← Джавами‘

Джавами‘ · id 7721

دروس للشيخ علي بن عمر بادحدح

علي بن عمر بادحدح

Полный текст (2 691 стр.). Показаны 2206–2245 · переход к 2211.

стр. 2206

طلب بالتذكير لزيارة مسجد النبي ﷺ في العطلة السؤال لو ذكرتم للإخوة المصلين والأسر إذا كان هناك وقت أن يغتنموا الوقت في الاعتمار وزيارة المدينة المنورة ومسجد رسول الله ﷺ ؟ الجواب لا شك أن هذا من الأمور النافعة والمفيدة، وكثير من الناس يستغلون بعض الوقت في مثل هذا وهو خير، والتذكير به حسن وجيد.

стр. 2207

عدم صحة تأثير المراكز الصيفية على التحفيظ السؤال كثير من الشباب يقول: إن المراكز تؤثر على التحفيظ؟ الجواب ليس هناك تأثير إلا من ضعف الإنسان نفسه، وإلا فبالإمكان أن تقول: إن الدراسة تؤثر على التحفيظ، وإن الارتباط بالأهل يؤثر على حفظك للقرآن، لكن لو أعطى الإنسان كل شيء وقتاً كافياً وجهداً مناسباً وكان عنده الاهتمام والاعتناء بكل أمر بحسبه لاستطاع أن يحصل مثل هذا، والذي يدل على نقض هذا القول أن بعض الأمثلة تنقضه واقعاً عملياً، لماذا أنت الذي يؤثر على تحفيظك بينما زميلك يحفظ ويقرأ ويستمع للدرس ويكتب ويلخص؟! من أين جاءه الوقت؟! وهل عنده وقت غير وقتك؟ وهل عنده عضلات وقوة غير قوتك وعضلاتك؟! لا، عنده شيء واحد وهو أن همته وعزيمته وانبعاثه للخير أقوى وأفضل.

