← Джавами‘

Джавами‘ · id 7721

دروس للشيخ علي بن عمر بادحدح

علي بن عمر بادحدح

Полный текст (2 691 стр.). Показаны 1646–1685 · переход к 1651.

стр. 1646

قلة الذنوب ومن مزايا المسلم أيضاً: قلة ذنوبه، فالمسلم الصادق يقع في الذنب، ولكنه لا يقع في الذنب صباحاً ومساءً وفي كل وقت وآنٍ وعلى كل ظرف وفي كل مكان، كلا! فليست هذه صفة المسلم الحق، وإنما يقع منه الذنب إذا وقعت له غفلة واستزلاً من الشيطان، ثم يئوب إلى الله ، ولذلك قال ابن سيرين: إني لأعرف الذنب الذي حملت به هذا الدين، قيل له: ماذا؟ قال: ذنب أذنبته منذ أربعين سنة، قيل له: ما هو؟ قال: قلت لرجل: يا مفلس! فهذا الذنب ظل أربعين سنة يذكره. قال بعض أهل العلم: قلت ذنوبهم فأحصوها، وكثرت ذنوبنا فأعيتنا، فلا يستطيع الإنسان أن يحصي ذنوب يوم واحد، فإنه إذا بدأ من أول النهار إلى الظهر ربما كثرت ذنوبه عن حد الحصر والعد، وبدأ بعضها ينسي بعضاً، نسأل الله السلامة. ولذلك ينبغي للإنسان أن يحتاط لنفسه بمثل هذه الأمور، والله قد وصف وبين أثر ذلك في نفس الإنسان المسلم، فقال : ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف:٢٠١]، فقد يقع بالذنب في حين غفلة، ثم يتذكر ويعود إلى التوبة، وكذلك قال الله : ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَة﴾ [آل عمران:١٣٥] والفاحشة: ما يفحش وينتشر، بمعنى: أنه أمر عظيم وكبير، قال: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران:١٣٥] فهذا هو دأب وشأن المسلم أنه يتوقى آثار الركون إلى المعصية، وأن تكون مستولية عليه لا يستطيع الفكاك منها، فهو قليل الذنوب، مدرك لآثارها، راجع إلى ربه، مكثر من الاستغفار، مبادر إلى الطاعات في أعقاب السيئات، ولذلك تجده قريباً من أثر الوعظ في نفسه، وهذا أمر مهم يحتاج كل مسلم إلى أن يأخذ حظه منه.

стр. 1647

العلاج من المعاصي والذنوب أنتقل إلى النقطة الرابعة وهي: ما يتعلق بالدواء الشافي للوقاية من هذه المعاصي: إن الأمر ليس وصفة سحرية، ولا خطوات نظرية، بل هو أمر قلبي إيماني نفسي يبدأ بتغيير جذري يتناول القلوب في أعماقها والنفوس في أغوارها والنوايا في طواياها قبل أن يتناول صوراً ظاهرة قد تخلو من تأثر القلب وتغير النفس، فتعود بعد ذلك تتجدد المعصية، كما يذكر الرافعي فيقول: إذا سافرت وسافر الهم معك، فأنت مقيم لم تبرح. أي: أن الذي يسافر من بلد إلى بلد لنزهة يسري بها عن نفسه ولكنه لم يحمل معه همومه فكأنه لم يسافر. يقول: فإذا أقلعت عن المعصية وحبها في قلبك ولذتها في نفسك وخيالها في خاطرك فكأنك ما صنعت شيئاً. وكما نقول بلهجتنا العامية: يا زيد! يا ليتك ما غزيت! وكأن الإنسان ينفخ في قربة مخروقة، ولا أعني بذلك أن أهون أمر الانتقال من المعصية، فإن في ذلك خيراً، ولكني أريد أن أقول: إن الأمر الأساسي والعلاج الأكثر تأثيراً والأبعد مدىً والأقرب -بإذن الله إلى أن يكون علاجاً شافياً ناجعاً لا يتجدد بعده المرض ولا تستفحل معه العلة هو العلاج القلبي الإيماني الذي يستأصل حب الشهوة المحرمة، ويقضي على لذة المعاصي الآثمة من القلب، فيطمه عنها، فإذا فطم عنها فإن الصغير يحب الحليب، ويحب رضاع ثدي أمه، ولكنه لو استمر على ذلك لكان يكفيه عيباً وعاراً أن يكون كبيراً ويبقى رضيعاً في حجر أمه، كذلك الذي ما يزال يرضع ثدي المعصية ويركن إلى حضنها، ولا يستطيع أن يفارقها، ولا يستطيع أن يستقل، وكلما مضى في الأرض جذبته إليها، وكلما أراد أن يعلو هبط إلى مستواها، وإلى دناياها، ولذلك يبقى كمثل الغلام الذي لا يفطم، أما إذا فطم فقد يكون في أول الأمر يحن إلى ثدي أمه، لكنه بعد ذلك يرى في الرجوع إليه عيباً وعاراً، وصغاراً وشناراً، ولا يجد فيه حتى ما يحتاج إليه من الغذاء، ثم يستبدل به غذاءً آخر، وما يزال ينوع في أغذيته، ويستجد منها ألواناً وأصنافاً؛ لأنه قد استغنى عن ذلك الغذاء، والتمس غذاءً آخر فيه أكثر النفع وأعظم الفائدة، وكذلك من فطم نفسه عن المعصية فلا يعد إلى الحنين إليها، ولا يرجع إلى حضنها، وليستبدل من الطاعات غذاءً للقلوب فيه نورها وفيه سكينة للنفوس وفيه همة تشحذ عزمه في معالي الأمور وفيه قوة في طاعة الله ، وفيه تحرر من قيد هذه المعاصي والشهوات، كما فطم عن الحليب وغدا يأكل أنواع الطعام، فمن فطم عن المعصية فإن أبواب الطاعات رحبة أمامه، من ذكر باللسان، ومن تأمل في خلق الله بالعين، ومن تدبر في أحوال الأمم بالعقل، ومن كسب من الحلال باليد، ومن سعي إلى الخير بالرجل، ومن قضاء للشهوة بالحل، بل كل لحظة وكل ثانية وكل جارحة فيها أبواب من الطاعات عظيمة، فإذا أقلعت فإنك لن تبقى خالياً ولا فارغاً، وإذا تركت المعاصي فإن كلما تطلبه من لذة ستجده في الطاعة، وكلما تطلبه من استفراغ الطاقة والقوة ستجده في الطاعة، بل إنه ينتهي العمر وتعجز الطاقات عن أن تبلغ المدى الأعظم الأكمل الذي تتوق إليه نفوس المؤمنين في طاعة خالقها ومولاها ، ولذلك قال النبي ﷺ : (كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى، قالوا: ومن يأبى يا رسول الله؟! قال: من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى). واستمع إلى الجيلاني رحمة الله عليه وهو يقول لغلام له: استغث بالحق ، ارجع إليه بأقدام الندم والاعتذار حتى يخلصك من أيدي أعدائك. من هم أعداؤك؟ النفس المزينة، والشيطان المستولي، والمعصية التي تداعب الخاطر والعقل. يقول الجيلاني: حتى يخلصك من أيدي أعدائك، وينجيك من لجة بحر هلاكك، تفكر في عاقبة ما أنت فيه وقد سهل عليك تركه، أنت مستظل بشجرة الغفلة، اخرج من ظلها فقد رأيت ضوء الشمس وعرفت الطريق، شجرة الغفلة تربى بماء الجهل، وشجرة اليقظة والمعرفة تربى بماء الفكر، وشجرة التوبة تربى بماء الندامة، وشجرة المحبة تربى بماء الموافقة -أي: الموافقة لأمر الله فالنفوس والقلوب إنما تريد تحويل وجهة فقط، كمن يكون سائراً في طريق ينتهي به إلى هاوية، الحل يسير؛ أن يأخذ طريقاً آخر يؤدي إلى الفوز والفلاح والنجاح، فإذا تغيرت الوجهة سيرى في ذلك الطريق غير ما يرى في الطريق الأول، وسيرى فيه من الناس غير الذين يراهم في الطريق الأول، فإذا حولت مجرى المعصية إلى مجرى الطاعة فإنك تجد طائعين لا تراهم هنا، وإنك تجد فتوحات من الله وخيرات لم تكن تراها هناك، وإنك تجد آثاراً ومعالم وابتلاءات وأموراً أخرى لم تكن تراها في ذلك الطريق، وإنما هو تغيير الوجهة.

стр. 1648

معرفة حقيقة الدنيا ومن المعين على ترك المعاصي والذنوب: معرفة حقيقة الدنيا، فهذه الدنيا التي تصرف فيه كل جهدك ووقتك لأجل نيل بعض ملذاتها وشهواتها كلها لا تعدل عند الله جناح بعوضة، فما بال عقلك قد خرج إلى هذا الدنو والسفه في التفكير، حتى لا تعرف ما قيمة الدنيا التي تجعل كل وقتك وجهدك لنيل بعض شهواتها وملذاتها؟! يقول ابن القيم رحمة الله عليه: إذا خرج عقلك من سلطان هواك عادت الدولة له. فالجسم دولة، وهناك من يحكم، إما أن تحكم الشهوة فيلغى العقل ويكون الإنسان -عياذاً بالله- كما نرى حال العاصين؛ فأحدهم يشرب الخمر فإذا بالوقار الذي عليه والجاه الذي عنده يتلاعب به الصبيان، ويتسافه عليه السفهاء، ويستخدم عقله في شهوات ترديه وتهلكه، عياذاً بالله! ولذلك أوجز قول ما كتبه الحسن البصري إلى عمر بن عبد العزيز رحمة الله عليه في وصف الدنيا، حيث يقول له: أما بعد: فإن الدنيا دار ظعن، وليست بدار إقامة، وإنما أنزل إليها آدم عقوبة فاحذرها، فإن الزاد منها تركها، والغنى فيها فقرها، لها في كل حين قتيل، تذل من أعزها، وتفقر من جمعها، هي كالسم يأكله من لا يعرفه وهو حتفه، فكن فيها كالمداوي جراحه، يحتمي قليلاً مخافة ما يكره طويلاً، ويصبر على شدة الدواء مخافة طول البلاء، فاحذر هذه الدار الغرارة الخداعة الخيالة التي قد تزينت بخدعها، وفتنت بغرورها، وختلت بآمالها، وتشوفت لخطابها، فأصبحت كالعروس المزنوة، فالعيون إليها ناظرة، والقلوب عليها والهة، والنفوس لها عاشقة، وهي لأزواجها كلهم قاتلة، فعاشق لها قد ظفر منها بحاجته فاغتر وطغى ونسي المعاد فشغل بها لبه حتى زلت عنها قدمه، فعظمت عليها ندامته، وكثرت حسرته، واجتمعت عليه سكرات الموت وألمه وحسرات الفوت، وعاشق لم ينل منها بغيته فعاش بغصته، وذهب بكمده، ولم يدرك منها ما طلب، ولم تسترح نفسه من التعب، فخرج بغير زاد، وقدم على غير مهاد، فكن أسر ما تكون فيها أحذر ما تكون لها. فمن أعظم ما يهيئ للتوبة بعد تعظيم الله وتذكر حقه تذكر ما يئول الأمر إليه، وتذكر العقوبة التي توعد الله بها العاصين، فلينتبه إلى هذا الأمر.

стр. 1649

تزكية القلب ومن الأمور المعينة على ترك الذنوب والمعاصي: زكاة القلب، فعندما يكون في البدن بعض الآفات فإن علاجه هو إخراجها منه، أي: إخراج هذه الآفات، ولذلك يحتجم المحتجم ليخرج الدم الفاسد، وتستأصل بعض الأعضاء التي تتلف لأجل سلامة البدن، وكذلك بالنسبة للمعاصي؛ فإنها مفاسد تحتاج إلى إخراجها، ولكن الإخراج ينبغي أن يكون إخراجاً استئصالياً من القلب، ولذلك فإن من أمور التوبة وأسبابها: تزكية القلب، والمراد بذلك: أن يستفرغ من الأخلاط الرديئة التي لها تعلق بالمعاصي سواء كان حباً لها أو رغبة فيها أو تعلقاً بها.

стр. 1650

تذكر الآخرة ومن الأمور المعينة كذلك: تذكر الآخرة، فلابد للإنسان أن يتذكر آخرته، وآخرة كل أحد موته، وأن يتذكر الآخرة العظمى التي يخرج فيها الناس لرب العالمين، فإذا استحضر ذلك كان هذا من أدعى الدواعي ومن أعظم الأسباب لحصول الخوف من الله ، ونزع مغالبة النفس لصاحبها على المعصية، فإن هناك لذة وشهوة في هذه المعاصي، وهناك خوفاً إذا بلغ المدى المطلوب فإنه يحسم هذه اللذة. ولنضرب لذلك مثالاً: عندما يرى إنسان طعاماً وهو محب له، ونفسه ترغب فيه، ولكنه يعلم أن عليه حراساً، وأنه إذا وضع يده فيه سوف ينال عقاباً وخيماً، وسوف يجلد كذا، فإنه يقول: يكفي أن ننظر إلى الطعام، وأن نشم رائحته وكفى، وإذا علم أن النظر أيضاً إلى هذا الطعام قد يصيبه بالأذى فإن نفسه حتى اللذة القلبية تفطم وتنتهي، فلا يعود محباً لهذا الطعام، بل لو أكل مرة من هذا الطعام ووجد العقوبة ربما يكره هذا النوع من الطعام ولا يعود لنفسه ميل له حتى لو أتي له به؛ لأن نفسه قد أصبحت لا تحبه، لأنه عرف أن مرة من المرات كانت عقوبته في مثل هذه اللذة، وكذلك إذا علم العبد شأن الآخرة وتذكرها وبلغ خوفه منها وخوفه من عقوبة الله فيها مبلغاً عظيماً فإن ذلك يمحو ويطمس كلما في القلب من تعلق بالشهوة وحب للذة التي فيها، ولذلك كان سلف الأمة رضوان الله عليهم على هذا النهج. مر ابن مسعود على نافخ كير فوقع من خوفه في هذه النار، وكان يمر على الحدادين فيبصر الحديدة وقد أحميت فيبكي ﵁ من تذكر الآخرة، وهكذا كان الصحابة والسلف على مثل هذا الأمر.

