Полный текст (2 691 стр.). Показаны 2241–2280 · переход к 2246.
стр. 2241
الاختصاص بباب الريان للصائمين
كلنا يحفظ حديث سهل بن سعد ﵁ في الصحيح عن رسول الله ﷺ : (إن في الجنة باباً يقال له الريان، يدخل منه الصائمون، فإذا دخلوا أغلق فلم يدخل فيه غيرهم).
لماذا؟ أجاب أهل العلم عن ذلك: لما كان الصوم عبادة سر بين العبد ومولاه ليس فيها مدخل لرياء، وفيها تخلٍ عن الشهوات والملذات ابتغاء وجه الله، وفيها تحمل وصبر ومشقة ابتغاء التحقق بطاعة الله، ولما كان فيها مجاهدة للنفس، وكبح لجماحها، وإسلام لقيادها، وقوة في سيرها نحو طاعة ربها؛ كان ذلك الجزاء من جنس العمل، ﴿هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلَّا الإِحْسَانُ﴾ [الرحمن:٦٠].
стр. 2242
الصوم موسم لتكثير الحسنات وتكفير السيئات
نمضي عن طريق الصوم إلى الغفران والتكفير، ورمضان وفريضة الصوم وموسمه أطول مدة وأعظم موسم فيه تكثير للحسنات، وتكفير للسيئات: (من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه).
(من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه).
(من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه).
(ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن من الخطايا ما اجتنبت الكبائر).
وفي حديث حذيفة أن الفتن يكفرها الصوم والصلاة والصدقة.
فما أعظمه من موسم، وما أجلها من عبادة يمحو الله بها ما سلف من كثير الخطايا، وعظيم الذنوب التي أثقلت كواهلنا وسودت صحائفنا، نسأل الله أن يبيضها، وأن يمحو ما سلف من تلك الآثام، وأن يعيننا على الاستقامة على الطاعات والصالحات.
стр. 2243
الصيام والقيام والقرآن
وإذا مضينا وجدنا سبباً آخر، وهو عظيم جليل يحتاجه المؤمن؛ ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء:٨٨ - ٨٩]، يوم يطلب الإنسان ويبحث يمنة ويسرة في يوم القيامة، يوم الحشر، يوم المشهد الأعظم والهول الأكبر؛ هنا نتذكر الصيام، عندما نتذكر حديث النبي ﷺ من رواية عبد الله بن عمرو بن العاص عند الإمام أحمد في مسنده، والطبراني في معجمه بسند صحيح، قال ﵊: (الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة، يقول الصيام: أي رب! منعته الطعام والشهوة فشفعني فيه، ويقول القرآن: أي رب! منعته النوم بالليل فشفعني فيه؛ فيشفعان فيه).
والصيام والقيام بالقرآن كلاهما في رمضان، وهما من أسباب الشفاعة المنجية بإذن الله من عذاب الله والمفضية بإذن الله إلى نعيم الله، أفلا نستكثر من ذلك؟ أفلا نجتهد في الطاعة؟ أفلا نخلص في النية؟ أفلا نتحرى التشوق والتطلع إلى كل ما فيه مرضاة لله وطاعة له، وإقبال عليه وتعلق به، وخوف منه، وتوكل عليه، وتقوى له، وإنابة إليه؟ أفهذا كله مما نعلمه ونقرؤه ونسمعه ونحفظه، ثم يكون حال كثير منا في رمضان غفلة ونوم بالنهار وسهر ولهو بالليل، وشاشات عاهرة داعرة، وأغان فاضحة ماجنة، وأحوال من الصفق بالأسواق لا تسر مؤمناً، نسأل الله السلامة.
أفبعد أن يفيض الله علينا كل هذا الخير، ويبشرنا النبي ﷺ بكل هذا الفضل؛ تكون القلوب عنه معرضة بسفساف الدنيا وشهواتها منشغلة ملتهية؟ أفليس ذلك مما يعظم حزن المؤمن على نفسه وحاله مع فضل الله الذي يسوقه ويبسط به يديه جل وعلا وهو الغني عن عباده، ثم لا يكون هناك إقبال مناسب ولا اجتهاد مكافئ، ولا حرص يدل على تغلغل معاني هذه النصوص في القلوب والنفوس؟
стр. 2244
الدعوة المستجابة للصائم
وفوق ذلك كله أيضاً باب عظيم من أبواب الجنة مرتبط بالصوم وخاص به، وذلك في الدعوة المستجابة، كما ثبت عن النبي ﷺ من حديث أبي هريرة: (ثلاثة لا ترد دعوتهم: الصائم حين يفطر، والإمام العادل، ودعوة المظلوم يفتح الله لها أبواب السماء ويقول: لأنصرنك ولو بعد حين)، رواه الإمام أحمد والترمذي بسند حسن، وفي حديث عبد الله بن عمرو: (إن للصائم عند فطره دعوة لا ترد).
فهذه دعوة مقبولة مجابة بنص حديث الصادق المصدوق ﷺ ، ونحن أهل إيمان ويقين بأن ما أخبر به ﵊ هو كما أخبر به.
وخذ ما يبشرك ويجعلك لا تنسى حظك من الدعاء والفوز بالجنة في شهر الصوم، وإدراك هذه الفضيلة، تأمل هذا الحديث عن النبي ﷺ ، وهو من رواية أنس عنه ﵊ قال: (ما سأل الله أحد الجنة ثلاثاً إلا قالت الجنة: اللهم أدخله الجنة، ولا استجار رجل مسلم من النار ثلاثاً إلا قالت النار: اللهم أجره مني)، رواه أحمد وابن ماجة وابن حبان في صحيحه.
أفلا نكثر من الدعاء بدخول الجنة والنجاة من النار؟ وفوق ذلك أيضاً خذوا من هذا الباب مزيداً من الفضل، وهي دعوات خاصة بك أيها الصائم في بعض أحوالك، تدعو بها الملائكة المقربون الذين: ﴿لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم:٦]، والذين: ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء:٢٠].
هذا حديث أم عمارة الأنصارية: (جاء إليها النبي ﷺ فقدمت له طعاماً، فقال لها: كلي، فقالت: إني صائمة، فقال ﵊: إن الصائم تصلي عليه الملائكة إذا أكل عنده حتى يفرغوا، أو ربما قال: حتى يشبعوا).
وفي رواية: (الصائم إذا أكل عنده المفاطير صلت عليه الملائكة)، رواه الترمذي بسند صحيح.
ملائكة الله تدعو لك وتستغفر، ودعاء الملائكة وما أدراك ما دعاء الملائكة؟ هذه كلها بشريات خير تدلنا على أن هذه الشعيرة عظيمة، وأن هذا الزمان أعظم مواسم الجنة التي تقربنا إليها وتدنينا منها، وتيسر لنا سلوك الطريق المفضية إليها، وتجعلنا بإذن الله في أحسن الأحوال التي نكون فيها أقرب من ربنا، وأكثر ما نكون استحقاقاً لرحمته وفضله وجوده وكرمه بالعتق والنجاة من النيران، والدخول إلى الجنة والنعيم المقيم فيها.
стр. 2245
طرق أخرى للجنة
لعلي أختم هذا المقام بالحديث عن غير ما يدخل الجنة سوى الصوم، حتى لا يظن ظان أن الجنة عربونها هو الصوم فقط؛ فإن الأمر أوسع من ذلك وإن كان يسيراً بإذن الله ، فالفرائض هي العمد كلها، فلا ينبغي أن يكون صوم بلا صلاة، ولا صوم وصلاة ثم تشح النفس فلا تخرج الزكاة.
ومثل ذلك الحج كما نعلم من حديث جابر ﵁، عن الرجل الذي جاء إلى النبي ﷺ فقال: (أرأيت إذا صليت المكتوبات، وصمت شهر رمضان، وأحللت الحلال، وحرمت الحرام، أأدخل الجنة؟ قال: نعم، فقال الرجل: والله لا أزيد على ذلك شيئاً).
وأوسع من هذا وأشمل وأجمل: حديث معاذ لما كان رديف النبي ﷺ ، فاستغل تلك الرفقة العظيمة، والتفت سائلاً عن أعظم ما يسأل عنه المؤمن، وعن أهم ما يشغله، فقال: (يا رسول الله! أخبرني بعمل يدخلني الجنة ويباعدني عن النار، فقال النبي ﷺ : لقد سألت عن عظيم، وإنه ليسير على من يسره الله عليه، تعبد الله ولا تشرك به شيئاً، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت، ثم قال ﵊: ألا أدلك على أبواب الخير؟ الصوم جنة، والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار، وصلاة الرجل في جوف الليل، قال: ألا أخبرك برأس الأمر وعموده وذروة سنامه؟ قلت: بلى يا رسول الله، قال: رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله، ثم قال ﵊: ألا أخبرك بملاك ذلك كله؟ قلت: بلى يا رسول الله، قال: كف عليك هذا، وأمسك بلسان نفسه ﵊، قلت: يا رسول الله! أو محاسبون بما نتكلم به بألسنتنا؟ قال: ثكلتك أمك يا معاذ! وهل يكب الناس على وجوههم أو على مناخرهم في النار إلا حصائد ألسنتهم؟).
فما أحرانا أن نعرف هذا الفضل في هذا الشهر، وأن نستكمل الفرائض حتى يأذن الله برحمتنا، ويمن علينا بفضله وجوده وكرمه فيعتق الرقاب من النار، ويمن علينا بدخول الجنان، نسأل الله من فضله، ونسأله من رحمته ولطفه، أقول هذا القول، وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 2246
الجهاد طريق إلى الجنة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى من تبعهم واقتفى أثرهم ونهج نهجهم إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين.
أما بعد: أيها الإخوة المؤمنون! أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله، فإن تقوى الله أعظم زاد يقدم به العبد على مولاه، وهذه فريضة التقوى، وهذا شهر التقوى، وما لم نذكره من تعلق الصوم برمضان كثير وجدير بالعناية والاهتمام؛ فشهر رمضان شهر القرآن، والقرآن هو الطريق إلى الجنان، وشهر رمضان فيه من الخصائص الأخرى ما له تعلق بهذا الأمر، غير أني أقف الوقفة الأخيرة في هذا المقام حول طريق آخر للجنة.
فإن من أعظم ما ينال به العبد المؤمن المراتب العليا في الجنان هو الجهاد في سبيل الله، والاستشهاد في سبيل الله، ولعلي هنا إنما أريد أن أذكر نفسي وإخواني بأن من إخواننا المسلمين المؤمنين من يجمعون من الخير أكثر مما نجمع، ومن لهم رغم ما في أحوالهم من الشدة والكرب العظيم ما قد يكونون به في خير أكثر وأعظم منا؛ ما قولكم فيمن يجمع بين صيام وشهادة؟ أفلسنا في كل يوم نسمع عن إخواننا في أرض فلسطين ذاك يقتل، وذاك يهدم بيته فوق رأسه؟ يمضون إلى الله إن شاء الله شهداء صائمين فيكون فطرهم عند الله في الجنة، أفليس هذا أمراً جديراً بعنايتنا ورعايتنا؟ أفلسنا نتذكر أحوال غيرنا من إخواننا ونحن في أمن عظيم، وفي نعمة كبيرة، وأحوال كثيرة تجعلنا قادرين على أن نفعل وأن نبذل ما قد لا يتاح لغيرنا؟ أذكر فقط بعض ما هو منشور من الأحوال والأخبار عن بعض الأسر المسلمة في فلسطين، وهي تصوم هذا الشهر بعد أن فقدت قبله بأيام أو أشهر قليلة عائلها وربها والقائم على شئونها، هل فكرنا ما هي أحوال الصغار من الأبناء والبنات؟ ما هي أحوال الزوجات المكلومات؟ والأمهات الثكالى؟ هل نفكر في ذلك؟ لنستمع لقصة واحدة: عبد الله السبع سبع من السباع الفلسطينية القوية الفتية، حاصره اليهود عليهم لعائن الله وهم يريدون منه أن يخرج حتى يهدموا بيته، لكن أبت عزة إيمانه، وحمية إسلامه، ونخوة نفسه، وقوة بدنه إلا أن يجابههم حتى خر شهيداً بإذن الله ، دفاعاً عن عرضه وماله وداره، وقبله بأحد عشر يوماً فقط كان ابنه الأكبر مصعب قد مضى شهيداً على أيدي اليهود الخونة المجرمين عليهم لعائن الله، واستقبلت الزوجة الفاقدة لزوجها وابنها الأكبر هذا الشهر وهي تروي قصتها وتقول: في أول ليلة من الليالي التي أعلن فيها عن قدوم رمضان، وقبل أن نتناول السحور قدم إلي الأبناء وعانقوني وهم يبكون يتذكرون رمضان الذي مضى بوجود أبيهم وأخيهم الأكبر، ثم لها ابنة صغيرة في السابعة من عمرها عندما جاءوا إلى الإفطار في أول يوم جعلت تنظر إلى بقية إخوانها وينظرون إليها، ثم يبكي الجميع تذكراً لأولئك الراحلين المفقودين.