стр. 2208

حكم تأليف الروايات والقصص وتمثيلها السؤال ما حكم تأليف الروايات والقصص، ربما أيضاً جاء هنا سؤال بما يتعلق بتمثيل هذه الروايات خاصة فيما يقع في بعض الأنشطة الصيفية؟ الجواب وقفة مناسبة هنا حول هذا الموضوع، بعض أهل العلم ذكر الإباحة، وبعضهم ذكر المنع، وفي هذا بعض التفصيل. أقول بإيجاز: الذين ذكروا الإباحة استدلوا بعمومات أدلة كثيرة، منها قاعدة أن الأصل في الأشياء البراءة من الحرمة حتى يثبت التحريم بدليل مخصوص، ومنها عمومات أدلة ليست أدلة في نفس القضية، مثلما استدلوا ببعض ما جاء في القرآن من قصة إبراهيم الخليل ﵇ لما كسر الأصنام وقال: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ [الأنبياء:٦٣] وقال: ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ * فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات:٨٨ - ٨٩] أي: أنه ماشاهم وأظهر لهم شيئاً غير الذي هو على الواقع والحقيقة. وذكروا أيضاً من عمومات الأدلة: قصة يوسف ﵇ ﴿فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ﴾ [يوسف:٥٨] ثم جاراهم على أنه لا يعرفهم ووقع ما وقع من قصته مع أخيه، ثم أيضاً بعض الأحاديث، مثل حديث عثمان بن عفان ﵁ لما توضأ وضوءه للصلاة وقال: (إنما أردت أن أعلمكم وضوء النبي ﷺ أي: أنه مثل لهم وضوء النبي ﵊، وأقوى وأظهر منه حديث مالك بن الحويرث، قال: (إني لأصلي الصلاة ولا أريدها، إنما أريد أن أعلمكم صلاة النبي ﷺ . وقد استشكل هذا وذكر ابن حجر تعليقاً عليه، وكان من ضمن قوله أنه قال: في هذا الحديث أن التعليم بالفعل أوضح من التعليم بالقول، وقال: إنه لا يقصد فيه أنه لم يرد العبادة أصلاً، وإنما أنه ليس هناك سبب باعث، يعني: أنه لم تكن هناك فريضة ولم تكن سنة وإنما كان الباعث هو باعث التعليم، هذه عمومات أدلة. في الجانب الآخر: هناك من منع لعمومات لا تنطبق بالضرورة على هذا، من ذلك حرمة الكذب. الثاني: الخوف والبراءة من التشبه بالكفار. الثالث: ما قد يقع من المحظورات. ولكن في الجملة هناك فتوى للشيخ محمد بن صالح العثيمين ذكر أنه ليس فيه كذباً، إذ الكذب هو أن يكون السامع مصدقاً لك بهذا الأمر وهو غير صحيح، لكن إن كان يعرف أنه غير صحيح فلم يعد في ذلك كذب، بمعنى: هذا الذي يقول إنه زيد، وذاك الذي يقول إنه عبيد، يعرف الناس أنه ليس زيداً ولا عبيداً، وأن ليس هذا أباً لهذا ولا هذا ابناً لذاك، فما دام أن العلم حاصل بأن هذا هو تصوير وتمثيل فلم يقع الكذب. ويقول الشيخ ابن جبرين: التمثيليات إذا كانت هادفة ومفيدة فهي أكثر فائدة من الكلمات التي تلقى على الحاضرين، وتأثيرها