى؛ لكني لا أريد أن تطئوه لئلا تدنسوه بما أنتم عليه، فكيف أكره ذلك وأكره أن تدنسوه علي بأرجلكم ثم أوليكم ديني وأوليكم أعراض المسلمين وأبشارهم تحكمون فيهم، هيهات هيهات! فقالوا له: لمه؟ أما لنا قرابة؟ أما لنا حق؟ فقال: ما أنتم وأقصى رجل من المسلمين عندي في هذا الأمر إلا سواء، إلا رجل حبسه عني طول الشقة. ولقد كان للأمراء وحكام المسلمين في عصور مختلفة دائماً وأبداً أمثلة رائعة، ليس في الزمن الغابر فحسب، بل حتى في أزمان متأخرة، كما كان من أوران الذيب عالم كبير في الهند، وكما كان من صديق خان في بهبال وفي غيرها من البلاد التي أثمرت تلك المواقف العظيمة.

стр. 1428

العلامة عاطف أفندي ثم أنتقل بكم إلى صور أخرى يتجلى فيها أثر الإباء والاستعلاء بصورة أكبر وأكثر، حتى نرى أن العطاء له أثر، ولكن ربما كان لموقف إباء آثار أعظم من كثير من العطاء؛ لأن الإباء يدل على أن المؤمن الحق لا يرضى ولا يقبل أن يعطي الدنية في دينه. أتاتورك الذي حارب الإسلام وقوض الخلافة وأعلن العلمانية، وغرب بلاد الإسلام، وفعل الأفاعيل في وقته، وفي زمانه خضعت كثير من الرقاب له وخافت من سطوته، لكن أبطالاً من العلماء وأئمة من أفذاذ الدعاة وقفوا له، ومنهم عالم مغمور السيرة لا يكاد يعرفه أحد، هو الشيخ الإمام عاطف أفندي. قف هذا الإمام ضد هذه الموجة العاتية مع نفر قليل من العلماء أمثاله، فأصدر حينئذ الفتاوى التي تعلن وجوب إقامة الخليفة المسلم، وأن ذلك ثابت بالكتاب والسنة وإجماع الأمة، في الوقت الذي قوضت فيه الخلافة، ثم أصدر رسالة أسماها: (التستر الشرعي)، تختص بشأن المرأة المسلمة وأحكام حجابها وضرورة حيائها، وأهمية عفتها في الوقت الذي نزع فيه الحجاب وأبيح الخمر وغير ذلك. ثم سطر رسالة في تقليد الفرنجة ولبس القبعة؛ لأنه قد ألغي لباس المسلمين وصار محرماً بحكم القانون، فمن كان يلبس لباس أهل الإسلام أو لباس العلماء يحال إلى المحكمة ويسجن، وهذا يصدر رسالة يفتي بها بأن التقليد للغرب على سبيل التعظيم قد يخرج صاحبه من الملة، وعلى سبيل الافتتان معصية كبيرة، وما كان له بعد ذلك أن يترك، فقد أخذ وسجن وحوكم وحكم عليه بالإعدام وأعدم لقوله الحق في شأن قبعة أنكر على من يلبسها تعظيماً لغير أهل الإسلام وتبكيتاً لأهل الإسلام. وهكذا سنجد الصور كثيرة، وهي عديدة حتى في زمننا الحاضر، وأردت بهذا التطواف اليسير أن ندرك تماماً أننا إذا أذكينا هذه الروح فسنجد أنهاراً متدفقة تبلغ كلمة الله وتبلغ دين الله ، وسنجد أيضاً سدوداً منيعة تقف أمام كل من تسول له نفسه أن يجترئ على حكم من أحكام الشريعة، أو أن يستهين بسنة من سنن المصطفى ﷺ . لماذا إذا وجدنا شيئاً من ذلك لم تكن لنا ألسنة ناطقة ولا أيد كاتبة؟ لم لا نوصل أصواتنا ونوصل آراءنا ونوصل غضبتنا إلى كل من يحتج أو يعترض أو ينتقد فضلاً عمن يستهين أو يهين شيئاً من شعائر الإسلام؟ لو فعلنا ذلك لرأينا عجباً من أمور حياتنا. نسأل الله أن يردنا إلى دينه رداً جميلاً، وأن يأخذ بنواصينا إلى طريق الحق والسداد، وأن يلهمنا الرشد والصواب، أقول هذا القول، وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 1429

صور من الاستغناء مع الإباء الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين. أما بعد: أيها الإخوة المؤمنون: أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله، فإن تقوى الله أعظم ما يقدم به العبد على مولاه، فاتقوا الله في السر والعلن، واستحضروا عظمة الله وحسابه والوقوف بين يديه في كل موقف يمر بكم في دنياكم. ولعلي أستكمل بعض المواقف فيما نحن في أمس الحاجة إليه، فإن المواقف في الإباء مهمة إذ لو أننا أبينا أن ننصر الباطل بكلمة تؤيده، بل حتى بنظرة تشجعه، أو مال نبذله، لو أننا قاطعنا كل ما يؤدي إلى التهجم على ديننا، وتقوينا بمواجهته بإبلاغ الحق وتوصيله؛ لحصل لنا خير عظيم، ولرأينا أثر ذلك حسناً، ولعلي أشير إلى صور من الاستغناء مع الإباء في أمور يسيرة فكيف بما هو أعظم منها.

