← Джавами‘

Джавами‘ · id 7721

دروس للشيخ علي بن عمر بادحدح

علي بن عمر بادحدح

Полный текст (2 691 стр.). Показаны 1681–1720 · переход к 1686.

стр. 1681

مكانة الكلمة وبيان خطورتها وآثارها عندما رأينا أهمية الكلمة، والخصائص الواسعة والتصرفات المطلقة للسان والكلمة نقف وقفة مهمة أمام رعاية الشرع لأمر الكلمة وضبطه لها، وبيانه لخطورتها.

стр. 1682

آيات قرآنية وأحاديث نبوية تدل على أهمية الكلمة وخطورتها وآثارها إذا وقفنا مع بعض النصوص القرآنية والأحاديث النبوية نجد نصوصاً كثيرةً تنبه وتؤكد على تلك الأهمية، وتشير إلى الخطورة وعمق الآثار، كما تنبه إلى أبواب الخير وتحذر من أبواب الشر، وليس ذلك فحسب، بل ستجد في كلام الصحابة والسلف والعلماء، بل في كلام الحكماء، بل في الأمثلة والأشعار كلاماً طويلاً كثيراً في شأن الكلمة واللسان، بسبب تلك الأهمية والخصائص التي أشرت إلى بعض منها، فأنت تعلم قول الله جل وعلا: ﴿لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا﴾ [النساء:١٤٨] حتى ذكر السوء لا يقال؛ لأن فيه إشاعة للفاحشة وتسهيلاً لها، وترويجاً لذلك السوء أو نشراً لذلك الظلم، أو تهويناً لأمر ما يخبر عنه ويشيع ذكره، ولذلك ذم الله الذي يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا وتوعدهم بالعذاب، ونهى الله عن الاتهام للناس بالوقوع في الزنا ما لم يكن هناك بينة من شهود أربعة يشهدون شهادة واضحة صريحة لا تورية فيها ولا تلميح؛ لأن مجرد ذكر هذا القول يجعل الكلمة تشهر وتروج، ثم يروج من ورائها ما تتضمنه من ذكر الفواحش وتسهيلها على الناس، ولذلك يقول الله أيضاً: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ * إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ * مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق:١٦ - ١٨] بدأ بذكر الوسواس الذي يجول في الخاطر، ثم حذر الله بما أعده من الأسباب الخفية والقدرة الشاملة التي لا تدع شاردة ولا واردة إلا أحصتها. ثم ذكر أهمية القول والحساب عليه تنبيهاً على خطورته وتأكيداً لأهميته، ويقول الله في آية المجادلة محذراً من شأن النجوى والتناجي بالإثم والعدوان: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَيَتَنَاجَوْنَ بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ﴾ [المجادلة:٨]، ثم ينادي الله أهل الإيمان بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلا تَتَنَاجَوْا بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ * إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ﴾ [المجادلة:٩ - ١٠] لو كانت النجوى التي تسر بها خيراً فما بالك لا تشيعها وتعلن بها؟! وما بالك تذكر أخاك بكلمات هامسة تنال فيها من عرضه أو تشوه صورته؟! إن كان في قولك حق فهو أولى أن تواجهه به في نصيحة خفية قصدها الخير ودافعها المحبة والشفقة. ثم تأمل حديث سفيان الثقفي الذي أخرجه الترمذي وصححه، وكذا النسائي وابن ماجة، أنه قال لرسول الله ﷺ : (يا رسول الله! قل لي في الإسلام قولاً لا أسأل عنه أحداً بعدك. قال: قل: آمنت بالله ثم استقم، قال: فما أتقي؟ فأومأ رسول الله ﷺ إلى لسانه) أي أنه نبهه إلى أن يتقي زلات اللسان وخطورة الكلمات. وعند الترمذي بسنده -وحسنه- عن عقبة بن عامر ﵁: أنه طلب الوصية من النبي ﷺ ، فقال له: (أمسك عليك لسانك، وليسعك بيتك، وابك على خطيئتك) وما أعظم هذا الحديث وأجل هذه الوصية! لو أن المسلم تأمل فيها في واقعنا المعاصر فسيجد أكثر الناس بعيدين عنها غير منتبهين لها. وإمساك اللسان من الأمور الواجبات، وكذلك الضبط والتفكير والعلم الشرعي والورع الإيماني والإدراك الواقعي الذي ربما نعرج عليه إن شاء الله تعالى. وفي حديث البخاري عن سهل بن سعد ﵁، عن النبي ﵊ أنه قال: (من يتكفل لي بما بين لحييه ورجليه أتكفل له بالجنة). وفي رواية: (من يتوكل لي). وحديث معاذ المعروف المشهور: (وهل يكب الناس على وجوههم أو على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم). وحسبك حديثه ﵊ تنبيهاً وتحذيراً حيث يقول: (إن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالاً يهوي بها في النار سبعين خريفاً). ولذلك جعل ضبط الكلام وجعل الكلمة في مسار الخير مرتبطاً بالإيمان، كما في حديثه ﵊: (من كان يؤمن بالله واليوم والآخر فليقل خيراً أو ليصمت) فالكلمة لها مجرى ولها سبيل، إن غلب على الظن أنها تورث خيراً وإصلاحاً، وتقرب بعيداً وتؤلف نافراً، وتقوي همة في الخير فإن ذلك هو المسار الصحيح، أما إذا تحقق المرء بأن الكلمة التي ينطق بها أو يكتبها تدعو إلى فجور، أو تغري بفاحشة، أو تورث شحناء، أو توقد بغضاً وحقداً وحسداً فإنه مأمور شرعاً بأن يكف عنها، وإن نطق بها أو أجراها كتابة فإنه آثم يلحقه إثمها، كما يلحقه ما يترتب عليها من الأضرار والآثار الوخيمة الوبيلة؛ إذ إن المرء موكول بمنطقه إن خيراً فخير وإن شراً فذاك مما يئول إليه أيضاً.

стр. 1683

أقوال وأشعار وأمثال تدل على أهمية الكلمة وخطورتها وآثارها أذكر بعض الأقوال والأمثال والأشعار التي نطق بها مسلمون وغير مسلمين، مما يدل على أن أمر الكلمة عموماً عند بني الإنسان لها هذه الأهمية، لما سبق من الإشارة إلى مجالاتها وخصائصها. فهذا ابن مسعود ﵁ يقول: (والله الذي لا إله إلا هو ما من شيء أحوج إلى طول سجن من لسان) هذا اللسان قد جعله الله أشبه بالمسجون، لكن العقل الذي لا يتدبر والقلب الذي لا يتذكر يطلق اللسان، فإذا به -وإن كان محدوداً في مساحته وفي إطاره- يشرق ويغرب ويؤذي، ويكون أذى اللسان أكثر من أذى السنان كما يقولون. وهذا ابن وهب يقول: إن في حكمة آل داود مكتوباً: (حق على العاقل أن يكون عارفاً لزمانه، حافظاً للسانه، مقبلاً على شانه). وعن الحسن البصري ﵀ أنه قال: ما عقل دينه من لم يحفظ لسانه. ** فهماً كاملاً من لم يضبط لسانه ويحفظه. . وعن عمر بن عبد العزيز أنه قال: من أكثر ذكر الموت رضي من الدنيا باليسير، ومن عد كلامه من عمله قل كلامه فيما لا يعنيه. لكن انظر إلى واقعنا اليوم ستجد كلاماً طويلاً عريضاً، وادعاء هائلاً، وعملاً قليلاً، وحقيقة باهتة، لا تعدو أن يكون نسبتها إلى ذلك الكلام كنسبة القطرة إلى البحر إلا من رحم الله . وعن بعض الحكماء أنه قال: الصمت يجمع للرجل فضيلتين: السلامة في دينه، والفهم عند صاحبه. فالذي يتكلم كثيراً لا يستطيع أن يفهم إلا قليلاً، وكما يقال: الجوارح تتوزع عليها المهام، فإذا اشتغل اللسان كثيراً يكون ذلك على حساب العقل والفطنة، وإذا امتلأ البطن بالطعام صار الحال كما قيل: إذا امتلأت البطنة ذهبت الفطنة. وهكذا عندما تركز البصر في أمر ما فإنك تجد أن سمعك لم يعد مدركاً، وعندما يجول خاطرك في قضية ما فإنك قد لا تسمع أو قد لا تبصر من مر بك؛ لأن الحواس إذا تركزت في جانب ربما يقل إدراك واستيعاب الحواس الأخرى لها. وعن منح بن عبيدة أنه قال: ما من الناس أحد يكون منه لسانه على بال إلا رأيت صلاح ذلك في سائر عمله. وعن بعض أهل الحكمة أنه قال: أنا على رد ما لم أقل أقدر مني على رد ما قلت. لأنك إذا قلت الكلمة فمن الصعب عليك أن تردها؛ لأنه قد يمنعك من ذلك كبر، وقد يمنعك من ذلك أن من سمعها منك قد شرقوا وغربوا وتفرقوا، فلا تستطيع أن تنسخ تلك القولة عند كل أحد، وأما إذا لم تقلها فإنها ما زالت تحت سيطرتك تفكر فيها وتتأمل في مراميها ثم تخرجها عن بصيرة وعلم. ولذلك قال الآخر: إذا تكلمت بكلمة ملكتني ولم أملكها، وإذا لم أتكلم بها ملكتها ولم تملكني. وقال الشاعر أيضاً: خل جنبيك لرام وامض عنه بسلام مت بداء الصمت خير لك من داء الكلام وفي كثير من الأمثال ما يدل على عمق وأثر هذه الكلمة، كما في بعض الأمثال: (رب كلمة قالت لصاحبها دعني). أي: اتركني ولا تنطق بي؛ فإنك لا تدري ما أجر عليك من البلاء والوباء إذ لم تراع الله في نطقي، أو لم تنتبه إلى ما يترتب على نطقي أو إشاعتي من خطر وزلل. وكما قال قائل: إن الحرب أولها كلام. وهذا كما وقع في قصة داحس والغبراء من نشوب حرب دامت سنوات بسبب موقف، ثم كلمة من هنا وكلمة من هنا وإذا بأرواح تزهق ودماء تجري وبيوت تهدم وديار تحرق، وهكذا، فعلى المرء أن لا يغفل عن هذه الخطورة. يقول بعض المعاصرين: إن الكلمات الجميلة تؤدي إلى معان ونتائج طيبة تحتاج إلى التأمل، وتؤدي أيضاً إلى مزيد من تأكيد أهمية وخطورة الكلمة. أما الكلمات السائبة فإنها تؤدي إلى نتائج خائبة، وهذه معادلة صحيحة، أي أن الكلمات السائبة التي لا اهتمام بها ولا ضبط لها فإنها في غالب الأمر تؤدي إلى نتائج خائبة. ومخرج كلمة الخير والشر واحد والمفتاح بيدك، فتأمل ماذا تقول. ومن لم يستطع وزن كلماته فليحتمل من خصمه لكماته، وهذه أيضاً واقعة، إذ قد يخطئ المرء بكلمة لا تجد عند الآخر محملاً فتكون اللكمة أسبق إليه من الكلمة. يقول قائل: العاقل العالم لسانه وراء عقله، والجاهل عقله وراء لسانه، تراه لا يفكر إلا بعد أن ينطق بالكلمة وقد مضى القول وانتهى الأمر. والكلمة البانية لا يستطيعها صاحب الكلمة النابية، فمن تعود على فحش القول وإشاعته، فإن كلامه في الغالب لا يوافقه، أو لا يتفق أن يكون كلاماً بانياً.

стр. 1684

فاعلية الكلمة وأوجهها بعد أن ذكرنا مسئولية الكلمة وأهميتها وخصائصها وخطورتها نذكر بعد ذلك فاعلية الكلمة، وسنذكر لفاعلية الكلمة عدة أوجه.