أكثر من تأثير الكلمات؛ وذلك لأنهم يشاهدونها بالنظر ثم يطبقونها ويحرصون عليها، ويتذكرونها تذكراً زائداً، فالحاضرون يعلمون أنها ليست حقيقة إنما هي تمثيل، فلا ينطبق عليهم حديث: (ويل للذي يحدث ويكذب ليضحك القوم، ثم ويل له ثم ويل له) فهؤلاء ما كذبوا، وإن كانوا كاذبين فالحاضرون يعلمون أن هذا ليس هو فلان، لأجل ما فيها من التأثير والأهداف الطيبة، أنا أقول: لا بأس بها -يعني الشيخ يقول-، وقد كان مشايخنا يحضرونها في الأندية وفي قاعات المحاضرات في كلية الشريعة والمعاهد العلمية، فهذه إن شاء الله نافعة ومؤثرة، حتى وإن تسمى باسم شيخ الإسلام أو باسم أبي جهل؛ لأن الحاضرين يعلمون أن هذا تنزيل لقصة واقعة حتى ينتبهوا لها أكثر مما لو خطب الخطيب. فمقال حصل لـ شيخ الإسلام كذا وكذا، يقول: فقد لا ينتبهون لما قال ولا يتمثلونه كما يتمثلونه إذا صور أمامهم. ثم سئل عن الضوابط فقال: إذا كان الحاضرون يعلمون أنها ليس فيها شيءٍ من الإيهام، أو كذلك إذا كان فيها استهانة بشخصيات محترمة وتمثيل بأشياء غير واقعية فهو محظور، بمعنى: إن كان فيها تنقص لصاحب فضل كأن يمثل عالماً لكن يحتقره، أو يمثل صورة العالم الإسلامي أو الفقيه في صورة محتقرة أو نحو ذلك مما هو مقصود، كما يقع في التمثيليات الفاسدة والإعلام الذي يمارس من خلاله تشويه صورة الدين، فهذا من أحد المحاذير. وسئل الشيخ لو مثل أحدهم ابن حنبل والآخر مثل ابن أبي دؤاد وما وقع من الفتنة؟ قال: لا بأس وأرى أنه مفيد، فقيل له: ولكنه تمثيل دور مبتدع، قال: نعم لا بأس به؛ لأن تأثيرها أكثر من تأثير الكلمات، وفيها مصلحة، والحكم يدور مع المصلحة، وقيل له: فيه تقليد للكفار كعيد الشعانين وكذا ونحو ذلك، فقال ليس كذلك، بل ورد ما يدل على أنه ليس المقصود بها هذه المتابعة، وليس كل ما يفعله الكفار نحن ممنوعون منه، إذا لم يكن التمثيل مشابهة للكفار يقول: ليس التمثيل من خصائصهم حتى تكون المشابهة مطابقة، وهذا ليس من خصائصهم فما يضر المسلمين. وأيضاً في فتوى للشيخ عبد الله بن حميد رحمة الله عليه سئل عن حديث: (لا تمارضوا فتمرضوا) قال: هذا الحديث ليس صحيحاً، ثم قال: إن كان هذا التمارض احتاج إليه من باب التأويل المباح فلا حرج في ذلك؛ لأنه يقصد بذلك غرضاً صحيحاً، وليس في هذا العمل ما يتنافى مع الشرع، فأرجو أن لا حرج في ذلك. وذكر بعضهم هنا ضوابط: الأول: ألا يكون كما أشرنا فيها محرم، وتدعو إلى محرم أو إلى شيء من الفساد، فهذا لا شك أنه ممنوع. الثاني: ألا يكون فيها تمثيل للنبي ﵊ أو الصحابة؛ لأن هذا قد أفتى العلماء بحرمته. الثالث: ألا يكون فيه إيهام للناس.