стр. 1430

الإمام المحدث عيسى بن يونس فهذا عيسى بن يونس من أئمة الحديث، أرسل إليه المأمون بابنيه يستمعان الحديث ويأخذان عنه، فواظبا مع الناس في المسجد، ثم أرسل له من بعد بعشرة آلاف دينار، فردها وأباها، فظن المأمون أنه استقلها، فأرسل إليه بعشرين ألفاً، فردها. وفي بعض الآثار: أنه عندما ردها سقطت وانتثرت هذه الدنانير وقال: ولا إهليلجة ولا شربة ماء على حديث رسول الله ﷺ ، ولو ملأت هذا المسجد من أرضه إلى سقفه ذهباً، وذلك استعلاءً وإباء لأهل العلم حتى يكونوا حينئذ على قوة في الحق وصدق وجرأة في الموقف.

стр. 1431

مواقف أخرى وعاطف أفندي الذي ذكرنا قصته قبل سقوط الخلافة دعي إلى إفطار عند الخليفة، وبعد ذلك أراد أن يقدم له هدية فاعتذر منه وقال كلمة جميلة قال: أرجو ألا تعودوني على قبول الإحسان، ثم دعي في وليمة لفراش صغير قد قدم له خدمة، فأجاب الدعوة، وذهب إليه وأكل من طعامه، وأراد هذا أن يكرم هذا العالم فقدم له هدية، فاعتذر منه ولكنه قال له كلمات أجمل: إن لمهمتي والقضية التي أعمل لها حساسية تمنعني ولا أستطيع معها تحمل مثقال ذرة من هذه الأعطيات المادية. وهكذا كان هناك موقف مشابه للعز بن عبد السلام، إذ إن الملك الصالح إسماعيل عندما داهن ووالى النصارى وسمح لهم بالدخول إلى دمشق وشراء الأسلحة التي سوف يحاربون بها المسلمين، فأفتى بكل قوة ووضوح وجرأة بعدم جواز بيع السلاح لهم؛ لأنه يفضي إلى مضرة المسلمين وقتلهم. وكم من أمور كثيرة قد نسهم فيها بالشراء ودفع الأموال وتعود هذه الأموال رصاصاً في صدور إخواننا المسلمين، أو تعود استعباداً لبلاد المسلمين، أو تعود امتهاناً لحرمات ومقدسات المسلمين، أفيكون قليل من تلك الأنواع التي نشتريها أحب إلى نفوسنا من ديننا؟ أفتكون حاجتنا إلى قليل من البضائع أو إلى قليل من الأشياء نحتاج إليها أعظم عندنا من حاجتنا إلى إعزاز ديننا؟ إن الإباء صورة قوية من صور العطاء والاستغناء والقدرة على بناء الذات ومواجهة الأعداء. أسأل الله أن يقوي إيماننا، وأن يرسخ يقيننا، وأن يجعلنا بكتابه مستمسكين، ولهدي نبيه ﷺ متبعين، ولآثار السلف الصالح مقتفين! اللهم إنا نسألك أن تردنا إلى دينك رداً جميلاً، اللهم إنا نسألك العفو والعافية والمعافاة الدائمة في الدين والدنيا والآخرة! اللهم تول أمرنا، وارحم ضعفنا، واجبر كسرنا، واغفر ذنبنا وبلغنا فيما يرضيك آمالنا. اللهم إنا نسألك أن تردنا إلى دينك رداً جميلاً، اللهم خذ بنواصينا إلى طريق الحق والسداد، وألهمنا الرشد والصواب، ووفقنا اللهم لطاعتك ومرضاتك! اللهم أنزل علينا الخيرات، وأفض علينا البركات، وأنزل علينا الرحمات، واغفر اللهم لنا ما مضى وما هو آت، وضاعف اللهم لنا الحسنات، وارفع لنا الدرجات، وبلغنا فيما يرضيك آمالنا يا رب الأرض والسماوات! اللهم إنا نسألك أن تعز الإسلام والمسلمين، وأن ترفع بفضلك كلمة الحق والدين، اللهم نكس رايات الكفرة والملحدين، اللهم عليك بسائر أعداء دينك فإنهم لا يعجزونك، أحصهم اللهم عدداً واقتلهم بددا ولا تغادر منهم أحدا، أرنا اللهم فيهم عجائب قدرتك وعظيم سطوتك، زلزل الأرض من تحت أقدامهم، واقذف الرعب في قلوبهم، واجعل الخلف في صفوفهم، ورد كيدهم في نحرهم، وأشغلهم بأنفسهم، واجعل بأسهم بينهم، واجعل الدائرة عليهم، وأنزل اللهم بهم بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين عاجلاً غير آجل يا رب العالمين! اللهم اشف فيهم صدور قوم مؤمنين عاجلاً غير آجل يا رب العالمين! اللهم الطف بعبادك المؤمنين المضطهدين والمعذبين والمشردين والمبعدين والأسرى والمسجونين والجرحى والمرضى في كل مكان يا رب العالمين! اللهم امسح عبرتهم وسكن لوعتهم، وفرج همهم، ونفس كربهم، وعجل فرجهم، وقرب نصرهم، وادحر عدوهم، وزد إيمانهم، وعظم يقينهم، واجعل ما قضيت عليهم زيادة لهم في الإيمان واليقين، ولا تجعله فتنة لهم في الدين، واجعل اللهم لنا ولهم من كل هم فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً، ومن كل فتنة عصمة، ومن كل بلاء عافية! اللهم اجعل هذا البلد آمناً مطمئناً رخاءً وسائر بلاد المسلمين، وأصلح اللهم أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين، اللهم وفق ولي أمرنا لهداك واجعل عمله في رضاك، وارزقه بطانة صالحة تدله على الخير وتحثه عليه يا سميع الدعاء! اللهم انصر عبادك وجندك المجاهدين في كل مكان يا رب العالمين. عباد الله! صلوا وسلموا على رسول الله استجابة لأمر الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٥٦]. اللهم صل وسلم وبارك وأنعم على نبيك محمد وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.