стр. 1651

أهمية تحطيم أدوات المعاصي ومن الأمور المعينة على ترك الذنوب والمعاصي وهو أمر مهم: تحطيم أدوات المعاصي؛ لئلا تنزع النفس إليها مرة أخرى، وهذا أمر معروف، فإن تصور الشيء من أعظم ما يجعل في النفس وجوده وشخوصه، ولذلك فإن الذي يجعل الناس يقعون في المعاصي اليوم هو أنهم يرونها بأعينهم، ويسمعونها بآذانهم، فإن شخوصها ووجودها وأمثلتها قد تسلبهم قوتهم في الممانعة وعصمتهم في المدافعة فيقعون فيها، فلذلك هذه الأصنام ينبغي أن تحطم، والنبي ﵊ كان يعلم من أصحابه أنهم مؤمنون موحدون، وكان أول عمل عمله عندما دخل مكة أن ضرب هذه الأصنام وأسقطها وقال: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ [الإسراء:٨١]؛ لئلا تبقى هناك أصنام ينظر إليها، حتى لا يتعلق بها، ولا يفكر فيها، ولا تخطر ببال مطلقاً؛ ولذلك نهي عن تلك الصور العظيمة للصالحين؛ حيث أخبر النبي ﵊ أنها كانت أولاً على هذا النحو، ثم داخلها بعد ذلك التعظيم، ثم نصبت أصناماً، ثم عبدت من دون الله ! فكلما وجدت صورة المعصية وآلتها كلما كان ذلك مانعاً أو حائلاً من استمرار التوبة والبعد عن المعاصي، ولذلك يقول الله : ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الفرقان:٤٣] فهذا الإله إذا وجد وجد معه الهوى إليه والحب له، ولذلك يجب أن يكون الحال كما قال أحد الكتاب: فمطرب يحطم آلات الطرب، ورسام يمزق اللوحات، ومراهق يحرق المجلات والصور الداعرة، ومدمن يكسر زجاجات الخمر ويحرق المخدرات، ومراب يسحب أموال الربا ليفرقها، ومتبرجة تحرق ثيابها كلها -أي: ثياب التبرج- صور تتكرر لما كان من فعل إبراهيم ﵇ ومحمد ﷺ في تحطيم هذه الأصنام، ولذلك لابد من مثل هذا.

стр. 1652

ضرورة تغيير بيئة المعصية ومن الأمور المعينة على ترك الذنوب والمعاصي: أنه لابد من تغيير بيئة المعصية حتى لا تؤدي البيئة مرة أخرى إلى تجددها، وشاهد ذلك الحديث الذي فيه ذكر الرجل الذي قتل تسعة وتسعين نفساً ثم أكمل تمام المائة، فلما جاء إلى العالم العابد نصحه بأن يخرج من هذه، فقال: (ولكن اخرج من أرضك فإنها أرض معصية، والحق بقرية كذا وكذا فإن فيها أناساً يعبدون الله)، فأحياناً لابد أن يترك الإنسان الأماكن الوبيئة والمجتمعات الرديئة والصحبة الفاسدة الفاسقة؛ لأنها مثل الميكروبات، فالميكروب موجود في الهواء، فإذا جئت إلى منطقة ملوثة ولو كنت لا ترغب في هذا الميكروب، ولو كنت لا تحبه ولا تريده، لكنه يسري في جسدك ويبتليك بالمرض، وهذا شاهده واضح وظاهر لا يخفى أثره.

стр. 1653

الحسم من أهم الأمور التي يكون بها نجاح التوبة ومن أمور التوبة ونجاحها الحسم دون تردد، وترك التسويف: لعل وعسى وسوف وغداً وبعد غد، فهذه يجب تركها، فإن الذي يمرض لو قيل له: إن عندك بدايات للسل أو السرطان فقال: غداً أراجع، غداً أجري التحليلات، بعد شهر آخذ أشعة، فإن المرض يكون قد استشرى وتمكن، لكن يجب على مثل هذا المريض أن يذهب مباشرة إلى الطبيب ويطلب الحسم، ولو كان الحسم ببتر عضو فإن سلامة بقية الأعضاء أولى من ترك هذا العضو يفسدها، ولذلك لا يسوفن أحد في مسألة ترك المعصية. فأول خطوة بعد الندم الإقلاع عن المعصية، وهذا الإقلاع لابد منه بكل صوره: بتحطيم أصنامها وشخوصها، وبالانتقال عن بيئتها، وبالبعد عن تذكرها، وبفطم القلب بالخوف من الآخرة عن ورودها على القلب مرة أخرى على سبيل اللذة والشهوة والمحبة، ولذلك لابد من الحسم في هذا حتى لا يتمكن الشيطان مرة أخرى من تمكين الغفلة ونسيان التذكر والبعد عن التوبة، ولابد أن يستشعر الإنسان هذا.

стр. 1654

استشعار أثر الطاعة ومما يعين على التوبة: أن يستشعر أثر الطاعة، فهناك يستشعر أثر المعصية فيكون ذلك دافعاً له للبعد عنها، وكذلك إذا استشعر آثار الطاعات ولذة التوبة وحلاوتها، فإن أي إنسان لو اختلف مع إنسان وهذا الإنسان كان صاحب فضل عليه، وصاحب منة عليه، وصاحب أفضال كثيرة عليه، ولكن حصل بينه وبينه ما شوش العلاقة، فإنه يبقى مهموماً مغموماً حتى يصلح ما بينه وبينه، فإذا اصطلح معه فإنه يقبل حينئذ وهو منشرح الصدر، ويعانق ويبتسم، وتهتز نفسه طرباً، ويرقص قلبه فرحاً، فكيف إذا كنت قد أخطأت وأذنبت وتجرأت على خالقك ورازقك والمدبر لأمرك واللطيف بك ، فما أعظم لذة الصلح والتوبة لله ، وكم فيه من انشراح صدر وطمأنينة قلب! وكم فيها من هدوء قلب وزوال للغموم والهموم! وكم فيها من إشراق في الوجه وقوة في البصر وإشراق في البصيرة! وكم فيها من الخير! وحسبك أن الله يفرح بها، كما قال ﷺ : (للهُ أفرح بتوبة عبده من أحدكم ضاعت منه ناقته في أرض فلاة وعليها زاده وطعامه، فلما أيس منها نام تحت ظل شجرة ينتظر الموت، فلما استيقظ وإذا بناقته عنده، فأخطأ من شدة الفرح قال: اللهم أنت عبدي وأنا ربك). فالله يفرح بتوبة عبده، فكيف بفرح العبد؟! فتأمل أيها العاصي! ما تجد من لذة التوبة ولذة الأنس بالفرح الإلهي الرباني، فإن ذلك من أعظم هذه الأمور.

стр. 1655

أهمية الدعاء في نجاح التوبة وترك المعصية ومن الأمور المعينة على ترك المعاصي والفيء إلى ظل التوبة: الدعاء، فليس هناك أنجع ولا أنفع ولا أسرع في التأثير من هذا الدعاء إذا خرج من قلب مخلص، فادع الله أن يخلصك من الدنايا، وأن يفطم نفسك عن حب المعاصي، وأن يصرف بصرك وبصيرتك عن الشهوات، وأن يرزقك حب الطاعات، فإن ذلك مما يرجى -بإذن الله- أن يكون فيه أعظم الخير وأكبر التوفيق. إذا كثرت منك الذنوب فداوها برفع يد في الليل والليل مظلم ولا تقنطن من رحمة الله إنما قنوطك منها من خطاياك أعظم فرحمته للمحسنين كرامة ورحمته للمذنبين تكرم ومن ذلك: قراءة القرآن والاستعاذة من الشيطان.

стр. 1656

آثار التوبة وفوائدها ولهذه التوبة آثار كثيرة وعجيبة؛ فالإنسان يجد بعض اللذة المشوبة بالخوف وبالتنغيص في هذه المعاصي، فما من لذة في المعصية إلا ويشوبها خوف واضطراب، إما خوف الناس والحياء منهم وأن يقفوا منه على هذه العورة وتلك السوءة، أو خوف الله الذي يجعله يهتم ويغتم لما قد يوقع عليه من العقوبة الآجلة أو العاجلة، وكذلك يبقى مع هذه اللذات في هذه المحرمات أمور منغصة، فإنه ينتهبها نهباً، ويختلسها خلسة، ويأخذها على عجل، ويستتر بها عن أعين الناس، ويرى أنه يأتي أمراً حراماً، ولا يمكن أن يجد فيها لذة، ومهما زاد منها، فإنها ظلمة في القلب وضيق في الصدر، نسأل الله السلامة. فلينظر إلى الآثار الإيجابية في التوبة، وقد ذكر ابن القيم رحمة الله عليه في (مفتاح دار السعادة) أقوالاً كثيرة في هذه الآثار منها أنه قال: توجب له من المحبة والرقة واللطف وشكر الله وحمده والرضا عنه عبوديات أخر عظيمة وعجيبة، كما قيل: وربما صحت الأجسام بالعلل، قد يقدر الله الذنب فيعقبه التوبة فيحصل ذلك الفرح والفرج والخير من الله . ومنها: أنه إذا شهد ذنوبه ومعاصيه وتفريطه في حق الله استكثر القليل من نعم ربه -يعني: أنه يقول: هذه النعم كثيرة علي وأنا عاصٍ، فإذا وجد التوبة والطاعة أيضاً استقل هذه الطاعات في عظيم نعم الله ، ولا يدرك ذلك إلا إذا سار في طريق الطاعة، وأناب إلى طريق التوبة. ومنها: أن الذنب يوجب لصاحبه التيقظ والتحرز من مصائد عدوه، فالذي يذنب ثم يقلع عن الذنب إلى التوبة فإنه يكون أعرف بهذه المعاصي وأبعد عنها، وشديد الحذر وعظيم الحيطة منها، كما قال عمر ﵁: (إنما تنقض عرى الإسلام عروة عروة إذا نشأ في الإسلام من لا يعرف الجاهلية)، فإذا عرفها كان أبصر بمداخلها، ولذلك كان الصحابة أعرف الأمة بالإسلام وتفاصيله وأبوابه وطرقه، وأشد الناس رغبة فيه ومحبة له وجهاداً لأعدائه وتكلماً بأعلامه، وتحذيراً من خلافه لكمال علمهم بضده، فالذين يقعون في المعصية ثم يكتب الله لهم التوبة -كما نسمع من حال كثير من التائبين- يكون عندهم علم بما يقع من هذه المعاصي، وكيف أساليبها، وكيف فتنتها، وكيف آثارها، وأضرارها، فيكون لسان حالهم في الوعظ والتذكر أبلغ ممن لم يكن كذلك، وليس في ذلك تسهيل ولا دعوة إلى تلك المعاصي. ومنها: أن القلب يكون ذاهلاً عن عدوه من الشياطين والأبالسة، فإذا تاب علم أنه كان مستسلماً للعدو فتنبه إلى مثل هذا الأمر. ومن ذلك: أن الله إذا أراد بعبده خيراً أنساه رؤية طاعاته، ثم يبتليه بالذنب، ويجعله نصب عينيه، فينسى الطاعات، ويجعل همه كله ذنبه، فيستغفر الله إلى آخره. ومن آثار التوبة: أن ينشغل الإنسان بعيوب نفسه، وأن ينصرف عن عيوب الناس، فأكثر ما تجد العصاة لهم ألسنة لا يسلم منها أحد، ولهم أبصار تهتك كل ستر، عياذاً بالله! وينشغلون بالقيل والقال وبتتبع السقطات وتلمس العثرات، أما المؤمن إذا أقلع عن ذنبه وفاء إلى ربه وتاب إلى الله علم أن عنده ذنوباً تشغله عن ذنوب الآخرين، وأن عنده عيوباً لو قضى عمره كله في إصلاحها لشغلته عن عيوب الناس الآخرين. فلذلك أيها الإخوة الكرام! ينبغي أن نكون -بإذن الله على هذا القدم من الهمة في الإقلاع عن المعصية، ومحو رسومها وشخوصها وكلما يمت إليها بصلة في واقع قلوبنا ونفوسنا، وفي واقع بيوتنا وبيئاتنا، ونسعى إلى ذلك في واقع مجتمعاتنا؛ لأن المعصية في المجتمع لها أثر عليك، مثل الهوى الملوث، فإذا خرجت في السوق ورأيت المنكرات والمعاصي فإنها تؤثر عليك شئت أم أبيت، فلابد أن يكون هناك حرب على هذه المعاصي، ودروع تقي سهامها، واحتياطات تمنع من شرورها، ولابد فوق ذلك كله من توبة فيها ندم وحرقة تدفع -بإذن الله إلى أن يكون هذا الندم وقوداً يدفع إلى طاعة لله لا تنقطع. والله نسأل أن يمنعنا عن المعاصي، وأن يسهل لنا ويوفقنا إلى الطاعات.

стр. 1657

الأسئلة

стр. 1658

تذكر المعاصي ونسيانها السؤال هل الأفضل نسيان المعاصي أم تذكرها؟ الجواب النسيان والتذكر لكل منهما وجه إيجابي وآخر سلبي، فإذا كان تذكرها ليتذكر مغبتها وجرأته فيها على الله ويزداد ندماً فذلك قد يكون فيه خير يدفعه إلى مزيد من الندم والبكاء والتضرع والذلة، ويدفعه إلى مزيد من العمل الصالح والإنفاق والتوبة والاستغفار، وأما إذا كان تذكرها للترغيب فيها والاستلذاذ بها والحنين إليها فذاك لا شك أنه داعية إلى المعصية فينبغي أن يفطم نفسه عن مثل هذا.

стр. 1659

كيفية الاستمرار على التوبة السؤال كيف يعود الإنسان نفسه على الاستمرار على التوبة؟ الجواب ليس هناك وصفة طبية، وإنما هي: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت:٦٩] فاصدق الله واعزم على عدم الوقوع في المعصية، وأقلع إقلاعاً حاسماً ليس فيه تهاون ولا تسويف ولا أنصاف حلول، ثم اشرع في التوبة تذق لذتها، وابدأ في الطاعة ترى حلاوتها، فإنك حينئذ من طريق إلى طريق تتحول الوجهة بإذن الله ، وإذا صحت النوايا صح من الله تيسير الأمور ونزول التوفيق بإذنه .

стр. 1660

معرفة حكم الشرع في المعاصي السؤال هل هناك شبهات في تحريم التلفاز والسجائر والشيشة والفيديو وغير ذلك؟! الجواب هل نضحك على أنفسنا؟ فهل تظن أن أحداً ممن ينظرون إلى الأفلام التي فيها النساء الكاسيات العاريات، والتي فيها الكلمات الفاسقة الفاجرة، والتي فيها المواقف المحمومة المشبوهة، والتي فيها كل ما هو من سخط الله، هل نظن أن أحداً من أولئك يفعل ذلك وهو يرى ذلك حلالاً أو يراه قربة وطاعة، أو يراه خيراً ومصلحة؟! إن أحداً لا يرى ذلك في أغوار قلبه وأعماق نفسه، ولكنها غفلة وهوى وضعف وأسر وقيد قد كبلته به المعاصي، فهو لا يملك لنفسه حولاً ولا قولاً وهو كرضيع لا يزال يفيء إلى أمه يرضع منها إن لم يفطم نفسه ظل على ذلك، وكان ذلك عاراً وشناراً عليه، وهل أحد يظن في مثل هذه الآثام أن فيها منفعة دنيوية أو أخروية، أو أن فيها مصالح طبية، أو أن فيها منافع اقتصادية؟! أغلب الناس يعلمون حقيقتها، ولكنهم يغالطون أنفسهم، أو ليست عندهم همة وعزيمة في مثل هذا الأمر.

