Полный текст (2 691 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
أسباب فضل فاطمة وخصوصيتها التي امتازت بها ﵂
ولعلنا نتساءل هنا: لماذا كانت لـ فاطمة هذه الخصوصية التي حظيت بها ﵂ وأرضاها؟ هناك إجابة طويلة، لكن لابد من ذكرها مع الإيجاز.
стр. 212
معنى كنيتها الفريدة ﵂ وأرضاها
الأمر الأول: لأن لها كنية فريدة، وليس المقصود الكنية وإنما معناها، فكنيتها التي ذكرها الذهبي وابن حجر وغيرهما من العلماء هي (أم أبيها)، ولا أعرف أحداً من النساء كنيتها أم أبيها، فهي ابنته ولكنها تكنى بأنها أم أبيها، فلم كان ذلك كذلك؟ لأسباب كثيرة.
فـ فاطمة ﵂ أصغر بناته، وكان بعض بناته قد تزوجن، فبنتاه الأوليان كانتا متزوجتين من ابني أبي لهب عم النبي ﵊، تزوجا بهما في الجاهلية قبل الإسلام، وزينب مزوجة من أبي العاص بن الربيع، فلم يبق مع النبي ﷺ إلا فاطمة، فكانت تشهد ما يلقى النبي ﵊ من الأذى والصد والإعراض من قريش، وكانت معه ﵊ في هذه المواقف كما سيأتي معنا، وبعد هجرة النبي ﵊ إلى المدينة لم يكن قد دخل بـ عائشة فمن كان يخدمه؟ ومن كان في بيته يقوم بشأنه؟ ومن كان يعد طعامه؟ ومن كان يهيئ له أحواله؟ إنها ابنته أم أبيها ﵂ وأرضاها، ولذلك كانت قريبة من رسول الله ﷺ حتى عرفت بهذه الكنية الفريدة.
стр. 213
امتداد نسل النبي ﷺ عن طريقها ﵂
الأمر الثاني: الذرية الحبيبة، فإنه قد قضت حكمة الله أن ينقطع نسل بنات النبي ﷺ الأخريات، وألا يبقى أبناؤهن، فلم يبق نسل متصل برسول الله ﷺ إلا من فاطمة ﵂ وأرضاها، ونعلم كيف كان النبي يحب الحسن والحسين، وكيف كان يحني ظهره فيرتحله الحسن والحسين فيقول: (نعم الراكبان أنتما، ونعم الجمل جملكما)، وعندما جاء الحسن والنبي يخطب في المسجد فعثر في مرطه نزل النبي ﵊ من منبره وأخذه، وكان النبي ﷺ لا يدعو الحسن والحسين إلا بـ (ابني)، وكانا يدعوانه: (يا أبتي)، فـ فاطمة ﵂ أبقت لنبي الله ﵊ بفضل الله جل وعلا من يقول له: أب، ومن يقول هو لهم: أبناؤه.
стр. 214
صحبتها الطويلة لأبيها ﷺ
الأمر الثالث: الصحبة الطويلة؛ فإن أخواتها من بنات رسول الله ﵊ تتابعت وفاتهن وتقدمت، وبقيت هي مع النبي ﷺ دهراً طويلاً، رقية ماتت وشغل بها عثمان في يوم بدر، وأم كلثوم توفيت بعد ذلك في العام الثامن أو التاسع من الهجرة، ولم يبق إلا فاطمة ﵂، فصحبت رسول الله ﵊، وتوفي ولفظ أنفاسه الأخيرة إلى الرفيق الأعلى وهي في هذه الحياة ﵂ وأرضاها، فهذه صفحة من صفحات حياتها في شبهها لرسول الله ﷺ وحبه إياها.
стр. 215
صبرها رضي الله تعالى عنها على البلاء
يوجد الكثير من المناقب لـ فاطمة ﵂، لنرى قدوة للنساء، فالمرأة اليوم من أدنى عارض تجزع وتصيح وتتراجع ولا تكاد تحتمل شيئاً، أما فاطمة فهذه محطات من الابتلاء مرت فيها بنجاح منقطع النظير.
كلنا يعرف القصة الشهيرة المروية في السيرة لما ائتمر أبو جهل ومن معه من سفهاء قريش في شأن رسول الله ﷺ فقالوا: إذا سجد فضعوا سلا الجزور على رأسه وهو ساجد، وقام أشقى القوم عقبة بن أبي معيط ففعل ذلك، فلما نمى إلى فاطمة الخبر -وهي التي كانت في بيته ﵊ تحركت -وكانت صغيرة في السن- فذهبت فألقت ذلك عن رسول الله ﵊ ونظفته وطيبته، فما رفع رأسه من السجود إلا بعد أن فعلت ذلك.
لقد كانت ترى صناديد قريش وهم يتعرضون له ﵊ بالأذى القولي والفعلي وتحتمل ذلك، وترى في صبر النبي ﵊ قدوتها وأسوتها ﵂ وأرضاها.
ثم بعد ذلك كانت مع النبي ﷺ في حصار الشعب الظلوم، عاشت ثلاث سنوات من أشد وأقسى السنوات التي مرت برسول الله ﷺ وأهل بيته والمسلمين الذين معه حتى أكلوا ورق الشجر، وحتى قرحت أشداقهم، ولقد روى سعد ﵁ أنه ذهب يتبول قال: فإذا أنا أسمع قعقعة فأخذتها فإذا هي شنٌ -يعني: قطعة من جلد- فأخذتها فغسلتها فدققتها فسففتها فكانت قوتي أياماً.
هكذا كانوا وكانت فاطمة البنت الرقيقة الصغيرة الفتية في عمرها، وإذا كان قد تزوج بها علي وهي بنت خمس عشرة سنة في المدينة فكم كان عمرها إذ ذاك؟! كانت صغيرة ﵂ وأرضاها، فصبرت واحتملت ومرت بهذه الظروف العصيبة وشظف العيش وشدته تتأسى بأبيها ﵊.
ثم من بعد ذلك كان فقد الأم العظيمة في عام سماه أهل السير (عام الحزن)، فقد كان من أشد ما مر برسول الله ﷺ أن فقد زوجته خديجة أم المؤمنين ﵂ الحبيبة إلى قلبه المواسية له المؤازرة والمساندة له ﵊، وكان ذلك عظيماً على أصغر البنات التي لم تكن تزوجت بعد وهي فاطمة ﵂، فصبرت واحتسبت ومضت مع رسول الله ﷺ .
ثم من بعد كانت هناك محطة رابعة في معاناة الهجرة الحزينة، فيوم هاجر رسول الله ﵊ لم يصحب معه بناته، ثم من بعد أرسل أبا رافع مولاه فأخذ زينب وفاطمة ﵄، فلحق بهم الحويرث الأشقى فنخز بعيرهما وآذاهما فسقطتا من عليه وقد وهت أجسادهما، وكانتا ضعيفتين، وهذا هو الذي أعلن النبي ﵊ عنه وعن نفر معه يوم فتح مكة أن يقتلوا ولو كانوا متعلقين بأستار الكعبة، وذلك لما فعل هذا الشقي ببنات رسول الله ﷺ .
ومضت هذه الفتاة في ريعان شبابها تحتمل كل هذه الصعاب بإيمان عظيم وصبر جليل واحتساب للأجر عند الله ، ومواصلة على الطريق دون جزع ولا تراجع ولا تضعضع ولا ضعف بحال من الأحوال.
ثم ماذا بعد ذلك؟ لقد كان موت الأخوة والأخوات، فإخوانها جميعاً ماتوا إبراهيم والقاسم أبناء النبي ﵊، وكذلك أخواتها واحدة إثر الأخرى وهي تشيع وتدفن ﵂ وأرضاها، والحزن يملأ قلبها فينصب على يقينها وإيمانها، فإذا بها ترضى بقضاء الله وقدره، لكن ذلك أمره عظيم.
وقد ورد في بعض الروايات أنها شهدت أحداً، وكان لها شيء من المشاركة، ورأت ما رأت مما جرى لرسول الله ﷺ يوم شج رأسه ودميت قدماه ودخلت حلقتا المغفر في وجنتيه، وقال ﵊: (اللهم! اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون).
ثم كان المصاب الأعظم الذي لم تتماسك بعده حتى أدركتها منيتها وحانت وفاتها، ذلك الحدث هو فقد الرسول العظيم ﷺ ، يوم قالت فاطمة ﵂ عندما زارت النبي ﷺ : واكرباه! فقال ﵊: (لا كرب على أبيك بعد اليوم يا فاطمة).
ثم لما قضى النبي ﷺ قالت: واكرب أبتاه، إلى جبريل ننعاه، جنة الخلد مأواه.
ثم لما دفن ﵊ قالت لـ أنس -كما في الصحيح-: كيف طابت أنفسكم أن تحثوا على رسول الله ﷺ التراب؟! وفي بعض الروايات أنها ما رئيت مبتسمة بعد وفاته ﵊.
وسنذكر الآن بعض فضائلها وما جاء في هذه القصص العظيمة، فكانت صابرة ﵂ صبراً عظيماً يدلنا على ما ينبغي أن تتحلى به النساء المؤمنات من الصبر والاحتمال فيما يتعرضن له في طاعة الله والثبات على هذا الدين، لا أن يكون ذلك برقة وضعف وخور كما نرى، نسأل الله السلامة.
стр. 216
فضائلها ﵂ وأرضاها
فضائل فاطمة ﵂ كثيرة، ففي الصحيح من رواية عائشة: (كن أزواج النبي ﷺ عنده لم يغادر منهن واحدة، فأقبلت فاطمة تمشي ما تخطئ مشيتها مشية رسول الله ﷺ ، فلما رآها رحب بها وقال: مرحباً بابنتي، ثم أجلسها عن يمينه أو عن يساره، ثم سارها -أي: أسر إليها كلاماً- فبكت ﵂ ثم سارها مرة أخرى فضحكت، فقالت عائشة: خصك رسول الله ﷺ من بين نسائه بالسرار ثم أنت تبكين؟! ما قال لك؟ قالت: ما كنت لأفشي سر رسول الله ﵊، فلما توفي رسول الله ﷺ قالت لها عائشة: عزمت عليك بما لي عليك من الحق لما حدثتني ما قال لك رسول الله ﷺ ؟ قالت: أما الآن فنعم، أما حين سارني المرة الأولى فأخبرني أن جبريل ﵇ كان يعارضه القرآن في كل سنة مرة وأنه عارضه الآن مرتين، وإني لا أرى الأجل إلا قد اقترب، فاتقي الله واصبري؛ فإنه نعم السلف أنا لك.
قالت: فبكيت بكائي الذي رأيت، فلما رأى جزعي سارني ثانية فقال: يا فاطمة! أما ترضين أن تكوني سيدة نساء المؤمنين أو سيدة نساء هذه الأمة؟ قالت: فضحكت ضحكي الذي رأيت).
وفي رواية في لفظ آخر: (لما رآها استبشر وتهلل، فسارها فبكت ثم ضحكت، فقالت عائشة: ما رأيت كاليوم أقرب فرحاً من بكاء) ثم سألتها.
وفي رواية ثالثة: أن عائشة ﵂ قالت: إن كنت لأرى هذه -تعني فاطمة - لأعقل نسائنا فإذا هي امرأة من النساء، أي: أنها كانت تظنها ذات جلد، فلما رأتها تضحك وتبكي قالت: هذه امرأة من النساء ليس عندها شيء مختلف، فلما علمت بذلك عرفت.
وفي رواية: (فبكيت، فقال: أما ترضين أن تكوني سيدة نساء أهل الجنة وأنك أول أهلي لحوقاً بي؟! فضحكت) وهذا عند البخاري ومسلم، وكان الأمر كذلك كما سيأتي في وفاة فاطمة ﵂.
وهذا الحديث روي بروايات كثيرة، منها رواية الترمذي وفيها: (أخبرني رسول الله ﷺ أنه يموت فبكيت، ثم أخبرني أني سيدة نساء أهل الجنة إلا مريم بنت عمران فضحكت).
وفي رواية حذيفة عند الترمذي عن رسول الله ﵊ قال: (هذا ملك نزل من السماء لم ينزل الأرض قط قبل هذه الليلة استأذن ربه أن يسلم علي وأن يبشرني أن فاطمة سيدة نساء أهل الجنة وأن الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة) أخرجه الترمذي وحسنه.
وعندنا رواية في الفضائل -وسيأتي ذكرها باختصار فيما هو من الشبهات والأخطاء- هي رواية عند البخاري ومسلم، وكذلك عند أبي داود والترمذي من حديث مسور بن مخرمة في قصة علي بن أبي طالب حين خطب بنت أبي جهل يريد أن يتزوجها على فاطمة، قال: فسمعت رسول الله ﷺ يخطب الناس في ذلك على منبره هذا وأنا يومئذ محتلم فقال: (إن فاطمة مني، وأنا أتخوف أن تفتن في دينها.
ثم ذكر صهراً له من بني عبد شمس، ثم قال: وإني لست أحرم حلالاً ولا أحل حراماً، ولكن -والله- لا تجتمع بنت رسول الله ﷺ وبنت عدو الله مكاناً واحداً أبداً).
وفي الرواية الأخرى قال: (فاطمة بضعة مني، فمن أغضبها فقد أغضبني، يؤذيني ما آذاها وينصبني ما أنصبها).
وهذا الحديث أيضاً من فضائلها ﵂ وأرضاها.
ومن ذلك ما رواه أبو سعيد الخدري ﵁ قال: قال ﷺ : (الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة، وفاطمة سيدة نسائهم إلا ما كان من مريم بنت عمران).
والروايات كثيرة في فضائلها ﵂، ومما ذكره الترمذي أنه قال ﵊ في شأن قصة إرادة علي خطبة بنت أبي جهل: (إن بني هشام بن المغيرة استأذنوني في أن ينكحوا ابنتهم علي بن أبي طالب، فلا آذن، ثم لا آذن، ثم لا آذن إلا أن يريد ابن أبي طالب أن يطلق ابنتي وينكح ابنتهم؛ فإنها بضعة مني، يريبني ما رابها، ويؤذيني ما آذاها) قال الترمذي: حديث حسن صحيح.