стр. 1432

الحرب الظالمة الصراع بين الحق والباطل صراع قديم، ولا يزال مستمراً إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وإذا كان للباطل في بعض الأزمنة صولة وجولة فإن للحق صولات وجولات. وإن الظروف الحرجة التي تمر بالمسلمين في العراق، وتسلط الباطل وأهله لاسيما الأمريكان؛ إنها مؤذنة بالفرج القريب والنصر المرتقب، إن أخذ المسلمون بوسائل النصر وأسبابه، من العودة إلى الله، والاستعانة به، والأخذ بالأسباب المادية وإعداد القوة.

стр. 1433

الظلم والعدوان شريعة الأمريكان الحمد لله المستفتح باسمه في كل أمر، المستعاذ به من كل شر، المستعان به في كل خطب، المستنصر به في كل حرب، الملتجأ إليه في كل بر، له الحمد هو المحمود على كل حال، لا نحصي ثناءً على نفسه هو كما أثنى على نفسه، هو أهل الحمد والثناء، وله الحمد ملء الأرض والسماء، وملء ما شاء من شيء بعد، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ويرضى على آلائه التي لا تعد ولا تحصى. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير. وأشهد أن نبينا وقائدنا وقدوتنا وسيدنا محمداً عبد الله ورسوله وصفيه من خلقه وخليله، ختم به الأنبياء والمرسلين، وجعله سيد الأولين والآخرين، وبعثه إلى الناس أجمعين، وأرسله رحمةً للعالمين، وأشهد أنه ﵊ قد بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، فجزاه الله خير ما جازى نبياً عن أمته، ووفقنا وإياكم لاتباع سنته، وحشرنا يوم القيامة في زمرته، وجعلنا من أهل شفاعته، وصل اللهم وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: أيها الإخوة المؤمنون! في الحرب الظالمة مسائل ورسائل، نقف مع المسائل لمزيد من الكشف والبيان والإيضاح، ونوجه الرسائل لمزيد من الوعي والإدراك والعمل والإصلاح. وما من شك أننا على يقين أن في قضاء الله وقدره حكمةً ورحمة، وأن فيه للمؤمنين خيراً ولو بعد حين، هذه أمور لا بد منها، وربما ظن بعض الناس أن هؤلاء الحلفاء من البريطانيين والأمريكان فاجئوا الناس ببغيهم وعدوانهم وكشفوا عن شيء مخبوء لم يكن معروفاً، أو أظهروا شيئاً كأنما جاء فلتةً من غير قصد، أو كأنما جاء بسبب عارض أو بظرف خاص، ونريد أن نؤكد غير ذلك. المسألة الأولى: الظلم والعدوان شريعة الأمريكان، ولا بد أن نعرف الحقائق على وجهها حتى لا نظنها خاصةً بوضع أو بحال أو بزمان أو بمكان بعينه، بل هي أوسع من ذلك وأشمل، وهي أدق من ذلك وأعمق، وهي أخبث من ذلك وأكثر شراً وضراً. يقول رئيسهم عند توليه الحكم قبل أن تحدث الأحداث التي يزعمون أنها سبب لما يجري، يقول في خطاب ترشيحه: إن لأمريكا زمن القوة العسكرية التي لا منافس لها، وطريق الأمل الاقتصادي والنفوذ الثقافي، إنه السلام الذي يأتي بعد الانتصار الساحق. هذا هو المفهوم: سيادة ثقافية وهيمنة اقتصادية، وفوق ذلك مواجهة وعدوان وظلم وبغي بالوسائل العسكرية؛ ليعم من بعد ذلك الانتصار الساحق كما يزعم من يهوى ذلك، (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ * وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ [البقرة:٢٠٤ - ٢٠٦]. ولئن تنزلت هذه الآيات وذكر أهل التفسير أنها في المنافقين فهي في وصف الكافرين من باب أولى وأظهر، وذلك يتجلى في هذه الكلمات التي سمعناها، وليس ذلك في فلتةٍ عابرة بل هو جوهر السياسة والتوجه، ففي وثيقة السياسة الخارجية التي اتخذها الرئيس سمةً ومنهجاً له وأقرها: أن هذه السياسة يمينيةٌ من حيث العقيدة لبعديها السياسي والديني، وتسعى لتحقيق مصلحةٍ قوميةٍ عُليا كونياً واقتصادياً وثقافياً، وتتجاوز كل تحركات أمريكا من أجل ذلك على مدى قرون سابقة، إنها الحركة التي تعكس كياناً إمبراطوريا يسعى للوجود في كل بقعة من بقاع الأرض يسعى للوجود سواء كان وجوداً مباشراً