← Джавами‘

Джавами‘ · id 7721

دروس للشيخ علي بن عمر بادحدح

علي بن عمر بادحدح

Полный текст (2 691 стр.). Показаны 1541–1580 · переход к 1546.

стр. 1541

موقف طلاب العلم من كلام العلماء في بعضهم البعض السؤال هناك بعض الشباب صغار السن وقليلي العلم يقومون باتهام بعض الشيوخ والعلماء، أو يقومون بالتشهير بهم أو ببعض مؤلفاتهم، وهناك بعض الكتب تخرج في الرد على بعض العلماء من بعضهم الآخر، فما موقفنا تجاه هذه القضايا؟ الجواب من لا يحسن السباحة لا يذهب إلى الأماكن العميقة، بل يسبح على الساحل، وقد ذكرنا أنه لا يقبل الجرح إلا من عالم به، وعالم بأسبابه، وعالم بمدلولات ألفاظه، مع التيقظ والتنبه، إضافة إلى الورع والتقوى، وحينئذ لا يقبل بحال من الأحوال قول من لا علم له، أو ليس له بصيرة، أو من لا يعرف هذه الأمور، سواء جرح عالماً كبيراً أو صغيراً، بل ينبغي أن ينصح ألا يقع في هذا الأمر، وكما ذكر ابن دقيق العيد حيث قال: أعراض المسلمين حفرة من حفر النار، يقف على شفيرها المحدثون والحكام. فإن استسهل ذلك وتجرأ عليه فإنه في خطر عظيم. وأما كلام العلماء فيما بينهم، فكما ذكرنا: إن كان الجرح في العلماء من غير بيان وتفصيل يستطيع الإنسان من خلاله أن يستنبط أن هذا قد أخطأ فعلاً أو جانب الصواب؛ فإنه كما قيل في كلام الأقران: لا يؤخذ قول بعضهم في بعض، وكذلك إن لم يكن المطلع على المسألة ممن يعرف المسائل، وممن يعرف دلالات الألفاظ، فإنه لا يفهم أيهما أحق، وأيهما ينتصر له، فلذلك ليس له أن يعلو إلى فوق مقامه، فهو لا يريد الآن فقط أن يرتقي إلى مقام هذا العالم وهذا العالم، بل يريد أن يرتقي إلى منزلة أعلى منهما لينظر من علم، فيرجح بين هذا وهذا، فإن لم يكن بالغاً منزلة واحد منهما فكيف له أن يحكم بينهما؟! فلا شك أن كلام العلماء فيما بينهم ينبغي أن يتورع الإنسان عن الخوض فيه، إلا إن كان قد تمكن من العلم أو استقصى في المسألة، أو ركن إلى من يثق بعلمه وتقواه ممن قد يرجح له الصواب على الخطأ، مع اعتقاد أن وقوع الخطأ ممن أخطأ لا يعني إهداره بالجملة، ولا يعني القدح فيه؛ لأن موارد الاجتهاد كثيرة، ولأن العصمة ليست لأحد، ولأن الخطأ وارد ومطرد على الناس. وهذه الخلافات فيها نوع من الآفات التي تشوش ذهن الشباب أو من ليس له حظ من العلم، فينبغي أن يعرف الأصول التي يحتاج إليها، ومما يذكر في هذا المقام قصة المزني مع شيخه الشافعي، لما سأله فقال: مسألة حاكت في نفسي من أمر التوحيد قلت لا يجيبني عنها إلا أنت، وجاءه وهو في المسجد في مصر، فسأله عن هذه المسألة، وهي مسألة غريبة، فقال: هل تعلم نجماً في السماء متى يطلع؟ ومتى يبزغ؟ قال: لا، قال: هل تعرف متى النجوم كذا؟ قال: لا، فسأله مسائل وهو يقول في كل منها: لا، ثم قال: فهذه مخلوقات الله تعلمها ولا تعرف كيفية بزوغها وأفولها، فكيف تسأل عن فعل الله ؟! ثم سأله بعد ذلك وهو شاهد الحال عن مسألة في الوضوء، فلم يحسن الجواب فيها، قال: ففرعها لي على أربعة أوجه فما أصبت فيها، فقال: مسألة تحتاج إليها في كل يوم خمس مرات لا تعلمها، وتتكلف علم ما ليس لك به علم! فهذه الخلافات ينبغي ألا تشوش على المبتدئ، وينبغي أن يأخذ الأصول، وأن يعرف ما قد يكون جاهلاً به من أركان صلاته أو أركان وضوئه أو ما يتعلق به، وهذا أمر مهم. الأمر الثاني: ألا يؤدي ذلك إلى فرقة، وإلى تنازع بين الأمة، وتشتيت لجهودها. الأمر الثالث: ألا يصرف هذه الملاحظات، وهذا النقد عن توجيه سهام النقد، وبيان الزيف والخطأ فيما هو خارج عن دائرة كلام العلماء، بمعنى: أن يصب في دائرة كلام الأعداء الذين يثيرون على الإسلام الشبهات التي يلقونها، والرد على من نعلم جميعاً أنه لا يقصد خيراً، وأنه صاحب هوى، وله غرض سيء، فينبغي ألا يشغل مثل هذا عما هو أهم وأعظم من ذلك الأمر. قال العلماء: الإنسان ينبغي دائماً أن يكون مخلصاً لله، فحينئذ يبصر بإذن الله مواطن الصواب في مثل هذه الأمور، وهذه المسائل قد عمت بها البلوى إلى حد كبير، لكن من رجع إلى كلام السابقين، وإلى تصرفاتهم، وإلى جرحهم وتعديلهم، وإلى مواقفهم عند الاختلاف ربما لاح له كثير من النور والضياء، والمواقف التي يستطيع -إذا استمسك بها واسترشد بها ورجع إليها- أن يكون إن شاء الله على الحق، ولا يخوض في مثل هذه الأمور بما يشغله عما هو أعم له وأنفع له، والله أعلم.

стр. 1542

كيفية التعامل مع الكفار والمبتدعة في المعاملات الدنيوية السؤال أضطر في بعض الأوقات أن أتعامل في عملي مع من هم مخالفون لي في عقيدتي أو من أهل الكتاب من النصارى، فكيف أعاملهم؟ الجواب على ما ذكرناه عن ابن تيمية في استنباطه من قوله تعالى: ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة:٨] فلا بد من إعطاء الحق الذي للإنسان، وإعطائه الأمر الذي له دون أن يكون نوع الخلاف داعياً إلى الظلم والاعتساف، وهذا أمر مقرر، فمثلاً أهل الكتاب لهم ذمتهم في دولة الإسلام، ولهم أحكامهم، وأيضاً لهم نوع من المعاملة كما قال الله : ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة:٢٩]، وفي بعض الأحاديث: (اضطروهم إلى أضيق الطرق) أي: حتى لا يكون مظهراً لعزة، ولا متعالياً في مجتمع المسلمين، حتى قال بعض الفقهاء في الجزية حينما تؤخذ: ينبغي أن تكون يد المسلم من أعلى عندما يأخذ الجزية من الذمي، وتكون يد الكتابي أدنى، حتى يتحقق قوله تعالى: (حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ) فمثل هذا من أحكام الإسلام، لكن لا نتجاوزه إلى غير ذلك، فقد ثبت إحسان الرسول ﷺ إلى اليهود الذين عاصروه في المدينة، بل ثبت في الصحيح في قصة الغلام اليهودي الذي حضرته الوفاة، فجاءه رسول الله ﷺ وهو يقول له: (أسلم وقل: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وأبوه عند رأسه فقال له: أطع أبا القاسم) فشهد شهادة الحق فتوفاه الله على الإسلام. وكذلك قصة عمر ﵁ مع اليهودي حينما رآه وهو كبير في السن يطلب الناس فقال: أخذنا منه جزيته في شبابه، وما أنصفناه في شيبته، فأمر له بعطاء من بيت المال. ومعلوم في شرع الله أن من مصارف الزكاة المؤلفة قلوبهم، ومن أصنافهم قوم غير مسلمين يرجى تألف قلوبهم وتحبيبهم في الإسلام، وتعرفون قصة صفوان بن أمية ﵁ حينما أعطاه النبي ﵊ من غنائم حنين فقال: (كان رسول ﷺ أبغض الناس إلي، فما زال يعطيني ويعطيني حتى صار أحب الناس إلي). فينبغي التنبه لهذا، ولا يكون الإنسان فقط مندفعاً بحكم الغيرة أو بحكم الدفاع عن الدين فيتجاوز حدود ما حده له الدين، وعلى هذا فقس: فكل من خالفك في أمر اعتقادي، فإنه ربما يكون معذوراً عند الله ، وأنت لا تعلم نيته، وربما يكون قد استفرغ جهده، فعليك بنصحه وإرشاده، وعليك بإثبات الإسلام له إن لم يكن قد ذكر أو قال القول الذي يكفر به كفراً صريحاً عندك من الله فيه برهان، وعليك أيضاً بتفضيله وتقريبه على من هو أشد منه ضرراً، وعليك أيضاً ألا تؤدي معاملتك له إلى بدعة أعظم، كما قال الإمام ابن تيمية: ترك الصلاة خلف المبتدع إذا كان فيه مصلحة لأن يتغير حاله أو أن الناس سيغيرونه أو كذا فالأولى هجره، قال: وإلا فهجره ورد بدعته بالهجر يكون فيه نوع ابتداع؛ لأنه ما أدى الفائدة التي يريد بها التقويم والإصلاح. كذلك ألا يؤدي هذا التعامل إلى ما هو أعظم من بدعته، وأكثر شراً، وهذه مسائل دقيقة إذا استطاع الإنسان أن يحسن فيها فهو توفيق من الله عظيم، وينبغي أن يراعي إصابة الحق وأن يراقب الله ما استطاع في مثل هذه الأمور، والعلماء قد غضوا في مسائل الاختلاف في العقائد عن بعض المسائل الكبيرة، قال القاسمي: وقد روى البخاري عن رءوس من المعتزلة والشيعة والقدرية والمرجئة لأنه وثقهم، ولم يكونوا دعاة بدعة، ولم يكونوا يستحلون الكذب، وكان عندهم صيانة وورع، وربما كان لهم في هذا ما يعذرون به عند الله إن قصدوا الحق، فينبغي التنبه لهذا فإنه أمر عظيم، والله أعلم.

стр. 1543

شهر الصلة والإصلاح لا غنى للمرء عن ربه طرفة عين ولا أقل من ذلك؛ ولهذا يجب على المرء أن يحسن صلته بربه وخاصة في شهر رمضان؛ لأنه شهر الطاعة والعبادة والصلة، والتوبة والإنابة، وهو شهر تكفير الذنوب والسيئات، ونزول المغفرة والرحمات، فعلى العبد في هذا الشهر أن يحسن صلته بأرحامه وأقاربه، وأن يقوي علاقته بأصحابه وإخوانه، استغلالاً لهذا الموسم الكريم، وحرصاً على الفوز بجنات النعيم.

стр. 1544

أهمية إصلاح النفوس ووصلها بالله الحمد لله، الحمد لله خص رمضان بنزول القرآن، وفتح أبواب الجنان، وإغلاق أبواب النيران، وتصفيد مردة الجان, وتخصيص باب الريان لعباده الصائمين. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير. وأشهد أن نبينا وقائدنا وقدوتنا وحبيبنا وسيدنا محمداً عبد الله ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، النبي المصطفى والرسول المجتبى، علم التقى ومنار الهدى، وأشهد أنه ﵊ قد بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلى هالك، فجزاه الله خير ما جازى نبياً عن أمته، ووفقنا لاتباع سنته، وحشرنا يوم القيامة في زمرته، وجعلنا من أهل شفاعته، وصلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى من تبعهم واقتفى أثرهم ونهج نهجهم إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين. أما بعد: أيها الإخوة المؤمنون! سلف لنا حديث عن رمضان بوصفه شهر القلوب والأرواح، وحديثنا اليوم عن رمضان بوصفه شهر الصلة والإصلاح؛ صلة لما انقطع، وإصلاح لما فسد صلة شاملة تعم حسن وقوة الصلة بالله، كما تشمل حسن وامتداد الصلة بعباد الله في مراتب كثيرة، وفي إصلاحات نفسية وعملية واجتماعية متنوعة، تجعل الصلة بالإقبال إصلاحاً للإدبار، وتجعل الصلة بالطاعة إصلاحاً للغفلة الموقعة في المعاصي. إنها صلة عظيمة تتجدد وتقوى، وتتجذر وتمتد، وتصبح في هذا الموسم العظيم سمة ظاهرة للمسلم وحده وللأمة كلها في نوع من التربية الإيمانية السلوكية الفكرية التي يصوغ بها هذا الدين العظيم أتباعه؛ ليردهم إليه من بعد شرود، وليقيمهم على منهجه من بعد انحراف، وتلك مزية هذا الدين في مواسم الخير، وعبادات التذكر والاتعاظ التي تتعهد القلوب بالزكاة والنفوس بالطهارة، وتتعهد العقول بالرشد والإيضاح، كما تتعهد الجوارح بالاستقامة وتهذيب السلوك، وتتعهد العلاقات والصلات بتحسينها وقطع ما يسوء ويضر منها، وتلك هي المزية العظيمة التي تتجلى لنا في شهرنا هذا وفي صيامنا هذا.