стр. 217
وقفات من شبهات المغرضين
стр. 218
وقفة مع شبهة هجرها لأبي بكر ﵁ في قضية الميراث
وقفة مع الأوهام الخاطئة ومع الأفكار الزائغة التي تشوه علينا هذه الصورة المشرقة الوضاءة في سيرة وتعامل أصحاب النبي ﷺ ، فهناك بعض الأوهام التي أخذها بعض الناس مآخذ تبعد عن فهم حقيقة إيمان الصحابة وفضيلتهم ﵃ وأرضاهم، ومن ذلك ما هو مشهور في الحديث الصحيح عند البخاري أن عائشة روت أن فاطمة بنت محمد ﷺ بعد وفاة أبيها سألت أبا بكر ميراثها مما ترك رسول الله ﷺ مما أفاء الله عليه، فقال لها أبو بكر: إن رسول الله ﷺ قال: (لا نورث، ما تركنا صدقة) فغضبت فاطمة وعاشت بعد وفاة رسول الله ﷺ ستة أشهر، والحديث عند البخاري في الصحيح، وقد أورده بألفاظ مختلفة كثيرة، وبعض الناس أخذوا هذا مآخذ شتى، وجعلوا ذلك خصومة بين أبي بكر ﵁ وفاطمة ﵂، وبين عائشة ﵂ وعمر ﵃ أجمعين، وما فقهوا فقه الإيمان، وما عرفوا كيف كان أولئك النفر من أصحاب رسول الله ﵊، ونحن قد عرفنا ما روت عائشة في فضائل فاطمة وما كانت تلمحه وتدركه من شبهها برسول الله ﵊ ومحبته لها ﵊.
وأما هذا فقد ذكر العلماء فيه -بإيجاز- أنه أخذ فيه أبو بكر بسنة وحكم النبي ﷺ ، وأن فاطمة كانت متأولة، فقد كانت تظن أن هذا الحديث لا يدخل فيما أفاء الله عليه من الأراضي كأرض فدك وخيبر وغيرها، ولم يكن من فاطمة ﵂ إلا ما كان من حزنها على أبيها؛ فإنها لم تمتنع عن أبي بكر فحسب، بل كانت بعيدة عن الناس وعن مؤانستهم بسبب حزنها الشديد على فراق رسول الله ﷺ ، حتى كانت أول أهله لحوقاً به كما ذكر ﵊.
والروايات يذكرها ابن حجر ويبين معانيها في الفتح، فقد ذكر أن فيما رواه أحمد وأبو داود أن فاطمة أرسلت إلى أبي بكر: أنت ورثت رسول الله ﷺ أم أهله؟ قال: بل أهله.
قالت: فأين سهم رسول الله ﷺ ؟ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن الله إذا أطعم نبياً طعمة ثم قبضه جعلها للذي يقوم من بعده)، فرأيت أن أرده على المسلمين.
قالت: فأنت وما سمعته.
قال: فهذا لا يعارض ما في الصحيح من صريح الهجران، ولا يدل على الرضا، ثم ذلك فيه لفظة منكرة، وبعد ذلك ذكر رواية الشعبي عند البيهقي أن أبا بكر عاد فاطمة -أي: زارها- فقال لها علي: هذا أبو بكر يستأذن عليك.
قالت: أتحب أن آذن له؟ قال: نعم.
فأذنت له فدخل عليها فترضاها حتى رضيت.
قال ابن حجر: وهو وإن كان مرسلاً فإسناده إلى الشعبي صحيح، وبه يزول الإشكال في جواز تمادي فاطمة في هجر أبي بكر، وقال بعض الأئمة: إنما كان هجرها انقباضاً عن لقائه والاجتماع به، وليس ذلك من الهجران المحرم، فإن شرطه أن يلتقيا فيعرض هذا ويعرض هذا، وكأن فاطمة لما خرجت ﵂ من عند أبي بكر ﵂ تمادت في اشتغالها بحزنها ثم بمرضها، وأما سبب غضبها مع احتجاج أبي بكر بالحديث فلاعتقادها تأويل الحديث على خلاف ما تمسك به أبو بكر، وكأنها اعتقدت تخصيص العموم في قوله: (لا نورث)، ورأت أن منافع ما خلفه من أرض وعقار لا يمتنع أن تورث عنه، وتمسك أبو بكر بالعموم ﵁.
فهل في مثل هذا الفقه ما يثيره أولئك القوم من هذه الفتن والمحن التي يجترءون بها على مقام صحابة رسول الله ﷺ ، ويذمون من ثبت في القرآن مدحهم والثناء عليهم.
ونحن نعرف في هذا أقوالاً كثيرة، حتى إن ابن حجر ﵀ أفاض فيها وذكرها، ومن ذلك في هذا السياق ما ذكر في الصحيح -أيضاً- أنه لما ماتت فاطمة ﵂ دفنها علي ليلاً لم يؤذن بها أبا بكر.
فقالوا: ذلك خصومة، وذلك لئلا يصلي عليها أبو بكر وغير ذلك.
لكن ماذا قال أهل العلم؟ قالوا: كان ذلك بوصية منها لإرادة الزيادة في التستر، ولعله لم يعلم علي أبا بكر بموتها لأنه ظن أن ذلك لا يخفى عليه، وليس في الخبر ما يدل على أن أبا بكر لم يعلم بموتها ولا صلى عليها.
وعلي بايع أبا بكر وكان الناس قريباً منه، ورجع إلى المعروف ﵁ وأرضاه بعد موت فاطمة وأعلن بيعته، ولم يكن في تركه للبيعة قبل موتها شق عصا ولا مخالفة، ولا إبطال لهذه البيعة، لكنه احترم شعور فاطمة وحزنها، وانشغل بها حتى قضى الله ذلك الأمر، قال المازري ﵀: العذر لـ علي في تخلفه مع ما اعتذر هو به أنه يكفي في بيعة الإمام أن يقع من أهل الحل والعقد، ولا يجب الاستيعاب.
ولا يلزم كل أحد أن يحضر عنده ويضع يده في يده، بل يكفي التزام طاعته والانقياد له بألا يخالفه ولا يشق العصا عليه، وهذا كان حال علي، فلم يقع منه إلا التأخر عن الحضور عند أبي بكر، وقد ذكر سبب ذلك.
وأما رواية البخاري أن ذلك كان كراهية حضور عمر، قالوا: لأن عمر كان رجلاً صلباً شديداً، فخشوا من أن تكون المعاتبة وشدة القول في الأخذ والرد، وهم كانوا يريدون المصافاة، حتى إنه لما أراد أن يذهب قيل له: لا تذهب إليهم.
فقال: وما عساهم أن يفعلوا بي! وقال علي ﵁ في سياق هذا الحديث كلاماً نفسياً ﵁ وأرضاه، وقال أبو بكر كلاماً نفيساً كذلك، فتشهد علي -أي: قال: أشهد ألا إله إلا الله- واستفتح الكلام فقال: إنا قد عرفنا فضلك وما أعطاك الله، ولم ننفس عليك خيراً ساقه الله إليك، ولكنك استبددت علينا بالأمر.
وفي شرح ذلك قالوا: إن علياً كان يرى أن بعض الأمور كان ينبغي أن يشهدها ويستشار فيها، وأبو بكر ﵁ كان يرى جزم الأمر والإسراع فيه؛ لئلا لا ينفرط الحبل، وعلي شغل برسول الله ﵊ وبـ فاطمة من بعده، فلم يكن إلا ذلك.
قال علي رضي الله تعالى عنه: وكنا نرى لقرابتنا من رسول الله ﷺ نصيباً.
قال الراوي -كما في البخاري -: حتى فاضت عينا أبي بكر بكاءً ﵁، فلما تكلم قال: والذي نفسي بيده! لقرابة رسول الله ﷺ أحب إلي أن أصل من قرابتي، وأما الذي شجر بيني وبينكم من هذه الأموال فلم آل فيه عن الخير، ولم أترك أمراً رأيت رسول الله ﷺ يصنعه إلا صنعته.
فقال علي لـ أبي بكر: موعدك العشية للبيعة.
فلما صلى أبو بكر الظهر رقي على المنبر فتشهد وذكر شأن علي وتخلفه عن البيعة وعذره بالذي اعتذر إليه، ثم استغفر، ثم تشهد علي فعظم حق أبي بكر وحدث أنه لم يحمله على الذي صنع نفاسة على أبي بكر ولا إنكاراً للذي فضله الله به، ولكنا كنا نرى لنا في الأمر نصيباً فاستبد علينا فوجدنا في أنفسنا.
فسر بذلك المسلمون وقالوا: أصبت.
وكان المسلمون إلى علي قريباً حين راجع المعروف.
فهل في هذا النص ما يقوله القائلون وما يرجف به المرجفون وما يقوله الذين أفسدوا على الناس مقام أصحاب رسول الله ﷺ وما ينبغي أن يكون عليه حالهم؟! إن كان الناس يبرءون أنفسهم من مثل هذه الشحناء فكيف بأصحاب رسول الله ﵊؟! بل كيف بالصفوة المباركة من المقربين من أصحاب رسول الله ﷺ ؟!
стр. 219
وقفة مع شبهة منع النبي ﷺ علياً عن زواج ابنة أبي جهل
وقفة ثانية في هذه الأوهام والأخطاء، ففيما صح عن النبي ﷺ أنه قال: (فلا آذن، ثم لا آذن، ثم لا آذن، إلا أن يحب ابن أبي طالب أن يطلق ابنتي وينكح ابنتهم).
قال النووي ﵀: قال العلماء: في هذا الحديث تحريم إيذاء النبي ﷺ بكل حال وعلى كل وجه، وإن تولد ذلك الإيذاء مما كان أصله مباحاً وهو حي ﵊، وهذا بخلاف غيره، فلما كان ذلك يؤدي إلى إيذاء فاطمة وذلك يؤذي الرسول ﷺ حرم من هذا الوجه.
أو لم يكن ممكناً الجمع بينهما من هذا الوجه، قال النووي: وقد أعلم النبي ﷺ بإباحة نكاح بنت أبي جهل لـ علي بقوله: (لست أحرم حلالاً، ولا أحل حراماً) ولكنه نهى عن الجمع بينهما لعلتين منصوصتين: إحداهما: أن ذلك يؤدي إلى أذى فاطمة فيتأذى حينئذ رسول الله ﷺ ؛ فيهلك من آذاه، فنهى عن ذلك لتمام شفقته على علي وعلى فاطمة.
والثانية: خوف الفتنة عليها بسبب الغيرة.
وقيل: هذا كان بسبب الغيرة، وهو مذكور أيضاً، فإنه ﷺ قال: (إني أخشى أن تفتن في دينها) أي: بسبب غيرتها؛ لأنها ابنة رسول الله ﷺ ، وعلي ابن عمها ﵄، ولذلك أراد النبي ﵊ أن يبين هذا، فترك علي خطبتها لئلا يؤذي رسول الله ﵊، وثبت أن علياًَ لم يتزوج معها غيرها، بل ولم يتسر بغيرها من السراري أو الإماء حتى توفيت ﵂ وأرضاها.
هذا موجز ما ذكره النووي، وقد أفاض -أيضاً- القرطبي في شرح مسلم والمازري والقاضي عياض في هذه المعاني بنفس هذا المعنى أو قريباً منه.
وهذه المسائل عند أهل السنة والجماعة وأهل الإيمان والتقوى واضحة لا تلتبس، إلا عند الزائغين والمنحرفين الذين نسأل الله أن يسلمنا من طرقهم، وأن يجنبنا مسالكهم، وأن يهديهم إلى سواء السبيل والصراط المستقيم؛ فإن الثلم والذم لأصحاب رسول الله ﵊ معارضة لكتاب الله ولما صح عن رسوله ﷺ ، وهو ذم لهم حتى ولو لم يكن ذلك في النصوص، فلئن كان ذلك كذلك فأي قوم كان هؤلاء؟ وكيف عن لهم أن يكونوا من أصحاب النبي وحملة الدين ثم يكونوا على هذا الذي يصور من فرقتهم وخلافهم وكيد بعضهم لبعض ونحو ذلك؟ وكيف يمكن أن نفهم وندرك أن عمر بن الخطاب ﵁ تزوج أم كلثوم بنت علي ﵁؟! وكيف ندرك هذه العلاقات العظيمة والمآثر الكريمة والأقوال الجليلة في مدح بعضهم بعضاً، وثناء بعضهم على بعض، ومعرفة بعضهم حق بعض، حتى قال سعد -وهو حديث مشهور- ثلاث لـ علي تمنيت لو أن لي واحدة منها، وذكر قول النبي ﷺ له: (أما أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى) وذكر كذلك قوله ﷺ في يوم خيبر: (لأعطين الراية غداً رجلاً يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله) فهذا كله معروف شائع بين أصحاب النبي ﷺ ، ومقامهم وحالهم يدلنا على أنهم أليق بذلك وأجدر به، وإن كنا اليوم نعيب الإنسان إذا كانت له خصومة مع صديق أو حبيب أو قريب، ونرى في ذلك جفاء في طبعه، ونرى في ذلك سوءاً في خلقه؛ فكيف ينسب ذلك إلى صفوة الخلق من أصحاب رسول الله ﷺ ؟! وكيف ينسب إلى أبي بكر وهو الذي يبكي عندما يذكر أبناء وأهل بيت النبي ﷺ ؟ وهو الذي جعل نفسه قائماً بأمر الأمة كلها عموماً وأمر أهله ﷺ خصوصاً! وكيف بـ عمر ﵁ الذي كان يعطي أمهات المؤمنين أكثر ما يعطي من العطاء الذي يوزعه للمسلمين، وغير ذلك مما هو مشهور معلوم ثابت في الصحيح.
