← Джавами‘

Джавами‘ · id 7721

دروس للشيخ علي بن عمر بادحدح

علي بن عمر بادحدح

Полный текст (2 691 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

أسس الاقتباس

стр. 177

الأساس الأول: الاقتباس من أمور الدنيا وأسباب المعاش نحن لا نقتبس أي شيء، فإن عندنا ديناً كاملاً لا نحتاج في أمر عقيدتنا ولا أمر عباداتنا ولا تشريعاتنا وأحكامنا إلى أن نقتبس من شرق أو غرب، ولقد كان النبي ﷺ شديداً في هذا الباب، ليعلم الأمة أن عندها ما يغنيها في أمر دينها، ولذلك لما رأى عمر بن الخطاب يحمل صحفاً من التوراة غضب ﵊ وقال لـ عمر: (أفي شك أنت يا ابن الخطاب؟ والله لو كان موسى بن عمران حياً ما وسعه إلا اتباعي) فأمر عقيدتنا وأمر عباداتنا وأمر تشريعاتنا وأحكامنا لا مجال للاقتباس فيه أبداً، ولا مجال للاجتهاد مع نص، ولا مجال للأخذ من غير مصدر هذا الدين كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، لكن فيما نحتاج إليه من أمور الدنيا من أسباب المعاش والحياة، من المستجدات والاختراعات والمبتكرات فالباب في هذا واسع، فما احتجنا إليه نقتبس منه، وتاريخ الأمة عريض وواسع في هذا المجال في كل الفترات التاريخية التي مرت بها الأمة الإسلامية، سيما في عهد الدولة العباسية، وإن كان هناك نماذج وصور للاقتباسات التي كانت وبالاً على الأمة؛ لأنها خرجت عن هذا القيد، وذلك عندما أمر المأمون وغيره من خلفاء بني العباس بترجمة الكتب اليونانية وكتب الفلسفة والكلام والمنطق التي تتحدث عن الحقائق الكونية والقضايا العقدية الإلهية، حينها حصل الاضطراب والخلط والفتنة في الدين، والانصراف عن المعتقد الصحيح؛ لأن الاقتباس كان من بشر، بحيث تركنا ما أعطانا إياه رب البشر ، فلذلك أول قيد لهذا الاقتباس حتى لا نشذ ولا نخطئ: أن لا نقتبس إلا فيما فيه حاجة دنيوية، أما الدينية فلسنا في حاجة بعد قول الله : ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة:٣].

стр. 178

الأساس الثاني: الاقتباس وفق الحاجة نقول: نحن نحتاج في مجال الدعوة للاقتباس من علوم الإدارة، لكن لا نأخذها بغثها وسيمنها وبخيرها وشرها وبسهلها وصعبها، بل نأخذ بعد علمنا بالحاجة ما يوافق حاجتنا فحسب؛ فإن الإنسان بصير بنفسه عالم بما يحتاج إليه، ولذلك لابد من هذا الجانب.

стр. 179

الأساس الثالث: فهم الاقتباس وتطويعه لخدمة الدعوة نحن نعلم أن في الإدارة أموراً كثيرة نافعة، فيها قضايا وموضوعات عن التخطيط وإدارة الوقت والتنظيم وتفويض المسئوليات، وكيفية اتخاذ القرارات، وأمورٌ أخرى كثيرة جداً، لكن ينبغي أن نحسن فهم هذا الأمر حتى نعرف كيف نجعله خادماً للدعوة نافعاً لأربابها وأهلها، وإذا كنا نريد أن نطور الدعوة فلابد من أن نأخذ الأساليب الإدارية من كتب الإدارة، لكن لا نخاطب بها الناس قبل فهمها؛ لأننا إذا لم نفهمها نحن لم يفهمها الناس، ولم نستفد منها نحن ولم يستفد منها الناس. إذاً لابد من أن نفهم وأن نهضم هذه الأساليب الإدارية حتى نخرج النتيجة في صورة عملية تنفع الدعوة ويستفيد منها الناس.

стр. 180

الأساس الرابع: ضرورة إعطاء التخصص أهميته في الاقتباس إنه ليس هناك مجال في عصرنا الحاضر للعشوائية، ولا للنية الطيبة، ولا لمجرد الاكتفاء بالصلاح، بل هذا منهج قد ذكره لنا أسلافنا، وقد روي عن مالك وغيره أنه قال: أدركت سبعين ممن يستسقى بهم -أي: لصلاحهم وعبادتهم وزهدهم- كلهم لا يؤخذ منه الحديث، يقال: ليس من أهله. فهؤلاء أصحاب صلاح وتقوى وعبادة، لكن لا نأخذ منهم الحديث؛ لأنهم ليسوا متخصصين في علم الحديث، ليسوا حفاظاً، ولم يضبطوه لم يتفرغوا له، ولذلك أضرب مثلاً قد يكون طريفاً لكنه في صميم المسألة، أقول: عندما تعرض لك مسألة فقهية قد ترجع فيها إلى إمام المسجد، وعندما تحتاج إلى مشكلة اجتماعية قد تستشير فيها إمام المسجد، ولكن ما رأيك في رجل تعطلت سيارته وشكا إلى صديق له هذه المشكلة فقال له: اذهب بها إلى المهندس. قال: لا، لكن -إن شاء الله- سأعرضها على إمام المسجد. فقال الصديق: يا أخي! إمام المسجد ليس عنده علم بهندسة السيارات، فقال: لا. إن إمام المسجد رجل طيب صالح. قلنا: صلاحه ليس له تأثير في هذه المسألة، ولا شك أن هناك تأثيراً للصلاح بالجملة، لكن التخصص له دور، فإذا أردنا أن نقتبس من علم الإدارة فلنأت بأهل علم الإدارة المتخصصين من أهل الخير والتقوى ليفيدونا وليبينوا لنا هذا العلم، وما يمكن أن نستفيده منهم، وإذا أردنا أن نستفيد من الإعلام ووسائله وطرائقه فلابد من أن نأتي بمن يعرف الإعلام، أما أن يكون الداعية هو الذي يفهم كل شيء ويعرف كل علم فهذا الذي أظنه لم تنجبه لنا النساء في عصرنا الحاضر، إلا من رحم الله، وإن وجد أمثال هؤلاء الذين يجمعون كثيراً من المزايا فإنهم قليلون، بل أقل من القليل. نعم هناك عند بعض الناس عقول نيرة وملكات متميزة، لكن هؤلاء قلة. إذاً لابد من أن نعطي التخصص أهميته ودوره، ولا يمكن أن يفتي الداعية مريضاً في مرضه كما يفتي الناس الآن في أمور لا يعرفونها، تجد الإنسان يشكو من مرض فيستفسر من أي شخص، فيقول له ذلك الشخص: نعم هذا المرض قد سبق وأن مرضت به وأعطاني الطبيب كذا وكذا فخذ هذا الدواء. فهذه فتوى جاهلة؛ لأنها لا تعرف مجال العلم، ولا تتأسس على مبدأ التخصص. لذلك إذا أردنا أن تنتفع الدعوة فعلينا أن نستفيد من أرباب التخصصات.

стр. 181

الأساس الخامس: العناية بالضوابط الشرعية والسياسية الدعوية ليس لنا أن نستفيد وأن نقتبس وفق ما نحتاج ووفق ما نرى أنه ينفعنا دون ضوابط، بل نحن قوم محكومون بشرع الله، وعندنا قواعد كلية وأصول فقهية وأدلة شرعية، لابد من أن نعلم أن كل شيء لابد من أن يمر عبرها وخلالها، فإن أجيزت فبها، وإن لم تجز فلا ولا كرامة، ولذلك بعض المتحمسين الآن في مجالات الدعوة يريدون أن يستفيدوا من ملكات ومجالات كثيرة، كالإعلام، أو الإدارة، أو النظم الأمنية، أو النظم العسكرية أو كذا، لكن لا يضبطون الأمور بالضوابط الشرعية، فعلى سبيل المثال: قد يكون لكل شيء تأثير، فقد يكون للرسم تأثيره، أو للنحت تأثيره في مسألة من المسائل أو على جانب من الجوانب، أو على بعض فئات من الناس الذين يحبون هذا الأمر، فهل يمكن أن نقتبس هذا وأن نستفيد منه دون أن ننظر في حكمه الشرعي وأن هناك من النصوص ما يمنع منه ويحرمه؟ الجواب لا.