هل نفكر أيها الإخوة ونحن نجتمع مع أسرنا على ما لذ وطاب من الطعام مع كثير من الإسراف والتبذير، أحوال إخواننا هناك أو في العراق أو الشيشان أو غيرها من البلاد التي يلقى فيها إخواننا الضر والأذى، ويواجهون فيها الظلم والبغي والعدوان على أيدي أعداء الله وأعداء دينه من اليهود وأحلافهم وغيرهم ممن يتعاون معهم؟ أليس ذلك كله جديراً بأن نعلم أن من الطرق الموصلة إلى الجنة الإنفاق في سبيل الله، وبذل المعروف، وإغاثة الملهوف، وأن هذه الأحوال ينبغي أن لا تنسينا أننا جزء من هذه الأمة، وأننا فرع منها، وأن كل فرد منا إنما هو بهذا الكيان العظيم وتلك الأمة العظيمة.
أيها الإخوة! حقيق بنا أن نعرف هذه الفضائل، وأن نعرف تلك المناقب لأولئك الذين يرفعون رءوسهم، ويقدمون صدورهم فداءاً لدينهم، ودفاعاً عن أمتهم، وحفظاً لأعراضهم، وإعزازاً لدينهم، ورفعاً لراية الله لئلا تنكس.
هذه معان لابد أن نذكرها ونحن نذكر الجنة وطريقها، وطريق الجهاد والاستشهاد من أعظم هذه الطرق شاء من شاء وأبى من أبى، وللجهاد ميادينه المعروفة في أعداء الله وفي الكافرين المحاربين لدين الله ولعباد الله، وليس من ذلك في شيء ما يعلن عنه اليوم والأمس من هذه الممارسات التي أسلفنا القول بأنها لا تتفق مع شرع الله ، ولا تترتب عليها إلا المصائب والرزايا والبلايا، ولا تكون بحال من الأحوال قريبة ولا ملامسة ولا مشابهة للجهاد في سبيل الله ، وذلك أمر قد أفضنا القول فيه، ولكنها تذكرة.
نسأل الله أن يردنا إلى دينه رداً جميلاً، ونسأله أن يجعل هذا الشهر الكريم شهر عبادة وإخلاص وتقرب إلى الله وتقوى له، يعظم فيه إيماننا، ويزداد به يقيننا، وتكثر به خيراتنا، ونسأله أن يمن علينا بالمغفرة والقبول والرضوان والعتق من النيران، ونسأله جل وعلا أن يوفقنا لما يحب ويرضى.
ونسأله أن يرفع الظلم والضيم والأذى عن إخواننا المسلمين في أرض فلسطين والعراق والشيشان وكشمير وكل مكان، ونسأله أن يجعل هذا الشهر غياثاً لهم ورحمة لقلوبهم، وطمأنينة وسكينة لنفوسهم، ونسأله أن يجعله تثبيتاً لهم في مواجهة أعدائهم، ونسأله أن يجعل لنا ولهم من كل هم فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً، ومن كل فتنة عصمة، ومن كل بلاء عافية.
اللهم إنا نسألك التقى والهدى والعفاف والغنى، اللهم اهدنا واهد بنا، واجعلنا هداة مهديين، اللهم تول أمرنا، وارحم ضعفنا، واجبر كسرنا، واغفر ذنبنا، وبلغنا فيما يرضيك آمالنا، نسألك اللهم العفو والعافية والمعافاة الدائمة في الدين والدنيا والآخرة.
اللهم اجعل خير أعمالنا خواتيمها، وخير أيامنا يوم نلقاك وأنت راض عنا، اللهم أجرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة برحمتك يا أرحم الراحمين، اللهم سخر جوارحنا في طاعتك، واستعلمنا في نصرة دينك، واجعلنا ستاراً لقدرك في نصر الإسلام والمسلمين.
اللهم ثبت إخواننا المسلمين المجاهدين في سبيلك في كل مكان يا رب العالمين، اللهم أفرغ على قلوبهم الصبر واليقين، وثبت أقدامهم في مواجهة المعتدين، وحد اللهم كلمتهم، وأعل رايتهم، وقو شوكتهم، وسدد رميتهم، وانصرهم على عدوك وعدوهم، وقرب اللهم نصرهم، وادحر عدوهم، واجعل نصرهم عاجلاً غير آجل يا رب العالمين.
اللهم عليك بسائر أعداء الإسلام والمسلمين من الظلمة والمعتدين، نسألك اللهم أن تقذف الرعب في قلوبهم، وأن تجعل الخوف في صفوفهم، وأن تزلزل الأرض تحت أقدامهم، وأن تأخذهم أخذ عزيز مقتدر، اللهم أحصهم عدداً واقتلهم بدداً، ولا تغادر منهم أحداً، اللهم إنهم قد روعوا الآمنين، وهدموا البيوت على المسالمين، واغتصبوا الأرض، واعتدوا على العرض وانتهكوا المقدسات، اللهم فأنزل بهم بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين، اللهم إنا ندرأ بك في نحورهم ونعوذ بك من شرورهم، وأرنا اللهم فيهم عجائب قدرتك، وعظيم سطوتك، اللهم اشف فيهم صدور قوم مؤمنين عاجلاً غير آجل يا رب العالمين.
اللهم اجعل هذا البلد آمناً مطمئناً رخاءً وسائر بلاد المسلمين، وأصلح اللهم أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين، اللهم وفق ولي أمرنا لهداك، واجعل عمله في رضاك، وارزقه بطانة صالحة تدله على الخير وتحثه عليه يا سميع الدعاء.
عباد الله! صلوا وسلموا على رسول الله استجابة لأمر الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٥٦]، وترضوا على الصحابة الكرام، وخصوا منهم بالذكر ذوي القدر العلي، والمقام الجليل: أبا بكر وعمر وعثمان وعلي؛ وعلى سائر الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين، وأقم الصلاة (إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ [العنكبوت:٤٥].
стр. 2247
صرخة إسلامية وغضبة نسائية
عندما ينطق الرويبضة في أمر الدين والعامة فإنه يحصل جراء ذلك الفساد العظيم، والخطب الجليل، وإننا نرى أبواب وسائل الإعلام مفتوحة لكل فاسد ومنحرف وطاعن في ديننا، بينما توصد أمام دعاة الحق والفضيلة، فما من يوم إلا وتطالعنا هذه الوسائل بفاسد أو فاسدة يتكلم في أمور الدين بما لا يعرف، ويلوي أعناق النصوص أو يلغيها ليقرر انحرافه وفساده الذي أملاه عليه أعداء الإسلام من اليهود والنصارى وغيرهم.
стр. 2248
استنجاد المرأة المسلمة من دعاة التبرج والسفور
الحمد لله الواحد الأحد، الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن سيدنا ونبينا وقائدنا وقدوتنا محمداً عبد الله ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، وأشهد أنه ﵊ قد بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على المحجة البيضاء، ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، فجزاه الله خير ما جازى نبياً عن أمته، ووفقنا لاتباع سنته، وحشرنا يوم القيامة في زمرته، وصلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإنني أسطر هذه الكلمات بحزن وبألم، وأشعر بعجز وأحس بتقصير، ولا أبالغ إن قلت: إنه ينبغي لنا أن نطأطئ الرءوس على فقدان أمر مهم، ألا وهو غيرتنا الإسلامية وحميتنا الإيمانية؛ لأن النبي ﷺ كان لا يغضب لنفسه، لكن إذا انتهكت محارم الله غضب غضباً لم يغضب كغضبه أحد من الناس.
إنها صرخة إسلامية وغضبة نسائية، تحدثت بها امرأة يوم سكت كثير من الرجال، وصدعت بها امرأة يوم تأخر كثير من الرجال، ولقد حذرت من قضية اختلال الأمر في بلادنا، واختلال التطبيع الإسلامي، حتى يصبح ما هو إيماني إسلامي في بلاد الحرمين ومنبع الإسلام ومهبط الرسالة أمراً شاذاً مخالفاً، ويصبح هذا الشاذ المخالف لديننا بعد فترة من الزمن مألوفاً مقبولاً.
وأتركك -أيها القارئ- قليلاً لنستمع إلى كلمات هذه الصرخة الإسلامية والغضبة النسائية، التي جاءت بعد توالي أحداث تنتظم في سلك واحد، يوجه إلى نسائنا المؤمنات في بلاد الحرمين خاصة، ويزعزع البنيان الإيماني والكيان الإسلامي من خلال التماسك والترابط الاجتماعي الأسري.
سأمضي مع هذه الصرخة وأعود من بعد إلى واقعها، واعذرني ابتداء إن خرج الحديث عن سياقه المعتاد وانضباطه المألوف، فإن في المسألة والحقيقة ما قد يؤدي إلى ذلك.
تقول هذه الصرخة النسائية: كل يوم تفجعنا صحافتنا حتى بتنا لا نثق بها ولا نحترمها، كل يوم يطالعنا مقال يسيء للنساء في بلاد الحرمين، فهذه صحيفة تصف عباءاتنا بأنها أكياس فحم، وتلك تصفنا بالنعاج، تركنا الصحف لهم وتركنا قراءة مقالاتهم، فبدءوا يطلون علينا في الشاشات، يخرج نساء ويتحدثن باسمنا وعلى ألسنتنا، تأتي امرأة متبرجة معترضة على الأحكام الشرعية، وتقدم على أنها امرأة سعودية ونموذج لنساء الحرمين، حتى طفح كيل النساء المسلمات العفيفات فصرخن مثل هذه الصرخات.
стр. 2249
أثر الإعلام في تشويه المرأة المسلمة وقلب الحقائق
تقول الصارخة المؤمنة: المتحدثات بألسنتنا قلة من البنات، بل إنهن في حكم الشاذات، إنهن يسعين لهدم الدين والتقاليد والعادات، والسبب أن الإعلام معهن وفي صفوفهن، ثم تبكي وتقول: ما أقسى كلمة التخلف والرجعية والتقليد إذا قالوها وهم يقصدون المرأة المسلمة المتحجبة العفيفة المصونة! وكل يوم يكتبونها ويقولونها دونما رادع أو مانع، ويحق لهم؛ لأن من أمن العقوبة أساء الأدب.
تأتي واحدة -كما تقول الكاتبة- فتحرض بناتنا على اختراق المجتمع وسياسة الدولة، وتأتي أخرى فتتهمنا بأننا نريد الفساد والتخلف، وكلامها يوحي بأننا ضعيفات وجاهلات ومتخلفات وأن لدينا ازدواجية.
كيف نسكت على من تقول: بأن الجنة والنار والآخرة أشياء لا وجود لها؟! ولقد أضنيت نفسي في البحث عن صحة هذه المقالة، فوجدتها بنصها على قناة للدولة، ومثل هذه المقالة تستهدف ديار الإسلام على وجه العموم، وديار الإسلام في بلاد الحرمين على وجه الخصوص.
تقول هذه المرأة المنحرفة على هذه القناة: إن (المطاوعة) -أي: الدعاة والعلماء- يخوفوننا ويربطون الحجاب بالجنة والنار والآخرة، وهذه أشياء لا وجود لها أصلاً.
تمضي هذه المرأة المسلمة الغيورة متسائلة: متى ستحاسب مثل هؤلاء النساء المنحرفات؟! ثم تقول من بعد مخاطبة المسئول الأول في بلادنا: أنت تحبنا وتعبر عن هذا الحب لنا، ولا نشك في ذلك أبداً، لكننا نريد البرهان اليوم، فإذا كنت تحبنا فهل ترضى أن يؤذينا أحد؟! أسألك بالله هل سترضى لنا بالأذى؟
стр. 2250
دور الإعلام في إبراز الفاسدات في صورة القدوات
تنقلنا إلى الحقيقة المهمة، إلى التطبيع الإسلامي الذي ذكرته، حيث تقول: إن امرأة أو عشراً من النساء أو مائة أو ألفاً لا يعبرن عن ملايين من النساء هن نصف مجتمعنا صينات عفيفات مخدرات، قائمات بإيمانهن عاملات بإسلامهن، منشغلات بدعوتهن، مربيات لأبنائهن، عالمات متخصصات في مجالاتهن.