стр. 1545

رسائل الصلة بالله المتاحة في رمضان

стр. 1546

الإخلاص بداية الصلة بالله والصلة بالله تبدأ بالإخلاص له، وتجريد القصد لطاعته ومرضاته، وتحقيق التحلي بمراقبته والحياء منه؛ امتثالاً لأمره: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة:٥]، وتحذيراً واجتناباً لوعيده وتهديده في الحديث القدسي: (أنا أغنى الشركاء عن الشرك؛ من أشرك معي فيه غيري تركته وشركه).

стр. 1547

الاهتمام بالصلاة من الصلة بالله حسن الصلة ظاهر في ركن ركين وأساس متين وهو العمل بالطاعات والقيام بالفرائض؛ ذلك أن المسلم في هذا الشهر الكريم أحرص ما يكون على تكميل إيمانه وعلى تحقيق إسلامه، فصلاته يشهدها في الجماعات، ويبكر إليها مع الأذان، ويحرص على اغتنام الأوقات مع حضور القلب والخشوع والتذكر والاتعاظ والاعتبار، فإذا به يأتي بها على صورة أكمل وعلى هيئة أفضل، فيكون له من أثرها ومما فيها من حسن الصلة بالخالق ما يحدث له امتلاءً بعظمته في القلب وشعوراً بصدق توقيره وإجلاله في النفس. مع ما يكون فيها من الخضوع له والذل بين يديه والانكسار في السجود، وإخضاع الجوارح كلها انكباباً على الأرض وتعظيماً للرب ، والعمل بالفرائض لفضيلة الزمان ومضاعفة الأجور يجعل المرء يحسن صلته بالله في صلاته، فيتلو الآيات وقلبه يخفق بالتعلق، وعقله متدبر فيها، وجوارحه خاشعة ساكنة معها، ويشعر حينئذ بلذة ما بعدها لذة، وحلاوة ليس فوقها حلاوة، ويستحضر ذلك المثل العظيم والنموذج الأعظم في حياة المصطفى ﷺ حين قال: (وجعلت قرة عيني في الصلاة)، فكم في هذه الصلة العظيمة من وصل عظيم! فإننا نحرص في هذا الشهر على كثير وكثير مما سيأتي ذكره.

стр. 1548

إخراج الزكاة في رمضان من الصلة بالله وهكذا ركن الزكاة، فجل الناس يحرصون على إخراج زكاتهم في هذا الشهر إدراكاً لفضيلة الأجر ومضاعفته، مع حرصهم على التعرض لرحمة الله برحمة خلقه، كما ورد عند الترمذي بسند فيه مقال: (إن أفضل الصدقة صدقة رمضان)، وغير ذلك من الأسباب التي نرى فيها إظهار هذا الركن والتزامه والقيام به وإخراج الأموال من النفائس ومن شتى الأموال التي وجبت فيها الزكاة.

стр. 1549

أداء العمرة في رمضان والاستكثار من النوافل من الصلة بالله وذلك أيضاً مشعر بأمر ثالث في شأن الحج، وإن كان في غير موسمه، لكن يأتي حديث النبي ﷺ : (عمرة في رمضان كحجة معي)، فيعظم حينئذ إتيان الإنسان المسلم بالأركان والفرائض على شيء عظيم من التمام والكمال. ثم هناك أمر آخر في هذه الصلة وهو الاستكثار من النوافل، وذلك فيه حديث المصطفى ﷺ عن رب العزة والجلال: (ما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي عليها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه). فبهذه النوافل الكثيرة مع الفرائض العظيمة تصبح ربانياً، وتصبح وأنت تدب على هذه الأرض لكنك معلق في السماء، وتنطق بلسانك لكن الحكمة تجري عليها، وتنظر بعينك لكنك تتدبر وتتأمل، ويصبح كل شيء فيك وبك ومعك مع الله وبالله ولله ، ولا ينقطع عن فكرك ولا عن قلبك ولا عن نفسك ولا عن لسانك ولا عن خاطر عقلك أمر الله والصلة به. وكن صاحب قلب معلق بالمساجد، ولسان رطب بالذكر، وقلب مملوء بالحب، ونفس متعلقة بالطاعة، فأي شيء هذا؟! إنها صورة عظيمة في حسن الصلة بالله؛ تجعل المؤمن في حياته غير لاهٍ ولا عابث ولا غافل، فضلاً عن أن يكون معانداً أو جاحداً أو معرضاً، نسأل الله السلامة.

стр. 1550

قيام الليل من الصلاة بالله تلك هي الصورة الحقيقية التي يتمها الله علينا في هذا الشهر الكريم، وتزيدنا الصلة أيضاً من الأبواب المختلفة، ومنها قيام الليل، ذلك الذي هو دأب الصالحين، والذي فيه مفاتيح من مفاتيح الخير في الدنيا والآخرة؛ لأن النبي ﷺ عندما تنزل عليه الوحي في مبتدئه وفي أوائل أمره وفي مفتتح رسالته قال الله له: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ [المزمل:٥]، وكانت التهيئة قبلها: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا * نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ [المزمل:١ - ٤]، فقيام الليل زاد لمواجهة الصعاب، وزاد لحمل الرسالة، وزاد لأداء الأمانة، وزاد للثبات على الطريق، وذلكم هو الزاد العظيم في حسن الصلة بالله . روى الإمام أحمد والترمذي بسند صحيح أن النبي ﷺ قال: (عليكم بقيام الليل؛ فإنه دأب الصالحين قبلكم، وقربة إلى الله تعالى، مكفرة للسيئات ومنهاة عن الإثم، ومطردة الداء عن الجسد). وعندما رأى ابن عمر رؤياه الشهيرة كان قول النبي ﷺ تعليقاً عليها: (نعم الرجل عبد الله لو كان يقوم من الليل)، وكانت الرؤيا جولة في رياض الجنان ووقوف على شفير النار والعياذ بالله! فكان توجيه المصطفى ﷺ أن من أراد الوصول إلى هذه والنجاة من تلك فذلك دأبه وتلك طريقه، وكما ورد عن النبي ﷺ : (إن في الجنة غرفاً يرى ظاهرها من باطنها وباطنها من ظاهرها، قالوا: لمن هي يا رسول الله؟! قال: لمن أطاب الكلام، وأطعم الطعام، وبات قائماً والناس نيام) رواه الطبراني في معجمه والحاكم في مستدركه بسند صحيح. وكلنا يعلم خصيصة هذه النافلة العظيمة في هذا الشهر الكريم؛ لقول المصطفى ﷺ : (من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه).

стр. 1551

الاهتمام بالقرآن الكريم من الصلة بالله وهناك زاد آخر من حسن الصلة بالله، وهو: الصلة بكتابه جل وعلا، فهذا هو الشهر المختص بهذا القرآن نزولاً، والمختص به مدارسة، كما ورد في الصحيحين عن ابن عباس ﵄: (أن النبي ﷺ كان يدارسه جبريل القرآن في رمضان، وكان يدارسه في كل ليلة من ليالي رمضان، وكان رسول الله ﷺ أجود بالخير من الريح المرسلة). قال ابن رجب تعليقاً على هذا الحديث: دل الحديث على استحباب دراسة القرآن في رمضان، والاجتماع على ذلك، واستحباب كثرة تلاوة القرآن في شهر رمضان. وذكر الله متصل بهذا، فنحن في هذا الشهر -بحمد الله- نكثر من ذكره، ونكثر من الدعاء والتضرع إليه، فلا نزال دائماً متقلبين ما بين تلاوة وذكر ودعاء، وهذه كلها من أبواب الصلة العظيمة بالله . وكل هذا لو تأملنا إنما هو إصلاح لما فسد من أحوالنا من غفلة جاء بها الران على القلوب، ومن شهوة تعلقت وانصرفت إليها النفوس، ومن شبهة حارت وضلت فيها العقول، وأصبحت قلوبنا -إلا ما رحم الله- ليس فيها شيء يربطها بالله، ولا يصلها به، ولا يذكرها بأمره ونهيه، ولا يعظها بوعده ووعيده، وأصبحت أحوالنا كأنما نحن صورة من مسخ لا يتحقق فيه الإيمان الحي ولا الإسلام الحق ولا الصلة القوية ولا الرابطة الوطيدة التي تربط المخلوق بالخالق، والتي تربط المؤمن بمولاه، والتي تربط المسلم بربه وخالقه . ولئن وجدنا هذه الصلة ولئن سعينا إلى تقويتها فلنعلم أن كلاً منا يصبح إنساناً آخر، يصبح ذلك الإنسان المؤمن الموقن الذي يواجه الخطوب والصعاب والذي يستطيع -بإذن الله أن ينتصر في كل معركة، بدءاً من معركة نفسه وهواها، وانتهاءً بمعارك الشيطان ووسواسه، وإلى ما بين ذلك من مزالق شياطين الإنس ودعاواهم الباطلة وزخرف قولهم.

стр. 1552

بعض آثار الصلة بالله

стр. 1553

لا ينفع الإنسان في الضراء إلا صلته بالله ولنتأمل! فإنه ليس لنا إلا هذه الصلة بالله، وليس لنا من شيء يمكن أن ينفعنا ويعيننا في دنيانا وأخرانا إلا الصلة بالله، فإذا اشتد الكرب وعظم الخطب، فليس إلا تلك الصلة، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ﴾ [الصافات:٧٥]، فعندما أعرض عنه المعرضون، واستهزأ به المستهزئون، وكانت حبال وصله ممتدة إلى ربه، وكانت مناجاته دائمة في حياته، وكان لسانه لهجاً بذكره، التجأ مباشرة إلى مولاه، فتغير الكون كله، وتغيرت الدنيا كلها، كما قال جل شأنه: ﴿فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ * وَفَجَّرْنَا الأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ [القمر:١١ - ١٢]. فسخر الله كل شيء، وغير كل شيء؛ لينجو أهل الإيمان بعصمة إيمانهم وحسن صلتهم بربهم، ويهلك كل معرض عن أمر الله وكل جاحد بالله . فلابد أن يكون يقيننا قوياً؛ لأننا إذا قوّينا صلتنا بالله فنحن أقوى خلق الله وأقوى ممن يملكون الصواريخ والطائرات والأسلحة النووية وغير النووية؛ لأننا حينئذ نرتبط برب الأرباب وملك الملوك وجبار السماوات والأرض الذي لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، الذي هو على كل شيء قدير.