стр. 1661

فعل المعاصي في الخلوة السؤال هناك شاب عندما يكون وحده يمارس بعض الأعمال والمعاصي، كمشاهدة الأفلام وغير ذلك، فهل هذا من أعمال النفاق؟ الجواب ذلك دليل ضعف إيمان ودليل عدم تمكن للطاعة وحبها وللإيمان وقوته في القلب، وإلا فإن المؤمن الصادق يكون أشد احتياطاً وتورعاً من المعصية، وأكثر إقبالاً وحباً للطاعة حال خلوته أكثر من حال جلوته مع الناس، وهذا ميزة ما بين المؤمن الصادق وغيره.

стр. 1662

الحذر من الاستغراق في الضحك واللعب السؤال بعض الملتزمين قد يقضون أوقاتهم في الضحك واللعب بعيداً عن ذكر الله والجد، وهذا يسبب ضعف الإيمان والغفلة، فما توجيهكم؟ الجواب هذا من أعظم البلاء الذي قد ينتكس به حال الإنسان من حال خيرية إلى حال رديئة، فيجب الحذر من ذلك. وصل اللهم وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. والحمد لله رب العالمين.

стр. 1663

عائشة الحميراء لقد حازت عائشة ﵂ على خصائص وفضائل بوأتها مكانة عالية ودرجة رفيعة، ومن هذه الخصائص والفضائل: مكانتها من رسول الله ﷺ وشدة حبه لها، ولم ينزل عليه الوحي في لحاف واحدة من أزواجه سواها، ومرضه ووفاته ودفنه ﵊ كان في بيتها، وقد كانت حسنة العشرة معه، ومن فضائلها علمها ﵂، فقد قال عنها الصحابة والتابعون والعلماء: إنها أعلم وأفقه نساء الدنيا، ومن فضائلها زهدها وإنفاقها للمال في سبيل الله وجهادها وعبادتها وورعها ﵂ وأرضاها.

стр. 1664

فضائل عائشة ﵂ وخصائصها ووصفها بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله هو لكل خير يرتجى، وإليه من كل شر الملتجأ، والصلاة والسلام على النبي المصطفى، وعلى آله وصحبه ومن بهم اقتدى، وإن هدى الله هو الهدى، من تمسك به اهتدى، ومن حاد عنه ضل وغوى. أما بعد: فهذا الدرس الخامس والخمسين، وهو بعنوان: (عائشة الحميراء قدوة النساء) وقد سلف لنا أحاديث عديدة حول ما يتعلق بالمرأة المسلمة وبعض الموضوعات المتعلقة بها، وحديثنا عن عائشة ﵂ يخدم هذا الجانب على وجه الخصوص، وإن كان في موضوع سيرتها ما هو نافع ومفيد للمجتمع المسلم كله رجالاً ونساءً؛ لأن في مواقفها وتعاملها مع رسول الله ﷺ ، وفيما مر بها من الأحداث والوقائع مع الصحابة رضوان الله عليهم ما فيه كثير من الدروس والعبر. والحديث الذي يجري في هذا الصدد أيضاً له سبب آخر؛ لأن ما يتعلق بتراجم النساء وقدوات المؤمنات يعتبر قليلاً في جانب ما هو منصوب من القدوات في صفوف الرجال، فنحن نعلم أن الحديث يكثر عن أصحاب رسول الله ﷺ ، وعن الأئمة العلماء، وعن سلف هذه الأمة، ونذكر الإمام أحمد والشافعي وأبا حنيفة والإمام مالكاً وغيرهم من هؤلاء، ويقل ذكر قدوات النساء، فلعل ذكر عائشة ﵂ يعتبر مثالاً يحتذى؛ لما لها من عظيم الفضائل وكثير الخصائص ﵂ وأرضاها. فـ عائشة ﵂ -كما قال الذهبي - بنت الإمام الصديق الأكبر خليفة رسول الله ﷺ أبي بكر عبد الله بن قحافة عثمان بن عامر القرشي القرشية التيمية المكية النبوية أم المؤمنين ﵂، فقد حازت الفضل من كل جوانبه، ونالت الشرف من سائر أوجهه، وهي التي ولدت في ظلال الإسلام، كما قالت: (لم أعقل أبوي إلا وهما يدينان الدين). فقد ولدت في الإسلام وفي بيئة إسلامية، وحتى ندرك بإيجاز أول ما يتعلق بسيرة عائشة ﵂ نقول: إن النبي ﷺ عقد عليها وهي ابنة ست سنين، ودخل عليها وهي ابنة تسع سنوات، وتوفي عنها ﷺ وهي ابنة ثماني عشرة سنة). فتأمل هذه السيرة التي أهلتها بعد ذلك إلى أن تكون قدوة من القدوات، وعلماً من أعلام الأمة الإسلامية كلها مع هذه الفترة الوجيزة، لكنها كانت فترة عظيمة لالتصاقها برسول الله ﷺ . وذكر أهل السير في وصفها أموراً وأوصافاً كثيرة، كما أفاض في ذلك ابن كثير في البداية والنهاية عندما ترجم لها في سنة وفاتها، قال: أم المؤمنين عائشة بنت أبي بكر الصديق، وزوجة رسول الله ﷺ ، وأحب أزواجه إليه، المبرأة من فوق سبع سماوات ﵂ وعن أبيها. وأمها هي أم رومان بنت عامر بن عويمر الكنانية، وكانت عائشة ﵂ تكنى بـ أم عبد الله، ولم يكن لها ولد؛ لأنها لم تلد مطلقاً، لكنها ربت ابن أختها أسماء وهو عبد الله بن الزبير ﵁، فكانت تكنى به ﵂. وقد أوجز ابن كثير في هذه الترجمة ما سأذكره بإيجازه ثم يأتي تفصيل بعضه. ذكر ابن كثير جملة وافرة من خصائص عائشة ﵂ فقال: لم يتزوج رسول الله ﷺ بكراً سواها، ولم ينزل عليه الوحي في لحاف امرأة غيرها، ولم يكن في أزواجه أحب إليه منها، فهذه كلها أمور لم يشاركها فيها غيرها. قال: وقد أتاه الملك بها في المنام في سرقة من حرير مرتين أو ثلاثاً يقول له: هذه زوجتك. فتزوج بها بأمر الله ووحي الله . قال: ومن خصائصها أنه كان لها في القسم يومان: يومها ويوم سودة حين وهبتها ذلك تقرباً إلى رسول الله ﷺ . ومن خصائصها أنه مات في يومها وفي بيتها وبين سحرها ونحرها ﷺ ، وجمع الله بين ريقه وريقها في آخر ساعة من ساعات الدنيا وأول ساعة من ساعات الآخرة له ﵊، ثم دفن في بيتها. ومن خصائصها أنها أعلم نساء النبي ﷺ ، بل هي أعلم نساء الأمة على الإطلاق بلا نزاع في ذلك بين أهل العلم. وقد قال أهل العلم في وصف علمها شيئاً كثيراً يأتي ذكره لاحقاً. فهذه عائشة ﵂ بما ذكر في وصفها على سبيل الإجمال، وفضائلها كثيرة مشهورة في الأحاديث الصحيحة عن رسول الله ﷺ ، بل قد جاء ونزل في حقها آيات تتلى من كتاب الله إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، ففي الحديث عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : (أريتك في المنام ثلاث ليال جاء بك الملك في سرقة من حرير -يعني: مغطاة بقطعة من حرير- يقول: هذه امرأتك. فأكشف عن وجهك فإذا أنت، فأقول: إن يكن هذا من عند الله يمضه) وقد أمضاه الله . وفي فضيلة قربها من رسول الله ﷺ وعظيم محبته ﵊ لها ما ورد في الحديث الصحيح عن عمرو بن العاص -وهو ممن أسلم في السنة الثامنة للهجرة- أنه سأل النبي ﷺ وقال له: (أي الناس أحب إليك يا رسول الله؟ قال: عائشة قال: فمن الرجال؟ قال: أبوها) فكانت هي حبيبة رسول الله ﷺ ، ولذلك قال الذهبي بعد إيراده هذا الحديث تعليقاً عليه قال: وهذا حديث ثابت صحيح رغم أنوف الروافض، وما كان ﵊ ليحب إلا طيباً، وقد قال: (لو كنت متخذاً خليلاً من هذه الأمة لاتخذت أبا بكر خليلاً، ولكن أخوة الإسلام أفضل) يقول الذهبي: فأحب ﵊ أفضل رجل وأفضل امرأة من أمته، فمن أبغض حبيبي رسول الله ﷺ فهو حري أن يكون بغيضاً إلى الله ورسوله. وأقوال الرافضة في عائشة ﵂ مرفوضة مردودة قبيحة، حتى إن بعضهم قد غالى في ذلك وقال قولاً يكفر به صاحبه إن اعتقده، قال بعض الغلاة ممن كانوا على هذه النحلة والملة في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة:٦٧] قال: هي عائشة. تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً. عن هشام بن عروة عن عائشة ﵂ قالت: (كان الناس يتحرون بهداياهم يوم عائشة) لمعرفة الصحابة محبة النبي ﵊ لـ عائشة، فقد كانوا يهدون إليه في اليوم الذي يكون عندها، حتى يكون ذلك اليوم أكثر سعداً وفرحاً لرسول الله ﷺ ، تقول عائشة: (فاجتمعن صواحبي إلى أم سلمة) وكانت أم سلمة من كبار أزواج النبي ﷺ سناً، وسيأتي تفصيل الحزبين اللذين كانا في أزواج النبي ﵊ بحكم طبيعة المرأة وغيرتها. قالت: (فجئن إلى أم سلمة فقلن لها: إن الناس يتحرون بهداياهم يوم عائشة، وإنا نريد الخير كما تريده عائشة، فقولي لرسول الله ﷺ يأمر الناس أن يهدوا له أينما كان. فذكرت أم سلمة ذلك له فسكت فلم يرد عليها، فعادت الثانية فلم يرد عليها، فلما كان الثالثة قال: يا أم سلمة! لا تؤذيني في عائشة؛ فإنه والله ما نزل علي الوحي وأنا في لحاف امرأة منكن غيرها) وهذه فضيلة لها عن باقي أزواج النبي ﷺ . وتحكي عائشة حال أزواجه ﷺ ، وهذا بيان طبيعة فطرة المرأة مع العصمة في الشرع والبعد عن المخالفة لأمر الله وأمر رسوله ﷺ . تقول عائشة: (إن نساء رسول الله ﷺ كن حزبين: فحزب فيه عائشة وحفصة وصفية وسودة، والحزب الآخر فيه أم سلمة وسائر أزواجه، وكان المسلمون قد علموا حب رسول الله ﵊ عائشة، فإذا كانت عند أحدهم هدية يريد أن يهديها إلى رسول الله أخرها حتى إذا كان في بيت عائشة بعث بها إلى رسول الله ﵊. فتكلم حزب أم سلمة مع أم سلمة لتكلم رسول الله ﷺ فقال لها ذلك القول، فقالت في هذه الرواية أم سلمة: أتوب إلى الله من ذلك يا رسول الله. ثم إنهن دعون فاطمة بنت رسول الله ﷺ فأرسلنها إلى رسول الله ﵊ تقول له: إن نساءك ينشدنك العدل في بنت أبي بكر. فكلمته فقال: يا بنية! ألا تحبين ما أحب؟ قالت: بلى. فرجعت إليهن وأخبرتهن، فقيل لها: ارجعي إليه. فأبت أن ترجع، فأرسلوا بعد ذلك زينب بنت جحش ﵅ جميعاً، فأتت رسول الله ﷺ فأغلظت له في القول وقالت: إن نساءك ينشدنك العدل في ابنة أبي قحافة، فرفعت صوتها حتى تناولت عائشة -أي: ببعض القول- وعائشة قاعدة، حتى إن رسول الله ﷺ لينظر إلى عائشة هل تتكلم؟ قال: فتكلمت عائشة ترد على زينب حتى أسككتها -أي: ذكرت لها من القول ما ألجمها وأسكتها- فقال النبي ﵊: إنها ابنة أبي بكر) فشهد لها هذا الموقف بفضلها على أ