стр. 1685

أولاً: القبول والتصديق الكلمة تنطق بها وتكتبها فتجد من يقبلها ويصدقها، وقد يساعد على ذلك أمور، منها: الصلة والثقة، فإذا كنت موضع ثقة عند السامعين لك فإن كل كلمة تقولها يأخذونها مأخذ القبول والتصديق، ويعتبرونها مسلمة ويبنون عليها تصرفات وأحكاماً إلى غير ذلك. ومن أساليب الوصول إلى القبول والتصديق: التركيز والتكرار، وهذا ما تستخدمه وسائل الإعلام، فمع طلوع الفجر تذكر الخبر، وعند الظهيرة تؤكده، وعند العصر تردده، ثم تصوره، حتى يصدق الناس ما كان كذباً من الأخبار، وكما يقول بعض الناس -وهي مقالة باطلة، لكن لنا في الواقع بعض الشواهد الناطقة-: اكذب واكذب حتى يصدقك الناس. وكما نسمع في الطرفة الدائمة أن أشعب دعا الناس إلى وليمة كاذبة، فكان كلما لقي واحداً قال له: العشاء عند فلان. فتناقل الناس الخبر، وصار هو يسمع ما يتناقله الناس من أن العشاء عند فلان، فقال: لعل الخبر صحيح. فذهب مع الناس. وهكذا الكلمة عندما تترد وتتكرر وتتنوع أساليبها وتغزو عقول الناس فإنهم يقبلونها ويصدقونها، بل تكاد الكلمة عبر وسائل الإعلام أن تحاصر الإنسان محاصرة، فهي تغزوه من جهة النظر، وتغزوه من جهة السمع، فغزوه من جهة النظر عبر القراءة وعبر المشاهدة، ومن جهة السمع عبر الإذاعة وعبر وسائل أخرى متنوعة من شريط وبث مباشر وغير مباشر، فيقع للكلمة فاعليتها الخطيرة. ولذلك نبه النبي ﷺ على خطورة الكلمة التي تنتشر وتذاع لكثير من الناس دون الكلمة التي تخص؛ لأنك لو قلت كلمة لفرد واحد وأخطأت فيها فإن الأمر هين وميسور، ويمكن أن يصحح الخطأ، لكن الكلمة التي تنتشر وتذاع وتعم الآفاق في بضع ساعات، بل ربما في بضع دقائق، بل ربما في بضع ثوان هذه كلمة خطيرة. فمن هذا ما ورد في صحيح البخاري عن النبي ﵊: أنه رأى في رحلته إلى السماوات العلا رجلاً يوضع في شدقيه كلاليب من نار، يشق بها شدقه الأيمن من أوله إلى آخره، ثم يشق بها شدقه الأيسر فيعود الأيمن كما كان، ثم يشق مرة أخرى ويلتئم من جديد، وهكذا، فلما سأل النبي ﷺ جبريل عن هذا الرجل قال: هو الرجل يكذب الكذبة فتبلغ الآفاق، ولذلك تأتي الخطورة والفاعلية من هذا الجانب.

стр. 1686

ثانيا: التفاعل بالمشاعر عندما يقبل الناس ويصدقون الكلمة يبدأ تفاعل الكلمة في مشاعرهم وعواطفهم، فإذا بهم يبغضون ويكرهون، أو يحبون ويميلون، فأنت إذا سمعت كلمة تأتي من إنسان ما أو من بلد ما أو من كتاب ما، وهذه الكلمة وصفت لك فعلاً وصفاً محبباً وجميلاً فإنها تجعل هذا الفعل أحب إليك من الماء البارد على الظمأ الشديد، وقد تكون هذه الكلمة نفسها تصف لك هذا الفعل وصفاً شائناً منفراً، مما يجعلك تقول: يا ليت بيني وبينه بعد المشرقين وبعد المغربين فليست القضية مجرد قبول وتصديق، فإذا قبلت وصدقت فإن ذلك يبدأ تفاعله في مشاعرك، فتقبل على الأمر فعلاً أو تركاً. وهذا له أثره أيضاً، وإن كان هذا الأثر مهماً والفاعلية خطيرة، لكنها دون التي بعدها، وهي التأثير بالفعل المباشر، ليست المسألة مسألة مشاعر، فأنت قد تبغض الفعل الذي بغض إليك، لكنك لا تملك حولاً ولا قولاً، لكن ما بالك عندما تأتي الكلمة وتُقَبلُ وتُصَدقُ ثم تخلص إلى المشاعر عند من يملك أن يؤثر تأثيراً مباشراً، فإذا بتقرير يحتوي على كلمات لها دلالات معينة، وعمق يؤدي إلى نتائج ينبني عليها تأثير مباشر من إلحاق ضرر أو أخذ مال أو خراب بيت، إلى غير ذلك من الأساليب. وهكذا قد تجد فيما يتعلق بالجوانب غير الإسلامية في وسائل الإعلام أن هناك تشويهاً عبر الكلمة يحصل به بلاء عظيم وشر مستطير، ليس بمجرد مشاعر ولا كلمات، بل بأفعال خطيرة تؤدي إلى تغيير في مسار حياة أفراد كثيرين وأسر كثيرة، بل تؤدي إلى انحراف شامل يشمل المجتمع كله.

стр. 1687

ثالثاً: قلب الحقائق عندما يكون الأمر مقصوراً على أفراد بأعيانهم فإن الأمر سهل، لكن هذا التكثيف ورواج الكلمة يقلب الحقائق، ويحصل تلاعب بالأسماء والمسميات، فيروج عند الناس شر ويصبح خيراً، ويشيع بينهم باطل على أنه حق، ويقرون منكراً على أنه معروف، وتنتكس الموازين من خلال الكلمة التي -كما نرى اليوم تسمي- الدعارة فناً، وتسمي الربا فائدة واستثماراً، وتسمي الفجور والفسق حضارة وتقدماً، وتسمي الكذب والخداع شطارة ومهارة، إلى غير ذلك. عندما تمارس الكلمة صداها ودويها بين الناس، وتقبل وتصدق وينفعل بها الناس، ويرون لها تأثيراً مباشراً في الأفعال التي تقر إذا بالمجتمعات الإسلامية تعظم أصحاب الفن، وأصحاب الكرة، وأصحاب الأقلام من مفكرين أو مبدعين، مع كونهم لا يخدمون ولا ينصرون الإسلام، بل ولا الفضائل. إذاً أصبح الأمر لم يعد مجرد كلمة، بل الكلمة ومعها صورتها التطبيقية العملية، فتنغرس المفاهيم الخاطئة والمعكوسة في حياة الناس.

стр. 1688

رابعاً: شيوع النفاق عندما تحصل كل هذه الفعاليات والتأثيرات يحصل عند الناس نفاق، هذا إذا لم تنقلب عندهم الحقائق وأنكروها بقلوبهم، لكنهم كما نقول في تعبير عامي: (مع السيل يا شقرى)، فما دام هؤلاء يمدحون بالألسن والأقلام، وما دام هذا -كما يقال-: يؤكل به العيش ويسلم به الإنسان، إذاً فليكن هذا هو ميدان الكلمة شعراً ونثراً، نطقاً وكتابة، وهذا يجعل الناس يأنفون من الحق الصريح، يجفلون من الكلمة الصادقة، ولا تكون مقبولة فيما بينهم، ولا يعود أصحابها أصحاب مكانة وعزة، بل على العكس من ذلك، فمن يقول كلمة الحق اليوم يقولون له: أنت لا تعرف كيف تسير الحياة، لا تعرف كيف تورد الإبل، لا تعرف من أين تؤكل الكتف؛ لأن الحياة انطبعت بعد كل هذه الآثار بطابع النفاق الذي يظهر ما لا يبطن، والذي يوافق المسيرة وإن كانت خاطئة.

стр. 1689

أسباب جنوح الكلمة عن مسارها الصحيح تأمل أيها الأخ فاعلية الكلمة في هذه الميادين، لتدرك أن لهذه الكلمة خطورة لا يمكن أن يستهان بها مطلقاً، وإذا أردنا أن نوضح أكثر وأكثر فإننا ننتقل إلى الأسباب التي تنحرف بها الكلمة، لماذا لا تكون الكلمة صادقة وخالصة وجريئة وقوية؟! ولماذا لا تكون أيضاً حكيمة وواعية تؤدي أثرها في مراعاة من يسمعها، ومراعاة الظرف المحيط، ومراعاة المستوى العقلي كما أخبر النبي ﵊ وفقه منه الصحابة ذلك، فقال ابن مسعود: (ما أنت بمحدث قوماً حديثاً لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة). وكما في صحيح البخاري عن علي ﵁ أنه قال: (حدثوا الناس بما يعرفون، أتحبون أن يكذب الله ورسوله؟!). لماذا تجنح الكلمة عن المسار الصحيح في صدقها وأصالتها، وفي أسلوبها وحكمتها؟! هناك أسباب كثيرة منها:

стр. 1690

السبب الأول: الجهل إنه الآفة العظمى التي يقع بها كثير من البلاء؛ لأن الكلمة الخاطئة أساسها الجهالة العمياء، جهل بالشرع، وجهل بالواقع، وجهل بالآثار المترتبة على الكلمة، فإن بعض الذين يفتون بغير علم، وإن الذين يقولون أقوالاً ينصرون فيها أعداء الله على أولياء الله كثير منهم جهال، لم يعرفوا الحكم الشرعي في مثل هذا الأمر، ولم يعرفوا الضوابط والمصالح الشرعية في هذه القضايا، ولذلك آفة الأخبار نقلتها من الجهلة، فربما يفتي العالم بالفتيا الصحيحة، فإذا بها ينقلها عنه جهلة يخطئون فيها، وينسبون الخطأ للعالم، فلا تبقى الفتوى صحيحة ولا العالم عالماً، ولذلك بين النبي ﷺ مغبة وخطورة ذلك فيما يقع في آخر الزمان، عندما أخبر -كما في صحيح البخاري - عن أحداث آخر الزمان فقال: (يقل العلم، ويكثر الهرج. قالوا: وما الهرج؟ قال: القتل) فقلة العلم شيوع للكلمة الخاطئة الجانحة في صوابها -أي: من حيث الحكم الصحيح- وفي أسلوبها من حيث الوضع والأسلوب الصحيح، وكم في حديث وهدي النبي ﵊ من بيان لضرورة ضبط الكلمة، بل في كتاب الله تحذير خطير لهذا: ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ﴾ [النحل:١١٦] فهذا النطق ليس أمراً هيناً، بل لابد أن يئول إلى علم صحيح غزير، ولذلك كان العلماء يتدارءون الفتوى فيما بينهم، والجهلاء يتسابقون عليها، وحسبك أن الصحابة كانوا يتدارءون الفتوى فيما بينهم حتى تعود إلى الأول منهم، كما روى بعض التابعين حيث قال: (ربما رأيت الفتوى تعرض على المائة من أصحاب رسول الله ﵊ كلهم يدرأ بها عن نفسه ويلقي بها على أخيه). فالعلم هو أحكم ضابط وأعظم مشعل ينير الطريق للكلمة الصحيحة الصادقة الحكيمة.

стр. 1691

السبب الثاني: التسرع يقول المثل: في العجلة الندامة وفي التأني السلامة فالتسرع قد يكون عند المرء، فتجد الواحد يتسرع إما لرد فعل، كما لو أخطأ عليه شخص فتراه يرد الخطأ مضاعفاً، أو كما لو استفزه مستفز فتراه يخرج عن طوره وطوعه، ويخرجه غضبه عن إصابة الحق إلى الوقوع في الباطل، ولذلك أُثر عن عمر بن عبد العزيز في وصف المؤمن أنه قال: المؤمن من إذا رضي لم يدخله رضاه في الباطل، وإذا غضب لم يخرجه غضبه عن الحق. فالمؤمن فيه سكينة إيمانية أسَّسها عنده ذلك العلم الشرعي، والفقه والورع الإيماني، فليس هو الذي يتسرع فتنطلق الكلمة منه ويعقبها ندم وحسرة قد لا يجديان ولا ينفعان، فالتسرع إذاً من هذه الأسباب.

стр. 1692

السبب الثالث: الانطباع على كثرة الكلام وعدم استشعار المسئولية بعض الناس لا يرتاح لسانه إلا إذا نام، أما إذا كان مستيقظاً فلابد أن يتكلم كلاماً نافعاً أو ضاراً، محتاجاً إليه أو غير محتاج إليه، طلب منه أولم يطلب منه، فتجد بعض الناس لا يكون في مجلس إلا ويستأثر بالكلام، فإذا به يخبر عما سلف من أيامه وعن حياته، ويعلم الناس بما وقع له في حله وترحاله، وما أكل في الصباح وما ينوي أن يأكله بالمساء، كأن الناس منشغلون به ومهتمون بحاله أو منتفعون بمقاله، وهؤلاء هم صنف الثقلاء، الذين يثقلون على الناس بكثرة كلامهم وجلوسهم وغلظ أسلوبهم، وقد كان بعض السلف يستثقلهم، وكان من مشاهير هؤلاء الذين يستثقلون الثقلاء الأوزاعي وهو من التابعين، وله في ذلك لطائف وطرائف كثيرة منها: أنه رئي مرة وهو يسير بين ثقيلين فقيل له: كيف الحال؟ فقال: الروح في النزع. أي: بلغت روحه الحلقوم.