стр. 2209

قراءة دعوية في السيرة النبوية إن المتتبع لسيرة النبي ﷺ يجد أنه مر أثناء دعوته بمراحل مختلفة، وتعامل مع الأحداث التي كانت تواجهه بحسب ما يحقق المصلحة للإسلام، ولذلك ينبغي للدعاة أن يقرءوا سيرته قراءة واعية؛ كي يستفيدوا منها في دعوتهم إلى الله تعالى.

стр. 2210

أهمية قراءة سيرة الرسول ﷺ الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، هو أهل الحمد والثناء، لا نحصي ثناءً عليه هو كما أثنى على نفسه، فله الحمد في كل حال وفي كل آن، ونصلي ونسلم على خاتم الأنبياء والمرسلين، وسيد الأولين والآخرين، نبينا محمد الصادق الوعد الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك ورحمتك يا أرحم الراحمين! أما بعد: أيها الإخوة الكرام الأحبة! سلام الله عليكم ورحمته وبركاته. نسأل الله جل وعلا أن يمن علينا وعليكم بالأمن والإيمان، والسلامة والإسلام، وأن يوفقنا للهدى، وأن يرزقنا التقوى، وأن يجعلنا وإياكم من أهل الاستقامة، وأن يمن علينا بالثبات حتى الممات، إنه ولي ذلك والقادر عليه. هذا موعدنا مع الدرس الثامن والثمانين، في اليوم العاشر من شهر شعبان عام أربعة عشر وأربعمائة وألف، وعنوان هذا الدرس: (قراءة دعوية في السيرة النبوية). أيها الأحبة! نحن نعلم أننا ما تُعبِّدنا باتباع أحد إلا اتباع الرسول ﷺ ، وهو قدوتنا وأسوتنا كما قال جل وعلا: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب:٢١] وإذا عرفنا ذلك ظهرت لنا أهمية سيرة النبي ﵊، وأهمية تعلمها، والاقتباس منها، والاقتداء بها، سيما في مثل هذه الأعصر التي كثر فيها التخليط، وازدادت فيها الشبهات، وتكاثرت الفتن، وأصبح كلُّ يقول بقول، ويدعو إلى دعوة، ويبقى المسلم لا يربطه شيء إلا دعوة الرسول ﷺ . من رحمة الله بعباده المؤمنين، وبهذه الأمة على وجه الخصوص، وبالناس أجمعين عامة: أن هذه السيرة واضحة مفصلة كأنما ولد ﵊ على ضوء الشمس كما يقول بعض المؤرخين، فليس هناك شيء خفيٌ من سيرته، فنحن نعلم عن مولده، وعن طفولته، وعن قبيلته وأسرته، وعن نسبه، وعن حسبه، كما نعلم أيضاً عن حياته في بيته، ونعلم أقواله وأفعاله حتى في أدق الأمور وأبسطها، وذلك من النعمة الكبرى، حتى يجتني المسلم من سيرة النبي ﵊ كل ما يحتاج إليه. ومن هنا فإن السيرة النبوية يمكن أن تقرأ قراءات عديدة: فيمكن أن نقرأها قراءة عسكرية، وذلك في حنكته ﵊ في الغزوات التي قادها، والسرايا التي أنفذها، وما يلحق بذلك من الأمور، ويمكن أن نقرأها قراءة اجتماعية، وذلك في سيرتة ﵊ زوجاً وأباً ومربياً ومعلماً، كما يمكن أن نقرأ السيرة قراءة فكرية، وذلك فيما كان يبينه النبي ﵊ من دحض الشبه، وإبطال الباطل، وإقامة الحجة، إلى غير ذلك من الأساليب والمقتبسات التي يمكن أن تؤخذ من سيرته ﵊. أما قراءتنا: فهي قراءة دعوية في السيرة النبوية، وهي صفحات متنوعة من سيرة النبي ﵊، إلا أنها متدرجة ومرتبة بحسب التاريخ الذي وقعت فيه هذه الأحداث، وقرئت فيه هذه الصفحات، إضافة إلى أن هذه القراءة تأتي بصورة منهجية مرتبط بعضها ببعض، فهي تعبر عن البداية والخطوة التي بعدها وما يلحق بذلك، مع بيان الأولويات وترتيبها؛ ولذلك فهذا الدرس محاولة لاختصار السيرة من خلال عرض الدعوة فيها، فنحن نريد أن نرى سيرة النبي ﷺ في دعوته، والملامح والمعالم التي ينبغي أن يستقيها الدعاة والمربون من هذه السيرة العطرة؛ ليكون تأسيسهم وبناؤهم ودعوتهم على طريقة قويمة، ولكي تؤتي -بإذن الله الثمار المرجوة المنشودة.