стр. 182

الأساس السادس: التأصيل الشرعي لابد للدعاة الذين يستفيدون من المتخصصين أو المتخصصين الذي يلجون إلى مجالات الدعوة من أن يصنفوا ويكتبوا مباحث حول هذه العلوم في ضوء الشرع، وفي ظلال التأصيل الشرعي، وهناك كثير من المجالات والكتب والبحوث التي تخدم هذا الجانب، لكن ما تزال قاصرة ودون المطلوب، أعني بذلك أننا ينبغي أن نقدم للدعاة ولمجتمعات المسلمين إعلاماً مؤصلاً تأصيلاً شرعياً، وإدارة منضبطة مستفيدة من الخبرات والتجارب والعلوم، لكنها أيضاً مؤصلة بأدلتها الشرعية.

стр. 183

المحاذير المتعلقة بمسألة الاقتباس هناك محاذير في مسألة الاقتباس يجب التنبيه لها، وقد أشرنا عندما تكلمنا عن الأسس أن هناك أموراً قد تكون فيها أخطاء.

стр. 184

تضخم الحاجة إلى الاقتباس بعض الناس يقول: الدعوة تحتاج إلى الإعلام. ويضخم هذا الأمر، حتى كأنه يريد أن نصبح إعلاميين وأن نصبح مذيعين وصحفيين، وتنتهي كل الدعوة إلى فئة من الإعلاميين فحسب! أقول: هذا التضخيم ليس أمراً مقبولاً، والمبالغات عموماً ليست مقبولة؛ لأن المبالغات هي عبارة عن تضخيم، والتضخيم مثل الأورام السرطانية، ورم غير حميد يتضخم فيغطي جانباً آخر فتضيع أهميته وتقل في مقابل هذا التضخيم الزائد، وهذا التضخيم من حيث الاقتباس ينشأ عن جانبين: الجانب الأول: جانب التخصص، فالذي يكون متخصصاً في الإدارة -على سبيل المثال- يقول لك: لا يمكن أن ينجح أي عمل دعوي إلا أن يأخذ بعلوم الإدارة. بل هذه قضية منتشرة على مستوى العلوم كلها، فصاحب علم الجيولوجيا يقول لك: علم الجيولوجيا هو الأساس. وأهل الكيمياء وأهل الفيزياء كذلك، أما صاحب الرياضيات فيقول لك: لا يمكن أن تصعد إلى القمر، ولا أن تغوص إلى الأرض، ولا أن تضرب في القتال إلا بالرياضيات. فكل صاحب تخصص يجعل كل الدنيا لا يمكن أن تتحرك إلا في ضوء تخصصه. الجانب الثاني: الجانب العاطفي، فهناك عاطفة صادقة في الرغبة في التطوير والتحسين في وسائل الدعوة، ولذلك تطلب من منطلق العاطفة دون أن تعطي الأمر قدره وحقه. ونقول: لو استجبنا لهذا التضخيم فأخذنا بجانب الإدارة والإعلام والأساليب الأمنية والعسكرية المتاحة والتجارب الموجودة دون أن نعطي الأمر حقه وقدره المطلوب فإننا سنضيع ما هو أهم، ألا وهو أساس الدعوة من كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ والعلم الشرعي والتربية الإيمانية والتقويم السلوكي، أما تلك الأمور فإنما هي اقتباس لتكميل هذه المسيرة الدعوية لا أقل ولا أكثر.

стр. 185

تحكم العلم المقتبس بطريقة الدعوة وأساليبها بعد أن جئنا واقتبسنا من الإدارة وجدنا أن الإدارة تقول لنا كذا وكذا وكذا وكذا، وأصبحنا عبيداً لعلم الإدارة، وأنه لا يمكن أن نمارس الدعوة إلا بما تحكم به هذه العلوم الإدارية وقوانينها، كأنها قرآن منزل من عند الله، وهذا -للأسف- يوجد في صفوف الدعوات وضمن الاجتهادات الدعوية، وهو خطأ ينبغي الحذر منه.

стр. 186

المزالق في المخالفات الشرعية ومخالفة الأولى عندما نقتبس لابد من أن ننضبط بالشرع وأن نراعي الأولويات.

стр. 187

المحاولة المتكلفة للتأصيل الشرعي بعض الناس إذا اقتبس شيئاً وأخذ به يرى أنه لابد من أن يأتي له بدليل، وإذا لم يجد دليلاً يطابق -ولو من بعيد- ما اقتبسه فتراه يطوع الدليل لغرض ما استقر عليه الحال من أمر الداعية أو الدعوة، وهذا خطأ كبير ومزلق خطير. وأضرب مثالاً الذين يريدون أن يبرزوا الجانب العلمي في الآيات القرآنية، وأن القرآن أخبر عن حقائق علمية سبق القرآن في ذكرها وبيانها قبل أن يكتشفها العلم الحديث، نعم هناك كثير من هذه الأمثلة، مثل خلق الإنسان من نطفة وعلقة ومضغة مخلقة وغير مخلقة، لكن قد تكون هناك حقائق أو نظريات ليست بثابتة ولم تثبت بعد، فيأتي بالنص أو الدليل القرآني ويقول: هذا المقصود به كيت وكيت. مع أن الدليل لا يدل عليه أو الآية لا تشير إليه، فهذا أنموذج قد يقع أيضاً في مسألة الاقتباس في مجالات الدعوة.

стр. 188

فوائد الاقتباس ننتقل إلى نقطة أخرى، وهي: فوائد الاقتباس. حتى نرى لماذا هذا الاقتباس.

стр. 189

التكامل والشمول في صناعة الحياة إن الاقتباس هو أحد روافد التكامل والشمول في صناعة الحياة، فنحن نوقن أن هذا الدين شامل لكل مناحي الحياة، وكامل في كل احتياجات البشر، فلذلك لا يمكن أن يكون هناك أمر نافع لا يصطدم مع الشرع ولا يتعارض مع الفطرة إلا وله حظ ونصيب في هذا الدين، يقول : ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام:٣٨] فينبغي أن نأخذ بالاقتصاد ونظرياته الحديثة وأساليبه التي هي خاضعة لحكم الشرع ولا تتعارض معها، كذلك أساليب الإعلام وكيفية نقل الأفكار والتأثير على المجتمعات والتنبه للشائعات ومكافحة هذه الشائعات، كل تلك الأمور لها أساليب علمية، فعندما نأخذ بها نبين للناس أن هذا الدين شامل كامل في اقتصاد واجتماع وسياسة وجند وجيوش، وكل مجالات الحياة التي يعيشها الناس.

стр. 190

الاستثمار للطاقات والتوزيع للأعمال لا يوجد الشخص الذي يجيد كل شيء، فلابد من أن نعطي للاقتصادي مهمة الاستثمار الإسلامي، ولابد من أن نعطي الإعلامي مهمة تبليغ الدعوة عبر وسائل الإعلام، ولابد من أن نعطي الإداري فرصة ليعطينا الأطر التنظيمية التي يمكن أن تساعد على ضبط الأمور وتحسينها، وضبط الاتصالات وتنظيمها.