стр. 1693

السبب الرابع: الهوى الهوى الذي يهوي بصاحبه، فيجعله يطلق الكلمة كالرصاصة القاتلة، أو كضربة السيف القاصمة، يهوى ويحب فيوافق حتى في الباطل، كما هو لسان ذلك المحب العاشق يقول: يميناً إذا كانت يميناً وإن تكن شمالاً ينازعني الهوى عن شماليا فهو دائماً وأبداً موافق لهواه: والهوى في الوقت نفسه قد يكون لوناً آخر من بغض أو حسد، أو من نفرة وجفاء، فيئول بصاحبه إلى أن يستخدم الكلمة في غير موضعها، فيغتاب أو يسعى بنميمة أو يشوه سيرة أخيه المسلم، أو يطعن في عرضه أو غير ذلك من الصور التي ليس لها دافع، فهو يعلم علم اليقين أن هذا باطل، وقد حذر النبي ﵊ أصحابه من الغيبة، وقال لهم: (الغيبة: ذكرك أخاك بما يكره. فقالوا: يا رسول الله! أرأيت إن كان فيه ما أقول؟ قال: إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته) فهذا بهتان أعلى من الغيبة، فأنت تجد من يعلم أن هذا القول غير صحيح في فلان من الناس، وهو يعلم أن هذا القول لو كان صحيحاً فإن الشرع يمنع منه، ويعصم لسان المؤمن أن يغتاب أخاه، وأن يكشف عورته، وأن يهتك ستره، بل يأمره بأن يستر عليه وبأن يوري عنه، وأن يسعى له بنصيحة مخلصة بطريقة حكيمة، ومع كل ذلك يعمى بصره وتعمى بصيرته عن كل هذه المعالم، ويقوده الهوى في تياره الجارف وطغيانه الجانح وموجه الذي يكتسح كل شيء، ليس له هم إلا أن ينال من ذلك الذي نفر منه أو حسده لأمر ما أو لآخر، وحسبك أنك تجد هذا ليس بين أهل الدنيا، بل أيضاً بين أهل الدين، وحسبك تحذيراً قول النبي ﷺ : (إياكم وسوء ذات البين، فإنها الحالقة، أما إني لا أقول: تحلق الشعر. ولكن تحلق الدين) فكيف بك تغتاب وأنت تعلم حكم الغيبة وأنها في أعلى مراتب الحرمة بنص كتاب الله، وفي أبشع الصور المنفرة ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ [الحجرات:١٢] وتتجاوز كل هذا، إذاً سيئول بك الحال إلى أن تستهين بكلام الله وبشرعه وحكمه، وبهدي رسول الله ﵊ وسنته وإرشاده، وسيئول بك الحال إلى الفجور في الخصومة، فتنال صفة من صفات النفاق تنقص بها شيئاً من إيمانك، ثم لا يسلم بك الحال إذا تماديت في الهوى أن تخرج عن إطار مهم جداً، فتتجاوز الأمر إلى تكفير قد تقع مغبته عليك، نسأل الله السلامة، فأمر الهوى أمر خطير جداً.

стр. 1694

السبب الخامس: ابتغاء الدنيا وابتغاء المصالح الذاتية والمنافع الشخصية المصلحة التي تشترى بها الكلمة وتباع هي -للأسف- عند ضعاف النفوس وأراذل الناس، وإن كان بعضهم ينتسب إلى أهل العلم وليس هو منهم، تباع الفتوى وتشترى بعرض من الدنيا قليل. إذاً من أهم أسباب انحراف الكلمة عن مسارها الصحيح ابتغاء الدنيا وابتغاء المصالح الذاتية والمنافع الشخصية، ألا ترى أقلاماً تتحرك بالباطل ليلاً ونهاراً لأنها تأخذ أجر ذلك درهماً وديناراً؟! ألا ترى من يزينون الباطل ويزخرفونه وهم يعلمون وباله وضرره، لا لشيء إلا لما يملأ جيوبهم من الأموال؟! ألا ترى كم يسعى بعض أولئك إلى اتهام وانتقاص واعتداء على أخيار وأبرار، لا لشيء إلا لما يأملون من هذه الملذات والشهوات؟! وحبسك أن الأمر لا يعدو كلمة واحدة أو مقالة واحدة، بل في دنيا الناس اليوم إعلام كامل مستأجر، صحف كاملة تشترى وتباع، إذاعات كاملة تهب نفسها لتكون بوقاً تسعى في ركاب أهل البغي والظلم والطغيان، وتوافق على كل شي، وتمشي مؤيدة لكل باطل، كل ذلك لأجل تلك المصلحة.

стр. 1695

السبب السادس: الخوف وحب السلامة حب السلامة يثني عزم صاحبه عن المعالي ويغري المرء بالكسل المؤمن الصادق لا يخشى في الله لومة لائم، لا يعني ذلك أن يكون متهوراً، بل هو أولى الناس بالحكمة، لكن لا يذل نفسه، ولا يبيع مبدأه ولا يغير منهجه، ولا يساوم في دينه بحال من الأحوال. وحسبك عبد الله بن حذافة السهمي ﵁، الذي أعطى الكلمة ثمنها وقيمتها العظمى عندما ساومه ملك الروم وهو في الأسر على أن يعطى نصف الملك أو أن يعطى الملك كله في مقابل كلمة كفر، ثم إن ملك الروم أخرج أسيرين من المسلمين واحداً إثر واحد وغمسهما في زيت مغلي، يدخل أحدهما لحماً ويخرج عظماً أمام عيني عبد الله بن حذافة السهمي، ليخاف ويؤثر السلامة ويعطي الدنية في دينه، ويخرج الكلمة الذليلة التي يأباها قلب المؤمن الحر، فلم يرض بذلك، حتى كان مقابل الكلمة أو الموقف مصلحة المسلمين دون تغيير في مبدأ ولا مساومة على دين فأعطاها، فقال عمر ﵁: حق على كل مسلم أن يقبل رأس عبد الله بن حذافة. وقام عمر -وهو من هو- وقبل رأسه أول الناس. وقال النبي ﵊ حديثاً عظيماً جليلاً، قال: (أعظم الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر) كلمة حق عند سلطان جائر، لم يخش قائلها السيوف المصلتة، ولا المصير المظلم، ولا السجون المنتظرة، ولا السياط الملتهبة، بل إنه ينظر إلى الحق الذي يرفعه، وما أعظم موقف الإمام أحمد بن حنبل رحمة الله عليه عندما قدر الكلمة والموقف، فجاءه من جاءه من أصحابه يسهل عليه أن يقول كلاماً يسلم به ولا يسلم دينه، وقال له: إن لك أبناء وإن لك عيالاً وكذا. فقال له: إن كان هذا عقلك فاسترح. وجاءه آخر فقال له نحو ذلك القول، فقال له: انظر إلى من وراءك. فنظر فإذا الجماهير الغفيرة كل واحد آخذ دواته وقلمه يريد أن يكتب كلمة ابن حنبل ويأخذ بها. فقدر هذا الموقف ولم ترهبه السياط ولا الوعد ولا الوعيد، وانظر إلى ذلك العالم من علماء سلف هذه الأمة عندما كان يجرى له عطاء من بيت مال المسلمين، وهو يحدث الناس بحديث رسول الله ﷺ ، فلما جاءت الفتنة امتنع عن موافقة الباطل، فقال له الخليفة: إذن نقطع عنك جرايتك. فأخذ بزر قميصه فخلعه، وقال: ما دنياكم التي تحرصون عليها إلا كمثل زري هذا. قال بهذا الكلام في وجه الخليفة، هنا يكون للكلمة قيمتها وللموقف أثره، ولذلك علق الخطابي على حديث: (أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر) فقال: إنما كان هذا أفضل الجهاد لأن من جاهد العدو كان على أمل من الظفر بعدوه. ثم قال: ولا يتيقن العجز عنه؛ لأنه لا يعلم يقيناً أنه مغلوب. وهذا الذي يقول كلمة الحق عند السلطان الجائر يعلم أن يد السلطان أقوى من يده، فصارت المثوبة فيه على قدر عظم المئونة. ثم قال الخطابي معلقاً أيضاً: ليت شعري من الذي يدخل اليوم على الملوك الجائرين والسلاطين الباغين فلا يصدقهم على كذبهم؟! ومن الذي يتكلم بالعدل إذا شهد مجالسهم؟! ومن الذي ينتصح منهم إن نصحوا؟! إذاً اجتنابهم هو أسلم لك -يا أخي- في هذا الزمان، وأحوط لدينك أن تقل من مخالطتهم وغشيان أبوابهم، ونسأل الله الغنى عنهم والتوفيق لهم. هذا في زمان الخطابي، وهو متوفى في القرن الرابع الهجري، فكيف وقد فشا في كثير من بلاد الإسلام جور وظلم، بل حكم بغير شرع الله ؟! وذكر أيضاً عن بعض الحكماء أنه قال: إن الذي يحدث للسلاطين التيه في أنفسهم والإعجاب بآرائهم كثرة ما يسمعونه من ثناء الناس عليهم، ولو أنهم أنصفوهم فصدقوهم على أنفسهم لأبصروا الحق، ولم يخف عليهم شيء من أمورهم. ولذلك قال صاحب الظلال في شأن فرعون: كيف يمكن لفرعون واحد في الأمة أن يتحكم في مصائرهم؟! قال: ليس هذا من فعله، ولكنها الأعناق مدت له فجر، والظهور حنيت له فركب، وأسعفه من حوله من أهل الملأ ووافقوه على مقالته: لا أريكم إلا ما أرى. وهكذا تأتي هذه الكلمة في موضعها فتكون من أفضل الجهاد، فإذاً: من الأسباب التي تمنع من الكلمة الصادقة وتحرفها عن مسارها الخوف وطلب السلامة.

стр. 1696

ممارسات وصور عملية غير إسلامية تصرف الكلمة عن مسارها الصحيح أنتقل في آخر الأمر إلى الممارسات والصور العملية لهذا الانحراف للكلمة عن مسارها الصحيح. فلعلي أقسِّم هذه الصور إلى قسمين: صور إسلامية، وصور غير إسلامية، والصور غير الإسلامية تصدر ممن لا ينصرون الدين ولا يشهرون رايته، وتجد ذلك في صور شتى: أولاً: الصمت عن الحق، ولذلك الساكت عن الحق شيطان أخرس، فأنت تجد كثيراً من الصحف والمجلات تنادي زوراً وبهتاناً بحقوق الإنسان وبالعدالة وبالديمقراطية وغير ذلك، بينما تغض الطرف وتكسر الأقلام وتكمم الأفواه عندما يكون هناك أمر متعلق بالمسلمين، فلتجر الدماء سيولاً ولتزهق الأرواح بالآلاف في البوسنة والهرسك ولا شيء في ذلك، ولتنتهك حقوق الدعاة والعلماء في كثير من بلاد الإسلام، ومع ذلك تصدر الصحف في بلاد المسلمين صباح مساء ليس فيها حتى إشارة، وإنما تجد فيها إثارة وتعدياً واستعداءً وتهييجاً للعقول وصرفها عن إدراك مثل هذه المخاطر، والأمر في هذا بين واضح، وفي المقابل فتجد أن إذاعات الكفر أحياناً تخبر بكثير من الوقائع والفضائع التي تحصل للمسلمين، وحسب ذلك بعداً للكلمة الحرة الصادقة، وحسبه أيضاً إهانة للكلمة التي لا تستطيع أن تكون عادلة فتذكر الأمر في كلا الأمرين. ثانياً: التشويه لصورة المسلمين والدعاة، بل لصورة الإسلام نفسه، فلم تعد اليوم حملات الكلمات الجائرة مقصورة على من يسمونهم الأصوليين أو المتطرفين أو الإرهابيين، بل صارت تتناول شرائع الإسلام وأحكامه، بل تتناول أعلامه التاريخيين من السلف رضوان الله عليهم تندراً بهم واستهزاء، بل -عياذاً بالله- تجد كثيراً من المجلات التي تنطق بألسنتنا قد تناولت شخص الرسول ﷺ ببعض التهكم والسخرية، بما يكون صاحبه إن اعتقده كافراً لا شك في كفره، هذه الصورة التي نسمعها ونقرؤها تجدها قد غلبت على كثير من الكلمات المسموعة والمقروءة إلا ما رحم الله ، وإذا بحثت عن الكلمة الصادقة في ركام هذه الكلمات الكاذبة فلا تجدها، والله المستعان. ثالثاً: الترويج للفسق والفجور، والدعوة إلى الشهوات والملذات الآثمة، فأنت ترى سيلاً من الكلام والترويج للفن بألفاظ فجة جارحة للحياء العام، ومع ذلك تنشر مع الصور ومع غيرها، وتجعل الكلمة مسخرة للدعوة للرذيلة نسأل الله السلامة، وتجد القصة التي تدعو إلى الآثام وإلى الحب والغرام والهيام، وتجد القصيدة الماجنة المفسدة، وتجد الأغنية بما فيها من كلمات وميوعة. إذاً لم تعد في هذه الكلمات إلا ممارسات غير إسلامية تدعو إلى مثل هذا الأمر. رابعاً: التشتيت في الفراغ. بمعنى أن الكلمة وإن لم تمارس ذلك الانحراف لكنها لا تقدم شيئاً نافعاً، وإنما تذكر لنا خبراً عن أطول (سندويتش) في العالم، وعن ذلك الذي أطال شاربه حتى صار طوله كذا سنتيمتراً، وأخباراً تافهة ومعلومات سخيفة، وتشويشاً من هنا وهناك، حتى لا يمكن أن تنتفع بكلمة، فربما تنقل الكتاب كاملاً أحياناً -سيما الكتب الحديثة التي ذكر الطنطاوي أنها مشتقة من الحدث الذي يجب الوضوء أو الغسل منه- فتجد كلاماً فراغاً وهذراً لاغياً يفسد القلوب ويفسد الأفكار، ويضيع الأوقات ويحجب الناس عن أن يقضوا وقتهم في الكلمة النافعة الصادقة.