فلاشك أن هذا من زيغ الفكر، ومن ظلمة القلب، ومن انحراف النهج والقصد، ومن الفتنة التي ينبغي لكل مسلم أن يبرأ منها، وأن يجتنبها، وأن يحذر الناس منها، وأن يدعو إلى غيرها، وأن ينبه الواقعين فيها، ونحن -بحمد الله في قلوبنا من الإيمان واليقين بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ والتعظيم والإجلال لأصحاب رسول الله ﵊ ما يكون وقاية لنا من ذلك.
стр. 220
وفاة فاطمة رضي الله تعالى عنها وأرضاها
وقفتنا الأخيرة في وفاة فاطمة ﵂، وما أدراك ما وفاتها؟! توفت -على الصحيح- بعد ستة أشهر من وفاة الرسول ﵊، وفي يوم وفاتها نادت مولاتها أم رافع، وجاءت بماء فاغتسلت أحسن اغتسال، ثم لبست أحسن ثيابها، ثم طلبت أن يكون فراشها في وسط بيتها، ثم اضطجعت واستقبلت قبلتها وقالت: كأني مقبوضة.
فما لبثت أن قبضت روحها إلى خالقها وبارئها ﵂ وأرضاها، وكان ذلك وهي ابنة ثلاثين سنة على الصحيح، كما روى ذلك عبد الله بن محمد بن الحسن.
وقد صلى عليها العباس عم النبي ﷺ ، ودخل في قبرها علي والفضل ﵃ أجمعين، وكانت فاطمة ﵂ هي أول من وضع له القباء من نساء المسلمين؛ لأنها كانت ﵂ حيية تحب الستر، فكانت في حديث مع أسماء تقول لها: هؤلاء النساء عندما يكفن يكون الثوب فوقهن فكأنه يصف أجسادهن! فقالت: لقد رأيت شيئاً عند أهل الحبشة.
وذكرت لها أنهم يضعون جريداً فيرفعون به عن جسم المرأة، فلما ماتت فاطمة ﵂ صنع بها ذلك، فكانت أول امرأة في الإسلام فعل بها ذلك.
ومضت إلى الله بهذا الصبر والاحتمال والقرب من رسول الله ﵊، والنموذج المثالي للمرأة المسلمة الصابرة المحتسبة، والزوجة الوفية العاملة البارة بزوجها الوفية لعشرتها، وكان لها أعظم الفضل فيما أكرمها الله به من الأبناء الذين كان لهم أثر عظيم وبر كبير ومنفعة، حتى ذكر النبي ﵊ من مناقب الحسن والحسين ما هو معلوم.
فنسأل الله أن يتقبلها في عباده الصالحين، وأن يجعلها في أعلى عليين، وأن يجعلها قدوة لنساء المسلمين، وأن يلحقنا بها وبأصحاب النبي ﷺ على خير ما يحب ويرضى من الإيمان والتقى والهدى، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
والحمد لله رب العالمين، وصل اللهم وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحابته أجمعين.
стр. 221
الأسئلة
стр. 222
الوقعة التي أعطي فيها علي الدرع الحطمية
السؤال
هل أعطى النبي ﷺ الدرع الحطمية لـ علي ﵁ في غزوة أحد؟
الجواب
القول بأنه ﷺ أعطاها لـ علي ﵁ بعد غزوة أحد غير صحيح، بل أعطاه إياها بعد غزوة بدر؛ ولذلك استشكل بعض الناس: كيف نحر حمزة شارفين في وليمة عرس علي ﵁؟
стр. 223
حكم القول للعروس: جمع الله بينكما كما جمع بين علي وفاطمة
السؤال
ما حكم القول للعروس: جمع الله بينكما كما جمع بين علي وفاطمة؟
الجواب
لا أعرف لذلك أصلاً، والذي ذكر في الروايات أن النبي ﷺ قال لـ علي: (إذا أخذت زوجك فلا تصنع شيئاً حتى آتيك)، وأم أيمن هي التي تولت الجهاز، فجاء ﷺ فسلم فردت أم أيمن فقال: (أين أخي؟) قالت: كيف أخوك وزوجته ابنتك؟! (قال: ذلك يكون) يعني: هو أخي في الإسلام، والرسول ﷺ آخى بينه وبين علي يوم آخى بين المهاجرين والأنصار، فلم يكن لـ علي أخ من الأنصار، بل كان الرسول ﷺ هو أخاه.
ثم لما جاء دعا النبي ﷺ بماء، قيل: توضأ فيه، وقيل: مج فيه.
ثم سكب منه على علي وفاطمة ودعا لهما وبرك عليهما -أي: دعا لهما بالبركة-، ثم قال لـ علي: (خذ أهلك وزوجك).
стр. 224
التخفيف في نفقات الزواج لسد حاجة الأمة
السؤال
هل من باب الأولويات التوفير والتخفيف في نفقات الزواج لنسد الثغرات الكثيرة في جراحات الأمة؟
الجواب
هو كذلك، فلم يسرف الناس في هذا والمسلمون اليوم في كرب وضنك وحاجة شديدة؟! وكثير من المال الذي يصرف في غير مكانه قد يكون في كثير من الأحوال إثماً يسجل على صاحبه، وبعض الناس يقولون: هي ليلة العمر، وبعض الناس يقولون غير ذلك، فنقول: ما جاوز حد الاعتدال فهو سرف، وما كان فيه إثم أو حرمة فهو حرام في ذلك اليوم وفي غيره، في تلك الليلة وفي غيرها.
стр. 225
الاقتداء ببيت علي ﵁
السؤال
أيكون بيت علي ﵁ أنموذجاً لبيوت المسلمين؟
الجواب
نعم، هو أنموذج ينبغي أن يقتدى به.
стр. 226
حكمة عدم مجيء الأولاد للنبي ﷺ من غير خديجة من الزوجات
السؤال
هل ورد بيان لحكمة عدم مجيء الأولاد للنبي ﷺ من غير خديجة ﵂؟
الجواب
كذا قدر الله .
стр. 227
حكم اختصاص فاطمة ﵂ بمكانتها العالية عند أبيها
السؤال
لم خصت فاطمة بتلك المحبة في قلب النبي ﷺ من بين أخواتها، وهل كان ذلك قبل موتهن أو بعده؟
الجواب
الغالب أنه بعده، والغالب أنه لقربها منه، ولكونها امتدت في حياتها معه ذلك الوقت كله، فكان من هذا ما ذكره النبي ﵊ من فضائلها، ولأخواتها أيضاً من الفضائل ما قد ذكر في نصوص أخرى، لكن فضل فاطمة قد اشتهر؛ لأنها بقيت إلى وفاة النبي ﷺ ، وهي التي أبقى الله ذريتها ليكون امتداد نسب النبي ﵊ من فاطمة ﵂.
стр. 228
الحل العملي لطالب الزواج وحكم الزواج المبكر
السؤال
هناك من يطلب الدعاء بأن ييسر الله له الزواج؛ وما حكم الزواج المبكر؟
الجواب
الدعاء مبذول، ولكن نقول: على الناس جميعاً أن يسعوا في ذلك سعياً عملياً صحيحاً، وأن يكونوا بالفعل قائمين بهذا، وأما الزواج المبكر فنقول: هو خير كله، وابحث في سير الأصحاب وفي سير الأئمة والعلماء فإنك ستجد ذلك ظاهراً وواضحاً لا يحتاج إلى دليل.
стр. 229
شبهة بناء النبي ﷺ بعائشة وهي ابنة ست سنين
السؤال
بعض الناس عندهم شيء من الشبهات المعاصرة حيث يقولون: كيف نقول للناس: إن النبي ﵊ عقد على عائشة وهي ابنة ست، وبنى بها وهي ابنة تسع؟
الجواب
كيف لا يصلح أن نقوله لغير المسلمين وهم يصنعونه سفاحاً، ويصنعونه جريمة، ولا يقبلون أن يكون نكاحاً! وقد كان ذلك مشهوراً في بيئة النبي ﵊، وقد يكون مستغرباً الآن، لكنه في وقته لو كان مطعناً أو كان سبباً للذنب لما تأخر المشركون والكافرون الذين يتربصون برسول الله ﵊ الدوائر في ذمه وفي التشنيع عليه، وما نقل لنا عنهم في ذلك مقالة.
стр. 230
الجمع بين قوله تعالى: (فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ) وإخباره ﷺ ببقاء نسبه يوم القيامة
السؤال
ما معنى قوله تعالى: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ﴾ [المؤمنون:١٠١] مع إخبار النبي ﷺ أن الأنساب يوم القيامة ستنقطع إلا نسبه ﷺ ؟
الجواب
قال ﵊: (يا فاطمة بنت محمد! لا أغني عنك من الله شيئاً)، ولكنه عندما قال: (إلا نسبي)؛ فإنه يخبر عما أخبره الله به من غيب في شأن من اتصل به نسبه، وهي فاطمة ﵂، وقد بشرها النبي ﷺ وأخبرها بأنها سيدة نساء أهل الجنة، والنبي يخبر بالوحي ﵊، فليس لأحد أن يقول كيف ذلك أو لم ذلك؟ فهو ﵊ يبلغ أمر الله ووحيه.
стр. 231
حكم قول: (فاطمة صلى الله عليها وسلم)
السؤال
أحد الأعلام عندما يذكر فاطمة بنت رسول الله ﵊ أو أحد أبنائها يقول: صلى الله عليها وسلم فما حكم ذلك؟
الجواب
ما أعرف هذا، ولا يصح أن يقال هذا، فالصلاة والسلام لا يجوزان استقلالاً إلا على رسول الله ﷺ ، ويجوز لغيره بالتبع، فيقال: اللهم صل وسلم على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه ومن اتبعهم وعلينا معهم.
فلا بأس بذلك، وأما الصلاة استقلالاً فهي من خصائص النبي ﵊، وقوله: (اللهم صل على آل أبي أوفى) قالوا: هذا من خصائصه ﵊، قال شيخ الإسلام أبو زكريا الأنصاري: ويمنع منه استقلالاً لئلا يكون تشبهاً بأهل البدع.
فلا يقول: عن فلان من الصحابة أو فلانة من الصحابيات ﵊ أو ﵍ استقلالاً؛ لأنه صار شعاراً لأهل البدع، فيجتنب ذلك.
стр. 232
مجموع ما روته فاطمة ﵂ من أحاديث
السؤال
كم روت فاطمة ﵂ من حديث عن النبي ﷺ ؟
الجواب
روت ثمانية عشر حديثاً، وروى عنها ابناها، وروى عنها علي ﵁، وروت عنها عائشة ﵂، وغيرهم من الصحابة رضوان الله عليهم.
стр. 233
موقف زوجات النبي ﷺ من تقديمه فاطمة وحبه لها
السؤال
هل كان أزواج النبي ﷺ يشعرن بالغيرة حين يقدم فاطمة عليهن؟
الجواب
لما نزل قول الله في شأن أهل البيت: ﴿لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب:٣٣] دعا النبي ﷺ بمرط مرحل -أي: كساء- ثم دعا علياً وفاطمة والحسن والحسين، ثم بسط عليهم الكساء وقال: (اللهم! هؤلاء أهل بيتي، فأحب من أحبهم، وأبغض من أبغضهم).
رواه مسلم.
والمقصود به من كان معه، فقالت أم سلمة: يا رسول الله! وأنا منهم.
قال: (إنك على خير كثير) فالنبي ﵊ يعطي كل أحد حقه، ويؤنس النفوس، ويذكر الفضائل، ولا ينبغي أن يشتغل الناس بقولهم: لماذا لم يكن هذا كذلك؟ فهل نحن الذين نعرف أمر رسول الله ﵊ الذي كان يبلغ الوحي وما ينطق عن الهوى ﵊؟! والنبي ﷺ ما كان يقول من ذلك شيئاً لميل نفس أو لهوى في نفسه ﵊، بل هو المعصوم ﷺ من كل ذلك، وهو يبلغ عن الله ، ولذلك ينبغي لنا أن نبقى مع النصوص، فإنه لا عصمة إلا بما هو من كتاب الله وسنة رسول الله ﵊، وما أشكل من ذلك فمن كان يعرف الحقائق والقواعد الكلية قاده ذلك إلى بصيرة تجعله مصيباً للحق غير مجانب له أو ذاهب إلى إفراط أو إلى تفريط، فإن كلا طرفي قصد الأمور ذميم، وخير الأمور أوسطها، ولو كان مثل هذا مما يجتنب لما أورده البخاري في صحيحه، ولما أورده مسلم في صحيحه، ولو كان الحال كما يقول أولئك القوم: إن أهل السنة لا يحبون آل البيت فلم ذكر أهل السنة مثل هذه النصوص؟ ولم ذكروا هذه الفضائل؟ ولم ذكروا هذه القصص التي فيها بعض ما قد يكون شبهة؟ إنما نقلوا وأثبتوا وبينوا ما كان عليه أولئك النفر الأخيار الأبرار الأطهار من أصحاب رسول الله ﵊ الذين نبرئهم مما نبرئ منه أنفسنا، فهم من باب أولى في ذلك الأمر.
стр. 234
موقف فتيان الصحابة من تقديمه ﷺ للحسن والحسين وحبه لهما
السؤال
هل كان الفتيان يشعرون بالغيرة عندما كان ﷺ يقدم الحسن والحسين؟
الجواب
إن أوضاعنا وأحوالنا وخلل نفوسنا وطبيعة حياتنا أصبحت تسيطر علينا، وننظر إلى رسول الله ﵊ وكأنه لا يدرك أنه نبي الأمة كلها، وكأنه لا يفيض على أمته كلها مما عنده من الخير.
لكنه جد الحسن والحسين، وليس جد ذلك ولا ذاك، ألم يكن الناس غير النبي ﵊ يحبون أحفادهم حباً أكثر من غيرهم من أبناء الناس؟ أفليس الرسول ﷺ بشراً في هذا؟ ثم عندما يخبر بهذا فهو معصوم يخبر عن وحي الله .
وإنما ما كان من حياتنا أو ما هو من طبيعة أحوالنا وتغيراتها قد يجعلنا نضطرب في مثل هذا الأمر، ونسأل مثل هذه الأسئلة! نسأل الله أن يوفقنا لما يحب ونرضى.