стр. 2211

تجنب التأثير السلبي للمجتمع المنحرف نبدأ أولاً بما كان من حياته ﵊ قبل مبعثه، وهذه هي الصفحة الأولى: روى ابن إسحاق في (السيرة) عن النبي ﷺ أنه قال: (لقد رأيتني في غلمان قريش ننقل الحجارة لبعض ما يلعب به الغلمان -أي: في سن الصبا- وكلنا قد تعرى وأخذ إزاره وجعله على رقبته، يعني: أنهم عند نقل الحجارة رفعوا الأزر على العواتق؛ ليحملوا عليها الحجارة، فكان يبدو منهم جزء من العورة. قال: فإني لأُقبل معهم كذلك وأدبر إذ لكمني لاكم -وفي بعض الروايات: ما أراها شديدة، أي: اللكمة، وفي بعضها: إذ لكمني لكمة شديدة ثم قال: شد عليك إزارك، فشددته عليّ، ثم جعلت أحمل الحجارة على رقبتي وإزاري علي من بين أصحابي). وروى البخاري من حديث جابر في المغازي والسير مثل هذه الرواية، إلا أن هذه الرواية التي عند البخاري تذكر أن ذلك في سن شباب النبي ﷺ أثناء نقل الحجارة للمشاركة في بناء الكعبة، وأنه كان قد شد عليه إزاره فرآه عمه العباس فقال: ارفع إزارك -يعني: حتى تقوى على حمل الأحجار- قال: فلما فعلت ذلك غشي علي، فلم أعد إلى ذلك أبداً، أو كما جاء في الرواية. وروى الحاكم عن علي عن النبي ﷺ أنه قال: (ما هممت بشيء مما كان أهل الجاهلية يعملون به غير مرتين، كل ذلك يحول الله بيني وبين ما أريد من ذلك، وما هممت بسوء حتى أكرمني الله برسالته، فإني قلت ليلة لغلام من قريش كان يرعى معي بأعالي مكة: لو أبصرت لي غنمي حتى أدخل مكة فأسمر بها كما يسمر الشباب، فقال: أفعل، فخرجت أريد ذلك، حتى إذا جئت أول دور من دور مكة سمعت عزفاً بالدفوف والمزامير فقلت: ما هذا؟ قالوا: فلان بن فلان تزوج فلانة بنت فلان، فجلست أنظر إليهم، فضرب الله على أذني فنمت فما أيقظني إلا مس الشمس، فجئت إلى صاحبي فقال: ما خبرك؟ فقصصت عليه الخبر، قال: ثم كان ذلك ثانية، فلما جلست لأستمع ضرب الله على أذني فنمت فما أيقظني إلا مس الشمس، قال: فلم يقع منه ﵊ إلا مثل هذا) قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي، وضعف بعضهم هذا الحديث بعلل معتبرة عند بعض أهل العلم، فقال ابن كثير رحمة الله عليه في تاريخه: هذا غريب جداً. ولكن هذه الروايات تتقوى بمجموعها خصوصاً مع وجود رواية صحيحة في البخاري، وهي التي نريد أن نقف فيها الوقفة الأولى؛ إذ إن هذه الصفحة من سيرته ﵊ تبين لنا معلماً مهماً من معالم الدعوة، وهو تجنب التأثير السلبي للمجتمع المنحرف، وذلك أن النبي ﵊ عاش في هذه الجاهلية التي كانت منحرفة في أفكارها وعقائدها، وكانت منحرفة في سلوكها وأخلاقياتها، وكانت منحرفة في قوانينها وعاداتها، إلا أنه ﵊ لم يشرك أولئك القوم في شيء من هذا، ولم يخالطهم فيه، ولم يقبل منهم ذلك، بل كان -بما وفقه الله إليه، وما عصمه به- مجتنباً هذه الصور الانحرافية كلها. وهذا أمر مهم في شأن الدعوة، وهو سياج الوقاية والحماية، ولا بد لنا أن ندرك أن الوقاية أهم وأولى في التقديم من العلاج، خصوصاً في مجال الدعوة، سيما في الأعصر التي تختلط فيها المفاهيم الإسلامية، ولا تتمثل معالم المجتمع الإسلامي تمثلاً كاملاً، وإذا بمبادئ ومذاهب فكرية تخالف دين الله ، وإذا بشرائع وأحكام وقوانين لا تتفق مع شريعة الله ، وإذا بأوضاع وعادات وتقاليد لا تتطابق مع هدي الرسول ﷺ ، وإذا بالمسلم في وسط هذه البيئة إن خالطها، أو أخذ شيئاً منها، أو قبلها، أو فتن بها، أو اعتقدها، أو دعا إليها، فلا شك أنه سيكون متأثراً غاية التأثر، وسيضع هذا الاشتراك بصماته على فكره، وعلى قلبه، وعلى سلوكه وتصوراته. ولذلك لا بد أن نؤكد على هذا المعنى، وهو أن يعتزل المسلم كل انحراف في الجاهلية التي يعيش فيها، وألا يكون موافقاً لها من ناحية المبدأ، وألا يكون مائلاً لها من ناحية الشعور، وألا يكون متطابقاً معها من ناحية السلوك، وألا يكون مساعداً لها من ناحية الغض عنها، أو عدم السعي لإنكارها وتضييق سبل ترويجها وقوتها وانتشارها؛ ولذلك ذم النبي ﷺ بني إسرائيل، وتلا ﵊ قول الله جل وعلا: ﴿كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المائدة:٧٩] ثم قال النبي ﵊: (فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وقعيده وشريبه، فلما فعلوا ذلك ضرب الله قلوب بعضهم ببعض). فهذا معلم مهم ينبغي أن يرسِّخه أهل الدعوة وأهل العلم والإيمان في قلوب المسلمين، وأن ينشئوا في قلوب المؤمنين تلك العزلة الشعورية، والمفاصلة القلبية، والمفارقة من حيث الاعتقاد والمبدأ لكل صورة انحرافية يعيشها المسلم في وسط أي مجتمع من المجتمعات؛ وذلك حتى يبرأ من الآثار؛ لأن السمع والبصر جهازا استقبال، فإذا سمع المرء الخنى، وإذا رأى الفحش والفجور، وإذا سمع مقالات الباطل، فإنه يوشك أن ينطبع بعضها في قلبه، وأن يغير في فكره، وأن يؤثر في سلوكه، وهذا معلم مهم يعد أول الخطوات، ألا وهو الوقاية استعداداً لما بعدها.