стр. 1697

ممارسات تصرف الكلمة عن مسارها الصحيح بين المسلمين ننتقل إلى صور بين المسلمين، بل ربما بين بعض الخيرين من شباب الصحوة والدعوة، فإن هناك صوراً غير حميدة أدت إلى انحراف الكلمة عن مسارها وعن حكمتها وأسلوبها، وهي أيضاً ممارسات كثيرة أذكر بعض صورها.

стр. 1698

المبالغات في المدح والذم يعجب المرء حقيقة من المبالغات التي تدل على نوع من الخفة وسذاجة التصور، أو تدل أحياناً على نوع من الغش للآخرين، فإنك تسمع مبالغة فجة لا تقبلها العقول السليمة، فإن هناك من يقول: ألم تسمع محاضرة كذا وكذا؟ لا يمكن أن تسمع في حياتك مثلها لا قبلها ولا بعدها. أو كتاب كذا؟ لا يمكن أن يكون هناك أفضل منه على الإطلاق، وكذلك لا يمكن أن تجد أعلم في العالم كله من فلان أو فلان. وغير هذا من الإطلاقات، أما فلان فكذا وكذا، أما الأمر الفلاني فهو كذا وكذا، وفي المقابل أيضاً ذم مطلق. إن الإطلاق العام يدل على عدم البصيرة والوعي والعلم، مع أن الإسلام دعا إلى التثبت والانضباط، حتى في الأمور التي تتعلق بالكفرة من يهود أو نصارى نجد الاستثناء فيها وارداً، كما في قصة يعقوب ﵇ قال: ﴿إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ﴾ [يوسف:٦٦] مع أنه قد كان مجروحاً مكلوماً في نفسه، ومع أنه قد سلفت له معهم تجربة، لكنه قال: ﴿إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ﴾ [يوسف:٦٦] أما الإطلاقات العامة التي ليس لها ضابط ولا حد ولا قيد فاعلم أنها من خطأ اللسان ومن خطأ الكلمة؛ إذ لابد من وضع الأمور في نصابها، وهذه المبالغات تفقد الناس القدرة على التمييز، فيتعودون على التهويل، فما يقبل أبداً الكلام المعتدل المتزن، فتقول -مثلاً-: فلان له كتاب جيد فيعتبر هذا الكلام ليس تزكية، وليس إشارة إلى الفائدة التي فيه إن لم تقل عنه: إنه جيد في غاية الجودة ونافع في غاية النفع وكذا. فإنه لا يدرك من كلامك أنك أعطيته تقويماً تريد منه أن ينتفع به؛ لأنه تعود على مثل هذه المبالغات، وكذلك لو قلت له: فلان تقي. وحسبك بهذه الكلمة تزكية، لكنها لا تكفيه، لابد من أن تقول له: إنه أتقى الأتقياء، وما رأيت أعبد منه، وما وقعت العين على مثله. وكذا وكذا من هذه الأمور التي قد قالها بعض أهل العلم في أئمة أجلاء كبار، ومع ذلك نقدوهم وذكروا مما يظنونه خطأً في أقوالهم، كما قال الذهبي: ما رأت عيني مثل ابن تيمية رحمة الله عليه، ولا رأى مثل نفسه. ومع ذلك فقد كتب رسالة مطولة ذكر فيها بعض ما رأى من المسائل مخالفاً فيه رأي شيخه، لكن هذه المبالغات -سيما في جانب التزكيات- تحدث هذا الاضطراب بين الشباب، كما أنها أيضاً تحدث أحياناً غشاً، فإنك عندما تبالغ تعطي صورة غير صادقة فينخدع بها غيرك، وقد تكون قلتها عن عاطفة، لكن هذه العاطفة لا تكفي مبرراً ومسوغاً لعدم ضبط هذه الكلمات.

стр. 1699

الطعن والقدح لا شك أننا نعرف ونسمع عن بعض الشباب الذين ليس لهم هم إلا قوائم الطعن والجرح التي يصنفون فيها الأسماء ويصنفون فيها الرتب من تفسيق أو تبديع أو تكفير، ثم يسجلون فيها المقالات والكلمات بتتبع وتقص مقصده الوقوف على الأخطاء، ثم يشغلون بذلك ليلهم ونهارهم، ويجعلون ذلك ديدنهم في حلهم وترحالهم، بل يبذلون في ذلك أموالهم، بل يرحلون فيه من مدينة إلى أخرى، وما ثمة عند هؤلاء وقفة مع تذكر لحرمة المسلم في ماله وعرضه ونفسه، وما ثمة مراعاة للذم والوعيد الشديد لأهل الغيبة والنميمة، ولا شيء من ذلك، وهذا الأمر يدل على قسوة في القلوب وتبلد في الإحساس وعمىً في البصيرة، نسأل الله السلامة. وهؤلاء أيضاً قد سلم منهم الأعداء؛ لأن جهدهم قد صب في نقد وجرح وثلم وإسقاط الأخيار من الصلحاء والدعاة والعلماء، وهذا المسلك مسلك شيطاني؛ لأنه باسم الدين أو بلسان الدعوة، ولأنه يهدم في هذا الدين ويقوض بنيان الدعوة، إذ يقول: الحق أحق أن يتبع، ولابد من تعرية الباطل، ولابد من كشف الخطأ. وغير ذلك من الأوهام التي ما سلفت في سلف الأمة ولا دلت عليها الأدلة، ولا شهد لها فعل النبي ﵊، بل كان يقول -كما في سنن أبي داود -: (لا يبلغني أحد عن إخواني شيئاً فإني أحب أن أخرج إليهم وأنا سليم الصدر)، وينقض أيضاً الوصية النبوية بالستر على المسلم: (من ستر مسلماً ستره الله يوم القيامة) وكذلك بالتماس الأعذار وحسن الظن مع إبداء النصح، وغير ذلك من الآداب الكثيرة التي لا حصر لها ولا حد في شرع الله .

стр. 1700

إطلاق الأحكام ونقل الكلام دون تثبت نجد كثرة من الشباب يطلقون الأحكام جزافاً، سواء أكانت في الفتيا أم كانت في الحكم على الناس، فأحدهم يحكم على أهل بلد كامل بأنهم مبتدعة، وآخر يحكم على أهل محلة أخرى بأنهم فسقة، وهكذا يطلق الأحكام الدقيقة الخطيرة التي لم يطلب منه أصلاً أن يحكم فيها ولا أن يخوض فيها دون أن يراعي في ذلك حرمة ولا خطورة، فأنت تجد أقل فعل يفعله إنسان ما ينال به عنده حكم الابتداع في أمور عجيبة وغريبة، حتى جعلوا بعض اللبس نوعاً من الابتداع، لا ابتداعاً في الهيئة، بل ابتداع في الدين، حتى جعلوا أحياناً صوراً من القول وطريقة في الهيئة والكلام أو في المشية والحركة جعلوا لها حكماً في الابتداع، وغير ذلك من الأمور الخطيرة المريعة، وأحدهم لا يفقه شيئاً من الأحكام وتراه يدخل في مثل هذه الأمور. والنقل أيضاً آفة كبرى، ينقل بعضهم عن بعض أموراً عجيبة، وإذا في الأمر خبر ليس له أساس من الصحة، ثم يتصور تصوراً عجيباً وفريداً وغريباً، حتى إن الإنسان ليحار في أولئك القوم الذين ليس لهم هم إلا نقل الكلام والسعي به بين الناس ونشره من غير تثبت ولا روية، وقد أمرهم الله أن يتثبتوا، فقال جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات:٦]. وأذكر لذلك مثالاً واقعياً يتعلق بي، فقد جاءني مرة من يذكر لي خبراً فقال: إن فلاناً يقول: إنك ذكرت لسماحة الشيخ عبد العزيز بن باز قولاً في مسألة الأشاعرة وناقشته فيها. فقلت: لا أعلم هذا الأمر أبداً ولم يقع. ثم تذكرت مجلساً تحدث فيه أحد الحضور وقال للشيخ: إن هذه المسألة قد كثر فيها اللغط وتكلم فيها بعض من لا علم له، وصار بسببها فتنة، وأنت العالم المقدم المسموع الكلمة، فلو قلت فيها كلمة ونشرتها أو أذعتها أو سجلتها لكان في ذلك إحقاقاً للحق وبياناً للعلم. ولست أنا الذي تحدثت بها، لكنه رجل كان في ذلك المجلس، ومع ذلك نسب القول إلي، ثم ظننت الأمر عارضاً، وإذا بي كدت أبكي من شدة الضحك وأضحك من شدة البكاء؛ إذ جاءني رجل آخر وقال لي: إن فلاناً يطلب منك صورة من البحث الذي قدمته للشيخ عبد العزيز بن باز عن الأشاعرة، فالكلمة صارت بحثاً مكتوباً تطلب صورة منه ليطلع عليه. وهكذا تروج الكلمة دون تثبت وينفخ فيها النافخون، حتى إنني سمعت لأحد الرجال في أمر وقع عندنا أنه ينسب فعله إلى فلان من الناس، مع أن فلاناً هذا كان ساعياً في درء هذا الفعل الذي وقع، فهذه أيضاً صورة أخرى.

стр. 1701

استخدام أسلوب التورية والتلميح الذي يقصد به الطعن والتجريح قد لا يكون الطعن صريحاً كما قد يفعله بعض من أشرت إليهم وذكرت وصفهم، لكن بعض الناس يستخدم أسلوباً في نظري هو أخبث وأكثر شراً وضرراً؛ إذ إنه يستخدم أساليب وكلمات تحتمل الوجهين، لكنه يعلم أن السامع له لا يدرك من هذه الكلمات إلا المعاني الذميمة، فهو يقول: فلان في عقيدته نظر، لم يقل: هو كافر ولا مبتدع ولا معتدل ولا غير ذلك، أو يقول: فلان عنده بعض التميع. ولك أن تفهم هذه الكلمة المائعة، وقد يصل إلى تميع يستبدل فيه الحق بالباطل والاعتقاد الصحيح بالاعتقاد الزائغ، ويستخدم أساليب من هذا النوع، كأن يقول: فلان لا أطمئن له، أو لا أرى أن ينتفع أو أن يكون في موضع الانتفاع منه. أو نحو هذه الكلمات التي ليست بالطعن الصريح، لكنها في الوقت نفسه تقع موقعاً من السوء، ويقع بسببها من الضر وانتشار الخطر ما لا يعلمه إلا الله ، سيما إن صدرت ممن يكون مسموع الكلمة أو مقدماً عند السامعين له أو السائلين له، وهذه -وللأسف- أيضاً صورة منتشرة، بل قد تكون أحياناً منتشرة في كلام مسموع منتشر على أشرطة، أو حتى في كلام يروج بين المجالس؛ إذ إن صاحبها قد يلجأ إلى الأمر الذي ذكرته في خصائص اللسان، وهو أنه خفي المنال، فإذا واجهته بهذا الكلام قال: لم أقصد بالتميع تميعاً في العقيدة، وإنما أقصد به كذا وكذا وكذا. يأتي بكلام آخر، ولم أقصد بقولي: فيه نظر إلا أنه موضع التأمل والتدبر. وهكذا يمكن أن يخرج من هنا وأن يدخل من هناك، أو أن يدخل من هنا ويخرج من هناك.