أو غير مباشر. ومدير التخطيط للسياسة الخارجية يلخص في سطرين اثنين الهدف الأساسي للسياسة الخارجية الأمريكية في القرن الواحد والعشرين فيقول: هو إدماج بلدان ومنظمات أخرى في الترتيبات التي سوف تدعم عالماً يتسق مع المصالح والقيم الأمريكية، فهم لا يرون أحداً غيرهم ولا يعرفون قيمةً ولا مقاماً لثقافة أو حضارةٍ أو أمم أو شعوب غيرهم، ولسان الحال لسان فرعون: ﴿مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ [غافر:٢٩] كذبوا وخابوا وخسروا! وإذا تأملنا فإننا نجد الأمر أوضح من ذلك في كثير من الجوانب التي ليس هذا مقامها.

стр. 1434

الغطرسة والطغيان منهج للأمريكان مسألةٌ ثانية: الغطرسة والطغيان منهج الأمريكان. إنهم لم ينفردوا عن العالم كما يقولون في هذه الحالة الشاذة، بل إنهم يريدون أن يقرروا ذلك ويكرسوه حتى يسيروا فيسير العالم كله من وراءهم، ويقولوا فينصت العالم كله لهم، ويأمروا فتستجيب الدنيا بأقطارها ودولها وأممها وحضاراتها لهم، وذلك يقولونه بألسنتهم ويقررونه في وثائقهم ويعلنونه في محافلهم، وليست الهدف بلداً بعينه، ولا نظاماً بعينه ولا مسألةً عسكريةً مكذوبةً مغلوطةً بعينها، بل كما جاء في إستراتيجية الأمن القومي التي عُرضت على المجالس السياسية: أمريكا ستعمل على حسم معركة العالم الإسلامي، وأمريكا لا زالت مستمرة في جهودها للحصول على دعم المجتمع الدولي، إلا أننا لن نتردد في اتخاذ خطوات من جانب واحد إذا لزم الأمر، وسنشن حرب أفكارٍ لننتصر في المعركة. وهذا كله قبل الأحداث وقبل ما جرى مما يدعون أنه السبب في كل ذلك، ونائب وزير الدفاع المتهود يقول: ينبغي منع أي قوة معادية من السيطرة على مناطق يمكن لثرواتها أن تجعل هذه القوة قوةً عظمى، كما ينبغي تثبيط عزيمة الدول المتقدمة إزاء أي محاولة لتحدي زعامتنا، كما علينا التنبه والتوقع لأي بروز يحمل منافسة لنا على مستوى العالم. وهذا هو الطغيان والتكبر والتجبر والغطرسة التي ينال شرها وضرها أهل الإسلام وبلاد الإسلام بشكل خاص، ولا يسلم من حرها وقرها ولظاها شعوب الأرض قاطبةً كما نراها، وهي اليوم تُبغض هذه السياسة وحملتها وقيادتها وتسعى بجهدها قدر ما تستطيع وخاصةً الشعوب. وفي إستراتيجية الأمن القومي: إن هناك نظاماً للقيم الأمريكية لا يمكن المساومة عليه وهذه هي القيم التي نتمسك بها، وإذا كانت هذه القيم خيرةً لشعوبنا فإنها خيرةٌ لغيرنا، لا نعني أننا نفرضها بل نعني أنها قِيم الهيبة! وهذه مغالطات في الألفاظ، فهم يقولون: لا نفرضها لكنها قِيم الهيبة! يعني ستفرضها الهيبة والهيمنة والإرهاب الذي يمارسونه مباشرةً أو غير مباشرة معلناً أو غير معلن، وهذا واضح وجلي في المواقف التي نراها اليوم والتي تقع في هذه الأحداث المؤسفة المؤلمة على إخواننا المسلمين في أرض العراق، وهذه سمة واضحة ومنهج أصيل سيما في هذه الإدارة الأمريكية الحديثة. وإذا تأملنا وجدنا كيف تطبق هذه المسائل وهذه الأفكار في الواقع عندما صدرت فتوى من مجمع البحوث الإسلامي التابع للأزهر، وإذا بالتنبيه والطلب من وزارة الخارجية بأن يُلفت نظر الحكومة وأن يدرج الأزهر في قائمة المنظمات الإرهابية. وهكذا ترون التشدق والكذب في قضايا كثيرة ليس هذا مجال حديثنا فيها، ونحن نرى كيف تُفرض أو يُفرض منطق القوة لا منطق العدالة، ومنطق الظلم والبغي والعدوان التي تسنده القوة بأنواعها المختلفة، وماذا يقول مجتمع الأمم المتحدة ومجلس أمنها؛ هل يعارضون الحرب أو يسعون لوقف الهلاك والدمار؟ إنهم يبحثون كيف يتعامل مع آثار الدمار! إقراراً للمدمرين والمعتدين وإيقاناً بأنها -أي: الأمم المتحدة- أعجز من أن تقول شيئاً، أو أن تفعل شيئاً وإنما تسير مع الركب وتمضي مع الهيمنة وتخضع للقوة وتصبح في ذيل القائمة، وهذا هو منطق القوة الذي يفرض.

