← Джавами‘

Джавами‘ · id 7721

دروس للشيخ علي بن عمر بادحدح

علي بن عمر بادحدح

Полный текст (2 691 стр.). Показаны 1576–1615 · переход к 1581.

стр. 1576

أوروبا السوداء لقد كشف الغرب عن حقيقة الحضارة التي يدعيها، وعن حقيقة المحافظة على حقوق الإنسان التي يزعمها بما يمارسه برابرة الصرب ضد شعب البوسنة والهرسك: من قتل وذبح وتشريد وتهجير جماعي، فإنهم يكيلون بمكيالين في كل شيء، مكيال خاص بالمسلمين يعاملونهم فيه أقل من معاملة الحيوانات، ومكيال خاص باليهود والنصارى وأعوانهم، بل رفعوا بهذا المكيال قدر كلابهم، وجعلوا لها حقوقاً، ووضعوها في صفوفهم!!

стр. 1577

حقيقة الحضارة الأوروبية الحمد لله الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد، أحمده ، وأستعينه وأستغفره، وأتوب إليه وأتقرب إليه، هو أهل الحمد والثناء، فله الحمد في الأولى والآخرة، وله الحمد على كل حال وفي كل آن. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن محمداً عبده المصطفى، ونبيه المجتبى، اختاره الله جل وعلا ليكون خاتم الأنبياء والمرسلين، وجعله سيد الأولين والآخرين، وأشهد أنه ﵊ قد بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، وصلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وكرمك يا أرحم الراحمين! عباد الله! اتقوا الله حق تقاته، فإن الله جل وعلا قد أمركم بذلك في كتابه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: أيها الإخوة المؤمنون! حديثنا اليوم عن أوروبا السوداء، وليس في هذا العنوان أي خطأ، إذ تعودنا أن نسمع عن أوروبا البيضاء، وليس في ذلك السواد أو البياض ما يتعلق بالأمور المادية، بل إن هذه الأوصاف اللونية يربطون بها المعاني والمبادئ، فيصفون إفريقيا بالسوداء، ويصفون العالم الإسلامي وبلدان العالم الثالث بالسوداء ليشيروا إلى أنها متخلفة، أو ليبينوا أن فيها أسباب الظلم، وانتهاك حقوق الإنسان، إضافة إلى العنصرية والطبقية، أو إلى الهمجية والعدوانية، وينسبون إلى البياض: التقدم والحضارة، والعدالة الإنسانية، واحترام حقوق الإنسان، وغير ذلك من المعاني الشريفة، والحق أن المسلم ينبغي أن يفرق دائماً بين الأسماء والمسميات، لينظر مدى انطباق الاسم على المسمى، فإن الباطل لا يغيره عن حقيقته أن نلبسه لباس الحق، أو أن نطلق عليه أسماء الحق، فإن ذلك لا يغير من الواقع شيئاً، والعكس صحيح أيضاً، فلا يمكن أن يتغير الحق إن وصف بأوصاف الباطل أو سمي بأسماء باطلة، فإن الحق يستمد شرعيته من مطابقته لما جاء في كتاب الله وهدي رسول الله ﷺ . والحق أن كثيراً من الوقائع المعاصرة والأحداث المتتابعة كان من منافعها أن أذهبت غشاوة كانت تضلل كثيراً من العيون، وأنارت طريقاً مظلماً كانت تسير فيه كثير من العقول، إذ إن الحقائق المجسدة الواقعة لها من إثبات الحق أو الباطل، ومن توضيح الموقف أكثر مما يقال أو يكتب أو يزور عبر وسائل إعلامية أو ثقافية، ولذلك حديثنا اليوم عن أوروبا السوداء بمبادئها وموازينها الجائرة، ومواقفها الشائنة، وصورتها الحقيقية التي تسترها وراء أسماء لامعة، وأقنعة براقة، تخلب بها العقول، وتسد بها الأنظار، وتغري بها كثيراً من السذج، وتغير بها كثيراً من الأفكار.

стр. 1578

ضاع مسلمو البوسنة بين التواطؤ والتباطؤ لقد كشفت الحقائق -وهذه القضية على وجه الخصوص- أوروبا السوداء بحقيقة عنصريتها، وعدائها الدائم، وحقدها الأسود ضد الإسلام والمسلمين، كما كشفت أن دعاوى حقوق الإنسان دعاوى كاذبة لا ترتبط إلا بالمصالح، وأن الموازين الدولية ومجلس الأمن والأمم المتحدة إنما تخضع للقوى التي تسيرها وفق مصالحها، وليس وفق المبادئ ولا القوانين حتى وإن كانت وضعية، وهذا شاهد حال واضح. ولئن كان موقف الغرب مقبولاً ومفسراً عند الإنسان المسلم الذي يعرف حقيقة الإيمان والولاء والبراء، فكيف يفهم المسلم البسيط في شرق الأرض الإسلامية وغربها مواقف الدول الإسلامية؟ إنه يقول بلسان بسيط ولكنه فصيح، وبلغة بدائية ولكنها قوية: ضاع مسلمو البوسنة بين التواطؤ والتباطؤ، بين تواطؤ الغرب وتباطؤ المسلمين! لك أن تسأل وأن تتعجب: إن كان هذا موقف تلك الدول فلا شأن لنا بها ولا نتوقع منها إلا مثل هذا، فأين الدول الإسلامية التي تزيد على الخمسين؟ وأين قواها المادية والمعنوية؟ وأين ضغوطها السياسية؟ إن المسلم اليوم يشعر أن كثيراً من مقدرات المسلمين ليست في أيديهم، وإنما في أيدي من يتسمون بأسماء إسلامية، وينطقون بلغة عربية، ويعلنون شعارات إسلامية، ولكنهم في حقيقة الأمر هم أنفسهم حرب على الإسلام والمسلمين. وإنك تجد كثيراً من الدول قد شغلت عن هذه المأساة والمعركة بمعارك أخرى، فنحن نسمع عن دول أنها مشغولة بمعركة الحجاب، وأخرى تشغلها معركة الإرهاب، وثالثة تخوض معركة حاسمة في إرساء الديمقراطية، ورابعة تشتد همتها في المعركة الشرسة ضد الفتنة الطائفية، ولك أن تسمع معارك أخرى كمعركة السلام، ومعركة الكلام، ومعركة الإعلام، معارك وهمية لو كشفت عنها فإنك تجد أنها تدور رحاها على الإسلام والمسلمين إلا ما رحم الله ، ويصرخ المسلمون وينادون بكل صوتهم وبكل صراخهم، دون أن يجدوا حتى من إخوانهم من يلبي التلبية الصادقة المؤثرة في الواقع، التي تجعلهم يشعرون شعوراً قوياً بأنه يمكنهم أن يواصلوا ثباتهم وصمودهم، بل أن يبدءوا في جهادهم وهجومهم، ولذلك قد أصبحت هذه الصور واضحة ناصعة، لا تحتاج إلى إغفال ولا إلى إيهام. صاح صائح المسلمين -وأرجو أن يكون الصائح كل مسلم في كل مكان- ليكشف الحقيقة التي غابت عنه دهراً طويلاً ويقول: يا ساسة القمع الرهيب تفننوا بالقتل والتعذيب والإعسار واستخدموا الإعلام في ترويجكم للفسق والتضليل والإسكار إني صحوت فلملموا أشياءكم الله أكبر منهجي وشعاري هاتوا معاول هدمكم ودماركم واستجمعوا طاقاتكم لحصاري اسفك دمي اقتل فلست بمسجد لك جبهتي اقتل فلست براجع تياري اسفك دمي تأتيك آخر قطرة برسول جيش قادم جرار فالله نسأل أن يحفظ إخواننا المسلمين، وأن يدرأ عنهم كيد الكائدين، وأن يرزقهم الصبر والرضا واليقين، إنه ولي ذلك والقادر عليه، أقول هذا القول وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 1579

البابا يبارك لزعيم الصرب الإبادة الجماعية ضد المسلمين زعيم الصرب المجرم يذهب إلى اليونان، ويستقبله رئيس أساقفة الكنيسة الأرثوذكسية، ويقبل المجرم يد المجرم الآخر، ثم يبارك الأسقف على رأس كراجيتش مباركاً له ومهنئاً صنيعه في إبادة المسلمين، وتنشر صور هذه المقابلة في الصحف مع حملة دعائية كبرى لجمع التبرعات لصالح الصرب في حربهم العادلة ضد مسلمي البوسنة، وليس ذلك سراً، بل يظهر على الشاشات والصفحات، وعبر التصريحات في صورة وقحة واضحة لا تحتاج إلى تفسير ولا إلى تأويل. ثم يعقد مؤتمر آخر للكنيسة الأرثوذوكسية، ومؤتمر ثان عقد في الأسبوع الماضي في تركيا المسلمة في البلاد التي فتحها محمد الفاتح باسم الإسلام، تعقد هذه المؤتمرات ويشارك فيها دول كثيرة، منها: روسيا، وأوكرانيا، ورومانيا، وبلغاريا، وسلوفاكيا، وصربيا، وأرمينيا، وكرواتيا وغيرها تحت شعار: الكنيسة الأرثوذكسية لمواجهة الصحوة الإسلامية في البلقان وفي آسيا الوسطى، وتتولى اليونان أمر البلقان، وتتولى روسيا أمر آسيا الوسطى والجمهوريات الإسلامية؛ لتطوق ما يسمونه بالمد الإسلامي، وما أحداث طاجكستان عنا ببعيد، ونعرف حينئذ كيف يتحرك أولئك القوم! إنهم لا يتحركون من منطلقات سياسية، بل من مبادئ عقائدية، وتذكي ذلك الكنيسة الأرثوذكسية لتقوم بهذه المهمة في شرق أوروبا، وتقوم الكنسية الأخرى بالمهمة ذاتها في غرب أوروبا، وتظهر أوروبا البيضاء على حقيقتها السوداء وعنصريتها الواضحة، وهي التي تتهم المسلمين بالإرهاب والجهاد، والعذاب للجنس الأبيض، وغير ذلك من التهم الكاذبة، وهذا كله يظهر في صور واضحة لا تحتاج إلى شيء من التعليق، ولذلك تنظر اليوم فإذا بهذه الأحداث الرهيبة لا تحتل من الأخبار العالمية إلا آخر الصفحات أو آخر النشرات الإذاعية، وكأنها ليست مأساة إنسانية غاية في الفظاعة، وليست ذات أهمية فيما يتعلق بإحقاق الحق، أو إقامة الموازين الدولية والقوانين، أو الشرعية الدولية أو غير ذلك من المسميات، وهذا يدلنا على أن هذا التواطؤ الرهيب ينطلق عن عمد وتخطيط، والوثائق التي نشرت، والمخاطبات والمكاتبات التي كتبت ونشرت تظهر ذلك بشكل واضح فاضح لا يحتمل الشك ولا الريب. أولئك هم الغرب والغربيون والحضارة الغربية بمبادئها وموازينها، فأين العدالة التي يريدون تطبيقها؟! وأين حقوق الإنسان التي يدعون الانتصار لها؟! أين المواقف؟! لم نر موقفاً -حتى كاذباً- يمكن أن يكون مقبولاً أو معقولاً حتى عند المجانين فضلاً عن العقلاء.

стр. 1580

حظر الأسلحة وفرض التقسيم على أبناء البوسنة والهرسك ما أسرع موقف الأمم المتحدة -في غمضة عين، وبسرعة رهيبة، وبإجماع سريع- لحظر الأسلحة على المتقاتلين في البوسنة والهرسك مع بدايات أول انطلاق الرصاص في تلك البلاد الإسلامية، ثم وعلى مدى عام كامل تظل قضية رفع حظر الأسلحة على إخواننا المسلمين قضية شائكة، يخشى منها أن تزيد من دائرة الحرب، وأن توسع من دائرة الدمار، وكذلك أن تجعل هناك حرباً عنصرية عرقية دائمة، وهذا هو الميزان الذي يزن به الغرب، وهذا هو المكيال الذي يكيل به، فهم يكيلون بمكيالين وبميزانين وبنظرتين وعينين، يكيل فيها لمن يحب ويوالي ويشترك معه في العقيدة والدين والمصالح بكيل يعطي ولا يبقي، وإلى من يخاصمونهم ويعادونهم في العقيدة والدين يكيلون لهم بكيل المنع والحبس والمصادرة والتضييق، حتى إن مجلس الأمن عندما صوت على قضية رفع حظر الأسلحة ظهرت مواقف أوروبا والدول الغربية عموماً تبين موقفها الشريف أمام هذه القضية الواضحة، ثم جاءت اليوم خطة التقسيم التي كان الإعلان الأوروبي رافضاً لها، ثم بعد ذلك وبتدرج ماكر خبيث عاد مقراً لها. ثم في آخر الأمر هو اليوم يفرضها فرضاً فإما أن يقبل بها المسلمون، وإما أن يكون استمرار القتل والقصف والتدمير والاحتلال، وتتساوى القضية في وقت واحد، تبدأ محادثات السلام، ويزداد القصف على العاصمة سراييفو، ثم يزداد الحصار، وتقف الدول العظمى كلها عاجزة عن أن توصل طعاماً أو شراباً أو غذاءً أو أية نجدة إلى ثمانين ومائتي ألف محاصرين داخل هذه المدينة، يموتون جوعاً، حتى بدءوا في أكل القطط والكلاب والجيف المنتنة؛ لأنهم لا يجدون ما يأكلون، وأخشى -ولا أستبعد ذلك- أن يصيح صائح في الغرب الأبيض المتحضر ليعترض على مثل هذا؛ لأن فيه انتهاكاً لحقوق تلك الحيوانات، ومعارضة للرفق بها، أما الإنسان إذا كان مسلماً فهو عندهم وفي ميزانهم العملي لا القولي لا قيمة له، وقيمته أقل وأحقر من الحيوان، وهذا هو ميزانهم الذي أخبرنا الله به، قال جل وعلا: ﴿لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلا ذِمَّةً﴾ [التوبة:١٠]، ﴿كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلا ذِمَّةً﴾ [التوبة:٨]، والله قد بين لنا أنهم يسرعون بالبغضاء والعداء إلى المسلم في كل مكان، لا يمنعهم من ذلك إنسانية ولا مبدأ ولا قانون؛ لأن حقدهم الأسود في قلوبهم السوداء في نفوسهم المريضة، وفي عقولهم الكليلة يدفعهم إلى هذا الأمر دفعاً لا يملكون له منعاً، ولذلك نجد اليوم خطة التجويع التي يشارك فيها الغرب أيضاً، الذي كان يزدهي بأنه يساعد المسلمين بالمبدأ الإنساني، ويرسل الإغاثات في هذه الأيام، حتى هذه الغلالة الرقيقة التي كان يستر بها سوءاته وعوراته بدأت تنكشف اليوم، ومندوبة الأمم المتحدة لشئون الإغاثة تصرخ بأن الإغاثات انخفضت إلى أقل من (٥٠%) مع تعاظم الحاجة إليها في ظل الحصار الرهيب، والقصف المتواصل، والعسف المستمر، ومع ذلك حتى هذا الغذاء وهذه الإغاثات متوقفة ولا تتقدم مطلقاً، وهذا كله يدلنا على حقيقة المواقف، تشتد وتظهر وتفصح عن نفسها كلما دعت الحاجة إلى ذلك، كان الأمر في أوله نقداً لتلك الهجمة الصربية الشرسة، على اعتبار أنها يمكن أن تنتهي في ظرف قصير كما تم ذلك في مواقع أخرى من بلاد إسلامية اعتدي عليها، ثم لما امتد أمد الأزمة بوقوف إخواننا وصمودهم، ظل بعد ذلك الموقف يتراجع شيئاً فشيئاً، حتى صار اليوم موقفاً واضحاً معلناً يؤكد حقيقة الولاء والبراء، وحقيقة ما علمنا الله إياه، فلم نتعلم منه التعلم الحقيقي، ولم نطبقه التطبيق الكامل عندما خاطبنا الله بنداء الإيمان: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [المائدة:٥١]، وهكذا يتحقق ولاؤهم بصورة عملية، ويعيش إخواننا اليوم في مأساة لا أظن أن أحداً يمكن أن يجد لها مثيلاً أو مشابهاً في كل ما حل بالمسلمين في كثير من البقاع، بل في كل ما حل بكثير من الناس حتى في ظل الكوارث الطبيعية الإلهية التي يقدرها الله ، إذ إنهم -وخاصة في العاصمة سراييفو- يموتون موتاً بطيئاً، ومع ذلك بفضل الله عندما أجريت مع بعضهم مقابلات فإنهم قالوا: نحن صامدون، ونموت موت الشرفاء، ولا نموت موت الأذلاء! وذلك الموقف هو الذي يعجب منه الغرب الكافر النصراني، الذي يشحذ قوته، ويريد أن يجهز على ذبيحته في هذا الوقت، ومع ذلك كله ربنا يبث في قلوب إخواننا المسلمين رضاً وسكينة وطمأنينة، ويبث في نفوسهم صبراً وثباتاً وجلداً، ونسأل الله أن يديم عليهم هذه النعمة، وأن يثبتهم في وجه هذه الهجمة، وقد اتضحت لهم الصورة، وينبغي أن تتضح لكل مسلم في شرق الأرض وغربها، وأن يعرف المواقف على حقائقها، فالبوسني كان ولا يزال من شعوب أوروبا، وهو ابن تلك البلاد والديار، فعاش حضاراتها ولا زال، ولكنه عرف حقيقة الولاء والبراء، وحقيقة الحروب الدينية العقائدية، اليوم ينكشف له الزيف، ويعرف جيرانه الأوروبيين أنهم نصارى وأنه مسلم، وذلك فرق كبير بينه وبينهم، يجعلهم يتألبون بالعداء عليه، ويسعون لإهلاكه وتدميره، رغم أنه لا يملك حولاً ولا قوة. وانظر إلى المواقف العادلة لهذه الحضارة الجائرة: تمنع السلاح عن العزل، وتحيطهم بقوى مدججة بالسلاح، وتسوف في المؤتمرات والقرارات، وتمنع الإغاثات، ثم بعد ذلك يقال: إن الذي يعرقل السلام هم البوسنيون، ورئيسهم الذي يمتنع عن المفاوضات التي هي في حقيقة الأمر نوع من العداء السافر، ونوع من الإجبار القاهر، ونوع من الصورة الوقحة لتلك القوى التي تتستر وراء العدالة والقوانين الدولية، ولذلك كشف المسلم في البوسنة الحقيقة، وينبغي أن يكشف هذه الحقيقة كل مسلم، وأن ينادي كما نادى مسلمو البوسنة: يا ساسة القمع الرهيب تأهبوا وتسلحوا بحديدكم والنار إني صحوت فلا تخدرني حلاوة منطق ومهارة استعمار إني صحوت فجردوا أسيافكم وتجسسوا وتحسسوا أخباري إني صحوت ولست أخدع بعدها يوماً بزيف خادع الأبصار ينبغي أن نكشف الأمور، وانظروا إلى حقيقة العقائد كيف تصنع!