стр. 1554

نماذج من اعتماد الرسول ﷺ على الله في الضراء فقد رأينا في سيرة النبي ﷺ كيف كان اعتماده ﵊ عليه واستناده إليه واستمداده منه، يوم رجع من الطائف قائلاً بعد أن لقي ما لقي: (اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، إلى من تكلني؟ إلى بعيد يتجهمني، أم إلى عدو ملكته أمري! إن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي، ولكن عافيتك أوسع لي). وعندما جاء يوم بدر وجاءت الجموع الغفيرة بثلاثة أضعاف ما هو عليه عدد المسلمين قال ﵊: (اللهم إن تهلك هذه العصابة فلن تعبد في الأرض أبداً، اللهم هذه قريش جاءت بخيلائها وكبريائها)، فتنزل النصر على محمد ﷺ . ويوم اجتمع الأحزاب كبر المصطفى ﷺ وجاء المدد الرباني، فأكفئت القدور، وأطفئت النيران، وقلعت الخيام، ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيراً، وكفى الله المؤمنين القتال. تلك هي الصلة القوية، فهي في كل خطب نجاة، وفي كل معركة نصر، وفي كل مواجهة تفوق؛ لأن القلب الموصول بالله لا يُهزم، وإن كانت جولة في معركة أو هزيمة في مواجهة فما يزال القلب الموصول بالله يستمد نصراً من بعد نصر وقوة من بعد قوة، ويرى في ذلك بلاءً هو امتحان وتمحيص له، كما قال : ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ [آل عمران:١٧٩]. وإذا وجدنا اشتداد الضر وما يحيط بنا من كرب، فإنه ليس لنا إلا تلك الصلة، كما أخبر الحق بقوله: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ [النمل:٦٢]، لا أحد سواه، فكيف تدعوه وكيف تلجأ إليه وقد قطعت حبال الوصل، وأعطيت ظهر الإعراض، وسرت بقلب الغفلة، وبنفس الشهوة بعيداً عنه ؟

стр. 1555

الصلة بالله نعمة من نعم الله تذكر تلك الوصية العظيمة للغلام المؤمن الفطن اللقن، يوم قالها المصطفى ﷺ لـ ابن عباس: (اذكر الله في الرخاء يذكرك في الشدة، احفظ الله يحفظك). وهذه الصلة هي من نعم الله علينا، فإذا تكاثف الهم وتعاظم الغم، فأنزل ذلك بالله الذي وصل حبالك به، قال : ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء:٨٧]، فكُشف الهم، وزال الغم، وتغيرت الأمور، وفتح بطن الحوت ليكون قصراً ومسكناً، ونبتت شجرة اليقطين لتكون زاداً وظلاً. فكل شيء في الكون يتغير متى كنت مع الله؛ لأن الله يكون معك بإذنه . فلنفقه في هذا الشهر الكريم وفي هذه الفريضة الجليلة عظمة صلتنا بالله وعظمة انتفاعنا بها واستفادتنا منها، وكلما حلت نقمة أو وقعت فتنة فالعصمة هي الصلة بالله ، ويوم أحيط بيوسف ﵇ في تلك الفتنة العظيمة نادى ربه : ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ﴾ [يوسف:٣٤]. وهكذا إذا أردت المدد والإعانة: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ [الأنفال:٩]، فالمدد والنصر والإعانة من الله، وكل شيء لا يكون بالله لا يستمر ولا يدوم إلا به، وكل شيء يستند إلى غير الله فهو إلى خراب وضياع، وكل اعتماد على غير الله فهو إلى هزيمة، لكن الدنيا شغلت الناس، والقلوب تعلقت بغير مرضاته، والنفوس تاقت إلى غير ما وعد به جل وعلا، فصار الناس كأنما هم في شك من هذه الصلة، فتجيء هذه المواسم الخيرة لتعيدنا إلى حسن صلتنا بالله، أفلا نشعر بأثرها؟ أفلا نشعر براحة في نفوسنا وسعادة في قلوبنا وطمأنينة وهدوء بال في خواطرنا؟! أفلا نشعر بأننا اليوم أكثر طمأنينة وراحة وسعادة؟! تلك هي آثار الصلة في نفوسنا، وهي من بعد ذلك شفيعنا ومقربنا إلى رحمة الله ، وما يعرضنا إلى فضله وكرمه وجوده جل وعلا، فكل يوم ندعو، وكل يوم نذكر، وكل يوم نتلو، وكل يوم نصلي، وكل يوم ننفق، وكل يوم نصنع تلك الأمور التي تقوي صلتنا بالله. فما أعظم هذا الموسم؛ غير أنه ينبغي لنا أن ننتبه إلى هذه الصلة، وأن نفعها الأعظم وفائدتها الكبرى دنيا وأخرى إنما تكون بامتدادها واستمرارها، وغرسها في سويداء القلوب، وبذرها في أعماق النفوس، حتى تكون دماً يجري في العروق، وحتى تكون نوراً مع كل نظرة، وتكون حية في كل خطرة، وتكون ظاهرة في كل كلمة، وتكون بادية في كل حركة وسكنة، وحتى تصبح ذلك المؤمن الرباني والمسلم الذي يسير بنور الله وعلى منهج الله، وعلى هدي رسول الله ﷺ .

стр. 1556

أهمية إحسان الصلة بذوي الأرحام وخاصة في رمضان وهناك وسيلة أخرى عظيمة أيضاً: وهي الصلة بعباد الله. قال القرطبي ﵀: اتفقت الملة على أن صلة الرحم واجبة، وقطيعتها محرمة. وقال في بيان هذه الصلة وسعة ﵀: وبالجملة فالرحم على وجهين: عامة وخاصة، فالعامة رحم الدين، فيجب مواصلتها بملازمة الإيمان والمحبة لأهله، ونصرتهم، والنصيحة لهم، وترك مضارتهم، والعدل بينهم، والإنصاف في معاملتهم، والقيام بحقوقهم الواجبة، وأما الرحم الخاصة فهي رحم القرابة من طرفي الرجل أبيه وأمه، فتجب لهم الحقوق العامة والخاصة، أي: تجب لهم الحقوق العامة وزيادة كالنفقة، وتفقد أحوالهم، وترك التغافل عنهم في أوقات ضروراتهم. وتلك أيضاً صلة نرى أثرها في هذا الشهر عندما يتفقد الناس أقاربهم، ويصلون أرحامهم، ويجددون علائقهم، وينهون قطيعتهم، ويتغافرون فيما بينهم، ويعفو بعضهم عن بعض؛ لأن القلوب عمرت بالإيمان؛ ولأن النفوس غمرت بالمحبة والرحمة والمودة؛ ولأن الجميع يريد أن ينال من رحمة الله، ويريد أن يعمل كل ما يقربه إلى الله . وتلك الرحم نعلم أن لها في ديننا أهمية عظيمة، كما أخبر الحق بقوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]، وكما أمر جل وعلا بقوله: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ﴾ [الإسراء:٢٦].

стр. 1557

تقديم صلة القربى على غيرها من القربات وفضل الصلة عظيم، حتى قدمه النبي ﷺ في جوانب كثيرة من جوانب الحياة المختلفة: (لما سمع أبو طلحة قول الحق جل وعلا: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران:٩٢] جاء إلى النبي ﷺ وقال: يا رسول الله! إن أحب أموالي إلي بيرحاء -وهو اسم بستان عظيم كبير له- وإني خرجت منه لوجه الله ، فمدحه النبي ﷺ وقال: أرى أن تجعلها في الأقربين). ولما جاءت ميمونة ﵂ تريد سبقاً في ميدان الخير وكانت لها وليدة -أي: أمة- فأعتقتها، فلما جاء دورها في مكوث النبي ﷺ عندها قالت: (أما شعرت أني أذهبت أو أطلقت وليدتي؟ فقال: أما إنك لو أعطيتها أخوالك كان أعظم لأجرك)، أو كما قال ﷺ .

стр. 1558

الآثار الدنيوية للصلة بذوي الأرحام ونجد أثراً لهذا في دنيانا، فإنه قد صح عن النبي ﷺ عند الشيخين وغيرهما أنه قال: (من أراد أن ينسأ له في أثره ويبسط له في رزقه فليصل رحمه)؛ فإن بركة الرزق والوقت والعمر والصحة والعافية من أعظم أسبابها صلة الرحم، ودوام هذه الصلة في الله . ونعلم جميعاً ما ورد في ذلك من شأن عظيم وأجر كبير وأثر ظاهر في أحاديث النبي ﷺ ، قال ابن التين ﵀: صلة الرحم تكون سبباً للتوفيق للطاعة والصيانة عن المعصية. وذلك من الآثار المهمة التي نشعر بها في صلة الرحم مع هذه الفريضة وهذا الموسم العظيم. ونجد هذا أيضاً بيناً في أن ذلك له أثر أوسع في دائرة أوسع، كما ورد في سنن الترمذي وعند الإمام أحمد بسند رجاله ثقات، أن النبي ﷺ قال: (صلة الرحم، وحسن الجوار، يعمران الديار، ويزيدان في الأعمار). بل إن الأمر أعظم من ذلك؛ فإن صلة الرحم التي قد يراها الناس من باب المجاملات أو يراها الناس من باب العلاقات الإنسانية التي لا صلة لها بالدين، يجعلها إسلامنا من أعظم أسباب دخول الجنة، كما تكون الفرائض، وكما تكون الطاعات كلها لله ، فهذا حديث النبي ﷺ يرويه أبو أيوب الأنصاري يذكر فيه: (أن رجلاً جاء إلى المصطفى ﵊ وقال له: يا رسول الله! أخبرني بعمل يدخلني الجنة، فقال له ﵊: تعبد الله لا تشرك به شيئاً، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصل الرحم). وفي صحيح مسلم أن المصطفى ﷺ قال: (أهل الجنة ثلاثة: ذو سلطان مقسط، ورجل رحيم رقيق القلب لكل ذي قربى ومسلم، ورجل عفيف متعفف)، الشاهد قوله: (ورجل رحيم رقيق القلب لكل ذي قربى ومسلم)، فما أعظم هذه الصلة! بل روى جبير بن مطعم في الحديث المتفق عليه عن رسول الله ﷺ أنه قال: (لا يدخل الجنة قاطع)، أي: قاطع رحم، والمقصود: لا يدخلها مع أول الداخلين، وذلك أيضاً مذكور في حديث أبي هريرة المتفق عليه أن النبي ﷺ قال: (إن الله خلق الخلق حتى إذا فرغ منهم قامت الرحم فقالت: هذا مقام العائذ بك من القطيعة، فقال الحق جل وعلا: نعم، فإن لك أن أصل من وصلك، وأن أقطع من قطعك). وكذلك وردت في هذا أحاديث كثيرة عن المصطفى ﷺ ، منها ما روى عبد الله بن أبي أوفى عنه ﵊ أنه قال: (إن الرحمة لا تنزل على قوم فيهم قاطع رحم)، رواه البخاري في الأدب المفرد والبيهقي في شعب الإيمان. حتى إن الدائرة تتسع في الحرمان والعقوبة إذا فشت قطيعة الرحم، وعقوق الوالدين منها، وهو أعظمها والعياذ بالله! فهذه صلة تمتد أواصرها -بحمد الله- في هذه الفريضة في هذا الموسم، فلماذا تحرم نفسك وتبقى على قطيعتك مع رحمك: الأجل خلاف مادي أو لأجل موقف تافه، أو كلمة عابرة، أو كبرياء فارغة، أو عصبية وحمية جاهلية؟! وكم نعرف ونعلم وللأسف الشديد أن صلات مقطوعة بين أشقاء من أم وأب! وكم نعلم أن بين الأقارب ما بينهم! فكيف تريد أن تحسن صلتك بالله وصلاتك بعباده مقطوعة مخالفة لأمر الله؟

стр. 1559

مراتب صلة الرحم ومراتب الصلة كثيرة: أولها وأعلاها: الواصل لمن أساء إليه، كما ورد في حديث مسلم عن الرجل الذي جاء يسأل النبي ﷺ ويقول: (إن لي رحماً أصلهم ويقطعونني، وأحسن إليهم ويسيئون إلي، فقال: لئن كان كما تقول فكأنما تسفهم المل -أي: الرمل الحار- ولا يزال لك عليهم من الله ظهير). المرتبة الثانية: الواصل لمن قطع وإن لم يسئ إليه. المرتبة الثالثة: المكافئ، وفيه حديث النبي ﷺ : (ليس الواصل بالمكافئ، ولكن الواصل من إذا قطعت رحمه وصلها)، أي: ليس الميزان إذا زارني زرته، وإن لم يزرني لم أزره، كدائن ومدين، وإن أعطاني هدية أعطيته، وإن أعطاني كلمة أعطيته، فأي معاملة هذه؟ وأين هذا من قول الله : ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت:٣٤]؟ قال الشاعر: وذي رحم قلمت أظفار ضغنه بحلمي عنه وهو ليس له حلم أما رأينا النبي ﷺ يوم فتح مكة، يوم أن رأى أعداءه الألداء الذين ناصبوه العداء وأخرجوه من بلده واستهزءوا به، وتعرضوا لمقامه وجلاله وذاته وشخصه ﷺ ؛ فأي شيء فعل بهم؟! إنه صاحب القلب الرحيم، وصاحب معرفة حق الوصل حتى لغير المسلم تأليفاً لقلبه واستمالة له وإظهاراً لمحاسن هذا الدين. وقد عرفنا الله بذلك، وأمر بحسن صلة الوالدين وإن كانا كافرين، ولما جاءت أسماء تسأل النبي ﷺ عن صلة أمها الكافرة وقد جاءتها راغبة، فقال: (صلي أمك)، ولما أتى أبو هريرة يطلب النبي ﷺ أن يدعو لأمه فدعا ﷺ لأمه فأسلمت. تلك هي صلة الرحم، فكيف بنا وأمهاتنا وآباؤنا وذوو قرابتنا مسلمون مؤمنون مصلون عابدون صائمون؟! فهذا موسم عظيم تمتد فيه هذه الأواصر، وتقوى لحمة أمة الإسلام، فالصلة الصلة بالله! والصلة الصلة بعباد الله! نسأل الله أن يجعلنا من الواصلين، وأن يحسن ويقوي صلتنا به، وأن يجعل أخوتنا فيه وصلتنا وعلاقتنا في مرضاته؛ إنه ولي ذلك والقادر عليه. أقول هذا القول، وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 1560