стр. 191

استيعاب أصحاب التخصصات من العلوم المقتبسة لماذا نجعل أهل الطب والهندسة والإدارة والإعلام نهباً لأهل العلمنة والكفر والتغريب؟ لماذا نجد قلة من المسلمين في مجال الإعلام، وقلة من الاقتصاديين البارزين المسلمين الملتزمين؟ لأن الفترات التي سبقت لم يكن فيها للدعوة ولا لحركتها في الحياة اهتمام وعناية باقتصاد وإدارة وكذا، فلم يكن هؤلاء الناس مستوعبين إلا ضمن الأطر العلمانية والكفرية أو التغريبية، ولذلك أثروا في الأمة تأثيراً سلبياً كبيراً، عبر الإعلام وعبر الطب وعبر الهندسة، واليوم لابد من أن يتحول هذا التأثير إلى تأثير إيجابي إسلامي عبر الهندسة والطب والصحافة والإعلام، ولن نستوعب هؤلاء الناس إلا إذا أقررنا بأهمية هذه العلوم والاقتباس والاستفادة منها، وانظر إلى النقابات المهنية عندما تسلم أمرها أصحاب الدعوة وأرباب الالتزام الإسلامي كيف انطوى تحتهم كل أرباب المهن من الأطباء والمهندسين، ورأوا فيهم نموذج القدوة والعفة عن أكل المال العام، والخبرة في مجال التخصص والعمل الميداني المؤثر في واقع المجتمع، فكسبت الدعوة مكاسب عظيمة، ربما لم تكن تكسبها بمجرد الخطب ولا الكتب ولا المقالات، وإنما عبر هذه الأعمال الدعوية من خلال العلوم المقتبسة.

стр. 192

إبراز مزايا الإسلام لغير المسلمين إن إبراز مزايا الإسلام لغير المسلمين مهم جداً؛ لأن غير المسلمين عند بعضهم صور شوهاء عن الإسلام، منها أن الإسلام محصور في العبادات، وأنه لا يقبل ما استجد من أمور الحياة، ولا يوجد فيه منهج للناحية السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية، فهذا الاقتباس وتطبيقاته العملية يبرز صورة الإسلام في تكامله وشموله لغير المسلمين.

стр. 193

التأكيد العلمي والقناعة الواقعية لشمول الإسلام كثيراً ما نقول للناس: الإسلام شامل لكل شيء. لكنهم يجدون في مجتمعاتهم اقتصاداً ربوياً غير إسلامي، ونقول لهم: الإسلام يشمل كل شيء. ولكنهم يجدون إعلاماً لا يمت للإسلام بصلة في مجتمعاتهم، ونقول لهم: في الإسلام نظام في الحكم كامل رفيق شامل نافع محكم. ولكنهم يجدون مجتمعاتهم تحكم بغير شرع الله ، فإذا تم الأمر للدعوة وفي المجتمعات الإسلامية واقتبست كل ما ينفع للمجتمعات من هذه العلوم بدا للناس التطبيق العملي في هذا الجانب.

стр. 194

الفروق بين الاقتباس في العمل الإسلامي الدعوي وبين غيره هناك من يقتبسون من أرباب الأحزاب، أو من أصحاب الدعوات الهدامة والأفكار المشبوهة، وفي المقابل هناك من يقتبسون من أهل الدعوة، لكن هناك فرق شاسع وبون كبير بين المسلم الداعية وأصحاب الخير وبين غيرهم في الاقتباس.

стр. 195

الفرق الأول: الميزان الصحيح للمقتبسات والأفكار والآراء إن العمل الإسلامي لديه المنهج الأصيل الذي يقيس ويزن به كل الأعمال والمقتبسات والأفكار والآراء، ألا وهو كتاب الله وسنة رسوله ﷺ .

стр. 196

الفرق الثاني: التوفيق الإلهي لأتباع المنهج الرباني إن السائرين على طريق الله الراغبين نشر دعوة الله يوفقهم الله ويسددهم، ويبعدهم عن الخطأ والمزالق الوخيمة، ويوفقهم إلى إصابة واستخلاص ما يكون نافعاً ومفيداً.

стр. 197

الفرق الثالث: سرعة التذكر والعودة إلى الحق مباشرة إن الداعية المسلم إذا أخطأ رجع إلى الحق، وإذا رأى أنه لم ينجح في أمر وأنه تجاوز الحد في مسألة، فإنه أواب رجاع مستغفر منيب، ومصحح ومقوم لمسيرته من جديد.

стр. 198

الفرق الرابع: رصيد الفطرة الإنسانية إن بعض الأحزاب والأفكار لا يهمها إلا مصالحها الذاتية، ولو داست على كل القيم والمبادئ، بل ولو طمست الفطرة الإنسانية والمعاني الإنسانية البشرية في نفوس الناس.

стр. 199

الفرق الخامس: انفراد الدعاة بالاستفادة من الربط بين الإيمان وبين العلوم المقتبسة إن الربط بين الإيمان والعلوم المقتبسة لا يستفيد منه إلا أرباب الدعوة. وأحسب أن فيما ذكرت إشارة للفكر، ليكون هناك إمعان للنظر وإعمال للفكر وتجربة وممارسة لتوسيع دائرة الاستيعاب للدعوة، وتوسيع دائرة الاقتباس النافع من العلوم والمجالات الحياتية التي تنفع الدعوة، وتفيد أمة الإسلام والمسلمين، ولعلي أذكر مثالاً يمكن أن نرى فيه ملامح معينة لبعض العلوم، أو لبعض المسائل التي تذكر في علوم الإدارة أو غيرها، دون أن يكون هناك اعتساف للنصوص.

стр. 200

مسألة التكليف بالمهمات في العمل الإداري وجوانبها في حديث معاذ جاء في حديث معاذ ﵁ لما بعثه النبي ﷺ إلى اليمن قال له: (إنك تأتي قوماً أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فإن هم أجابوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة، فإن هم أجابوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم)، وماذا قال له ﵊ بعد ذلك في آخر الحديث؟ قال: (وإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب). نستنبط من هذا الحديث مسألة التكليف بالمهمات في العمل الإداري وجوانبها: أولاً: لابد من معرفة المهمة والبيئة المحيطة بها. ثانياً: لابد من إعطاء بعض التعليمات في خطوات التنفيذ. ثالثا: لابد من التحذير من عوائق النجاح. وهكذا نجد هذا في حديثه ﷺ ، حيث بين له البيئة التي سيأتي فيها حتى يعرف مهمته وطبيعته، وذلك بقوله: (إنك تأتي قوماً أهل كتاب)، وأعطاه وسائل التنفيذ وهي التدرج بأن يبدأ بالعقيدة، ثم بالصلاة، ثم بالزكاة، ثم بين له عوامل ومحاذير ينبغي تجنبها حتى لا تفشل مهمته، فقال: (إياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب). وستجد كثيراً من الأمثلة يظهر لك فيها أن ما جاء في كتاب الله وفي سنة رسول الله ﷺ فيه من الغناء والكمال ما أنت في غنية غيره، لكنك تستفيد من هذه العلوم في كيفية فهمك لها من خلال هذه النصوص الشرعية. عسى الله أن يوفق لما يحب ويرضى، والله أعلم، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 201

فاطمة الزهراء فاطمة ﵂ هي بنت رسولنا وسيدنا محمد ﷺ ، وقد كان يحبها حباً شديداً، ويؤثرها على كثير من أحبابه، وهي سيدة نساء أهل الجنة، وهي زوجة علي بن أبي طالب رابع الخلفاء الراشدين، وأم الحسن والحسين سيدي شباب أهل الجنة، وفي سيرتها من صبرها واحتمالها وفضلها ومكانتها ما يدعو المسلمين جميعاً -خاصة النساء- إلى الاقتداء بها والتأسي بشخصيتها ﵂ وأرضاها.