стр. 1665

علم عائشة ﵂ أنتقل إلى جانب مهم من جوانب سيرة عائشة ﵂، ذلك هو علمها؛ لأن هذا الجانب يكاد يكون في غاية الضعف عند نسائنا في هذه الأيام، فإننا إذا تحدثنا عن طلب العلم والحرص على دروس العلم ونحو ذلك فكأن الغالب في أذهاننا أن ذلك الحديث مخصوص بالشباب دون الشابات، وبالرجال دون النساء، وكذلك نجد أن البيئة التي نعيش فيها تظهر فيها نماذج من طلبة العلم والحريصين عليه حفظاً لكتاب الله ، وحفظاً لسنة رسوله ﷺ ، واطلاعاً على أقوال أهل العلم وكتب الفقهاء وغير ذلك، نجد ذلك في صفوف الرجال والشباب أكثر منه في صفوف النساء، حتى توهم الناس أنه لا يكون للمرأة قدرة على أن يكون حظها من العلم مثل حظ غيرها من الرجال، بل قد سرى وهم إلى بعض الرجال أن المرأة زوجة كانت له أو بنتاً أو أختاً أنها دون أن تكون لها صلة بالعلم والاستنباط والفهم والفقه، مع أن هذا غير صحيح، ونشأ عن هذا فقر مهم، وفي نفس الوقت خطير؛ لأن النساء لهن حاجات ومسائل قد يمنعهن الحياء أن يسألن عنها الرجال، وخاصة في أمور المعاشرة مع الأزواج، وفي أمور الطهارة الخاصة بالنساء، فلما قل الفقه في النساء أصبح وقوع الخلل منهن لعدم سؤالهن للرجال حياءً أو تحرجاً أو غير ذلك أصبح هذا ظاهراً بشكل كبير، وهذا أيضاً مدخل خطير؛ لأن عدم تهيؤ المرأة واستعدادها وميلها وعلمها بإمكانية طلبها للعلم ونبوغها فيه ونفعها لبنات جنسها جعلها أكثر عرضة وتهيئةً لأن يصطادها أعداء الله ، وأن يشغلوها بأفكار ومطالعات وقراءات بعيدة عما ينفعها في دينها ودنياها وفي آخرتها. ولذلك في الحقيقة أرى أن جانب العلم -سيما في الأمور التي تخص المرأة- من المهم جداً أن تنتدب له النساء الصالحات القانتات العابدات، وأن يحث الرجل من له عليه ولاية من النساء على أن تأخذ حظها من العلم لتنفع نفسها وتنفع بنات جنسها، وإن حديث الرجال إلى النساء قاصر في تأثيره وفي لمسه لحاجتهن ومعرفته بأحوالهن، ولذا يكون لسان المرأة إلى المرأة أبلغ، وتعليم المرأة للمرأة أقوى، ولأن الحواجز والموانع الشرعية من الحجاب وغير ذلك تمنع من أن يكون التواصل العلمي والتربوي كاملاً، فإنه لا يغني ذلك من جانب الرجال الغناء الكامل، بل لا بد أن يكون في صفوف النساء المسلمات عالمات ومربيات وداعيات؛ لأن علمهن بأحوال النساء وقربهن منهن وقدرتهن على معاشرتهن ومواجهتهن ومكاشفتهن ومصارحتهن تؤدي دوراً أكبر، ولذلك أسوق هذه القدوة في العلم للنساء وللرجال، فإن عائشة ﵂ قد كان الرجال من أصحاب رسول الله ﷺ إذا أشكل عليهم الأمر وأعجزتهم المسألة رجعوا إليها ﵂، فأخبرتهم حكم وخبر رسول الله ﷺ فيها. فلذلك قال الذهبي رحمة الله عليه: إن عائشة أفقه نساء الأمة على الإطلاق. وذكر أن مسند عائشة من الأحاديث يبلغ ألفين ومائتين وعشرة أحاديث، اتفق البخاري ومسلم منها على مائة وأربعة وسبعين حديثاً، وانفرد البخاري بأربعة وخمسين حديثاً، وانفرد مسلم بتسعة وستين حديثاً، ولا يوجد في النساء من هي أكثر رواية لحديث رسول الله ﷺ من عائشة، ولم يكن زواج النبي ﷺ بالعدد الكثير من النساء عبثاً، وإنما كان ليطلعن على ما لا يطلع عليه إلا المرأة من زوجها في شأن الأمور الدقيقة، فينقلن هذا العلم والأحكام الشرعية المتعلقة بأخص خصائص ما بين الرجل وزوجته لنساء الأمة ورجالها على حد سواء، ولذلك قال الذهبي: لا أعلم في أمة محمد ﷺ بل ولا في النساء مطلقاً امرأة أعلم منها. وقال الزهري: لو جمع علم عائشة إلى علم جميع أزوجه وعلم جميع النساء لكان علم عائشة أفضل. وقال عطاء بن أبي رباح: كانت عائشة ﵂ أفقه الناس، وأعلم الناس، وأحسن الناس رأياً في العامة. وتأمل هذه الجملة الأخيرة، بل تأمل هذا النص كله: (كانت أفقه الناس وأعلم الناس) فالفقه غير العلم، العلم حفظ، والفقه استنباط، فقد جمعت بين الأمرين معاً (وأحسن الناس رأياً في العامة) أي أنها تعرف أمور الناس ومجريات الحياة، وما ينبغي أن يكون من التوجيه، وكيف تكون هذا الأساليب. وقد ورد في مسند الإمام أحمد بسند صحيح أن عائشة ﵂ استدعت قاص أهل المدينة الذي كان يقص لهم القصص ويعظهم بالمواعظ وقالت له: لَتعاهِدَنيِّ أو لأقاطعنك. قال: علام يا أم المؤمنين -أو: زوج رسول الله ﷺ ؟ - قالت: (أن لا تمل الناس وأن لا تقنطهم، وإذا حدثتهم فحدثهم يوماً ويوماً) تعني: لا تملهم في الحديث. وقالت له: لا تملهم بطول حديثك وتكراره، ولا تقنطهم بتأييسهم من ﵀ وإكثار الخوف عليهم دون أن تفتح لهم باب الرجاء. وتلك العبارة تدلنا على أنها كانت أحسن الناس رأياً في العامة. وقال عروة: ما رأيت أحداً أعلم بفقه ولا طب ولا شعر من عائشة ﵂. وهذه الرواية عن عروة تروى بوجه آخر مفصل يبين لنا أن عائشة كانت على ذكاء وافر وفطنة عجيبة، يقول عروة -وهو ابن أختها-: صحبت عائشة ﵂ فما رأيت أحداً قط كان أعلم بآية أنزلت، ولا بفريضة، ولا بسنة، ولا بشعر ولا أروى له، ولا بيوم من أيام العرب، ولا بنسب، ولا بقضاء ولا طب منها. فانظر! فقد كانت تعرف الأنساب، ولا غرو في ذلك؛ فهي ابنة نسابة قريش أبي بكر ﵁. وكونها تعلم علم القرآن والسنة والفقه لا غرو في ذلك؛ فقد كانت زوجة المصطفى ﷺ . يقول عروة: قلت لها: يا خالة! الطب من أين علمتيه؟ أي: عرفنا أنك علمت الفقه والأحكام من الرسول ﵊، والنسب من أبي بكر، والشعر من حسان، لكن من أين لك هذا الطب؟ فقالت: كنت أمرض فينعت لي رسول الله ﷺ الشيء لأتعالج به، ويمرض المريض فينعت له رسول الله ﷺ ، وأسمع الناس ينعت بعضهم لبعض فأحفظه)، فكانت ﵂ طبيبة قلوب وطبيبة أبدان، فهذا يدل على الفطنة، ويدل على أن عائشة لم تكن اهتماماتها اهتمامات سطحية كحال بعض نسائنا اليوم. فإن بعض النساء اليوم عندها فطنة، وعندها ذكاء، وعندها سرعة حافظة، لكنها موجهة توجيهاً غير سليم، فتراها تمزج الموديلات للملابس بين هذا وهذا، وتحفظ ذاك، والأول والثاني، وتعرف أن هذا طراز قديم وهذا طراز حديث، بينما عائشة ﵂ كانت لها أذن واعية وقلب مستقبل لكل ما فيه منفعة في هذه الدنيا وفي الدين على وجه الخصوص، ولذلك قال عروة: فلقد ذهب عامة علمها لم أسأل عنه. وعروة هو ابن أختها، والذي كان ملازماً لها، والذي روى كثيراً من علمها، فلكثرة علمها وتشعبه يقول: إنها ماتت وتوفيت وذهب عامة علمها ولم يستطع أن يسألها عنه لكثرته، فمضى الزمان وانتهى عمرها قبل أن يأخذ علمها الغزير. وكانت تحفظ الشعر وترويه كأحسن ما يروي الناس الشعر، ولا تنس أن هذا كله والنبي ﵊ توفي عنها وهي ابنة ثماني عشرة سنة، واليوم ربما ابنة الثامنة عشرة لا هم لها إلا أن تحسن وجهها، وتنعم صوتها، وتتكسر في مشيتها، لا تعرف اهتماماً من أمور الدنيا ولا من أمور الدين، ولا تفكر في آخرة، ولا تحوز علماً، ولا تتأهل إلى تربية، ولا تتصدى لفتيا، ولا شيئاً من ذلك مطلقاً، وهذا يدلنا على البون الشاسع بين ما كانت عليه أزواج النبي ﵊ ونساء المؤمنين وبين ما آل إليه الحال في نساء هذا الزمان إلا من رحم الله في عصرنا هذا، ولذلك ينبغي للمرأة أن تفطن لما يتعلق بتحصيل العلم، فقد كانت عائشة ﵂ على هذا النحو الواسع من العلم. وعن الشعبي أن عائشة ﵂ قالت: (رويت للبيد نحواً من ألف بيت) وكان الشعبي يذكرها -أي: عائشة - فيتعجب من فقهها وعلمها، فإذا كان هذا العلم الذي تحفظه فما ظنك بالتربية العلمية والعملية التي تلقتها من رسول الله ﷺ . ومن هنا لجأ إليها الصحابة رضوان الله عليهم ونهلوا من علمها وأخذوا من فقهها كثيراً. قال ابن سعد في الطبقات: كانت عائشة ﵂ أعلم الناس، يسألها الأكابر من أصحاب رسول الله ﷺ . وقال أيضاً: ما كان أصحاب رسول الله ﵊ يشكون في شيء إلا سألوا عنه عائشة، فيجدون عندها من ذلك علماً. بل قد صنف الزركشي كتاباً كاملاً سماه: "الإجابة فيما استدركته عائشة على الصحابة" أي: فيما استدركت عليهم من الأخطاء التي وقعوا فيها، أو الأقوال التي خالفتهم فيها بحجة ودليل من رسول الله ﷺ . ومن ذلك ما ورد في الصحيح عن رسول الله ﷺ لما روى عمر ﵁ عن رسول الله ﵊: (إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه) فقالت عائشة ﵂: (رحم الله ابن الخطاب، ما قال رسول الله ﷺ ذلك، وإنما قال: إن الكافر ليعذب ببكاء أهله عليه) وكانت تستدرك وتقول: (حسبكم كتاب الله (وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام:١٦٤]). فكان عندها فقه عجيب، وبصر نافذ، وإحاطة شاملة بكثير مما أثر عن رسول الله ﷺ . وكما قال أبو سلمة بن عبد الرحمن: ما

стр. 1666

المعاملة الزوجية بين رسول الله ﷺ وبين عائشة أنتقل إلى جانب مهم يهم الرجال والنساء معاً، ذلك هو جانب المعاملة الزوجية التي كانت بين رسول الله ﷺ أفضل الخلق أجمعين وبين عائشة ﵂، وهي من علمنا فضلها وخصائصها. جملة من الروايات والقصص في معاملة رسول الله ﵊ لـ عائشة تكشف لنا عما ينبغي أن يكون عليه الرجل مع زوجته، وما ينبغي أن تكون عليه الزوجة مع زوجها. فمن ذلك تلطفه ﵊ ورقته وحنانه ومحبته وتودده لـ عائشة ﵂، كما ورد في الصحيح عن عائشة تقول: (لقد رأيت رسول الله ﷺ يقوم على باب حجرتي والحبشة يلعبون بالحراب في المسجد، وإنه ليسترني بردائه لكي أنظر إلى لعبهم، ثم يقف من أجلي حتى أكون أنا التي أنصرف، فاقدروا قدر الجارية الحديثة السن، الحريصة على اللهو) فهذا الرسول ﵊ -وهو من هو عظمة- يتودد إلى عائشة، ويمكنها من أن ترى بعض ما يدخل السرور على نفسها، ويقف لأجلها حتى يكون رداءاً وساتراً لها، ولا يتحرك حتى تنتهي من مطالعتها ومن متعتها وسرورها تلطفاً منه ﵊ ومراعاة لها ولسنها، فما بال الرجال يأنفون من أقل من هذا بكثير، بل يستكثرون به على أزواجهم، ويظنون أن في ذلك إذهاباً لهيبتهم، وأنه لا بد أن يكون الواحد منهم متجهم الوجه، مقطب الجبين، ينظر بعينه شزراً، وتتقد عينه جمراً، وإن لم يكن كذلك فلا يكون رجلاً، هذا لا شك أنه من فرط الجهل لأصول المعاشرة. فإن الإنسان قد يتوقى ويتحرز من الناس البعيدين أو الأغراب، أما من تكثر الخلطة معهم فلا بد من أن تكون معهم على لين وتودد وتلطف، وعلى ترسل في المعاملة من غير تكلف، وعلى إبداء ما عندك دون حرج؛ لأنك ستلقاهم كل يوم، فلو تحفظت وتحرجت وتهيبت فإنك لا تستطيع أن تستمر على ذلك. قد ترى الإنسان عندما تتعرف إليه أول أمره لا يتكلم معك في خاص أموره، ولا فيما يتعلق ببعض ما يحترز منه من الدعابة أو المزاح أو كذا، لكن إذا أكثرت خلطته وعشرته بدا لك منه كل شيء، فكيف يكون الرجل مع زوجته وهي أقرب الناس إليه وأكثرهم عشرة له ثم لا يتلطف ولا يتودد ولا يكون في سيرته معها على ما هو طبعه وسجيته دون أن يكون متكلفاً ولا متجهماً؟! وكذلك من لطائف هذه المعاملة الزوجية ما ورد في الصحيحين من حديث عائشة أن النبي ﷺ قال لها: (إني لأعلم إذا كنت عني راضية وإذا كنت عليّ غضبى). ليس هناك من غضاضة ولا جرم ولا كبيرة من الكبائر أن تغضب المرأة على زوجها، لما قد يقع من أسباب الاختلاف المعتادة في حياة الناس، ولكن انظر إلى أدب عائشة وإلى فطنة رسول الله ﷺ ، فقالت له: (كيف ذاك يا رسول الله -أي: كيف تعرف رضاي من غضبي-؟! فقال: إذا كنت راضية عني قلت: لا ورب محمد. وإذا كنت غضبى قلت: لا ورب إبراهيم، فقالت عائشة ﵂: أجل والله ما أهجر -يا رسول الله- إلا اسمك) فهذا يدل على أنه قد يقع ما يوجب الخلاف والنزاع، ولكن لا بد أن يكون له حده، فلا تتجرأ المرأة على زوجها ولا تشتمه ولا تنتقصه ولا تذكره بما يسوءه، ولا تنعته بما لا يحب ولا تصفه بما يكره، ولا تنبزه بما هو عيب وإن كان فيه، لئلا توغر صدره وتجعل -كما نقول- من الحبة قبة، ولئلا تنفخ في نار هذه الشحناء اليسيرة والمخالفة اليسيرة، فإذا بها تغدو مشكلة كبيرة وصراعاً عنيفاً لا يحل بسهولة، ثم انظر إلى أدب عائشة ﵂ وحسن تقديرها وتعظيمها لرسول الله ﵊ مع إشعارها بأنها غضبى حتى يتلطف معها، فإنها تشعره بأقل القليل الذي يغني عن غيره، فكانت تقول: (لا ورب إبراهيم) وإذا كانت راضية تقول: (لا ورب محمد) وما أخطأت في القولين كليهما، وإنما أحسنت في الأدب، وانظر إلى رسول الله ﵊! ما قال لها: إني أعرف أنك غاضبة ليقابل غضبها بغضب، وإنما ليستل ويدخل هذا المدخل اللطيف الودود المحبب ويقول لها مداعباً وملاطفاً: إني أعرف هذه الحالة وهذه الحالة. وبين لها أنه قد بلغته رسالتها وعرف مقصدها، وأراد أن يمحو ما كان من سبب هذا الغضب. ومن ذلك أيضاً ما ورد في حديث النعمان بن بشير قال: (استأذن أبو بكر على النبي ﷺ فإذا عائشة ترفع صوتها عليه فقال: يا بنت فلانة!) وهذه أساليب العرب العجيبة في تعاملهم، هي ابنته لكن في هذا الفعل لم يكن راضياً عنها، فلم يرد أن ينسبها إليه وهي تفعل فعلاً لا يحبه فقال: (يا ابنة فلانة!) نسبها إلى أمها، ثم قال: (ترفعين صوتك على رسول الله ﷺ ! فحال النبي ﷺ بينه وبينها، أراد أبو بكر أن يتوجه إلى عائشة ليضربها ويعنفها، وقد استنبط بعض أهل العلم أنه يجوز لأب البنت أن يربيها وأن يزجرها بحضرة زوجها، لكن انظر): (فحال النبي ﷺ بينه وبينها) مع أن النبي ﵊ هو -إذا صح التعبير- المعتدى عليه، وعائشة هي التي رفعت صوتها عليه، ومع ذلك حال بينها وبينه: (ثم خرج أبو بكر ﵁ فجعل النبي ﷺ يترضاها) يترضى عائشة ويتلطف معها وقال: (ألم تريني حلت بينك وبين الرجل؟!) يستشفع بالموقف الدفاعي الذي وقفه ﵊، ثم استأذن أبو بكر مرة أخرى فسمع تضاحكهما، أي: النبي ﵊ وعائشة. قد أزال ﵊ بحسن معاملته هذا الأمر الذي كان سبب هذا الغضب، فقال أبو بكر: (أشركاني في سلمكما كما أشركتماني في حربكما) ما أجمل هذا الموقف! وما أرق رسول الله ﷺ ! وما أحسن تأتي. عائشة ولينها وانكسارها لرسول الله ﵊! ومعلوم أن الحياة الزوجية لا تخلو من المكدرات، ولكن هذه المعاملة هي التي تزيل أسباب الكدر، وإذا كانت هناك مكدرات فإن هناك مهدئات ومسكنات من هذه المعاملة اللطيفة، فلذلك رفعت المرأة صوتها على زوجها ولم يكن زوجها أي أحد، بل كان رسول الله ﷺ ، فقبل منها مراعاة لطبيعتها وغضاً للطرف عما سبب لها ذلك الغضب، ثم بعد ذلك حال بينها وبين أبيها، ثم جعل يترضاها ويستشفع بما كان منه من موقف تجاهها، ثم تضاحك الزوجان مرة أخرى وعاد الوئام في لحظات، وإن لم يكن الأمر كذلك فإن الكلمة تجر أختها، وأحياناً الحركة تجر غيرها، وتزداد الشقة والخلاف والنزاع. والحديث هنا لعله يكون أكثر توجيهاً للأزواج والرجال أكثر منه للنساء، كل هذه المواقف تربية في سيرة عائشة وهدي رسول الله ﵊ لكلا الجنسين، ففي حديث هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: (سابقني رسول الله ﷺ فسبقته ما شاء -أي: أكثر من مرة- حتى إذا رهقني اللحم سابقني فسبقني، فقال: يا عائشة! هذه بتلك). موقف جميل جداً لعل الواحد منا يتنزه عما هو أقل منه، ويرى أن ذلك خارم لمروءته وجارح في عدالته وإنزال من منزلته، فإذا ظن ذلك فليستغفر؛ فإن رسول الله ﷺ قد فعل ذلك، ولنا فيه قدوة وأسوة حسنة، فإنه كان يتلطف بهذا، وهذا يدلنا أيضاً على عظمة رسول الله ﵊ من وجه آخر، فإنه كان يجيش الجيوش، ويدرس الدروس، ويربي الرجال، ولم يشغله كل ذلك عن أن يكون مؤدياً لحق أهله ومراعياً لزوجته حتى في تفرغه لمسابقتها ومداعبتها وملاعبتها، وغير ذلك من الأمور التي ينشغل عنها الناس اليوم، ولا يفطنون لها ولا يتوددون بها إلى أزواجهم، فتبقى الحياة كاحتكاك الحديد بالحديد ليس هناك بينهما حسن التلطف والتودد الذي يزيل هذا الاحتكاك ويجعل المسائل على أحسن وجه مما يجعل الحياة الزوجية هانئة سعيدة. ومن لطفه ﵊ وعظيم محبته لـ عائشة ﵂ -وهذا حب فريد منه ﵊ يعلمنا به أن الحب في ظل الشرع أمر لا حرج فيه- ما روته عائشة ﵂ فقالت: (كان رسول الله ﷺ يعطيني العظم فأتعرقه - أي: تأكل عروق العظم ما بقي من اللحم - ثم يأخذه فيديره حتى يضع فاه على موضع فمي) كان يفعل ذلك ﷺ تحبباً وتلطفاً معها وإشعاراً لمنزلتها عنده ﷺ . وهنا أيضاً حادثة لطيفة فيما يتعلق بين الزوجات مع أزواجهن، والرواية عن القاسم عن عائشة ﵂ (أن النبي ﷺ كان إذا خرج أقرع بين نسائه، فطارت القرعة لـ عائشة وحفصة معها، وكان إذا كان بالليل يمشي مع عائشة يتحدث وقت الليل، ثم بعد ذلك يرجع فينام، فقالت حفصة: ألا تركبين الليلة بعيري وأركب بعيرك تنظرين وأنظر -تعني: تجربين هذا البعير وأنا أجرب بعيرك-؟ فقالت: بلى. فركبت فجاء النبي ﷺ إلى جمل عائشة وعليه حفصة فسلم عليها ثم سار حتى نزلوا، وافتقدته عائشة، فلما نزلوا جعلت رجليها بين الإذخر وجعلت تقول: يا رب! سلط علي عقرباً أو حية تلدغني، رسولك ولا أستطيع أن أقول له شيئاً) تبدي ما كان من ندمها في هذا الشأن. فهذه مواقف يسيرة من معاملة الرسول ﵊ لـ عائشة ﵂، وحسن أدب عائشة مع المصطفى ﵊. وهذا كله يدلنا على ما ينبغي أن يكون بين الرجل وزوجته.