أهمية إحسان الصلة بعموم المسلمين وخاصة في رمضان الحمد لله رب العالمين، والصلاة السلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى من تبعهم واقتفى أثرهم ونهج نهجهم إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين. أما بعد: أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله؛ فإن تقوى الله أعظم زاد يقدم به العبد على مولاه، فاتقوا الله في السر والعلن، واحرصوا على أداء الفرائض والسنن، واجتنبوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن. وبقي لنا من صلتنا وصلاتنا التي تمتد وتقوى وتحسن في هذا الشهر الكريم الصلة بعموم إخواننا المسلمين، فإن صلة الرحم لا تقتصر على ذوي القربى فحسب، كما ذكر ذلك القرطبي وغيره، وكما نعلمه من ديننا بالضرورة، قال : ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات:١٠]، وقال: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [الأنبياء:٩٢]، وقال ﷺ : (المسلمون يسعى بذمتهم أدناهم، وهم يد على من سواهم). وهذه الفريضة أيضاً لها أثر في مد حبال الوصل بالمسلمين شرقاً وغرباً؛ لأننا نستشعر وحدة المسلمين، فهم يصومون جميعاً في فريضة واحدة، على هدي نبي واحد، لمقصد ومقاصد واحدة، إنها صورة للأمة التي تأتي الفرائض لتؤكد وحدتها في أصولها ومقاصدها وغاياتها، وفي أعمالها وفرائضها وعباداتها، وفي مناهجها وأحكامها وتشريعاتها، فكيف تختلف بعد ذلك في قلوبها ونفوسها؟! وكيف ينسى المسلم إخوانه المسلمين في أرض العراق أو فلسطين؟ ألسنا اليوم نستشعر أحداث الزلازل في باكستان وفي كشمير؟! فإخواننا مسلمون صائمون وقعت عليهم النكبات، وحلت عليهم الكوارث، ومات منهم من مات، نسأل الله أن يتقبلهم شهداء. وابتلي بالعناء والمرض والإصابات من ابتلي، أليس لهم حق علينا أن نذكرهم ولو بدعوة؟! أليس لهم حق علينا أن نذكرهم ولو بدمعة؟! فضلاً عن أن نهب لإعانتهم وغوثهم، ليس في تلك الديار فحسب، بل في كل الديار وفي كل صقع؛ لأن المسلم لا يكمل إسلامه إلا بذلك، كما صح عند مسلم أن النبي ﷺ قال: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه). ولذلك فإن هذه الصلة ينبغي ألا تكون غائبة، لأننا وللأسف الشديد في الآونة الأخيرة هبت علينا رياح الإقليمية، بل هبت علينا من بعد ذلك رياح وطنية لا ننكر أصلها، لكننا نكر أن تكون حجراً على امتداد آفاقنا الإسلامية إلى أقاصي الصين وإلى أدغال أفريقيا وإلى أوساط أوروبا وأمريكا، فكل أرض فيها مسلم تجعلنا نرتبط به، ونتصل به، ونعطيه حق أخوته، ونحسن الصلة به بكل ما يستطاع من الأحوال، ولا تحدنا الحدود، ولا تقطعنا أحاديث ولا أحابيل ولا ألاعيب ولا مشكلات سياسة، بل لا يصدنا عن ذلك الموجات والهوجات الإعلامية التي تهب علينا لتقطع أواصرنا. فنحن اليوم إن مددنا يد العون لمبتئس مكروب قد أصابته كارثة خفنا أن يكون ذلك تهمة أو إدانة بالإرهاب، فهل ننكر فريضة كاملة من فرائض دنينا -وهي الزكاة- ونعطل شريعة الله لأجل أقاويل أهل الأباطيل؟! ينبغي لنا أن ندرك أن هذه الموجات إنما غرضها أن تقطع الأواصر، وأن تجعل كل مسلم في أضيق دائرة ممكنة، وذلك كله مما يهدف إليه أعداء الله.

стр. 1561

أهمية الصلة بالمساجد وخاصة في رمضان واليوم أحبتي الكرام! نقف على مفتتح الثلث الثاني من الشهر، فلقد مضى ثلث والثلث كثير، وبقي ثلثان والثلثان أكثر، أليست مناسبة لوقفة في المراجعة ونحن نتحدث عن الصلة، أيحسن بنا مع امتداد الشهر أن تعظم الصلة بالأسواق، وتقل الصلة بالمساجد؟! وأن نترك التضرع ونتلهى بالبيع والشراء؟! أيحسن بنا ترك تلك العبادات والانشغال بالشاشات والمسلسلات والمسابقات وغيرها من الأمور الصارفة عما هو أولى منها في أقل تقدير؟! ألسنا نرى ذلك في كل عام؟ ألسنا نعرفه من الأحوال التي نلامسها؟ وأنا أسأل نفسي كل مرة: لماذا لا يكون الشراء إلا في العشر الأواخر؟! ولماذا لا يكون شراء الأشياء من هذه الأوقات بل ربما من قبلها؟! ولماذا لا ينزل الناس بضائعهم الجديدة إلا بعد انتصاف الشهر؟! وهل جعلنا هذا الموسم موسم الغفلة بدل الذكر، وموسم القطيعة بدل الصلة؟! مع أن شريعتنا وسنة نبينا كلما مر شيء من الشهر كان الهدي هو زيادة العمل الصالح، وزيادة الخيرات والطاعات، حتى ينتهي للاعتكاف انقطاعاً عن الدنيا في العشر الأواخر، فما بالنا نمد حبال الوصل لما يجب قطعه، ونقطع حبال الوصل لما يجب وصله؟! هذه صور من المفارقات.

стр. 1562

أهمية صلة المرأة المسلمة بربها وهناك صلة للمرأة المسلمة بالله، وصلة المرأة المسلمة أن تستجيب لأمر الله في كل هذه الأنواع من الطاعات، فما بالها تتبرج وتخرج إلى الأسواق، وتعافس الرجال فيها، وتخاطبهم، وتلين في قولها معهم؟! بل ما بالنا نسمع في هذه الأوقات وفي هذه الأيام الدعاوى المحمومة التي تدعونا إلى أن نعيد الطريق من أوله، ذلك الطريق المظلم الذي سار فيه كثير من المسلمين والعرب في ديار وبلاد مختلفة، طريق حرية المرأة المزعومة على المفهوم الغربي غير الإسلامي، الدعوة للتحرر وحرية الذات، والدعوة للندية والمساواة، والدعوة للاختلاط والمشاركة؟! ولعلي أختم هنا بكليمات لنا ولأخواتنا المسلمات، أنقلها في آخر الأمر على لسان غربيات مسلمات خرجن من الظلمات إلى النور، ومن الضلالة إلى الهدى، ومن الرذيلة إلى الفضيلة، ومن الإباحية إلى العفة، وهن بأقوالهن هذه يخاطبن أخواتنا المسلمات اللائي يقلن اليوم أقوالاً ويقمن بأفعال؛ أحسب أن أول من سيعض أصابع الندم عليها هن أنفسهن وليس غيرهن، وذلك مما ينبغي التدبر والتأمل فيه: تقول دنماركية أسلمت: لم أسعد في حياتي بقدر ما سعدت في الإسلام بقوامة الرجل، أنا سعيدة جداً بهذه القوامة، فخورة بها، أنا امرأة يهتم بي رجل أعيش معه في سكينة وهدوء، ولا أصدق نفسي أنني لم أعد مسئولة عن لقمة العيش، ولا عن الشراء ومعاكسة الباعة، ولا طوارق الليل والنهار، معي رجل يحميني، وبه أتحدى العالم بقوته، ونتحداه بإسلامنا! واليوم يقال للمرأة المسلمة: إن هذه القوامة تسلط وسجن وإكراه، بدلاً من أن يقال: إنها حماية وإعزاز وإكرام وتقدير وغير ذلك، وهكذا نجد الأقاويل والكلمات تتردد في هذا. وهذه مضيفة هندية أسلمت في بلد عربي تقول عن الإسلام: إنه الوحيد الذي يرد للمرأة إنسانيتها، ويعترف لها بكرامتها التامة، ويحترمها ويمنحها كافة الحقوق، جذبني قول رسول الإسلام ﷺ : (ما أكرمهن إلا كريم، وما أهانهن إلا لئيم)، لقد علمت أن الإسلام يحض على الإحسان للمرأة، فقد كانت آخر وصية للرسول ﷺ وهو على فراش الموت: (استوصوا بالنساء خيراً)، أسلمت لأسترد كرامتي، وأستعيد إنسانيتي! وهكذا نجد الأقوال كثيرة من أولئك النسوة اللاتي قد سرن في تلك الحضارة ما سرن، وأدركن العلقم الذي شربنه، وأدركن الداء العضال الذي خرب دواخلهن وبواطنهن وأفسد عليهن عيشهن، ففئن إلى ظلال الإسلام ورحاب الحجاب والعفة والصيانة ونعيم الأسرة. أسأل الله أن يردنا جميعاً إلى دينه رداً جميلاً، وأن يبصرنا بعيوب أنفسنا. اللهم إنا نسألك أن تعظم الإيمان في قلوبنا، وأن ترسخ اليقين في نفوسنا. اللهم زد إيماننا، وعظم يقيننا، وطهر قلوبنا، وزك نفوسنا، وأخلص نياتنا، وحسن أقوالنا، وهذب أخلاقنا، وأصلح أعمالنا، وضاعف أجورنا، وارفع مراتبنا، وامح سيئاتنا برحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم إنا نسألك العفو والعافية المعافاة الدائمة في الدين والدنيا والآخرة. اللهم تول أمرنا، وارحم ضعفنا، واجبر كسرنا، واغفر ذنبنا، وبلغنا اللهم فيما يرضيك آمالنا. اللهم إنا نسألك أن تمكن في الأمة لأهل الخير والرشاد، وأن تقمع أهل الزيغ والفساد، وأن ترفع في الأمة علم الجهاد، وأن تنشر رحمتك على العباد. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وارفع بفضلك كلمتي الحق والدين، ونكس رايات الكفرة والملحدين. اللهم اجعل هذا البلد آمناً مطمئناً رخاءً وسائر بلاد المسلمين. اللهم احفظ بلاد الحرمين من كل سوء ومكروه. اللهم احفظ لها أمنها وإيمانها، وسلمها وإسلامها، وسعة رزقها، ورغد عيشها يا رب العالمين. اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين. اللهم وفق ولي أمرنا لهداك، واجعل عمله في رضاك، وارزقه بطانة صالحة تدله على الخير وتحثه عليه يا سميع الدعاء. اللهم أحسن ختامنا وعاقبتنا في الأمور كلها، وأجرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة. اللهم تقبل صيامنا وقيامنا وصالح أعمالنا، ووفقنا لما تحب وترضى يا حي يا قيوم. عباد الله! صلوا وسلموا على رسول الله؛ استجابة لأمر الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٥٦]، وترضوا على الصحابة الكرام، أخص منهم بالذكر ذوي القدر العلي والمقام الجلي: أبا بكر وعمر وعثمان وعلي، وعلى سائر الصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، والحمد لله رب العالمين.