ونسأل الله أن ينفعنا بما نسمع، وأن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأن يجعل القول حجة لنا لا علينا، وأن يملأ قلوبنا بالإيمان، وأن يجعلنا مقتفين لآثار الرسول ﷺ مستمسكين بسنته متبعين لآثار أصحابه رضوان الله عليهم.
ونسأله أن يحسن ختامنا وعاقبتنا في الأمور كلها، وأن يجيرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصل اللهم وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 235
قضية فلسطين بعد العراق
منذ عقود والمسلمون يبكون ليلهم ونهارهم، ولم يستطيعوا الخروج بنتيجة ولو يسيرة في قضية فلسطين، فأروقة السياسة ودهاليز المباحثات ميعت القضية وضيعت المصطلحات، وما زالت كذلك مع الأيام في ازدياد، ولا ندري إلى أي مدى ستصل، وها هي قضية العراق تفتح أبوابها لتكون قضية أخرى كسابقتها كل هذا من أجل ضمان أمن دولة المسخ المصطنعة على أرض الإسلام، دولة إسرائيل المزعومة.
стр. 236
قضية فلسطين في عقيدة الأمة الإسلامية
الحمد لله، الحمد لله رب الأرباب، ومسبب الأسباب، ومنزل الكتاب، ومجري السحاب، وهازم الأحزاب، له الحمد ؛ خلق فسوى وقدر فهدى، وجعل العاقبة للمتقين ولو بعد حين، وجعل الدائرة على الكافرين؛ له الحمد كما يحب ويرضى، حمداً نلقى به أجراً، ويمحو الله به عنا وزراً، ويجعله لنا عنده ذخراً.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت، وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن نبينا وقائدنا وقدوتنا وسيدنا محمداً عبد الله ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله؛ أرسله إلى الناس كافة أجمعين، وبعثه رحمة للعالمين، فهدى به من الضلالة، وأرشد به من الغواية، وكثر به من بعد قلة، وأعز به من بعد ذلة، وأشهد أنه ﵊ قد بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك؛ فجزاه الله خير ما جازى نبياً عن أمته، ووفقنا وإياكم لاتباع سنته، وحشرنا يوم القيامة في زمرته، وجعلنا من أهل شفاعته.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: أيها الإخوة المؤمنون! الجراح كثيرة، ولكننا نعلم أن بعضاً أخطر من بعض، وجرح القدم ليس مثل جرح في البطن، وليس هذا مثل جرح في الرأس، ولا يمكن أن تقاس هذه الجراحات كلها بجرح في القلب يوشك أن يكون سبباً للوفاة، قال ابن القيم ﵀: (الذنوب جراحات، ورب جرح وقع في مقتل)، نشرق ونغرب، نتحدث عن جرح نازف هنا أو هناك، نتحدث عن مأساة في العراق أو عن مشكلة وقضية في الشيشان، ونذهب يمنة ويسرة لكن قضية القلب، قضية الأثافي، ومحور الصراع، وقطب الرحى، وملتقى المعارضة والمواجهة الدينية العقدية، والصراعات الحضارية الثقافية لابد لنا دائماً وأبداً أن نعيد القول فيها ونزيد، ولابد أن ندرك عظمة أهميتها.
والقضية الأكثر خطراً، والأعظم أهمية: قضية فلسطين وبيت المقدس ومسرى النبي ﷺ ، والمسجد الأقصى الذي فتحه الصحابة ورووه بدمائهم في سبيل الله، هذه القضية الفلسطينية التي ما يجري شيء في واقعنا المعاصر إلا وله صلة بها، وهي أساس فيه؛ حتى مأساتنا القريبة التي تحدثنا عنها وزدنا القول فيها إنما هي حدث ضخم كبير طريقه وجسره إلى قلب الأمة في أرض فلسطين.
ولعل كل عاقل يدرك بجلاء ووضوح ما هو جلي رأي العين، ودويه ملء الآذان فيما يجري الآن؛ فقضية فلسطين مرتبطة دون فاصل زمني ودون تباعد سياسي، ودون مغالطات أو مداورات بين ذلك الحدث العظيم وما يدبر ويضغط على تحقيقه في أرض فلسطين، ودعك من هذه الأسماء التي تدور هنا وهناك، ولسنا في مقام هذا المنبر نتحدث عن الأحداث كنشرة إخبارية ولا عن الوقائع كتحليلات سياسية؛ فمنطقنا عقيدة إيمانية، وحديثنا آيات قرآنية، وأخبارنا أحاديث نبوية، وتقريرنا وقائع تاريخية، وشواهدنا حقائق واقعية.
ينبغي أن ندرك تلك الحقائق أولاً، وأن نعيها، وقد قلناها من قبل ولكنه لابد من إعادتها وتكرارها، لأننا لا ينبغي أن ننصرف إلى بنيات الطريق، ولا ينبغي أن ننشغل بالجراح الجانبية مهما عظمت وننسى الجرح الأكبر؛ إنه ليس من العقل أن نفرغ جهودنا لعلاج الأقدام وجروحها، أو البطون وشقوقها أو غير ذلك وننسى علاج القلب الذي إن وقف نبضه فلن يجدي شيء بعد ذلك.
قضيتنا الأولى قضية إيمان وعقيدة، إنها ليست قضية أرض وطين ومفاوضات سياسية، ولا قضية دول وسلطة ذاتية وغير ذاتية؛ إنها قضية آيات قرآنية؛ قبلة المسلمين الأولى التي توجه إليها النبي ﷺ والصحب الكرام نحو ستة عشر أو سبعة عشر شهراً، ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ [البقرة:١٤٣]، فخاض في ذلك اليهود -عليهم لعائن الله- منذ عهد النبي ﷺ فقالوا: إما أن قبلتك الأولى صحيحة فانصرفت إلى باطل، وإما أنها ليست صحيحة فكنت على ضلال، فأنزل الله ما يرد مقالتهم، ويبطل إرجافهم، وثبت أهل الإيمان على أمره .
ومن بعد ذلك كانت تلك البلاد مسرى النبي ﷺ ، وأسري به من البيت الحرام إلى المسجد الأقصى ليصلي بالأنبياء إماماً، ثم يكون عروجه إلى السماء منها ﵊، ليدل ذلك على وراثة الإسلام لكل الرسالة والأديان، وعلى إمامة المصطفى ﷺ لسائر الرسل والأنبياء عليهم صلوات الله وسلامه، وليظهر أن الإسلام هو الدين الأحق بأرض النبوات، وتاريخ العقائد والديانات الربانية الإلهية بعد أن تنكر لها وجحد رسلها، وحرف كتبها اليهود -عليهم لعائن الله- وضل في الضلال من كان كذلك من النصارى.
ثم من بعد ذلك الفضيلة الثابتة الدائمة التي لم ترتبط بتاريخ ولا بوقت بعينه: (لا تشد الرحال إلا لثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجد النبي ﷺ ، والمسجد الأقصى)، إنها استثناءات قالها سيد الخلق ﵊، إنه تعبد شرعه رسول الهدى ﷺ ، إنه دين لا يملك أحد تغييره ولا تبديله، وفي حديث أبي ذر في الصحيح: (أن النبي ﷺ سئل عن أول بيت بني لله ؟ فقال: البيت الحرام، قيل: ثم أي؟ قال: بيت المقدس)، فنحن عندما ننظر إلى هذه الأصول، نعرف أن هذه هي الأرض التي باركها الله ، وجاءت الآيات تترا في كتاب الله تبين ذلك: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا﴾ [الإسراء:١]، وهي الأرض المباركة التي يبقى ويظل لها صلتها وارتباطها بالإسلام إلى آخر الزمان وإلى قرب قيام الساعة، كما أخبر النبي ﷺ فيما رواه عبد الله بن الإمام أحمد في زوائد مسند أبيه، والطبراني بسند رجاله ثقات عن رسول الله ﷺ قال: (لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لعدوهم قاهرين، لا يضرهم من جابههم إلا ما أصابهم من لأوى -أي: من أذىً وضر في تلك المواجهات- قالوا: أين هم يا رسول الله؟ قال: ببيت المقدس، وأكناف بيت المقدس).
وأخبر النبي ﷺ بذلك في أحاديث شتى، وأخبر أن: (عمود الكتاب رفع، قيل: أين ذهب به يا رسول الله؟ قال: إلى بلاد الشام).
مرة أخرى أيها الإخوة! تلك آيات تتلى، وأحاديث تروى هل تنسخها السياسية القذرة؟ هل تنسخها المفاوضات الدنيئة؟ هل ينسخها الرجال الأقزام؟ إن رضينا بذلك فإننا نرضى لأن ننسخ جزءاً من إيماننا وعقيدتنا، وأن نلغي حقائق مذخورة مكتوبة محفورة في كتاب ربنا وسيرة نبينا ﷺ ؛ فلننتبه لذلك ولننظر اليوم إلى صفحات التاريخ المشرقة ونحن نعرفها، لكننا نريد أن نقول: إن هذا القرآن والسنة كانت ملء قلوب أسلافنا؛ فعرفوا كيف يتوجهون على مراد الله، وعلى منهج الإسلام، وعلى درب الجهاد، وعلى طريق العزة، وعلى إقامة الحق ورفع رايته.
يوم فتحها عمر ﵁ فتحاً عظيماً ليس في التاريخ له مثيل، فتح قوة الإيمان أمام أباطيل الكفر وانحرافاته، فتح قوة الحق أمام أراجيف الباطل وظلماته، فتح قوة الحضارة أمام الهمجية، وفتح نور الإسلام أمام تلك الظلمات العظيمة، فتح العدالة التي ألغت الظلم، فتح السلم الذي عم بخيره الناس جميعاً، وكانت معاهدة عمر التي أثبتت سماحة الإسلام، وأظهرت ترجمته العملية في واقع الأمة الإسلامية، وكانت تلك الصورة الحضارية العظيمة لأمة الإسلام يوم كانت على هدي رسول الله ﷺ .
ومن بعد ذلك جاء تحرير صلاح الدين بعد عقود وقرون متتالية فجدد ذلك العهد الأول، وأثبت أن منهج الإسلام لا يتغير، وأن الحقائق فيه لا تتبدل، وأن أراجيف اليوم إنما هي كذب وافتراء روجته وسائل الإعلام الصهيونية، ورددته -وللأسف- وراءها وسائل الإعلام العربية والإسلامية، وراجت تلك الفتن والأباطيل، وأصبحت اليوم من المسلمات، حتى نظرنا اليوم فإذا بنا نرى العقد ينفرط حبة حبة، ويوشك -إلا من ﵀ ألا يبقى فيه حبة.
منذ سنة ٤٨ ضيعوا وضيعت الأمة شطراً من القدس، ولحقها الباقي في ٦٧، وتوالى من بعد ذلك ما يراد له أن يضيع في دهاليز السياسية والمفاوضات عبر تلك الألاعيب والأحاييل التي تضيع حق الإسلام والمسلمين في أرضهم وديارهم، بل في عقيدتهم ودينهم.
стр. 237
مفارقات بين ساسة الإسلام وساسة اليهود
نرى المفارقة العجيبة بين الذين يتصدرون لهذه القضية باسم العروبة والإسلام، وبين اليهود -عليهم لعائن الله-، إنهم في كل حركة وسكنة، وفي كل تصريح وكلمة، وفي كل جولة ومفاوضة يعلنون حقائقهم الدينية، ويعلنون واقعهم المفروض، ولا يفرطون بشيء، والآخرون يتراجعون خطوة بعد خطوة بعد خطوة، حتى لم يعد لهم شيء إلا الهاوية التي في حقيقة الأمر قد وقعوا فيها وتدنسوا بوحلها شاءوا أم أبوا، انظروا إلى الفروق العجيبة بين تلك التراجعات والتنازلات وبين ما كان يصر عليه اليهود ليس عندما قامت دولتهم الغاصبة بل قبل ذلك.
زعيم الصهيونية هرتزل في عام ١٩٠٢ تقدم بطلب للسلطان عبد الحميد العثماني ﵀ آخر الرجال والحكام الشرفاء الأطهار الذين وقفوا بقامة الإسلام وعزة الإيمان، وثبتوا على مواجهة مطامع اليهود وتدنيسهم، تقدم اليهودي الصهيوني الأكبر طالباً إنشاء جامعة في القدس، وقال في طلبه: إنها ستنشر العلم بين أبناء بلاد الشام بدلاً من أن يسافروا إلى بلاد أخرى، ويتعرضوا لتأثيرات الثورات والأفكار وغير ذلك، فأبى الخليفة المسلم المؤمن الغيور.
وما إن جاء الانتداب البريطاني وقبل أن يستتم، وقبل أن يبدأ في حقيقة الأمر، وقبل أن تنتهي الحرب العالمية الثانية جاءت هذه الجامعة عام ١٩١٨ وأسسها اليهود، وافتتحها وأصر على حضورها بلفور؛ صاحب الوعد المشهور؛ الذي أعطى فيه ما لا يملك لمن لا يستحق، وجاء ليقول في ذلك الزمان قبل أن تقوم الدولة الغاصبة بعقود من الزمان: (إنه يأمل أن تصبح هذه الجامعة مركز إشعاع سياسي وقومي للحركة الصهيونية في جميع منطقة الشرق الأوسط من سيناء إلى سوريا إلى شرق بغداد إلى مدى أوسع من ذلك)، قاله ذلك الصهيوني اليهودي قبل أن نسمع ونعي ما يدور اليوم من هذه الأحداث، وتشابك الأرض والبقاع، وما وراء ذلك عظيم! ثم انظروا إلى سياسة اليهود التي قبلها: الضعفاء أو الأذلاء، أو الخونة يوم جعلوا قضية القدس في كل جولة من الجولات تؤجل وتؤجل دون أن يطالبوا بتأجيل أي تغيير في واقعها، حتى أصبحت اليوم وقد امتلأت بالمستوطنات اليهودية، وقد منعوا وخربوا كل أملاك المسلمين والعرب، وأغلقوا أكثر المؤسسات، حتى صارت أو أرادوا ويريدون أن تصير يهودية صرفة ليس فيها للعرب والمسلمين إلا نسبة قليلة، ويكون الحل في آخر الأمر هو الاستفتاء على انضمامها لتلك الدولة أو تلك الدويلة، وينتهي الأمر إلى أن تكون نصوص القرآن والسنة وتاريخ الأمة ومصيرها مرتبط بألسنة اليهود ليقولوا: نعم أو لا، وذلك مسلسل واضح معروف.