стр. 202

فوائد الحديث عن سير الأعلام بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، أكرمنا بالإيمان وأعزنا بالإسلام، وهدانا بالقرآن، والصلاة والسلام على نبي الإسلام خير الأنام، أفضل من صلى وصام، وعلى آله وصحابته الذين عرفوا بسلامة القلوب وصحة الأفهام، واشتهروا بالنجدة والإقدام، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين. أما بعد: فنسأل الله أن يجمعنا في مستقر رحمته ودار كرامته في مقعد صدق عند مليك مقتدر. هذا موضوع نفتتح به سلسلة مواضيع، وعنوان هذه السلسلة (شباب كانوا أئمة الهدى)، وفاتحتها الخيرة -إن شاء الله- هذا الموضوع: (فاطمة الزهراء سيدة نساء أهل الجنة). ولا شك أن الحديث في سير الأعلام له فوائد عظيمة، وهذه مقدمتنا الوجيزة تختصر هذه الفوائد في ثلاثة جوانب: الأول: إبراز القدوات السامية الصحيحة التي يجدر بنا أن نجعلها خطوات نتأسى بها، ونترسم خطاها بدلاً من القدوات الزائفة الزائغة. ثانياً: شحذ الهمم العالية؛ فإن في السير سبقاً عظيماً، وتنافساً شريفاً، وقدوات بلغت مراتب عالية، فمتى ما قرأنا هذه السير، ووقفنا عندها؛ شحذت منا هممنا الضعيفة، ورفعت معنوياتنا التي يعتريها كثير من الوهن أو الخلل. الثالث: الإلمام بالمعارف المتنوعة؛ فإن السير تتضمن علوماً مختلفة، فقد تمر فيها ومضات من الحكمة، وقد يمر فيها صور من الجرأة، وقد تتجلى فيها ملامح من الحياء، وقد تمر فيها فوائد من تفسير أو فقه أو أصول أو غير ذلك، فهذه فوائد عظيمة جدير بنا أن نعنى حينئذ بمطالعة السير، وليس أعظم ولا أنفع من سير أصحاب رسول الله ﷺ .

стр. 203

فاطمة ﵂ وجوانب الحديث عنها حديثنا عن فاطمة ﵂ حديث عذب، يرقق القلوب، ويذكر بالمعاني الإيمانية اللازمة لنا، ونحن نمر هاهنا مروراً وجيزاً بقدر ما يتسع له المقام، ونبدأ بمحطات مختلفة: أولها: الحسيبة النسيبة. وثانيها: الوليدة الجديدة. وثالثها: الزوجة الأثيرة. ورابعها: الشبيهة الحبيبة. وخامسها: الصابرة العظيمة. ثم نقف وقفات لابد منها مع الأفهام الخاطئة والأفكار الزائغة التي تفسد علينا كثيراً من هذه المعاني الفاضلة والآثار الحميدة.

стр. 204

حسب فاطمة ونسبها أولاً: الحسيبة النسيبة. عمن نتحدث؟ من هذه الشخصية التي نتجاسر على أن نذكرها، ونمر على سيرتها، ونشنف الآذان بذكرها، ونعطر الأنوف بعبق ريحها الطيب الأخاذ، ونملأ القلوب بمعاني الإيمان في مواقفها العظيمة ومآثرها الجليلة؟! من هذه الشخصية والناس يبحثون عن الأحساب والأنساب؟! فهل ثمة حسب أو نسب يمكن أن يضاهي ما لـ فاطمة ﵂؟ فمن أبوها؟! إنه محمد بن عبد الله رسول الله ﷺ خاتم الأنبياء والمرسلين، حسب الشرف، كما قال ﵊: (إن الله نظر إلى بقايا العرب والعجم فمقتهم جميعاً إلا بقايا من أهل الكتاب)، ثم قال ﵊: (فاصطفى العرب، واصطفى كنانة من العرب، ثم اصطفى قريشاً من كنانة، ثم اصطفى بني هاشم من قريش، ثم اصطفاني من قريش، فأنا خيار من خيار من خيار) ذلك هو ﷺ . وأما حسب الدين فمن مثله ﵊؟ قال تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب:٤٠]، وقال تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح:٢٩]. وأما حسب الخلق فحسبك قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤]، فمن مثل أبيها ﷺ ؟! وإن جنحنا إلى أمها فـ خديجة بنت خويلد، وما أدراك ما خديجة بنت خويلد؟! أم المؤمنين، وأول أزواج الرسول الكريم ﷺ ، لم يجمع معها غيرها، ولم يتزوج إلا بعد وفاتها، ومن هي في حسبها وشرفها ديناً وخلقاً ونسباً؟ هي الشريفة المعروفة في حسبها ونسبها ﵂، وأما حسب الدين فهي أول من آمن بسيد الخلق ﷺ ، هي أول من تلقى خبر الوحي، هي أول من كان المثبت المعين لرسول الله ﷺ يوم جاء يرجف فؤاده فقالت: كلا والله لا يخزيك الله أبداً؛ إنك لتصل الرحم، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق. جاء جبريل ﵇ إلى سيد الخلق ﷺ يقول له: (إذا أتتك خديجة فاقرأ ﵍ من ربها ومني، وبشرها ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب) رواه البخاري والترمذي. هي واحدة من قلائل النساء الكمّل في هذه الدنيا؛ لما صح عنه ﷺ أنه قال: (كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا خديجة ومريم بنت عمران وآسية زوج فرعون). وفضائلها كثيرة جداً، قال فيها النبي ﷺ : (خير نسائها مريم بنت عمران وخير نسائها خديجة بنت خويلد). وروى البزار والطبراني عن رسول الله ﷺ قال: (فضلت خديجة على نساء أمتي كما فضلت مريم على نساء العالمين). ولننظر إلى زوج فاطمة فارس الفرسان، أول المسلمين من الفتيان، ربيب رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب الفارس المغوار الشجاع البطل الهمام الكمي ﵁ وأرضاه، قال أبو رافع (أول من أسلم من الرجال علي، وأول من أسلم من النساء خديجة) رواه البزار ورجاله رجال الصحيح، وهو الذي قال فيه رسول الله ﷺ : (أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي). قال الذهبي ﵀ في مقدمة ترجمة فاطمة ﵂: سيدة نساء العالمين في زمانها، البضعة النبوية، والجهة المصطفوية، بنت سيد الخلق رسول الله أبي القاسم محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، القرشية الهاشمية، أم الحسنين ﵂ وأرضاها. ونعيش هذه المعاني وقد خفق بها قلب إقبال الشاعر الكبير فقال: نسب المسيح بنى لمريم سيرة بقيت على طول المدى ذكراها والمجد يشرق من ثلاث مطالع في مهد فاطمة فما أعلاها هي بنت من هي زوج من هي أم من من ذا يداني في الفخار أباها هي ومضة من نور عين المصطفى هادي الشعوب إذا تروم هداها ولزوج فاطمة بسورة هل أتى تاج يفوق الشمس عند ضحاها أسد بحصن الله يرمي المشكلات بصيقل يمحو سطور دجاها في روض فاطمة نما غصنان لم ينجبهما في النيرات سواها فأمير قافلة الجهاد وقطب دائرة الوئام والاتحاد ابناها هي أسوة للأمهات وقدوة يترسم الفجر المنير خطاها لما شكا المحتاج خلف رحابها رقت لتلك النفس في شكواها جادت لتنقذه برهن خمارها يا سحب أين نداك من جدواها فمها يرتل آي ربك بينما يدها تدير على الشعير رحاها ﵁ وأرضاها.

стр. 205

ولادتها ولقبها ثانياً: الوليدة الجديدة. ولدت ﵂ -كما ذكر ابن سعد في الطبقات- وقريش تبني البيت، وذلك قبل نبوة المصطفى ﷺ بخمس سنين، وقال ابن عبد البر في الاستيعاب: والذي تسكن إليه النفس على ما تواترت به الأخبار في ترتيب بنات النبي ﷺ أن زينب الأولى، ثم الثانية رقية، ثم الثالثة أم كلثوم، ثم الرابعة فاطمة الزهراء ﵂. وقال ابن حجر في الإصابة: ولدت فاطمة والكعبة تبنى، والنبي ابن خمس وثلاثين سنة، وبهذا جزم المدائني. قال ابن حجر: وهي أسن من عائشة بخمس سنين. وأما الزهراء فهو وصف لم يذكر في شيء من أحاديث المصطفى ﷺ ، لكنه ذكر في تراجمها غلبة لهذا المعنى الذي هي أشبه به ﵂، قال صاحب التاج: والزهراء: المرأة المشرقة الوجه، والبيضاء المستنيرة المشربة بحمرة، والزهراء: البقرة الوحشية. ومعلوم أنهم يضربون بها المثل في الجمال، كما قال قيس بن الحظيم: تمشي كمشي الزهراء في دمث الـ ـرمل إلى السهل دونه الجرف قال: الزهراء كذلك السحابة البيضاء التي تبرق وتستنير بذلك البرق. فهذه ولادتها ﵂، فهي أصغر بنات النبي ﷺ وأحبهن إليه كما سيأتي ذكره.