стр. 1563

درس من أُحد ما نزل بلاء إلا بذنب، وما أصاب المسلمين من المحن والشدائد هو بسبب ذنوبهم ومعاصيهم، وما حصل للمسلمين في غزوة أحد أكبر دليل وشاهد على ذلك، فيجب على المسلمين جمعياً أن يحذروا من الذنوب والمعاصي، وأن يوحدوا صفهم وكلمتهم، وأن يتيقظوا لمخططات أعدائهم وكيدهم، وأن يستفيدوا من غزوة أحد الدروس التربوية في مواجهة الباطل، والثبات على الدين.

стр. 1564

انتفاخ وكبر أهل الباطل عند نيلهم من أهل الحق الحمد لله العزيز المجيد، نصره للمؤمنين ثابت أكيد، وبطشه بالكافرين أليم شديد، هو يبدئ ويعيد، وينشئ ويبيد، وهو على كل شيء شهيد، أحمده حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، كما يحب ويرضى، على آلائه ونعمه التي لا تُعد ولا تُحصى؛ هو أهل الحمد والثناء، لا نحصي ثناءً عليه؛ هو كما أثنى على نفسه، فله الحمد كما نقول، وخيراً مما نقول، وله الحمد كما يقول . وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت، وهو على كل شيء قدير. وأشهد أن نبينا وقائدنا وقدوتنا وسيدنا محمداً رسوله المجتبى، ونبيه المصطفى، علم التقى، ومنار الهدى، وأشهد أنه ﵊ قد بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، فجزاه الله خير ما جازى نبياً عن أمته، ووفقنا لاتباع سنته، وحشرنا يوم القيامة في زمرته، وجعلنا من أهل شفاعته، وصلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى من تبعهم واقتفى أثرهم ونهج نهجهم إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: أيها الإخوة المؤمنون! درس من أحد في مواجهة العداء العظيم والكيد الكبير الذي يحيط بأمتنا، والذي نراه في واقعنا. كانت معركة أحد في شوال من العام الثالث للهجرة، ونحب دائماً أن يكون لنا فيها ومعها وقفات، وسيرة المصطفى ﷺ مصدر نور لا يخبو، ومنبع ري لا ينضب، ومعالم هدىً لا تلتبس، إنه رسول الهدى ﷺ ، كما قال عنه ربه : ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:٣ - ٤]، أتم الله به النعمة، وأكمل به الدين، وأقام به الحجة، وأظهر لنا في سائر الأحوال معالم الإسلام. سنقف هنا وقفة مع نهاية المعركة؛ لنرى ملابسات جولة من جولات انتصار الباطل: روى البخاري في صحيحه من حديث البراء بن عازب في سياق كلامه في قصة غزوة أحد، قال: (إن أبا سفيان -وكان زعيم المشركين- وقف وأشرف في آخر المعركة على أطم من الآطام، وقد أخذه الزهو والكبر ونشوة الانتصار الذي يظن أنه حققه؛ فقال: أفي القوم محمد ﷺ ؟ فقال ﵊ لأصحابه: لا تجيبوه. فقال: أفي القوم ابن أبي قحافة؟ قال ﵊: لا تجيبوه. قال: أفي القوم ابن الخطاب؟ قال: لا تجيبوه. فلم يملك عمر ﵁ نفسه -وفي رواية عند غير الصحيح: فأخذت عمر الحمية- فقال: كذبت يا عدو الله، قد أبقى الله لك ما يخزيك). ثم إن أبا سفيان قبل هذه المقالة -كما عند البخاري - قال: إن هؤلاء قد ماتوا، ولو كانوا أحياء لأجابوا. وفي رواية ابن سعد: فرجع إلى أصحابه فقال: قد كفاكم الله هؤلاء. فحينئذ أخذت عمر الحمية فقال مقالته. ثم إن أبا سفيان عندما سمع ذلك عاد منتشياً منتخياً فقال: (اعل هبل. فقال ﵊: ألا تجيبونه؟ قالوا: ما نقول يا رسول الله؟ قال: قولوا: الله أعلى وأجل، فقال أبو سفيان: العزى لنا ولا عزى لكم، فقال ﵊: ألا تجيبونه؟ قالوا: ما نقول؟ قال: قولوا: الله مولانا ولا مولى لكم، قال أبو سفيان: يوم بيوم بدر والحرب سجال. وفي رواية ابن سعد: فأجاب عمر ﵁ فقال: لا سواء؛ قتلاكم في النار، وقتلانا في الجنة). هذه صورة مرت في آخر الغزوة، ولعلي أكمل صوراً أخرى حتى يكون الحديث عنها مجتمعاً: بعث النبي ﷺ إثر ذلك علي بن أبي طالب، وقال: (اخرج في آثار القوم، فانظر ماذا يصنعون وماذا يريدون، فإن جنبوا الخيل وركبوا الإبل فإنهم يريدون مكة، وإن جنبوا الإبل وركبوا الخيل فإنهم يريدون المدينة، والله لأناجزنهم فيها، ولأسيرن إليهم فيها، فذهب علي، فإذا بالقوم قد جنبوا الخيل وركبوا الإبل، وتوجهوا إلى مكة). ومما قاله أبو سفيان كذلك قبل رحيله: (موعدنا بدر في العام القابل. فقال النبي ﷺ لرجل من أصحابه: قل: نعم، هو بيننا وبينك موعد). والسيرة تروي لنا أن النبي ﷺ في العام الرابع خرج لموعده إلى بدر، غير أن أبا سفيان وكفار قريش لم يأتوا لموعدهم، ولم يخرجوا للقاء المسلمين. ووقفتنا هي مع هذه الأحداث، فقد أصاب منا أعداؤنا اليوم ليس جولة واحدة، بل جولات، وقد انتفخ سحرهم ونحرهم، وارتفعت أنوفهم، وشمخت جباههم، وعظم كبرهم، وتجلت غطرستهم، وكأن أبا سفيان -قبل إسلامه- إنما هو تلميذ غر في مدرسة الاستعلاء الكفري والكبر الطغياني الذي نراه في أعداء أمة الإسلام اليوم، وهذا بسبب ما وقع في أمتنا من ضعف وخور وذل وهوان، لتركهم لأمر الله ودينه، وتخليهم عن هدى رسول الله ﷺ وسنته.

стр. 1565

الدروس المستفادة من الأحداث الأخيرة لمعركة أحد

стр. 1566

أثر الذنوب والمعاصي في هزيمة الأمة وكلنا يعلم أن الذي وقع في أحد كان بسبب تلك المعصية بنص صريح واضح في كتاب الله ، وهو قوله سبحانه: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ [آل عمران:١٦٥]، وكما أخبر الحق في سياق بيان تلك الأحداث في غزوة أحد فقال: ﴿وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ﴾ [آل عمران:١٥٢]، عصيتم يا معاشر الرماة! وعصيان البعض قد عم أثره الكل. وقوله سبحانه: (من بعد ما أراكم ما تحبون)، أي: من النصر على عدوكم، وقتلهم، وبدء فرارهم، واضطراب صفوفهم، وذلك بأثر دنيا التفتت إليه قلوب بعضهم. وقوله: (منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة)، قال بعض الصحابة: ما كنت أحسب أن فينا معشر أصحاب محمد من كان يريد الدنيا حتى نزلت هذه الآية. ولم تكن إرادتهم للدنيا أنهم قد توجهوا لها بكليتهم، ولكنها ومضة من بريقها ولمعانها بدت لهم عند هزيمة المشركين، فتحركت لها قلوبهم ونفوسهم، فكانت هذه النزعة وتلك الخطيئة هي التي ترتبت عليها تلك الجولة التي كان فيها ما كان، وحل فيها ما حل بالمسلمين ورسول الهدى ﷺ . واليوم ما زال كثير من المسلمين يسألون ويقولون: لمَ احتلت ديارنا؟ ولمَ اُستلبت أموالنا؟ ولمَ ضاعت هيبتنا؟ ولمَ تمرغت عزتنا؟ وكأنهم لم يدركوا أن خطأً محدوداً واضحاً من فئة محدودة ترتب عليه أن سبعين من صفوة أصحاب محمد ﷺ مضوا إلى الله شهداء، فيهم حمزة أسد الله وأسد رسوله ﷺ ، وفيهم مصعب بن عمير درة شباب الإسلام، وفيهم مجموعة من عظماء الصحابة، ودميت جبهة النبي ﷺ ، وكسرت رباعيته، ودخلت حلقتا المغفر في وجنتيه. فما بالنا لا نتأمل في ذلك؟ فكل ما يجري له أسبابه وعلله الواضحة التي يبصرها بمقياس الإيمان ونور القرآن يبصرها كل مسلم مؤمن ذي قلب حي وعقل راشد وفطرة سليمة.

стр. 1567

غرور أهل الباطل وعاقبة أمرهم وسنقف وقفة مع أبي سفيان، ومع ما قاله، وذلك أمر واضح، فإن كل تقدم أو نصر في جولة يحققها أعداء الإسلام تصيبهم بغرور يعمي أبصارهم، ويطمس بصائرهم، فيمضون على غير هدى يتخبطون، ويشتدون في عدوانهم مما يؤدي إلى حتفهم يقيناً لا شك فيه؛ لأن الله قد جعل العاقبة للمتقين، والدائرة على الكافرين ولو بعد حين، وذلك يعرفه أهل الإيمان واليقين. ولذلك انظروا إلى كل الطغاة والمتجبرين الذين قص الله علينا خبرهم في القرآن الكريم، لقد ساروا من خلال قوتهم وطغيانهم إلى حتفهم، أليس فرعون الكافر الأعظم الذي ادعى ما لم يذكر ولم ينسب لغيره فقال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٤]، وقال: ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي﴾ [الزخرف:٥١]. وفرعون كانت مواجهته مع موسى، فجاء بالسحرة، ثم أراد بعد ذلك أن يظهر قوته، وأن يستعلي بعظمته، فأراد المواجهة معلنة، وأرادها أن تكون أمام الناس، فظهر الحق، وبطل الباطل، وسجد السحرة ساجدين مؤمنين، وأسقط في يد فرعون فلم يجد إلا بطشه وجبروته. وهكذا ما وقع للغلام في قصة أصحاب الأخدود التي قصها النبي ﷺ ، كما في صحيح مسلم في الحديث الطويل، فبعد أن نجى الله الغلام بمعجزات ظاهرة قال لهذا الملك الطاغية الأحمق: إن أردت قتلي فاجمع الناس على صعيد واحد، ثم خذ سهماً من كنانتي وقل: باسم الله رب الغلام، وارمني بالسهم؛ فإنك إن فعلت قتلتني. وفعل المغرور الذي يريد الانتصار بأي وسيلة ذلك الفعل، وقال أمام الملأ كلهم: باسم الله رب الغلام. ورمى بالسهم فقتل الغلام، وأحيا الإيمان في قلوب الآلاف المؤلفة، وظهر الحق بضيائه المشع، وظهر اليقين بثباته القوي الراسخ، فلم يجد إلا حفراً يحفرها، وناراً يشعلها، وجحيماً يلقي فيه الناس، ثم انتهى أمره وخبره، وذلك متكرر ظاهر.

стр. 1568

تركيز الأعداء على القيادات الفاعلة في الأمة الإسلامية وأبو سفيان هنا في أول الأمر كان يركز على القيادات الفاعلة، وعلى القدرات الرائدة القائدة المؤثرة في حياة الأمة، ولهذا سأل عن رسول الهدى ﷺ ، وعن أبي بكر، وعن عمر؛ لأنه كان يعلم أن هذه القيادات لها أثرها في الأمة تماسكاً ووحدة، ولها أثرها في الأمة امتثالاً وقدوة، ولها أثرها في الأمة يقيناً وعزة، ومن ثم لابد أن ندرك أهمية القيادات من الولاة والعلماء والدعاة، وكل من له وجاهة في مجتمع المسلمين، وله التزام وامتثال بأمر الدين، وله تجرد لمصلحة المسلمين؛ فإن الله جل وعلا ينصر هذا الدين برجال يختارهم الله ويصطفيهم لما يكون عندهم من إيمان ويقين وتضحية وإخلاص لله رب العالمين.