أقول: إنه الإعلام يجعل الواحد بألف وآلاف، إنها الكلمة التي تكتبها الكاتبات فتطير في شرق الأرض وغربها، وأمثالنا صامتون ساكتون، وربما لا يجيدون هذا الفن، أو إذا أرادوا الظهور في تلك الشاشات أو الكتابة على تلك الصفحات حيل بينهم وبين ما يشتهون.
стр. 2251
الحقيقة الغائبة
هذه امرأة تعبر عن حقيقة تلمسها، وعن واقع تعيشه، عن أمثلة حية نراها بأعيننا، تقول لنا عن نساء هذه البلاد الطاهرات: ما رأيت امرأة اشتكت من السعادة والاستقرار وراحة البال؛ لأن المرأة المسلمة فرحة بدينها، راضية بإيمانها، مستقرة ومحبة لزوجها، حنونة على أبنائها، ملكة في بيتها، قائمة بواجبها.
والمفسدون يقولون: إنها مغلوبة على أمرها، إنها مقيدة تريد التحرر، إنها مكبلة تريد الانطلاق.
لكن نساءنا يقلن غير ذلك، تقول: كلا، فهم يريدوننا بالقوة أن نشتكي من الفضيلة والشرف الذي يمنحنا إياه الحجاب الذي فرضه الله علينا.
وتخبر عن نسائنا فتقول: العاقلات منهن في ازدياد، ولا يغرنكم البنات في الأسواق، فإن الماكثات في البيوت آلاف الأضعاف، ما رأيت مثل إقبالهن على الله، لو رأيتم صفوفهن في المساجد في رمضان، والبنات في المدارس ينتظرن الندوات ويخشعن أمام المحاضرات، ويقبلن على القرآن بشغف وشوق، وهن في أوج المراهقة، وكان عدد المعتكفات في هذه السنة في مسجد الملك خالد في الرياض في حدود ثمانين معتكفة اعتكافاً كاملاً، نصفهن شابات في ربيع العمر.
لقد أظهرت غيظها وحنقها على أولئك الإعلاميين الذين يقلبون الحقائق، وأظهرت حقيقة الأمر حيث تقول: أغلبيتنا الساحقة داعية مثقفة محترمة، تعرف المؤامرة، وتدرك خطورة الانسياق وراء الغرب من بعض شعوب العرب.
إنهن يدركن المآل الذي نراه اليوم في بلاد مسلمة لديها تصريحات لممارسة البغاء والزنا، وبلاد عربية مسلمة فيها ملاهي الليل التي تحتسي فيها الخمور، والتي تدار فيها الكئوس وتتعرى الأجساد، ليست هذه المظاهر في بلاد غربية أو غير مسلمة، بل هي في بلاد المسلمين، ترونها كلما سافرتم، وتسمعون عنها وتعلمونها يقيناً، وبعض الناس يقارننا ببلاد تقرب منا بمسافات قصيرة، وكأن الجغرافيا هي التي تفرض العقائد وتفرض الشرائع والدساتير والأخلاق والقيم، وكأننا نقتبس من أي أحد، وكأننا في أعماق الجب نريد من يخرجنا، وكأننا في غياهب الظلمات ننتظر من ينير لنا الطريق، وكأنه ليس بين أيدينا كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ ، وليس هناك تاريخ عظيم لنساء مؤمنات مسلمات عالمات على مر التاريخ الإسلامي.
ثم أعود مرة أخرى لندائها وهي تخاطب المسئولين في بلادنا فتقول: لابد للدولة من أن تتدخل لإلجام ألسنة الكاذبات من النساء اللاتي يقمن بتشويه سمعة هذه الدولة المباركة أمام العالم.
تأتي هذه الصرخات الكلمات والمواقف لتصور لنا الحقيقة، وتبين لنا الخروقات التي يوشك أن تتسع على الراقع، وأول الغيث قطر ثم ينهمر، ومعظم النار من مستصغر الشرر، وإن الجبال من الحصى.
стр. 2252
شبه المفسدين والمنحرفين حول الحجاب وغيره والرد عليهم
مسألة خطيرة في بنائنا الاجتماعي، بل في معتقدنا الإيماني وفي التزامنا الإسلامي، تلك المتحدثة المنحرفة تقول: ما العيب في أن تكون العباءة ملاصقة للجسم؟ ثم تخاطبنا في مقالة وليست في مقابلة تلفزيونية بحديث خطير يمرر ويقر ويقرأ، ويجوس خلال الديار، تقول: في الآونة الراهنة تشتد حاجتنا إلى إجراءات سريعة وحلول فاعلة، تقلل من احتمال تفاقم الميل إلى العنف عند الأجيال الجديدة.
إنها تريد أن تقدم لنا علاجاً لمشكلة العنف والإرهاب التي ركب موجتها كل أحد في قلبه غيظ على الإسلام والدين والعفة والحشمة، وفي فكره خلل.
ثم تعطينا بعض هذه الخطوات اللازمة حيث تقول: لابد منها وبسرعة شديدة، منها -على سبيل المثال لا الحصر- ضبط مرجعيات الإفتاء.
ولست أدري هل تريد أن تكون إحدى المفتيات، وهي تخبرنا عما هو موجود وما هو غير موجود! ثم تقول: وتغيير الخطب الدينية التي تلقى هنا وهناك في عرض البلاد وطولها.
أي خطب هذه التي تغير؟! هل سنتكلم بلسان غير لساننا؟ هل سنقرأ في المنابر نصوصاً من التوراة بدلاً من القرآن؟! وهل سنذكر سيرة غير سيرة محمد ﷺ وأحاديثه؟! تريد تغيير الخطب الدينية في كل المساجد المؤسسة على التقوى في الحرمين الشريفين التي تنطق باسم المسلمين في كل مكان.
وتضيف قائلة: والبعد عن الاكتفاء بشجب التفجيرات واتخاذ الإجراءات الحاسمة.
وانظر إلى هذا القول: اتخاذ الإجراءات الحاسمة! وأقول: هل المراد اتخاذ الإجراءات الحاسمة تجاه المخدرات، وتجاه المسكرات، وتجاه العصابات، وتجاه الإجرام، أم تجاه أي تجمع ديني سواء كان لشباب أو على مستوى الندوات غير الرسمية التي تقيمها سيدات المجتمع في بيوتهن؟! تريد أن تقول: أيها النساء! لا تتحدثن في بيوتكن بآيات الله، ولا تقرأن أحاديث رسول الله، ولا تعظن أخواتكن؛ لأن ذلك فيه تغذية للإرهاب وزرع لبذور العنف! ثم تقول: إنها تريد الحسم ضد تجمعات النساء في بيوتهن.
وهذا من أعجب العجب، فكيف يسكت عنه؟! وكيف يمر دون حساب؟! وأحسب أن الأمر صار احتساباً تقدم فيه الدعارة في المحاكم؛ لأنه يتناولنا جميعاً بلا استثناء، ويتناول أخواتنا وزوجاتنا وبناتنا ونساء مجتمعنا وأحوالنا الطبعية، تلك هي بلاد الإسلام، الإسلام فيها في كل مكان وفي كل زمان وفي كل تجمع وفي كل بيت وفي كل مدرسة وفي كل جامعة، من أعجبه ذلك فليعجبه، ومن لم يعجبه فبلاد الدنيا كلها فيها من الفسق والعهر والفجور والكفر ما يكفيه ويكفي غيره من الآلاف.
فلماذا لا يريدون بلداً واحداً يبقى على طهارته وعفته وشرفه؟! لماذا يريدون أن يصلوا إلى معقل الإسلام وموئل الإيمان ومنبع الرسالة وبلاد الحرمين الشريفين؟! الأمر في هذا يطول والحديث فيه عظيم.
ثم تواصل أيضاً في قضية خطيرة، إنها ترى أن عندنا من الخطب والمحاضرات والمواعظ ما نحن في كفاية منه، فأوقفوه وأسكتوه ولا تزيدوا منه أبداً.
تقول: ليس الوقت بالملائم لتوعية أكثر في مجتمع متمسك بالإسلام وبتعاليم دينه؛ لأننا مسلمون متمسكون، فلماذا مرة أخرى تخطبون فينا؟ ولماذا تقولون المحاضرات؟ ولماذا تعدون برامج التوعية في المدارس والجامعات؟ وهذه المرأة تظهر متبرجة على الشاشات وتقول: يكفي فإن في مجتمعنا كفاية.
ثم ماذا تريد بدلاً عن ذلك؟ تقول: والتركيز عوضاً عن ذلك على إقامة مراكز للحوارات الدينية التي تتاح بها فرصة التحدث لكل الرؤى والمعتقدات.
فلنعقد في مساجدنا حواراً يكون المتحدث فيه يهودياً وإلى جواره نصراني وبينهما بوذي ليحدثونا عن أمورنا وعن شأننا، أليس هذا فحشاً من القول وشططاً؟ أليس حرياً بأن تكون هناك صرخات وغضبات عظيمة من معاشر الرجال قبل النساء؟!
стр. 2253
صور من تجاوزات المنحرفين المخالفة للدين والأخلاق
أيها الإخ الكريم! دعني أسرد لك جملة من الحوادث قريبة العهد، لتجمع بينها ولترى أن القضية ليست هينة، ولنعلم جميعاً أن الصفحة الأولى في كل جريدة الأصل أن يوضع في الركن الأيمن منها أو في صدرها الخبر الأساسي المهم، الذي غالباً ما يرتبط بحدث سياسي أو أمني خطير، لكننا نطالع في أكبر صحيفة عربية خبراً بصورته، ماذا يقول لنا؟ يقول: أول امرأة سعودية تشترك في سباق الراليات للسيارات.
إنه خبر مهم جداً حتى تصدر الصفحة الأولى بهذا العنوان! إنها امرأة سعودية لا تقود السيارة بل تشارك في سباق للسيارات، وتجرى معها مقابلة تقول فيها: إنها تعبر عن المرأة السعودية، وتفتخر بجسارتها وشجاعتها وأن أهلها لم يعارضوها، وأنها تأمل في المستقبل أن تشارك في السباقات العالمية لترفع اسم بلادها.
وغير ذلك مما تعلم.
وبعد ذلك بنحو أسبوع أو أسبوعين خبر آخر لامرأة سعودية تشارك في سباق آخر، وقبل ذلك بفترة أول امرأة سعودية تقود الطائرة، ولو بحثنا عن أول امرأة لوجدنا الكثير مما يبحثون فيه عن واحدة هنا أو هناك ثم يكون التسليط الإعلامي.
ووجه آخر، وهو إظهار هؤلاء النساء على أنهن يمثلن نساء بلادنا، وجلهن لم يعشن في هذه البلاد.
ولقد أتوا إلينا بامرأة عاشت ثلاثين عاماً في أمريكا، وهي تعيش حياتها متحررة من تعاليم دين الإسلام وضوابط الأخلاق، وجيء بها لتقدم محاضرة وهي سافرة متبرجة وتقول: إنها تعتز بانتسابها لهذه البلاد وتمثل المرأة المسلمة السعودية فيها.
ومثل هؤلاء النساء كذلك كلهن أقمن عشرات السنين خارج بلادنا، ثم يقدمن على أنهن النموذج الأمثل الذي يضرب للمرأة في بلادنا!!
стр. 2254
صور من حياة المرأة الغربية
أنتقل إلى ومضات أخرى ليست لنا، ولكنها لأولئك المفتونين والمأجورين الذين يتكلمون بلسان غيرهم، ويمررون مخططات غيرهم، ويأخذون ما يأخذون لأغراض لم تعد تخفى على كل صاحب عقل.
وفي صحيفة شهيرة أهدي لك هذه الإحصاءات لتهديها إلى أولئك المغرورين والمغرر بهم، فقد أجري استفتاء ودراسة على النساء في بريطانيا، ولا أحسب أحداً يمكن أن يتهم هذه الدولة بأنها منغلقة فكرياً، وأن نساءها معقدات، وأن رجالها على النساء متسلطون، لا أحد يتهمهم بذلك، ففي دراسة أجريت على ألف وخمسمائة امرأة، وظهرت النتائج أن (٦٨%) من الشابات البريطانيات لا يشعرن بالرضا عن الحياة التي يعشنها.
نقول لهؤلاء المغرورين والمفتونين: فهل تريدون أن نصل إلى ذلك بنسائنا وأخواتنا وبناتنا؟! المرأة المسلمة تقول: إنها مطمئنة مستقرة، يفيض بريق الفرح من عينيها عندما ترى أبناءها حولها، وتشع ابتسامة الرضا على ثغرها عندما تستقبل زوجها.