стр. 1435

التحالف بين اليهود والأمريكان ومسألة ثالثةٌ مهمة، وهي أخطر وأبعد فيما يتصل بالإسلام وأهله، وهي: مسألة التحالف بين اليهود والأمريكان: ولا يخفى على أحد تأثير اليهود في هذه السياسات والتوجهات، ولا يخفى أمر قد يظنه البعض غريباً: وهو أن تُقدم الخبرات من اليهود في دولتهم الغاصبة لهذه القوة العظمى، وقد تجلت هذه الأخبار وخرجت في الأوقات الماضية، فخبرات اليهود عليهم لعائن الله في قتال إخواننا المسلمين في فلسطين يهدونها إلى صُنعائهم وحلفائهم وأربابهم من الأمريكان، ويقدمون لهم خططاً في تجربتهم في اقتحام المدن في فلسطين حتى يتبعوها هناك، ويقول أحدهم وهو من الخبراء العسكريين الذين يبينون ذلك ويؤكدونه: إن القيادات في الجيش الأمريكي لا تخجل من الاستفادة من التجارب الإسرائيلية، بل إنها تدرس هذه التجارب بشكل علني ولديها كراسات عن كل حرب إسرائيلية، وآخر الكراسات التي صدرت في واشنطن هي تلك التي تتعلق باحتلال جنين ونابلس! فالأمر متصل والشبكة واحدة، وإلا فأين العيون والآذان والقرارات والأنظمة من الإجرام اليهودي وأسلحة الدمار الشاملة المعروفة المعلنة، ومنع التفتيش ومنع التوقيع على تلك المعاهدات إلى آخر ما يعلمه أصغر صغير وأقل الناس علماً في هذا الوجود، وهذا كله يؤكد لنا الحقائق الأساسية في حقيقة العداء بين أعداء الإسلام عموماً وحلف الصهاينة مع النصارى اليمينيين المسيحيين على وجه الخصوص وبين الإسلام وأهله، والأمر في هذا ظاهر بين ولا يخفى على أحدٍ ونحن ندرك كل هذه الوقائع التي تجري ولكن مزيداً من الإيضاح حتى لا يظن ظانٌ أن المسألة مخصوصة أو عارضة، وهاهي الأقوال تنطق فإنها ليست حرباً عسكرية؛ ولكنها غزوٌ ثقافيٌ وتغيير قيميٌ وتبديل أخلاقيٌ، ونقضٌ أساسي لواقع المجتمع في مناهج تعليمه وفي أسس بنائه، بل وفي نظام حكمه، بل وفي موارد اقتصاده، وذلك هو الذي تشهد به الوقائع. ودع عنك ما يقال من الأقوال التي يزعمونها تحريراً للشعوب أو نشراً للحرية أو حفاظاً على ثروات الأمم أو غير ذلك من الكذب الذي تكذبه الصواريخ المدمرة والقنابل المحرقة، والجرائم المتوالية التي أصبح العالم اليوم يتعامل معها كأنها أمر واقع، وخير القوم من يستطيع أن يقول على استحياء: إن هذا ظلم وعدوان ينبغي أن يقف.