стр. 1581

الإبادة الجماعية لمسلمي البوسنة والهرسك إن قضية إخواننا المسلمين في البوسنة والهرسك التي تقترب مأساتها اليوم من عام ونصف العام تقف أحد أبرز الشواهد والمعالم على حقيقة الحضارة الأوروبية الغربية، وعلى حقيقة مواقفها ومبادئها وموازينها، وعلى حقيقة دوافعها ومصالحها التي تلبس على الناس فيها، وتغير فيها وتغير، حتى صدق الناس كثيراً من الكذب لتكراره واستمراره، إن هذه المأساة التي بلغت ما لم تبلغه مأساة إنسانية خلال قرون طويلة مضت، والتي لا يمكن أن يصدق إنسان -لولا أن الواقع ينطق بذلك عبر الصورة وعبر الخبر وعبر السماع وعبر المعاينة- أن مثل هذه الوقائع تقع في القرن العشرين الذي يوشك أن يستقبل القرن الحادي والعشرين، تقع في ظل الأمم المتحدة والنظام العالمي الجديد! تقع هذه الأحداث في ظل المناداة التي صمت الأذان بمراعاة حقوق الإنسان، والمناداة التي تسعى إلى تطبيق العدالة الدولية في كل مكان، رغم ذلك كله تقف هذه القضية الإسلامية لتعري المواقف على حقيقتها، وتبين المبادئ في زيفها وكذبها، ولست في مقام كثير من الوقائع، إلا أن ما استجد من الأحداث يدمي القلوب ويحرك الغيرة في النفوس المسلمة المؤمنة: لمثل هذا يذوب القلب من كمد إن كان في القلب إسلام وإيمان قد سمعنا وعرفنا، ثم تكرر ذلك علينا حتى نسينا وألفنا، سمعنا عن مئات الألوف الذين قتلوا ليس القتلة الشريفة في الحرب والميدان الواضح، وإنما قتلوا غدراً، ومثل بهم. وسمعنا وعرفنا عن عشرات الآلاف من الأعراض المنتهكة، وعن عشرات الآلاف من أبناء الزنا من إثر ذلك الاغتصاب في أحشاء وبطون المسلمات البسنويات، وكل ذلك ربما صار في طي التاريخ عند بعض الناس! إلا أن ما استجد من الأحداث أيضاً يبين ويؤكد أن ذلك الصمت المريب، وأن ذلك التباطؤ والتواطؤ إنما يكشف عن حقيقة الدوافع والمبادئ، وكثيرة هي الأحداث والوقائع التي تكشف هذا، وحسبنا أن نعرف أخبار الحصار الأخير الرهيب على (سراييفو) عاصمة البوسنة التي تشتد القبضة حولها، ويعظم الهجوم عليها، ويبلغ الحال بالناس فيها أن يعيشوا في ظلام دامس إذ لا كهرباء، وفي جوع قاتل مميت إذ لا غذاء، وفي عطش قاتل مميت إذ لا ماء ولا رواء، كل ذلك تحت سمع الدنيا كلها، وتحت نظر أوروبا والغرب والحضارة الغربية التي دعمت المواقف الصربية، والتي وقفت أمام المسلمين وقفة شجاعة قوية في نصرة دينها وبني جلدتها ومصالحها، ولم تكن في ذلك تداري إلا بقدر ما تخدع به بعض الناس. سأذكر بعض الوقائع القديمة، ونقف عند وقائع أخرى حديثة؛ لنرى حقيقة هذه الحضارة الزائفة الجوفاء، ونعرف حقيقة العداء المبني على الولاء والبراء، والمؤسس على العقائد والأديان، وليس على شيء غير هذا مطلقاً، عرفنا جميعاً موقف قائد قوات الأمم المتحدة السابق الذي كان يطبق المثل القائل: (حاميها حراميها)، ذلك الذي شارك الأعداء الصرب في جرائمهم باغتصاب المسلمات، والتمكين لهم فيما يريدون من الفتك بالمسلمين واحتلال الأراضي. وكذلك نرى موقفاً آخر: عندما كان قائد القوت البريطانية المشاركة ضمن قوات الأمم المتحدة، رأى الهول والفضائع والجرائم؛ فاستيقظت إنسانيته، وصور هذه الجرائم، وصرخ بأعلى صوته، ونشر ذلك في كل مكان، ثم كان الجواب والعمل الذي قامت به دولته المتحضرة البيضاء أن سحبته من موقعه، وجعلت بدلاً عنه آخر لا يتكلم، بل ينظر ويسكت، أو ينظر ويشارك، وذلك هو الأمر الحقيقي الذي تمارسه هذه القوى والجيوش في بلاد الإسلام والمسلمين.

стр. 1582

صرخات ضد واقع المجتمع الإسلامي الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى التابعين لهم وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك ورحمتك يا أرحم الراحمين! أما بعد: فأوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله، فإن تقوى الله أعظم زاد يقدم به العبد على مولاه، وإن من التقوى الشعور بمآسي المسلمين، والدعاء لهم، والاستنصار لهم، وبذل العون الممكن لهم بكل سبب ووسيلة مستطاعة. وإن هذه المأساة الإسلامية -الماثلة أمام العيان- لتهز قلب كل مؤمن، وتثير الحمية في نفس كل مسلم، وتبصر كل عقل كان مخدراً أو غافلاً، وتنبه كل إنسان كان ساكناً راكداً، أنه لابد له أن يدرك أن الحرب دائرة على الإسلام والمسلمين، وأن أولئك المسلمين في البوسنة الذين لم يكن يظهر عليهم سيماء الالتزام، ولم يكن يظهر عندهم ما يسمى -كما يقولون- بالتطرف والإرهاب، ومع ذلك ومع كونهم بيض البشرة وزرق العيون، ومع كون نسائهم شقراوات وحمراوات مثل الأوروبيين إلا أن عندهم علة واحدة هي التي أورثتهم هذا العناء الرهيب، تلك العلة أنهم مسلمون، وهذا الإسلام وإن كان عندهم اسماً فحسب أو عند بعضهم فإنه كاف لأن تكون التهمة التي من أجلها تستخدم معهم صنوف العذاب من أجل الإبادة، ولذلك تنادي سراييفو: سراييفو تقول لكم ثيابي ممزقة وجدراني ثقوب وأوردتي تقطع لا لأني جنيت ولا لأني لا أتوب ولكني رفعت شعار دين يضيق بصدق مبدئه الكذوب هذه هي الصورة الواضحة للمواقف في هذه القضية، وإخواننا هناك بحمد الله -رغم ما يعانون- قد أفرغ الله عليهم صبراً عجيباً، ورضاً بقضائه وقدره، وهم ثابتون رغم المعاناة والمقاساة، ورغم الهجمة الشرسة، والمؤامرة الرهيبة، والأعداء المتكالبين، وكثير من الأصدقاء المتخاذلين، رغم ذلك كله يقفون ويسألون الله -ونسأل الله معهم- أن يثبتهم، وأن يفرج همهم، وأن يفرج كربهم. وبقي أن أصرخ من هذا المقام صرختين لكثير من الممارسات الواقعة في مجتمعنا، والتي لا تتفق مع ما ينبغي أن يكون في قلوبنا ونفوسنا وأعمالنا تجاه مثل هذه المآسي التي تحل بإخواننا: صرخة ضد الإسراف والبذخ والتبذير الذي يقع في الأموال والأطعمة والأشربة، ونحن نعلم أن إخوة لنا يموتون هناك جوعاً، فلا أقل من أن نشاركهم في هذا، هذه الأفراح التي تتوالى في أوقاتنا في كل ليلة وفي أكثر من مكان، ثم نرى فيها صوراً من التباهي والمباهاة والإسراف الذي ذمه الله ، وقد قال : ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا﴾ [الإسراء:٢٧]، والله قد بين أنه لا يحب المسرفين، ثم هذه الأطعمة والنعم التي لا نقدر قدرها نخشى والله أن يحرمنا الله منها! ثم ألا من مشاركة؟ ألا من إحساس بهذه المآسي؟ نحن لو شاركنا بأقل القليل فإننا نظل في نعم عظيمة من أمن وأمان، ورغد عيش ورخاء، وكثير من أسباب الحياة الرغيدة لو أننا اختصرنا شيئاً كثيراً فسنظل أيضاً في رغد وبحبوحة من العيش، وأقصد من هذا أن نشعر بهذه المعاناة، وألا نكون كافرين بنعم الله ، ولا جاحدين بفضله مما ساقه لنا من هذا الخير، ينبغي أن نسمع صرخات إخواننا وهم يقولون وبلادهم تقول: لكم يا إخوتي أكل وشرب وأكسية لها نسج عجيب لكم دار مشيدة وظل يظللكم به غصن رطيب لدى أطفالكم لعب وحلوى وعند نسائكم ذهب وطيب وما والله نحسدكم ولكن نقول أما لإخوتكم نصيب وصرخة أخرى لكثير من المسلمين الذين يسافرون باسم السياحة والنزهة إلى بلاد الغرب، فيدعمون قوتها واقتصادها باسم السياحة، ويعلنون أننا بصورة عملية غير غاضبين ولا مؤاخذين ولا عاتبين، بل وكأننا محبون أو مؤيدون أو مناصرون أو مشاركون لا سمح الله، فإن المال الذي تبذله إلى تلك الديار لا تستبعد أن يكون هو ذاته الذي يرتد رصاصاً في صدور إخوانك المسلمين في شرق الأرض وغربها، ولا تستبعد أن يكون هو الذي يرتد في صورة مؤامرات وجرائم وفضائع تنتهك هنا وهناك، فلماذا لا نفطن ولا يكون عندنا إحساس إيماني؟ ثم بعض أولئك الذين يغادرون إلى تلك الديار يريدون من أوروبا البيضاء بلحم نسائها الأبيض، ومخدراتها وسمومها البيضاء، ودخان سجائرها الضبابي الأبيض، يريدون أن يعيثوا في الأرض فساداً، فيعلنوا بذلك انسلاخهم عن سمت الإسلام، وأخلاقيات الالتزام، ويكونوا بذلك سبة وعاراً وسمعة سيئة على المسلمين، ويؤدوا بذلك مزيداً مما يرضي أعداءنا من التغرير والتضليل بأبنائنا. فهذه صرخة ينبغي أن توقظ الناس أجمعين، ينبغي لنا بالفعل أن نستشعر في هذه الآونة -مع ضراوة الهجمة الشرسة- أنه ينبغي لنا ألا نكون سبباً -ولو من طريق غير مباشر، ولو بصورة ضئيلة- فيما يؤدي إلى تقوية أعدائنا وإضعاف إخواننا، من أعان على دم مسلم ولو بشطر كلمة لا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً. كيف تكون هذه المواقف منا ونذهب هناك نسيح، ونجول، ونقابل، ونعانق، ونهش، ونبستم، ونبذل، وندفع، وننفق، ثم نعود ونقول: إن مواقف الغرب، أو مواقف الحضارة الغربية، أو الدول الفلانية مواقف لا تتسم بالعدل والإنصاف، ونحن قد عبرنا عملياً عن نوع من التضامن معهم، أو على الأقل السكوت وغض البصر عنهم! لابد لنا أن نفطن وأن ندرك هذا وأن نصيح في بني الإسلام: بني الإسلام هذي حرب كفر لها في كل ناحية لهيب يحركها اليهود مع النصارى فقولوا لي متى يصحو اللبيب أراكم تنظرون وأي جدوى لنظرتكم إذا غفت القلوب ستطحنكم مؤامرة الأعادي إذا لم يفطن الرجل الأريب لابد أن ندرك حقائق الإيمان التي بينها الله لنا: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ [المائدة:٨٢]، وقوله : ﴿لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلا ذِمَّةً﴾ [التوبة:٨]، وقوله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [المائدة:٥١]، والآيات القرآنية التي تبين أن نصر الله مرتبط بشرطه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد:٧]، و ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غَالِبَ لَكُمْ﴾ [آل عمران:١٦٠]، وتطبيق حديث النبي ﷺ : (مثل المؤمنين في توادهم وتعاطفهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى)، وأن نعرف الحقائق في أضواء الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية، والسنن الربانية، وأن ندرك أنه لا تغيير إلا بتغيير، كما قال الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد:١١]، فأروا الله تغييراً في نفوسكم صادقاً، وأوبة وتوبة نصوحاً، وصدقاً ورضاً ويقيناً بوعده ، وغيرة وحماساً وحمية لنصرة الإسلام والمسلمين، وبغضاً وكرهاً وبراءً من المشركين والكافرين، فحينئذ يؤذن الله إذا تغيرت القلوب والنفوس أن تتغير الأفكار والرؤى والتصورات، وأن تتغير من ورائها السلوكيات والأعمال والأخلاقيات، ومن بعد ذلك يتحد المسلمون على قلب رجل واحد، ويكون وقوفهم صفاً واحداً تجاه أعدائهم، ولذلك ينبغي أن نفطن وأن نفقه هذه الحقائق. والله أسأل أن يوفقنا لما يحب ويرضى، وأن يبصرنا بعيوب أنفسنا، وأن يبصرنا بحقائق ديننا، وأن يردنا إلى دينه رداً جميلاً، وأن يجعلنا أوثق الواثقين به، وأغنى الأغنياء به. اللهم لا تجعل لنا إلى سواك حاجة، اللهم إنا نسألك أن تجعلنا أفقر الفقراء إليك، وأغنى الأغنياء بك، اللهم اغننا بفضلك عمن أغنيته عنا، اللهم إنه لا حول ولا قوة إلا بك، فأمدنا بحولك وقوتك وتأييدك يا أرحم الراحمين! اللهم مكن في بلاد المسلمين لأهل الخير والرشاد، واقمع أهل الزيغ والفساد، وارفع وأقم في الأمة علم الجهاد برحمتك يا أرحم الراحمين! اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، وارفع بفضلك كلمة الحق والدين، اللهم انصر إخواننا المستضعفين في البوسنة والهرسك وفلسطين وفي كل مكان يا رب العالمين! اللهم عجل فرجهم، ونفس كربهم. اللهم تقبل موتاهم في الشهداء، اللهم وأعنهم على الكرب والبلاء، برحمتك يا أرحم الراحمين! اللهم رد عنهم كيد الكائدين، وتآمر المتآمرين، اللهم إنا نسألك أن ترزقهم الصبر على البلاء، والرضا بالقضاء، برحمتك يا أرحم الراحمين! اللهم إنهم حفاة فاحملهم، عراة فاكسهم، جياع فأطعمهم، خائفون فأمنهم. اللهم امسح عبرتهم، وسكن لوعتهم، وفرج كربتهم، برحمتك يا أرحم الراحمين! اللهم إنا ندرأ بك في نحور أعدائنا، ونعوذ بك اللهم من شرورهم، اللهم عليك بسائر أعداء الدين من الكفرة والطغاة والمتجبرين، اللهم عليك بهم فإنهم لا يعجزونك، اللهم زلزل الأرض تحت أقدامهم، وخذهم أخذ عزيز مقتدر يا قوي! يا عزيز! يا منتقم! يا جبار! اللهم أحصهم عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تغادر منهم أحداً، اللهم لا ترفع لهم راية، واجعلهم لمن خلفهم آية، اللهم استأصل شأفتهم، ودمر قوتهم، وفرق كلمتهم، واجعلهم غنيمة للمسلمين، يا من لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء! يا من أمره بين الكاف والنون! اللهم إنا نسألك أن تجعل بلدنا هذا آمناً مطمئناً رخاءً وسائر بلاد المسلمين، اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين! اللهم اجعل ولاة أمورنا في هداك، ووفقهم برضاك، برحمتك يا أرحم الراحمين! اللهم وفقنا لما تحب وترضى، واجعل خير أعمالنا خواتيمها، وخير أيامنا يوم نلقاك وأنت راض عنا يا رب العالمين! عباد الله! صلوا وسلموا على رسول الله؛ استجابة لأمر الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّه

стр. 1583

الدين في حياة المسلمين [٢] الإسلام منهج حياة، وكما أنه يجب على الفرد الالتزام به، يجب أيضاً على المجتمع بأنظمته المختلفة وعلاقاته الدولية أن يلتزم به، وأن يجعله مؤثراً في مجريات الحياة، ولكننا اليوم وللأسف نعاني من قصور كبير في هذا الجانب، فنرى إعلامنا وسياساتنا تخالف تعاليم الإسلام مخالفات صريحة، وتتجاوز أحكامه صراحة وكفاحاً.

стр. 1584

تأثير الدين في مجتمعات المسلمين الحمد لله له الفضل والمنة، ومنه الرزق والنعمة، وعليه التوكل والاعتماد، وبه الهدى والرشاد، نحمده هو أهل الحمد والثناء، لا نحصي ثناء عليه، هو كما أثنى على نفسه، فله الحمد كما يحب ويرضى على آلائه ونعمه التي لا تعد ولا تحصى. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن نبينا وقائدنا وقدوتنا وسيدنا محمداً عبد الله ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، ختم به الأنبياء والمرسلين، وجعله سيد الأولين والآخرين، وأرسله إلى الناس أجمعين، وبعثه رحمة للعالمين، فهدى به من الضلالة، وأرشد به من الغواية، وأسمع به آذاناً صماً، وفتح به قلوباً غلفاً، وكثرنا به من بعد قلة، وأعزنا من بعد ذلة. وأشهد أنه ﵊ قد بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، فجزاه الله خير ما جازى نبياً عن أمته، ووفقنا وإياكم لاتباع سنته، وحشرنا يوم القيامة في زمرته، وجعلنا من أهل شفاعته صلى الله وسلم وبارك على آله وصحابته أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: أيها الإخوة المؤمنون! الدين في حياة المسلمين موضوع مهم، عندما كان الحديث عنه في الجمعة الماضية وجدت له عند كثير من الإخوة أصداء حسنة، وتعليقات كثيرة، ومطالبات عديدة، ذلك أن مثل هذا الموضوع يخصنا في أعظم الأمور التي تهمنا، وهو في واقع الأمر قطب رحى حياتنا، ومحور انطلاقنا إلى مرضات ربنا، ولقد وقفنا في الجمعة الماضية مع ذلك في حياة الأفراد، ولكن اكتمال الموضوع يحتاج إلى أن نرى الدين في حياة المسلمين على مستوى الأمة والدولة والمجتمع؛ لأن لذلك صلة وطيدة، وعلاقة قوية بما يؤثر على الأفراد، ويغير في أفكارهم، ويوجه من مشاعرهم، ويحول من سلوكهم، ولسنا بصدد استعراض ذلك كله، فإن المقام يضيق عنه، لكنها الأمور الكبرى، والمعالم العظمى التي تهم المجتمعات من خلال هذه المجالات.

стр. 1585

التعليم وبيان صلته بالدين الجانب الآخر: جانب التعليم، وما أدارك ما التعليم! كل طفل وطفلة، كل فتى وفتاة يمر عبر هذه القنوات ويدرج في تلك المناهج السنوات والسنوات، فبأي شيء يخرج لدينه ولإسلامه، ولمعرفة فرائض الله وشرائعه، ولمعرفة سنن النبي ﷺ وشمائله؟! كم هي الحصة الوافرة في ذلك ونحن نتحدث على مستوى عام للبلاد العربية الإسلامية في جملتها، ونحن نعرف كثيراً من أحوالها. إن بلاداً عربية وإسلامية كانت ولا زالت تفاخر بأنها أنجح من طبق سياسة تجفيف المنابع، وذلك في وأد الآيات، وتقليص الأحاديث، ومنع المعاني الإيمانية، والدراسات الإسلامية، وأكثر الدول إلا ما رحم الله تجمع مناهج الدين كلها في مقرر واحد، يكاد من هزاله ألا يرى بين كتب كثيرة ضخمة تعلم اللغات الأجنبية، والعلوم التقنية الأخرى، بل تعلم من الحضارات والثقافات الكفريه والجاهلية ما هو جدير بأن يكون بديلاً عنه حقيقة التاريخ الإسلامي في تلك البلاد، حتى إنه من المعلوم أن بلداً عربياً مسلماً كبيراً اختزل منهج التاريخ فيه في المراحل المتقدمة إلى الثانوية، حتى كان نصيب تاريخ عمر بن الخطاب وفترة خلافته وفتوحاته وإنجازاته لا يتجاوز نصف صفحة، وأما سيرة عثمان وخلافته فكانت بالعد والحصر سبعة أسطر لا غير. وإذا مضينا نجد كثيراً من الأمور الأخرى، كالتشويه والتبديل والتحريف لمفاهيم الإسلام واجتزائها، بل وتحريف وتغيير وتبديل الأحكام الشرعية، بل وأحياناً عرضها في صورة الانتقاص والازدراء. ثم هناك جزئية واضحة: إنه مجرد تعليم لوضوء وصلاة لا يذكر فيه كثير من جوانب الحياة الأخرى التي يتناولها الإسلام في شموليته العظيمة: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة:٣]، ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام:٣٨]، وكما روى أبو هريرة: (علمنا رسول الله ﷺ كل شيء حتى الخراءة)، هذه الشمولية لا يكاد يكون لها أثر في كثير من مناهج البلاد العربية والإسلامية، وحينئذ يمكن أن نرى كيف تكون النتائج.

стр. 1586

النظم الداخلية وصلتها بالدين ثم ننتقل إلى النظم الداخلية في كثير من بلادنا الإسلامية، ما الذي تقره وتبيحه؟ ما الذي تمنعه ولا تجيزه؟ إنها في كثير من هذه البلاد تبيح شرب الخمور وبيعها، بل إن بعض البلاد العربية والإسلامية اشتهرت بصناعة الخمور الجيدة التي هي من أعظم صادراتها. ثم تنظر فتجد في بلاد أخرى ترسيماً للبغاء والزنا والخنا برخص رسمية، وضرائب تدفع إلى خزائن الدولة، وذلك أيضاً ليس خافياً ولا مجهولاً. ثم هناك عدم اعتبار ولا احترام لمعنى الدين وفرائضه، فهل ترون الأسواق تغلق كما هي عندنا إذا أذن المؤذن للصلاة؟! وهل ترون أحداً يكترث لأمر يتعلق بالدين في واقع الحياة من حيث النظم والتقريرات؟! كنت مرة في بلد مسلم عربي، ودخلت للمسجد في صلاة الجمعة، وبجواره الأسواق مفتوحة، والناس يرتادونها، والمطاعم مفتوحة، والناس يأكلون فيها، وعند الأبواب ليس بعيداً من هنا من يتناول الشيشة، ويدخن السيجارة، وكثيرون لا يدخلون المسجد ألبتة، وهم عرب أقحاح ومسلمون بالهوية، وذلك من أثر هذه النظم. أما إذا أراد مسلم أو مسلمون أن يقيموا مركزاً إسلامياً أو يؤسسوا جمعية دعوية، فدون ذلك خرط القتاد إلا ما شاء الله، وأما إذا فعل أحد شيئاً من ذلك فإنه قد تجاوز الحدود، واخترق الخطوط الحمراء، أما إذا أراد أن يقيم حفلاً غنائياً، أو أن يؤسس نادياً ليلياً، فذلك أمر ميسور ومباح ومشجع عليه، ولذلك لوائح ونظم، وله أسس يحاكم بموجبها الناس في تلك الديار.

стр. 1587

العلاقات الخارجية وصلتها بالدين وأخيراً: العلاقات الخارجية والصلات الدولية، هل ترونها قائمة على أسس إسلامية ومنطلقة من المبادئ القرآنية ومهتدية بالسياسة النبوية؟! هل ترون فيها تجديداً للسفارة الإسلامية الأولى التي بعث بها رسول الله ﷺ مصعب بن عمير إلى المدينة يدعو ويبشر ويظهر محاسن الإسلام، ويذكر مآثر المصطفى ﷺ ، ويكشف في حكمة وحنكة معايب الجاهلية ومساوئها؟ وهل ترونها كذلك فيما بعث به النبي ﷺ معاذاً إلى اليمن وقال له: (إنك تأتي قوماً أهل كتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، فإن هم أجابوك لذلك فأعلمهم أن الله قد افترض عليهم في اليوم والليلة خمس صلوات، فإن هم أجابوك لذلك فأعلمهم أن الله قد افترض عليهم زكاة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم، وإياك وكرائم أموالهم! واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب). ويوم بعثه النبي ﷺ قال له: (بم تحكم؟ قال: أحكم بكتاب الله، قال: فإن لم تجد؟ قال: أحكم بسنة رسول الله ﷺ ، قال: فإن لم تجد؟ قال: أجتهد رأيي ولا آلو، فضرب النبي ﷺ على صدره وقال: الحمد الله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي رسول الله). كيف بعث النبي علياً وسلمه الراية في يوم خيبر لمهمة قتالية وقال له: (لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم). أين سياسة أمتنا وبلادنا ودولنا العربية والإسلامية من هذه المنطلقات الإيمانية والإسلامية؟ إننا نجد صوراً مغايرة، إما ارتهان وركون وارتماء في أحضان غير المسلمين خوفاً منهم ورهبة أو مصانعة لهم، ومجاملة أو مسايسة يظن كثيرون منهم أنها هي التي تعطي أسباب البقاء والرقي والتحضر أو القوة والتمدن، ولا نقول بأن هناك دعوة لقطع علاقات أو لمنع هذه الصلات، لكن منطلقاتنا الإسلامية تدعونا إلى أن نعرف من نحن وإلى أن نحافظ على هوية الأمة ديناً وتاريخاً ولغة، وأن نحافظ على مكونات قوة الأمة ثروة وأرضاً وخلقاً، وأن نحافظ على كل ما يحفظ لهذه الأمة خصوصيتها من مناهج تعليمية، وسبل اجتماعية، ونظم أخلاقية. ونحن في عصر العولمة كما يقولون، وهم يريدون أن لا يبقى أمة تتميز بدين عن غيرها، ولا بلغة عن غيرها، ولا بثقافة عن غيرها، ولكنهم يريدون لما لهم من قوة مادية في الإعلام وغيره أن يقولوا لكم: دعوا هذه الخصوصيات وسنملؤها بما لدينا من الكثير والكثير الذي كله في معظمه لا يكون فيه الخير، ثم نجد في هذا كثيراً وكثيراً من الصور.