وهناك إحصاءات أخرى تقول: إن (٦٣%) من النساء في الغرب يردن تغيير ظروف حياتهن، (٦٧%) يشعرن بأنه ليس لهن أهمية تذكر في مقابل المشاهير.
وانظر إلى الإحصاءات العجيبة، فهناك ما هو أعجب، فواحدة من أصل عشر نساء في الغرب قالت: إنها لا تريد العمل بدوام كامل وترك أولادها في الحضانة.
و (٢٥%) يقلن: إنهن يرغبن في البقاء في المنزل للاهتمام بالأطفال.
ولو قالت امرأة من نسائنا اليوم ذلك لقيل لها: ما زلت متخلفة رجعية تريدين أن تحبسي نفسك في بيتك.
وهذه إحصائية في بلد غربي تقول: إن (٧٠%) من النساء يقلن: إنهن لا يردن العمل مثل جيل أمهاتهن.
و (١%) فقط منهن قلن: إن مسيرتهن المهنية ستبقى تتصدر أولوياتهن بعد إنجاب الأطفال.
وفي دراسة أخرى أيضاً في ذات البلد على الفتيات المراهقات في سن الخامسة عشرة على عينة قدرها ألفا فتاة، منهن (٣٥%) لا يشعرن بسعادة، فإن كانت في هذا السن لا تشعر بسعادة فما مصيرها؟! فبعد أعوام ستنتهك فيها عفتها، وتسلب حريتها، وتشتغل وتكد وتعمل، وتكون لقمة سائغة للذئاب البشرية من الرجال.
ثم تقول الإحصائية: إن (١٠%) منهن يقلن: إن الحياة لا تستحق مثل هذا المجهود، و (٥٠%) يقلن: إن الضغوط التي يواجهنها أكبر من قدرتهن على الاحتمال.
والثلثان يقلن: إن حياة آبائهن وأمهاتهن كانت أسهل بكثير في وجهة نظرهن، و (٣٧%) منهن لآباء وأمهات مطلقات منفصلات، أسر ضائعة مشتتة، و (٣٢%) يشعرن بحب كبير من آبائهن، وخذ الباقي من هذه النسبة، وهي (٦٨%) لا يشعرن بحب آبائهن لهن، و (٩٤%) يشعرن بضغوط لكي يظهرن بصورة جميلة، أي: لابد للفتاة الغربية أن تظهر فتنتها وجمالها، فهي تحتاج إلى أن تشتري الملابس وليس لديها المال، وتحتاج إلى أدوات الزينة وليس عندها، فهي تشعر بالضغط النفسي الرهيب، بينما فتاتنا تلقي على نفسها حجابها وجلبابها وتخرج إلى أي مكان ونفسها مستقرة، وليس عندها مثل هذه الحروب النفسية والضغوط النفسية التي ابتلي بها نساء الغرب وصرن يجأرن من مرها وحرها وقرها.
وهناك كلية عريقة في بريطانيا خاصة بالبنات جاءتها ضغوط؛ لأنها كلية خاصة بالبنات، فأصرت على أنها ستبقى كلية خاصة للبنات، ولها قرن من الزمان وهي تمنع الاختلاط في هذه الكلية.
واليوم يقال: إن هذا ضرب من التخلف والرجعية.
وأحد الأجهزة في الاتحاد الأوروبي قام بدراسة اجتماعية إحصائية ميدانية عام (١٩٩٩م) وتشمل هذه الدراسة ستاً وأربعين دولة، يبلغ إجمالي أعداد سكانها ثمانمائة وأحد عشر مليوناً من البشر، تقول هذه الإحصائية وهذه الدراسة: هناك انخفاض عدد الزواج في كل الأسر في هذه الدول إلا أربع دول شهدت ارتفاعاً طفيفاً من ست وأربعين دولة.
وتقول أيضاً: إن نصف النساء في سن الزواج لا يعقدن عقود زواج رسمية، بينما كان هذا العدد قبل ذلك (٩٠%)، وأما الولادات خارج الزواج ففي ازدياد مستمر، وترصد في بعض الدول بـ (٦٦%) من الولادات خارج نطاق الأسرة في أسكتلندا، و (٥٠%) في النرويج، و (٤٠%) في فرنسا، هل هذه قدوات نسعى إليها؟! هل هذه مجتمعات نريد أن ندخل في أتونها وحريقها ولهيبها؟! عجباً لأمر القوم، ولكنهم في كثير من أحوالهم مسيرون لا مخيرون.
وأقول أمراً أختم به في هذا المقام: إن هؤلاء حالهم كحال مثل ضربه لنا رسول الله ﷺ ، فهل رأيت النار إذا اشتعلت كيف تأتي إليها الفراش وتدخل فيها وتحترق؟ ذلكم هو الحال، لكن الرسول ﵊ ضرب المثل من نفسه فقال -كما صح في حديثه-: (إنما مثلي ومثلكم كمثل رجل استوقد ناراً، فجعل الفراش والهوام يقعن فيها، وجعل يذبهن عنها، فأنا آخذ بحجزكم من النار).
فيا أيها المسلمون! ذبوا عن نسائنا، وذبوا عن مجتمعاتنا، وذبوا عن ديننا، فلنحم أنفسنا من هذه النار المهلكة في الدنيا لننجوا من النار المحرقة والمهلكة في الآخرة.
أسأل الله أن يحفظ علينا إيماننا وإسلامنا، وعفتنا وأخلاقنا، وشرف وحياء نسائنا.
أقول هذا القول، وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 2255
دعوة إلى مواجهة دعاة السفور والمجون
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى من تبعهم واقتفى أثرهم ونهج نهجهم إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين.
أما بعد: فأيها الإخوة المؤمنون! أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله، فإن تقوى الله أعظم زاد يقدم به العبد على مولاه، والتقوى هي الاستمساك بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، إن يقيننا بكتاب ربنا وسنة نبينا أعظم وأقوى وأثبت من أن تنال منه هذه الهرطقات وتلك الاعتداءات التي تهذي بما لا تعرف، والتي تناقض الواقع وتنقض الحقائق، ولكننا في الوقت نفسه ينبغي لنا أن ننتبه لهذه المخاطر الداهمة.
وإنني أشكر الصارخة المسلمة والغاضبة المؤمنة، ونحن معها جميعاً نرفع لولاة الأمر الرجاء بأن يضربوا بيد من حديد على أيدي المفسدين؛ لأن هذا هو الفساد بعينه، وهو الذي يسبب اضطراباً وفرقة في المجتمع، وهو الذي يوجد جذوراً لما قد يسمى بالعنف، ولنعلم جميعاً أن أحداً لا يمكن أن يسكت إذا رأى أن عرضه ينتهك، أو أن عفة نسائه تهاجم، أو أن خدر بيته يراد أن ينقض وأن يزعزع.
فالأمور أعظم؛ لأنها دين ندين الله به، إن الحجاب ليس من عندنا ولا من بنات أفكارنا، إنه تنزلت فيه آيات القرآن الكريم: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ [النور:٣١]، ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ﴾ [الأحزاب:٥٩].
إنه قرآن يتلى وأحاديث تروى: (ما تركت بعدي فتنة أضر على النساء من الرجال)، ثم تأتينا تلك وهذه وذاك وأولئك ليقولوا لنا أمراً يناقض ما قاله الله وما قاله رسول الهدى ﷺ .
وهناك أمر آخر، وهو من الأمور المؤلمة المحزنة، ولعلي أختم به لأبقي الحزن والألم في القلوب، حتى لا نركن ولا نسكن، بل نتحرك ونغير لديننا ونناصح ونناشد وننبه ونحذر.
فهذا مركز يحمل اسم أم المؤمنين خديجة زوج النبي ﷺ ، كان فيه محاضرة سمع الناس الصدى العظيم الذي تركته اعتراضاً واحتجاجاً لما تضمنته من اعتداء على صحابي جليل، هو أعظم صحابة رسول الله ﷺ في كثرة رواية الحديث عنه.
ويتجدد الأمر في ذات المركز وبلسان محاضرة من بلادنا ومن محافظتنا تقول في بعض تنبيهاتها للنساء: احذرن أن يذهب أبناؤكن إلى المساجد وتحفيظ القرآن لئلا يقعوا في اللواط! وانظر إلى العجب العجاب في الربط بين بيوت الله وكتاب الله وهذه الفاحشة الكبرى، فأي أمر هذا؟! وأي قول ورجم وقذف هذا؟! والأمر في هذا الشأن فيه خروقات، لكن هي قليلة وشاذة، ولا تعبر إلا عن قلة من الناس، لكن هذه القلة تكلمت وصمتنا، وظهرت واختفينا، وقالت وشاع قولها، ونحن إذا قلنا قيل: لماذا تتحدثون بهذا؟ وإذا غضبنا قيل: لماذا هذا التهييج؟ وأقول: عجباً! أينتهك ديننا ويعتدى على أعراضنا ويراد منا أن نضحك ملء أشداقنا، وأن ننام ملء أعيننا؟! إنها المفارقات العجيبة.
أسأل الله أن يحفظ بلاد الحرمين من كل سوء ومكروه، وأن يحفظ عليها أمنها وإيمانها، وسلمها وإسلامها، وأمنها ورغد عيشها، ونسأل الله أن يصرف عنا كيد الفجار وشر الأشرار، وشر فتن ومحن طوارق الليل والنهار.
اللهم! إنا نسألك التقى والهدى والعفاف والغنى، اللهم! تول أمرنا، وارحم ضعفنا، واجبر كسرنا، واغفر ذنبنا، وبلغنا فيما يرضيك آمالنا.
اللهم! إنا نسألك العفو والعافية والمعافاة الدائمة في الدين والدنيا والآخرة.
اللهم! احفظ نساءنا وأزواجنا وبناتنا، اللهم! جملهن بالحياء والعفة، واحفظهن بالحياء والحشمة، اللهم! من أرادهن بسوء فرد كيده في نحره، واشغله بنفسه، ولا تبلغه -اللهم- غاية، واجعله -اللهم- لمن خلفه آية.
اللهم! إنا نسألك أن تحفظ مجتمعنا من شرور الفساد والانحلال في الأخلاق، اللهم! يا أرحم الراحمين! يا رب العالمين! احفظ علينا إيماننا في قلوبنا، وإسلامنا في سلوكنا وأخلاقنا ومعاملاتنا، واحفظ عفتنا وحياءنا برحمتك يا أرحم الراحمين.
اللهم! أعز الإسلام والمسلمين، وارفع بفضلك كلمة الحق والدين، ونكس رايات الكفرة والملحدين، اللهم! من أرادنا وأراد الإسلام والمسلمين بخير فوفقه لكل خير، ومن أرادنا وأراد الإسلام والمسلمين بسوء فاجعل دائرة السوء عليه، واجعل تدبيره تدميراً عليه يا سميع الدعاء.
اللهم! عليك بسائر أعداء الدين فإنهم لا يعجزونك، اللهم! أحصهم عدداً واقتلهم بدداً ولا تغادر منهم أحداً.
اللهم! أرنا فيهم عجائب قدرتك وعظيم سطوتك، اللهم! إنا ندرأ بك في نحورهم، ونعوذ بك -اللهم- من شرورهم.
اللهم! لطفك ورحمتك بإخواننا المسلمين المضطهدين والمعذبين والمشردين والمبعدين والأسرى والمسجونين والجرحى والمرضى في كل مكان يا رب العالمين.
اللهم! امسح عبرتهم، وسكن لوعتهم، وفرج همهم، ونفس كربهم، وعجل فرجهم، وقرب نصرهم، وادحر عدوهم واحفظ أعراضهم واحقن دماءهم، وبلغهم -اللهم- فيما يرضيك آمالهم، واجعل لنا ولهم من كل هم فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً، ومن كل فتنة عصمة، ومن كل بلاء عافية.
اللهم! اجعل بلدنا آمناً مطمئناً رخاء وسائر بلاد المسلمين، واحفظ -اللهم- أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين.
اللهم! وفق ولي أمرنا لهداك، واجعل عمله في رضاك، وارزقه بطانة صالحة تدله على الخير وتحثه عليه يا سميع الدعاء.
اللهم! أحسن ختامنا وعاقبتنا في الأمور كلها، وأجرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة، وانصر -اللهم- عبادك وجندك المجاهدين في كل مكان يا رب العالمين.
عباد الله! صلوا وسلموا على رسول الله استجابة لأمر الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٥٦]، وترضوا على الصحابة الكرام خصوصاً على أجلهم قدراً وأرفعهم ذكراً ذوي القدر الجلي والمقام العلي أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعلى سائر الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، اللهم صل وسلم وبارك وأنعم على نبيك محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.