стр. 1436

توجيهات ووصايا يحتاج إليها المسلمون في مواقفهم من الحرب ولسنا نريد أن نفيض في هذا القول ولكننا ننتقل إلى الرسائل التي نحتاج إليها نحن، رسائل نوجهها إلى عموم المسلمين ورسائل نوجهها إلى المخدوعين من الموالين، ورسائل نوجهها إلى الثابتين من المقاومين؛ علنا ندرك فيها كثيراً مما نحتاج إليه من أنوار القرآن وهداه وثوابته.

стр. 1437

وجوب الإصلاح والتغيير ولا بد لنا أن ننتبه إلى أمور مهمة وإلى غايات عظيمة ومنها: الإصلاح والتغيير: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد:١١] إن مواجهتنا لأعدائنا وانتصارهم في بعض الميادين علينا ليس لقوتهم، فإنهم أضعف منا في جوانب كثيرة، وإنما انتصارهم بسبب ضعفنا، إنهم يصنعون ونستهلك، ينتجون ونشاهد، يروجون فنقبل، يكذبون ونصدق، ولو وجدوا غير ذلك لوجدنا غير ذلك. لقد كان الغزو وإرادة التأثير موجوداً وفاعلاً منذ عهد النبي ﷺ ، لكنه وجد إيماناً ويقيناً تكسرت عليه كل هذه الحملات، ولعلي أذكر مثلاً واحداً: يوم تبوك، يوم تخلف من تخلف وكان من المخلفين ثلاثة صادقون، ومنهم كعب بن مالك، فأمر النبي ﷺ أن يقاطعوا ولا يكلموا ولا يعاملوا، قال كعب: حتى ضاقت علي نفسي وضاقت علي الأرض بما رحبت. فسمعت الدولة العظمى أن فرداً في هذه الأمة ربما اعتراه ضعف وأصبح مهيئاً ليتم النفوذ من خلاله وأن يكون الغزو عبره ومن طريقه، فأرسلت القوة العظمى رسولاً يبحث ويسأل عن كعب بن مالك، قال: فدلوه علي فجاءني بكتابٍ من القائد والملك الأعظم في دولته العظمى، يقول فيه: قد علمنا أن صاحبك قلاك، فالحق بنا نواسك، ولم يجعلك الله في أرض مضيعة. فماذا قال هذا المقُاطَع الذي لا يكلمه أحد، والذي عاش فترة من المعاناة النفسية الشديدة، هل لان وضعف؟ هل استجاب لإغراءات اللجوء السياسي أو لإغراءات المنهج الفكري؟ قال: (فعلمت أنها الفتنه)! كل ما سبق لم يكن شيئاً ولم يكن فتنةً بالنسبة له. قال: فعلمت أنها الفتنة فعمدت بها التنور فسجرتها، أي: أحرقها حتى لا يبقى لها أثر ولا يبقى له ذكر ولا يعاود النظر إليها مرة أخرى، ورد أولئك على أعقابهم خائبين، واليوم يأتينا كثير وكثير ويتلقفه منا كثير! أين صلابة إيماننا؟ أين ثبات أخلاقنا؟ أين قوة دعوتنا؟ أين قوة مواجهتنا؟ ذلك أمر لا بد له من التغيير والإصلاح. نسأل الله أن يردنا إلى دينه رداً جميلاً، وأن يثبتنا على الحق، وأن يرد أعداءنا على أعقابهم خائبين، وأن يردهم بغيظهم لا ينالون خيرا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. أقول هذا القول، وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 1438