стр. 1588

النتائج المتوقعة لإهمال الدين من قبل المسلمين هل نريد أيها الإخوة بهذا أن نوهن عزائم النفوس، أو أن نشعل شيئاً من معاني التذمر والتمرد غير الواعي، أو أن ندخل إلى النفوس يأساً مقعداً أو هماً عظيماً؟ كلا، ولكننا نريد أن ندرك ما هو واقعنا، ثم ندرك بعض النتائج وكيف يكون لها أثر علينا نحن جميعاً وذلك ناتج عما يصنعه أعداؤنا، وما قد يطبقه بعض أبنائنا إما بمصانعة سوء قصد، وإما بمتابعة وعدم معرفة وانتباه والله يقول: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [الأنفال:٣٠] وقد أخبرنا الحق بذلك: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ * هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة:٣٢ - ٣٣]. تلك إرادة الله لا يمكن لقوى الأرض كلها أن تقف في وجهها، ولكن الله جل وعلا جعل في هذه الحياة سنناً ماضية لا تتخلف: ﴿إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد:٧]، ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحج:٣٨]، (إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد:١١]. ما هي النتائج المتوقعة لذلك الهم والكم والغم الذي ذكرنا بعض صوره؟ كثيرة هي النتائج المتوقعة: غربة للدين، وجهل بالإسلام، وانحراف في السلوك، وغلو وتطرف في الفهم والمعالجة، ذلك هو الذي يمكن أن يقع، ولكننا ونحن نريد أن نشعل الأمل دائماً في نفوسنا، وأن نزرع بذور التفاؤل في قلوبنا، وأن نرى الخير الذي يسوقه إلينا ربنا، ونرى المنح في ثنايا المحن مما تجري به أقدار الحق جل وعلا، نجد أن ذلك الذي يصنع لا يحقق ثماره وآثاره إلا بقدر، وثمة آثار أخرى يسوقها الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال:٣٦] إنه تقرير إلهي بصيغة التوكيد الجازمة: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ) وبصيغة المضارع الدائمة، فينفقون أموالهم للغاية القبيحة التي تختلف صورها مرة من السياسة، وأخرى من الاقتصاد، وثالثة هي الغزو العسكري، والنتيجة والهدف واحد: (لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ)، قال: (فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ)؛ ولكن ذلك لا بد وأن يكون ببذل وعمل وإخلاص وصدق، نرى بعض آثاره بحمد الله في بلاد الإسلام في جملتها زيادة في التدين، رغم كل هذه الوسائل العظيمة، نرى المساجد اليوم وهي أكثر رواداً من ذي قبل، نرى حلق التحفيظ وهي تجمع الشباب والفتيات منذ نعومة الأظفار ومنذ الطفولة الأولى. حدثني قبل يومين مدرس هنا لتحفيظ القرآن يدرس بعض الأبناء في بيوتهم، وأخبرني أن طلبته من البنات والأبناء يبلغ عمر أصغرهم ثلاث سنوات، وهو يتقن تلاوة وحفظ جزء عم، وبعضهم في الخامسة والسادسة وقد أنهى نحو عشرة أجزاء وهلم جراً ونحن نعرف الأمثلة والدورات القرآنية المكثفة التي يحفظ بعض الطلبة فيها نصف القرآن وأكثر في نحو شهرين. ومرة أخرى زيادة في الوعي أثمرته كثير من هذه الهجمات الشرسة، فأصبح المسلم اليوم يدرك من أحوال أعدائه ومقاصدهم ومكرهم وكيدهم ما لم يكن يدركه من قبل، وأصبح يعرف من حال إسلامه وحقائق إيمانه ومحاسن دينه ما لم يكن يكشف له من قبل، وذلك من فضل الله . ثم زيادة الوحدة؛ ونحن نرى اليوم التنادي والنداء داخل المجتمعات الإسلامية، بأن تنبذ أسباب فرقتها واختلافها، وألا تجعل اختلاف الآراء والاجتهادات داعياً لتفرق الصفوف، لماذا؟ لأن الجميع يقول: لا بد أن نكون صفاً واحداً في وجه الهجوم الخارجي الشرس، بل لا بد أن يكون هناك وحدة وتكامل بين العلماء والدعاة وعامة المجتمع، بل لا بد أن يكون كذلك وحدة وتعاون وتآزر لسد النقص ومنع الخلل مع الحكومات والشعوب؛ لأن الأمر أكبر وأخطر من أن يكون معه ذلك التفرق أو التناحر، أو أن نجعل القوى موجهة إلى داخل صفوفنا، والسهام مدفوعة إلى صدورنا ونحورنا. نسأل الله أن يدرأ عن أمتنا الشرور والمخاطر، ونسأله أن يحفظ ديننا وإيماننا وعقيدتنا وبلادنا وديارنا وأهلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. أقول هذا القول، وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 1589

هيا بنا نؤمن [١] من عقيدة أهل السنة والجماعة أن الإيمان يزيد بالطاعات، وينقص بالغفلة والذنوب والمعاصي والسيئات، فعلى المسلم أن يتفقد إيمانه، وأن يجدده بين الحين والآخر؛ فإنه يبلى كما يبلى الثوب، ومن أهم ما يجدد الإيمان ويزيده طاعة الله ورسوله، وتجنب المعاصي والمنكرات، واتقاء الشبهات.

стр. 1590

أهمية تجديد الإيمان الحمد لله، الحمد لله جلت عن الإدراك صفته، ووسعت كل شيء رحمته، وعظمت على كل شيء عظمته، له الحمد ، جعل الإيمان به أماناً من كل فتنة، وثباتاً في كل محنة، وزاداً في كل كربة، فله الحمد كما يحب ويرضى على آلائه ونعمه التي لا تُعد ولا تُحصى، حمداً نلقى به أجراً، ويمحو الله به عنا وزراً، ويجعله لنا عنده ذخراً. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير. وأشهد أن نبينا وقائدنا وقدوتنا وسيدنا وحبيبنا محمداً عبد الله ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، علم الهدى، ومنار التقى، شمس الهداية الربانية، ومبعوث العناية الإلهية، وأشهد أنه ﵊ قد بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، فجزاه الله خير ما جازى نبياً عن أمته، ووفقنا لاتباع سنته، وحشرنا يوم القيامة في زمرته، وجعلنا من أهل شفاعته، وصلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى من تبعهم واقتفى أثرهم ونهج نهجهم إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: أيها الإخوة المؤمنون! هيا بنا نؤمن، فكم نحن في حاجة إلى هذا النداء؟ ولعلنا مباشرة يدور في أذهاننا: هل نحن غير مؤمنين حتى نؤمن؟ ومباشرة يأتينا الإيضاح ربانياً ونبوياً في قوله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنزَلَ مِنْ قَبْلُ﴾ [النساء:١٣٦]، فهذا خطاب للمؤمنين أن آمنوا بالله ورسوله. قال ابن كثير ﵀: ليس هذا من باب تحصيل الحاصل، بل هو من باب تكميل الكامل وتقريره وتثبيته والاستمرار عليه. وقال السعدي ﵀: الأمر يوجه إلى من دخل في الشيء، وهذا يكون أمره ليصحح ما وجد منه، ويحصل ما لم يوجد، ومنه ما ذكره الله في هذه الآية من أمر المؤمنين بالإيمان، فإن ذلك يقتضي أمرهم بما يصحح إيمانهم من الإخلاص والصدق وتجنب المفسدات والتوبة من جميع المنقصات، ويقتضي الأمر بما لم يوجد من المؤمن من علوم الإيمان وأعماله. فكم هو المفقود في حياتنا من علم الإيمان وأعماله؟ جاء في حديث المصطفى ﷺ : (إن الإيمان ليخلق -أي: ليبلى- في جوف أحدكم كما يخلق الثوب، فاسألوا الله تعالى أن يجدد الإيمان في قلوبكم). رواه الطبراني من حديث عمر بن الخطاب، وقال الهيثمي: إسناده حسن. ورواه الحاكم في مستدركه من حديث ابن عمرو ورواته ثقات، وأقره الذهبي، وقال المناوي في شرحه: شبه الإيمان بالشيء الذي لا يستمر على هيئته، والعبد يتكلم بالإيمان بكلمة الإيمان، ثم يدنسها بسوء أفعاله، فإذا عاد واعتذر فقد جدد ما أخلق، وطهر ما دنس. وقوله: (فاسألوا الله أن يجدد الإيمان في قلوبكم) قال: حتى لا يكون لقلوبكم وجهة لغيره ولا رغبة لسواه، ولهذا قال معاذ ﵁ لبعض أصحابه: (اجلس بنا نؤمن ساعة)، أي: نذكره ذكراً يملأ قلوبنا، فهل كانوا في حاجة لذلك ونحن في غنى عنه؟ وهل كان ينقصهم من علم الإيمان وعمله مثل ذلك الذي ينقصنا؟

стр. 1591

وجوب الثبات أمام الفتن والشهوات نحن اليوم في زمن الشبهات وفي عصر الشهوات وفي أوان المغريات وفي حين الملهيات التي تكاد تطعن القلوب فتدميها، وتمرض النفوس فلا تحييها، إن المرء اليوم يدرك أننا في عصر محنة تحتاج إلى زاد الإيمان، وفي عصر فتنة تحتاج إلى ثبات ورسوخ اليقين والإيمان، وفي عصر أصبح القابض فيه على دينه كالقابض على جمر، يرى في كل يوم من المحرمات، ويسمع في كل آنٍ من المحرمات ما لا يكاد يسلم معه أحد، إنها صور نحتاج فيها إلى تجديد إيماننا، وذكرى أحسب أننا نحتاج إلى وصل الحديث فيها مرة بعد مرة، وإلى تكرار الموعظة حولها كرة بعد كرة، فإن تجديد الإيمان في زمن الفتنة يحتاج أن يكون دأباً دائماً وهماً شاغلاً وعملاً متصلاً وتذكيراً غير منقطع بحال من الأحوال، إنها فتنة الأغراء بالمحرمات والمغريات والملذات: أجساد عارية، وكلمات ماجنة، ومشاهد فاتنة، ومواقف ساخنة، وشاشات داعرة، وإذاعات ساقطة، وروايات هابطة، وأسواق متبرجة، وجامعات مختلطة، وشهوات مستعرة، ونتيجتها: عيون معلقة بالمحرمات، وآذان مصغية إلى الباطل والغي من الكلمات، وقلوب مفتونة معلقة بتلك الملذات والمغريات، ونفوس قطعت وانقطعت عن التعلق بالمهمات، ألا يدعونا ذلك إلى أن نتذكر صور الإيمان أمام الإغراء؟ ألا يدعونا ذلك أن نستحضر السيرة العطرة لنبي الله يوسف ﵇ الذي حكى الله قصته في قوله: ﴿وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ﴾ [يوسف:٢٣] ثم ماذا؟ ﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [يوسف:٣٣]، ويوم اجتمعت الصفوة من نساء النخبة في مجلس واحد وأتمرن على حسن يوسف بالإغواء والإغراء، أليس ذلك هو زاد الإيمان العاصم من ذلك؟ أليس يُفضل السجن وحبسه ووحشته على لذة محرمة ومشاهد فاتنة ومناظر مغرية؟ ألا نذكر الحديث العظيم لرسول الهدى الكريم ﷺ في السبعة الذين يظلهم الله تحت ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله حيث ذكر منهم: (ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله)؟ فخوف الله أحرق مواضع الشهوات، وجعل صورة أخرى للمحبوبات والملذات. قال ابن حجر ﵀ في شرح الحديث: قال النووي في شرح الحديث -أي: لماذا خصت ذات المنصب والجمال؟ -: لكثرة الرغبة فيها وعسر حصولها، وكان الصبر عنها بخوف الله تعالى وقد دعت إلى نفسها مع جمعها المنصب والجمال من أكمل المراتب وأعظم الطاعات، فكيف ننظر إلى هذا؟ واليوم ربما تصرع الفئام من أهل الإيمان حسناء بكلمة غنج ودلال، أو بأغنية فساد وانحلال، أو برقصة عهر وابتذال، أوليس ذلك هو واقع الحال؟ فأين نحن من علم وعمل الإيمان؟

стр. 1592

وجوب التحرز في المطعم والمشرب والملبس وجميع أنواع الكسب وهناك مصرع آخر ومهوىً ردي آخر أمام المال؛ وما أدراك ما المال؟ فكيف هو اليوم مع فشو الربا وانتشار الرشوة وكثرة المحرمات في المفاسد والمطاعم حتى كأن البراءة من ذلك عند بعض ضعاف الإيمان اليوم هي في نطاق المستحيل الذي لا يمكن بحال من الأحوال؟! أليس اليوم قد تدنست المشارب والمطاعم، واختلطت المآثم بالمكاسب؟ ألسنا اليوم نرى أن الناس قد استحلوا ما حرم الله من المكاسب المالية حتى كأنهم لا يجدون في أنفسهم حرجاً من ذلك، ولا تنقبض له نفوسهم، ولا تضطرب له قلوبهم، ولا يرون فيه إلا أنهم يأخذون بأسباب الحياة، وقصارى ما قد تجده عند أحدهم أن يفسر ذلك بأن الضرورات تبيح المحظورات، ويعملون القواعد في غير مكانها؟! عجباً لنا معاشر المؤمنين! وزادنا من القرآن، ونصيبنا من هدي المصطفى العدنان ﷺ يفيض عذباً زلالاً ليس فيه شائبة ولا كدر، يدعو إلى نفوس نقية وقلوب زكية وأيدٍ طاهرة ومكاسب ليس فيها أدنى شبهة. روى عبد الله بن عمرو بن العاص عن رسول الله ﷺ أنه قال: (أربع إذا كن فيك فلا عليك ما فاتك من الدنيا: حفظ أمانة، وصدق حديث، وحسن خليقة، وعفة مطعم) رواه أحمد وغيره بسند حسن. فقوله: (وعفة مطعم) أي: أن تعف عن كل شبهة وحرمة في الكسب من طعام وشراب ولباس. عجباً لنسائنا اليوم! لا يتذكرن أن على المرأة المؤمنة أن تقف عند باب بيتها توصي زوجها وهو خارج لعمله وكسب قوته وتقول له: يا هذا! اتق الله في رزقنا؛ فإننا نصبر على الجوع، ولكننا لا نصبر على النار، فما بالها اليوم تقول له: حصل وحصل، واكسب واكسب، ولا عليك من قول هذا ولا ذاك، وكأنما استطعم الناس أن يأكلوا في جوفهم النار، والعياذ بالله! ألسنا نتذكر ما روى البخاري من قصة أبي بكر ﵁: أنه كان له غلام يخدمه، فجاءه يوماً بطعام فأكل منه، فقال الغلام: أتدري ما هذا؟ قال: ما هو؟ قال: كسب كسبته في الجاهلية من كهانة كذبت فيها عليه وخدعته، فأدخل أبو بكر أصبعه في فمه واستقاء كل ما أكل، أراد ألا يدخل جوفه شيء من حرام رغم أنه لم يكن به عالماً، ورغم أن الكسب كان في جاهلية، والرسول ﷺ يقول: (والإسلام يجب ما قبله)، لكنهم عرفوا حديث المصطفى ﷺ : (إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً، وإنه أمر المؤمنين بما أمر به الأنبياء والمرسلين: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ [المؤمنون:٥١])، ذلكم ما أخبرنا به رسول الهدى ﷺ ، فكسب الحرام يعمي البصيرة، ويطمس القلب، ويذهب نوره، ويوهي الدين، ويضعف أثره، ويوقع في حبائل الدنيا، ويحجب إجابة الدعاء، فإن وجدتم كثيراً من ذلك فلا تعجبوا؛ فإذا عرف السبب بطل العجب. وهذا أبو هريرة ﵁ يروي عن رسول الله ﷺ حديثاً من دلائل وعلائم نبوته ﷺ يقول فيه: (يأتي على الناس زمان لا يبالي المرء ما أخذه منه -أي: من المال- أمن الحلال كان أم من الحرام!)، وقد وقع ما أخبر به النبي ﷺ ، فاليوم نحن نرى الغصب رأي العين، والرشوة في كل مكان، والسحت والربا له قوام وكيان، ألا يصدق في ذلك حديث المصطفى ﷺ ؟ فأين إشراق الإيمان في القلوب؟! وأين رسوخ اليقين في النفوس؟! وأين التعلق بما عند الله من نعيم يعظم ويفوق كل الدنيا وما فيها وما بها من نعيم أهلها؟! ألسنا نذكر أهل الإيمان؟! استمع لفقه الإيمان وهو يعطينا الميزان الذي ينبغي أن نلتفت إليه، هذا ميمون بن مهران يقول لنا: لا يكون المرء تقياً حتى يكون لنفسه أشد محاسبة من الشريك لشريكه، وحتى يعلم من أين ملبسه ومطعمه ومشربه؟ ووهيب الوردي ﵀ يقول: لو قمت في العبادة قيام سارية -أي: واقفاً منتصباً غير متحرك قائماً لعبادة ربك- ما نفعك حتى تنظر ما يدخل بطنك. فأين الإيمان الذي يدفع إلى الورع والتحري في المكاسب والمطاعم والمشارب؟! قال الشاعر: المال يذهب حله وحرامه يوماً وتبقى في غد آثامه ليس التقي بمتقٍ لإلهه حتى يطيب شرابه وطعامه ويطيب ما يحوي ويكسب كفه ويكون في حسن الحديث كلامه نطق النبي به عن ربنا فعلى النبي صلاته وسلامه