стр. 2256
صور حزينة ومخاطر جسيمة
من أعظم المصائب التي حلت بالمسلمين سقوط بغداد بأيدي الأمريكان ومن تعاون معهم من الخونة والعملاء، وإن سقوط بغداد لهو بداية مسلسل أعدت حلقاته لينتهي بسيطرة اليهود على بلاد المسلمين دولة دولة، والقضاء على الإسلام في عقر داره، ولذا يجب على المسلمين حكاماً ومحكومين العودة إلى الله، وأخذ العبرة، والتنبه والحذر، والتعاون والتآزر ضد الأعداء.
стр. 2257
مأساة سقوط بغداد
الحمد لله، الحمد لله له الحكمة البالغة والرحمة الواسعة والنعمة السابغة، له الحمد جل وعلا سنته ماضية، ومشيئته نافذة، فله الحمد على ما قدر وأمضى، وله الحمد على ما أخذ وأعطى، وله الحمد على ما أزال وأبقى، هو أهل الحمد والثناء، لا نحصي ثناء عليه هو كما أثنى على نفسه، فله الحمد على كل حال وفي كل آنٍ حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه على آلائه ونعمه التي لا تُعد ولا تُحصى، حمداً كما يحب ربنا ويرضى.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير.
وأشهد أن نبينا وقائد وقدوتنا وسيدنا محمداً عبد الله ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، ختم به الأنبياء والمرسلين، وجعله سيد الأولين والآخرين، وكثرنا به من بعد قلة، وأعزنا به من بعد ذلة، وأرشدنا من بعد غواية، وبصرنا من بعد عماية، فأشهد أنه ﵊ قد بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك.
صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
стр. 2258
دعوة للمسلمين إلى الاتعاظ بسقوط بغداد
ألسنا نسمع اليوم بشكل مفصل وواضح عن ظلم نظام بغداد وما صنعه، وأن الأسباب التي أدت إلى ذلك هي كيت وكيت وكيت؟ ويعجب المرء! أليست هذه الأسباب موجودة هنا أو هناك بصورة قد تقل أو تكثر؟! أفلا ينطق لسان ليقول: بيدي لا بيد عمرو، ليكن تغييرنا بأيدينا، وليكن إصلاحنا من ذواتنا، ولتكن مراجعتنا قبل أن تأتينا الدواهي مرة أخرى، ونحن نعرف ونوقن أنها حرب لم تنته، وأنها مرحلة في بدايتها، وأن وراءها من الأهداف والخطط والأعمال ما وراءها مما يستهدف كل واحد منا في عقر بيته وفي فراشه الذي ينام عليه.
إنها ليست قضية هينة، ولا حادثة عابرة، ولا أسابيع ثلاثة، ولا قليل من هدم أو قتل أو تدمير، وإن كان المرء يعجب كيف يفرح أولئك الذين فرحوا وبجوارهم دماء إخوانهم وأقربائهم، وبجوارهم وعلى مرأى أعينهم دمار بلادهم؟! ولكنها المشاعر المتناقضة والأحوال المحيرة أحاطت بأولئك.
ولعلي هنا أيضاً أستحضر ما أسلفت القول فيه مراراً وتكراراً: الذين كانوا يقرءون أحاديث وأخبار الفتن، والذين كانوا يخدرون الناس بذلك الذي سيبطش بجيوش الروم، وسينهيها، وسيكون كذا، ويقع كذا، ويحصل كذا، ويرسمون صورة من خيال مريض وفهم سقيم ونفس منهزمة، ويضيفون إليها من أضغاث الأحلام وأخلاط الأقاويل ما يضيفون؛ ليكشفوا عن صورة من صور ضعفنا؛ لأننا تركنا ما بأيدينا من كتاب ربنا وسنة نبينا، وأردنا أن نبحث وننسق ذلك مع بعض الروايات الصحيحة وكثيراً من الروايات الضعيفة بل والموضوعة، بل ويضاف إلى ذلك أخبار من التوراة ومن الإنجيل والعهد القديم والجديد؛ لنقول: إن هذا هو الذي سيحدث؛ رجماً بالغيب، وتوهيناً للنفوس، ولعلها ليست المرة الأولى، بل قد سبقتها مرات! فهل ستعي الأمة وتعود من بعد لترسم صوراً أخرى، وتحدد تواريخ أخرى، وتعيد مرة أخرى غياب العقل وغياب القلب وغياب المنهج وغياب العمل الصحيح نحو ما ينبغي أن نواجهه تجاه أعدائنا، بدلاً من الكلام والتشقيق؟! ولعلي أذكر أيضاً القضية الكبرى التي تثار الآن، وهي: قضية الشعوب وآرائها وحرياتها وقدرتها على فعل ما ينفعها، وقدرتها على المشاركة في مصيرها، وكل الناس يتحدثون عن غياب دام نحو ثلاثة عقود في العراق، وأدى إلى مثل هذه المأساة أو كان سبباً فيها.
فأين هذا أيضاً من أمر أساسي في ديننا؛ ألا وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأمر الإصلاح للحاكم والمحكوم، أمر: متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً؟! أمر الإسلام والإيمان الذي يوجد عزة لا تقبل ذلاً وقوة لا تقبل ضعفاً، وغير ذلك مما أسلفناه وذكرناه.
ولا أود أن أستطرد في هذا؛ فإن فيه بعض الأحزان والجراح، لكنها يقظة إن لم تكن كاملة تامة، فيوشك أن يقول كل أحد وكل مجتمع وكل بلد: أُكلت يوم أكل الثور الأبيض، وما ذلك عنا ولا عن غيرنا ببعيد.
стр. 2259
تشابه الخونة في كل زمان ومكان
ولعلي هنا أنقل صفحة مكتوبة منذ قرون طويلة، أنقلها بنصها؛ لعلنا نرى بعض صور التشابه، تلك الصفحات من البداية والنهاية لـ ابن كثير في الوقائع التي وقعت في سقوط بغداد سنة ست وخمسين وستمائة من الهجرة.
يقول ابن كثير: استهلت هذه السنة وجنود التتار قد نازلت بغداد، وجاءت إليهم أمداد صاحب الموصل يساعدونهم على البغاددة؛ وكل ذلك خوفاً على نفسه من التتار، ومصانعة لهم قبحهم الله، وقد سترت بغداد، ونصبت فيها المجانيق والعرادات وغيرها من آلات الممانعة التي لا ترد من قدر الله شيئاً، كما ورد في الأثر: لن ينجي حذر من قدر، وكما قال تعالى: ﴿إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لا يُؤَخَّرُ﴾ [نوح:٤]، وكما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ﴾ [الرعد:١١].
قال: وكانوا مائتي ألف مقاتل وصلوا بغداد في الثاني عشر من شهر الله المحرم، وصل التتار بجنوده الكثيرة الكافرة الفاجرة الظالمة الغاشمة ممن لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر، فأقاموا ببغداد من ناحيتها الغربية والشرقية، وجيوش بغداد في غاية القلة ونهاية الذلة.
ولا أريد أن أعلق على هذه الصورة والصفحة؛ فهي غنية عن ذلك التعليق، ونود أن ننتبه وأن نلتفت إلى كثير مما ينبغي أن نتنبه له: إن هذه الصور الحزينة ينبغي ألا تمر فقط لتكون شيئاً من ألم يمكن أن يُخفف بعد قليل من الوقت، ولا شيئاً من حزن يمكن أن يُسرى عنه بشيء من اللهو، إنها لابد أن تغوص وأن تتعمق في أصول الفكر والنفس على قاعدة المنهج الواضح البين في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ .
стр. 2260
مأساة اعتزاز الخونة بالكفار
أليس حزيناً ما رأيناه مما فعله بعض أهل العراق؟ وربما يكون لهم عذر في كثير مما جرى لهم وجرى منهم، لكنه مشهد مؤلم أن يهتف المسلم العربي بحياة الكافر الأمريكي، وأن يتمنى عزه ورخاءه، وأن يطلب نجدته ومروءته، وأن يقبله، وأن وأن وأن إلى آخر ما رأينا من تلك الصور.
وغير ذلك أيضاً: كيف ذهبت تلك الجعجعة وتلك الأصوات التي صمت آذان الناس، حتى ظنوا أن وراء الجعجعة طحناً، فإذا بهم يسمعون جعجعة ولا يرون طحناً؟! وأين اختفى القادة والزعماء والأبطال والشرفاء؟! أتراهم قد ماتوا مثل الضعفاء تحت الأنقاض؟! أتراهم قد ذهبت أموالهم وأهدرت ثرواتهم وضاع مستقبلهم مثل الملايين المضيعة؟! أحسب -وليس عندي ولا عندكم- علم يقين أن مثل هذا لم يحدث، وأن غيره بعد سكون دام اثنتي عشرة ساعة في ليلة واحدة ثم أصبح الصباح وكأنه يوم من غير أيام الدنيا، كيف تم ذلك ووقع؟! إن كل ذي لب لا يكاد يفهم هذا إلا أن يدخله في دائرة من دوائر الاتفاقات والخيانات من كل الأطراف التي مصلحتها على حساب كل شيء بعد ذلك.
стр. 2261
ذلة وبلاء
أيها الإخوة المؤمنون! صور حزينة وأحداث أليمة ربما حيرت العقول، وربما بثت في النفوس وهناً ويأساً مشوباً بالحزن والألم، وما من شك أن كل ذي قلب مؤمن وكل ذي نفس حية وكل ذي عقل بصير يؤلمه ما جرى من هذه الأحداث، وما انتهت إليه من صورة أدخلت إلى النفوس صورة الذل بالقهر والتسلط، وصورة الضعف بالخيانة والاستسلام، وصورة الانخداع بالأوهام والشعارات.
ولكن الأمر المهم الذي كنا وما زلنا وسنظل نُعنى به: أصولنا الثابتة التي لا تتغير قرآننا الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه هدي رسولنا ﷺ المعصوم من كل خطأ سيرة أمتنا التي تضمنت من سنن الله عزها ونصرها وقوتها إذا ارتبطت بدينها، وذلها وضعفها وشتاتها إذا أعرضت عن نهج ربها.
فالسنن القرآنية الإلهية الماضية ينبغي ألا يفقدنا تذكرها هول ما يجري، ولا عظمة ما قد يداخل النفوس من حزن تلك الحقائق.
ولأن الأمور قد تؤدي إلى مؤداها التي انتهت إليه لابد أن نعلم أن مواجهتنا مع الكفر وأهله، وأن استهداف أعداء الإسلام للإسلام وأهله، ليس في جولة واحدة، وليس في دولة واحدة، وليس في ميدان واحد.
وما جرى في بغداد، وقبلها في أفغانستان، وما جرى قبل ذلك من أمور وأحداث، وما جرى ويجري ولا زال يجري في أرض فلسطين الحبيبة من تسلط للأعداء وتمكن لهم، لا يعني أن الأمر قد انتهى، وأن نرى ما نرى من تلك الصور الحزينة التي داخلت كثيراً من النفوس.
وأنا أعلم أن كلاً منا قد مرت به الأيام الماضية وهو كسيف البال، وهو عظيم الحزن، وهو شديد الاستغراب، وهو متحير اللب، وهو يضرب أخماساً بأسداس، لكننا - بحمد الله- ما زلنا نصلي في المحاريب، وما زلنا نسجد بين يدي الله، وما زلنا نتلو القرآن، وما زلنا نعرف أن خير البشرية هو محمد ﷺ ، فما زلنا كذلك، وينبغي أن نظل على ذلك، فإنه ليس نصر الأعداء -وهم يعرفون ذلك- بزوال نظام، أو بانتهاء طاغية، أو بالتآمر معه والاتفاق على الخيانة، ولا بتسلطهم على الثروات التي يريدونها ويريدون من خلالها التحكم في بلاد الإسلام وشعوبه.
стр. 2262
هدف أعداء الإسلام من حربهم على الإسلام
ولكن هدفهم الأعظم هو كما أخبرنا عنه الحق بقوله: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾ [النساء:٨٩]، وكما قال الحق جل وعلا: ﴿إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ﴾ [الممتحنة:٢]، وقال: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة:١٢٠].
فالعق أحذيتهم، ووافق سياستهم، وأعطهم ملذاتهم، ومكنهم من الثروات، ولا يعني ذلك أنهم قد بلغوا منتهى أملهم ولا غاية مقصدهم، حتى يدخلوا إلى أفكار العقول فيغيروها، وإلى مشاعر النفوس فيبدلوها، وإلى ما يُقرأ في المحاريب والمساجد لتقرأ من بعده أو معه أو في أثنائه التوراة والإنجيل، لا أقول ذلك مبالغة، بل إنه حق واقع نطقت به الألسنة، وأعُدت له الخطط، ونُشرت على أعين الناس.