стр. 1702

الخوض فيما لا يعني والجدال والمراء هناك صور كثيرة عند الشباب الذين هم في مقتبل العمر وفي أول الابتداء، ومن هذه الصور الحديث فيما لا يعني، فكم تجد طفلاً صغيراً ينتطح بين الكبار، أو غراً جاهلاً يدخل في المسائل العويصة، أو يسأل عن أمور لم تقع، أو عن مشكلات لا حاجة له إليها، فهو يصرف نفسه عما هي أهل له وعما هي محتاجة إليه إلى غير ذلك مما لا ينبغي له، وفي الحديث: (من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه). وعن ابن عباس في وصيته لرجل أنه قال: (لا تتكلم بما لا يعنيك فإن ذلك فضل، ولست آمن عليك الوزر، ودع الكلام في كثير مما يعنيك حتى تجد له موضعاً، فرب متكلم في غير موضعه قد عنت، ولا تمار حليماً ولا سفيهاً؛ فإن الحليم يقليك -أي: يهجرك- والسفيه يؤذيك، واذكر أخاك إذا توارى عنك بما تحب أن يذكرك به إذا تواريت عنه، ودعه مما تحب أن يدعك منه، فإن ذلك العدل، واعمل عمل امرئ يعلم أنه مجزي بالإحسان ومأخوذ بالإجرام). وقال مورق العجلي: أمرنا بأمر أنا أطلبه منذ عشرين سنة لم أنله ولست بتاركه فيما أستقبل. قيل له وما هو؟ قال الصمت عما لا يعني. وكتب أحدهم لـ يونس بن عبيد الله يسأله عن حاله: كيف أنت؟ فكتب له يونس كتاباً قال فيه: أما بعد: فإنك كتبت إلي تسألني: كيف أنا وكيف حالي. فأخبرك أن نفسي قد ذلت لي بصيام اليوم البعيد في الحر الشديد، ولم تذل لي بترك الكلام فيما لا يعني. وهذه قصص فيها عبرة وحكمة وقد جاء رجل من أهل البصرة إلى عبيد بن عمير وقال له: إني رسول إخوانك من أهل البصرة. قال: وإنهم يقرءونك السلام ويسألونك عن أمر هذين الرجلين علي وعثمان ﵄ وكان هذا بعد استشهاد علي وعثمان بوقت طويل- ما قولك فيهما؟ فقال: هل هناك شيء آخر؟ قال: لا. فقال: جهزوا الرجل. فلما جهزوه وفرغوا من جهازه. قال: اقرأ ﵈ وأخبرهم أن قولي فيهم هو قول الله : ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [البقرة:١٣٤]. وكما أثر عن عمر بن عبد العزيز أنه قال: تلك فتنة طهر الله منها أيدينا فلنطهر منها ألسنتنا. وأخيراً الجدال والمراء، فقد كثرت في مجالس الشباب المماراة والمجادلة، فيدخلون في حال الإنسان يسألونه ويجادلونه ويناقشونه حتى يخرج عن طوره، فيقول ما لم يكن يحب أن يقول، فيخطئ حيث أراد أن يصيب، أو يقع بينهم نوع من الفرقة والشحناء، وهذه صور فيها انحراف للكلمة عن مسارها، والصور أكثر مما ذكرت، وحسبي الإشارة؛ فإن الحر تكفيه الإشارة عن صريح العبارة.

стр. 1703

الأسئلة

стр. 1704

توجيه الشباب باتخاذ الأسلوب الشرعي عند تقويم الأخطاء السؤال كثر من الشباب الملتزم عقد جلسات ليعرفوا الآخرين بعيوب المسلمين، فهم ينتقصونهم لأفعالهم وأعمالهم، ويشتغلون بالمهم عن الأكثر أهمية، ويكون هذا شغلهم الشاغل، ويعتقدون أن هذا من صميم دعوتهم، بل حالهم يدل على أن هذه هي دعوتهم ليس غيرها؛ لأنهم لم يشتغلوا بغيرها معها، مع علمهم بمخططات دول الغرب لتدمير الإسلام وأهله، فما هو توجيهكم لهؤلاء؟ الجواب نقول: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ﴾ [البقرة:١٣٤] ولستَ مسئولاً إلا عما ترى من خطأ فتقومه بالأسلوب الشرعي من النصح وإنكار المنكر بأساليبه، أما غيبة الناس وجرحهم وانتقاصهم والثلب في أعراضهم والانتقاص من جهود العاملين المخلصين، فإن ذلك لا يفيد إلا أعداء الإسلام. لكن الاختلاف السائغ المبني على اجتهاد صحيح أمر لا يفسد للود قضية، وقد اختلف من قبل صحابة النبي ﵊ وائتلفت قلوبهم وعمرت المحبة فيما بينهم، وتلاحمت صفوفهم، بل اختلفوا في الحكم ووافق بعضهم بعضاً في الصورة العملية حتى لا تشق عصا المسلمين أو تفرق صفوفهم، فـ ابن مسعود كان يرى القصر في الحج وعثمان كان يرى الإتمام، فأتم فقال ابن مسعود: (رحم الله عثمان، فإن النبي ﷺ قد قصر وأبو بكر وعمر) ثم لما حانت الصلاة صلى خلف عثمان فأتم، قالوا له: أنكرت عليه ثم صليت معه؟ قال: (الخلاف شر) فما دام الأمر لا يستدعي مفاصلة والحكم جائزاً هنا وهناك، والأمر بين فاضل ومفضول أو راجح ومرجوح، أو لهذا دليل يمكن أن يسوغ العمل به فالأمر لا يقتضي مثل هذا الخلاف.

стр. 1705

علاج الغيبة السؤال الغيبة مرض خطير وداء وخيم، فما هو العلاج الأمثل لذلك؟ الجواب إمساك اللسان عن المحرمات واستحضار شدة العذاب والوعيد الذي ذكر في شأن الغيبة، إضافة إلى العدل والإنصاف، فهل تحب أن يغتابك الناس ويذكروك بسوء؟ فكما لا تحب ذلك لنفسك فلماذا تحبه للآخرين؟ وانظر كذلك إلى الآثار الواقعية التي تترتب على مثل هذه الغيبة، فإنها تزرع الشحناء والبغضاء، وتفرق الصفوف وتوهن في قوة المسلمين، وكل ذلك أضرار إذا تأملتها أدركت خطورتها.

стр. 1706

كيفية معالجة الأخطاء الواقعة من الأشخاص وضوابط ذلك السؤال إذا كان كان الحديث عن شخص آخر نوعاً من أنواع الغيبة فكيف يمكن لنا أن نحسن من أحوالنا إذا لم نجتمع ونناقش الأمور التي تمس مجتمعنا؟ الجواب إذا أردت أن تناقش الأخطاء فناقشها مجردة عن الأشخاص، على هدي النبي ﵊ (ما بال أقوام يفعلون كذا وكذا) وإذا أردت أن تناقش المشكلات فليس من لوازم أمرها أن تعرف أصحابها، لكن إن كان صاحب الفسق معلناً فسقه مجاهراً به معلناً حربه لله ولرسوله فإنه لا غيبة له، بل التحذير منه نافع ومفيد في هذا الشأن، أما أخ مسلم صالح عابد ساع بالخير باذل وقته وجهده وفكره في نشر الخير والدعوة إليه فهذا إن كان فيه خطأ فإن كثير صوابه يغطي ويغمر قليل خطئه، وإن قليل خطئه موهوب ومغفور في كثير صوابه، وإن قليل خطئه يستوجب منك أن تبذل له النصح الذي تقدمه بالشكر له والثناء عليه، والحث له على المضي في الخير الذي هو فيه، ثم تستدرك وتقول: لكني أحسب أن في قولك أو في بعض فعلك كذا وكذا، وأنت فيك خير، وأنت الذي نظن بك أفضل مما نظن بأنفسنا وكذا وكذا فإن هذا هو التقويم والتصويب. ولعلي أختم بأمر جامع يضبط هذه المسارات كلها. أولاً: العلم الشرعي الذي تحصل به البصيرة والمعرفة، ويبعد الإنسان به عن الوقوع في الخطأ. ثانياً: الإدراك الواقعي بحال الأمة الإسلامية والدعوة الإسلامية، وحال الأعداء واضطهاد المسلمين، وحاجتنا للوقت، وحاجتنا للجهد، وحاجتنا للوحدة والائتلاف، ولدرء مفاسد أعداء الدين الذين يبثون الفرقة بين صفوفنا وفي مجتمعاتنا، وأن ندرك من خلال الواقع هل هذه الكلمة موقعها في هذا الوقت، فإذا كانت هناك حملة على الدعاة والصالحين، فما بالك تجرح جرحاً قد تكون فيه مصيباً أو مجتهداً لكنه لم يقع موقعه المناسب في هذا الظرف أو في ذلك الزمان. وهكذا إدراكك للواقع، وما يترتب على الكلمة من الآثار وما تتوقع لها من القبول عند الناس ينبغي أن يعصمك هذا الإدراك عن كثير من الخلل. ثالثاً: الورع الإيماني الذي يجعلك تعف عن الوقوع في المحرمات، وتربأ بنفسك عن الدخول في المهاترات والمنافسات، وتغلب الخير الذي ترجو ثوابه من الله ، ولا تكون لك غاية ولا هم إلا ابتغاء رضوان الله ، وتلتفت إلى حديث عائشة ﵂ عن رسول الله ﷺ أنه قال: (من ابتغى رضا الناس بسخط الله ﵁ وأرضى عنه الناس، ومن ابتغى سخط الله برضا الناس سخط الله عليه وأسخط عليه الناس). فالله أسأل أن يعصمنا من الزلل في القول والعمل، والله أسأل أن يكتب لنا الأجر والثواب، وأن يوفقنا للحق والصواب، وأن يعصمنا ويقينا من شرور أنفسنا؛ إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصل -اللهم- وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

стр. 1707

أيام معدودات وليال محدودات إن الأيام معدودة، والأنفاس محدودة، والعمر له نهاية، والعاقل من يفكر في نهايته أين ستكون، واللبيب من يتدبر حاله إلى أين سيئول، ولذا فعلينا أن نستيقظ من رقدتنا، وأن ننتبه من غفلتنا قبل أن ينزل بنا هاذم اللذات، ومفرق الجماعات، وأن نغتنم العمر في الطاعات، خاصة الأوقات الفاضلة كالعشر الأواخر من رمضان، وليلة القدر.