стр. 1667

الأحكام الفقهية المتعلقة بسيرة عائشة ﵂ هناك بعض ما يتعلق بالأحكام الفقهية في قصة عائشة ﵂، وهذا نوع من المزواجة حتى ننتقل من مرحلة إلى أخرى؛ لأن هناك مواقف أخرى سيأتي ذكرها لاحقاً. ففي مسند الإمام أحمد عن عائشة ﵂ قالت: (أقبلنا مع رسول الله ﷺ حتى إذا كنا بتربان -بلد بينه وبين المدينة بريد وأميال وهو بلد لا ماء به- وذلك من السحر انسلت قلادة من عنقي فوقعت، فحبس علي رسول الله ﷺ لألتمسها حتى طلع الفجر، وليس مع القوم ماء، فلقيت من أبي ما الله به عليم من التعنيف والتأفيف، قال: وفي كل سفر للمسلمين منك عناء وبلاء! فأنزل الله الرخصة في التيمم، فتيمم القوم وصلوا، قالت: يقول أبي حين جاءت الرخصة من الله للمسلمين: والله -ما علمت- يا بنية إنك لمباركة، ماذا جعل الله للمسلمين في حبسك إياهم من البركة واليسر) فهذا مما كان من أسباب الأحكام الفقهية في شأن عائشة ﵂. ومن ذلك أيضاً فيما يتعلق بالأحكام الفقهية المنقولة والملتصقة بسيرة عائشة، ما روي عن أبي قيس مولى عمرو قال: (بعثني عبد الله بن عمرو إلى أم سلمة وقال: سلها: أكان رسول الله ﷺ يقبل وهو صائم؟ فإن قالت: لا فقل: إن عائشة تخبر الناس أنه كان يقبل وهو صائم، فقال لها ذلك، فقالت له: لعله لم يكن يتمالك عنها حباً أما إياي فلا)؛ لأنها كانت ﵂ كبيرة في السن، وهذا حكم فقهي فيما يتعلق بها ﵂. ومن ذلك أيضاً ما روته بكرة بنت عقبة أنها دخلت على عائشة وهي جالسة في معصفرة -أي: لباس مزين أو فيه صفرة- فسألتها عن الحناء، فقالت: شجرة طيبة وماء طهور. وسألتها عن الحفاف فقالت: إن كان لك زوج فاستطعت أن تنزعي مقلتيك فتصنعينها أحسن مما هما فافعلي. وهذا من أعظم فقه عائشة بالنسبة للنساء، تقول: إن كان لك زوج فاستطعت أن تنزعي مقلتيك -أي: عينيك- فتصنعيهما أحسن مما هما عليه فافعلي. وذلك لتكون أقرب وأحب إلى زوجها.

стр. 1668

عائشة ﵂ وموقفها من حادثة الإفك بعد ذلك هناك الموقف العظيم في سيرة عائشة ﵂، وهو موقف في الحقيقة جدير بأن يكون درساً مستقلاً، ولكني أدرجه ضمن هذا الدرس؛ لأن الحديث عن عائشة يستلزم ذكره، وهو ما يتعلق بحادثة الإفك، وهي حادثة طويلة ذكرها الله في كتابه، وبرأ فيه عائشة ﵂. هذه الحادثة موجزها أن عائشة كانت مع النبي ﷺ وأصحابه في بعض غزواتهم، فلما أرادوا أن ينصرفوا كانت ذهبت لقضاء حاجتها، فجاء القوم ليحملوا هودجها على البعير وحملوه ولم يشعروا بأنها ليست فيه؛ لأنها كانت خفيفة الوزن في ذلك الوقت، ومضوا، فلما رجعت إلى مكانها وإذا القوم قد غادروا فظلت في مكانها لم تتحرك، بل قالت: سيشعرون بي ويرجعون ليأخذوني. وإذا بـ صفوان بن المعطل ﵁ كان في آخر الجيش، وبعد مضي الجيش بقليل مر، فإذا به يرى سواداً، فاقترب فإذا هو يرى عائشة ﵂، قالت: وكان قد رآني قبل أن ينزل الحجاب، فاسترجع -أي: قال: إنا لله وإنا إليه راجعون-. قالت: فاستيقظت على استرجاعه، فأناخ جمله، قالت: والله ما كلمني حتى بلغنا القوم. فلما بلغت عائشة ﵂ القوم تكلم المنافقون وعلى رأسهم عبد الله بن أبي بن سلول، وخاضوا في وصم عائشة بالفاحشة مع صفوان بن المعطل، وكانت عائشة ﵂ سليمة القلب سليمة النية لم تسمع بذلك ولم تشعر به. ثم لما قدم القوم المدينة خاض الناس في ذلك واتسع الكلام، حتى إن النبي ﷺ أثر فيه هذا القول وقال: (من يعذرني في رجل يتكلم في أهلي)، وكان هناك خلاف بين الأوس والخزرج في هذا الشأن؛ لأن عبد الله بن أبي كان من أحد الفريقين، وكانت مسألة ومحنة عظيمة. ثم إن عائشة لم تكن قد شعرت بشيء، حتى كانت في يوم من الأيام خرجت لتقضي حاجتها مع أم مسطح بن أثاثة، وكان أحد المهاجرين الذين خاضوا في هذا القول وقالوا بهذه الفرية، فلما رجعت عائشة عثرت أم مسطح في حجرة، فلما عثرت قالت: تعس مسطح. فقالت عائشة ﵂ بسلامة فطرتها وحسن إسلامها: بئسما قلت في رجل من المهاجرين ممن شهد بدرا. تدافع عن مسطح، فقالت لها: إنك لا تعلمين ما قال فيك. وعلمت بالخبر بعد ذلك، ثم جاء النبي ﷺ يقول لها: (إن كنت ألممت بشيء فاستغفري الله وتوبي). فسكتت عائشة ﵂ ولم ترد على رسول الله ﷺ استعظاماً لما قاله لها ﵊، وظلت عائشة شهراً كاملاً لا يرقأ لها دمع تبكي وهي حزينة على هذا الأمر، حتى أنزل الله براءتها من فوق سبع سماوات، واستأمر النبي ﵊ قبل ذلك واستشار بعض أصحابه، فأما بريرة فأثنت وقالت خيراً، وأما أسامة فقال كذلك، وأما علي ﵁ فقال: سل الجارية فإن تسألها تصدقك الخبر، وكانت أزمة شديدة تتعلق بعرض رسول الله ﷺ . ومن حكمة الله أنه لم ينزل الوحي في ذلك سريعاً، بل أبطأ شهراً كاملاً حتى أظهر الله المنافقين، وبين مواقف المؤمنين، وكان درساً عظيماً ذكره الله في سورة النور فيما يتعلق بوجوب التثبت في الأخبار، وفي حسن الظن بالمسلمين، وفي مقارنة المسلم نفسه بأخيه هل يتوقع ذلك من نفسه؟ هل يرضى ذلك لنفسه؟ فإن كان الجواب بالنفي فإنه ينفي ذلك عن أخيه المسلم أيضاً، وفي ذلك أيضاً تعظيم لحرمة المسلم وعدم الاجتراء عليه في عرضه، أو في ماله، أو في نفسه. وكان هذا الدرس العظيم مدرسة كاملة متعددة الجوانب، حتى إن الإمام ابن حجر رحمة الله عليه لما ذكر هذا الحديث ذكر فيه أكثر من ثلاثين فائدة، كل فائدة من هذه الفوائد تحتاج إلى درس طويل. وشاهد هذا الأمر هو أن عائشة ﵂ قد كانت قوية الشكيمة، فإن بعض النساء من رقتهن وعاطفتهن الغالبة إذا ووجهت بأمر لم تفعله ثم كثر الكلام ربما غلب على ظنها أن تعترف بهذا الذي لم تفعله وتستغفر منه أو تتبرأ منه بعد ذلك؛ لأنها لم تستطع أن تواجه الضغوط من أقوال الناس والشائعات وغير ذلك، لكن عائشة لعلمها بطهارتها وبراءتها وقفت هذه الوقفة القوية، بل إنها كانت لها وقفة شديدة مع رسول الله ﷺ ، وذلك أنه لما نزلت براءتها قال لها أبو بكر ﵁: قومي إلى رسول الله ﷺ -أي: تستسمحي منه وتنهي الأمر-. فقالت: والله لا أقوم إليه أبداً، ولا أحمد إلا الله. ثبات في الموقف وبيان لما كانت عليه من معرفة نفسها وطهارتها، وفي نفس الوقت كان درساً للمسلمين عظيماً جداً يقع الناس فيه كثيراً، كما قال الله : ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ﴾ [النور:١٥]. والتلقي في الأصل يكون بالأذن، ولكن قال بعض المفسرين: إن هؤلاء الذين لا يتثبتون في الأخبار ربط الله تلقيهم بالألسنة؛ لأنهم من الآذان مباشرة يجرونه على الألسنة، ولا يمرونه على عقولهم، ولا يمرونه على الواقع، ولا يتأنون فيه، ولا يستثبتون منه، بل ينشرونه مباشرة، ولذلك بين الله أن هذا من أعظم الفرية ومن أعظم البهتان الذي ينبغي أن يتوقاه المسلم، سيما إذا كان يتعلق بعرض أخيه المسلم الذي أخبر النبي ﵊ عن شدة وعظمة حرمته؛ لأنه أعظم من حرمة الكعبة نفسها، وأن حرمة المسلم عند الله لها أبلغ وأعلى المراتب، ولذلك كان في وصف هذه الحادثة على لسان عائشة ما يصور الحالة النفسية التي مرت بها، وقوة شخصيتها حتى تجاوزتها، وطهارتها عما وصفت به ﵂ وأرضاها. وكما قلت ففي الحديث عن حادثة الإفك طول لا يتسع له هذا المقام، ولكن أذكر بعض ما كان من وصف عائشة ﵂ في هذا الحادث، فقد روت أن النبي ﵊ قال لها: (أما بعد: يا عائشة! فإنه قد بلغني عنك كذا وكذا، فإن كنت بريئة فسيبرئك الله، وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه؛ فإن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب تاب الله عليه، قالت: فلما قضى مقالته قلص دمعي حتى ما أحس منه قطرة، فقلت لأبي: أجب رسول الله فيما قال. قال: والله ما أدري ما أقول لرسول ﷺ ، فقلت لأمي: أجيبي رسول الله ﷺ . قالت: ما أدري ما أقول لرسول الله ﵊. فقلت -وأنا يومئذ حديثة السن لا أقرأ كثيراً من القرآن-: إني والله قد علمت لقد سمعتم هذا الحديث حتى استقر في أنفسكم من كثرة ما قيل، وصدقتم به، فلئن قلت لكم: إني بريئة -والله يعلم أني بريئة- لا تصدقوني بذلك، ولئن اعترفت لكم بأمر والله يعلم أني بريئة لتصدقني). كان هذا هو الحال، لو اعترفت لكان ذلك أقرب إلى تصديق جميع الناس، ولو أعلنت براءتها لكان أبعد عن التصديق؛ لأنه قد كثر القول وانتشر وشاع، وهذه سمة الشائعات، سمة الشائعات أنها تشيع وتنتشر وتكثر حتى يسمعها الإنسان من أكثر من مصدر، فإذا سئل عنها جزم بها، وإذا قيل له: هل أنت متحقق قال: نعم متحقق. فإذا سألته عن النسبة والنسب وعن الخبرة والبحث وجدته صفر اليدين، لو قلت له: ممن سمعت؟ قال: سمعت كذا وكذا، هل الذي سمع رأى بنفسه؟ كلا. هل سمع ممن وقعت له الحادثة؟ كلا. فبقي الأمر في آخر الأمر كما قال الله تعالى: ﴿أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ * وَلَدَ اللَّهُ﴾ [الصافات:١٥١ - ١٥٢] إن تناقل الأخبار من غير تثبت من أفتك الأسباب بالمجتمعات وأدعى لإشاعة الشحناء والبغضاء والاختلافات والنزاعات بين الناس، ولذلك قالت عائشة بعد أن عجز أبو بكر وعجزت أمها عن أن يردا على رسول الله ﵊ قالت هذه المقالة: (والله ما أجد لي ولكم مثلاً إلا قول أبي يوسف -نسيت اسم يعقوب من شدة حزنها وما وقع لها من البلاء: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف:١٨] قالت: (ثم تحولت فاضطجعت على فراشي)، وهذا يدل على قوة شخصيتها ﵂ وأرضاها. وكان ممن حد في ذلك حسان وحمنة بنت جحش ومسطح بن أثاثة، أما غير أولئك فكانوا من المنافقين، وقد كفر أولئك عن ذنبهم بالحد الذي أخذوه ثم بالتوبة الصادقة، وقال حسان في مدح عائشة ﵂: رأيتك وليغفر لك الله حرة من المحصنات غير ذات غوائل حصان رزان ما تزن بريبة وتصبح غرثى من لحوم الغوافل وإن الذي قد قيل ليس بلائق بك الدهر بل قيل امرئ متماحل فإن كنت أهجوكم كما بلغوكم فلا رفعت صوتي إليَّ أناملي وكيف وودي ما حييت ونصرتي لآل رسول الله زين المحافل وإن لهم عزاً يرى الناس دونه قصاراً وطال العز كل التطاول عقيلة حي من لؤي بن غالب كرام المساعي مجدهم غير زائل مهذبة قد طيب الله خيمها وطهرها من كل سوء وباطل فهذه الحادثة كانت من أعظم الحوادث في سيرة عائشة ﵂ وأرضاها.