стр. 1593

كيفية مواجهة الهموم والمشكلات التي نواجهها في واقع حياتنا هناك أمر ثالث من واقع حياتنا وهو: الهموم والمشكلات التي تضيق بها الصدور، ويعظم همها وكدرها في القلوب، ففي أي الأوبئة هي؟ وفي أي الميادين هي؟ وما الذي يشغل البال؟ وما الذي يطأطئ رءوس الناس؟ وما الذي يجعلهم يخلون بأنفسهم في الليل والخلوات ينفثون من صدورهم زفرات، ويطلقون من أصواتهم آهات؟ فأي شيء حمل الهم في قلوبهم، بل ربما أجرى الدمع من عيونهم؟ إنها أمور من الدنيا فاتتهم، ونعيم من شهواتها لم يصلهم، ومشكلات في حالهم وذاتهم لا تعدوهم إلى غيرهم! عجباً! لمثل هذا الهم والفكر عند مؤمن بالله، ومؤمن بانتهاء الحياة، ومؤمن بالوقوف بين يدي الله، ومؤمن بأن عليه واجباً في دين الله وتجاه دعوة الله وتجاه نصرة دين الله وتجاه التصدي لأعداء الله، فأين همه في دينه؟ وأين همه لأمته؟ وأين همه لدعوته؟ وأين هو من الفاروق عمر ﵁ يوم كشف باله وعظم حزنه وانشغل فكره؟ فقيل له: مالك يا أمير المؤمنين؟! فقال مقالته الشهيرة: (لو أن بغلة عثرت في العراق لخشيت أن يسألني الله عنها: لم لم أسو لها الطريق؟) أتعبت من بعدك يا فاروق! ولا نقول اليوم: إلا إن بيننا وبينك ما بين الثرى والثريا، لم يعد يشغل بالنا مثل هذه الأمور الدقيقة؛ فقد صارت ليس في ذيل القائمة من الاهتمامات بل عدمت ونسخت من الذاكرة، ومحيت من القلوب والنفوس إلا ما رحم الله. هذا أبو هريرة راوي سنة المصطفى ﷺ صاحب الصفة يبكي في مرض موته، فقيل له: ما يبكيك يا أبا هريرة! وقد نلت شرف الصحبة، وحزت الرتبة العليا في رواية السنة؟ فإذا به يقول: (إنما أبكي لبعد المسافة، وقلة الزاد، وعقبة كئود، المهبط منها إما إلى جنة أو نار)، ذلكم هو الإيمان الحي في القلوب، ذلكم هو اليقين الراسخ في النفوس، تلك هي علوم الإيمان العملية القلبية النفسية، تلك هي الدنيا التي تقزمت وتقلصت وتلاشت حتى كاد ألا يكون لها موضع في القلوب ولا مكان في النفوس. وهذا الضحاك بن مزاحم التابعي الجليل يبكي في يوم من أيامه، فقيل له: (ما بالك تبكي؟ فقال: لا أدري اليوم ما صعد من عملي!) فكل يوم جدير بنا أن نبكي فيه على أنفسنا، فهل ندري ما صعد من أعمالنا؟ ألا نعرف كم في صحائفنا من سواد، ومن كلمات لاغية، وآذان للباطل مصغية، وأقدام لغير مرضاة الله ساعية؟ كم يطول همنا وفكرنا لو أننا تدبرنا مثل هذا، وعشنا مع مثل هذه المعاني؟ عجباً لنا! ورسولنا ﷺ قدوتنا العظمى وأسوتنا المثلى ﵊ يخبرنا فيقول في دعائه: (اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا)، يقولها ﵊ وهو الذي ربط حجرين على بطنه من شدة الجوع يوم الأحزاب. يقولها ويدعو بها وهو الذي قالت عائشة عن حالته: (كان يمر الهلالان والثلاثة ما يوقد في بيت رسول الله ﷺ نار). يقولها ﷺ وقد مات ودرعه مرهونة عند يهودي. يقولها وقد نزل عليه الملك فقال: لو شئت أن تدعو فيجعل الله لك الصفا والمروة ذهباً فيقول: (لا، ولكن أطعم يوماً، وأجوع يوماً)، بأبي هو وأمي رسول الله ﷺ .

стр. 1594

حاجتنا إلى التجديد الإيماني ولو مضينا لوجدنا من ذلك كثيراً، ونحن اليوم في هذا الزمان نحتاج إلى مثل هذا التجديد الإيماني، ليس علماً نقوله ولا قصصاً نرويها، ولكن حياة قلب نحياها ويقظة نفس لا تغفل عن طاعة الله ، فهذه أم المؤمنين عائشة ﵂ تروي لنا عجباً من أمر حبيبها ﷺ فتقول: (كان رسول الله ﷺ إذا رأى الغيم عُرف في وجهه الكراهة فتعجبت منه أم المؤمنين فقالت: يا رسول الله! إن الناس إذا رأوا الغيم فرحوا رجاء أن يكون فيه المطر، وإذا رأيته رأيت في وجهك الكراهة؟ فقال ﷺ : يا عائشة! ما يؤمنني أن يكون فيه عذاب، عذب قوم بالريح، ولقد رأى قوم العذاب فقالوا: ﴿هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الأحقاف:٢٤]).

стр. 1595

أثر الإيمان في القلب انظروا إلى النظر الإيماني كيف يجعل هم الآخرة في القلب، وخوف الله في النفس؟! انظروا إلى مثل هذا الذي رواه أبو بكر ﵁ وقد رأى الشيب في شعر النبي ﷺ فقال لصديقه وحبيبه ونبيه: شبت يا رسول الله! فقال: (شيبتني هود، والواقعة، والمرسلات، و ((عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ))، و ((إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ)))، قال الشراح: لما جاء في هذه السور من شديد الآيات في أهوال يوم القيامة. نسأل الله أن يحيي الإيمان في قلوبنا، وأن يعظم رسوخ اليقين في نفوسنا، وأن يجعل الآخرة أكبر همنا ومبلغ علمنا، وأن يصرفنا عن كل ما لا يحب ويرضى. أقول هذا القول، وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب، فاستغفروه؛ إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 1596

أهمية تجديد الإيمان في باب الأشواق والأمنيات، وحال السلف في ذلك الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى من تبعهم واقتفى أثرهم ونهج نهجهم إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين. أما بعد: أيها الإخوة المؤمنون! أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله، فإن تقوى الله أعظم زاد يقدم به العبد على مولاه، وإن من تجديد الإيمان تجديده في باب الأشواق والأمنيات، فبأي شيء تتعلق أشواقنا؟ وإلى أي أمر تتوق نفوسنا؟ فكم هي ملذاتنا مرتبطة بشئون دنيانا، في مال وفير، وامرأة حسناء، وذرية كثيرة، وقصور ودور، ومراكب وغيرها! تأمل صورة أخرى يقولها علي بن أبي طالب ﵁: (متع الدنيا ثلاث: إكرام الضيف، والصوم في الصيف، والضرب بالسيف). ويزيدها إغراباً وإبعاداً عن أهل الدنيا وأمنياتهم سيف الله المسلول خالد بن الوليد ﵁ حين قال: (ما ليلة تهدى إلي فيها عروس أنا لها محب بأحب إلي من ليلة شديدة البرد كثيرة الجليد في سرية أُصبح فيها العدو). تعلقت القلوب والأمنيات بطاعة الله ومرضاته ونصرة دينه حتى بتنا اليوم نقول: أين تلك الأشواق؟ أين أشواق عبد الله بن رواحة يوم كان في مؤتة ينادي: يا حبذا الجنة واقترابها طيبة وبارد شرابها والروم روم قد دنا عذابها كافرة بعيدة أنسابها علي إذ لاقيتها ضرابها إنه شوق عجيب إلى الجنان، وقد ترجمه من قبله أنس بن النضر في يوم أحد يوم قال: (واهٍ لريح الجنة؛ إني لأجد ريحها دون أحد). وقدوة الكل النبي ﷺ ، فهو الذي علمهم وغذاهم وعرفهم وغرس ذلك في قلوبهم ونفوسهم يوم قال: (لولا أن أشق على أمتي ما تخلفت عن سرية قط)، ثم قال: (ولوددت أني قاتلت في سبيل الله فقتلت، ثم أحييت فقتلت، ثم أحييت). رواه البخاري من حديث أبي هريرة. فأي شوق هذا؟! وأي توق هذا؟! وأي أمنيات هذه؟! إنها اليوم يا رسول الله أمنيات إرهابية، إنها اليوم أمنيات مجرمة، إنها اليوم مما يستتر به المسلمون ويخفونه، فلا يكاد أحدهم ينطق بكلمة جهاد ولا شوق إلى استشهاد إلا ما رحم الله. نسأل الله جل وعلا أن يجدد الإيمان في قلوبنا، وأن يعظم اليقين في نفوسنا، وأن يحيي قلوبنا بمعرفته، وأن يشرح صدورنا باليقين به. اللهم إنا نسألك التقى والهدى والعفاف والغنى. اللهم إنا نسألك العفو والعافية والمعافاة الدائمة في الدين والدنيا والآخرة. اللهم املأ قلوبنا بحبك، ورطب ألسنتنا بذكرك، وثبت أقدامنا على نهجك، واجعل أيدينا منفقة في سبيلك، وأقدامنا ساعية إلى طاعتك، وجباهنا خاضعة لعظمتك، وألسنتنا لاهجة بالتضرع إليك، وقلوبنا مملوءة بالخشية منك يا أرحم الراحمين! اللهم إنا نسألك أن تجعلنا من عبادك الصالحين، وأن تكتبنا في جندك المجاهدين، وأن تجعلنا من ورثة جنة النعيم. اللهم إنا نسألك أن تجعل خير أعمالنا خواتمها، وخير أيامنا يوم نلقاك وأنت راضٍ عنا يا رب العالمين! اللهم اجعل آخر كلامنا من الدنيا: لا إله إلا الله، محمد رسول الله. اللهم ثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، اللهم ثبتنا بالقول الثابت يوم يقوم الأشهاد يا رب العالمين! ويا أرحم الراحمين! اللهم إنا نسألك أن تصرفنا عن السيئات، وأن تباعد بيننا وبين الشبهات والشهوات، اللهم إنا نسألك أن تعلق قلوبنا بطاعتك ومرضاتك، وأن تجعل ضمأ نفوسنا إلى رضوانك وجنانك برحمتك يا أرحم الراحمين! اللهم إنا نسألك أن تبرم لهذه الأمة أمر رشد، يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر يا سميع الدعاء! اللهم مكن في الأمة لأهل الخير والرشاد، واقمع أهل الزيغ والفساد، وارفع في الأمة علم الجهاد، وانشر رحمتك على العباد، برحمتك يا أرحم الراحمين! اللهم أحسن ختامنا وعاقبتنا في الأمور كلها، وأجرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة. اللهم لا تجعلنا نضل وأنت رجاؤنا، ولا نحرم وأنت أملنا، ولا نخيب وأنت معطينا، برحمتك يا رب العالمين! اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين! اللهم وفق ولي أمرنا لهداك، واجعل عمله في رضاك، وارزقه بطانة صالحة تدله على الخير وتحثه عليه يا سميع الدعاء! اللهم احفظ بلاد الحرمين من كل سوء ومكروه، اللهم احفظ علينا أمننا وإيماننا وسلمنا وإسلامنا وسعة رزقنا ورغد عيشنا، واجعلنا لك شاكرين ذاكرين يا رب العالمين! برحمتك يا أرحم الراحمين! عباد الله! صلوا وسلموا على رسول الله استجابة لأمر الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٥٦]، وترضوا على الصحابة الكرام، وخصوا منهم بالذكر ذوي القدر العلي والمقام الجلي، وهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، وعلى سائر الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. والحمد لله رب العالمين.

стр. 1597

هيا بنا نؤمن [٢] الغفلة عن الله هي سبب البلاء؛ إذ الغافل يرتكب الذنوب والمعاصي التي بسببها يحصل فساد البلاد والعباد، وبها تتنزل العقوبات، فيجب على العبد أن يرجع إلى الله ، وأن يراقبه في السر والعلن، فلا نجاة لأحد في الدنيا والآخرة إلا بذلك.

стр. 1598

حقيقة الإيمان وفائدته الحمد لله، الحمد لله جلت قدرته، وتجلت حكمته، ونفذت مشيئته، وعمت رحمته، وتقدست أسماؤه، وتكاثرت آلاؤه، له الحمد على آلائه ونعمه التي لا تُعد ولا تحصى، حمداً كما يحب ربنا ويرضى، حمداً نلقى به أجراً، ويمحو الله به عنا وزراً، ويجعله لنا عنده ذخراً. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن نبينا وقائدنا وقدوتنا وسيدنا وحبيبنا محمداً عبد الله ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، علم الهدى، ومنار التقى، شمس الهداية الربانية، ومبعوث العناية الإلهية، وأشهد أنه ﵊ قد بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، فجزاه الله خير ما جازى نبياً عن أمته، ووفقنا لاتباع سنته، وحشرنا يوم القيامة في زمرته، وجعلنا من أهل شفاعته، وصلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى من تبعهم واقتفى أثرهم ونهج نهجهم إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: أيها الإخوة المؤمنون! هيا بنا نؤمن، نداء نعيد ذكره ورفعه، فنحن مؤمنون؛ غير أننا نريد أن نكمل النقص، وأن نقوي الضعف، وأن نعظم الأثر، وأن يكون إيماننا هو ذلك الإيمان الذي غرسه النبي ﷺ في قلوب أصحابه فعمرت بالتقوى، وأشاعه في نفوس أتباعه فنضحت بالخير والهدى. إن الإيمان منبع كل خير، ومصدر كل هداية، وأساس كل إصلاح، إنه نور كل قلب، وطمأنينة كل نفس، ورشد كل عقل، إنه إخلاص كل نية، وصلاح كل عمل، إنه خير الدنيا وفلاح الآخرة، إنه عند كل مؤمن محور وقطب رحى حياته؛ لأجله يعيش، ولأجل نشره والذب عنه يقضي ويضحي، ولأجل نشره والتعريف به يجهد ويبذل. الإيمان في حقيقة أمرنا وحياتنا ومنهجنا الإسلامي هو قضية القضايا، فهو القضية الكبرى التي لأجلها خلق الله الخلق، وخلق السماوات والأرض، وخلق الجنة والنار، وجعل الحساب والثواب والعقاب، وأنزل الكتب، وأرسل الرسل، كل ذلك لأجل قضية الإيمان. وقد وقفنا وقفات ماضية مع صور إيمانية نحن في أشد الحاجة إليها وفي أعظم الافتقار إليها في زمن الفتنة والمحنة وغلبة الأهواء واضطراب الآراء، في الزمن الذي تغيرت الأمور، وصار بعض المعروف منكراً وبعض المنكر معروفاً، في الزمن الذي توالت الدعوات في تغيير الشرائع والأحكام حتى وصلت إلى طلب تغيير الأحاديث والآيات! إن هذا أمر في غاية الأهمية، ونحن قد استعرضنا صوراً من فتنة النساء، أو فتنة المال، أو الاهتمامات التي وقعنا في كثير من جواذبها ولا عصمة لنا منها ولا قوة لنا في مواجهتها إلا بالإيمان بالله جل وعلا.