стр. 1708

ذهاب الوقت وطوي الساعات لن يعود الحمد لله عالم الخفيات، رب الأرض والسماوات، أنزل الرحمات، وأفاض البركات، وزاد الخيرات، وجعل لعباده في أيام دهره نفحات، تمحى فيها السيئات، وتضاعف الحسنات، وترفع الدرجات، فله الحمد ملء الأرض والسماوات، أحمده حمداً يليق بجلاله وعظيم سلطانه، ويوافي فضله وإنعامه، وينيلنا رحمته ورضوانه، حمداً نلقى به أجراً، ويمحو الله به عنا وزراً، ويجعله لنا عنده ذخراً، هو أهل الحمد والثناء لا نحصي ثناءً عليه هو كما أثنى على نفسه، فله الحمد في الأولى والآخرة، وله الحمد على كل حال وفي كل آن، وله الحمد حتى يرضى، وله الحمد بعد الرضا كما يحب ويرضى على آلائه ونعمه التي لا تعد ولا تحصى. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن نبينا وقائدنا وقدوتنا وسيدنا محمداً عبد الله ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، علم التقى، ومنار الهدى، الرسول المجتبى، والنبي المصطفى، وأشهد أنه ﵊ قد بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، فجزاه الله خير ما جازى نبياً عن أمته، ووفقنا وإياكم لاتباع سنته، وحشرنا يوم القيامة في زمرته، وجعلنا من أهل شفاعته، وصلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى من تبعهم، واقتفى أثرهم، ونهج نهجهم إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي َتَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: أيها الإخوة المؤمنون! في الجمعة الماضية كنا نقول عما قريب نستقبل العشر، واليوم نقول: قد مضى نصفها، وعما قليل يودع رمضان، تنتهي أيامه، وتقوض خيامه، عما قليل يؤذن بالرحيل، نفتقد من بعده كما هو غالب الحال الصلوات الخاشعة، والدعوات الضارعة، والتلاوات المرتلة، والمساجد الممتلئة، والنفقات المتكاثرة، والزيارات المتواصلة، نفتقد من بعده قلوباً مشرقة بالإيمان، ونفوساً مطمئنة باليقين، وجوارحاً مشغولة بالطاعة، نفتقد من بعده خيراً كثيراً، فأي شيء نقول في هذا المقام؟! إنها أيام معدودات، وليال محدودات، لا تتصور أن بها نهاية رمضان، بل تخيل أنها نهاية عمرك، أو أنها نهاية الدنيا كلها، لو قيل لك: لم يبق إلا هذه الأيام، وسوف تطوى صفحات حياتك، وتلفظ أنفاسك، وتودع دنياك، وتوضع في قبرك، وتقبل على ربك ما الذي ستفعله؟ هل ستبقي وقتاً للنوم الطويل والراحة المديدة؟ هل ستخصص زماناً للنزول إلى الأسواق، والجلوس مع الأصحاب؟ هل ستبقي جهداً وفكراً لتحصيل مزيد من الأموال، وتكثير مزيد من الأرصدة، ولحاق أسواق الأسهم قبل إغلاقها، والبنوك قبل إقفالها؟ هل سيكون شيء من ذلك؟ أم أنك لن تجد مطلقاً شيئاً يشغل بالك، ولا يقلق همك، ولا يملأ قلبك إلا ما ينبغي أن يكون من إقبالك على الله، وعدّ الدقائق بل الثواني لكي تملأها بشيء ينفعك بين يدي الله ، نعم لم يبق إلا خمسة أيام وأربع ليال قد تزيد يوماً وليلة، وقد لا يكون إلا ذاك، والزمن إذا مر لا يعود. ما مضى فات والمؤمل غيب ولك الساعة التي أنت فيها الوقت الذي بدأنا به هذه الخطبة لن يعود، اليوم الذي مضى لن يكرر (ما من يوم يصبح فيه العباد إلا ويقول: أنا يوم جديد، وعلى عملك شهيد، وإذا ذهبت فلا أعود أبداً). تصور ذلك إن أردت لنفسك خيراً، وأردت أن تكون هذه الأيام أياماً غير أيام الدنيا كلها؛ لأنها الأيام الأخيرة التي تتصور أنه ليس لك بعدها حياة، وليست عندك بعدها فرصة عمل: (اغتنم خمساً قبل خمس: حياتك قبل موتك، وشبابك قبل هرمك).

стр. 1709

نداء للكسالى ليفروا إلى الله أيها الكسالى! فروا إلى الله بالجد والنشاط والعمل؛ لم هذا النوم؟ لم هذا الكسل؟ لم هذا التراخي؟ لم هذه الأقدام التي كأنما تخط خطاً وهي تسير؟ أين الذين يبكرون إلى الجمعة؟ إننا نراهم وهم يأتون تباعاً متأخرين؛ لأن هناك ضعفاً، ولأن هناك عدم استشعار بأن الأمر جد، وأن الخطب عظيم، وأن الكرب جسيم، وأن الأمر أكثر وأعظم من أن يسوف فيه أو يؤجل له. كثيرة هي المعاني التي نشعر بها في واقعنا، ونرى أنها صورة تعكس شيئاً من المعاني الضعيفة الهزيلة في نفوسنا مما ينبغي أن يغير ويبدل، ولو نظرت لرأيت ضعفاً عظيماً، ولرأيت تراخياً مستغرباً مستهجناً من مؤمن يدرك أن الأمر جد، وأن الحياة قليلة، وأن الأيام منتهية، وأن الإقبال بين يدي الله قريب عاجلاً أو آجلاً: (ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه كفاحاً ليس بينه وبينه ترجمان، فينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر أشأم منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر أمامه فإذا النار تلقاء وجهه، فاتقوا النار ولو بشق تمرة). اليوم تستطيع وغداً لا تستطيع، اليوم أنت في الحياة، وغداً أنت تحت طباق الأرض في عداد الأموات، كم ودعنا في هذه الأيام الماضية من أقارب أو أصدقاء! أليسوا كانوا يؤملون ويؤملون ويقولون: سنفعل في العشر، وسنفعل في آخر الشهر، أين هم اليوم؟ وأين سنكون نحن بعد لحظات أو بعد أيام؟ الله وحده عالم بهذا. أيها المقصرون! متى على الله تقبلون؟ أيها المعرضون! متى عن شرودكم تنتهون؟ فروا إلى الله من كل شيء لا يحبه ويرضاه إلى كل أمر يحبه ولا يرضاه.

стр. 1710

نداء للغارقين في الشهوات ليفروا إلى الله أيها الغارقون في الشهوات الذين تحبون الملذات! أقبلوا، فروا إلى الله ستجدون لذة المناجاة، وحلاوة الطاعة، وسرور الدعوات، ودمعة السجود في الخلوات أفضل من الدينا وما فيها؛ لأن ذلك هو سعادة القلب وسرور النفس، وهو أعظم من كل ما تجدونه في الأزواج والأولاد والأموال؛ لأن لذة الطاعات هي التي تخلص إلى القلب والنفس فيكون لها أثرها المحمود. أيها الجاهلون! الذين لا تعلمون شيئاً من كلام الله ولا من سنة رسول الله ﷺ ، لا تعرفون الله بذاته وأسمائه وصفاته كما عرفها لكم في كتابه، لأنكم منقطعون عن العلم لا تسمعونه، لا تقرءونه، لا تطلبونه، وتنشغلون بكل شيء من اللهو! فروا إلى الله بالعلم به، والتذكر له، والإقبال عليه، والمعرفة له بكتابه، وبما جاء في سنة رسوله ﷺ . أيها المسوفون الذين يمدون الأمل طويلاً طويلاً! فروا إلى الله باليقين بأن الأجل يقطع الأمل ويعترضه، فتعود الآمال كلها متبددة، ينبغي لنا أن نعيش ذلك، وأن نستشعره، وأن يكون صورة ذلك الفرار إلى الله قلباً معلقاً بالله، وعيناً دامعة من خشية الله، ولساناً رطباً بذكر الله، وأقداماً ساعية لمرضاة الله، وأيدي عاملة بأمر الله، وحياة مغمورة معمورة بكل ما يرضي الله؛ ليكون من وراء ذلك قلب مطمئن بالله، ونفس راضية بقضاء الله، وجوارح معافاة بأمر الله، وبركة في الرزق والمال من فضل الله، تتحول الحياة كلها من جحيم إلى نعيم، من شقاوة إلى سعادة، من ضيق إلى سعة: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيراً * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى﴾ [طه:١٢٤ - ١٢٦]. ينبغي لنا أن ندرك أن هم قلوبنا، وضيق صدورنا، وكدر عيشنا، وغم حياتنا إنما هو لأننا لسنا مع الله كما ينبغي، فإن فعلنا ذلك كان الأمر على غير ذلك بإذن الله ، ولذلك ينبغي لنا أن نعلق في هذه الأيام الأمل فيما بقي منها، فإن فيها خيراً كثيراً، وإن فيها فرصة عظيمة، لا ينبغي أن يكون فيها شيء من غفلة، ولا كسل، ولا تراخي، ولا انشغال بغير مرضاة الله وطاعته. لا تقل لي: قليلاً من هنا وقليلاً من هنا، فإن الوقت أعظم وأجل، وإن الخطب أكبر وأدهى من أن يقبل مثل هذه الشركات، لا بد لنا من حرص تام وإقبال عظيم يمثل هذه الصورة في الأمر الرباني الكبير: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [الذاريات:٥٠] لو أن النذير وراءنا كما أخبر النبي ﷺ : (لو أخبرتكم أن خيلاً ببطن هذا الوادي تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدقي؟ قالوا: ما جربنا عليك كذباً، قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب أليم)، وقال ﷺ : (بعثت أنا والساعة كهاتين، وجمع بين الأصبعين) كم مقدار تلك المسافة؟ نعم زادت مئات وآلاف من الأعوام لكنها في عمر الزمان قليلة، وكل أحد بانتهاء حياته وإقبال مماته، تلك هي الحقائق التي نغفل عنها ولا نكاد نتذكرها، لا تحيا بها قلوبنا، ولا تتأثر بها نفوسنا، قد تتكلم بها ألسنتنا كما أتكلم، لكننا والحال إلا من رحم الله ليست كما ينبغي أن يكون في حقيقة بواطننا، وفي ظواهر أعمالنا وأحوالنا. نسأل الله أن يردنا إلى دينه رداً جميلاً، وأن يعيننا على طاعته ومرضاته، وأن يحسن ختام شهرنا، وأن يمن فيه علينا بالمغفرة والرضوان، والعتق من النيران، إنه ولي ذلك والقادر عليه. أقول هذا القول، وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 1711

نداء للظلمة ليفروا من مظالمهم إلى الله علينا أن ننادي أنفسنا جميعاً: أيها الغافلون! فروا إلى الله بذكره، بدعائه، بتلاوة آياته، بالتضرع بين يديه، فإن لم تفعلوا فيما مضى من الأيام فبقيت هذه الأيام، إن فاتت يوشك ألا ترجع، إن مضت يوشك ألا تعود، ويوشك أن تعود وأنت في حال سقم، أو في حال لا تستطيع فيها أن تؤدي ما تستطيعه اليوم، فلماذا التسويف؟ ولماذا التأخير؟ ولماذا هذا التكاسل والتراخي؟ أيها الظالمون! الذين ظلمتم واعتديتم كيف تصلون وتصومون وتدعون وأنتم عن الظلم لا تقتصرون؟ فروا إلى الله بترك المظالم وإرجاعها إلى أهلها، والبراءة منها قبل أن يأتي يوم لا مرد له من الله: ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء:٨٨ - ٨٩]. أيها الأزواج الظالمون لأزواجهم! فروا إلى الله بحسن العشرة، بالعدل والإكرام، وإيفاء الحقوق، وإدخال السرور، فإن معاملة الخلق طريق إلى معاملة الخالق، روى أبو هريرة أن رجلاً جاء إلى النبي ﷺ فسأل سؤالاً عظيماً وقال: (يا رسول الله! ما أكثر ما يدخل الناس الجنة)؟ هل هناك سؤال أعظم من هذا وأجل؟ هل هناك شيء ينبغي أن يكون محور تفكيرنا وشغل بالنا أكثر من هذا وأعظم؟ جاءت الإجابة في كلمتين موجزتين من سيد الخلق ﷺ : (تقوى الله، وحسن الخلق)، معاملة الناس، الإحسان إليهم، كف الأذى عنهم فرار إلى الله غداً. يا من أخذت المال! يا من اعتديت بالضرب! يا من أسأت بعنيف القول وغليظه! غداً يقتص منك، كما أخبر النبي ﷺ : (حتى يقاد للشاة الجماء من الشاة القرناء)، يعني: يقتص من الشاة التي لها قرون ونطحت شاة لا قرون لها يوم القيامة، فكيف بمن أكل الحقوق؟ كيف بمن استولى على الأموال بغير حق؟ كيف بمن ظلم أهله أو زوجه أو أبناءه؟ فروا إلى الله، فإنها أوقات مباركة، وليال فاضلة، وأواخر فيها عتق من النار، فيها إدراك لليلة القدر، فيها ختام شهر يعتق الله من النار من شاء ممن أخلص وأقبل عليه .

стр. 1712

أنموذج نبوي للفرار إلى الله فما بالنا نفر منه لا إليه؟! ما بالنا نعرض عنه هنا وهناك؟! ما بالنا نذهب يمنة ويسرة؟! ما بالنا نتخبط في الدنيا، نريد من هذا مالاً، ونريد من هذا سنداً، ونريد من هذا حماية، وكأننا نسينا رب الأرباب، وملك الملوك، وجبار السماوات والأرض؟ إنها مسألة مهمة، إنه لا بد لنا أن نتأمل في سيرة المصطفى ﷺ ، وسيرة أصحابه رضوان الله عليهم، تأملوا الدعوات التي نكررها أحياناً مما حفظنا من دعوات المصطفى ﷺ : (اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وبك منك لا أحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيت على نفسك). تأمل هذه الكلمات لتشعر أنك محاط بكل ما يذكرك بالله إن كان قلبك حياً بالإيمان بالله: (اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك)، إن خفت سخط الله ففر إلى رضاه، (وبمعافاتك من عقوبتك)، إن خفت العقوبة فاطلب العفو منه، فهو العفو الكريم، وعذ به منه ؛ فإنه لا منجى ولا ملجأ لك منه إلا إليه . تلك كلمات نطق بها الإيمان واليقين على لسان سيد المرسلين ﷺ ، والله جل وعلا يقول: ﴿قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِي اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ﴾ [الزمر:٣٨] من ذا الذي يملك لك من الله شيئاً؟! من ذا الذي يمكن أن يعطيك شيئاً لم يكتبه الله لك، أو أن يمنع شيئاً قد كتبه الله لك؟! تلك الوصية التي قالها النبي لغلام صغير؛ لأن القلوب كانت مؤمنة، والنفوس كانت حية: (واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، ولو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، رفعت الأقلام وجفت الصحف). إن لم يكن أحد يقدم أجلاً ولا يؤخر، إن لم يكن أحد يقدر رزقاً ولا يقتر، فأي شيء يجعلنا نتعلق بهذه الحياة أو بأولئك الأحياء؟ لم لا يكون التعلق بالله ونحن نودع هذا الشهر في الأيام القلائل، والليالي المعدودات، والزمن المحدود، والثواني التي سوف تنقضي شيئاً فشيئاً!