стр. 206

خطبتها ﵂ ونمضي إلى صورة واسعة هي أوسع الصور فيما ورد من ترجمة فاطمة ﵂ الزوجة الأثيرة ليكون درساً للآباء والأمهات والبنات وللأمة كلها كيف يكون الزواج، وكيف يكون المهر، وكيف تكون الحياة، وكيف يكون تدبير الأمور، ونحن اليوم نعاني ما نعاني من هذه المشكلات التي أورثت خللاً في المجتمعات، والتي ساعدت على شيوع المعاصي وكثرة السيئات، وقللت من الحصانة والعفة وغير ذلك مما نعلمه. أما خطبتها فقد كانت -على ما رواه ابن سعد في الطبقات- بتدرج وببيان لمكانها ومقامها ﵂، فقد روي أن أبا بكر خطب فاطمة إلى النبي ﷺ فقال: (يا أبا بكر! انتظر بها القضاء) وخطبها عمر فقال له: (انتظر بها القضاء) ثم قال بعضهم لـ علي: اخطب فاطمة إلى النبي ﷺ . فقال: بعد أبي بكر وعمر؟! فذكروا له قرابته من رسول الله ﷺ ، فخطبها فزوجه النبي إياها. وروى الطبراني بسند رجاله ثقات عن حجر بن عنبس قال: (خطب أبو بكر وعمر فاطمة إلى رسول الله ﷺ فقال النبي: هي لك يا علي؛ لست بدجال) أي: لست بكذاب. قال الشراح: وذلك أنه قد وعد علياً بها قبل خطبة أبي بكر وعمر ﵃ أجمعين. والنبي ﷺ شاورها واختار لها علياً ربيبه الذي تربى في حجره وعلى نظره، وكان علي يقول: صليت مع رسول الله ﷺ بضع سنين لا أصلي إلا أنا وهو. يعني: قبل أن يفشو الإسلام، وقبل أن تظهر الجماعة، وقبل أن يكون دار الأرقم وغير ذلك. يقول ابن سعد في الطبقات: إن النبي ﷺ قال لـ فاطمة: (إن علياً يذكرك -يعني: يخطبك- فسكتت؛ فزوجها النبي ﷺ . وفيما جاء أيضاً في خطبة علي ﵁ ما رواه بريدة أن نفراً من الأنصار قالوا لـ علي ﵁: اذكر فاطمة واخطبها، فذهب إلى رسول الله ﷺ بعد أن حرضه نفر من الأنصار، فقال له ﵊: (ما حاجة ابن أبي طالب؟ قال: ذكرت فاطمة بنت رسول الله ﷺ فقال: مرحباً وأهلاً، لم يزده عليهما، فقال: ورجع، فقال له الرهط: ما قال لك؟ قال: ما زاد أن قال: مرحباً وأهلاً. قالوا: يكفيك من رسول الله إحداهما، أعطاك الأهل وأعطاك المرحب، فلما كان بعد أن زوجه قال: يا علي! إنه لابد للعروس من وليمة).

стр. 207

زواجها ﵂ وأرضاها تلك كانت خطبتها ﵂ وأرضاها، وعندما تزوجها علي -كما ذكر ابن عبد البر في الاستيعاب- كان عمرها خمس عشرة سنة وخمسة أشهر، وكان عمر علي واحداً وعشرين عاماً على الصحيح في هذه الروايات، وكان هذا الزواج في رجب بعد هجرة رسول الله ﷺ ومقدمه المدينة بنحو خمسة أشهر، ثم بنى بها -أي: دخل بها- بعد مرجع النبي ﷺ من بدر، وأخطأ من قال: إن البناء كان بعد يوم أحد؛ لأن القصة فيها أن حمزة ﵁ عم النبي ﷺ نحر شارفين في وليمة عرس علي ﵄. فهذه قصة زواج فاطمة ﵂، فكيف جهزت؟ وما كان مهرها؟ وكيف كانت وليمتها؟ وكيف كان بيتها وجهازها؟ ثم كيف كانت عيشتها ومسيرتها في حياتها؟ أما المهر فالروايات متكاثرة في أنه عندما خطب علي ﵁ وتقدم لرسول الله ﷺ قال: (والله ما لي من شيء. فقال: وكيف؟ قال: فذكرت صلته وعائدته علي -يعني: فضل النبي ﵊ عليه- فتجرأت، فقال له النبي ﷺ : ما تصدقها؟) أي: ما تعطيها من المهر؟ فمن هذه الممهورة؟ ومن هذه المخطوبة؟ هي بنت محمد ﷺ فقال: (يا رسول الله! ما عندي ما أصدقها) ليس عند علي مهر، قال: (ولم يكن يومئذ صفراء ولا بيضاء)، لا ذهب ولا فضة عند علي ولا عند غيره إذ ذاك في أول الهجرة وفي مطلع الشدة حين كان المسلمون في شدة كبيرة. فقال له النبي ﷺ : (أين درعك الحطمية؟)، وهي درع أعطاها له رسول الله ﷺ بعد بدر، و (الحطمية): نسبة إلى بطن حطم بن محارب كانوا مشتهرين بصناعة الدروع، وقيل: الحطمية التي تحطم السيوف، وقيل: الثقيلة الحصينة. قال: (أين درعك الحطمية؟ قال: هي عندي يا رسول الله، قال: أصدقها إياها، فباعها بأربعة وثمانين درهماً فأخذها النبي ﷺ وأعطاها بلالاً وقال: اجعلوا ثلثيها في الطيب، وثلثاً في المتاع)، وهذا من فقه النبي ﷺ ومعرفته بطبائع النساء، أمرهم أن يجعلوا ثلثيها في الطيب وثلثاً في المتاع واللباس وغير ذلك، فهذا كان مهر سيدة نساء أهل الجنة ﵂ وأرضاها، فما بال من يغالون في مهور بناتهم؟ أيظنون ذلك منقبة وشرفاً؟! أيظنونه تعظيماً لمقام بناتهم؟! لو كان ذلك كذلك لكان الأحق به بنات رسول الله ﷺ . وقد توليت عقد نكاح فذهبت أكتب هذا العقد لأصحابه، فرأيت عقداً قبله والمهر مسطور فيه بمائة ألف، فقلت: يا للعجب! وما ينفع ذلك أو يفيد؟! ونرى أننا بهذا نسد كثيراً من أبواب الحلال ونفتح أبواباً ونيسر طرقاً للحرام، وقد نكون بذلك آثمين، وقد يكون الآباء في هذا ممن يعضلون بناتهم، وممن يكون عليهم وزر في هذا إذا فاتها قطارها، وتأخر عنها حظها من بعد، فهذه فاطمة بنت محمد ﷺ ، وهذا مهرها.