стр. 1599

الغفلة وأثرها على الفرد والمجتمع نمضي اليوم إلى صور أخرى نرى فيها قصوراً ونقصاً، ويظهر من خلالها حاجة ماسة إليها وفقر، إنها الغفلة عن الله، وإظهار الاستغناء عن الله، وعدم الشعور بالضعف والذل والانكسار بين يدي الله، وعدم الشعور الدائم بالحاجة الماسة إلى أن يفضي بهمه وغمه بين يدي مولاه، وعدم الرجوع عند كل خطب وأثناء كل كرب إلى الله ؛ فإن المؤمن هو الذي يتوكل على الله، وينيب إليه، ويخلص له، ويستمد منه ذلكم الأمر المهم؛ لأن القلب المؤمن موصول بالله، ولأن اليقين الراسخ في النفس يجعل الثقة لا تعطى إلا لله، والقوة لا تطلب إلا من الله، والنصر لا يستنزل إلا من عند الله، ولأن المؤمن الحق يعرف أنه لا حول ولا قوة إلا بالله، ولا هدى ولا تقى إلا في منهج الله، ولا صلاح ولا راحة ولا حياة طيبة إلا باتباع شرع الله. إن الأسئلة المهمة التي نرى ضعفها في واقع حياتنا وتجعلنا نتساءل هي: أين الالتجاء إلى الله والدعاء له؟ وأين الافتقار إلى الله والقنوت له؟ وأين الركون إلى الله والقنوت له؟ وأين نحن في واقع الحياة من هذا الأمر، ونحن نرى المؤمنين والمسلمين في كثير من أحوالهم يلتمسون القوة عند أهل الأرض في شرق أو غرب، ويلتمسون العون عند هذا المخلوق أو ذاك؟ كأنما خلت قلوبهم من صلة عظيمة بالله وافتقار شديد إليه، وكأنما لا يستحضرون المعاني الإيمانية التي ضرب الله لنا بها المثل في أعظم الخلق وأشرفهم وهم رسله وأنبياؤه، فالرسل والأنبياء مع كل ما آتاهم الله ضربوا لنا المثل في أنهم كانوا القدوة في افتقارهم إلى الله؛ فهم الذين صوروا لنا في واقع حياتهم لجوءهم إلى الله، وكثرة دعائهم وتضرعهم وانكسارهم وذلهم وإخباتهم لله، لقد كانت ألسنتهم رطبة بذكر الله، وأيديهم مرفوعة بالدعاء إلى الله، وأعينهم دامعة من خشية الله، وقلوبهم مملوءة بحبه وخوفه . فهذا نوح ﵇ تكالب عليه قومه، وحاصروه من كل جانب مع ثلة قليلة من أهل الإيمان كانوا معه، ولكنه كما قال الله عنه: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ﴾ [القمر:١٠]، وجاء الجواب سريعاً: ﴿فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ * وَفَجَّرْنَا الأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ [القمر:١١ - ١٢]، فما التمس عوناً من هنا أو هناك، بل كان يعرف القوة ومصدرها والنصر ومنزله فمد يديه إلى الله . وهكذا نبي الله يونس قال عنه سبحانه: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء:٨٧]، وجاء الجواب ﴿ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنبياء:٨٨]. وهكذا في قصة أيوب ﵇ قال سبحانه: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [الأنبياء:٨٣]. وهكذا في قصة زكريا قال : ﴿رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ﴾ [الأنبياء:٨٩]. وهكذا في قصة يوسف ﵇ نجد استنجاده واستعصامه بالله: ﴿وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [يوسف:٣٣]. ففي كل الصور: صور العداء، صور الفتنة، صور الإغراء، صور الفقر، صور الغنى، كان الاستمداد واللجوء والتضرع والابتهال والصلة الدائمة بالله دليلاً على إيمان حي في القلوب، وعلى نور مشرق في النفوس يدفع الإنسان دائماً وأبداً إلى أن يستشعر فقره وضعفه وذله وانكساره وحاجته لله .

стр. 1600

أهمية الرجوع إلى الله في جميع الأمور فكروا أحبتي! وليدر كل في نفسه هذا السؤال وفي خاطره تلك الصور من حياته: كم مرة في يومه، أو في أسبوعه، أو في شهره بل ولا أبالغ إن قلت: في عامه انكسر بين يدي الله، وشعر أنه في شدة الحاجة إليه، وأن ليس عنده ما يفضي به إلى الله؟ فكم نحن في غفلة نلتمس أسباب نجاتنا وعون حياتنا وشفاء أمراضنا من الأسباب البشرية دون أن تتعلق قلوبنا برب البرية ؟ يقول ابن القيم ﵀: إذا أراد الله بعبد خيراً فتح له أبواب التوبة والندم والانكسار والذل والافتقار والاستعانة به ، وصدق اللجأ إليه، ودوام التضرع والدعاء والتقرب إليه. إنها نعمة يسوقها الله لمن أحب؛ فيجعله لا يرى أحداً، ولا يتعلق بأحد، ولا يرجو أحداً إلا خالقه ومولاه ؛ لأنه قد ملئ قلبه بهذا الإيمان، واستشعر دائماً من إيمانه أهمية الصلة بربه، وقد كان المصطفى ﷺ يتوب إلى الله ويستغفره في كل يوم وليلة مائة مرة. قال الشاعر: فقيراً جئت بابك يا إلهي ولست إلى عبادك بالفقير غنياً عنهم بيقين قلبي وأطمع منك بالفضل الكبير إلهي ما سألت سواك عوناً فحسبي العون من رب قدير إلهي ما سألت سواك هدياً فحسبي الهدي من رب نصير إذا لم أستعن بك يا إلهي فمن عوني سواك ومن مجيري لسان حال المؤمن افتقار إلى الله يستحضر به قول الله جل وعلا: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ [النمل:٦٢]، فلمَ لا نلجأ إلى الله إلا إذا ادلهمت الخطوب، وتوالت الكروب، وعظمت الرزية، وكبرت البلية؟ ولمَ لا تكون القلوب دائماً مفضية إلى خالقها، منيبة إليه، موصولة به، راجية منه؟ ذلك هو حال المؤمن، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر:١٥]، وفي حديث المصطفى ﷺ ما يشجع كل مؤمن ويحيي هذه المعاني في قلبه، من ذلك قوله ﷺ : (إن الله حيي كريم يستحيي إذا رفع العبد يديه أن يردهما صفراً، حتى يضع فيهما خيراً). رواه الترمذي. لا يخيب من دعا الله، ولا يضل من استهداه ولا يخذل من استنصر بالله ، دخل النبي ﷺ المسجد في غير وقت الصلاة فوجد أبا أمامة جالساً، فسأله: (ما لك يا أبا أمامة! في المسجد في غير وقت صلاة؟ فقال: يا رسول الله! هموم لزمتني، وديون أثقلتني، فقال له رسول الهدى ﷺ : ألا أدلك على ما يفرج الهم ويقضي الدين؟ قل: اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، وأعوذ بك من العجز والكسل، وأعوذ بك من الجبن والبخل، وأعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال)، وهذا من دعاء النبي ﷺ الذي ورد ذكره واستحسن العلماء أن يذكره المسلم في أذكار صباحه ومسائه، فكم كرب يمر علينا؟ وكم من ظروف وهموم تنزل بنا؟ فهل لجأنا فيها إلى الله؟ إن دعوة ضارعة خاشعة في خلوة وظلمة تسكب في نفسك من الرضا ومن السكينة والطمأنينة ما يذهب همك، ويزيح غمك، ثم يفرج الله ، فإنه مفرج كل كرب وميسر كل عسير . اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلاً. إن الله بيده مفاتيح كل شيء، بيده الخلق والأمر، فما بالنا نغفل عن هذا ولا نجعل إيماننا دافعاً لأن نستحضر هذا المعنى بكل ما جاءت به الآيات وما وردت به الأحاديث؟ قال : ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران:٢٦]، فمن يملك الملك حتى يعطيك؟ ومن يملك العز حتى يعزك؟ فما بالنا قد التجأنا إلى أسباب الدنيا وركنا إليها، واعتمدنا عليها كأن لا إيمان في القلوب ولا يقين؟ فكم نحن بحاجة إلى مثل هذا المعنى الذي تجلى دائماً وأبداً في حياة المصطفى ﷺ ، وفي حياة أصحابه، وأسلافنا من المؤمنين إلى يومنا هذا عندما جعلوا قلوبهم معلقة بالله !

стр. 1601

علاج أحوال الأمة والأفراد في الإيمان بالله هناك صورة أخرى من صورنا المحزنة المؤلمة التي علاجها جزماً وقطعاً في هذا الإيمان وروائه ونوره وإشراقه وآثاره: كم نرى صوراً فيها القلوب متنافرة، والنفوس متشاحنة، والصفوف متخالفة؟ كم نرى الخلاف وهو شائع، والاعتداء وهو ذائع؟ كم نرى صوراً من القتل باسم الإسلام يحصل؟ كم نرى صوراً من التدمير بدعوى الإصلاح تقع؟ كم نحن في حاجة إلى أن نؤكد معنى الإيمان الأعظم ودلالته الكبرى في أخوة القلوب واتحاد النفوس وارتباط الصفوف وتكاتف المؤمنين؟ كم نحن في حاجة إلى أخوة الإيمان وعصمة الإسلام؟ كم نتساءل اليوم: أين القلوب المتآخية؟ وأين النفوس المتصافية؟ وأين الرحمة الغامرة؟ وأين المودة العامرة؟ وأين نحن من قول الله جل وعلا: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة:٥٤]؟ وأين نحن من قوله جل وعلا في وصف أصحاب محمد ﷺ : ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح:٢٩]. وأين نحن من القصر الذي يتضح من قوله جل وعلا: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات:١٠]؟ لا يكون إيمان كامل إلا بأخوة صادقة، ولا تقوم أخوة حقيقية إلا على إيمان صادق. أين نحن من حديث المصطفى ﷺ : (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه)، وقوله ﵊: (المسلم أخو المسلم لا يسلمه ولا يخذله)؟ وأين المعنى المتجلي في الصورة العظيمة الفريدة التي لم يسطر تاريخ البشرية مثلها أبداً، صورة المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار؟ فالمهاجرون تركوا ديارهم فنزلوا على قلوب إخوانهم قبل أن ينزلوا في دورهم، إنها صورة تجلت في آيات القرآن، كما في قوله : ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر:٩]، فهل رأت الدنيا صورة من الوحدة والألفة والمحبة مثلما كان بين أصحاب محمد ﷺ ؟ فأصحاب رسول الله ﷺ مهاجرون وأنصار، وأوس وخزرج، وفرس وروم وأحباش، كلهم إخوة مؤمنون تربطهم رابطة الإيمان، ومحبة تتدفق من القلوب، ومودة تشيع في النفوس، وأكف بعضها بأيدي بعض، ليس بينهم اختلاف ولا شحناء ولا بغضاء، ذلك هو داعي الإيمان الذي يدعونا ويجعل المؤمن عندنا والمسلم أولى أحد نحبه ونواليه، ونسأل عن حاله، وننصره وندعو له، ونهتم لهمه ونغتم لغمه، وندفع عنه بقدر استطاعتنا وجهدنا وطاقتنا.

стр. 1602

تحريم أذية المسلم والإضرار به إن أمر المؤمن عظيم، وإن الإضرار به وإلحاق الأذى به صغيراً كان أو كبيراً أمر خطير وعظيم في الإسلام؛ ألم نسمع حديث رسول الله ﷺ : (لا يتناجى اثنان دون الثالث؛ فإن ذلك يحزنه)؟ أي: أن مجرد هذا الفعل البسيط بأن تهمس لأخ لك دون الثالث الذي ليس في المجلس غيره قد يدور في ذهنه أن الكلام عليه، فيدخل حزناً في قلبه، ولذا نهى رسول الله ﷺ عن ذلك، ونبه إلى أهمية مراعاة مشاعر أخيك المؤمن وعدم فعل أي شيء يحزنه أو يغضبه، في الحق وبموافقة الشرع، فإذا زاد الأمر فإن الخطب عظيم، كما روى مسلم في صحيحه عن النبي ﷺ : (من أشار إلى مسلم بحديدته فهو يتوجأ بها في نار جهنم إلى يوم القيامة)، هذا بمجرد الإشارة، فكيف بنا ونحن تتجدد في بلادنا وفي بلاد المسلمين أفعال من القتل والتدمير والأسلحة الكثيفة الكثيرة التي أعدت لتحصد أرواح مؤمنين، وتدمر ممتلكات مسلمين، وتثير الرعب في أهل الإيمان والإسلام، وتجعل الضغينة والأحقاد هي العلائق والصلات بين المجتمع المسلم! أين هذا من الإيمان؟! وأين هذا من حقائق الإسلام وتشريعاته؟! وأين هو من قول المصطفى ﷺ : (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، محمد رسول الله، فإن هم فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله تعالى)، هذه صور هي من حقيقة إيماننا، وليست قضية إرهاب ذكره لنا الساسة وشاع بين العالم، بل هذه هي حقائق أخوة الإيمان؛ فبمجرد هذه الإشارة بالحديدة أو الإخافة للمسلم يأتيك وعيد شديد وخطر عظيم، بل قد قال رسول الله ﷺ : (من دخل إلى مسجد ومعه سهام فليأخذ بنصالها)، أي: لا يجعل السهم موجهاً للناس وإن كان سائراً لا يقصد لهم أذىً، فكيف بإهراق دم مسلم؟ نسال الله السلامة. وقد مرت بنا أحاديث كثيرة في هذا المعنى إلا أن تجدد الأحداث يعيد إلينا حقائق الأحكام التشريعية الإسلامية وضوابطها التي تعظم حرمة المسلم والتي تعظم وحدة المسلمين وأخوتهم.

стр. 1603

وجوب التكاتف مع إخواننا المسلمين في فلسطين ومن جهة أخرى ننظر إلى هذا المعنى في حدث أيضاً مهم، أحسب أن كثيراً من الناس لم يلتفت إليه، ولم يسترع انتباهه، من دواعي هذه الأخوة الإيمانية ومن أثار الإيمان ودلائله: أن نهتم بأمر كل مسلم في شرق الأرض وغربها، وأن ندعو له، وأن نتذكر حاله، وأن نستشعر كربه، وأن نمده ونعينه بما نستطيع، فهل لا يوجد في أهل الإسلام من يحل به كرب أو يحيط به خطب أو يقع عليه اعتداء؟ إن ذلك يقع لا أقول: في كل يوم بل في كل لحظة وساعة، فأين نحن من حبال الود الإيمانية والرابطة الإسلامية ولو استشعاراً بالقلوب وتأثراً في النفوس؟ إن النبي ﷺ يوم رأى قوماً من مضر دخلوا المسجد وعليهم علائم الفقر وثيابهم مرقعة تمعر وجهه ﷺ -أي: تغير حزناً على حالهم وتأثراً بمنظرهم- ثم دعا الناس لعونهم ولإغاثتهم، فتجمع كومان من ثياب وطعام، فتهلل وجهه ﷺ كأنه مذهبة من شدة فرحه بهذا المنظر الذي فيه التكافل والتكامل والتعاضد الذي جسد قلوباً مؤمنة حية وأخوة صادقة عملية، فأين نحن اليوم من هذا؟ وأين نحن من أحوال إخواننا المسلمين في أرض فلسطين؟ وإن الحدث الجلل تقترب ساعته وتتوالى أحداثه، إنه حدث وخطب جلل من اعتداء قريب على المسجد الأقصى تنادى إليه من يسمونهم هم بأنفسهم المتطرفين من اليهود عليهم لعائن الله، فإنهم يتجمعون في يوم الأحد بعد غد ليقتحموا المسجد الأقصى وساحاته، ويتنادى أهل فلسطين في أرض القدس وفي الأراضي التي يستطيعون فيها الوصول إلى المسجد الأقصى لكي يكونوا فيه هناك على مدى أيام ثلاثة ليلاً ونهاراً؛ ليذودوا عنه، أفلا يستحقون أن نتذكرهم، وأن نتذكر مسرى رسول الله ﷺ ، وأن نغتم لذلك ونحزن، كما أبى صلاح الدين ﵀ أن يتبسم والمسجد الأقصى في قبضة النصارى في عهده؟ ألا يستحق ذلك منا أن نتابع وأن نهتم وأن نعرف أن القضية خطيرة؟ لأن إخواننا في أرض فلسطين ممنوعون من دخول المسجد الأقصى منذ أربع سنوات، فمنذ انطلاق انتفاضة الأقصى أهل غزة وأهل الضفة لا يستطيعون الوصول إلى المسجد والصلاة فيه، أليس هذا هو مقتضى الإيمان؟ فليس الإيمان كلمات تقال فحسب، وليس هو مجرد صلاة وصيام وأذكار وتلاوات فحسب، بل هو هذه الروح الإيمانية التي تتجاوز الحدود، وتتجاوز الأعراف والقوانين الدولية؛ لتكرس الأخوة الإيمانية.