стр. 2263
ظلم ومكر أعداء الإسلام في حربهم على الإسلام
ولعلي أشير إلى ومضات من هذه الصور الحزينة، ولابد أن نخرج منها بدروس ثمينة، ولابد أن ترشد العقول، وأن تنتبه وتلتفت الأنظار لجميع أمة الإسلام من أصغر صغير إلى أكبر كبير، ومن الفرد العادي إلى الحاكم الذي يسوس الأمور، ويدبر الأحوال في أمته أو دولته.
هذه الصور التي رأيناها رأينا معها عجباً، فكيف وقعت هذه الواقعة؟! ولاشك أن بعض النفوس بعواطفها الجانحة ما زالت لا تصدق ما جرى، وأن بعض العقول التي أصابتها لوثة العظمة الفارغة دون أن تدرك حقيقة المخالفة الصريحة للقرآن وللسنة ولمنهج الإسلام ما زالت تقول أقوالاً عجيبة وغريبة، ولا تكاد تبصر الأمر وهو واضح.
إنه الطغيان والظلم الذي مكن له الأعداء والأولياء، وكان على رءوس الضعفاء والبؤساء، فمن الذي مكن لهذا النظام ابتداءً؟ ومن الذي أعانه بالأسلحة؟ ومن الذي أمده بالقوة، ومن الذي غض الطرف عن جرائمه ليس في يوم ولا يومين ولا عام ولا عامين ولا عقد ولا عقدين بل أكثر من ذلك، أليسوا هم المحررين اليوم؟! ومن يطالع ويقرأ هذا يراه رأي العين في صور واضحة تمثل في علاقات قديمة، وفي عقود مبرمة قد أظهرتها اليوم الأخبار والأحوال.
ثم أين الدول العربية والإسلامية التي لا زالت إلى اليوم تظن أنها في قولها هذا محقة؟ إنه قد كان ظلم وبغي وعدوان، وقد وقعت إزاحته، لكن من الذي أزاحه؟ وأين العرب والمسلمون؟ ولماذا خرست ألسنتهم، وعميت أبصارهم، وصمت آذانهم، وشلت أيديهم، وتعطلت مسيرتهم؟! بل كانوا مساهمين في مثل هذا الظلم بصورة أو بأخرى: إما بمشاركة له، أو سكوت عنه، أو تغطية عليه، أو أية صورة من الصور الأخرى.
стр. 2264
حقائق أهداف الحرب على العراق
стр. 2265
تغيير مناهج التعليم الإسلامية
أظننا نفقه اللغة العربية، ونعرف أن هذا الكلام واضح، بل فاضح، ولا يحتاج إلى إثبات وأدلة، ومن أراد فسأخبره بما نشر بالأمس وليس قبل الحرب، واستمعوا إلى هذا الخبر الذي يقول: إن الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية قد طلبت قبل شهرين عروضاً لتجديد نظام التعليم العراقي بمبلغ قدره خمسة وستون مليون دولار، يشمل تأهيل الأساتذة، وإصدار كتب مدرسية جديدة، ويضع الأساس لممارسات ومواقف ديمقراطية، سواء لدى الأطفال أو لدى الأساتذة، آخذاً بعين الاعتبار توزيع اللوازم المدرسية، ويقولون: مثلما حصل في أفغانستان، حيث قدمت العروض وفازت شركة بها بمبلغ ستة عشر مليون ونصف، وقد قامت بإعداد ذلك، وتوزع في هذا العام عشرة ملايين كتاب مدرسي بتصميم منهجي أمريكي!! وفي هذه الفترة أيضاً نشر: أن اللجنة اليهودية الأمريكية قامت بدراسة شاملة للمناهج في المملكة العربية السعودية، وقدمت تقريراً مفصلاً في مائة صفحة، ومما جاء فيه: أن هذه المناهج تدرس أن القرآن كتاب الله، وأنه هو المحفوظ، وأن التوارة والإنجيل فيها تحريف وتغيير، وتدرس أن القرآن يقول: إن النصارى واليهود كفار.
وتدرس أيضاً: أن المسلمة لا يجوز لها أن تتزوج من كافر أو كتابي، والمسلم يجوز له أن يتزوج من كتابية، وتدرس كذلك: أن الجهاد ماضٍ إلى يوم القيامة، وأن الجهاد له غايتان: إما النصر على الأعداء، أو الاستشهاد في سبيل الله، وتدرس وتدرس واقرءوا هذا التقرير منشوراً في بعض الصحف والمجلات؛ لتعرفوا أن القضية لم تعد أقوالاً، بل لقد درست وبحثت، وهي في العراق وفي أفغانستان قد قدمت عروضاً، وهي في أفغانستان قد طبقت تطبيقاً عملياً.
وهذه هي القضية الخطيرة.
стр. 2266
إنشاء نظام جديد متآمر مع اليهود
ولعلنا أيضاً نقف وقفة مهمة، كنت ولا زلت أكرر القول فيها، ولا زلت أريد أن نفقهها، وأن تكون أساساً ثابتاًً: الصراع الأكبر مع اليهود عليهم لعائن الله، وهم الذين يحركون هذه الحرب وغيرها من الحروب التي جرت قبلها، وعندما نطق بذلك سياسي منتخب في مجلس الشعب الأمريكي لمدة نحو ربع قرن سبع مرات متتالية بهذه الحقيقة وقال: إن الذين يؤزون نحو الحرب هم اليهود في أمريكا، كان مصيره أن يستقيل من منصبه، وأن يقدم اعتذاراً، ثم جُرد من كل المشاركات في جميع اللجان.
وهذا بعض ما جاء في صحافة اليهود مرتبطاً بهذه الأحداث، يقولون: إن نجاح هذه الحرب في فرض نظام جديد في العراق يتمتع بالاستقرار، سيعني توجيه ضربة قوية للقوى الراديكالية الإسلامية في المنطقة، ولن ترسل هذه القوة مرة أخرى قواتها العسكرية إلى دول أخرى، ولكن إذا انتهت هذه الحملة بنجاح فإن الضغوط التي تمارسها على الدول ستؤتي ثمارها، وستفعل فعلها، وهي معركة أيضاً ضد التنظيمات الإرهابية في إسرائيل.
ما هو الجوهر المهم في هذا؛ فإن هذا الإنشاء للنظام الجديد إنما هو ليجعل هذا النظام متفقاً مع إسرائيل وعاقداً للسلام معها ومتحالفاً معها ضد غيرها، ومعروف هذا الغير الذي سيكون بين فكي كماشة العراق والدولة اليهودية الغاصبة.
ونحن عندما نقول هذا معاشر الأخوة الأحبة! لا نقوله لنفت في العضد، ولا لنحدث اليأس؛ ولكن لنوجد اليقظة، ولنشحذ الهمة، ولنوقد نار الحماسة، ولنؤسس انطلاقة العزم والجزم والحزم، والحيطة والحذر، والمقاومة الحقيقية، والوقاية الشاملة، والإصلاح الجذري الذي ينبغي أن نسعى إليه في أعماق نفوسنا، وفي حلس بيوتنا، وفي واقع مجتمعاتنا، وفي أنظمة تعاملنا، وفي سائر أحوال أمتنا ودولنا.
نسأل الله أن يردنا إلى دينه رداً جميلاً، وأن يلزمنا كتابه، وأن يلزمنا هدي رسوله ﷺ ، وأن يدرأ عنا الفتن ما ظهر منها وما بطن؛ إنه ولي ذلك والقادر عليه.
أقول هذا القول، وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب، فاستغفروه؛ إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 2267
الاستيلاء على ثروات العراق والحركات الإسلامية
ولعلي أذكر الآن بالحقائق التي قيلت قبل هذه الأحداث وبعدها وأثناءها: ما هي الأهداف؟ وهل هي هذه الأسلحة التي لم يرها أحد؟ وهل هي هذه الأنظمة التي لم يقبض عليها أحد، ولم يقدمها للمحاكمة أحد، ولم يثبت أحد قتلها وإنهاءها؟ وهل كل الذي جرى لأجل هذا؟ هذا كاتب أمريكي قبل هذه الحرب بنحو شهرين -كما هو منشور في صحفنا العربية- يقول: تعلن قيادتنا أن هذه الحرب لأجل تدمير أسلحة الدمار الشامل، ولكننا نقول: إلا أن ذلك ليس كل ما نسعى لتحقيقه؛ إذ إننا نريد نفط العراق بكل ما يتأتى إلينا منه من فوائد كبيرة، كما أننا نعمل على إحداث تغييرات سياسية واقتصادية واجتماعية في دول عربية كثيرة.
ثم يقول ويكشف عن التهديد الأكبر: ليس هذا النظام وليس جعجعته الكاذبة وليس أسلحته التي لا وجود لها، وإن ما يهدد المجتمعات الغربية الحرة فعلاً ليس الرئيس العراقي الذي يمكن تجنبه وردعه فهو يحب الحياة أكثر من كرهه لنا.
إذاً: ما هو الخطر؟ يقول: إن الخطر الحقيقي الذي يواجهنا والذي لا يمكننا تجنبه وردعه هم أولئك الشباب العرب الذين يكرهوننا أكثر مما يحبون الحياة، ويشكلون فعلاً صواريخ بشرية تعتبر جزءاً من أسلحة الدمار الشامل، والقادرون على تدمير مجتمعاتنا الغربية المفتوحة.
ثم يقول: كيف يمكن تنشئة هؤلاء الشباب؟! وما هي الآلية التي تنتهجها هذه الدول لتنشئتهم؟! ثم يضيف: الحرب ضد العراق بمثابة رسالة قوية إلى هذه المنطقة، مفادها: إننا لن نترككم وحدكم بأي حال من الأحوال لتلعبوا بالكبريت؛ لأنكم حين قمتم بذلك في المرة الأخيرة احترقنا!
стр. 2268
أهمية أخذ الدروس والعبر من الحرب القائمة على الإسلام
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين نبينا محمد، وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين.
أما بعد: أيها الإخوة المؤمنون! أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله؛ فإن تقوى الله أعظم زاد يقدم به العبد على مولاه.
وإننا ونحن نذكر هذه الأحداث ينبغي لنا أن نعي الدروس والعبر، فالحرب على الإسلام لم تكن بنت اليوم ولا بنت الأسابيع الثلاثة الماضية، ولا بنت ما بعد أحداث سبتمبر الشهيرة كما يقولون، إنها حرب كانت منذ زمن طويل، وهي اليوم في أشد أوقاتها، ولكن ما بعد هذه الحرب العسكرية هو الأخطر والأشد.
стр. 2269
التعاون والتآزر بين المسلمين
وكذلك لابد أن يعظم تآزرنا، وأن تقوى روابطنا، وأن تترسخ أخوتنا على مستوى الأفراد والمجتمعات، وعلى مستوى الدول؛ فإن الدول العربية والإسلامية التي ما زالت نائمة وغير مدركة في حقيقة الأمر وفي حقيقة الفعل لمثل هذه الوقائع معنية اليوم لأن تمد أيديها إلى بعضها، وأن تتناسى خلافاتها، وأن تلتقي على أساس الوحدة الإسلامية والمنهج الرباني.
فإن هي فعلت أنقذت أممها وشعوبها من هذه الأخطار المحدقة، وإن هي غفلت عن ذلك فيوشك أن يكون ما لا تحمد عقباه.
نسأل الله أن يرد كيد الكائدين، وأن يدفع شرور المعتدين، وأن يسلم ديار المسلمين، وأن يحفظ أعراضهم وأموالهم، وأن يحقن دماءهم.
اللهم أمن الخائفين، وأطعم الجائعين، واكس العارين، واسق العطشى، وعاف المرضى، واشف الجرحى، وفك الأسرى من عبادك المؤمنين في كل مكان يا رب العالمين! اللهم خذ بنواصينا إلى طريق الحق والسداد، وألهمنا الرشد والصواب، اللهم ردنا إلى دينك رداً جميلاً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واهدنا لما اختلف فيه من الحق بإذنك، وأخرجنا من الظلمات إلى النور.
اللهم لا تفتنا ولا تفتن بنا، ولا تجعلنا فاتنين ولا مفتونين، اللهم ثبتنا بتثبيتك، وأيدنا بتأييدك، اللهم اجعل بصيرتنا من كتاب الله، وهدينا من سنة رسول الله ﷺ .