стр. 1669

مجموع أوصاف عائشة ﵂

стр. 1670

زهد عائشة ﵂ وإنفاقها في سبيل الله كانت عائشة ﵂ زاهدة منفقة في سبيل الله ، وهذا أمر مهم بالنسبة للنساء اللاتي إذا جاءهن المال أحببن أن يتجملن، وأن يأكلن، وأن يشربن، ونسين أن يتصدقن، بينما عائشة ﵂ تضرب المثل في ذلك بأبلغ صوره، حتى إنه كانت تهدى إليها الأموال الكثيرة الوفيرة ثم تنفق منها، كما ورد في الحديث الصحيح أنه جاءها مال فأنفقت منه، ثم لما جاء المغرب قالت لمولاتها: ائتي لنا بطعام الفطور. قالت: لو أبقيت لنا شيئاً حتى نشتري طعاماً. قالت: لولا ذكرتني. قد نسيت حاجتها لما كان منها من أمر الإنفاق وحب الإنفاق في سبيل الله ، ولذلك كانت ﵂ على هذا النحو من الإنفاق في سبيل الله ، وذكر في ذلك كثير من الأحاديث التي تبين أيضاً مشاركة المرأة لزوجها فيما يتعلق بشظف العيش وما يكون من الشدة التي تمر به أحياناً، وقد عايشت رسول الله ﷺ وما كان يوقد في بيته نار، يمر الهلال والهلالان والثلاثة وطعامه الأسودان: التمر والماء، كما قالت ﵂، فما غضبت لذلك، بل كانت هي أول من خيرها النبي ﷺ في حادثة التخيير المشهورة أن يعطيهن من النعيم والمتاع، أو يكون لهن اتباع رسول الله ﵊، فآثرت رسول الله. وقد كان الصحابة يؤثرونها بالعطايا بعد وفاة رسول الله ﷺ ، وذلك أن معاوية ﵁ بعث لها ثياباً رقاقاً فبكت ﵂ وقالت: (ما كان هذا على عهد رسول الله ﷺ ثم تصدقت به، وهذا يدلنا على طبيعتها التي نريد للمرأة المسلمة اليوم أن لا تغرها الأموال وأن لا يغرها لين الثياب، بل تكون أسمى من ذلك وأرقى، خاصة أن النبي ﷺ قد أخبر أن أكثر أهل النار من النساء، ولذلك ندبهن دوماً إلى التصدق، فكانت عائشة ﵂ مثالاً راقياً وعالياً في هذا الأمر الذي يتعلق بشأن الإنفاق في سبيل الله . وأيضاً وصفت بأنها كانت للدنيا قالية، وعن سرورها لاهية، وعلى فقد أليفها باكية، وقد أوصاها النبي ﷺ -كما في سنن الترمذي - بأن يكون زادها في هذه الحياة الدنيا كزاد الراكب، ولذلك كانت على هذا النحو من التخفف من الدنيا والإنفاق في سبيل الله ، وقد كان عمر ﵁ يتعهدها بالعطايا، وقد ورد في حديث مرسل أنه جاء له في بعض المعارك درج فيه بعض الجواهر واللآلئ، واختلف الصحابة في تقسيمه فقال: ما قولكم أن يكون لـ عائشة؛ فإنها كانت حبيبة رسول الله ﷺ . قالوا: الأمر كذلك. فعهد به إلى عائشة وبكت وقالت: لعله أن لا يصلني عطاؤه من قابل. أي: أرادت ألا يكون الأمر كذلك. ولكنها عاشت بعده ﵂ وأرضاها، فهذا بعض ما كان مروياً من زهدها ﵂ وإنفاقها في سبيل الله . وعن عروة ﵁ في وصفها أنه قال: رأيتها تقسم سبعين ألفاً وهي ترقع درعها. فكانت ﵂ على هذا النحو.

стр. 1671

عبادة عائشة ﵂ لها وصف آخر مهم بالنسبة للنساء على وجه الخصوص، وهي أنها كانت عابدة؛ لأنها عاشت في بيت النبوة ورأت رسول الله ﷺ يقوم الليل، فقالت لـ عبد الله بن قيس وهذا من وصاياها: (لا تدع قيام الليل فإن رسول الله ﷺ كان لا يدعه، وكان إذا مرض أو كسل صلى قاعداً)، وعند الإمام أحمد من حديث عبد الله بن أبي موسى قال: (أرسلني مدرك لـ عائشة ﵂ لأسألها فجئت وهي تصلى فقلت: أقعد حتى تفرغ، ثم قلت: هيهات، أي: متى ستفرغ من صلاتها)، أي: من شدة طولها، وكانت ﵂ ربما تقرأ الآية فتكررها، كما أثر عنها أنها كانت تقرأ قول الله في الصلاة: ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ﴾ [الطور:٢٧] فتكررها وتبكي وتقول: (اللهم من علي وقني عذاب السموم).

стр. 1672

جهاد عائشة ﵂ ولها وصف أو سمة مهمة وهي مشاركتها في الجهاد، وهذا يدلنا على أن المرأة المسلمة لها دور بارز في جوانب شتى من الحياة، فقد ورد أنها كانت مع نساء المسلمين في يوم أحد في إغاثة المسلمين ومعاونة جرحاهم وسقيا الماء، كما ورد من حديث أنس أنه قال: (رأيت عائشة وأم سليم وإنهما لمشمرتان أرى خدم سوقهما، ينقلان القرب على متونهما ثم يفرغانها في أفواههم -يعني: في أفواه الرجال من الجرحى- ثم يرجعان فيملآن القرب ثم يجيئان يفرغانها في أفواه القوم). وقد ورد لها موقف فريد أيضاً في وقعة الخندق، فقد كانت من النساء اللائي كن في المدينة وقد تحصن بالبيوت، وكانت فيها جرأة ﵂، فخرجت في أثناء غزوة الخندق تتبع بعض الآثار لتؤمن بعض الأماكن، وجاء في أثرها بعض الصحابة ومروا بها فابتعدت عنهم قليلاً، ثم دخلت حديقة ومعها عصاً أو وتد، فلقيت عمر ﵁ أمامها، فقال لها: ما جاء بك؟ لعمري -والله- إنك لجريئة، وما يؤمنك أن يكون بلاء أو يكون تحيز إلى فئة يفر الناس. قالت: فما زال يلومني حتى تمنيت أن الأرض انشقت بي ساعتئذ. ثم كان في القوم طلحة فرد على عمر وخفف عنها، وهذا ما يتعلق أيضاً بمشاركتها في هذا الجانب.

стр. 1673

زواج عائشة ﵂ برسول الله ﷺ أحب أن أختم بمسألة مهمة آثرت إرجاءها، وهي ما يتعلق بزواج عائشة ﵂، فقد خطبها النبي ﷺ وهي ابنة ست سنين، وبنى بها ودخل عليها وهي ابنة تسع سنين، وكان ذلك في العام الثاني للهجرة بعد عودته من غزة بدر، وكما قال بعض الكتاب: لما انتصر رسول الله ﵊ وأعز الله الإسلام والمسلمين وفرح الرسول ﵊ بذلك واطمأنت أقدامه في المدينة، كان الوقت مناسباً أن يبني بـ عائشة ﵂. وفي وصف تلك الحالة التي كانت تذكرها عائشة ما كان من شأن تغير الجو على المسلمين المهاجرين من مكة، فإنهم لما جاءوا إلى المدينة استوخموا هواءها وأصابتهم حماها، حتى إن عائشة كانت تدخل على بلال رضي عنه وعلى أبي بكر وبلال يقول من شدة شوقه إلى مكة ومن شدة معاناته لهذا المرض: ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة بواد وحولي أذخر وجليل وهل أردن يوماً مياه مجنة وهل يبدون لي شامة وطفيل جبال من جبال مكة. وأبو بكر كانت تدخل عليه وهو من شدة الحمى يقول: كل امرئ مصبح في أهله والموت أدنى من شراك نعله وقد أصاب عائشة ﵂ مرض حتى تساقط شعرها، وكان جميماً، أي: شعرها قليل. وعند ذلك دعا رسول الله ﷺ وقال: (اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد وصححها، وبارك لنا فيها وفي صاعها ومدها، وانقل حماها فاجعلها إلى الجحفة) تقول عائشة ﵂: فلما شفيت أخذت أمي تهيئني للزواج، وكانت أمي تعالجني للسمنة -تريد أن تسمنها بعد أن ضعفت بسبب هذه الحمى- قبل أن تدخلني على رسول الله ﷺ ، فما استقام لها ذلك حتى أكلت القثاء بالرطب فسمنت كأحسن سمنة، ثم قالت: جاءتني مرة وأنا ألعب مع صويحباتي فقالت: هاك هاك -يعني: تعالي- فجئت حتى حسنتني حتى أخذت نفسي، ثم جاءت بي إلى رسول الله ﷺ وقالت: أهلك يا رسول الله. وذكرت عائشة ﵂ ما كان من وليمة عرسها ومهرها وما كان من سهولة ذلك، قالت: (والله ما ذبح جزوراً ولا شاة، وإنما كان طعام يتعهد به سعد بن عبادة رسول الله ﷺ ، فلما جاء به دعا رسول الله ﷺ إليه القوم). ومن لطائف ما ورد -وبعضه يرد بحديث فيه انقطاع وضعف، وهذه الرواية لها حديث يجبر هذا الضعف- أن بعض النساء من الأنصار كن يزين عائشة ﵂، وكان عند النبي ﷺ لبن فأراد أن يعطيهن فقلن: لا نريد. فقال: (لا تجمعن جوعاً وكذباً) فقد كن يحببن ذلك اللبن، ولكنهن امتنعن حياءً من الرسول ﷺ .