стр. 1569

حنكة النبي ﷺ وأصحابه في المجاوبة مع الكفار ثم إن النبي ﷺ أمر ألا يجيبوه، قال ابن القيم في تعليقه على هذه الواقعة: إنما أمرهم بجوابه عند افتخاره بآلهته وشركه تعظيماً للتوحيد، وإعلاماً بعزة من عبده المسلمون، وقوة جنابه، وأنه لا نغلب ونحن حزبه وجنده. ولماذا لم يكن يريد أن يجيبوه عندما سأل السؤال الأول عن وجود النبي ﷺ ؟ قال: لأنه لم يكن قد برد بعد في طلب القوم، أي: ما زال غبار المعركة ثائراً، ما زالت النفوس والحمية للقتال مشتعلة، ونار غيظهم متقدة، فلما سأل ولم يجد جواباً، وثنى وثلث، ثم قال لأصحابه ما قال، وقال: إن هؤلاء قتلوا، ولو كانوا أحياء لأجابوا. حينئذ كان جواب عمر له في غاية الروعة! كما قال ابن القيم: كان السكوت في ذلك الوقت هو الأحسن، وكان الجواب من بعد هو الأحسن. قال: فكان في هذا الإعلام -أي: قول عمر - من الإذلال والشجاعة، وترك الجبن، والتعرف إلى العدو في تلك الحال ما يؤذنهم بقوة القوم وبسالتهم، وأنهم لم يضعفوا، وأنهم لم يهنوا، فأصبح فيه من المصلحة بإعزاز الإسلام، وغيظ العدو وحزبه، والفت في عضده ما ليس في جوابه حين سأل عنهم أولاً بأول. وفي ترك إجابته في أول الأمر إهانة له، وتصغير لشأنه، فلما منى نفسه بموتهم، وظن أنهم قد قتلوا، وحينئذ أصابه الكبر والأشر، وحصل له ما حصل؛ كان في جوابه إهانة وتحقير وإذلال.

стр. 1570

أهمية إظهار شأن الإيمان وثباته وقوته وهنا درسنا المهم أيضاً، وهو أننا في شأن إيماننا وعقيدتنا وإسلامنا ومبادئنا ينبغي أن نعلن العلو والاستعلاء، وأن نظهر الثبات والقوة. قد تكون هناك جولات تراجعنا فيها؛ لكن المبادئ والأسس والعقائد لا يمكن بحال أن يكون فيها إظهار تلون أو ضعف، فلما قال أبو سفيان: اعل هبل. كان الجواب ( الله أعلى وأجل)، واليوم قد يقولون: إن الديمقراطية تنتصر، وإن الإسلام يندحر، وبعض الناس من بني جلدتنا صاروا يتكلمون بألسنتنا، ولكن بعقول وقلوب غيرنا من أعدائنا، فيروجون إلى ضرورة مراجعة في أصول ديننا، وثوابت عقائدنا، وأسس حياتنا الاجتماعية المبنية على هذا الدين، وثقافتنا وتصوراتنا المنبثقة من نور القرآن وهدي النبي العدناني ﷺ . ولذلك لما قال أبو سفيان: العزى لنا ولا عزة لكم، كان رد النبي ﷺ حاسماً: (الله مولانا ولا مولى لكم) إنه الركن الركين الذي يفيء إليه المسلمون، والقوة العظمى التي إليها يلتجئون، وإذا عرفوا ذلك فلا خوف عليهم، فلئن كسروا في جولة فإنهم في أخرى منتصرون، ولئن تراجعوا في موقف فإنهم في آخر متقدمون.

стр. 1571

الحرب بين الإسلام والكفر حرب عقائدية ونحن نعلم أيضاً أن مسائل أعدائنا في غزوهم وحربهم لأفكارنا ومبادئنا وقيمنا وأخلاقنا ونظمنا الاجتماعية ومناهجنا التعليمية أكثر وأشد شراسة وأعظم ضراوة من هجومهم العسكري، أو احتلالهم العسكري، أو نحو ذلك من الأمور المادية. ولذلك لما رأى أبو سفيان أنه لم يقتل محمد ﵊ وأبو بكر وعمر، أراد أن يظهر أن هذه الجولة إنما هي انتصار لمبدئه، وإنما هي علو لمعتقده. إن الحقائق تثبت أن المواجهات العسكرية أسسها عقائدية، ومنطلقاتها مبدئية، وقد تكون فيها مصالح مادية، وقد تتخللها أهواء شخصية، لكن منطلقاتها وجذورها يقيناً هي دين ومبدأ، والحرب إنما تنبثق من رؤى وتصورات وثقافات وديانات شاء من شاء هذا التفسير وأباه من أباه، فإن الواقع يثبته قديماً وحديثاً وإلى يوم الناس هذا. وكم سمعنا اليوم من الحملات على القرآن الكريم، وعلى شخص النبي العظيم ﷺ ! من يقولها؟ إنه ليس مفكر، ولا مستشرق، بل يقولها جنرالات عسكريون، إنهم يخوضون حرباً من هذا المفهوم ومن ذلك المنطلق، فلماذا نغالط أنفسنا، ونحن نعلم أن اليهود في دولة الكيان الغاصب الذي يسمى (إسرائيل) يعلنون صباح مساء أنهم دولة دينية، وأنهم منافحون عن دينهم، وأنهم يدافعون عن بني دينهم، وأنهم إنما يقومون على أساس توراتهم وغير ذلك مما نسمعه ونراه صباح مساء؟! ثم يراد لنا من بعد أن نقول: لا، نحن لسنا أهل دين، ولسنا متمسكين أو متشبثين بعقائدنا ومناهجنا الإسلامية الإيمانية، وإنما نحن قوم متحضرون، ونريد الديمقراطية، ونريد ذلك على ما يريده أولئك القوم! وكل خير قد نجده في أقصى الأرض أو غربها نحن أحق وأولى به، وكل تجربة إنسانية مفيدة نافعة نحن أحرى الناس أن نأخذ بها، وأن نراجع أنفسنا لذواتنا؛ فإن من منهج ديننا أن نحاسب أنفسنا، وأن نتبادل النصح فيما بيننا، وأن يقوم مستقيمنا معوجنا، وذلك أمر ليس فيه غضاضة، بل هو من محاسن ديننا وعظمته، ولقد كان رسول الهدى ﷺ يكثر من مشاورة أصحابه وهو من هو! يقول أبو هريرة في حقه: (ما رأيت أحداً أكثر مشاورة لأصحابه من رسول الله ﷺ . عجباً له يشاور بهذه الكثرة العظيمة وهو النبي المسدد بالوحي، الراجح في العقل، الخبير الذي ليس أحد من أصحابه بل ولا أحد في هذه البشرية كلها مثله ﵊!

стр. 1572

أهمية الثبات على الدين القضية الثانية المهمة وهي: أنه لابد لنا أن نثبت دائماً على ديننا، وأن قضيتنا الأولى التي يستهدفنا فيها أعداؤنا ليست ثرواتنا، وليست أن مواقعنا في بلادنا إستراتيجية أو غير ذلك، وإنما هو ديننا، كما أعلنها أبو سفيان صريحة واضحة جلية، فإن هذا الدين هو الذي يفرق بيننا وبين غيرنا، فيجعل لنا من تصوراتنا ومعرفتنا ما قاله عمر: (قتلانا في الجنة، وقتلاكم في النار)، فلا سواء بيننا وبين غيرنا؛ لأن عندنا من كتاب الله وهدي رسوله ﷺ ما يميزنا.

стр. 1573

واجب المسلم تجاه الصراع مع الباطل أشير هنا إلى مسالة مهمة في الموقف الثاني، يوم قال النبي ﵊ لـ علي ﵁: (انظر خبر القوم)، إنه ﷺ يعلم أن المعارك مع الباطل ليست جولة واحدة، وأنهم لا يكتفون بانتصار محدود، وأنهم مستمرون، فقال: انظر ماذا سيفعلون؟ هل انتهى الأمر؟ وهل نغلق الأبواب وننهي القضية، ونعود إلى ديارنا لنأكل ونشرب وننام؟ لا، ليس الأمر كما يظن كثير من الناس أنها جولة، وأنها حملة، ولم ينتبهوا إلى أنها متواصلة مستمرة، وأنها متنامية متنوعة، وأنها تمتد حتى لا تكاد تخلو منها بقعة من الأرض، وتتغلغل حتى لا يكاد يخلو منها مجال من مجالات الحياة سواء كان اجتماعياً أو سياسياً أو تعليمياً أو غير ذلك، ولذلك قال: (انظر ماذا سيفعلون)، أي: ما هي خطوتهم الثانية؟ ومعاشر المسلمين اليوم كثير منهم نائمون غافلون، وكلما جاءت ضربة صحونا لها في وقتها، أما التي تليها فكأنها ليست واردة في حسباننا، ولا معروفة عندنا، ولا هي خاطرة ببالنا؛ ولذلك ما يزال كثير من المسلمين يأخذون الضربة تلو الأخرى، وكأن الأولى تهيئهم أن يأخذوا الثانية، ونسوا حديث النبي ﷺ : (لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين)، وقولة الفاروق عمر بن الخطاب ﵁: (لست بالخب، ولا الخب يخدعني، إنما يهلك الناس إذا نشأ في الإسلام من لا يعرف الجاهلية)، تلك مقالات لابد من معرفتها. وعندما قال أبو سفيان: موعدكم بدر، أمر النبي ﷺ من يجيبه: (هو بيننا وبينك موعد)؛ فإن عزة الإسلام تأبى الانهزام، وإن قوة اليقين لابد أن تقبل إرادة التحدي؛ لا رغبة في الصراع؛ فإن الإسلام لا يسعى إليه ابتداءً ولا يقصده، وليس كما ينسبونه له من قتل أو دمار، بل التاريخ حديثه وقديمه يشهد أنه عند غير المسلمين أكثر منه عند المسلمين. نسأل الله أن يحفظ ديننا وأمتنا، وأن يحفظ بلادنا وأمنها وسلامتها ووحدة صفها، وأن يدفع عنا وعن المسلمين كل سوء ومكروه، وأن يخذل أعداء الإسلام والمسلمين في كل مكان. أقول هذا القول، وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 1574