وجوب المرابطة والجهاد في مختلف الميادين ثالثاً: المرابطة والجهاد: فهذه معركة ليس ميدانها بقعةً معينة، وليست صورتها قتالاً بالأسلحة، بل هي أوسع من ذلك وأشمل، إنها تريد تقويض الاقتصاد والاستيلاء على الثمرات، إنها تريد تبديل المناهج وتغيير الأخلاق، إنها تريد نقض أساس الحكم بالإسلام وتغيير شريعة القرآن، إنها تريد فسخ عرى الأسرة المسلمة وتعرية المرأة المسلمة، إنها تريد أن تدخل إلى قلوب المسلمين فتغير ولاءهم وبراءهم، وإلى عقولهم فتغير أفكارهم وتصوراتهم. أفليست هذه المعركة جديرة بأن يخندق المسلمون في ميادينها كلها ولا ينبغي أن تكون في ميدان واحد، بل لا بد أن تكون هذه الميادين فيها جهاد من أهل الإسلام، فمن ذلك جهادهم الثقافي، وفضحهم السياسي، وصدهم الاقتصادي، وحسبنا في ذلك أن نرى اليوم شعوباً بوذية وشعوباً غربية تنادي بمقاطعة أمريكا، وأهل الإسلام أولى بذلك وأحرى وأجدر، فلا نشتري بضائعهم، ولا نسوق ثقافتهم، ولا نشاهد أفلامهم، ولا نروج ما يقولونه ويزعمونه من هذه الأباطيل فلا نذهب إلى بلادهم ولا نستثمر في ديارهم. ولا بد أن يكون هذا موقف مبدأ وإيمان لا موقف رد فعل آلي، ولا بد أن يكون ذا شمول في نوعه ومجالاته، وأن يكون ذا شمول في عموم أمة الإسلام؛ إن ثلاثمائة وألف مليون لو صرخوا صرخة واحدة لزلزلوا الأرض كلها، فما بالهم لا يجتمعون على أمرٍ قد ظهر وانكشف وصار أوضح من الشمس في رابعة النهار، وهذا أمر لا بد منه ولا بد من الأخذ به وهو ضرب من ضروب الجهاد. ولا بد كذلك من الجهاد في ميادين الدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتثبيت عقائد الإسلام، وتوضيح شرائعه، والرد على كل من يعتدي على كتاب الله وسنة رسول الله، ورد الشبهات التي تبث وتذاع وتشاع عن دين الله وأحكام شرائع الله، وكل ذلك لا بد له من عمل وبذل، إنه لا ينبغي لنا أن نحصر الأمور في ميدان واحد، وإن كان ميدان الجهاد متعيناً في أوقاته وزمانه وأهله، ومتعيناً على عموم الأمة أن تعد له عدته، وأن تأخذ أسباب قوته وأن تهيئ النفوس بالتربية وبالعمل الجاد وبالأسلوب الذي ليس فيه هذا الترف والتميع والتمايل مع الغناء والرقص والانسلاخ من الأخلاق، والانحلال مع الأفلام الداعرة الماجنة وغير ذلك مما يروجه أولئك القوم وغيرهم. فلا بد من رباط، والرباط يعني أن تواصل العمل وألا تترك الموقع، وإذا تركته فخلف بعدك غيرك ليأتي ويكمل الدور، وينبغي التواصي بذلك وأن تكون الأعين مفتوحة والقلوب واعيةً والعدة متأهبة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انفِرُوا جَمِيعًا﴾ [النساء:٧١] انفر وتوجه لميادين القتال المباشرة وغير المباشرة فالجهاد ساحته واسعة، وعداء أولئك القوم لنا لا يقتصر على جانب دون جانب بل في سائر ما يتعلق بإسلامنا، وإسلامنا يتعلق بالحياة كلها، ويحكم دنيانا كلها ويحكم ما في قلوبنا ونفوسنا من المشاعر والعواطف، وما في عقولنا من الأفكار والخواطر، وما تنطق به ألسنتنا من الأقوال والكلمات، فلذلك ينبغي أن يكون دأبنا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ﴾ [الصف:١٠ - ١١] وقد قال ﷺ : (جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم) وهذا أمره واضح، وقد سبق لنا حديث عنه.