стр. 1604

واقع شباب الأمة المحزن في ظل هذه الأوضاع ويحزنني -وأظنه يحزن كل مؤمن منكم- أننا في هذا الوقت بالذات ومع هذا الخطب بالذات تطالعنا صحف هذا اليوم بقضية تشير إلى أنها موضع اهتمام كبير، وأنها موضع اهتمام الشباب والشابات في المدارس والجامعات والكليات، وأنهم يوصي بعضهم بعضاً، وأنهم يتحفزون ويحتشدون ويتجمعون؛ لكي يقوموا بمهمة عظيمة، يا ترى ما هي؟! إنها مهمة التصويت لإنجاح مشارك في برنامج الغناء المعروف: استار أكاديمي!! أين نحن من هذا الذي يجري في واقع أمتنا، وذاك الذي يريد أن يصرفها عن كل أمر مهم، وعن كل قضية عظيمة، وعن كل مسألة ينبغي أن تهتم وتغتم وتنشغل بها قلوب المؤمنين، ويتدارسونها فيما بينهم؟ عجبت لذلك ولا عجب في مثل هذا الأمر الذي يجمع النقائض ويؤكد لنا مرة ثانية وثالثة أننا بحاجة إلى هذا النداء: هيا بنا نؤمن، وأننا بحاجة إلى أن نجدد نداء بعض أصحاب محمد ﷺ : تعال بنا نؤمن ساعة. نسأل الله أن يحيي الإيمان في قلوبنا، وأن يرسخ اليقين في نفوسنا، وأن يوفقنا لطاعته ومرضاته، أقول هذا القول، وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب، فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 1605

أهمية الخشوع الإيماني الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين. أما بعد: أيها الإخوة المؤمنون! أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله، وإن من تقوى الله تجديد الإيمان وإحياؤه في القلوب؛ حتى تُعمر هذه القلوب بتقوى الله ، وإن الصور التي نجد فيها المفارقات الإيمانية بين ما هو مطلوب منشود وما هو واقع محزن كثيرة. ولعلي أختم هذا المقام بقضية مهمة خطيرة لا تقل خطراً عن كل ما ذكرناه، وهي متعلقة بالإيمان وحياته في القلب، تلكم هي الصفة المهمة: صفة الخشوع الإيماني، فالقلوب الخاشعة تتبعها العيون الدامعة والجباة الخاضعة والألسن الضارعة، إن أمراً يملأ قلب المؤمن بهذا الإيمان يجعله دائماً يستحضر عظمة ربه جل وعلا، ويستحضر خوفه، ويستحضر تعظيمه وإجلاله وتقديره كما ينبغي، قال : ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر:٦٧]. إن هذا أمر مهم؛ لأنه يتعلق بصلواتنا اليومية وفريضتنا الثانية بعد التوحيد والشهادة، هذه الصلاة التي جوهرها الخشوع تدعونا اليوم -ونحن نعرف حالنا، ولا نحتاج أن نكشف أو نهتك سترنا- إلى أن نسأل: أين القلوب الخاشعة؟ تلك القلوب التي يصفها ابن القيم ﵀ فيقول: الخاشع لله عبد، قد خمدت نيران شهوته، وسكن دخانها عن صدره، فانجلى الصدر، وأشرق فيه نور العظمة، فماتت شهواته، وصار مخبتاً لربه، والله جل وعلا يقول في وصف المؤمنين: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون:١ - ٢]، فجعل ذلك الوصف أول الأوصاف؛ لأنه يتعلق بأعظم العبادات، ويتعلق بالجوهر العظيم في هذه العبادة، وروى الطبراني في معجمه الكبير بسند حسن عن النبي ﷺ أنه قال: (أول شيء يرفع من هذه الأمة الخشوع حتى لا ترى فيها خاشعاً). إنه أمر لو تدبرناه وكنا صرحاء لقلنا عن حالنا: إننا نصلي وقلوبنا لاهية، وعقولنا منشغلة، وأجسادنا خاوية من حقيقة استحضار عظمة من نقف بين يديه، قال بعض السلف كلاماً نفيساً أحسب أننا لو تأملنا فيه فقد يزيد حزننا؛ لكننا نحتاج إلى ذلك، قال: الصلاة كجارية تهدى إلى ملك، فما الظن بمن يُهدى إليه جارية شلاء، أو عوراء، أو عمياء، أو مقطوعة اليد أو الرجل، أو مريضة، أو دميمة، أو قبيحة حتى يهدي إليه جارية ميتة بلا روح؟ فكيف بالصلاة يهديها العبد ويتقرب بها إلى ربه تعالى؟ والله طيب لا يقبل إلا طيباً، وليس من العمل الطيب صلاة لا روح فيها.

стр. 1606

الخشوع جوهر الصلاة إن الخشوع جوهر هذه الصلاة التي يحصل بها حقيقتها وجوهرها، كما روى أبو داود في سننه بسند صحيح عن النبي ﷺ أنه قال: (خمس صلوات افترضهن الله تعالى، من أحسن وضوءهن وصلاهن في وقتهن وأتم ركوعهن وخشوعهن كان له على الله أن يغفر له، ومن لم يفعل فليس له على الله عهد؛ إن شاء غفر له، وإن شاء عذبه). وفي حديث عند البخاري وغيره جدير بأن نطبقه، وأن نبحث عن الخلل الكبير الذي سنكتشفه عند تطبيقه، يقول المصطفى ﵊: (من توضأ فأحسن الوضوء ثم صلى ركعتين يقبل عليهما بقلبه ووجهه -وفي رواية: لا يحدث فيهما نفسه- غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر)، إنهما ركعتان جرب صلهما وحاول ألا يكون فيهما خاطر ولا فكر ولا انشغال بغير الصلاة وما فيها مع استحضار عظمة من تناجيه بها؛ فقد كان ﷺ يصلي ويسمع لصوته أزيز كأزيز المرجل من خشوعه وبكائه ﷺ . وأبو بكر لما أمره النبي ﷺ أن يؤم الناس قالت عائشة: (يا رسول الله! إن أبا بكر رجل أسيف إذا صلى بكى، فبكى الناس لبكائه). وروى ابن عباس ﵄: (أن الفاروق ﵁ بكى في صلاة الفجر حتى سمع بكاؤه من وراء الصفوف). وهكذا سنجد الأمثلة كثيرة، فكم نحن في حاجة إلى إحياء الإيمان؛ لتحيا قلوبنا، ونخشع في صلاتنا؟ وكم هي الأمور كثيرة؟ وكم هي حاجتنا إلى هذا النداء عظيمة؟ فهيا بنا نؤمن، وهيا بنا نجدد إيماننا، وهيا بنا نتواصى بقول الله : ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر:١ - ٣]. نسأل الله أن يردنا إلى دينه رداً جميلاً، وأن يأخذ بنواصينا إلى طريق الحق والسداد، وأن يلهمنا الرشد والصواب، اللهم اهدنا واهد بنا، واجعلنا هداة مهديين. اللهم تول أمرنا، وارحم ضعفنا، واجبر كسرنا، واغفر ذنبنا، وأقل عثراتنا، وامح سيئاتنا، وضاعف حسناتنا، وارفع درجاتنا، وبلغنا اللهم فيما يرضيك آمالنا. اللهم عظم إيماننا، ورسخ يقيننا، واملأ قلوبنا بحبك، وأنطق ألسنتنا بذكرك، واشغل جوارحنا بطاعتك، واستخدمنا في نصرة دينك، واجعلنا اللهم ستاراً لقدرك في نصر الإسلام والمسلمين. اللهم فرج عن إخواننا المسلمين في أرض العراق وفي أرض فلسطين وفي كل مكان يا رب العالمين! اللهم احفظ المسجد الأقصى من عدوان المعتدين، اللهم نجه وسلمه من اليهود المجرمين المعتدين. اللهم هيئ لإخواننا في أرض الإسراء من أمرهم رشداً، اللهم اربط على قلوبهم، وثبت أقدامهم، واجعلهم للحق ناصرين برحمتك يا أرحم الراحمين! اللهم إنا نسألك أن تبرم لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر يا سميع الدعاء! اللهم مكن لأهل الخير والرشاد، واقمع أهل الزيغ والفساد، وارفع في الأمة علم الجهاد، وانشر رحمتك على العباد، برحمتك يا أرحم الراحمين! اللهم اجعل خير أعمالنا خواتيمها، وخير أيامنا يوم نلقاك وأنت راضٍ عنا. اللهم انصر عبادك وجندك المجاهدين في كل مكان يا رب العالمين! وحد اللهم كلمتهم، وسدد رميتهم، وقو شوكتهم، وانصرهم على عدوك وعدوهم يا رب العالمين! اللهم اجعل لنا ولهم من كل هم فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً، ومن كل فتنة عصمة، ومن كل بلاء عافية يا سميع الدعاء! اللهم اجعل هذا البلد آمناً مطمئناً رخاءً وسائر بلاد المسلمين. اللهم احفظ بلاد الحرمين من كل سوء ومكروه. اللهم أدم عليها أمنها وإيمانها، وسلمها وإسلامها، ورغد عيشها، وسعة رزقها برحمتك يا أرحم الراحمين! اللهم رد كيد الكائدين، وادفع شرور المعتدين عن بلاد الإسلام والمسلمين. اللهم احفظ دماء المسلمين، واحفظ اللهم أعراضهم، اللهم واحقن دماءهم، واصرف عنهم الشر والبلاء والأذى وكيد الأعداء يا رب العالمين! اللهم أقر أعيننا بنصر الإسلام والمسلمين عاجلاً غير آجل يا رب العالمين! اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين! اللهم وفق ولي أمرنا لهداك، واجعل عمله في رضاك، وارزقه بطانة صالحة تدله على الخير وتحثه عليه يا سميع الدعاء! عباد الله! صلوا وسلموا على رسول الله؛ استجابة لأمر الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٥٦]، وترضوا على الصحابة الكرام، وخصوا منهم بالذكر ذوي القدر العلي والمقام الجلي وهم: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، وعلى سائر الصحابة والتابعين، اللهم صلِّ وسلم وبارك وأنعم على نبيك محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. والحمد لله رب العالمين.

стр. 1607

هيا بنا نؤمن [٣] الأمانة أمرها عظيم، وشأنها كبير، ولهذا أبت السماوات والأرض والجبال أن تحملها، وحملها الإنسان لظلمه وجهله، فيجب على الإنسان أن يؤدي الأمانة، وليحذر كل الحذر من الخيانة؛ فإنها بئس الضجيع، صفة من صفات المنافقين والعياذ بالله!

стр. 1608

الأمانة بين النظرية والتطبيق الحمد لله، الحمد لله ﷻ ، وعز جاهه، وعم نواله، وكثر عطاؤه، وتقدست صفاته وأسماؤه، له الحمد جعل الأمانة قرينة الإيمان، وجعل الاستقامة شقيقة الإسلام، أحمده على ما أفاض من النعم وما صرف ووقى من الشرور والنقم، هو أهل الحمد والثناء، لا نحصي ثناءً عليه هو كما أثنى على نفسه، فله الحمد ملء السماوات والأرض وملء ما بينهما وملء ما شاء من شيء بعد، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ويرضى على آلائه ونعمه التي لا تعد ولا تحصى. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن سيدنا ونبينا وقائدنا وقدوتنا محمداً عبد الله ورسوله، وصفوته من خلقه وخليله، ختم به الأنبياء والمرسلين، وجعله سيد الأولين والآخرين، وأرسله إلى الناس كافة أجمعين، وبعثه رحمة للعالمين، فهدى به من الضلالة، وأرشد به من الغواية، وكثرنا به من بعد قلة، وأعزنا به من بعد ذلة، وأشهد أنه ﵊ قد بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، فجزاه الله خير ما جازى نبياً عن أمته، ووفقنا لاتباع سنته، وحشرنا يوم القيامة في زمرته، وجعلنا من أهل شفاعته، فصلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى من تبعهم واقتفى أثرهم ونهج نهجهم إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: أيها الإخوة المؤمنون! هيا بنا نؤمن، نداء يتجدد؛ لأن فيه علاج كل مشكلات الحياة، وفيه صلاح كل أمور الأحياء، وفيه طهارة القلب وزكاة النفس ورشد العقل واستقامة الجوارح وحسن الصِلاة، وكل خير نبحث عنه فإنا واجدوه فيه، وكل شر نتأذى منه فإنا واجدون السلامة منه في هذا الإيمان وعصمته وحمايته ووقايته. زارني شاب من رجال الأعمال، في واقعة أحسب أنكم تدركون أنها تتكرر كثيراً؛ غير أن جزءاً منها هو النادر الذي يكاد أن يختفي، لقد جاء سائلاً عن شركة يملكها تقدم عرضاً في موضوع مهم يعم البلاد كلها، والفوز به يعني الفوز بالملايين من الريالات، وعنده من الإنجاز في ذلك ما هو مستحق أن يكون صاحب العقد، وعندما التقى مع من بيده ترتيب هذا الأمر كان الأمر في مبدئه تلميحاً ثم صار تصريحاً: إن فريق العمل يحتاج إلى عونك ودعمك، ثم لم يكن ذلك فحسب، بل كان الأمر في صراحة -وإن شئت قل: في بجاحة- إن المطلوب لكل فرد مبلغ محدد وهو كذا وكذا، ليس عشرات الآلاف بل مئات الآلاف من الريالات، وإن ذلك سيكون تمهيداً لإنهاء الأمر ورسو العقد وغير ذلك! جاء هذا الرجل وفي قلبه إيمان، وفي نفسه زكاة، وهو يقول: في النفس من هذا شيء؛ والحرمة فيه بادية؛ لأن هناك منافسين قد سبق وأن أعطوا هذه الأموال، وهو أحق منهم بحسب ما عنده من الإنجاز، وعندما أوضحت له أن الأمر فيه وضوح في الحرمة وأدنى درجاته أن يكون عالي الرتبة في الشبهة وفي الكراهة أجاب: بأنه قد وطَّن نفسه على ترك كل شيء مما حرم الله، وعزم على ذلك أمره، وقال به، ووقف عنده. الشق الأول أحسب أنكم ستقولون: بماذا جئت؟ فإن عندنا عشرات ومئات من القصص التي لا تجيز أمراً ولا تبرم عقداً حتى تدخل إلى بطونها سحتاً، غير أن الشق الآخر هو الأقل الأدنى الذي قل فيه من يتورع عن الحرام، ويتوقف عن مصلحة دنيوية ظاهرة رعاية وحفاظاً على مصلحة أخروية أعظم وأبقى، وذلكم ما أحسب أنه مظهر جلي ودليل واضح على وجود قوة وحيوية الإيمان، أو على ضعفه وذهاب أثره وغياب حقيقته. وهنا نداء إيماني جاء بالنهي عن مخالفة الأمانة؛ لأن ذلك يعارض حقيقة الإيمان، قال : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ * وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [الأنفال:٢٧ - ٢٨]، إنه نداء لأهل الإيمان إن بقي في قلوبهم إيمان، ففي قوله سبحانه: ﴿لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ﴾ [الأنفال:٢٧] اقتران خيانة الله وخيانة رسول الله ﷺ بخيانة الأمانة، وفي ذلك تعظيم لشأنها ودليل على علو رتبتها وعلى قوة وشدة صلتها بالإيمان بالله جل وعلا. ونحن نعلم أنه ما من أحد إلا وفي علمه بشرع الله وفيما يجيش في نفسه أثر يدل على حرمة ما يقترف من معصية الله.