وجوب الحذر من كيد الشيطان والاستمرار على الطاعة الحمد لله العظيم في شأنه، العزيز في سلطانه، أحمده على جزيل بره وإحسانه، وأشكره على وافر فضله وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشأنه، وأشهد أن نبيه محمداً ﷺ الذي أقام الدين وأحكم بنيانه، صلى الله عليه وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: أيها الإخوة المؤمنون: إن في هذه الوقفة السريعة التي وقفناها في آخر معركة أحد ما يكشف لنا عن ضرورة يقظتنا لمواجهة أعدائنا، وعن أهمية التزامنا واستعلائنا بديننا، وعن أهمية قوة نفوسنا وثقتنا بخالقنا، واستعدادنا لمواجهة عدونا في كل حال. ولعلي هنا أربط ربطاً لطيفاً، وقد يكون عند البعض بعيداً: كنا في رمضان في معركة مع الشيطان، ومع أهواء النفس، ومع المعاصي التي قد استحكمت في واقع حياتنا، ولعلنا قد حققنا نجاحاً، وأدركنا فلاحاً، وحققنا -ليس في جولة واحدة بل في جولات كثيرة- انتصاراً، فهل انتهت معركتنا مع الشيطان؟ نحن قد فرحنا بما وفقنا الله له من الطاعات، وبما سلمنا منه من المعاصي والشرور والآثام والسيئات، ولكن هل أغمد الشيطان خنجره؟ وهل أوقف وسواسه؟ وهل انتهت معركتنا فاستقمنا على الصراط المستقيم أم أننا ما زلنا في المعركة؟ إننا الآن قد ركنا إلى ما سلف من صالح أعمالنا، وعدنا شيئاً فشيئاً لتستحكم الغفلة فينا، وليعاود عدونا مرة أخرى انتصاره علينا، فتكون جولتنا تلك كأنها لا قيمة لها، وكأن انتصارنا يذبل ويضعف ويذوي ويزول! وهذه معركة حقيقية مع النفس التي بين جنبيك، ومع الشيطان الذي يوسوس لك، ونحن -وللأسف الشديد- نرى في أيام عيدنا، وبعد انتهاء شهر صيامنا ما نعرف أنه أظهر صور الهزيمة الإيمانية، وأجلى صور الخذلان بعد الطاعة، فكم نرى في حياة أمتنا وفي أعيادها من لهو يمسخ أثر الذكر والذكرى، ومن عبث يضيع آثار البر والتقوى، ومن معاصٍ تعيد الظلمة إلى القلوب والكدر إلى النفوس! وهذا لا يحتاج منا إلى كثير كلام ولا إلى أمثلة؛ فإن الشواهد واضحة نراها في الشاشات الفضائية، ونسمعها في الإذاعات، ونلامسها في الشوارع والطرقات، بل -وإن كنا صادقين- نلمسها ونعرفها في أنفسنا وفي بيوتنا التي كان القرآن يدوي فيها، وكان الذكر يصدح في جنباتها، وكنا فيها قائمين أو ساجدين أو متسحرين أو مفطرين، واليوم قد قل ذلك وضعف، ولا أود أن يكون حديثي مؤيساً أو محبطاً ومثبطاً لما سلف من الخير والطاعة؛ ولكنه إنذار وتنبيه؛ حتى نعاود حمل أسلحتنا الإيمانية، ونعود إلى التترس بالطاعات والذكر الحافظ من وساوس الشيطان، والوقوع في الآثام، ونعود مرة أخرى لنكون على أهبة الاستعداد؛ ليعلو إيماننا على وسواس شيطاننا، ولتنتصر إرادة الخير والطاعة في نفوسنا على أهوائنا وشهواتنا وجوانب دنيانا في معاصي ربنا. أسأل الله أن يثبتنا على دينه، وأن يرزقنا الاستقامة على الطاعات والمواظبة عليها، وأن يعيننا على أهواء أنفسنا، وأن يقينا من وساوس شياطيننا. ونسأله أن يقيمنا على الحق، وأن يلزمنا إياه، وأن يبصرنا به، وأن يسلكنا طريقه. اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه. اللهم وفقنا للطاعات، واصرف عنا الشرور والسيئات، واغفر اللهم لنا ما مضى وما هو آتٍ. اللهم لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا، ومكن في الأمة لأهل الخير والرشاد، واقمع أهل الزيغ والفساد، وارفع في الأمة علم الجهاد، وانشر رحمتك على العباد، وهيئ للأمة أمر رشد يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر. اللهم أبدل أمتنا من بعد ضعفها قوة، ومن بعد ذلتها عزة، ومن بعد فرقتها وحدة، اللهم اجمعها على كتابك وسنة نبيك الكريم ﷺ . اللهم اجعلها بكتابك مستمسكة، ولهدي نبيك مقتفية، ولآثار السلف الصالح متبعة. اللهم ردنا إلى دينك رداً جميلاً، وخذ بنواصينا إلى طريق الحق والسداد، وألهمنا الرشد والصواب. تول اللهم أمرنا، وارحم ضعفنا، واجبر كسرنا، واغفر ذنبنا، وبلغنا فيما يرضيك آمالنا. اللهم فرج عن إخواننا المسلمين المضطهدين والمعذبين، والمشردين والمبعدين، والأسرى والمسجونين، والجرحى والمرضى في كل مكان يا رب العالمين! اللهم فرج همهم، ونفس كربهم، وعجل فرجهم، وقرب نصرهم، وامسح عبرتهم، وسكن لوعتهم، وارفع درجتهم، وأعل رايتهم. اللهم يا أرحم الراحمين! اجعل لنا ولهم من كل همّ فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً، ومن كل فتنة عصمة، ومن كل بلاء عافية يا سميع الدعاء! اللهم إنا نسألك أن تجعل هذه الأيام المباركة والأعياد العظيمة خيراً وبراً ونصراً وعزاً للإسلام وأهله في كل مكان يا رب العالمين! اللهم إنا نسألك أن تكفينا شرور أعدائنا، اللهم إنا ندرأ بك في نحورهم، ونعوذ بك من شرورهم. اللهم فرق كلمتهم، وابذر الخلف في صفوفهم، واجعل بأسهم بينهم، واجعل تدبيرهم تدميراً عليهم، ورد كيدهم في نحرهم، واشغلهم بأنفسهم. اللهم لا ترفع لهم راية، ولا تبلغهم غاية، واجعلهم لمن خلفهم آية، وأرنا اللهم فيهم عجائب قدرتك، وعظيم سطوتك، واشف اللهم فيهم صدور قوم مؤمنين عاجلاً غير آجل يا رب العالمين! اللهم احفظ بلاد الحرمين من كل سوء ومكروه، وفر اللهم أمنها، وابسط رزقها، واحفظ وحدتها برحمتك وعزتك يا أرحم الراحمين! اللهم إنا نسألك أن تصرف عنا الفتن والمحن ما ظهر منها وما بطن، عن بلدنا هذا خاصة، وعن سائر بلاد المسلمين. اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين! اللهم وفق ولي أمرنا لهداك، واجعل عمله في رضاك، وارزقه بطانة صالحة تدله على الخير وتحثه عليه يا سميع الدعاء! اللهم انصر عبادك المجاهدين في كل مكان يا رب العالمين! ثبت اللهم أقدامهم، وأفرغ الصبر واليقين في قلوبهم، وأعل رايتهم، ووحد كلمتهم، وقو شوكتهم، وسدد رميتهم، وانصرهم على عدوك وعدوهم يا رب العالمين! عباد الله! صلوا وسلموا على رسول الله؛ استجابة لأمر الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٥٦]، وترضوا على الصحابة الكرام، نخص منهم بالذكر ذوي القدر العلي والمقام الجلي: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، وعلى سائر الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين. والحمد لله رب العالمين.

стр. 1575

التفريغ النصي - - للشيخ - صوتيات إسلام ويب function audiosearch() ﴿ if (kword. value. length Deutsch | Espanol | Francais | English إسلام ويب | مقالات | فتاوى | استشارات | صوتيات | بنين وبنات | المكتبة مكتبتك الصوتية تسجيل مستخدم جديد تفعيل الاشتراك استرجاع كلمة السر أو رمز التفعيل اسم المستخدم كلمة السر

стр. 1576

أوروبا السوداء لقد كشف الغرب عن حقيقة الحضارة التي يدعيها، وعن حقيقة المحافظة على حقوق الإنسان التي يزعمها بما يمارسه برابرة الصرب ضد شعب البوسنة والهرسك: من قتل وذبح وتشريد وتهجير جماعي، فإنهم يكيلون بمكيالين في كل شيء، مكيال خاص بالمسلمين يعاملونهم فيه أقل من معاملة الحيوانات، ومكيال خاص باليهود والنصارى وأعوانهم، بل رفعوا بهذا المكيال قدر كلابهم، وجعلوا لها حقوقاً، ووضعوها في صفوفهم!!

стр. 1577

حقيقة الحضارة الأوروبية الحمد لله الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد، أحمده ، وأستعينه وأستغفره، وأتوب إليه وأتقرب إليه، هو أهل الحمد والثناء، فله الحمد في الأولى والآخرة، وله الحمد على كل حال وفي كل آن. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن محمداً عبده المصطفى، ونبيه المجتبى، اختاره الله جل وعلا ليكون خاتم الأنبياء والمرسلين، وجعله سيد الأولين والآخرين، وأشهد أنه ﵊ قد بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، وصلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وكرمك يا أرحم الراحمين! عباد الله! اتقوا الله حق تقاته، فإن الله جل وعلا قد أمركم بذلك في كتابه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: أيها الإخوة المؤمنون! حديثنا اليوم عن أوروبا السوداء، وليس في هذا العنوان أي خطأ، إذ تعودنا أن نسمع عن أوروبا البيضاء، وليس في ذلك السواد أو البياض ما يتعلق بالأمور المادية، بل إن هذه الأوصاف اللونية يربطون بها المعاني والمبادئ، فيصفون إفريقيا بالسوداء، ويصفون العالم الإسلامي وبلدان العالم الثالث بالسوداء ليشيروا إلى أنها متخلفة، أو ليبينوا أن فيها أسباب الظلم، وانتهاك حقوق الإنسان، إضافة إلى العنصرية والطبقية، أو إلى الهمجية والعدوانية، وينسبون إلى البياض: التقدم والحضارة، والعدالة الإنسانية، واحترام حقوق الإنسان، وغير ذلك من المعاني الشريفة، والحق أن المسلم ينبغي أن يفرق دائماً بين الأسماء والمسميات، لينظر مدى انطباق الاسم على المسمى، فإن الباطل لا يغيره عن حقيقته أن نلبسه لباس الحق، أو أن نطلق عليه أسماء الحق، فإن ذلك لا يغير من الواقع شيئاً، والعكس صحيح أيضاً، فلا يمكن أن يتغير الحق إن وصف بأوصاف الباطل أو سمي بأسماء باطلة، فإن الحق يستمد شرعيته من مطابقته لما جاء في كتاب الله وهدي رسول الله ﷺ . والحق أن كثيراً من الوقائع المعاصرة والأحداث المتتابعة كان من منافعها أن أذهبت غشاوة كانت تضلل كثيراً من العيون، وأنارت طريقاً مظلماً كانت تسير فيه كثير من العقول، إذ إن الحقائق المجسدة الواقعة لها من إثبات الحق أو الباطل، ومن توضيح الموقف أكثر مما يقال أو يكتب أو يزور عبر وسائل إعلامية أو ثقافية، ولذلك حديثنا اليوم عن أوروبا السوداء بمبادئها وموازينها الجائرة، ومواقفها الشائنة، وصورتها الحقيقية التي تسترها وراء أسماء لامعة، وأقنعة براقة، تخلب بها العقول، وتسد بها الأنظار، وتغري بها كثيراً من السذج، وتغير بها كثيراً من الأفكار.

стр. 1578

ضاع مسلمو البوسنة بين التواطؤ والتباطؤ لقد كشفت الحقائق -وهذه القضية على وجه الخصوص- أوروبا السوداء بحقيقة عنصريتها، وعدائها الدائم، وحقدها الأسود ضد الإسلام والمسلمين، كما كشفت أن دعاوى حقوق الإنسان دعاوى كاذبة لا ترتبط إلا بالمصالح، وأن الموازين الدولية ومجلس الأمن والأمم المتحدة إنما تخضع للقوى التي تسيرها وفق مصالحها، وليس وفق المبادئ ولا القوانين حتى وإن كانت وضعية، وهذا شاهد حال واضح. ولئن كان موقف الغرب مقبولاً ومفسراً عند الإنسان المسلم الذي يعرف حقيقة الإيمان والولاء والبراء، فكيف يفهم المسلم البسيط في شرق الأرض الإسلامية وغربها مواقف الدول الإسلامية؟ إنه يقول بلسان بسيط ولكنه فصيح، وبلغة بدائية ولكنها قوية: ضاع مسلمو البوسنة بين التواطؤ والتباطؤ، بين تواطؤ الغرب وتباطؤ المسلمين! لك أن تسأل وأن تتعجب: إن كان هذا موقف تلك الدول فلا شأن لنا بها ولا نتوقع منها إلا مثل هذا، فأين الدول الإسلامية التي تزيد على الخمسين؟ وأين قواها المادية والمعنوية؟ وأين ضغوطها السياسية؟ إن المسلم اليوم يشعر أن كثيراً من مقدرات المسلمين ليست في أيديهم، وإنما في أيدي من يتسمون بأسماء إسلامية، وينطقون بلغة عربية، ويعلنون شعارات إسلامية، ولكنهم في حقيقة الأمر هم أنفسهم حرب على الإسلام والمسلمين. وإنك تجد كثيراً من الدول قد شغلت عن هذه المأساة والمعركة بمعارك أخرى، فنحن نسمع عن دول أنها مشغولة بمعركة الحجاب، وأخرى تشغلها معركة الإرهاب، وثالثة تخوض معركة حاسمة في إرساء الديمقراطية، ورابعة تشتد همتها في المعركة الشرسة ضد الفتنة الطائفية، ولك أن تسمع معارك أخرى كمعركة السلام، ومعركة الكلام، ومعركة الإعلام، معارك وهمية لو كشفت عنها فإنك تجد أنها تدور رحاها على الإسلام والمسلمين إلا ما رحم الله ، ويصرخ المسلمون وينادون بكل صوتهم وبكل صراخهم، دون أن يجدوا حتى من إخوانهم من يلبي التلبية الصادقة المؤثرة في الواقع، التي تجعلهم يشعرون شعوراً قوياً بأنه يمكنهم أن يواصلوا ثباتهم وصمودهم، بل أن يبدءوا في جهادهم وهجومهم، ولذلك قد أصبحت هذه الصور واضحة ناصعة، لا تحتاج إلى إغفال ولا إلى إيهام. صاح صائح المسلمين -وأرجو أن يكون الصائح كل مسلم في كل مكان- ليكشف الحقيقة التي غابت عنه دهراً طويلاً ويقول: يا ساسة القمع الرهيب تفننوا بالقتل والتعذيب والإعسار واستخدموا الإعلام في ترويجكم للفسق والتضليل والإسكار إني صحوت فلملموا أشياءكم الله أكبر منهجي وشعاري هاتوا معاول هدمكم ودماركم واستجمعوا طاقاتكم لحصاري اسفك دمي اقتل فلست بمسجد لك جبهتي اقتل فلست براجع تياري اسفك دمي تأتيك آخر قطرة برسول جيش قادم جرار فالله نسأل أن يحفظ إخواننا المسلمين، وأن يدرأ عنهم كيد الكائدين، وأن يرزقهم الصبر والرضا واليقين، إنه ولي ذلك والقادر عليه، أقول هذا القول وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 1579