стр. 1439

وجوب التحلي بالثقة والثبات أولاً: الثقة والثبات: فلا ينبغي أن يفت هذا العدوان في عضد المسلمين، ولا أن يتسرب اليأس إلى نفوسهم، ولا أن يهزمهم في سويداء قلوبهم وأعماق نفوسهم وخواطر أفكارهم. وللأسف أننا ربما نجد بعضاً من ضعاف الإيمان قد أصبحت أمريكا إلههم الذي يُعبد، وأنها القوة التي لا تُقهر، وكأنها هي التي تصرف أمور الكون وشئونه، ويقولون لك ما يقولون بألسنة تدل على خور وجبن وضعف، ولعلنا لا نطيل فنسوق من آيات القرآن وحسبك بها مثبتاً وموضحاً ومجلياً للحقائق، وذلك فيما ساق الله لنا من قصص بني إسرائيل وموسى ﵇: ﴿قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف:١٢٨] وذلك في أثناء المواجهة مع الطغيان ومع فرعون، فكان موسى يقول لهم: (استعينوا بالله واصبروا، إن الأرض لله يورثها من يشاء من عبادة والعاقبة للمتقين) جزماً قطعاً يقيناً لا شك فيه. وكان عندهم شيء من التردد ﴿قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا﴾ [الأعراف:١٢٩] أي: قد وقع لنا بلاء وحصلت لنا هزائم وحلت بنا نكبات، وتشردنا في الأرض وذقنا مرارة العبودية: ﴿قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف:١٢٩]. ثم ساقت الآيات صور الصراع والمواجهة، وكانت خاتمتها: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ﴾ [الأعراف:١٣٧]. إيجاز يلخص مواجهة الإيمان مع الطغيان عندما يكون الإيمان راسخاً في القلوب واليقين ثابتاً في النفوس، وينبغي أن يكون هذا تأكيداً لهذه المعاني وتوثيقاً لها في خضم هذه الأحداث، لا أن يكون سبباً في نقضها أو ضعفها، أفي شك نحن من آيات الله؟! أفي شك نحن من سنن الله؟! أفي شك نحن مما رأينا بأم أعيننا فيما نطالعه من سيرة رسول الله ﷺ ؟! أفي شك نحن من صفحات تاريخنا الإسلامي الوضيئة المشرقة، حين روت لنا معارك واجهت فيها فئة مؤمنة قليلة، في أحوال كثيرة، وميادين عديدة في مواجهات مختلفة مع أمم متنوعة، فيوم استمسكت بدينها واستنصرت بربها، عزت وعلت وسمت وانتصرت رغم ضعفها وقلة عددها وعدتها، ونحن نرى صوراً من ذلك وكان الناس يقولون: إنهم في ليلة وضحاها سينهون كل شيء، ونحن نرى ما نرى من صور يسيرة ولمحات وضيئة لا نستطيع أن ننسبها كليةً إلى الإيمان واليقين والجهاد والفداء لكننا نقول: إن من ومضات من ذلك، وكل شعوب الأرض وأممها تقول: من يقف أمام هذه القوة العظمى مع التحالف الذي يسندها؟! ونحن نعلم أنهم اليوم يضاعفون ويرسلون المزيد من الرجال والعتاد؛ لأنهم لا يزالون يجدون أن هذه المقاومة الهزيلة الضعيفة الخاوية من كثير من العدة والعتاد، استطاعت أن تصنع شيئاً يعده الناس والعسكريون أمراً فريداً يستحق أن يدرس وأن يدون.

стр. 1440

الخسارة والدمار لأهل الظلم والاستكبار الرسالة الثانية: الخسارة والدمار لأهل الظلم والاستكبار: لا بد أن ندرك أن سنة الله ماضية في أن الظلم عاقبته إلى خسار ونهايته إلى دمار: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود:١٠٢] وأن الظلم ظلمات يوم القيامة، وأن الظلم في الدنيا حسرةٌ وندامة، أيَّا كان هذا الظلم حتى وإن كان المسلم هو الظالم فإن له عقوبة دنيوية وأخروية، كيف والظالمون من الكافرين! كيف والظالمون يظلمون أهل إسلام وإيمان في الجملة وفي بلاد الإسلام قاطبة؟! والله قد بين لنا ذلك في آيات كثيرة، وجلاه رسولنا ﷺ في أحاديثه وفي المواقف العديدة من سيرته، ﴿وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا﴾ [الكهف:٥٩] إن موعدهم آتٍ وإنه لقريب، و ﴿إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾ [هود:٨١] ليل لا بد له من نهار، وظلمةٌ لا بد أن تنجلي عن إشراق وأنوار، لكن لا بد من اليقين بذلك ولا بد من العمل له، فإن رسول الله ﷺ أوذي هو وأصحابه وهاجر وقاتل ودمي وجهه الشريف، وقُتل بين يديه خلص أصحابه وأقربائه، ثم علت رايته وانتشرت عقيدته وعظمت في بلاد الأرض كلها دولته؛ لأنها قامت على هذا اليقين، وكل تكبر وطغيان فإن مصيره إلى الهلاك. والله قد قص علينا في كتابه قصص أمم كثيرة طغت، وبغت، وتجبرت، وتكبرت، فأذلها الله وأرغم أنوفها ومرغها في التراب، وجعل عاليها سافلها، وذلك عندما وجد الخلص من عباده معلقين حبالهم به، ملقين ولاءهم له ولأوليائه، متعلقين به في عبادتهم وطاعتهم، محكمين لشرعه في أحوالهم وعلاقتهم ومعاملاتهم؛ عند ذاك تتحقق هذه السنن وتمضي كما بينه الله ، يقول الحق جل وعلا: ﴿فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هَؤُلاءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ [الزمر:٥١]. هل تعجز قوة الله أمريكا أو غير أمريكا أو قوى الأرض كلها؟! ولكن بعض الناس لا يوقنون! فنحتاج أن ندرك هذا كما أخبرنا الحق جل وعلا: ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾ [فصلت:١٥] ألا ترون أن هذا حال الكفار اليوم، ألا ترون أن هذا وصفهم؟! ﴿فَاسْتَكْبَرُوا فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ [فصلت:١٥] وهو قادر جل وعلا على أن يفضحهم ويهزمهم ويذلهم، وذلك وفق سنته جل وعلا.
следующие страницы →