стр. 208

جهازها وأثاث بيتها ﵂ أما جهازها فقالت أم أيمن: وليت جهازها، فكان فيما جهزتها به مرفقة من أدم -من جلد- حشوها ليف، وبطحاء مفروشة في بيتها. هذا هو الفراش الوثير الذي كان في بيت فاطمة ﵂. وقد وردت روايات كثيرة في هذا المعنى، وقد جاءوا بهذا التراب والحصى ليفرش في هذا البيت كأنما هو توطئة، والنبي ﷺ بعث مع فاطمة بخميلة ووسادة أدم حشوها ليف ورحائين وسقاء وجرتين، فكم هي هذه الثروة عظيمة؟ وكم هي موجودة في هذا البيت الذي كأنما هو قصر عامر؟ وهو كذلك عامر بالإيمان والتقوى، وما كان حشو فراشهما ووسائدهما إلا الليف، بل قد ورد في صداقها أنه كان لهم جلد لخروف، إذا ناموا جعلوه على جهة الصوف، وإذا احتاجوه لفوه من جهة الجلد، وهذا يدلنا على البساطة. ورواية أم أيمن المذكورة رواها الطبراني وإسناده رجال الصحيح. لننظر إلى هذه المعاني، فمن كانت هذه مقدمتها في خطبتها وفي مهرها وفي جهازها فأي شيء تكون عيشتها؟ وعلى أي صورة تكون حياتها؟ هل فيها مثلما عند نسائنا حيث لابد أن يكون المسكن فيه كذا من الغرف، ولابد أن يكون فيه غرفة للنوم، وأخرى للطعام، وثالثة للجلوس، ورابعة لكذا وكذا، وخامسة لكذا؟ وكأنما يريد أن يسكن في جنة قبل جنة الآخرة، ولا نقول هذا -ونحن نعرف أوضاع الحياة الاجتماعية- تحريماً له، لكن إذا وجد ما يقتضي التنازل عنه مما هو خير في جمع بين زوجين صالحين فالعاقل من يصنع ذلك، ويتأسى بخير خلق الله ﵊، ولتكن ابنته في شرفها وفخرها أنها كان لها أثر من فاطمة أو غير فاطمة من بنات رسول الله ﷺ . فأين كان سكنها وكيف عاشت؟ في رواية ابن سعد في الطبقات عن أبي جعفر لما قدم رسول الله ﷺ المدينة نزل منزلاً، فطلب علي منزلاً حتى يسكن فاطمة فيه، فأصابه مستأخراً عن النبي ﷺ بعيداً عنه، والنبي لم يكن يحب بعد فاطمة عنه أبداً، فجاء النبي ﵊ إلى بيت فاطمة فقال: (إني أريد أن أحولك إلي تكونين قريبة مني. فقالت: كلم حارثة بن النعمان أن يتحول) وكان بيته قريباً من النبي ﷺ ، فأرادت أن يتحول لتأتي مكانه، فقال ﵊: (قد كلمت حارثة وقد تحول عنا حتى استحييت منه) يعني: أكثر من واحد يريد الجوار وهذا ينتقل. فسمع حارثة ﵁ فقال: يا رسول الله! إنه بلغني أنك تحول فاطمة إليك، وهذه منازلي وهي ألصق بيوت بني النجار بك -أي: أقربها- وإنما أنا ومالي لله ولرسوله، والله -يا رسول الله- للمال الذي تأخذ أحب إلي من الذي تدع، هكذا كان أصحاب النبي ﷺ ، فتحولت إلى جوار أبيها ﵊.

стр. 209

فاطمة وعلي ﵄ ومكابدة الحياة خذ هذه اللوحة المعبرة المؤثرة في هذه الحياة الزوجية: أقبل علي ذات يوم على فاطمة ودخل وهو منهك متعب مجهد من طبيعة الحياة وشدتها وكسب العيش وكده، فقال: والله! لقد سنوت حتى اشتكيت صدري، والسانية: البعير الذي يستقى به الماء، كان علي يسقي الماء عن طريق الناقة وأحياناً بنفسه، قال: قد سنوت حتى اشتكيت صدري، وقد جاء الله أباك بسبي فاذهبي فاستخدميه. انتصر المسلمون في معركة، وكان عند الرسول ﷺ سبي، فقال: اطلبي منه خادماً؛ فأنت ابنته أقرب الناس إليه وأحبهم إلى قلبه. فذهبت فاطمة إلى أبيها ﵊، فقال: (ما جاء بك يا بنية؟) قالت: جئت لأسلم عليك. واستحيت أن تذكر حاجتها، وقد قالت عندما قال علي ذلك: وأنا قد طحنت في الرحى حتى مجلت يداي. والمجل: هو ثخن الجلد ووجود البثور فيه، وذلك من كثرة ما كانت تطحن الشعير ﵂ وأرضاها، فلما ذهبت إلى أبيها استحيت أن تذكر حاجتها فرجعت، فقال علي: كلمتيه؟ قالت: لا. فأخذها علي وذهبا إلى رسول الله ﷺ ، فقال علي: والله -يا رسول الله- لقد سنوت حتى اشتكيت صدري. وقالت فاطمة: قد طحنت حتى مجلت يداي، قال: وقد أتى الله بسبي وسعة فأخدمنا. فماذا قال القدوة العظمى ﷺ ؟ قال: (والله! لا أعطيكما وأدع أهل الصفة تطوى بطونهم لا أجد ما أنفق عليهم، ولكني أبيعهم وأنفق عليهم أثمانها)، فهناك أولويات، فهذان يريدان خادماً، وفي المسلمين من أهل الصفوة من لا يجد طعاماً، قال: (والله! لا أعطيكما وأدع أهل الصفة تطوى بطونهم لا أجد ما أنفق عليهم). لكن هل قلب المصطفى ﷺ لا تغمره الرحمة والشفقة على ابنته وفلذة كبده؟ بلى كان ذلك في نهار ذلك اليوم، وإذا بالرسول ﷺ في مسائه وليله يأتي إليهما، ويطرق عليهما بابهما، وقد دخلا في كسائهما، وعليهما غطاء إن غطيا الرأس بدت الأقدام، وإن غطيا الأقدام بدا الرأس. فدخل النبي ﷺ فأرادا أن يقوما فقال: (مكانكما. ألا أخبركما بخير مما سألتماني؟ فقالا: بلى يا رسول الله! فقال: كلمات علمنيهن جبريل: تسبحان في دبر كل صلاة عشراً، وتحمدان عشراً، وتكبران عشراً، وإذا أويتما إلى فراشكما فسبحا ثلاثاً وثلاثين، واحمدا ثلاثاً وثلاثين، وكبرا ثلاثاً وثلاثين، فذلك خير لكما من خادم). قال علي: فما تركتها منذ سمعتها، فقال ابن الكواء: ولا ليلة صفين؟! قال: ولا ليلة صفين يا أهل الطرق! أي: أهل الفتن. فذكر علي ذلك في محافظته على ما أوصى به النبي ﷺ . وانظر إلى هذه الصورة: علي يشقى، وفاطمة تتعب، والسبي موجود، والأمر أمر رسول الله ﷺ ، لكنه يريد لأحب أحبابه وأقرب المقربين إليه ما هو الأفضل والأكمل، لا يريد خادماً في الدنيا، وإنما خداماً في الجنة، يريد عمران الدار الآخرة قبل عمران هذه الدار، ولذلك صرفهما إلى عبادة، لكن في قلبه من الشفقة والرحمة ما جعله لا ينسى طلبهما، ولا ينسى أنما قاله لهما ربما أدخل إلى نفوسهما شيئاً من هم أو غم، فمسح ذلك بقدومه عليهما، وإيناسه لهما، وتقديمه الخير لهما ﵊. وهناك صورة أخرى لنرى ما يدور في بيوتنا من المشكلات بين الزوجات وأمهات الأزواج، حتى أصبح هذا الباب باباً تسطر فيه الأقلام، وتمثل فيه التمثيليات والمشاهد كما نسمع، بل وتضرب فيه الأمثال. فهذه رواية ابن عبد البر يذكرها في الاستيعاب عن ابن أبي شيبة قال: حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن عمرو بن مرة عن أبي البختري قال: قال علي لأمه: اكفي بنت رسول الله ﷺ الخدمة خارجاً وسقاية الماء والحطب، وتكفيك العمل في البيت والعجن والخبز والطحن. وهذه صورة من بر الأم ورحمة الزوجة وألفة الأسرة الواحدة بعيداً عن الخصومات والنزاعات والمكائد التي تحفل بها كثير من البيوت من خلال ما يتسرب إلينا من الأفكار الدخيلة، والمضامين التي تبث عبر كثير من الوسائل والطرق مكتوبة ومرئية ومسموعة ونحو ذلك. هذه ومضات من الحياة الزوجية لتلك الزوجة الأثيرة ﵂ وأرضاها، وأحسب أن فيما نذكره من العبرة ما يغني عن كثير من التعليق والتفريع من كلامنا وقولنا، فحسبنا بهذه العظيمة الشريفة بنت رسول الله ﷺ أن كان مهرها درعاً، وأن كان فراشها أدماً حشوه ليف، وأن كان تجهيز بيتها سقاءين ورحائين، وأن كانت معيشتها أن تخدم بنفسها وأن تقوم بحق زوجها ﵂ وأرضاها.