وللأسف الشديد نرى أن أعداءنا يبذلون له، لا ينسونه أبداً، منذ أول رئيس لدولة الكيان الصهيوني الغاصب، وهو يقول: (إن قضية القدس قضية إرادة عسكرية)، ويوم جاء المندوب السامي أو مندوب المفاوضات في ذلك الوقت ليعرض خطوة من خطوات السلام -التي لم نكن نسمع عنها إذاك- وقال: ينبغي أن يكون للعرب في القدس نصيب، فجاءه الجواب من وزير الخارجية: إن حكومة إسرائيل -اللعينة- شعرت بالامتهان البالغ بسبب اقتراحكم الخاص بمستقبل القدس، ذلك الاقتراح الذي نرى فيه شراً مستطيراً، ففكرة تسليم القدس للعرب يمكن أن تساعد على تسوية سلمية لا تزول بالخاطر إلا إذا تجاهل المرء تاريخ المشكلة وحقائقها، وهي الروابط التي تربط اليهود بالمدينة المقدسة، والدور الفريد الذي قامت به القدس في ماضي اليهود وحاضرهم، وهم يعلنونها عاصمة أبدية لدولتهم لا تقبل المفاوضات، وفي كل انتخابات لابد أن يعلن من يتصدر فيها مثل هذا الإعلان، ومع ذلك ما زالوا يقولون هذه الأسماء المختلفة.
стр. 238
وقفة مع أبناء المقاومة
إن الجهاد الذي يجري ماض في طريقه لن يوقفه أو يؤثر فيه دهاقنة السياسة مهما أوتوا من الذكاء، ولا أرباب الفنادق والمؤتمرات، إنما الذي أربك خطط الأعداء، وأقض مضاجعهم، وجعلهم يحركون الآلة العسكرية الضخمة في هذه الحروب الهائلة ليصلوا إلى تركيع الجميع، وليفرضوا على الجميع قضية واحدة هي همهم الأكبر اليوم كيف توقف المقاومة الجهادية المسلحة في وجه اليهود عليهم لعائن الله؟ كيف يسخر الجميع لهذا الغرض؟ كيف توظف جميع القوى والتجمعات والمجتمعان والدول والمؤسسات لتحقيق هذا الهدف؟ كيف يركع الجميع ليؤمن الرمز الوحيد والعمل الوحيد الذي صارت وأصبحت تخشاه قوى الصهيونية ومن يحالفها من الصليبيين؟ إنه وقد ثبت هذا بالواقع المعاش في الحدث القريب في العراق -وفيما قبله- لم تعد هناك خشية من دول ولا من جيوش، ولا من مقاومة اقتصادية، ولا مواجهة إعلامية، ولا مجابهة حضارية، ولكن العملة الصعبة، والرقم الذي خرج عن المعادلة، والصوت الذي شذ ونشز عن هذه الفرقة كلها هو: صوت المقاومة الإسلامية الجهادية الباسلة، فهل نسيناها؟ وهل نظن أن طي صفحتها سيحقق ما يزعمونه من السلام؟ وهل يكون فيه أثر ونفع وفائدة لأمة الإسلام أو للعرب أو للشرق الأوسط كما هو المسمى الجديد؟ يريدون الدولة اليهودية أن تدخل في هذا النسيج بلا تمييز في الدين، ولتدخل في هذا النسيج الشرق أوسطي بلا تمييز في اللغة، ولتدخل في هذا النسيج بلا أي صلة بالتاريخ، وذلك أمره خطير! وهنا لابد أن نذكر أمرين مهمين لكي يكون الوعي بهذه الأمور عظيماً وكاملاً: أولهما: وقف المقاومة: إن وقف المقاومة كما قال أبناؤها وأبطالها: أمر مستحيل بالنسبة لهم، إنه أمر موتهم أو حياتهم، إنه أمر وجودهم أو عدمهم، إنهم قد قرءوا القرآن وعرفوا حقائقه، وقرءوا التاريخ وعرفوا سننه وقضاياه، ثم عرفوا واقع اليهود اليوم الذين كذبوا كما كذب أسلافهم، وغدروا كما غدر أسلافهم، وما زالوا يمارسون أبشع أنواع الجرائم على سمع الزمان والدول والمجتمع كله دون أن يتحرك ساكن، ودون أن يجف حبر ما يقال من هذه القرارات الدولية التي تطبق -كما هو معروف- بمكيالين، بل أقول بمكيال واحد؛ لأنه لا مكيال آخر غيره.
القضية الثانية الخطيرة هي: قضية التطبيع؛ التطبيع الذي هو رفيق السلام، أو عربونه، أو شرطه الأول؛ إنه الاختراق الثقافي العقدي الديني، إنه كما وقع فيما سبق مما لم يكن مخفياً، ومما لم يكن بعيداً في زماننا هذا، قد وقع وأزيلت الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، وغيرت الخرائط الجغرافية؛ لتكون المناهج وفق النظرة الصهيوينة الصليبية الاستعمارية، وذلك قد وقع فيمن وقع وطبع، فهل يراد لذلك أن يعم؟ تلك هي النظرة الخطيرة التي ينبغي الالتفات إليها.
وأمر آخر وهو: التدمير الاقتصادي والهيمنة المالية التي يتقنها اليهود، والتي قد فعلوا بموجب تلك القرارات والاتفاقيات ما هو ظاهر للعيان مما يدل على عظمة خطورته.
أضف إلى ذلك ما وراء ذلك من الاختراقات الأمنية، ومعرفة ما في داخل المجتمعات العربية والإسلامية؛ لئلا يكون هناك من بعد أي قدرة على أي عمل أو فعل، وهي تلك الأهداف التي يرمي إليها ذلك التطبيع.
وأخيراً: التوطين لأبناء الأرض الذين شردوا ليستقروا في تلك البلاد التي هم فيها، أو ليهجروا إلى بلد واسع شاسع فيه ثروة نفطية، وفيه اليوم هيمنة استعمارية لتلف القضية، ولأن يكثر الصراخ وتصدع الرءوس بهؤلاء فليأكلوا وليشربوا، ولتنفق الدول عليهم، وليس هذا اليوم أيضاً؛ بل منذ أكثر من نحو عقد من الزمان عقد مؤتمر لشباب الشرق الأوسط -كما هو إعلانه- يجتمع فيه شباب من أرض فلسطين وغير فلسطين من بلاد العرب مع غيرهم من اليهود، مع بعض المجتمعات من بلاد الغرب؛ ليعطوا توصية للشباب وآمالهم وطموحاتهم المستقبلية، إنه على المجتمع الدولي أن يقوم بمهماته ومسئولياته الإنسانية تجاه هؤلاء المشردين في الأرض، وينبغي أن يخيروا في الاستيطان، وأن ينقلوا من تلك المخيمات غير الإنسانية لتوفر لهم أسباب الحياة المادية، ولتطوى الصفحة بعيداً عن الأرض التي انتزعها اليهود غصباً بالقوة العسكرية، وحيلة بالشراء والممارسات الاقتصادية، وهذه القضية اليوم هي قضية المسلمين الأولى كما كانت من قبل، فلعلنا نعي وننتبه إلى ذلك.
نسأل الله أن يبصرنا بحقائق ديننا، وأن يعرفنا بالمخاطر التي تحدق بأمتنا، ونسأله جل وعلا أن يصرف عنا وعن أهل الإسلام في كل مكان الشر والضر؛ إنه ولي ذلك والقادر عليه.
أقول هذا القول وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب؛ فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 239
دور المسلمين في قضية فلسطين
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين؛ نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين.
أما بعد: أيها الإخوة المؤمنين! أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله؛ فإن تقوى الله أعظم زاد يقدم به العبد على مولاه، فاتقوا الله في السر والعلن، واحرصوا على أداء الفرائض والسنن، ولعل قائلاً -أيها الأحبة- يقول: ولم مثل هذا الحديث مرة أخرى؟ أقول: أولاً: حتى لا ننسى الحقائق والثوابت الإيمانية والعقدية الإسلامية.
ثانياً: حتى لا ننشغل ببنيات الطريق وحدها، وحتى لا ننصرف كل مرة إلى جهة يوجهنا إليها الأعداء بجرح نازف جديد، ولا نقيم على الجرح الأكبر في مقامنا ومرابطتنا.
ثالثاً: أن قضية اليوم وحادث الساعة وحديث الوقت لم يعد العراق على الحقيقة، وإنما هو هذه القضية، وما يحاك لها، وما يضغط به على جميع الدول والمجتمعات والشعوب، وتأتلف عليه الدول كلها، وتجتمع عليه الاتحادات والمؤسسات الدولية التي ليس فيها -وللأسف الشديد- للعرب ولا للمسلمين ذكر ولا دور، وكأن تلك البلاد ليست بلادهم، والقضية ليست قضيتهم، والشعب والأمة ليس لهم به صلة ولا سبب ولا نسب، فهل رأيتم في تلك اللجان دولة عربية أو إسلامية؟ إنها من الشرق والغرب واليهود، وممن يصنعون ما يشاءون ويدبرون، وعلى الآخرين أن ينفذوا! رابعاً -وهو المهم-: ما هو دورنا وواجبنا؟ وكثيراً ما نؤكد على هذا، وكثيراً ما قد زدت وعدت في أمر مهم وهو دور الحكام والأمراء، ودور الدعاة والعلماء، دورهم عظيم، وواجبهم مهم، وعليهم ما عليهم، وفي تقصيرهم ما فيه، لكنني أقول: ما دوري ودورك؟ وهل سيعفو الله عنا أو لا يسألنا إذا فرط أولئك أو قصر هؤلاء؟ إننا مسئولون كل بحسبه، وأول هذه الواجبات: الوعي الصحيح، والإدراك التام، والمعرفة الحقة لهذه القضايا.
الثاني: التوعية بها ونشرها وجعلها حديث المجالس والالتفات إلى ذلك دائماً وأبداً.
الثالث والمهم: المقاومة السلبية، وأعني بها أن نكون صخوراً صلبة عصية على كل هذه المؤامرات، وألا نكون متقبلين لها، أو راضين بها، أو مروجين لها أو مسهمين في تحقيقها، ولو بغض الطرف، ولو بالإشاحة عنها، أو البعد عنها؛ إن الأمة الإسلامية اليوم في حالة عظيمة من حالات الوعي بخطورة أعدائها واستهدافهم لدينها، ولقوتها الاقتصادية، ومقوماتها الحضارية، بل ولوجودها كله، وقضية العراق كانت نموذجاً لفت الأنظار إلى ذلك، وكثر الحديث فيه على جميع المستويات السياسة والإعلامية والشعبية، ثم كاد أو عاد الحديث مرة أخرى ليخفت ونرجع إلى الانشغال بالطب والجراح والمساعدات على أهميتها.
ثم أيضاً هذه المقاومة السلبية تعني ألا نكون سبباً في تقوية أعدائنا بأي وجه من الوجوه ألا نكون سبباً في تقويتهم اقتصادياً أو سياسياً أو إعلامياً، ونستطيع أن نفعل في ذلك الكثير، وبأيدينا أن نقاطع ونمانع، وأن نوجه ونوعي ونكشف ونفضح هذه الأمور بكل ما نؤتى من أسلوب وقدرة وحكمة حتى نشعر بذلك الانتماء.
الأمر الرابع والأخير: المقاومة الإيجابية، ونعني بها العمل، والعمل تتنوع أساليبه بدءً من الدعاء والتعاون والتعاطف مع إخواننا في أرض فلسطين، ومروراً بدعمهم الاقتصادي والمالي لتثبيتهم، وإعانتهم على الثبات في وجوه أعدائهم؛ يكفي أيها الإخوة أن أشير إشارة واحدة إلى أن المقيمين في القدس لا يسمح لهم بأن يرمموا بيوتهم، ولا أن يصلحوها، ولا أن يغيروا فيها شيئاً، ومن أراد أن يبيع بيته يعطى أضعافاً مضاعفة من المال، ومن أراد أن يخرج يساعد على ذلك؛ فإن الأوضاع الاقتصادية التي تحيط بهم عصيبة جداً؛ فكيف لا نثبت هؤلاء مجرد تثبيت ليبقوا في أماكنهم، وأن يأكلوا ويشربوا ويعيشوا هناك في تلك المواقع ليكونوا على أقل تقدير شوكة في حلوق اليهود -عليهم لعائن الله- وهذا من أقل القليل؛ فضلاً عما يمكن أن يكون وراء ذلك، والحديث ذو شجون وذو حزن أليم، ولكنه من قدر الله الذي يوقظنا وينبهنا؛ لأن قضية القدس وفلسطين والمسجد الأقصى فيها خير كثير، وما ازدياد التآمر -بإذن الله- إلا مزيداً من اليقظة والوعي في الأمة، إنها قضية توحد الأمة وتمنع فرقتها، إنها تجمع قواها في اتجاه صحيح تجاه أعدائها بدلاً من أن توجه القوى فيما بينها، وإنها وراء ذلك تحيي من معاني الإيمان والإسلام والوحدة الإيمانية والإسلامية ما هو كفيل بأن يكون فيه خير كثير.