البابا يبارك لزعيم الصرب الإبادة الجماعية ضد المسلمين زعيم الصرب المجرم يذهب إلى اليونان، ويستقبله رئيس أساقفة الكنيسة الأرثوذكسية، ويقبل المجرم يد المجرم الآخر، ثم يبارك الأسقف على رأس كراجيتش مباركاً له ومهنئاً صنيعه في إبادة المسلمين، وتنشر صور هذه المقابلة في الصحف مع حملة دعائية كبرى لجمع التبرعات لصالح الصرب في حربهم العادلة ضد مسلمي البوسنة، وليس ذلك سراً، بل يظهر على الشاشات والصفحات، وعبر التصريحات في صورة وقحة واضحة لا تحتاج إلى تفسير ولا إلى تأويل. ثم يعقد مؤتمر آخر للكنيسة الأرثوذوكسية، ومؤتمر ثان عقد في الأسبوع الماضي في تركيا المسلمة في البلاد التي فتحها محمد الفاتح باسم الإسلام، تعقد هذه المؤتمرات ويشارك فيها دول كثيرة، منها: روسيا، وأوكرانيا، ورومانيا، وبلغاريا، وسلوفاكيا، وصربيا، وأرمينيا، وكرواتيا وغيرها تحت شعار: الكنيسة الأرثوذكسية لمواجهة الصحوة الإسلامية في البلقان وفي آسيا الوسطى، وتتولى اليونان أمر البلقان، وتتولى روسيا أمر آسيا الوسطى والجمهوريات الإسلامية؛ لتطوق ما يسمونه بالمد الإسلامي، وما أحداث طاجكستان عنا ببعيد، ونعرف حينئذ كيف يتحرك أولئك القوم! إنهم لا يتحركون من منطلقات سياسية، بل من مبادئ عقائدية، وتذكي ذلك الكنيسة الأرثوذكسية لتقوم بهذه المهمة في شرق أوروبا، وتقوم الكنسية الأخرى بالمهمة ذاتها في غرب أوروبا، وتظهر أوروبا البيضاء على حقيقتها السوداء وعنصريتها الواضحة، وهي التي تتهم المسلمين بالإرهاب والجهاد، والعذاب للجنس الأبيض، وغير ذلك من التهم الكاذبة، وهذا كله يظهر في صور واضحة لا تحتاج إلى شيء من التعليق، ولذلك تنظر اليوم فإذا بهذه الأحداث الرهيبة لا تحتل من الأخبار العالمية إلا آخر الصفحات أو آخر النشرات الإذاعية، وكأنها ليست مأساة إنسانية غاية في الفظاعة، وليست ذات أهمية فيما يتعلق بإحقاق الحق، أو إقامة الموازين الدولية والقوانين، أو الشرعية الدولية أو غير ذلك من المسميات، وهذا يدلنا على أن هذا التواطؤ الرهيب ينطلق عن عمد وتخطيط، والوثائق التي نشرت، والمخاطبات والمكاتبات التي كتبت ونشرت تظهر ذلك بشكل واضح فاضح لا يحتمل الشك ولا الريب. أولئك هم الغرب والغربيون والحضارة الغربية بمبادئها وموازينها، فأين العدالة التي يريدون تطبيقها؟! وأين حقوق الإنسان التي يدعون الانتصار لها؟! أين المواقف؟! لم نر موقفاً -حتى كاذباً- يمكن أن يكون مقبولاً أو معقولاً حتى عند المجانين فضلاً عن العقلاء.

стр. 1580

حظر الأسلحة وفرض التقسيم على أبناء البوسنة والهرسك ما أسرع موقف الأمم المتحدة -في غمضة عين، وبسرعة رهيبة، وبإجماع سريع- لحظر الأسلحة على المتقاتلين في البوسنة والهرسك مع بدايات أول انطلاق الرصاص في تلك البلاد الإسلامية، ثم وعلى مدى عام كامل تظل قضية رفع حظر الأسلحة على إخواننا المسلمين قضية شائكة، يخشى منها أن تزيد من دائرة الحرب، وأن توسع من دائرة الدمار، وكذلك أن تجعل هناك حرباً عنصرية عرقية دائمة، وهذا هو الميزان الذي يزن به الغرب، وهذا هو المكيال الذي يكيل به، فهم يكيلون بمكيالين وبميزانين وبنظرتين وعينين، يكيل فيها لمن يحب ويوالي ويشترك معه في العقيدة والدين والمصالح بكيل يعطي ولا يبقي، وإلى من يخاصمونهم ويعادونهم في العقيدة والدين يكيلون لهم بكيل المنع والحبس والمصادرة والتضييق، حتى إن مجلس الأمن عندما صوت على قضية رفع حظر الأسلحة ظهرت مواقف أوروبا والدول الغربية عموماً تبين موقفها الشريف أمام هذه القضية الواضحة، ثم جاءت اليوم خطة التقسيم التي كان الإعلان الأوروبي رافضاً لها، ثم بعد ذلك وبتدرج ماكر خبيث عاد مقراً لها. ثم في آخر الأمر هو اليوم يفرضها فرضاً فإما أن يقبل بها المسلمون، وإما أن يكون استمرار القتل والقصف والتدمير والاحتلال، وتتساوى القضية في وقت واحد، تبدأ محادثات السلام، ويزداد القصف على العاصمة سراييفو، ثم يزداد الحصار، وتقف الدول العظمى كلها عاجزة عن أن توصل طعاماً أو شراباً أو غذاءً أو أية نجدة إلى ثمانين ومائتي ألف محاصرين داخل هذه المدينة، يموتون جوعاً، حتى بدءوا في أكل القطط والكلاب والجيف المنتنة؛ لأنهم لا يجدون ما يأكلون، وأخشى -ولا أستبعد ذلك- أن يصيح صائح في الغرب الأبيض المتحضر ليعترض على مثل هذا؛ لأن فيه انتهاكاً لحقوق تلك الحيوانات، ومعارضة للرفق بها، أما الإنسان إذا كان مسلماً فهو عندهم وفي ميزانهم العملي لا القولي لا قيمة له، وقيمته أقل وأحقر من الحيوان، وهذا هو ميزانهم الذي أخبرنا الله به، قال جل وعلا: ﴿لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلا ذِمَّةً﴾ [التوبة:١٠]، ﴿كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلا ذِمَّةً﴾ [التوبة:٨]، والله قد بين لنا أنهم يسرعون بالبغضاء والعداء إلى المسلم في كل مكان، لا يمنعهم من ذلك إنسانية ولا مبدأ ولا قانون؛ لأن حقدهم الأسود في قلوبهم السوداء في نفوسهم المريضة، وفي عقولهم الكليلة يدفعهم إلى هذا الأمر دفعاً لا يملكون له منعاً، ولذلك نجد اليوم خطة التجويع التي يشارك فيها الغرب أيضاً، الذي كان يزدهي بأنه يساعد المسلمين بالمبدأ الإنساني، ويرسل الإغاثات في هذه الأيام، حتى هذه الغلالة الرقيقة التي كان يستر بها سوءاته وعوراته بدأت تنكشف اليوم، ومندوبة الأمم المتحدة لشئون الإغاثة تصرخ بأن الإغاثات انخفضت إلى أقل من (٥٠%) مع تعاظم الحاجة إليها في ظل الحصار الرهيب، والقصف المتواصل، والعسف المستمر، ومع ذلك حتى هذا الغذاء وهذه الإغاثات متوقفة ولا تتقدم مطلقاً، وهذا كله يدلنا على حقيقة المواقف، تشتد وتظهر وتفصح عن نفسها كلما دعت الحاجة إلى ذلك، كان الأمر في أوله نقداً لتلك الهجمة الصربية الشرسة، على اعتبار أنها يمكن أن تنتهي في ظرف قصير كما تم ذلك في مواقع أخرى من بلاد إسلامية اعتدي عليها، ثم لما امتد أمد الأزمة بوقوف إخواننا وصمودهم، ظل بعد ذلك الموقف يتراجع شيئاً فشيئاً، حتى صار اليوم موقفاً واضحاً معلناً يؤكد حقيقة الولاء والبراء، وحقيقة ما علمنا الله إياه، فلم نتعلم منه التعلم الحقيقي، ولم نطبقه التطبيق الكامل عندما خاطبنا الله بنداء الإيمان: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [المائدة:٥١]، وهكذا يتحقق ولاؤهم بصورة عملية، ويعيش إخواننا اليوم في مأساة لا أظن أن أحداً يمكن أن يجد لها مثيلاً أو مشابهاً في كل ما حل بالمسلمين في كثير من البقاع، بل في كل ما حل بكثير من الناس حتى في ظل الكوارث الطبيعية الإلهية التي يقدرها الله ، إذ إنهم -وخاصة في العاصمة سراييفو- يموتون موتاً بطيئاً، ومع ذلك بفضل الله عندما أجريت مع بعضهم مقابلات فإنهم قالوا: نحن صامدون، ونموت موت الشرفاء، ولا نموت موت الأذلاء! وذلك الموقف هو الذي يعجب منه الغرب الكافر النصراني، الذي يشحذ قوته، ويريد أن يجهز على ذبيحته في هذا الوقت، ومع ذلك كله ربنا يبث في قلوب إخواننا المسلمين رضاً وسكينة وطمأنينة، ويبث في نفوسهم صبراً وثباتاً وجلداً، ونسأل الله أن يديم عليهم هذه النعمة، وأن يثبتهم في وجه هذه الهجمة، وقد اتضحت لهم الصورة، وينبغي أن تتضح لكل مسلم في شرق الأرض وغربها، وأن يعرف المواقف على حقائقها، فالبوسني كان ولا يزال من شعوب أوروبا، وهو ابن تلك البلاد والديار، فعاش حضاراتها ولا زال، ولكنه عرف حقيقة الولاء والبراء، وحقيقة الحروب الدينية العقائدية، اليوم ينكشف له الزيف، ويعرف جيرانه الأوروبيين أنهم نصارى وأنه مسلم، وذلك فرق كبير بينه وبينهم، يجعلهم يتألبون بالعداء عليه، ويسعون لإهلاكه وتدميره، رغم أنه لا يملك حولاً ولا قوة. وانظر إلى المواقف العادلة لهذه الحضارة الجائرة: تمنع السلاح عن العزل، وتحيطهم بقوى مدججة بالسلاح، وتسوف في المؤتمرات والقرارات، وتمنع الإغاثات، ثم بعد ذلك يقال: إن الذي يعرقل السلام هم البوسنيون، ورئيسهم الذي يمتنع عن المفاوضات التي هي في حقيقة الأمر نوع من العداء السافر، ونوع من الإجبار القاهر، ونوع من الصورة الوقحة لتلك القوى التي تتستر وراء العدالة والقوانين الدولية، ولذلك كشف المسلم في البوسنة الحقيقة، وينبغي أن يكشف هذه الحقيقة كل مسلم، وأن ينادي كما نادى مسلمو البوسنة: يا ساسة القمع الرهيب تأهبوا وتسلحوا بحديدكم والنار إني صحوت فلا تخدرني حلاوة منطق ومهارة استعمار إني صحوت فجردوا أسيافكم وتجسسوا وتحسسوا أخباري إني صحوت ولست أخدع بعدها يوماً بزيف خادع الأبصار ينبغي أن نكشف الأمور، وانظروا إلى حقيقة العقائد كيف تصنع!
следующие страницы →