اللهم إنا نبرأ إليك مما فعل السفهاء منا، ونعوذ اللهم بك من شرورنا، ونسألك اللهم اللطف فيما تجري به المقادير يا أرحم الراحمين ويا أكرم الأكرمين! اللهم لطفك ورحمتك بأمة الإسلام والمسلمين، اللهم اكشف الضراء، وارفع البلاء، والطف فيما يجري به القضاء، اللهم اكشف الغمة، وارفع البلاء عن الأمة.
اللهم يا حي يا قيوم نسألك أن تبرم لهذه الأمة أمر رشد يُعز فيه أهل طاعتك، ويُذل فيه أهل معصيتك، ويُؤمر فيه بالمعروف، ويُنهى فيه عن المنكر يا سميع الدعاء.
اللهم مكن في الأمة لأهل الخير والرشاد، واقمع أهل الزيغ والفساد، وارفع في الأمة علم الجهاد، وانشر رحمتك على العباد برحمتك يا أرحم الراحمين! اللهم اجعل هذا البلد آمناً مطمئناً رخاءً وسائر بلاد المسلمين.
اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا في من خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين.
اللهم وفق ولي أمرنا لهداك، واجعل عمله في رضاك، اللهم انصر عبادك وجندك المجاهدين في كل مكان يا رب العالمين! اللهم ثبتهم بتثبيتك، وأيدهم بتأييدك، اللهم أنزل في قلوبهم الصبر واليقين، وثبتهم في مواجهة المعتدين، اللهم رضهم بالقضاء، وصبرهم على البلاء يا رب الأرض والسماء! اللهم اجعل لنا ولهم من كل هم فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً، ومن كل فتنة عصمة، ومن كل بلاء عافية يا سميع الدعاء! عباد الله! صلوا وسلموا على رسول الله؛ استجابة لأمر الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٥٦]، وترضوا على الصحابة الكرام، أخص بهم منهم بالذكر ذوي القدر العلي والمقام الجلي، وهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، وعلى سائر الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
والحمد لله رب العالمين.
стр. 2270
مواجهة الأعداء في جميع الميادين
وقد ذكرت من قبل أن مواجهة الأعداء ليست في ميدان واحد، وذكرت أن كلاً منا على ثغرة، فأنت على ثغرة في تربية أبنائك، وأستحضر هنا أن سبعين عاماً من الشيوعية المهلكة الكافرة الملحدة انقشعت، ووجدنا بعض المسلمين كانوا يعلمون أبنائهم القرآن تحت الأرض في منتصف الليل على أضواء الشموع! فهل نستطيع أن نواجه لنكون متشبثين حتى آخر رمق من حياتنا؛ لا بتراب ولا ببناء ولا بحضارة حتى وإن زعموها حضارة معرقة في التاريخ، وإنما لنحافظ على دين الله، على الإسلام العظيم، على هدي رسول الله ﷺ ، وعلى تاريخ أمة أرادها الله لتكون خير أمة أخرجت للناس، وأن نعرف أننا مستهدفون؛ لأننا أمة محمد ﷺ ؛ ولأن بين أيدينا كتاباً محفوظاً، وعندهم كتباً محرفة يعرفون تحريفها، وعندنا نبياً معصوم ﷺ ، وعندهم أنبياء أدخلوا على سيرهم وألحقوا بهم، بل وفعلوا بهم ما لا يليق أن يُفعل بسقط الناس وأراذلهم، ولدينا شريعة صالحة لكل زمان ومكان، وعندهم قوانين وضعية تلعب بها الأهواء وتغيرها الآراء! وعندنا تماسكاً أسرياً وترابطاً أخلاقياً يكاد بنيانه أن يتصدع بعد أن ولجت فيه كثير من الآثار السلبية، لكن ذلك لم يكفهم، بل رأوا أن هناك بقية باقية وسنة ماضية، كما قال ﷺ : (لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين، لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك).
فقد رأوا كيف كان الأبناء وكيف كان الشرفاء والأبطال والمجاهدون في فلسطين بعد أكثر من خمسين عاماً من التهويد، ومن البطش، ومن التهديد والتعذيب والتشريد، رأوهم وهم يعودون من المساجد بأيدٍ متوضئة، وبألسنة مكبرة، وبجباه ساجدة، وبنفوس عزيزة، يقف أحدهم أمام دبابة لا يأبه بها، ولا يكترث لها! ورأوا من بعد ذلك مثلكم وكثيرون غيركم وهم يسيرون إلى رحاب الله، وهم يستمعون إلى كلام الله، وهم يستحضرون تاريخ أمتهم، وهم يعودون إلى مصادر قوتهم وعزتهم، وأما هم فهم في أفول نجمهم؛ فأعدادهم تتناقص، ومواليدهم أقل من موتاهم، وقد ألف أحدهم كتاباً حديثاً منذ نحو عام سماه (موت الغرب)، وأشار فيه إلى أن سبع عشرة دولة غربية أعداد الجنائز فيها أكثر من أعداد المهود! ثم ذكر بعد ذلك صوراً من الموت في الأخلاق والأنظمة والعرقية والعنصرية، وكيف يرضون ذلك وبأيديهم قوة عسكرية واقتصادية وسياسية؟! وذلك مؤذن ببداية مواجهة عظيمة، ينبغي أن يوطن الناس أنفسهم لها، وأعظم توطين أن نربط القلوب بخالقها، وأن نعلق النفوس ببارئها، وأن نرشّد العقول بمنهج الله .
стр. 2271
التعرف على مكمن الخلل وتلافيه
ولذلك لا ينبغي أن نقول: قد وضعت الحرب أوزارها لا عسكرياً ولا غير عسكري، بل ينبغي أن نشحذ هممنا وعزائمنا، وأن نعرف خللنا وقصورنا، وكنت قد تحدثت من قبل ووعدت أن يكون حديثنا اليوم عن الخطوات العملية التي ينبغي أن نأخذ بها بعد أن أسسنا القول في الخطوات الفكرية والخطوات النفسية، غير أن تجدد الأحداث أوجب أن يكون لنا حديث لعله يجمع بين ما نشعر به من حزن وما ينبغي أن نشحذ به النفس من عزم.
وكذلك قلت مراراً: ليس مقامنا في مثل هذه المنابر أن نصرخ، ولا أن نعيد ما يكرره الإعلام، مما يلعب بالعواطف أو يضلل العقول أو يسير بالناس وفق ما تقتضيه الصنعة الإعلامية والسبق الصحفي، وليس بمهمتنا كذلك أن نؤثر تأثيراً عاطفياً مؤقتاً فتذرف دموعنا ظاهراً، وإنما نقول: ليذرف كل واحد دمعه بينه وبين نفسه، وليذرف على حاله وعلى حال أمة الإسلام، وما أشك أن كثيراً من الدموع قد جرت وهي ترى ذلك في صور ما عرضته الشاشات من هذه الأحداث، لكن هل البكاء هو حلنا؟ وهل مثل هذا المقام نأتي فيه لنبكي؟ فليبك كل منا حقيقة لا صورة.
стр. 2272
صور متناقضة
إن الأمة الإسلامية تعيش أحوالاً عجيبة؛ فهي متأخرة عن ركب الأمم، ومع ذلك تجدها غارقة في اللهو واللعب، وفي تضييع الأوقات والطاقات والثروات وإهدارها! والأمة الإسلامية اليوم يحيط بها الأعداء من كل جانب، ومع ذلك تجدها مختلفة فيما بينها متنازعة متناحرة، فالزوج مع زوجته في نزاع وخصام، والقريب مع قريبه في شحناء وبغضاء، والجار مع جاره في منازعة ومشادة، وكل ذلك على الدنيا التي حذر الله منها، ودعا إلى نبذ الشقاق وإلى التسامح والإخاء فيها.
стр. 2273
الوقت بين العمل والكسل
الحمد لله، الحمد لله ذي الفضل والمن والإحسان، فضل ديننا على سائر الأديان، وحبب إلينا الطاعة والإيمان، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان، وندبنا إلى السماحة والإحسان، وحذرنا من الخصومة والعدوان، أحمده حمداً كثيراً طيباً ملء الأرض وملء السماوات وملء ما شاء من شيء بعده.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير.
وأشهد أن نبينا وقائدنا وقدوتنا وسيدنا وحبيبنا محمداً عبد الله ورسوله، ختم به الأنبياء والمرسلين، وجعله سيد الأولين والآخرين، وأرسله إلى الناس أجمعين، وبعثه رحمة للعالمين، وهدى به من الضلالة، وأرشد به من الغواية، وكثر به من بعد قلة، وأعز به من بعد ذلة.
وأشهد أنه ﵊ قد بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، فجزاه الله خير ما جازى نبياً عن أمته، ووفقنا لاتباع سنته، وحشرنا يوم القيامة في زمرته، وجعلنا من أهل شفاعته، وصلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
стр. 2274
مفهوم العطلة والإجازة
أما بعد: أيها الإخوة المؤمنون! صور متناقضة جالت بخاطري من واقع الزمن الذي نحن فيه في وقت الصيف، ومن خلال ملامسة لواقع ومشكلات الناس واختلافاتهم، ولعلنا ونحن نشير إلى هذه الصور ونبين تناقضها، نهيج النفوس إلى الترفع عما لا يليق، ولا يرضي الله جل وعلا، ولا يشرف في الانتساب إلى أمة محمد ﷺ .
وفي الوقت نفسه يشد ويجذب ويرغب ويحث على أن نأخذ الصور الإيجابية، ونتحلى بها؛ لنرقى في مدارج الكمال، ولنغير سيء الأقوال والأفعال والأحوال، ولست بمكثر، حتى يكون التركيز على ما يكون به النفع والفائدة: الوقت بين العمل والكسل: تناقض واختلاف بين من يحرصون على اغتنام الأوقات وملئها بالأعمال الصالحة المثمرة وبين من يضيعون هذه الأوقات فيما يعود عليهم بالضرر، أو فيما لا يجنون به النفع والفائدة، وكم هي المفارقات العجيبة التي نراها بدءاً من الكلمات والمصطلحات والمفاهيم والدلالات، وانتهاءً إلى الأعمال والممارسات! فماذا نسمي هذا الوقت؟! نسميه عطلة، والعطلة والعطالة والعطل في اللغة هو: ترك الشيء والتخلي عنه.
فامرأة عطل، أي: متخلية عن الزينة، والعطالة: ترك العمل وترك الجد، فكأننا بمثل هذه التسمية نوحي هذا الإيحاء.
والإجازة هي الانتهاء من الشيء والحصول على المراد، فكأن طلابنا قد انتهوا من أمر علمهم وتعلمهم ولم يعد لهم بذلك شأن، ونجد ذلك المفهوم يسري في دوائر المجتمع.
فالأسر في هذه الفترة لا تكلف أبناءها شيئاً، ولا تحثهم على أمر؛ لأنهم قد انتهوا من دراستهم، أو نجحوا في اختباراتهم، والإعلام كذلك يبث مثل ذلك، فهو يقول لنا في هذه الأوقات: اسهروا إلى آخر الليل، وتأتينا السهرات المطولة؛ لأنه ليس عندنا في الصباح عمل، بل نوم وكسل!
стр. 2275
تضييع الوقت في حياة المسلمين
ضياع الأوقات له أثر سيئ في السلوك، وللأسف الشديد فإن حال الكثير اليوم سهر وعبث حتى انشقاق الفجر، ونوم وكسل حتى انتصاف النهار.
إنها صورة مقيتة تتكرر في كل وقت في مثل هذه الأيام، صور نراها في زحام السيارات، وامتلاء الأسواق، واستمرار الأفراح والأعراس إلى آخر الليل، صور نراها في كثير من الجوانب السلبية التي تقتل الوقت قتلاً، وتبدد الثروة تبديداً، وتبين أن في عقول كثير منا ونفوسهم زللاً أو خللاً في الفكر، وهبوطاً وضعفاً في الهمة، وهذا هو السبب الذي يجعلنا نهدر هذه الثروة في أمة تحتاج إلى كل ثانية؛ لتعوض النقص، وتتدارك الخلل، وتحاول اللحاق بركب الأمم التي تقدمت.
نحن اليوم نأكل مما يزرعون، ونلبس مما يصنعون، ونحاول أن ندافع عن أنفسنا بما يعطونه لنا، فكيف نعوض هذا ونحن أمة تريد أن تنام ملء عيونها، وأن تأكل ملء بطونها، وأن تضحك ملء أشداقها، وأن تسترخي عقولها فلا تفكر في أمر يهمها، ولا في خطب جلل فيه مصيرها، ولا في قمة ترتقي إليها، ولا في مكانة تطمح إلى الوصول إليها.