نسأل الله أن يصرف عنا السوء والبلاء، ونسأله أن يرد كيد الأعداء؛ نسألك اللهم أن تجعل إيماننا في قلوبنا عظيماً، ويقيننا في نفوسنا راسخاً، اللهم اجعلنا أوثق بما عندك من كل شيء في أيدينا، اللهم اجعلنا أغنى الأغنياء بك وأفقر الفقراء إليك، ولا تجعل اللهم لنا إلى سواك حاجة، اللهم لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا، اللهم وفقنا للاستمساك بكتابك ولاتباع سنة نبيك ﷺ ، اللهم اجعلنا بكتابك مستمسكين، ولهدي نبيك متبعين، ولآثار الصحابة والسلف الصالح مقتفين، وللجهاد في سبيلك عاملين، وللبذل في نصرة دينك باذلين يا رب العالمين! اللهم استخدم جوارحنا في طاعتك، وسخرنا لنصرة دينك، واجعلنا ستاراً لقدرك في نصر الإسلام والمسلمين، اللهم اجعلنا عباداً لك مخلصين، وجنداً في سبيلك مجاهدين، برحمتك يا أرحم الراحمين! اللهم واجعلنا من ورثة جنة النعيم يا أرحم الراحمين! اللهم إنا نسألك أن تبرم لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر يا سميع الدعاء! اللهم مكن في الأمة لأهل الخير والرشاد، واقمع أهل الزيغ والفساد، وارفع في الأمة علم الجهاد، وانشر رحمتك على العباد برحمتك يا أرحم الراحمين! اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وارفع بفضلك كلمة الحق والدين، اللهم من أرادنا أو أراد الإسلام والمسلمين بخير فوفقه لكل خير، ومن أرادنا أو أراد الإسلام والمسلمين بسوء فاجعل دائرة السوء عليه، واجعل تدبيره تدميراً عليه يا سميع الدعاء! اللهم عليك بسائر أعداء الدين فإنهم لا يعجزونك، اللهم عليك باليهود ومن حالفهم يا رب العالمين، اللهم عليك بهم أجمعين، اللهم زلزل الأرض تحت أقدامهم، واقذف الرعب في قلوبهم، واجعل الخلف في صفوفهم، وخذهم أخذ عزيز مقتدر يا رب العالمين.
اللهم إنا ندرأ بك في نحورهم، ونعوذ بك اللهم من شرورهم، يا قوي يا عزيز يا متين، أنزل اللهم بهم بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين.
اللهم إنا نسألك لطفك ورحمتك بعبادك المؤمنين المضطهدين والمعذبين والمشردين والمبعدين والأسرى والمسجونين والجرحى والمرضى في كل مكان يا رب العالمين! اللهم امسح عبرتهم، وسكن لوعتهم، وفرج همهم، وقرب نصرهم، وادحر عدوهم، وزد إيمانهم، وعظم يقينهم، واجعل ما قضيت عليهم زيادة لهم في الإيمان واليقين، ولا تجعله فتنة لهم في الدين برحمتك يا أرحم الراحمين! اللهم انصر إخواننا المجاهدين في أرض فلسطين وفي الشيشان وفي كل مكان يا رب العالمين، اللهم ثبت خطوتهم، ووحد كلمتهم، وسدد رميتهم، وأعل رايتهم، وانصرهم على عدوك وعدوهم يا رب العالمين! اللهم إنا نسألك أن تجعلنا من عبادك الصالحين، وأن تجعلنا لنصرة الإسلام والمسلمين من العاملين، وأن تحسن ختامنا وعاقبتنا في الأمور كلها، وأن تجيرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة يا رب العالمين! اللهم اجعل هذا البلد آمنا مطمئناً رخاء وسائر بلاد المسلمين، وأصلح اللهم أمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين! اللهم وفق ولي أمرنا لهداك، واجعل عمله في رضاك، وارزقه بطانة صالحة تدله على الخير، وتحثه عليه يا سميع الدعاء! عباد الله! صلوا وسلموا على رسول الله استجابة لأمر الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٥٦]، وترضوا على الصحابة الكرام، وخصوا بالذكر ذو القدر العلي، والمقام الجلي؛ أبا بكر وعمر وعثمان وعلياً، وعلى سائر الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
وأقم الصلاة ﴿وَأَقِمْ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ [العنكبوت:٤٥].
стр. 240
معالم العصمة عند وقوع الفتنة
لقد ظهر ما أخبر به النبي ﷺ من وقوع الفتن العظام التي محصت الناس فتبين المؤمن فيها من المنافق، والصالح من الطالح، والسعيد من الشقي، فتمايز الناس بأعمالهم وأوصافهم التي ذكرها حبيبنا ﷺ ، وهناك مخارج ومعالم من أخذ بها اعتصم من الفتن، ونجا من مقت الله ، وغضبه وعقابه.
стр. 241
كثرة الفتن وظهور علامات الساعة
الحمد لله ﷻ ، وعز جاهه، وتقدست أسماؤه، وعظم عطاؤه، وعم نواله، له الأسماء الحسنى، والصفات العلى، سبحانه لا نحصي ثناءً عليه، هو كما أثنى على نفسه، فله الحمد في الأولى والآخرة، وله الحمد على كل حال وفي كل آن، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن نبينا وقائدنا وقدوتنا وسيدنا محمداً عبد الله ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، أرسله إلى الناس كافةً أجمعين، وبعثه رحمةً للعالمين، وختم به الأنبياء والمرسلين، وجعله سيد الأولين والآخرين، وهدانا به من بعد الضلالة، وأرشدنا من بعد الغواية، وأعزنا من بعد الذلة، وكثرنا من بعد القلة، وأشهد أنه ﵊ قد بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، فجزاه الله خير ما جازى نبياً عن أمته، ووفقنا لاتباع سنته، وحشرنا يوم القيامة في زمرته، وجعلنا من أهل شفاعته، وصلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن (معالم العصمة عند وقوع الفتنة) أمر مهم، وموضوع خطير نحن في أمس الحاجة إليه مع تعاظم البلية وتفاقم الرزية، وكثرة الاختلاف والتنابذ والتنابز بالألقاب، والتباعد والتجافي في الآراء، والافتراق والانقطاع في الصفوف، وغير ذلك مما نمر به ونشهده، نسأل الله العصمة من الفتنة، وإنه جل وعلا قد قدر الفتنة والابتلاء، والفتنة ابتلاء وامتحان واختبار، ثم صارت تطلق على كل مكروه أو كل ما يئول إليه الأمر من المكروه والسوء والشر والفساد، نسأل الله السلامة، وقد اقتضت سنة الله وقوع الفتن وجريان المحن تمحيصاً للإيمان، وتمييزاً للصفوف، وابتلاء يصدق به الصادقون، ويظهر به الكاذبون، ويفتن به وينصرف عن الحق المنافقون، وقد قال : ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت:٢ - ٣].
قال ابن كثير في تفسيره: هذا استفهام استنكار.
أي: هذا السؤال على صيغة الإنكار، ومعناه أن الله يبتلي عباده المؤمنين بحسب ما عندهم من الإيمان، وقال السعدي ﵀: سنته تعالى وعادته في الأولين وفي هذه الأمة أن يبتليهم بالسراء والضراء، والعسر واليسر، والمنشط والمكره، والغنى والفقر، وأن يسلط الأعداء عليهم في بعض الأحيان، ومجاهدة الأعداء بالقول والعمل ونحو ذلك من الفتن التي ترجع كلها إلى فتنة الشبهات المعارضة للعقيدة وفتنة الشهوات المعارضة للإرادة، فمن صدق وثبت فأولئك هم المؤمنون.
ثم بين عاقبة هذا الابتلاء، فقال ﵀: فمن كان عند ورود الشبهات تؤثر في قلبه شكاً وريباً، وعند اعتراض الشهوات تصرفه إلى المعاصي أو تصدفه عن الواجبات دل ذلك على عدم صحة إيمانه وصدقه.
وكم نرى مَنْ تحير شكاً في الثابت المقطوع به من دين الله، بل من غير وبدل وصار مخالفاً مخالفةً واضحةً تامةً للمقتضى الظاهر البين مما جاء في آيات الله وثبت في سنة رسول الله ﷺ .
إنه ينبغي أن يعلم أن الإيمان ليس كلمةً تقال، وإنما هو حقيقة ذات تكاليف، وأمانة ذات أعباء، وجهاد يحتاج إلى صبر، وجهد يحتاج إلى احتمال، والفتنة هي الدالة على أصل الإيمان، وهي سنة الله جل وعلا الجارية، ونحن لا نشك أبداً في أننا في زمن فتنة وأحداث عظيمة وجليلة، لكننا عندما ننظر بنور الله، وعندما نستهدي بهدي رسول الله ﷺ تنكشف لنا حقائق الأمور، وتبدد ظلمات الشبهات، ونعزف بإذن الله عن إغراء الشهوات، ولعلنا نصف واقعنا المعاصر وحالتنا الراهنة التي يتكالب فيها الأعداء وتفترق فيها الآراء ليس بوصف من عندنا، ولا بقول من زماننا، وإنما بما ذكره المصطفى ﷺ ، ففيما صح عند الشيخين من حديث أبي هريرة عن رسول الله ﷺ فيما وصف به أواخر الزمان قال ﵊: (يتقارب الزمان، ويقبض العلم، وتظهر الفتن، ويلقى الشح، ويكثر الهرج.
قيل: وما الهرج يا رسول الله؟ قال: القتل).
فهل ترى صورةً أوضح وأدق من هذا التعبير في وصف أحوالنا اليوم في تقارب هذا الزمان واختصاره -كما يطلقون عليه اليوم أنه أصبح كقرية صغيرة- وقبض العلم بموت العلماء، وذهاب المخلصين الصادقين منهم إلا من رحم الله؟ ولقد ظهرت الفتن واشتهرت كما ذكر الشراح، فتأتي فتنة عظيمة ترقق التي قبلها، وفتنة في الشرق تنسي فتنة الغرب، وفتنة في عقر الدار بعد فتنة في نائي الديار، حتى يرى الإنسان هذا الظهور والاشتهار والكثرة رأي العين، لا يحتاج إلى بيان، ولا إلى شرح.
(ويلقى الشح) أي: يغرس في النفوس.
وكم نراه ظاهراً! والهرج والقتل ما أدراك ما هو؟! وكم أعداده؟! وما هي أسلحته الفتاكة؟! وما هي جرائم القوى العظمى التي تتولى كبره وتنأى وتحمل عقابه وإثمه إنسانياً ودينياً؟ ثم كذلك ننظر إلى ما بينه النبي ﷺ في صورة توضيحية أكثر، كما ورد في الصحيح عند البخاري ومسلم أيضاً من حديث أسامة بن زيد ﵁ عن رسول الله ﷺ : (أنه أشرف على أطم من الآطام فقال لأصحابه: هل ترون ما أرى؟ قالوا: لا يا رسول الله.
قال: إني لأرى الفتن تقع خلال بيوتكم كوقع المطر) أليس قطر المطر يصيب كل شيء كل قطعة من الأرض وكل مكان من الأمكنة؟ وذلك من كثرة الشيوع وعموم البلوى بمثل هذه الفتن، وفي حديث أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: (بادروا بالأعمال فتناً كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمناً، ويمسى كافراً، ويمسي مؤمناً ويصبح كافراً، يبيع دينه بعرض من الدنيا قليل) رواه مسلم في صحيحه.
والله لكأنا نرى ذلك رأي العين، نرى من اسمه اسم المسلمين وسمته سمتهم، ثم نرى حاله ومقاله وفعله لا يختلف عن فعل الكافرين، بل ربما كان أشد، ولأجل أي شيء يفعل ذلك؟ لا ترى سبباً، ولا تستطيع أن تبحث عن علة إلا أمر يتلعق بدنياه، حفاظاً على روحه، أو رعاية لمصالحه، أو حفظاً لمطامعه، أو خوفاً على شيء من عرض هذه الدنيا.
قال الحسن البصري في تعليقه وبيانه لهذا الحديث -وهو من أفصح البيان وأوضحه-: يصبح الرجل محرماً لدم أخيه وعرضه وماله ويمسي مستحلاً له.
أهواء تعبث، ومصالح تحكم، ودين يضوي، وإيمان يرق، ويقين يضعف، نسأل الله السلامة.
ثم يقول الحسن ﵀ عندما ذكر قوله: (يبيع دينه بعرض من الدنيا قليل): فو الله لقد رأيناهم صوراً ولا عقولاً، وأجساماً ولا أحلاماً، فراش نار، وذباب طمع، يغدون بدرهمين، ويروحون بدرهمين، يبيع أحدهم دينه بثمن العنز.
(والله لقد رأيناهم) من القائل؟ الحسن البصري، في أي زمن؟ في زمن التابعين، مع وجود بعض الصحابة الغر الميامين، (والله لقد رأيناهم صوراً ولا عقولاً، وأجساماً ولا أحلاماً) ثم بين حالهم، أفلسنا نرى من ذلك ما هو أظهر وما هو أشهر وما هو أكثر وما هو أخطر؟ بلى والله، ومن لم ير ذلك فربما لم تكن له عين بصيرة، نسأل الله السلامة.
стр. 242
الآيات ووصفها الجلي للطوائف المعاصرة
لنتأمل هذه الومضات الإيمانية القرآنية التي تبين الافتراق بين المؤمنين الصادقين وبين المنافقين الزائغين والكافرين المعتدين الظالمين، والتي تبين كيف تمحص الفتن الناس، وكيف تظهر مكنونات ما في قلوبهم، وتخرج دخائل نفوسهم، وتظهر خواطر عقولهم، وتكشف ذلك في فلتات ألسنتهم، وفي كثير من أحوالهم وأفعالهم.
قال الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾ [العنكبوت:١٠]، بمجرد الابتلاء اليسير والمحنة العارضة نجد من ينسلخ من دينه ويتجرد من إيمانه، ويمسخ حتى من فطرته وخلقه، لأي شيء؟ لأجل عذاب دنيوي، أو لأجل رهبة بشرية، وينسى عذاب الآخرة، وينسى قوة الله رب الأرباب وملك الملوك وجبار السماوات والأرض، ينسى أن أمر الله جل وعلا بين الكاف والنون، وأن كل قوى الأرض لا يمكن أن يكون لها أثر ولا ذكر ولا خبر إذا أراد الله إفناءها، وإذا أراد الله ردها في نحور أربابها، وإذا أراد الله أن تكون شقوة لمن يأخذون بها ويؤذون بها ويعتدون بها.