стр. 1609

الأمانة من صفات المؤمنين والخيانة من صفات المنافقين قال السعدي رحمة الله في تفسيره: فمن أدى الأمانة استحق من الله الثواب الجزيل، ومن لم يؤدها بل خانها استحق العقاب الوبيل، وصار خائناً لله وللرسول ولأمانته ومنتقصاً لنفسه؛ لكونه اتصفت نفسه بأخس الصفات. أي: صفة الخيانة. ثم قال: فلما كان العبد ممتحناً بأمواله وأولاده فربما حمله محبته ذلك على تقديم هوى نفسه على أداء أمانته. أي: أن رعايته ومحبته لأهله وأولاده وماله وثرائه مما يجعله يميل بهواه فيغلب إيمانه، ويطمس بصيرة يقينه، فينطلق إلى لعاعة الدنيا، وإلى ثرائها ومظاهرها وشهواتها وفتنتها، وهو يئد الإيمان في قلبه، ويطفئ إشراقة اليقين في نفسه، وهو يضعف أثر إيمانه، كما أشار إلى ذلك أهل العلم في مثل هذا المعنى، ولو تأملنا لوجدنا اقتران الإيمان بالأمانة جلياً واضحاً فيما أورده الحق جل وعلا من صفات المؤمنين، فلم تقتصر الصفات على صلاة خاشعة ولا على زكاة مؤداة ولا على حفظ للفروج فحسب، بل جاء في الصفات قول الله جل وعلا: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾ [المؤمنون:٨]، أي: يحافظون عليها، ويقومون بحقها، ويراقبون الله فيها، ويخشون الله جل وعلا من خيانتها، وهذا يدل على أنهم أهل إيمان، ولذا استحقوا صفة الإيمان، ووصفوا بصفة الإيمان؛ لأنهم: (لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ)، وأما الذين هم لأماناتهم وعهدهم خائنون فقد سلبت منهم هذه الصفات الرفيعة السامية، ونالهم من كدر أضدادها وصفات المنافقين من غير المؤمنين ما نالهم، كما في حديث المصطفى ﷺ : (آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان)، أفيرضى مثل هذا الإنسان أن يكون متصفاً بصفة نفاق، وقد قال ﵊: (فمن كانت فيه واحدة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها، ومن كانت فيه تلك الخصال كان منافقاً خالصاً).

стр. 1610

معنى الأمانة قال القرطبي في معنى الأمانة: والأمانة والعهد يجمع كل ما يحمله الإنسان من أمر دينه ودنياه قولاً وفعلاً. فهو أمانة في عنقك وعهد من الله بينك وبين الله لا ينبغي إخلافه ولا نقضه. وقال الشنقيطي ﵀ في تفسيره: كل ما استودعك الله وأمرك بحفظه فيدخل في هذه الأمانة، ويدخل فيها حفظ جوارحك عن كل ما لا يرضي الله، وحفظ ما اؤتمنت عليه من حقوق الناس.

стр. 1611

حكم خائن الأمانة وتأملوا من بعد هذا الحديث العظيم الذي فيه صراحة ووضوح في لفظه من رواية أنس عن رسول الهدى ﷺ أنه قال: (لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له) رواه أحمد في مسنده وابن حبان في صحيحه بسند صحيح. أي: لا يكمل إيمانه، ولا يصدق إيمانه، ولا تتجلى ولا تظهر آثار إيمانه، فذلك الذي خان أمانته، وذلك الذي أكل الحرام، وذلك الذي ضيع المسئولية، وذلك الذي ظلم فنحى صاحب الحق وقدم غيره لمصلحته، وذلك الذي أشاع الفساد في المجتمع بتضييعه للأمانة، وذلك الذي جعل الحقوق ضائعة وجعل الأمانة مهدرة، إن فعله ليس مقتصراً على أنه أخذ مالاً في جيبه من سحت أو حرام، بل إنه في حقيقة الأمر يفسد في الأرض فساداً عظيماً، ويورث ويوجد في النفوس وفي القلوب قبل الأحوال والأفعال والأقوال فساداً خطيراً وانحرافاً عظيماً وشراً مستطيراً وبلاءً يخشى على الناس جميعاً من آثاره وعقوبته الربانية. فحديث: (لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له) قائله الصادق المصدوق ﷺ ، فإن رأيت مضيعاً للأمانة فاعلم ما قاله أهل العلم في ذلك، وما بينوه في حقيقته فإن في ذلك أموراً كثيرة، والأمر بهذه الأمانة ظاهر جلي واضح مرتبط بالإيمان في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ﴾ [النساء:٥٨].

стр. 1612

ضياع الأمانة من علامات الساعة فانتبه لهذه المعاني، وتأمل ذلك الحديث النبوي الذي أخرجه البخاري وغيره عندما كان النبي ﷺ يحدث أصحابه، فجاء رجل من الأعراب والرسول ماض في حديثه، فقال: يا رسول الله! متى الساعة؟ فمضى رسول الله ﷺ في حديثه، فقال بعض الصحابة: فكأنما كره قوله، وقال بعضهم: كره أن يقطع حديثه، فلما فرغ من حديثه قال: (أين السائل عن الساعة؟ فقال: أنا يا رسول الله! قال: إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة، فقال الأعرابي: وكيف إضاعتها يا رسول الله؟! قال: إذا وسد الأمر إلى غير أهله فتلك إضاعتها). وفي لفظ ورواية عند البخاري: (إذا أسند الأمر إلى غير أهله). عجباً! أنّا لا نلتفت إلى الخطر المحدق بنا وإلى الآيات والعلامات الدالة على قرب القيامة ووجود آخر الزمان، مع أن الناس قد شغلوا بأمور أخرى من هذا في شأن بعض الصفات والأوصاف والمعارك وغيرها، ولم يلتفتوا إلى المعاني، فضياع الأمانة دلالة من دلالات آخر الزمان كما أخبر المصطفى ﷺ في هذا الحديث، فعجباً لنا ونحن لا نلتفت إلى هذا! قال ابن بطال في شرح الحديث: إن الأئمة قد ائتمنهم الله على عباده وفرض عليهم النصيحة لهم، فينبغي لهم تولية أهل الدين، فإذا قلدوا غير أهل الدين فقد ضيعوا الأمانة التي قلدهم الله إياها. وروى البخاري في صحيحه من حديث حذيفة ﵁ في شأن الأمانة وضياعها وغيابها، وهو حديث طويل جاء فيه: (فيصبح الناس يتبايعون، فلا يكاد أحد يؤدي الأمانة، حتى يقال: إن في بني فلان رجلاً أميناً، ويقال للرجل: ما أظرفه! ما أعقله! ما أجلده! وليس في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان)، أليس مثل هذا الوصف يصدق في أحوال كثير وكثير من بلادنا ومجتمعاتنا الإسلامية؟ ألسنا اليوم نتبايع فلا يكاد أحد يأمن أحداً في وفائه وأمانته وصدقه وبره وإنصافه؟ ألسنا اليوم قد نبحث عن الأمناء فلا نكاد نحصي إلا الواحد أو الاثنين في الفئام من الناس أو في القبيلة أو في القوم؟ أليس هذا الذي يقوله النبي ﷺ واقعاً في المدح والثناء على من ليس في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان، وتجده قد ضيع الأمانة، وأخذ حقوق الناس، وانتهب أموالهم، واستباح ما حرم عليه من حقوقهم، وضيع أماناتهم؟ ومع ذلك هو المشار إليه بالبنان، الممدوح بعظيم الصفات على كل لسان، أليس ذلك دليلاً على خلل كبير في الإيمان لا يخص أفراداً بأعيانهم بل يعم أحوالنا ومجتمعاتنا إلا ما رحم الله ومن رحم الله؟ نسأل الله أن يرحمنا. قال ابن التين في هذا الحديث: الأمانة: كل ما يخفى ولا يعلمه إلا الله. فالآخذ للرشوة والقابل للهدية المغموسة بالحرام يحتاط لنفسه، ويجعل الأمر في أشد صور الخفاء، ولا يجعل هناك وثيقة تدينه، ويحسب لكل قضية حسابها، ويضيع حساب الأمر الأعظم، وهو أن الله مطلع عليه وعالم به وكاتب عليه كل صغيرة وكبيرة من أقواله وأعماله، ورسول الهدى ﷺ يقول: (من اغتصب قيد شبر من أرض طوقه يوم القيامة من سبع أرضين)، ويقول ﵊: (إنكم تختصمون إلي، ولعل بعضكم يكون ألحن بحجته من صاحبه، فأقضي له بنحو مما أسمع -أي: يقدم بينات ويقدم أقوالاً يكون الحكم فيها لصالحه وهو على غير حق- فمن اقتطعت له شيئاً فإنما أقتطع له قطعة من النار، فليأخذ أو ليدع)، فكل ريال تأخذه حراماً فهو قطعة من جنهم، وإن رشيت به فقبلت به فاستكثر؛ فإنما تستكثر -والعياذ بالله- سيئات مضاعفة، وإنما تستكثر عذاباً منتظراً، نسأل الله السلامة. كم في واقع حياتنا وفي واقع حياة كل فرد منا شبهات في معاملاته المالية! فهل توقف عندها، وتحرى فيها؟ وهل راقب الله جل وعلا فترك عرض الدنيا وزينتها وزخرفها إيثاراً للآخرة الأبقى والأعظم جزاءً وثواباً أم أن الإيمان قد ضعف حتى صار أمر الآخرة ونعيمها نسياً منسياً، وأمر الدنيا وزخرفها هو الذي ملأ القلوب والعقول والأبصار فلا تسمع إلا ما يرغب فيها، ولا تقول إلا ما يؤدي إليها، ولا ترغب إلا فيما يزيد منها؟

стр. 1613

الصلة بين الأمانة والإيمان عجباً لنا! وكأن ذلك في حسنا ليس له صلة بإيماننا، ولا بمراتبنا عند ربنا وقد نكون في الصفوف الأولى في المساجد، وقد ندمن شيئاً من تلاوة القرآن، وكل ذلك خير، لكن الذي يجعلنا مستقيمين في المعاملات وتمحيص التوجهات ومخالفة الآراء والأهواء والشهوات ومعارضة المغريات والملذات ذلكم هو الإيمان الحق الذي يذكر لنا ابن العربي في شأنه أمراً عجيباً فيقول: الأعمال السيئة لا تزال تضعف الإيمان حتى إذا تناهى الضعف لم يبق إلا أثر الإيمان، وهو التلفظ باللسان والاعتقاد الضعيف في ظاهر القلب. وهذا من فقه علمائنا ﵏، ولذلك قال بعض أهل العلم: الأمانة هي عين الإيمان. فإذا ضعفت الأمانة فقد ضعف الإيمان، كما ذكر أهل العلم.

стр. 1614

مطالبة الأمانة بحقها يوم القيامة وهذا حديث آخر من الأحاديث العظيمة رواه مسلم في صحيحه من حديث حذيفة وهو مما أحسب أنه لا يندرج على ألسنة الناس، ولا يكاد يحفظه كثير منهم، وهو في حديث الشفاعة وفي حديث الفصل بين الناس يوم القيامة، وفي أوله طول في ذهاب الناس إلى آدم وإلى إبراهيم وإلى موسى ﵈ جميعاً، ثم انتهاؤهم إلى سيد الخلق محمد ﷺ فيقوم إلى ربه ومولاه ، قال حذيفة في حديثه في شأن استفتاح الجنة: (فيأتون محمداً ﷺ فيستأذن، فيؤذن له، وترسل الأمانة والرحم فتقومان على جنبتي الصراط) أي: على جانبيه، ثم ذكر بقية الحديث وفيه: (فمن الناس من يمر كالبرق، ومنهم من يمر كالريح، ومنهم من يمر كالطير)، ثم قال في آخر الحديث: (ومنهم من لا يمضي إلا زحفاً). والنووي ﵀ في شأن كون الأمانة والرحم على جنبتي الصراط قال: لعظم أمرهما، وكبر موقعهما، فيصوران مشخصتين على الصفة التي يريدها الله. ونقل عن صاحب (التحرير) قوله: في الكلام اختصار، والسامع فهم أنهما تقومان -أي: في هذا المقام- لتطالبا كل من يريد الجواز بحقهما. أي: أن كل من يريد أن يمضي على الصراط تأتيه الأمانة أولاً فتطالب بحقها، والرحم تطالب بحقها فإن كان مؤدياً لحقهما كان من أسباب سرعة جوازه على الصراط، فالأمانة المضيعة اليوم تلقاك يوم القيامة على الصراط، فهل أنت قادر يومها على أن تجوز الصراط وقد فرطت في الأمانة وخنتها، وضيعت إيمانك، وأضعفته، وأذهبت أثره، وجعلته وراء ظهرك؟ أليس كل هذا مما جاء في كتاب الله ومما ورد في سنة رسول الله؟

стр. 1615

الصحابة ﵃ وأداء الأمانة ألسنا نذكر ذلك الموقف العجيب الفريد يوم فتح الله على المؤمنين والمسلمين في معركة القادسية على يد سعد بن أبي وقاص، ولما انتهى الفتح أخذ سعد ما في إيوان كسرى -أي: مكان قصره وملكه- من الذهب والجواهر وتاج كسرى المرصع بكل ما هو غالٍ وثمين، فجعله في أشولة، وأعطاها لأعرابي أو لرجل من عرب المسلمين لم يذكر التاريخ اسمه، ولم يعرف الناس نسبه، وأمره أن يمضي إلى المدينة من ذلك المكان البعيد؛ ليبلغ عمر بن الخطاب بخبر الفتح والنصر الإسلامي، ويعطيه ما في إيوان كسرى من الذهب والفضة والحلي والتاج، فذهب الأعرابي، ولم يقيد عليه ما استلمه، ولم يكن هناك جرد لما سلم له، ولم تكن الأختام موجودة، ولم تكن أجهزة الحاسوب راصدة، لكن رقابة الله في القلب حية، لكن أمانة الإيمان في النفس يقظة مؤثرة، فمضى الأعرابي يجر بعيره وعلى ظهره ثروة تطيش لأجلها ولأجل عشرها عقول كثير من ضعاف الإيمان، لكنه لم ينظر إليها، ولم يلتفت إليها، وربما ما علم بها، ووصل إلى المدينة، ووقف بين يدي الفاروق عمر بن الخطاب ﵁ فقال: إن سعداً يقرئك السلام، ويبشرك بنصر الله لأهل الإسلام، وهذا تاج كسرى وإيوانه، فطأطأ عمر رأسه متأثراً قائلاً: (إن قوماً أدوا هذا لأمناء). فجاء التعقيب -كما ورد في بعض روايات التاريخ-: عففت فعفوا، ولو رتعت لرتعوا. فقد كان عمر ﵁ يحاسب نفسه وأهله على أقل القليل. ويوم تولى أبو بكر الصديق ﵁ الخلافة مضى من يومه يريد أن يعمل ويتكسب من تجارته، فقالوا: قد وليت أمرنا فافرغ لنا، فقال: (قوتي وقوت عيالي)، قالوا: نفرض لك من بيت مال المسلمين، فقدر لنفسه أقل القليل من طعام وشراب فحسب، وليس خزائن مفتوحة ليس لها حصر ولا عد، وليس مالاً سائباً لا يسأل عنه أحد، بل كان فعله وفعل غيره من أصحاب محمد ﷺ فيه مراقبة لله وأداء للأمانة. إن صوراً من تضييع الإيمان وضعفه تتجلى في حياتنا كثيراً، وتتجلى في ضعف خوف الله، وقلة مراقبة الله، وضعف الحياء من الله، وضعف الأمانة في أداء حقوق الله وحقوق عباد الله، فالله الله في إيمانكم! فإنه ليس محصوراً في صلاتكم وزكاتكم وتلاوتكم ودعائكم، بل هو في سائر جوانب حياتكم. نسأل الله أن يحفظ علينا إيماننا، وأن يجعلنا من المراقبين له والمستحيين منه والمؤدين لأمانته. أقول هذا القول، وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب، فاستغفروه؛ إنه هو الغفور الرحيم.
следующие страницы →