стр. 210

شبهها بالنبي ﷺ ومكانتها في قلبه كانت فاطمة شبيهة رسول الله ﷺ ، فقد قالت عائشة ﵂: (ما رأيت أحداً كان أشبه سمتاً وهدياً ودلاً برسول الله ﷺ من فاطمة، كانت إذا دخلت عليه قام إليها فأخذ بيدها وقبلها وأجلسها في مجلسه، وكانت إذا دخل عليها قامت إليه وأخذت بيده وقبلته وأجلسته في مجلسها) رواه أبو داود في السنن. وفي رواية عند البخاري في الصحيح تخبر فيها عائشة بما كان من آخر أيام رسول الله ﷺ وتقول: (إنا كنا أزواج النبي ﷺ عنده جميعاً لم تغادر منا واحدة، فأقبلت فاطمة تمشي ما تخفى مشيتها من مشية رسول الله ﷺ ، فلما رآها رحب بها وقال: مرحباً بابنتي). وفي حديث مسور بن مخرمة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (فاطمة بضعة مني، فمن أغضبها أغضبني) رواه البخاري في الصحيح، والبضعة: القطعة من اللحم. وفي رواية من هذا الحديث في الصحيح أيضاً: (مضغة مني)، وفي رواية حذيفة: (شدنة مني) أي: قطعة من رسول الله ﷺ ، فكان ﵊ ينص على ذلك ويذكره، وكانت عائشة ﵂ حبيبة رسول الله ﷺ تبصر الشبه وتدرك المقام وتعرف الصلة وتعرف وتدرك خفقات قلب رسول الله ﷺ لابنته الحبيبة الأثيرة ﵂. وهذا ابن عباس ﵁ يروي أن المصطفى ﵊ دخل على علي وفاطمة ﵄ وهما يضحكان، فلما رأيا النبي ﵊ سكتا، فقال لهما ﵊: (ما لكما كنتما تضحكان فلما رأيتماني سكتما؟! فبادرت فاطمة فقالت: بأبي أنت يا رسول الله، قال هذا -تعني علياً -: أنا أحب إلى رسول الله ﷺ منك، فقلت: بل أنا أحب إلى رسول الله ﷺ منك. فتبسم رسول الله ﵊، وقال: يا بنية! لك رقة الولد، وعلي أعز علي منك)، وهذا من بديع قوله وفصيحه ومن حسن مأخذه ﵊، (لك رقة الولد وعلي أعز علي منك)، رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح. وفي رواية مسور الأخرى: (فاطمة شدنة مني يبسطني ما يبسطها، ويقبضني ما يقبضها، وإنه تنقطع يوم القيامة الأنساب إلا نسبي وحسبي) أو كما قال ﵊، والحديث رجاله ثقات كما ذكره الهيثمي في المجمع. وعن عمران بن حصين قال عمران: (إني لجالس عند رسول الله ﷺ إذ أقبلت فاطمة فقامت بحذاء النبي ﷺ -يعني: مقابلة له- فقال: ادني يا فاطمة فدنت دنوة، ثم قال: ادني يا فاطمة. فدنت دنوة، فقال: ادني يا فاطمة. فدنت دنوة حتى قامت بين يديه، قال عمران: فرأيت صفرة قد ظهرت على وجهها، وذهب الدم من شدة الجوع وشظف العيش. قال: فبسط النبي ﷺ بين أصابعه ثم وضع كفه بين ترائبها -أي: عظام صدرها- فرفع رأسه وقال: اللهم! مشبع الجوعة، وقاضي الحاجة، ورافع الوضعة، لا تجع فاطمة بنت محمد. قال عمران: فرأيت صفرة الجوع قد ذهبت عن وجهها وظهر الدم، ثم سألتها بعد ذلك فقالت: ما جعت بعد ذلك يا عمران) رواه الطبراني في الأوسط، وفيه عتبة بن حميد وثقه ابن حبان وضعفه غيره، وبقية رجاله ثقات. وهذا يدلنا على مكانتها ومحبة النبي ﷺ لها، وحسبنا بذلك منقبة وفضيلة وشرفاً وعزاً وكرماً لا يدانيها فيها غيرها كما سيأتي في تعليل ذلك، وفي حديث أبي ثعلبة الخشني -وقد رواه ابن عبد البر في الاستيعاب- قال: (كان رسول الله ﷺ إذا قدم من غزو أو سفر بدأ بالمسجد فصلى فيه ركعتين، ثم يأتي فاطمة، ثم يأتي أزواجه) لم؟ لأنها وحيدة بناته التي بقيت ﵂ وأرضاها. وهذا ابن سعد في الطبقات يروي عن ابن أبي ثابت قال: كان بين علي وفاطمة كلام -أي: شيء من الخلاف- فدخل النبي ﵊ فألقوا له شيئاً فاضطجع عليه، فجاءت فاطمة فاضطجعت من جنب، جاء وعلي فاضطجع من جنب، فأخذ رسول الله ﷺ بيده ويدها فوضعها على سرته ثم أصلح بينهما، وخرج ﵊، فقيل: دخلت وأنت على حال وخرجت ونحن نرى البشر في وجهك! قال: (وما يمنعني وقد أصلحت بين أحب اثنين إلي) ﵄ وأرضاهما. هكذا كانت فاطمة ﵂ شبيهة برسول الله ﷺ ، وحبيبة إلى قلبه، وكانت مضرب مثله، ومضرب المثل لا يكون إلا في العزيز القريب الأثير، ألم يقل ﵊: (يا فاطمة بنت محمد! اعملي لا أغني عنك من الله شيئاً)؟ لم يخصها بالذكر؟ لقربها وحبها. ألم يقل ﵊ يوم قصة المخزومية: (لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها)؟ إنه يدل على تعظيمه ومحبته لها ﵊. وذكر ابن حجر في الإصابة عن عبد الرزاق عن ابن جريج قال: كانت فاطمة أصغر بنات النبي ﷺ وأحبهن إليه، سئلت عائشة ﵂ -كما روى الترمذي في سننه بسند حسنه- فقيل لها: (أي الناس كان أحب إلى رسول الله ﷺ ؟ قالت: فاطمة. قيل: فمن الرجال؟ قالت: زوجها. إن كان كما علمت صواماً قواما). وتكلم الذهبي في السير على صحة هذا الحديث، وإن كان قد حسنه الترمذي ورواه الحاكم وصححه. وفي حديث بريدة: كان أحب النساء إلى رسول الله ﷺ فاطمة ومن الرجال علي. قال إبراهيم النخعي: يعني: من أهل بيته. ورواه الترمذي كذلك.

стр. 211

أسباب فضل فاطمة وخصوصيتها التي امتازت بها ﵂ ولعلنا نتساءل هنا: لماذا كانت لـ فاطمة هذه الخصوصية التي حظيت بها ﵂ وأرضاها؟ هناك إجابة طويلة، لكن لابد من ذكرها مع الإيجاز.

стр. 212

معنى كنيتها الفريدة ﵂ وأرضاها الأمر الأول: لأن لها كنية فريدة، وليس المقصود الكنية وإنما معناها، فكنيتها التي ذكرها الذهبي وابن حجر وغيرهما من العلماء هي (أم أبيها)، ولا أعرف أحداً من النساء كنيتها أم أبيها، فهي ابنته ولكنها تكنى بأنها أم أبيها، فلم كان ذلك كذلك؟ لأسباب كثيرة. فـ فاطمة ﵂ أصغر بناته، وكان بعض بناته قد تزوجن، فبنتاه الأوليان كانتا متزوجتين من ابني أبي لهب عم النبي ﵊، تزوجا بهما في الجاهلية قبل الإسلام، وزينب مزوجة من أبي العاص بن الربيع، فلم يبق مع النبي ﷺ إلا فاطمة، فكانت تشهد ما يلقى النبي ﵊ من الأذى والصد والإعراض من قريش، وكانت معه ﵊ في هذه المواقف كما سيأتي معنا، وبعد هجرة النبي ﵊ إلى المدينة لم يكن قد دخل بـ عائشة فمن كان يخدمه؟ ومن كان في بيته يقوم بشأنه؟ ومن كان يعد طعامه؟ ومن كان يهيئ له أحواله؟ إنها ابنته أم أبيها ﵂ وأرضاها، ولذلك كانت قريبة من رسول الله ﷺ حتى عرفت بهذه الكنية الفريدة.