стр. 1713

وجوب المبادرة بالأعمال الصالحة إذاً: لا بد من المبادرة: (بادروا بالأعمال سبعاً: هل تنتظرون إلا غنى مطغياً، أو فقراً منسياً، أو هرماً مفنداً، أو مرضاً مقعداً -إلى أن قال:- أو الدجال فشر غائب ينتظر، أو الساعة فالساعة أدهى وأمر). إلى متى (سوف)؟ وإلى متى (لعل)؟ وإلى متى (غداً)؟ وإلى متى (في الموسم القادم)؟ وهل يضمن الإنسان عمره؟ هل يستطيع أحد أن تكون عنده وثيقة بأنه باق إلى رمضان القادم ليعوض ما فات، ليستدرك ما نقص، ليحيي قلبه بعد الموات، ليرجع من غفلته إلى ذكر ربه؛ قال تعالى: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [الذاريات:٥٠] خاطبنا الله جل وعلا، فعندما أمرنا وحثنا وذكرنا بأن نأخذ حظنا من الدنيا فأي شيء قال؟ ﴿وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنْ الدُّنْيَا﴾ [القصص:٧٧] لكن ما الغاية؟ ما الأمر الأساسي؟ ما المحور الجوهري؟ ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنْ الدُّنْيَا﴾ [القصص:٧٧] ذلك نصيب محدود قد تنساه إن علقت قلبك بالله ، فكيف بك وهو محور حياتك، وأوكد همك، وأعظم شغلك، ومستنفذ جهدك، ومستغرق وقتك، حتى كاد قلبك ألا يكون فيه مكان للآخرة، ولا اعتبار بموعظة، ولا تذكر لنهاية الحياة بالموت؟

стр. 1714

ففروا إلى الله إذاً: لو تأملنا ذلك لوجدنا أننا في حاجة إلى أن نفر إلى الله؛ لأنه عندما دعانا لكسب الدنيا قال: ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ﴾ [الملك:١٥] مشي بقدر وقت نكتسب فيه العيش، قال: ﴿وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ﴾ [الملك:١٥]، لكنه عندما دعانا إلى الآخرة، عندما حثنا إلى طريق الجنة لم يقل ذلك جل وعلا، بل قال: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران:١٣٣] ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الحديد:٢١] ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [البقرة:١٤٨] ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسْ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين:٢٦] ﴿وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [فاطر:٣٢] إنه ميدان سباق ليس فيه مشي ولا سعي ولا جري، بل هو أعظم من ذلك. ثم لما بين الحق جل وعلا لنا الأمر إذا ضاقت المشارب وأظلمت الدنيا، وإذا وجد المرء نفسه كما هو حاله في كل آن ضعيفاً يحتاج إلى مدد من القوة، عاجزاً يحتاج إلى مدد من القدرة، فقيراً يحتاج إلى عطاء من عطاء ذي الجود والكرم ، جاء الخطاب بقوله: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ﴾ [الذاريات:٥٠] إنه أمر عظيم، إنه خوف يدفعك إلى الفرار، إنها نار تدفعك إلى الفرار، إنه مصير يدفعك إلى الفرار، فإلى أين المفر؟ وأين المهرب؟ وكيف النجاه؟ وأين طريقها؟ إنه لا ملجأ من الله إلا إليه، لا بد أن تقر هذه الحقائق في قلوبنا في نفوسنا أن ندرك أنه لا بد لنا من الله، وأن نكون بالله ومع الله ولله وفي الله، تكون حياتنا كلها كما قال الحق : ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَاي وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام:١٦٢ - ١٦٣] هل أنفاسك، هل أوقاتك، هل أموالك، هل أزواجك، هل أولادك؛ كلها لله أم أن حظ النفس قد غلب؟ وأبواب الرحمة في هذا الشهر، وأبواب الجنان مفتحة، وأبواب النيران مغلقة، والشياطين مصفدة، والغفلة مع ذلك مستحكمة، والتكاسل عن الإقبال إلى الطاعات سمة ظاهرة، متى يفيق النائمون؟ متى يستيقظ الغافلون؟ متى ينشط المتكاسلون؟ متى يقبل المعرضون؟ متى الرجوع إن لم يكن في مثل هذه الأيام، في مثل هذه الخمس الباقيات من شهر البر والإحسان، شهر الذكر والقرآن، شهر المسارعة إلى الجنان، شهر جعل الله له باباً مخصصاً في الجنان وهو باب الريان، إذا لم يكن الرجوع هذه الأيام فمتى نفعل ذلك؟ إن المرء ليعجب من نفسه، وإن الإنسان ليفكر في حاله، لا شك أن هذه الحال قد سرى إلى قلوبنا فيها موات إلا ما رحم الله، وإلى نفوسنا كدر وظلمة إلا ما رحم الله، فعلينا أن ننعى أنفسنا، أن نتذكر ولو على أقل تقدير في هذه الأيام الباقيات، فروا إلى الله فروا إلى التوبة من ذنوبكم فروا منه إليه واعملوا بطاعته فروا من طاعة الشيطان إلى طاعة الرحمن فروا مما سوى الله إلى الله. والفرار إليه فرار من كل ما يكرهه ظاهراً وباطناً إلى ما يحبه ظاهراً وباطناً من الجهل إلى العلم من الكفر إلى التوحيد من المعصية إلى الطاعة من الغفلة إلى الذكر، كل شيء يحتاج في حياتنا إلى تبدل، نحتاج أن نشعر أن وراءنا ما يلحقنا، ويوشك أن يدركنا، أرأيتم إذا خاف الوليد الصغير ماذا يصنع؟ إنه يفر سريعاً إلى أمه فإذا وصل إلى حضنها اطمأن أفضى بهمه رفع صوته بالبكاء وجد الصدر الحنون، وجد اليد الحانية، ولله المثل الأعلى، وسعت رحمته كل شيء، وقال: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى﴾ [طه:٨٢] والله كما بين رسوله ﷺ قد سبقت رحمته غضبه.

стр. 1715

خطورة الموقف والقدوم على الله الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين. أما بعد: أيها الإخوة المؤمنون! أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله، فإن تقوى الله أعظم زاد يقدم به العبد على مولاه، ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ﴾ [الذاريات:٥٠]، نريد أن يكون هذا الشعار ظاهراً في حياتنا، في هذه الأيام وفي غيرها، اكتبوا هذه الآية، اجعلوها نصب أعينكم، احفظوها في قلوبكم، رددوها بألسنتكم، فإني موقن أننا لو فعلنا ذلك لاستشعرنا في كل مرة خطراً يحدق بنا، وفراراً يعجلنا، وفيئاً إلى رحمة ورضوان ينتظرنا بين يدي الله . فررت إليك يا ربي وبي شوق إلى توبه إلى أمر عظيم قد يزيل الهم والكربه يفيء الناس تواقين إلى أيامه الرحبه عندما نتأمل نجد أننا بحاجة دائماً وأبداً إلى أن نستشعر هذه الصورة، صورة للخطر القريب الداهم الذي ليس هناك وقت لانتظاره وتأجيله؛ لأنه يجعلنا نتصور ما يكون يوم القيامة مما أخبرنا الله به: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس:٣٤ - ٣٧] تلك هي الحقيقة نقرؤها، نؤمن بها، لكنها لا تخلص بقوة لتهز نفوسنا، ولتسكن قلوبنا، ولتؤثر في حياتنا كما ينبغي أن تؤثر: مثل وقوفك يوم الحشر عرياناً مستوحشاً قلق الأحشاء حيرانا النار تزفر من غيظ ومن حنق على العصاة وتلقى الرب غضباناً اقرأ كتابك يا عبدي على مهلٍ انظر إليه ترى هل كان ما كانا ونحن نعلم ما جاء في كتاب الله عندما يقول الكافرون: ﴿مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا﴾ [الكهف:٤٩] الصحف منتظرة، والأيام المقبلة يمكن أن تعمرها بحسنات مضاعفة، يمكن أن تعمرها بدعوات مكفرة لما مضى، يمكن أن تعمرها بإدراك ليلة القدر فتمحو عنك ما سلف من الوزر، ويعظم لك الله الأجر، ويكون من الخير ما لا تقدر قدره، ولا يمكن أن تحيط بوصفه؛ لأنه خير من الله الذي لا تنفد خزائنه . ليس هناك مزيد من القول، بقيت أيام قلائل ليس هناك غيرها في رمضان، ستنتهي وينتهي الشهر، وينتهي معه كل ما خصه الله به من الفضائل والخصائص والأجور، فمن فاته فإنه محروم، وإنه قد خرج من موسم الخير صفر اليدين، كيف يكون حال التاجر إذا جاء الموسم وهو لم يخرج بربح قليل ولا كثير، بل خرج بخسارة عظيمة، وأوزار كبيرة؟! شقي ذلك شقاء ما بعده شقاء، وحرم حرماناً ليس مثله حرمان، وسعد بالخير من أقبل على الطاعات، ومن فرغ لها الأوقات، ومن شغل بها القلب، ومن علق بها النفس، ومن استنفذ فيها الجهد، فإن هذه هي الأيام المباركة، هي الليالي الفاضلة، هي الرمق الأخير من هذا الشهر العظيم، ومن هذا الفيض من الخير العميم، الذي ساقه الله لنا، فهل نكون من العقلاء الذين يدركون مصالحهم، ويعرفون الخير الذي ينتظرهم، أم نكون من الغافلين الكسالى المتراخين الذين ما زالت عقولهم وقلوبهم في أودية شتى، ورءوسهم تخفق نعاساً، أم نكون من الحمقى الذين يعرضون وقت الإقبال، ويتركون الخير وهو مبسوط مبذول، وذلك والعياذ بالله من أشقى الشقاء الذي من وقع فيه فقد حرم خيراً كثيراً؟ أسأل الله جل وعلا أن يردنا إليه رداً جميلاً، وأن يحسن لنا ختام شهرنا، وأن يوفقنا فيما بقي منه لبذل كل جهد في طاعته ومرضاته، أن يشغل فيه أوقاتنا بالطاعات والدعوات والتلاوات والصلوات، وأن يعلق قلوبنا بطاعته ومرضاته، وأن يعلق نفوسنا برضوانه ورحمته، وألا يشغلنا عن طاعته بشاغل، وألا يصرفنا عنها بصارف، وأن يجعل هذا الشهر الكريم تكفيراً لذنوبنا، وعتقاً لرقابنا من النار، وأن يجعله بإذنه عوناً لنا على طاعته فيما بقي من أيام دهرنا وعمرنا، وأن يبدلنا من بعد إعراضنا إقبالاً، ومن بعد غفلتنا ذكراً، ومن بعد تقصيرنا تشميراً. نسألك اللهم أن تقبل بقلوبنا عليك، وأن تعلق نفوسنا بحبك وطاعتك ومرضاتك يا رب العالمين. اللهم اجعل عبادتك أحب إلى نفوسنا من الماء على الظمأ، اللهم اجعل قلوبنا تحب الطاعات، وتلتذ بها، وتجد حلاوتها، وتستحضر عظمة الرب فيها، وتمتلئ بالخشوع في أدائها برحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم إنا نسألك نعيماً لا ينفد، وقرة عين لا تنقطع، والشوق إلى لقائك، ولذة النظر إلى وجهك الكريم في غير ضراء مضرة، ولا فتنة مضلة، اللهم خذ بنواصينا إلى طريق الحق والسداد، وألهمنا الرشد والصواب، اللهم وفقنا للطاعات، واصرف عنا الشرور والسيئات، واغفر اللهم لنا ما مضى وما هو آت، برحمتك يا رب الأرض والسماوات. اللهم اهدنا واهد بنا، نسألك اللهم التقى والهدى، والعفاف والغنى، وأن تجعلنا هداة مهديين، اللهم اجعل خير أعمالنا خواتيمها، وخير أيامنا يوم نلقاك وأنت راض عنا، اللهم املأ أوقاتنا بالطاعات، ولا تشغلنا اللهم بالغفلات ولا بالمعاصي والسيئات، اللهم إنا نسألك لأمتنا وحدة من بعد فرقة، وعزة من بعد ذلة، وقوة من بعد ضعف يا أرحم الراحمين. اللهم ألف بين قلوب المسلمين، واجمعهم على الحق والهدى والتقى يا رب العالمين! اللهم أبرم لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر يا سميع الدعاء، مكن اللهم في الأمة لأهل الخير والرشاد، واقمع أهل الزيغ والفساد، وارفع في الأمة علم الجهاد، وانشر رحمتك على العباد، برحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم تول أمرنا، وارحم ضعفنا، واجبر كسرنا، واغفر ذنبنا، وبلغنا اللهم فيما يرضيك آمالنا، اللهم اختم لنا شهر رمضان برضوانك، والعتق من نيرانك، واجعلنا اللهم ممن وفقته لقيام ليلة القدر وصيام يومها. اللهم يا رب العالمين، يا أرحم الراحمين، يا أكرم الأكرمين؛ منّ علينا بعتق رقابنا ورقاب آبائنا وأمهاتنا وأزواجنا وذرياتنا من النار يا رب العالمين! اللهم انصر عبادك وجندك المجاهدين في كل مكان، واجعل اللهم هذا البلد آمناً مطمئناً رخاءً وسائر بلاد المسلمين، وأصلح اللهم أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين. اللهم وفق ولي أمرنا لهداك، واجعل عمله في رضاك، وارزقه بطانة صالحة تدله على الخير وتحثه عليه يا سميع الدعاء. اللهم رحمتك ولطفك بإخواننا المسلمين المضطهدين، والمعذبين والمشردين والمبعدين، والأسرى والمسجونين، والجرحى والمرضى في كل مكان يا رب العالمين، اللهم امسح عبرتهم، وسكن لوعتهم، وآمن روعتهم، وفرج همهم، ونفس كربهم، وعجل فرجهم، وقرب نصرهم، وادحر عدوهم، وزد إيمانهم، وعظم يقينهم، واجعل ما قضيت عليهم زيادة لهم في الإيمان واليقين، ولا تجعله فتنة لهم في الدين، واجعل لنا ولهم من كل هم فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً، ومن كل فتنة عصمة، ومن كل بلاء عافية، اللهم اجعل ما بقي من هذا الشهر تفريجاً للكربات، وتنفيساً للهموم والغموم، ومحواً للسيئات يا رب العالمين. عباد الله! صلوا وسلموا على رسول الله؛ استجابة لأمر الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] وترضوا على الصحابة الكرام، وخصوا منهم بالذكر ذوي القدر العلي، والمقام الجلي أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، وعلى سائر الصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين، وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون!