стр. 1674

عائشة ﵂ والزواج المبكر هنا الأمر المتعلق بالزواج المبكر الذي يحتقره بعض الناس، ويذكرونه ذكراً فيه ازدراء وانتقاد، وما يعلمون أن في هذا الانتقاد انتقاداً لفعل رسول الله ﷺ ، وأقول: إن الزواج المبكر فيه خير كثير، من هذا الخير بالنسبة للمرأة -على وجه الخصوص- أنه للمرأة عصمة ووقاية من الانحراف والمعاصي، حتى لا يكون هناك مجال للتعرض للفتنة أو الاعتداء عليها أو نحو ذلك. ثم مصلحة الاستقرار النفسي المبكر، بدلاً من أن يبقى الحال كما هو حال الناس اليو، م تبلغ الفتاة وهي ابنة عشر وتتزوج وهي ابنة ثلاثين، وتبلغ سن اليأس وهي ابنة أربعين، فيكون ما مضى من عمرها في الحرمان أكثر مما مضى في نعمة الزواج والمعاشرة، وهذه الفطرة البشرية لا تكون مستقرة إلا بما يحقق غايتها ورغبتها وفق شرع الله ، ولذلك نجد اليوم جنوحاً في الأفكار، وشطحاً في العواطف، واختلالاً في التفكير، واضطراباً في المعاملة، كله ناشئ بسبب أن النفس لم تجد بغيتها وحاجتها الغريزية الفطرية في الوقت المناسب، وبالهيئة المناسبة التي شرعها الله . وفي هذا من الفوائد أيضاً تكثير النسل، وتقارب ما بين الأب وأبنائه، فتكثير النسل يمتد مداه طويلاً، كما قال الشافعي: رأيت جدة ولها إحدى وعشرين سنة. أما الآن فتجد أن عمرها إحدى وعشرون سنة وهي لم تتزوج بعد. فالجدة التي رآها الشافعي كان لها تسع سنوات فتزوجت وولدت بعد سنة، فكان عمرها عشر سنوات، ثم بعد تسع سنوات تزوجت ابنتها وبعد سنة أخرى ولدت، فكانت الأم قد انتهت من العشرين ودخلت في العام الواحد والعشرين فصارت جدة بذلك، فهذا تكثير للنسل. وفيه أيضاً أنه يكون هناك قرب بين الأب والأم وبين الأبناء من حيث السن، فلا يكون الفارق كبيراً، فإن الفارق الكبير في بعض الأحيان مؤثر في التربية سلباً، فإنه إذا تزوج وهو كبير يأتي أبناؤه صغاراً، فيكون عنده من العاطفة والشفقة بهم شيء كثير، فيغلب جانب حبهم والعطف عليهم دون أن يكون موجهاً أو مربياً لهم، ويكون فارق التفكير والاهتمامات بين الأب وابنه كبيراً، بينما في غير هذه الصورة في الزواج المبكر يكون على غير هذا النحو والنهج، ثم هذا كله يدلنا على ما كان من التيسير في الأمور دون التعقيد فيها. فهذه جملة من المواقف التي تتعلق بسيرة عائشة ﵂، وما لم أذكره أكثر مما ذكرته، وأذكر هنا الكتب والأشرطة في حياة عائشة ﵂؛ لأن ما ذكرته قد قرأت فيه ترجمة لـ عائشة في (سير أعلام النبلاء) وهو من أجمع وأنفع ما ذكره أهل العلم، وكذلك ترجمتها في (البداية والنهاية) لـ ابن كثير رحمة الله عليه، وكذلك فصل في فضائل عائشة ﵂ من كتاب (فضائل الصحابة) للإمام أحمد رحمة الله عليه، وكذلك كتاب خاص عن عائشة ﵂ بعنوان: (عائشة ﵂ أم المؤمنين) ضمن سلسلة أعلام المسلمين، وهناك (السمط الثمين في مناقب أمهات المؤمنين) وهناك (الإجابة فيما استدركته عائشة على الصحابة) للزركشي، وهناك أيضاً فيما يتعلق بالزواج المبكر رسالة أو كتاب مختصر في مسألة الزواج المبكر والرد على من نفوه، وبيان فوائده وجوازه ومشروعيته للدكتور ملا خليل خاطب وغيرها أيضاً من الكتب، فإن ترجمة عائشة ﵂ واسعة، وفيها كثير من الجوانب.

стр. 1675

الأسئلة

стр. 1676

حقيقة رواية هشام بن عروة عن عائشة مباشرة وبواسطة السؤال هل روى هشام بن عروة عن عائشة مباشرة أم بواسطة أبيه؟ الجواب روى عن عائشة مباشرة، وروى عن عائشة بواسطة أبيه.

стр. 1677

وجه مخالفة عائشة لعمر في مسألة تعذيب الميت ببكاء أهله عليه السؤال في مسالة تعذيب الميت ببكاء أهله عليه هل كانت عائشة مصيبة في نفيها قول رسول الله ﵊ ذلك أم عمر هو المصيب؟ الجواب لم تنف عائشة قول الرسول، وإنما وَهَّمت عمر بن الخطاب في روايته، ذكرت أن عمر وهم في روايته، وأن تصويب الرواية: (إن الكافر ليعذب ببكاء أهله عليه)، والقول في هذا ما قالته عائشة ﵂ وأرضاها. أسأل الله أن يكون في عائشة وغيرها من أزواج رسول الله ﵊ ونساء الصحابة قدوة لنسائنا، وأن نكون أيضاً نحن عاملين على تنشئة أزواجنا وبناتنا وأخواتنا على هذا النهج القويم، وآخر دعوانا أن الحمد الله رب العالمين. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 1678

الكلمة مسئوليتها وفاعليتها للكلمة أهمية كبرى، فبها تشتعل الحروب وبها تتوقف، وبها تستحل الفروج، وبها تتفكك الأسر، وبها يتم البيع وينفسخ، وبها يدخل المرء في الإسلام وبها يخرج منه؛ لذلك وضع الإسلام للكلمة ضوابط، بحيث لا تلقى عبثاً دون تأمل لما يترتب عليها من نتائج وآثار، ومن ذلك: تحذيره من إطلاق اللسان في أعراض الناس، والتحدث بما لا ينفع ولا يعني، وغير ذلك.

стр. 1679

أهمية الكلمة ومعناها بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، نحمده جل وعلا على آلائه ونعمه التي لا تعد ولا تحصى، ونصلي ونسلم على خير خلق الله وخاتم رسل الله نبينا محمد بن عبد الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وعلى من اتبع سنته واقتفى أثره وسار على هداه، وعلينا وعلى سائر عباد الله الصالحين والدعاة. أما بعد: فهذا الموضوع عنوانه: الكلمة مسئوليتها وفاعليتها. والحق أن هذا الموضوع متشعب الجوانب، ويطول الحديث فيه، إلا أن التركيز سيكون على بعض ما أحسب أنه أكثر أهمية، وفي الوقت نفسه أكثر دروجاً واستعمالاً في واقع حياة الأمة المسلمة، وواقع حياة شباب الصحوة والدعوة على وجه الخصوص، وعندما نقول: (الكلمة) فلا نعني بها -قطعاً- الكلمة المفردة، وإنما الكلمة الكلام، كما قال ابن مالك: كلامنا لفظ مفيد كاستقم واسم وفعل ثم حرف الكلم واحده كلمة والقول عم وكلمة بها كلام قد يؤم أي: يقصد بالكلمة الكلام. وعندما نقول: كلمة الحفل ليست هي كلمة واحدة، وإنما مجموع ذلك القول يقال له: كلمة. إذاً الكلمة هي كل كلام ينطق أو يكتب. وللكلمة سبيل لوصولها ونشرها، ألا وهو النطق بها عن طريق اللسان وتستقبلها الآذان، أو الكتابة لها على صفحات الورق وتستقبلها العيون بالقراءة والاطلاع. وأول ما أبدأ به أهمية الكلمة. إن الكلمة تكاد تكون كل شيء في حياة الإنسان عموماً، فهي ذات جوانب متعددة في الأهمية: الأمر الأول: إعلان المبادئ والمعتقدات، فالكلمة هي التي تعلن بها إسلامك وإيمانك، كما أنها هي التي يعرف بها كفر الكافرين وجحود الجاحدين، كما قال القائل: إن الكلام لفي الفؤاد وإنما جعل اللسان على الفؤاد دليلا والألسنة -كما يقال- مغاريف القلوب، هي التي تعبر عما استقر فيها من الإيمان والمعتقدات، ولذلك قال جل وعلا: ﴿فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا﴾ [الفتح:٢٦] وكلمة التقوى هنا هي كلمة التوحيد: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله. وقال في شأن المنافقين الذين كفروا وظهر كفرهم على فلتات ألسنتهم في غزوة تبوك: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا﴾ [التوبة:٧٤] فذاك إعلان بإسلام وهذا والعياذ بالله نطق بكفران. الأمر الثاني: الكلمة يقع بها إبرام العقود والمعاهدات، فأنت إذا أردت أن تبيع وتشتري فعقد ذلك وصحته مبني على النطق بالكلمة، بأن يقول الأول: بعت. ويقول الآخر: اشتريت. بل حتى فيما هو أعظم من ذلك من العقود التي وصفها الله بأنها غليظة مؤكدة كعقد الزواج، بأن يقول الأول: زوجتك. ويقول الآخر: قبلت. فينعقد عقد له أهميته، قال الله جل وعلا فيه: ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ [النساء:٢١] وبهذه الكلمة أيضاً تعقد وتبرم المعاهدات، كما كان في معاهدات النبي ﷺ التي أبرمها مع اليهود في أول قدومه المدينة، وكما كان يعقد المعاهدات أيضاً مع قريش كما في صلح الحديبية، وكما هي سائر العقود والمعاهدات التي تبدأ بكلمة كما أنها تنقض بكلمة، فعقد الزواج الذي يقع بالكلمة كذلك يفصل بكلمة الطلاق، فليست الكلمة مجرد أحرف ينطق بها، ولا هي مجرد الصوت الذي يقال فيه: إنه تموج الهواء عند اصطدام جسمين أو تباعدهما، أو اهتزاز الأحبال الصوتية. بل الكلمة أعمق من ذلك، هي الحكم والعقل والتفكير والإرادة والنظرة المستقبلية التي يعمل التفكير في هذه الجوانب كلها قبل أن ينطق بها، فلا يُعقد عقد ولا يُبرم عهد بمجرد كلام سائب لا خطام له ولا زمام كما يقال. الأمر الثالث: النطق بالأحكام والاتهامات والتزكيات، فاللسان هو الذي ينطق بالحكم فيقرر الإدانة، أو يعلن البراءة، كما أنه هو الذي يقذف بالتهم التي قد تكون صحيحة وقد تكون باطلة، فهذا يتهم ذاك بسرقة أو زناً، والله جل وعلا قد جعل لذلك حداً إما أن يثبت مثل هذا الجرم، وإما أن يكون قد قذف بغير علم أو بغير بينة، فيكون مؤاخذاً على هذه الكلمة، بل محدوداً عليها كما هو معروف في حد القذف الذي يرمي به الإنسان غيره بتهمة الزنا والفاحشة، نسأل الله السلامة، كما أن هذا اللسان وهذه الكلمة هي التي تصف الإنسان بإسلام وإيمان، أو قد يتجاوز الأمر إلى اتهام بتفسيق أو تبديع أو كفر، وقد قال النبي ﷺ : (من قال لأخيه: يا كافر فقد باء بها أحدهما) فليست الكلمة أمراً هيناً، بل لها أعظم أهمية في مثل هذا الميدان الخطير. الأمر الرابع: الخوض في المنهيات والمحرمات، وحسبك أنك قد لا تستطيع أن تحصي آفات اللسان من تدخل فيما لا يعني، ومن فضول كلام، ومن خوض في باطل، ومن كذب وغيبة ونميمة ومراء وجدال ومزاح في غير الحق، وغير ذلك من الأمور التي يطول ذكرها، كلها أيضاً يقع الخوض فيها باللسان نطقاً أو كتابة، أو بالكلمة نطقاً أو كتابة. الأمر الخامس: اللهج بالأذكار والدعوات، وهذا جانب أيضاً من جوانب الخير والعبادات، فإن أكثر العبادات مبني على النطق بالكلمات، فالصلاة تلاوة للقرآن وترديد للأذكار ونطق بالدعوات، إضافة إلى ذكر الله وتلاوة القرآن وغير ذلك، كله أيضاً يكون بهذه الكلمة. الأمر السادس: نشر الدعوة والتعليم، سواء أكانت هذه الدعوة دعوة خيرة أم غير خيرة، وسواء أكان هذا التعليم نافعاً أو ضاراً، فاللسان والكلمة على وجه الخصوص هي التي تنشر تلك الدعوة أو تروج لذلك العلم، ولذلك كل هذه الجوانب لو تأمل الإنسان فيها لوجد أنها تحيط بمعظم مجريات الحياة ومعظم ما يتعامل به الناس، فإن أمر العقائد والمبادئ، وأمر العقود والمعاهدات، وأمر الأحكام والاتهامات، وأمر المنهيات والمحرمات، والطاعات والعبادات، ثم الدعوة والتعليم يكاد يكون جل -إن لم يكن كل- جوانب الحياة.

стр. 1680

خصائص اللسان للسان خصائص كثيرة، ويظهر ذلك في أمور كثيرة، منها: الأمر الأول: اللسان واسع المدى رحب الميدان. فأنت إذا أردت أن تنال من شخص بيدك فإنه لا يقع لك ذلك إن لم يكن قريباً منك، أو لم تكن متمكناً منه حتى توجعه ضرباً أو غير ذلك، وإذا أردت أيضاً أن تصيبه -على سبيل المثال- بطلقة رصاص فإنه لابد أن يكون شاخصاً أمامك، ولو كان عن بعد لا تستطيع أن تصيبه دون أن تراه، وأية وسيلة من وسائل إلحاق الأذى أو إيصال النفع لا يمكن إلا أن تكون بطريقة مباشرة، سواء كانت مباشرة قريبة لصيقة، أم كانت مباشرة محدودة أو نسبية، بينما اللسان يمكن أن يقوم بكل هذا دون أن يحتاج إلى مثل هذه القيود أو الضوابط، فهو يستطيع أن يبلغ من الآخرين مقتلاً دون أن يراهم، بل ربما دون أن يعرفهم، بل ربما لم يسمع عنهم إلا مرة واحدة، وكذلك يستطيع أن يسوق الخير لإنسان وإن كان بعيداً عنه وإن كان لا يراه، إذ إنه واسع المدى رحب الميدان، لا يحده حد ولا يسده سد كما يقال. الأمر الثاني: سهولة الاستعمال. فليس عضو من أعضاء الإنسان أسهل حركة وأيسر استعمالاً من اللسان، إذا أردت أن ترجم بيدك فإن هناك جهداً وعناء، وتحتاج أن تكون في وضع وهيئة معينة، وإذا أردت أن تتحرك وأن تمشي برجلك فلابد أيضاً أن تبذل جهداً وأن تكون في وضعية معينة، أما هذا اللسان فإنك تتكلم به وأنت متكئ، وأنت مضطجع، وأنت واقف، وأنت في سرعة وشغل، وأنت في أية حالة من الأحوال يمكن أن تعبر بهذا اللسان، وأن تستعمله دون جهد أو عناء، وهذا أيضاً دليل على الخصائص التي تكمن فيها خطورة اللسان، إما أن تؤدي إلى مزيد من الخير، وإما أن تؤدي -إذا استخدمت في غير الخير- إلى مزيد من الشر والضرر. الأمر الثالث: أن اللسان خفي المنال. فأنت إذا ضربت إنساناً ما فلا يمكن أن تضربه بخفية، بل لابد أن تلامس يدك رأسه أو بطنه، وقد يظهر أثر ذلك أيضاً فَيُشَجُّ رأسه أو يصيبه الأذى المادي المحسوس، ولا يمكن أن تتبرأ من تبعة ذلك الفعل؛ لأن أدلته المادية واضحة شاهدة للعيان، أما اللسان فإنك يمكن أن تلسع به لسعاً ثم تهرب بعد ذلك هروباً يسعفك فيه اللسان نفسه فتقول: لم أقصد كذا، ولم أقل كذا. وإنما عنيت كذا، وقد تستخدم التلميح دون التصريح، وتستعين بالتورية عن الكذب، وتستطيع أن تبلغ مآرب شتى وأنت تخفي حقيقة ما أردت من الشر، أو تستر حقيقة ما تنوي من الخير، أما غير ذلك فإنه تلحظه العيون، وتلمسه الأيدي، ولا يمكن أن يخفى على الناس، وهذه الخصائص لها أثرها في النفع أو الضرر.