تأملوا أنه إذا وقع حادث كانقطاع كهرباء أو تعطل قطارات أو نحو ذلك خرجت علينا الأخبار تخبرنا أن الخسائر تقدر بكذا وكذا مليون من الدولارات أو غيرها، فكيف حسبوها؟! قالوا: هذا الوقت -نصف ساعة مثلاً- من محسوب أوقات العمال والمدراء والموظفين، ومن أوقات المصانع، وتوقف الإنتاج فيها، ثم يقولون لنا: إن هناك خسارة كبرى، أما نحن فلا نحسن هذه الحسابات! إن أحدنا يقول: وماذا يحصل لو تأخرنا نصف ساعة أو ساعة؟ وماذا يحصل لو تأخرنا ونحن في وقت عطلة وإجازة؟ وكأننا نقول: إن هذه الثروة ليست لها عندنا قيمة، وليس لها وزن، وليس لها في حياتنا أثر، مع أن ديننا على عكس هذه المفاهيم في كل دلالة وإيحاء من آيات كتابنا وأحاديث رسولنا ﷺ .
стр. 2276
أهمية الوقت في القرآن ومحاسبة الإنسان عليه
قال : ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا * وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾ [الفرقان:٦١ - ٦٢].
لم يأت الليل ويعقبه النهار ويتلو الليل نهاراً وتتوالى الأيام والأعوام عبثاً، بل لتُملأ بالذكر والشكر وعمران الحياة، وهذا رسولنا ﷺ يقول: (نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ)، وكلنا يعلم ذلك الحث القرآني: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران:١٣٣] و ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الحديد:٢١] ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [البقرة:١٤٨].
وكلنا يعلم حديث النبي ﷺ : (لن تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يُسأل عن أربع: عن عمره فيما أبلاه، وعن شبابه فيما أفناه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه، وعن علمه ما عمل فيه)، وكلنا يعلم قوله : ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق:١٨]، كل ذلك معلوم، ولكن أين أثره في واقع الحياة؟!
стр. 2277
صور من حياة السلف والعلماء في استثمار الوقت
ولنأخذ الصور المقابلة، ولنأخذ الفهم الصائب، ولنأخذ الروح الإيمانية الجدية العملية القوية التي نقتبس بعض صورها من كلام أئمتنا وعلمائنا ومواقفهم ومآثرهم في مثل هذا الشأن: قال : ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ [الشرح:٧ - ٨]، وهذه آيات نقرؤها كثيراً.
قال ابن كثير: إذا فرغت من شأن الدنيا وأحوال العباد فانصب لعبادة ربك، فإذا فرغت فاعمل؛ فليس هناك فراغ، وليس هناك وقت لإضاعته أو قتله، أو البقاء ساعات طوالاً في لعب الورق، أو مشاهدة المسلسلات، أو قضاء الأوقات بالأحاديث اللاغية الباطلة.
وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ﴾ [الشرح:٧]، يدل على أنه يُوجد بعد الفراغ نصب وجد وتعب، فأين إذاً تلك الراحة؟! إن الراحة لا تكون إلا بعد الجد والعمل، وحديث (ساعة وساعة) فهمناه في كثير من صور حياتنا فهماً خاطئاً، وقصته في السيرة وعند أصحاب محمد ﷺ على غير ذلك الفهم؛ فقد جاء عنهم أنهم قالوا: (يا رسول الله! إنا إذا كنا معك كأنا نرى الجنة والنار، فإذا انصرفنا إلى أهلنا وعافسنا الأزواج والأبناء أنكرنا نفوسنا).
إنه شعور إيماني دقيق شفاف حساس، يجعلهم يرون الفرق بين ما هم عليه عند صحبة سيد الخلق ﷺ من إيمان قوي، وروح محلقة، وهمة عالية، ونفس أبية، وقوة فتية، وما قد ينحدرون إليه عندما ينشغلون بحياتهم وأهلهم وأزواجهم، فقال ﷺ : (لو تدومون على حالكم التي تكونون فيها معي لصافحتكم الملائكة في الطرقات، ولكن ساعة وساعة)، فتلك هي الساعتان، ليستا ساعة لهو وعبث ومعصية ومنكر، وساعة استغفار وقليل من صالح الأعمال هنا أو هناك.
ثم انظر إلى تأكيد هذه المعاني في كلام كثير انتخبت قليلاً منه بعد أن وجدت أن كلماته كأنما هي إيقاظ لكل واحد منا، لننظر كيف فهم وكيف ترجم علماؤنا هذه المعاني القرآنية؟ يقول القرطبي ناقلاً عن مجاهد في هذه الآية: إذا فرغت من دنياك فانصب في صلاتك.
وعن الجنيد: إذا فرغت من أمر الخلق فاجتهد في عبادة الحق.
والشنقيطي ﵀ من العلماء المتأخرين في عصرنا يقول: الآية حل لمشكلة الفراغ التي شغلت العالم؛ حيث لم تترك للمسلم فراغاً في وقته؛ لأنه إما في عمل للدنيا، وإما في عمل للآخرة.
وقد روي عن ابن عباس: أنه مر على رجلين يتصارعان فقال: (ما بهذا أمرنا بعد فراغنا).
وروي عن عمر ﵁ أنه قال: (إني لأكره لأحدكم أن يكون خالياً سبهللاً، ليس في عمل دنيا ولا دين).
стр. 2278
ومضات من أفعال السلف وحرصهم على الوقت
ولو أردنا أن ننقل من الأقوال لرأينا كثيراً وسمعنا كثيراً من هذه المعاني المشرقة التي تبين الفهم الصحيح لقيمة هذه الحياة، ولكني أنتقل من الأقوال إلى الأفعال من الصور الأخرى: ذكر الذهبي في ترجمة الإمام الشافعي ﵀: أنه كان يقسم ليله ثلاثة أقسام: قسم يكتب فيه، وقسم يصلي فيه، وقسم ينام فيه.
قال الذهبي ﵀ معلقاً على ذلك: أفعاله الثلاثة عبادة بالنية.
أي: حتى نومه صار عبادة؛ لأنه يأتي في سياق راحة تستأنف بها الأعمال، وتتجدد بها الهمة، ويتقد النشاط.
ويقول أبو الوليد الباجي من علماء المالكية: إذا كنت أعلم علماً يقيناً أن جميع ساعات حياتي كساعة، فلمَ لا أكون ضنيناً بها، وأجعلها في صلاح وطاعة؟! والعمر كساعة؛ تنقضي منها الثواني، وتتولى بعد ذلك الدقائق، ثم الأرباع والأنصاف، ثم تنتهي.
ففي قوله: (إذا كنت أعلم يقيناً أن حياتي كلها كساعة، فلمَ لا أجعلها في عمل وطاعة؟) فقه الحياة، وفقه الوقت، وفقه الدقائق والثواني.
دقات قلب المرء قائلة له إن الحياة دقائق وثوانِ وبعضهم لو قلنا له: هذه ثانية، لقال: وما هذه الثانية؟ ولو قلنا: دقيقة، لقال: لا تدقق، ولو قلنا: ساعة، لقال: أمرها سهل، وإن كان يوماً فلا بأس، وإن كان أسبوعاً فكذا وكذا.
إذاً: فما قيمة العمر كله؟ وما قيمة هذا الوقت؟ قال ﷺ : (أعذر الله إلى امرئ أخر عمره حتى بلغ الستين)، رواه البخاري عن أبي هريرة ﵁ عن سيد الخلق ﷺ .
وتأمل معي كذلك حال ابن عقيل الحنبلي، وهو من العلماء الأفذاذ الذين ضربوا مثلاً عظيماً في اغتنام الأوقات، يقول: قد عصمني الله في شبابي بنوع من العصمة، وقصر همتي على العلم، وما خالطت في شبابي لعاباً قط، ولا عاشرت إلا أمثالي من طلبة العلم، وهأنا في عشر الثمانين - أي: في الثمانين من العمر- أجد من الحرص على العلم أشد مما كنت أجده وأنا ابن عشرين! فهو يقول: ما خالطت لعاباً قط، ونحن اليوم نأتي باللعابين ليضيعوا لنا الأوقات، ونجد أن كثيراً مما يكون في هذه العطل أو الإجازات مخصص لتبديد الأوقات وتضييعها، مع أن الآمال قبلها تقول وخاصة عند الطلاب: إذا جاء الصيف سأفعل وأفعل، وإذا جاء الصيف سأحفظ وأحفظ، وإذا جاء الصيف سأقرأ وأقرأ، ثم نراه لاهياً عابثاً نائماً كسولاً إلى غير ذلك مما نراه.
وهكذا نرى مواقف عظيمة وكلمات جليلة: هذا أبو بكر محمد بن عبد الباقي من سلالة كعب بن مالك ﵁ يقول: حفظت القرآن وأنا ابن سبع سنين، وما من علم إلا وقد نظرت فيه إلا النحو؛ فإن حظي فيه قليل، قال: وما علمت أني ضيعت ساعة من عمري في لهو أو لعب! وهذه الصور الكثيرة أختمها بصورة للإمام ابن كثير ﵀ مع الإمام أبي الحجاج المزي، وكان شيخه في الحديث، ثم تزوج ابن كثير ابنته، فـ ابن كثير يحدث عن هذا الإمام العظيم فيقول: وقذتني كلمة سمعتها من أبي الحجاج - الوقذ هو: الحصاة تصيبك، أي: آلمتني وأيقظتني- قيل: ما هي؟ قال: سمعته يقول على أعواد المنبر: إن امرأً ذهبت ساعة من عمره في غير ما خلق له حري أن تطول عليها حسرته يوم القيامة! فكانت هذه الكلمة ترن في أذن ابن كثير وتجيش في نفسه، وكأنها سياط تضربه وتوقظه، وكلما فتر تذكر، وكلما كسل نشط، وحسبنا في هذا المقام مثل هذه التذكرة؛ فلا سهر ولا عبث، ولا نوم ولا كسل، ولا فوضى ولا أذى.
نسأل الله أن يردنا إلى هذه الخلال، وأن يحلينا بهذه الخصال، وأن يجعلنا مغتنمين للأوقات، وغير مضيعين للثواني والدقائق والساعات.
стр. 2279
علاقات الناس بين الالتزام والخصام
وأنتقل إلى صورة أخرى، هي كذلك من صور التناقض التي بين السيئ والحسن، وهي: علاقات الناس بين الالتزام والخصام.
أظنكم تشاركونني الرأي بلا خلاف أنه كثر النزاع، وعظم الخصام، وزاد الشقاق، فكم من مشكلات نعرفها ويعرفها كل أحد منا بين الأزواج والزوجات في دائرة قرابته أو معارفه، وكم من المشكلات والخصومات نعلم عنها بين أبناء العمومة أو الإخوة أو الأقارب، وكم نسمع ونقرأ عن الشركات والخصومات الواقعة فيها، فأين السماحة؟! وأين حسن الظن؟! وأين التزام الشرع بتوثيق الأمور؟! وأين حسن العشرة؟! وأين مثل هذه المعاني؟!
стр. 2280
الخصومات الزوجية
إنها صور عجيبة أصبحت اليوم كأنما هي الأصل وغيرها هو الفرع، وكأنما صورة العلاقة بين الزوج والزوجة هي الخصام الدائم والنكد المستمر والمعارك حامية الوطيس؛ لأن الصورة الاجتماعية والإعلامية تقول للمرأة: حقوقك لا يغلبنك الزوج عليها، كوني قوية حتى لا يستضعفك.
وتقول للرجل: كن عسكرياً في سكنك، وكن قائداً أمام الجند، اضرب بيد من حديد، أقطم رقبة القط في ليلة العرس، وكأننا في ميدان معارك ولسنا في بيت مودة وسكن! قال : ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم:٢١]، فهل هذه الصور التي نسمعها وهذه الرسائل الإعلامية التي تبثها المسلسلات وتبثها الأفلام هي بيت مودة؟! وهل تمثل أمر الله في قوله: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [النساء:١٩]؟! وهل تمثل قول النبي ﷺ : (لا يفرك مؤمن مؤمنة -أي: لا يبغض مؤمن مؤمنة- إن ساءه منها خلق رضي منها آخر)؟! أم أنها تجعلنا كما قلت: نتلمس النقائص، ونبحث عن المعائب، ونمسك الأخطاء ونسجلها في القوائم؟! وإذا بالحياة ضرب من الجحيم، وصورة من العناء والمشقة التي لا هدوء معها ولا سكينة فيها.
следующие страницы →