стр. 1716

صفحات من سيرة المصطفى لقد تميزت سيرة النبي ﷺ بخصائص ومزايا عظيمة، فهي صفحات تاريخية مشرقة وضاءة، يستضاء بها في الظلم، ويسترشد بها في الضلال، ويؤتسى بها في العمل بأنواعه، ومن صفحات التاريخ النبوي غزوة أحد، فقد تميزت هذه الغزوة بالدروس والعبر التي تقوّم اعوجاج المسالك، وتحيي الإيمان في القلوب، وتثبت الأقدام عند النزال في ساحات الوغى، وهذه الغزوة أظهرت شجاعة الرسول القائد ﷺ وصحابته، وأظهرت أهل النفاق وكشفت مساوئهم وما تنطوي عليه نفوسهم.

стр. 1717

مقدمات غزوة أحد وحال المسلمين معها الحمد لله رب الأرباب، ومسبب الأسباب، ومنزل الكتاب، وهازم الأحزاب، له الحمد هو الكريم الوهاب، وهو الغفور التواب، نحمده حمداً يليق بجلاله وعظيم سلطانه، ويوافي فضله وإنعامه، وينيلنا رحمته ورضوانه، ويقينا سخطه وعذابه، هو أهل الحمد والثناء لا نحصي ثناء عليه، هو كما أثنى على نفسه، فله الحمد في الأولى والآخرة، وله الحمد على كل حال وفي كل آن. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن نبينا وقائدنا وقدوتنا وسيدنا محمداً عبد الله ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، ختم به الأنبياء والمرسلين، وجعله سيد الأولين والآخرين، وأرسله إلى الناس أجمعين، وبعثه رحمة للعالمين، وأشهد أنه ﵊ قد بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، فجزاه الله خير ما جازى نبياً عن أمته، ووفقنا وإياكم لاتباع سنته، وحشرنا يوم القيامة في زمرته، وجعلنا من أهل شفاعته، وصلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى من تبعهم واقتفى أثرهم ونهج نهجهم إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: أيها الإخوة المؤمنون! عود إلى صفحات من التاريخ، تميزت باختصاص عظيم، وجعلت قدوة وعبرة ونفعاً وفائدة للمسلمين، صفحات من سيرة المصطفى ﷺ ، تشدني إليها كلما جاء شهر شوال وهو الشهر الذي وقعت فيه غزوة أحد من العام الثالث للهجرة، وكلما قلبنا صفحات هذه الغزوة وجدنا أن فيها سفراً عظيماً للدروس والعبر التي تقوّم اعوجاج مسالكنا، وتحيي وتقوي ضعف إيماننا، وتثبت مواضع أقدامنا، وتكشف ما وراء المظاهر إلى حقائقها.

стр. 1718

رسالة العباس إلى النبي ﷺ بشأن قريش نعم! لقد أعدوا عددهم وشغلوا وسائل إعلامهم وحشدوا جيوشهم، وقالوا مقالة سابقيهم: لتدركوا ثأركم ولتوقفوا مسيرة هذا الدين الذي غزاكم في عقر دياركم، ذلك كان حال قريش، فأي حال كان حال محمد ﷺ وصحابته؟ هل كانوا غارقين في شهواتهم، ملتهين بملاعبهم ومسارحهم وغير ذلك مما نعلمه اليوم؟! روى أهل السير: أن العباس عم النبي ﷺ أرسل إلى النبي ﷺ برسالة سرية مع رجل قطع المسافة في نصف المدة أو أقل يخبره بتجهز قريش، وكان مما جاء في رسالته: إن قريشاً قد أجمعت المسير إليك فما كنت صانعاً إذا حلوا بك فاصنعه الآن. تهيأ قبل أن يأتوا إليك، واستعد قبل أن يطرقوا بابك، وتجهز قبل أن يكونوا في أرضك، وقد توجهوا إليك في ثلاثة آلاف، وقادوا مائتي فرس ومعهم سبعمائة دارع، وثلاثة آلاف من الإبل، وقد أوعبوا من السلاح، أي: قد جمعوا ما لديهم من السلاح كله، هل اكتفى النبي ﷺ بذلك؟ لقد أعطى الرسول ﷺ الرسالة لـ أبي بن كعب فقرأها عليه، فقال: اكتم الخبر، ثم مضى إلى سيد الأنصار وأخبره الخبر وقال: اكتم عني ذلك.

стр. 1719

الاستخبارات النبوية تأتي بأخبار قريش وجيشها ثم لما تقارب الأمر وحل الجيش قام النبي ﷺ وبعث الحباب بن المنذر قبل الغزوة عندما وصلت قريش إليهم، وقال له ﵊: اذهب إليهم وائتني بخبرهم، ولا تخبرني بخبرهم بين أحد من المسلمين، قال: فدخل فيهم وحزر ونظر وجاس بينهم. وهذا من شجاعته من جهة، ومن فرط ذكائه وحسن حيلته وتدبيره من جهة، ثم انظروا إلى التقرير الاستخباراتي الذي جاء به هذا الصحابي الجليل ﵁ (قال: يا رسول الله! والله لقد رأيت أعداداً حزرتهم ثلاثة آلاف يزيدون قليلاً أو ينقصون قليلاً، ومعهم أفراس حزرتها مائتين من الخيل، ومعهم أدرع حزرتها سبعمائة، وإبل حزرتها ثلاثة آلاف، ثم سأله النبي ﷺ : أرأيت معهم الظعن -أي: النساء-؟ قال: نعم يا رسول الله! رأيتهم ومعهم الدفاف والأكبار -أي: الطبول والدفوف- فقال ﷺ : أردن أن يحركنهم وأن يذكرنهم قتلى بدر، هكذا جاءني خبرهم، ثم قال له: لا تذكر مما قلت شيئاً ولا حرفاً، ثم قال سيد الخلق ﷺ : حسبنا الله ونعم الوكيل، اللهم بك أجول وبك أصول). إنه الاعتماد على الله، والتوكل عليه، والثقة به، والالتجاء إليه، إنه اليقين الذي لا يتزعزع معه قدم، ولا يطيش معه عقل، ولا يخالج النفس منه اضطراب، ولا يداخل القلب منه خوف، إنه علم لمعرفة الحقيقة لا ليكون أثرها الوهن والضعف والخذلان، بل ليكون أثرها من قوة الإيمان وعظمة اليقين، مع شدة وصدق الالتجاء إلى الله : (اللهم بك أجول وبك أصول) هذا كان شعار المصطفى ﷺ . تلك مقدمات تبين لنا اليقظة والانتباه والرصد وجمع المعلومات، وتبين أن أعداء الحق لا يفترون ساعة ولا تتوقف مكائدهم لحظة، فلا ينبغي أن يكون المسلمون في غفلة، وأن يكونوا مسرفين في حسن الظن حتى بلغوا حد السفه والسذاجة، حتى وصفوا أعداءهم بأنهم شركاؤهم، وقالوا في حق من تربصوا بهم الدوائر وثبتت جرائمهم وتيقن عداؤهم: إنهم لا بأس أن يكونوا معه في صف واحد في مواجهة أمور انطلت حيلها وترددت كلماتها في وسائل الإعلام، حتى راجت وصارت هي حجة كل أحد في كل مسلك خاطئ، وفي كل اعوجاج مستمر، نسأل الله السلامة!

стр. 1720

تهيؤ قريش لغزو المدينة ولست اليوم أتحدث عن أحداثها، غير أني أتحدث عن مقدماتها؛ لأنها مقدمات تكشف لنا عن حال المجتمع المسلم، ما الذي كان في القلوب والنفوس؟! ما الذي كان في الخواطر والعقول؟! كيف كان ذلك المجتمع ينتبه ويلتفت نظره إلى ما حوله؟! هل كان منكفئاً على نفسه غارقاً في ذاته؟! هل كان متعلقاً بأمنه وسلامته فحسب؟! هل كان يدرك ما حوله وينتبه له أم لا؟! وكيف كان التفاعل مع ذلك؟! لا شك أننا جميعاً نعلم كيف كان التهيؤ لهذه الغزوة من قبل قريش أعداء رسول الله ﷺ إذ ذاك. بعد أن انجلى غبار بدر بما كان فيه من ظفر ونصر لأهل الإسلام والإيمان، وما كان فيه من هزيمة عظيمة لأهل الكفر والطغيان، سعى أرباب قريش كـ عكرمة بن أبي جهل، وصفوان بن أمية، وعبد الله بن أبي ربيعة، ممن قتل آباؤهم وأقرباؤهم؛ سعوا إلى أبي سفيان، وإلى من كان له مال في تلك القافلة التي نجت، وقالوا: يا معشر قريش! إن محمداً قد وتركم وقتل خياركم، فما عليكم أن تعينونا بهذا المال على حربه، فلعلنا أن ندرك ثأرنا بمن أصاب منا. ففعلوا، ودخل معهم أحابيشهم وهم الذين كانوا في حلف مع قريش، وانضوى معهم بعض قبائل كنانة وبعض أهل تهامة، بل ذكر الواقدي في مغازيه: أنه اجتمع معهم مائة نفر من ثقيف، واحتشد أولئك جميعهم في ثلاثة آلاف رجل، ومعهم مائتا فرس وسبعمائة درع، وثلاثة آلاف بعير، وأوعبوا من السلاح ما أوعبوا. ولعلنا لا نبعد إذا قلنا: إن قريشاً اليوم حاضرة كما هي بالأمس، وقد ألبت وأجلبت لثأرها من أمة الإسلام، ولئن جمعت قريش ثلاثة آلاف ومائتي فرس وثلاثة آلاف جمل أو نحو ذلك، فقد جاء القوم اليوم بمئات الآلاف من الجند والطائرات الخارقة وغير ذلك مما تعلمون، وأنفقوا لأجله الأموال، وجيشوا لأجله الجيوش، والله جل وعلا يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال:٣٦].
следующие страницы →