وقال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ﴾ [الحج:١١].
أليس هذا حالاً نراه؟ أليست هذه صورة ينبغي أن تمتلئ قلوبنا رهبة وخوفاً من أن نكون من أربابها أو أن نكون من أصحابها؟ إنها الفتن التي تقلب القلوب، وتعبث بالآراء، فإن لم تكن لنا عصمة من الله فسنضيع مع الضائعين، ونزيغ مع الزائغين، ونهلك مع الهالكين.
نسأل الله أن يعصمنا، ونسأله أن ينجينا، وأن يجعلنا أوثق بما عنده مما في أيدينا.
إننا إذا تأملنا وجدنا حالاً تصوره الآيات يشبه حالنا اليوم وقد تكالب علينا الأعداء، وقد اختلفت آراء الأولياء والأحباء، بل تضاربت مصالحهم، بل وقد تهيأت أسباب ظهور صراعهم وعدائهم، وصارت جلية واضحة.
أي شيء في كتاب الله يصور لنا ذلك؟ قول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء:١٤١]، سبحان الله! كأن الآيات تنطق بألسنة كثير ممن يقع منهم ذلك في هذا اليوم ﴿فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء:١٤١].
قاعدة مطردة، نفي مؤبد، هذا كلام رب العالمين (لن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً) أين هم؟ إن وجدوا فلن يكون للكافرين عليهم سبيل، قد تكون جولة، ولكن الدولة تعود إلى أهل الحق إلى قيام الساعة.
ولكن كثيراً من الناس لا يوقنون، وعند الشدة لا يثبتون، وذلك هو أثر الفتنة التي يقضيها الله ، فإن ثبت الثابت واعتصم بالله فيوشك عما قريب أن تنكشف الغمة، وأن تفرج هذه الملمة، وأن يكون للناس من ورائها خيرٌ عظيم وفرج كبير ونصر عظيم، ولكن كثيراً من الناس لا يوقنون، ولكن كثيراً من الناس لا يصبرون ولا يثبتون، نسأل الله أن لا يجعلنا من أولئك، وعندما نتلو هذه الآيات نجد ما بعدها مباشرة: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ [النساء:١٤٢].
стр. 243
معالم العصمة من الوقوع في الفتنة
من مواقف المنافقين أنهم لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، أي شيء أوضح من بيان أن هذه المواقف هي مواقف النفاق الذي لا يصدق معه الإيمان؟ إنما يكون ظاهراً لا باطناً، وإنما يكون صورةً لا حقيقة، وإنما يكون مداهنةً لأغراض وليس صدقاً كما هو الأصل في هذا الإيمان، ولسنا نريد أن نفيض الحديث عن الفتنة، فإنها مما يراه الناس ويعرفونه، لكننا نريد أن نقف مع معالم العصمة من هذه الفتنة والنجاة من هذا الهلاك والخروج من هذا المأزق، سيما وأن الأحداث تتوالى، وأن البلايا تتعاظم، والله قد من علينا بكثير مما نحتاج إليه، ونحتاج إلى التبصر به حتى نسلم بعون الله ، وهذه بعض المعالم:
стр. 244
الاعتصام بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ
الأمر الأول: الاعتصام بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، قال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران:١٠٣].
قال الطبري ﵀ في تفسير هذه الآية: يعني بذلك جل شأنه وثناؤه: وتعلقوا بأسباب الله جميعاً، يريد بذلك تعالى ذكره: تمسكوا بدين الله الذي أمركم به، وعهده الذي عهد إليكم في كتابه، من الألفة والاجتماع على كلمة الحق والتسليم لأمر الله.
وقال ابن كثير: وقد ضمنت لهم العصمة عند اتفاقهم من الخطأ.
يعصمون من الخطأ إذا ائتلفوا واتفقوا، وينجون من الآراء الزائغة والمواقف الحائرة والمواقف الخاطئة كذلك، والله قد بين ذلك في آيات كثيرة: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ [الحج:٧٨]، عندما تأتي الفتن وتشتد المحن نجد الناس يلجئون ويفزعون إلى ما يظنونه مستمسكاً ومستعصماً وملاذاً، فبعض الناس يرجع إلى قوى من قوى أهل الدنيا وإن كانت قوىً كافرةً باغيةً ظالمة، يلتمس الأمن في ظلالها، والحماية في جوارها، والنصرة في طريقها أو في مسيرها، وذلك من أعظم الزيغ وأشد الفتنة، وأكبر الارتداد عن دين الله ، نسأل الله السلامة.
والله جل وعلا يبين أنه لا عصمة إلا لمن اعتصم به، يقول سبحانه: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ﴾ [النساء:١٤٦]، وغير أولئك لا ينجون، وغير أولئك لا يصيبون، وغير أولئك لا يكون لهم ما يقع به أمنهم من الخوف، ولا نجاتهم من الهلكة.
لا بد أن نتأمل في هذه الآيات وفي غيرها، وكذلك في أحاديث النبي ﷺ ، قال تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ [النساء:١٧٥]، لا شك أن المسائل مختلطة، وأن الأمور محيرة، فكيف تنكشف الطريق؟ وكيف يعرف المسار؟ وكيف تنجلي الغمة؟ وكيف تكشف الظلمة؟ إنه لا كشف إلا بنور الوحي، ولا بصيرة إلا ببصيرة الإيمان، ولا معرفة إلا بمعرفة اليقين، فكلما اعتصمنا بكتاب ربنا اعتصاماً حقيقياً عن وعي وإدراك، وعن إيمان ويقين، وعن ثبات وصبر فإن ذلك هو العون الأساسي.
стр. 245
تقوى الله
الأمر الثاني: تقوى الله، ونعني التعلق الذي يزداد عند الفتن والمحن، والذي يعظم عند اشتداد الكرب والبلاء، مع أن كثيراً من الناس إذا ازدادت الشدة ذهلت عقولهم، وفزعت قلوبهم، فانصرفوا عن حياض التقوى، وخرجوا من دائرة العبادة، ولم يكن ذلك دافعاً لهم لمزيد من التعلق، وللإكثار من الارتباط بالعبادة والطاعة؛ لأن الناس في وقت الفتن يذهلون وينشغلون بأمور أنفسهم، وينصرفون كثيراً عن أمور تعلقهم بطاعة ربهم وعبادته ، أليس قد قال الحق جل وعلا: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق:٢]؟ كن مع تقوى الله وسوف تجد -بإذن الله كل عسير يسيراً، وكل صعب سهلاً، وكل مغلق مفتوحاً، وذلك وعد الله القاطع الذي لا يتخلف بإذن الله .
وتأمل كيف يبين النبي ﷺ أثر العبادة في وقت الفتنة على وجه الخصوص، وفي ذلك أحاديث كثيرة عندما تتأملها تدرك أنه كلما زادت الفتنة ينبغي أن تزيد من العبادة والطاعة، هذا حديث معقل بن يسار عن رسول الله ﷺ قال: (العبادة في الهرج كهجرة إلي) رواه مسلم، وفي رواية أخرى عند الطبراني -وهي صحيحه-: (عبادة في الهرج أو الفتنة كهجرة إلي) قال الشراح: لما كانت فتنة الدين كانت النجاة منها في زمنه ﷺ الهجرة إليه وإلى دار الإسلام لتثبيت الإيمان وإعلاء رايته، والعبادة لله ، فلما كانت الفتن بعد وفاته ﵊ كان المنجى هو العودة إلى العبادة والطاعة، والاستكثار منها، فهي هجرة من المعاصي إلى الطاعات، ومن الفتن إلى الثبات، ومن كل سوء إلى كل خير بإذن الله ، حتى أخبر النبي ﷺ أن السجدة في زمن الفتنة تعدل الدنيا وما فيها، وكم نرى من الناس انصرافاً وذهولاً، فكلما اشتد الخطب زاد الشرود والبعد والغفلة عن الطاعة والصلة بالله .
стр. 246
دعاء الله جل وعلا
الأمر الثالث: دعاء الله جل وعلا، وقد يكون ذلك مندرجاً فيما قبله، لكن التفصيل مهم، وذكر الآحاد والأفراد مهم، قال تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر:٦٠]، أفليس وقت المحن هو وقت الدعاء الخالص الذي ينطرح فيه المؤمنون بين يدي الله؟ أليس رسولنا ﷺ قد ضرب لنا المثل في سيرته في كل شدة ومحنة؟ كانت يداه الكريمتان مرفوعتين تضرعاً إلى الله، وعيناه تذرفان تبتلاً وخضوعاً وتضرعاً إلى الله، وقلبه يخفق، ولسانه ينطق، إنها صورة لا بد أن تعظم وأن تكثر في حياتنا الذاتية عموماً، وعند هذه الفتن خصوصاً.
والله بين لنا أثر الدعاء، وبينه لنا في سير الرسل والأنبياء، كما في قصة آدم وزوجه: ﴿قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف:٢٣]، عندما وقعت الفتنة بالأكل من الشجرة كان المخرج الدعاء والتبتل والتضرع لرب الأرض والسماء، فكان الفيض، وكانت التوبة، وكانت النعمة من الله على آدم.
وفي قصة يونس ﵇ نعرف جميعاً ماذا كان يقول في جوف الحوت، وماذا كان دعاؤه وذكره الذي كان سبباً من أسباب تفريج همه وكربه ونجاته مما ألم به: ﴿لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء:٨٧]، وفي مثل هذا الدعاء إقرار بالخطأ، واعتراف بالذنب، ورجاء وابتهال، وتضرع بطلب السلامة من الآثار الوخيمة، ولذلك ورد كذلك في حديث النبي ﷺ في هذه اللفظة ﴿لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء:٨٧] قال ﵊: (لم يدع بها رجل مسلم في شيء قط إلا استجاب الله له) رواه الترمذي في السنن.
ومن الدعاء الاستغفار، وهو من أسباب النجاة، كما قال الله : ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الأنفال:٣٣].
والإكثار من الذكر، كما في قصة يونس: ﴿فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الصافات:١٤٣ - ١٤٤]، والله جعل لنا أنواعاً من ذكره ودعائه والتبتل إليه من اعتصم بها وأدمن عليها وأكثر منها حيي الإيمان في قلبه، وعظمت التقوى في نفسه، وانكشفت البصيرة في عقله، وأصبح له من نور الله ومن اعتصامه به ومن دعائه له ومن تضرعه إليه ما يفيء به إلى خير كثير بإذن الله.
ومن ذلك الاستعاذة والتعوذ من هذه الفتن وشرورها وضلالها وزيغها، فقد قال رسول الله ﷺ : (تعوذوا بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن) رواه مسلم.
وقال ابن مسعود ﵁ في هذا التعوذ: لا يقولن أحدكم: إني أعوذ بالله من الفتن؛ فإنه ليس أحد منكم إلا وهو مشتمل على فتنة: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [التغابن:١٥]، فأيكم استعاذ فليستعذ بالله من مضلات الفتن.
نسأل الله أن يعيذنا من مضلات الفتن، وأن يصرفنا عنها، وأن يفيء بنا إلى الحق والثبات، والاعتصام بكتابه وسنة نبيه ﷺ .
стр. 247
الصبر والثبات
من معالم العصمة من الفتنة الصبر والثبات، ولا بد من ذلك، فإنها محن لا بد أن تصيب بالأذى، ولا بد أن يشعر بما فيها من البلاء، ولكن الصابرين بإذن الله تكون لهم الغلبة والمخرج السالم البريء من أثر وخيم على إيمانهم ويقينهم، أو على سلوكهم وأخلاقهم، كما قال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الأَمْوَالِ وَالأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾ [البقرة:١٥٥ - ١٥٧].
هذه آيات ناطقة بأثر هذا الصبر في مثل تلك المحن والبلايا، وقد قال جل وعلا: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾ [آل عمران:١٢٠] لا يضرنا كيد الكائدين، ولا ظلم الظالمين، ولا عدوان المعتدين، وأهم شيء أن لا يضرنا في ديننا واعتقادنا وإسلامنا وثوابتنا والتزامنا شرع الله وهدي رسوله ﷺ ، والله جل وعلا يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ﴾ [البقرة:١٥٣]، وكان المصطفى ﷺ إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة، وقال ﵊: (ما أعطي أحد عطاءً خيراً وأوسع من الصبر).
وقال في دلالة هذا الصبر عند المحن: (يأتي على الناس زمان الصابر فيه على دينه كالقابض على الجمر)، ومن هذا الصبر -كما ذكر العلماء- الصبر بكف اللسان، والمنع من الخوض في الفتن من غير بصيرة وعلم وبيان، ونحن نعلم أن كثيراً من القول في مثل هذه الأحوال باندفاع وعواطف ومجاراة لمن يقول ويخوض مع الخائضين إنما تعظم به الرزية، ويكثر به الاختلاف، وتعظم به الحيرة والاضطراب، وكثير من ذلك ليس له أساس يثبت، وإنما هو محض هذه الاضطرابات والاختلافات، وكذلك التنابز بالألقاب، والاختلاف بين الناس يعظم أثره بما يكون من قول اللسان في هذه الفتن، حتى عظم الرسول ﷺ ذلك على وجه الخصوص في الفتنة، كما روى عبد الله بن عمرو عن رسول الله ﷺ أنه قال: (تكون فتنة تستنظف العرب) أي: تستوعبهم هلاكاً، (تكون فتنة تستنظف العرب، قتلاها في النار، اللسان فيها أشد من وقع السيف) رواه أبو داود وابن ماجة في سننهما، وأحمد في مسنده بسند صحيح.
(اللسان فيها أشد من وقع السيف) وذلك أمر مهم.
стр. 248
الإيمان بالولاء والبراء
ولعلنا نختم هذه المعالم بحقائق الإيمان وأباطيل الكفر، ومعرفتها في ضوء هذه الثوابت، فإننا نعرف من حقائق الولاء والبراء، ومن حقائق معرفة الظلم والاعتداء، ومن حقائق وجوب نصرة أهل الإيمان والإسلام، ومن حقائق الولاء لهم والبراء من أعدائهم ما ينبغي أن لا يتغير؛ لأن آيات القرآن لا تتغير، ولأن الحقائق الإيمانية الثابتة المقطوع بها لا تتبدل، والله قد قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ﴾ [الممتحنة:١].