стр. 213

امتداد نسل النبي ﷺ عن طريقها ﵂ الأمر الثاني: الذرية الحبيبة، فإنه قد قضت حكمة الله أن ينقطع نسل بنات النبي ﷺ الأخريات، وألا يبقى أبناؤهن، فلم يبق نسل متصل برسول الله ﷺ إلا من فاطمة ﵂ وأرضاها، ونعلم كيف كان النبي يحب الحسن والحسين، وكيف كان يحني ظهره فيرتحله الحسن والحسين فيقول: (نعم الراكبان أنتما، ونعم الجمل جملكما)، وعندما جاء الحسن والنبي يخطب في المسجد فعثر في مرطه نزل النبي ﵊ من منبره وأخذه، وكان النبي ﷺ لا يدعو الحسن والحسين إلا بـ (ابني)، وكانا يدعوانه: (يا أبتي)، فـ فاطمة ﵂ أبقت لنبي الله ﵊ بفضل الله جل وعلا من يقول له: أب، ومن يقول هو لهم: أبناؤه.

стр. 214

صحبتها الطويلة لأبيها ﷺ الأمر الثالث: الصحبة الطويلة؛ فإن أخواتها من بنات رسول الله ﵊ تتابعت وفاتهن وتقدمت، وبقيت هي مع النبي ﷺ دهراً طويلاً، رقية ماتت وشغل بها عثمان في يوم بدر، وأم كلثوم توفيت بعد ذلك في العام الثامن أو التاسع من الهجرة، ولم يبق إلا فاطمة ﵂، فصحبت رسول الله ﵊، وتوفي ولفظ أنفاسه الأخيرة إلى الرفيق الأعلى وهي في هذه الحياة ﵂ وأرضاها، فهذه صفحة من صفحات حياتها في شبهها لرسول الله ﷺ وحبه إياها.

стр. 215

صبرها رضي الله تعالى عنها على البلاء يوجد الكثير من المناقب لـ فاطمة ﵂، لنرى قدوة للنساء، فالمرأة اليوم من أدنى عارض تجزع وتصيح وتتراجع ولا تكاد تحتمل شيئاً، أما فاطمة فهذه محطات من الابتلاء مرت فيها بنجاح منقطع النظير. كلنا يعرف القصة الشهيرة المروية في السيرة لما ائتمر أبو جهل ومن معه من سفهاء قريش في شأن رسول الله ﷺ فقالوا: إذا سجد فضعوا سلا الجزور على رأسه وهو ساجد، وقام أشقى القوم عقبة بن أبي معيط ففعل ذلك، فلما نمى إلى فاطمة الخبر -وهي التي كانت في بيته ﵊ تحركت -وكانت صغيرة في السن- فذهبت فألقت ذلك عن رسول الله ﵊ ونظفته وطيبته، فما رفع رأسه من السجود إلا بعد أن فعلت ذلك. لقد كانت ترى صناديد قريش وهم يتعرضون له ﵊ بالأذى القولي والفعلي وتحتمل ذلك، وترى في صبر النبي ﵊ قدوتها وأسوتها ﵂ وأرضاها. ثم بعد ذلك كانت مع النبي ﷺ في حصار الشعب الظلوم، عاشت ثلاث سنوات من أشد وأقسى السنوات التي مرت برسول الله ﷺ وأهل بيته والمسلمين الذين معه حتى أكلوا ورق الشجر، وحتى قرحت أشداقهم، ولقد روى سعد ﵁ أنه ذهب يتبول قال: فإذا أنا أسمع قعقعة فأخذتها فإذا هي شنٌ -يعني: قطعة من جلد- فأخذتها فغسلتها فدققتها فسففتها فكانت قوتي أياماً. هكذا كانوا وكانت فاطمة البنت الرقيقة الصغيرة الفتية في عمرها، وإذا كان قد تزوج بها علي وهي بنت خمس عشرة سنة في المدينة فكم كان عمرها إذ ذاك؟! كانت صغيرة ﵂ وأرضاها، فصبرت واحتملت ومرت بهذه الظروف العصيبة وشظف العيش وشدته تتأسى بأبيها ﵊. ثم من بعد ذلك كان فقد الأم العظيمة في عام سماه أهل السير (عام الحزن)، فقد كان من أشد ما مر برسول الله ﷺ أن فقد زوجته خديجة أم المؤمنين ﵂ الحبيبة إلى قلبه المواسية له المؤازرة والمساندة له ﵊، وكان ذلك عظيماً على أصغر البنات التي لم تكن تزوجت بعد وهي فاطمة ﵂، فصبرت واحتسبت ومضت مع رسول الله ﷺ . ثم من بعد كانت هناك محطة رابعة في معاناة الهجرة الحزينة، فيوم هاجر رسول الله ﵊ لم يصحب معه بناته، ثم من بعد أرسل أبا رافع مولاه فأخذ زينب وفاطمة ﵄، فلحق بهم الحويرث الأشقى فنخز بعيرهما وآذاهما فسقطتا من عليه وقد وهت أجسادهما، وكانتا ضعيفتين، وهذا هو الذي أعلن النبي ﵊ عنه وعن نفر معه يوم فتح مكة أن يقتلوا ولو كانوا متعلقين بأستار الكعبة، وذلك لما فعل هذا الشقي ببنات رسول الله ﷺ . ومضت هذه الفتاة في ريعان شبابها تحتمل كل هذه الصعاب بإيمان عظيم وصبر جليل واحتساب للأجر عند الله ، ومواصلة على الطريق دون جزع ولا تراجع ولا تضعضع ولا ضعف بحال من الأحوال. ثم ماذا بعد ذلك؟ لقد كان موت الأخوة والأخوات، فإخوانها جميعاً ماتوا إبراهيم والقاسم أبناء النبي ﵊، وكذلك أخواتها واحدة إثر الأخرى وهي تشيع وتدفن ﵂ وأرضاها، والحزن يملأ قلبها فينصب على يقينها وإيمانها، فإذا بها ترضى بقضاء الله وقدره، لكن ذلك أمره عظيم. وقد ورد في بعض الروايات أنها شهدت أحداً، وكان لها شيء من المشاركة، ورأت ما رأت مما جرى لرسول الله ﷺ يوم شج رأسه ودميت قدماه ودخلت حلقتا المغفر في وجنتيه، وقال ﵊: (اللهم! اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون). ثم كان المصاب الأعظم الذي لم تتماسك بعده حتى أدركتها منيتها وحانت وفاتها، ذلك الحدث هو فقد الرسول العظيم ﷺ ، يوم قالت فاطمة ﵂ عندما زارت النبي ﷺ : واكرباه! فقال ﵊: (لا كرب على أبيك بعد اليوم يا فاطمة). ثم لما قضى النبي ﷺ قالت: واكرب أبتاه، إلى جبريل ننعاه، جنة الخلد مأواه. ثم لما دفن ﵊ قالت لـ أنس -كما في الصحيح-: كيف طابت أنفسكم أن تحثوا على رسول الله ﷺ التراب؟! وفي بعض الروايات أنها ما رئيت مبتسمة بعد وفاته ﵊. وسنذكر الآن بعض فضائلها وما جاء في هذه القصص العظيمة، فكانت صابرة ﵂ صبراً عظيماً يدلنا على ما ينبغي أن تتحلى به النساء المؤمنات من الصبر والاحتمال فيما يتعرضن له في طاعة الله والثبات على هذا الدين، لا أن يكون ذلك برقة وضعف وخور كما نرى، نسأل الله السلامة.
следующие страницы →