стр. 1681

مكانة الكلمة وبيان خطورتها وآثارها عندما رأينا أهمية الكلمة، والخصائص الواسعة والتصرفات المطلقة للسان والكلمة نقف وقفة مهمة أمام رعاية الشرع لأمر الكلمة وضبطه لها، وبيانه لخطورتها.

стр. 1682

آيات قرآنية وأحاديث نبوية تدل على أهمية الكلمة وخطورتها وآثارها إذا وقفنا مع بعض النصوص القرآنية والأحاديث النبوية نجد نصوصاً كثيرةً تنبه وتؤكد على تلك الأهمية، وتشير إلى الخطورة وعمق الآثار، كما تنبه إلى أبواب الخير وتحذر من أبواب الشر، وليس ذلك فحسب، بل ستجد في كلام الصحابة والسلف والعلماء، بل في كلام الحكماء، بل في الأمثلة والأشعار كلاماً طويلاً كثيراً في شأن الكلمة واللسان، بسبب تلك الأهمية والخصائص التي أشرت إلى بعض منها، فأنت تعلم قول الله جل وعلا: ﴿لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا﴾ [النساء:١٤٨] حتى ذكر السوء لا يقال؛ لأن فيه إشاعة للفاحشة وتسهيلاً لها، وترويجاً لذلك السوء أو نشراً لذلك الظلم، أو تهويناً لأمر ما يخبر عنه ويشيع ذكره، ولذلك ذم الله الذي يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا وتوعدهم بالعذاب، ونهى الله عن الاتهام للناس بالوقوع في الزنا ما لم يكن هناك بينة من شهود أربعة يشهدون شهادة واضحة صريحة لا تورية فيها ولا تلميح؛ لأن مجرد ذكر هذا القول يجعل الكلمة تشهر وتروج، ثم يروج من ورائها ما تتضمنه من ذكر الفواحش وتسهيلها على الناس، ولذلك يقول الله أيضاً: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ * إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ * مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق:١٦ - ١٨] بدأ بذكر الوسواس الذي يجول في الخاطر، ثم حذر الله بما أعده من الأسباب الخفية والقدرة الشاملة التي لا تدع شاردة ولا واردة إلا أحصتها. ثم ذكر أهمية القول والحساب عليه تنبيهاً على خطورته وتأكيداً لأهميته، ويقول الله في آية المجادلة محذراً من شأن النجوى والتناجي بالإثم والعدوان: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَيَتَنَاجَوْنَ بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ﴾ [المجادلة:٨]، ثم ينادي الله أهل الإيمان بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلا تَتَنَاجَوْا بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ * إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ﴾ [المجادلة:٩ - ١٠] لو كانت النجوى التي تسر بها خيراً فما بالك لا تشيعها وتعلن بها؟! وما بالك تذكر أخاك بكلمات هامسة تنال فيها من عرضه أو تشوه صورته؟! إن كان في قولك حق فهو أولى أن تواجهه به في نصيحة خفية قصدها الخير ودافعها المحبة والشفقة. ثم تأمل حديث سفيان الثقفي الذي أخرجه الترمذي وصححه، وكذا النسائي وابن ماجة، أنه قال لرسول الله ﷺ : (يا رسول الله! قل لي في الإسلام قولاً لا أسأل عنه أحداً بعدك. قال: قل: آمنت بالله ثم استقم، قال: فما أتقي؟ فأومأ رسول الله ﷺ إلى لسانه) أي أنه نبهه إلى أن يتقي زلات اللسان وخطورة الكلمات. وعند الترمذي بسنده -وحسنه- عن عقبة بن عامر ﵁: أنه طلب الوصية من النبي ﷺ ، فقال له: (أمسك عليك لسانك، وليسعك بيتك، وابك على خطيئتك) وما أعظم هذا الحديث وأجل هذه الوصية! لو أن المسلم تأمل فيها في واقعنا المعاصر فسيجد أكثر الناس بعيدين عنها غير منتبهين لها. وإمساك اللسان من الأمور الواجبات، وكذلك الضبط والتفكير والعلم الشرعي والورع الإيماني والإدراك الواقعي الذي ربما نعرج عليه إن شاء الله تعالى. وفي حديث البخاري عن سهل بن سعد ﵁، عن النبي ﵊ أنه قال: (من يتكفل لي بما بين لحييه ورجليه أتكفل له بالجنة). وفي رواية: (من يتوكل لي). وحديث معاذ المعروف المشهور: (وهل يكب الناس على وجوههم أو على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم). وحسبك حديثه ﵊ تنبيهاً وتحذيراً حيث يقول: (إن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالاً يهوي بها في النار سبعين خريفاً). ولذلك جعل ضبط الكلام وجعل الكلمة في مسار الخير مرتبطاً بالإيمان، كما في حديثه ﵊: (من كان يؤمن بالله واليوم والآخر فليقل خيراً أو ليصمت) فالكلمة لها مجرى ولها سبيل، إن غلب على الظن أنها تورث خيراً وإصلاحاً، وتقرب بعيداً وتؤلف نافراً، وتقوي همة في الخير فإن ذلك هو المسار الصحيح، أما إذا تحقق المرء بأن الكلمة التي ينطق بها أو يكتبها تدعو إلى فجور، أو تغري بفاحشة، أو تورث شحناء، أو توقد بغضاً وحقداً وحسداً فإنه مأمور شرعاً بأن يكف عنها، وإن نطق بها أو أجراها كتابة فإنه آثم يلحقه إثمها، كما يلحقه ما يترتب عليها من الأضرار والآثار الوخيمة الوبيلة؛ إذ إن المرء موكول بمنطقه إن خيراً فخير وإن شراً فذاك مما يئول إليه أيضاً.

стр. 1683

أقوال وأشعار وأمثال تدل على أهمية الكلمة وخطورتها وآثارها أذكر بعض الأقوال والأمثال والأشعار التي نطق بها مسلمون وغير مسلمين، مما يدل على أن أمر الكلمة عموماً عند بني الإنسان لها هذه الأهمية، لما سبق من الإشارة إلى مجالاتها وخصائصها. فهذا ابن مسعود ﵁ يقول: (والله الذي لا إله إلا هو ما من شيء أحوج إلى طول سجن من لسان) هذا اللسان قد جعله الله أشبه بالمسجون، لكن العقل الذي لا يتدبر والقلب الذي لا يتذكر يطلق اللسان، فإذا به -وإن كان محدوداً في مساحته وفي إطاره- يشرق ويغرب ويؤذي، ويكون أذى اللسان أكثر من أذى السنان كما يقولون. وهذا ابن وهب يقول: إن في حكمة آل داود مكتوباً: (حق على العاقل أن يكون عارفاً لزمانه، حافظاً للسانه، مقبلاً على شانه). وعن الحسن البصري ﵀ أنه قال: ما عقل دينه من لم يحفظ لسانه. ** فهماً كاملاً من لم يضبط لسانه ويحفظه. . وعن عمر بن عبد العزيز أنه قال: من أكثر ذكر الموت رضي من الدنيا باليسير، ومن عد كلامه من عمله قل كلامه فيما لا يعنيه. لكن انظر إلى واقعنا اليوم ستجد كلاماً طويلاً عريضاً، وادعاء هائلاً، وعملاً قليلاً، وحقيقة باهتة، لا تعدو أن يكون نسبتها إلى ذلك الكلام كنسبة القطرة إلى البحر إلا من رحم الله . وعن بعض الحكماء أنه قال: الصمت يجمع للرجل فضيلتين: السلامة في دينه، والفهم عند صاحبه. فالذي يتكلم كثيراً لا يستطيع أن يفهم إلا قليلاً، وكما يقال: الجوارح تتوزع عليها المهام، فإذا اشتغل اللسان كثيراً يكون ذلك على حساب العقل والفطنة، وإذا امتلأ البطن بالطعام صار الحال كما قيل: إذا امتلأت البطنة ذهبت الفطنة. وهكذا عندما تركز البصر في أمر ما فإنك تجد أن سمعك لم يعد مدركاً، وعندما يجول خاطرك في قضية ما فإنك قد لا تسمع أو قد لا تبصر من مر بك؛ لأن الحواس إذا تركزت في جانب ربما يقل إدراك واستيعاب الحواس الأخرى لها. وعن منح بن عبيدة أنه قال: ما من الناس أحد يكون منه لسانه على بال إلا رأيت صلاح ذلك في سائر عمله. وعن بعض أهل الحكمة أنه قال: أنا على رد ما لم أقل أقدر مني على رد ما قلت. لأنك إذا قلت الكلمة فمن الصعب عليك أن تردها؛ لأنه قد يمنعك من ذلك كبر، وقد يمنعك من ذلك أن من سمعها منك قد شرقوا وغربوا وتفرقوا، فلا تستطيع أن تنسخ تلك القولة عند كل أحد، وأما إذا لم تقلها فإنها ما زالت تحت سيطرتك تفكر فيها وتتأمل في مراميها ثم تخرجها عن بصيرة وعلم. ولذلك قال الآخر: إذا تكلمت بكلمة ملكتني ولم أملكها، وإذا لم أتكلم بها ملكتها ولم تملكني. وقال الشاعر أيضاً: خل جنبيك لرام وامض عنه بسلام مت بداء الصمت خير لك من داء الكلام وفي كثير من الأمثال ما يدل على عمق وأثر هذه الكلمة، كما في بعض الأمثال: (رب كلمة قالت لصاحبها دعني). أي: اتركني ولا تنطق بي؛ فإنك لا تدري ما أجر عليك من البلاء والوباء إذ لم تراع الله في نطقي، أو لم تنتبه إلى ما يترتب على نطقي أو إشاعتي من خطر وزلل. وكما قال قائل: إن الحرب أولها كلام. وهذا كما وقع في قصة داحس والغبراء من نشوب حرب دامت سنوات بسبب موقف، ثم كلمة من هنا وكلمة من هنا وإذا بأرواح تزهق ودماء تجري وبيوت تهدم وديار تحرق، وهكذا، فعلى المرء أن لا يغفل عن هذه الخطورة. يقول بعض المعاصرين: إن الكلمات الجميلة تؤدي إلى معان ونتائج طيبة تحتاج إلى التأمل، وتؤدي أيضاً إلى مزيد من تأكيد أهمية وخطورة الكلمة. أما الكلمات السائبة فإنها تؤدي إلى نتائج خائبة، وهذه معادلة صحيحة، أي أن الكلمات السائبة التي لا اهتمام بها ولا ضبط لها فإنها في غالب الأمر تؤدي إلى نتائج خائبة. ومخرج كلمة الخير والشر واحد والمفتاح بيدك، فتأمل ماذا تقول. ومن لم يستطع وزن كلماته فليحتمل من خصمه لكماته، وهذه أيضاً واقعة، إذ قد يخطئ المرء بكلمة لا تجد عند الآخر محملاً فتكون اللكمة أسبق إليه من الكلمة. يقول قائل: العاقل العالم لسانه وراء عقله، والجاهل عقله وراء لسانه، تراه لا يفكر إلا بعد أن ينطق بالكلمة وقد مضى القول وانتهى الأمر. والكلمة البانية لا يستطيعها صاحب الكلمة النابية، فمن تعود على فحش القول وإشاعته، فإن كلامه في الغالب لا يوافقه، أو لا يتفق أن يكون كلاماً بانياً.

стр. 1684

فاعلية الكلمة وأوجهها بعد أن ذكرنا مسئولية الكلمة وأهميتها وخصائصها وخطورتها نذكر بعد ذلك فاعلية الكلمة، وسنذكر لفاعلية الكلمة عدة أوجه.

стр. 1685

أولاً: القبول والتصديق الكلمة تنطق بها وتكتبها فتجد من يقبلها ويصدقها، وقد يساعد على ذلك أمور، منها: الصلة والثقة، فإذا كنت موضع ثقة عند السامعين لك فإن كل كلمة تقولها يأخذونها مأخذ القبول والتصديق، ويعتبرونها مسلمة ويبنون عليها تصرفات وأحكاماً إلى غير ذلك. ومن أساليب الوصول إلى القبول والتصديق: التركيز والتكرار، وهذا ما تستخدمه وسائل الإعلام، فمع طلوع الفجر تذكر الخبر، وعند الظهيرة تؤكده، وعند العصر تردده، ثم تصوره، حتى يصدق الناس ما كان كذباً من الأخبار، وكما يقول بعض الناس -وهي مقالة باطلة، لكن لنا في الواقع بعض الشواهد الناطقة-: اكذب واكذب حتى يصدقك الناس. وكما نسمع في الطرفة الدائمة أن أشعب دعا الناس إلى وليمة كاذبة، فكان كلما لقي واحداً قال له: العشاء عند فلان. فتناقل الناس الخبر، وصار هو يسمع ما يتناقله الناس من أن العشاء عند فلان، فقال: لعل الخبر صحيح. فذهب مع الناس. وهكذا الكلمة عندما تترد وتتكرر وتتنوع أساليبها وتغزو عقول الناس فإنهم يقبلونها ويصدقونها، بل تكاد الكلمة عبر وسائل الإعلام أن تحاصر الإنسان محاصرة، فهي تغزوه من جهة النظر، وتغزوه من جهة السمع، فغزوه من جهة النظر عبر القراءة وعبر المشاهدة، ومن جهة السمع عبر الإذاعة وعبر وسائل أخرى متنوعة من شريط وبث مباشر وغير مباشر، فيقع للكلمة فاعليتها الخطيرة. ولذلك نبه النبي ﷺ على خطورة الكلمة التي تنتشر وتذاع لكثير من الناس دون الكلمة التي تخص؛ لأنك لو قلت كلمة لفرد واحد وأخطأت فيها فإن الأمر هين وميسور، ويمكن أن يصحح الخطأ، لكن الكلمة التي تنتشر وتذاع وتعم الآفاق في بضع ساعات، بل ربما في بضع دقائق، بل ربما في بضع ثوان هذه كلمة خطيرة. فمن هذا ما ورد في صحيح البخاري عن النبي ﵊: أنه رأى في رحلته إلى السماوات العلا رجلاً يوضع في شدقيه كلاليب من نار، يشق بها شدقه الأيمن من أوله إلى آخره، ثم يشق بها شدقه الأيسر فيعود الأيمن كما كان، ثم يشق مرة أخرى ويلتئم من جديد، وهكذا، فلما سأل النبي ﷺ جبريل عن هذا الرجل قال: هو الرجل يكذب الكذبة فتبلغ الآفاق، ولذلك تأتي الخطورة والفاعلية من هذا الجانب.
следующие страницы →