وبين الله لنا حقيقتهم فقال: ﴿إِِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ﴾ [الممتحنة:٢].
وقال لأهل الإيمان وضرب لهم مثلاً وعبرة: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ﴾ [الممتحنة:٤]، وهذا أمر واضح ميزانه، وتفريقه هو الإيمان والكفر، من آمن بالله رباً، وبرسوله ﷺ نبياً، وبالإسلام ديناً فهو الذي نواليه، ومن برئ من ذلك، بل وحاربه وعاداه فنحن أعداؤه إلى يوم الدين، بدل من بدل، وغير من غير، سيما إذا اجتمعت حقائق أخرى من الظلم والبغي والعدوان؛ فإن الله قد بين ذلك بقوله: ﴿لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الممتحنة:٨ - ٩].
وأولئك قوم قد عرفنا أنهم أصحاب كل قتال لأهل الإسلام في كل ميدان، قد شهدت بذلك أدغال إفريقيا، كما شهدت به مواطن الضياء التي يزعمون في أوربا، كما شهدت به مواقع شرق وغرب كثيرة، ولا ننس أنه لا بد لنا من معلم مهم، وهو النظر الشامل الكامل في الأحداث، فإنها ليست قضيةً واحدة، وإنها ليست مسألةً عارضة، وإنها ليست مصلحةً عابرة، وإنما هي قضية شاملة، ومواجهة كاملة، نحن لن ننسى، ولا يمكن أن ننسى، ولا ينبغي أن ننسى قضيتنا الأولى في حرب أهل الإسلام والإيمان مع اليهود وأحلافهم من الصليبيين والنصارى، وقضية فلسطين ليست مما يجري ببعيد، بل هي أساسها وجوهرها، وهي هدفها وغايتها، وهي طريقها ومعبرها، ينبغي أن ندرك حقائق كلية شاملة، لا أن نسير مع السائرين، إن تحدثوا غرباً نظرنا غرباً، ولم يكن لنا إلا الغرب، وإن جاءوا شرقاً ذهبنا معهم، واهتممنا بما يقولون وما يفعلون، وننسى أن وراء ذلك الحقائق الثابتة والتاريخ الذي تشهد له ليست الأيام ولا الأعوام بل العقود والدهور والقرون، ولذلك ينبغي أن نعرف ذلك وأن نحرص عليه.
وأخيراً لا بد من الحرص فيما بيننا على أن نكون على قلب رجل واحد، وأن نسد أبواب الفتن والاختلاف التي تعظم الفرقة وتزيد الفتنة، حتى نبرأ بإذن الله ، وتنكشف الغمة، وتنجلي هذه الملمة، ولا بد لها من أن تكون كذلك، وليس لها من دون الله كاشفة.
نسأل الله أن يرد كيد الكائدين، وأن يدفع شرور المعتدين.
نسأل الله أن يهلك الظالمين، وأن يقصم ظهور الجبارين، وأن يرينا فيهم عجائب قدرته وعظيم سطوته.
اللهم! زلزل الأرض تحت أقدامهم، وخذهم أخذ عزيز مقتدر، اللهم! اقذف الرعب في قلوبهم، واجعل الخلف في صفوفهم، ورد كيدهم في نحرهم، واجعل بأسهم بينهم، واشغلهم بأنفسهم، اللهم! اجعلهم عبرةً للمعتبرين، اللهم! لا ترفع لهم راية، ولا تبلغهم غاية، واجعلهم لمن خلفهم آية، اللهم! اجعل عدوانهم بدايةً لضرهم، وبدايةً لشرهم، وبداية لما يعود عليهم بالأذى والهلاك بإذنك يا رب العالمين.
نسألك -اللهم- أن تعيذنا من شرورهم، وأن تبرئنا من كيدهم، نسألك -اللهم- أن تحبط كيدهم، وأن تبطل مكرهم، وأن تجعل الخلف فيما بينهم يا قوي يا عزيز يا منتقم يا جبار.
نسألك -اللهم- أن تردنا إلى دينك رداً جميلاً، اللهم! خذ بنواصينا إلى طريق الحق والسداد، وألهمنا الرشد والصواب، ووفقنا لطاعتك ومرضاتك يا رب العالمين.
اللهم! اجعلنا بكتابك معتصمين، وبسنة نبيك ﷺ مستمسكين، ولآثار السلف الصالح رضوان الله عليهم مقتفين، اللهم! اجعلنا أوثق بما عندك مما في أيدينا، اللهم! لا تجعل لنا إلى سواك حاجة، واجعلنا -اللهم- أفقر الفقراء إليك، اللهم! أغننا بفضلك عمن أغنيته عنا، ولا تجعل لنا إلى سواك حاجةً يا رب العالمين، اللهم! إنا نسألك أن تعز الإسلام والمسلمين، وأن ترفع بفضلك كلمة الحق والدين، وأن تهلك رايات الكفرة والملحدين، اللهم! من أرادنا وأراد الإسلام والمسلمين بخير فوفقه لكل خير، ومن أرادنا وأراد الإسلام والمسلمين بسوء فاجعل دائرة السوء عليه، واجعل تدبيره تدميراً عليه يا سميع الدعاء.
اللهم! رحمتك ولطفك بإخواننا المسلمين المضطهدين والمعذبين والمشردين والمبعدين والأسرى والمسجونين والجرحى والمرضى والمأسورين والمحاصرين في كل مكان يا رب العالمين، اللهم! فرج همهم، ونفس كربهم، وامسح عبرتهم، وسكن لوعتهم، اللهم! زد إيمانهم، وعظّم يقينهم، واجعل ما قضيت عليهم زيادةً لهم في الإيمان واليقين، ولا تجعله فتنةً لهم في الدين.
اللهم! اجعل لنا ولهم من كل هم فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً، ومن كل فتنة عصمة، ومن كل بلاء عافية يا سميع الدعاء، اللهم! إنا ندرأ بك في نحورهم، ونعوذ بك -اللهم- من شرورهم، اللهم! أنزل بأعدائك بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين يا قوي يا عزيز يا متين، يا من لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء.
اللهم! انصر إخواننا المجاهدين في أرض فلسطين، وفي كشمير، وفي الشيشان، وفي كل مكان يا رب العالمين، اللهم! ثبت خطوتهم، ووحد كلمتهم، وأعل رايتهم، وسدد رميتهم، وقو شوكتهم، وانصرهم على عدوك وعدوهم يا رب العالمين.
اللهم! أفرغ في قلوبهم الصبر واليقين، وثبتهم في مواجهة المعتدين، يا قوي يا عزيز يا متين.
اللهم! اجعل هذا البلد آمناً مطمئناً رخاءً وسائر بلاد المسلمين، وأصلح -اللهم- أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين.
اللهم! وفق ولي أمرنا لهداك، واجعل عمله في رضاك، وارزقه بطانةً صالحةً تدله على الخير وتحثه عليه يا سميع الدعاء.
اللهم! صل وسلم وبارك على نبيك محمد وعلى آله وصحابته أجمعين.
стр. 249
فوائد الفضائل
لا تزال منح الله تعالى تتوالى على العباد في كل أيام السنة، ومع هذا فقد جعل الله لهم مواسم يزدادون فيها من الطاعة، ومن أعظم تلك المواسم والمنح الحج؛ إذ فيه يوم عرفة الذي يكفر الله بصيامه ذنوب عامين، وأما الحجيج فلهم عند الله ما هو أعظم، فالله يخرج أهل الموسم من ذنوبهم كيوم ولدتهم أمهاتهم، هذا مع ما يحيط بهذا الموسم من الطاعات والقربات العظيمة لله .
стр. 250
خصائص أيام عشر من ذي الحجة
الحمد لله جعل العديد من الفضائل في هذه العشر، ووعد فيها جل وعلا بجزيل الأجر، وجعلها فرصة لتكفير الخطايا ومحو الوزر، له الحمد على ما أفاض من الخيرات، وما أنزل من البركات، وما أوسع من الرحمات، فله الحمد جل وعلا ملء الأرض والسماوات، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يليق بجلاله وعظيم سلطانه.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن نبينا وقائدنا وقدوتنا وسيدنا وحبيبنا محمداً عبد الله ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، علم الهدى ومنار التقى، وشمس الهداية الربانية، ومعلم الرحمة الإلهية، وأشهد أنه ﵊ قد بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، فجزاه الله خير ما جازى نبياً عن أمته، ووفقنا لاتباع سنته، وحشرنا يوم القيامة في زمرته، وجعلنا من أهل شفاعته، وصلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى من تبعهم واقتفى أثرهم ونهج نهجهم إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فالفضائل التي يسوقها الله جل وعلا لنا في أيام الدهر من نفحات الرحمات، ومن أبواب البركات، ومن مضاعفة الأجور والحسنات، ومن محو الخطايا والسيئات، هذه الفضائل لها فوائد عظيمة، بها تحيا القلوب، وتنشط النفوس، وتدكر العقول، وتستقيم الجوارح، وبها كذلك -من فضل الله تكون الفرصة للمراجعة والمحاسبة وللتقويم والاستدراك على مستوى الفرد والأمة كلها.
وهذه الفضائل لابد لها أن تغير في حياة المسلم المسار والمنطلق الذي قد يغفل عنه في بعض الأحيان، وقد ينحرف عنه في أحيان أخرى، وقد يستبدل غيره به في أحيان ثالثة، فتأتي هذه المواسم لترده إلى المنطلق الصحيح المنطلق من شرع الله ، وإلى الغاية الصحيحة، وهي ابتغاء رضوان الله ، وإلى المسلك والنهج الصحيح، وهو اتباع خطا وسنة رسول الله ﷺ ، كم نحن في حاجة إلى الاعتبار من هذه الفضائل.
إن أيام العشر هي التي أقسم الله بها مجتمعة، وببعض أيامها منفردة، كما في قوله جل وعلا: ﴿وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ * وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ﴾ [الفجر:١ - ٣]، روى جابر ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: (العشر عشر الأضحى، والوتر يوم عرفة، والشفع يوم النحر)، رواه الإمام أحمد والنسائي في تفسيره، والحاكم وصححه على شرط مسلم، ووافقه الذهبي.
تأمل هذا الإقسام العظيم من الرب العظيم بالعشر كلها، وبيوم منها وهو يوم عرفة، وبيوم آخر وهو يوم النحر.
وحسبك بهذه الأيام المفردة أيام فضيلة عظيمة، وأيام اختصاص جلي، فهذا يوم عرفة يوم أقسم الله به في قوله: ﴿وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾ [البروج:٣]، روى أبو هريرة عن المصطفى ﷺ أنه قال: (اليوم المشهود يوم عرفة، والشاهد يوم الجمعة)، رواه الترمذي والحاكم وصححه، ووافقه الذهبي.
وتأمل كذلك الفضل الذي اختص به ذلك اليوم في أصله وفي العبادة التي فيه، فقد روى أبو قتادة ﵁ عن رسول الله ﷺ بشأن صيام يوم عرفة أنه قال: (إني لأحتسب عند الله أن يكفر السنة الماضية والسنة التي بعدها) فما أعظمه من يوم يكفر الله جل وعلا به بفضله ومنِّه ذنوب عامين كاملين، وفي صحيح مسلم عن النبي ﷺ : (ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عباداً من النار من يوم عرفة)، ويوم النحر يوم الحج الأكبر، كل هذا الفضل والتعظيم والإجلال يمر بالمؤمن دون أن يعتبر به ويدكر، سيما وأن هذه الأيام تدخل فيها الفريضة العظيمة، فريضة الحج الركن الخامس من أركان الإسلام، فيجتمع مع فضل وأجر عظيمين وتعظيم وإجلال كبيرين جليلين فريضة وشعيرة على مستوى الأمة كلها، فالصوم يؤديه المسلمون فرادى أو مجتمعين في كل مكان، وفي كل أرض، والصلاة يؤديها المسلمون جماعات صغيرة هنا وهناك في كل مكان، إلا الحج فإنه لا يؤدى إلا باجتماع حجاج المسلمين جميعاً، وليس في أي مكان، بل في البقاع المقدسة في رحاب بيت الله ، وفي المناسك المختلفة من عرفات إلى منى ومزدلفة وغيرها.
إذاً فكل هذا الفضل وهذا الفرض يمر بالمسلم دون أن يدكر ويعتبر، ودون أن يكون هذا الادكار والاعتبار ذا أثر عظيم عميق ممتد يستمر ويدوم، ولا يكون كسحابة صيف عابرة.
ولعلنا قبل أن نلج في مثل هذه الفوائد نقف وقفة مهمة، إذ إن هذه الفريضة فرضت على المسلم مرة في العمر، فكأن أثرها وفضلها وما يبقى للمؤمن في قلبه وفكره وحياته وحاله وسلوكه منها يكفيه الدهر كله إن أداها على الوجه المطلوب، وإن فقهها بالصورة الصحيحة، وإن امتزجت في أدائها مشاعره قلباً ونفساً وروحاً وفكراً وصوتاً وجوارح، فإنه حينئذ يخرج منها بصياغة جديدة في الحياة تجدد إيمانه وتؤكد إسلامه، وتصحح مساره بإذن الله ، ومن لم يحج فإنه لا يعدم الفضل والأجر، كما نعلم من أحاديث النبي ﷺ ، ومنها الحديث المشهور المحفوظ من رواية ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ : (ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه العشر.
قالوا: يا رسول الله! ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجل خرج بنفسه وماله ثم لم يرجع من ذلك بشيء) رواه البخاري في صحيحه.
فهل نرى صيغة أبلغ في وصف الفضل وأعظم في بيان الأجر من هذا الذي ذكره النبي ﷺ ؟ فإذن كل هذا الذي يمر بنا، والخير الذي يساق إلينا في كل عام وفي كل موسم من مثل هذا العام كيف يكون لنا منه استفادة حقيقية؟
следующие страницы →