стр. 2212

خلوة الإنسان بنفسه كي يتدبر أموره ويحاسب نفسه، ويخلو من الناس ومشاغلهم الصفحة الثانية من سيرته ﵊: أنه كان يتحنث الليالي ذوات العدد في حراء، وفي رواية خديجة ﵂ قالت: فكنت أزوده لذلك، فيختلي في غار حراء الشهر والشهرين أو أكثر من ذلك، وورد في بعض الروايات في سيرة ابن هشام: أنه كان يمكث شهراً من كل سنة، وفي بعض الروايات: أنه كان يمكث ستة أشهر. وهذا المعلم معلم مهم أيضاً في حياة المرء المسلم في البيئة الجاهلية، فكما أنه فارقها بقلبه، فإنه يحتاج إلى خلوة يخرج بها من صخب الدنيا إلى الهدوء الذي يتأمل فيه في ملكوت الله ، ويخرج من فتنة إغراء ومدح المادحين وذكر محاسنه ومناقبه، إلى خلوة يتذكر فيها أمره، ويحاسب نفسه. كما أنه يخرج من هذه المشكلات والمعضلات التي قد تؤثر على نفسه وعلى إيمانه، فيصفو قلبه في لحظات من المناجاة لله ، والدعاء له، والسكينة إليه ، ولذلك يحتاج المسلم بين الفينة والأخرى إلى أوقات قليلة من يومه، وإلى أوقات أطول قليلاً في أسبوعه وشهره؛ حتى يجعل لنفسه هذه المحطات التي يراجع فيها نفسه، ويخلصها من أدرانها وأوضارها، وأن يكون أيضاً مستقلاً فيها عن كل ما يؤثر على فكره ورأيه وموقفه؛ ليكون ذلك أدعى له إلى تجديد نشاطه، وإلى تقويم مسيرته. وقد كانت هذه في حياة النبي ﷺ قبل بعثته، فكانت معينة له ومهيئة له لاستقبال الوحي بعد ذلك، وما تلقاه من الرسالة.

стр. 2213

بدء الوحي في الصحيح من حديث النبي ﷺ في وصف أول اتصال بين الأرض والسماء، وأول نزول للوحي على رسول الله ﷺ : (فلما كان في بعض أيامه ولياليه في غار حراء؛ إذ نزل عليه جبريل فقال له: اقرأ، فقال النبي ﷺ : ما أنا بقارئ، قال ﵊: فأخذني فغتني، وفي رواية: فغطني -أي: ضمني- حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني -أي: أطلقني- فقال: اقرأ، قلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثانية ثم أرسلني فقال: اقرأ، قلت: ما أنا بقارئ، ثم غطني الثالثة حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال: اقرأ، قلت: ما أنا بقارئ؛ قال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ﴾ [العلق:١ - ٤]) فكان هذا أول نزول للوحي على رسول الله ﷺ ، وفي هذه الصفحة معلمان مهمان في حياة الإنسان المسلم، وفي سيرة الدعوة التي ينبغي أن ننتبه لها:

стр. 2214

الصلة بالله تعالى والالتجاء إليه أولهما: الصلة بالله ، فإنه لا يمكن للإنسان المسلم أن يواجه الباطل، ولا أن يقف في وجوه الأعداء، ولا أن يتغلب على شهوات النفس، ولا أن يستعلي على فتن الدنيا، إلا أن يكون موصول الحبل بالله . فهذا النبي ﷺ منذ أن أكرمه الله تعالى بهذه النبوة وهذه الرسالة بقي مشدوداً بهذا الحبل المتين في الصلة بالله ، تلك الصلة التي تجعل المرء كلما احلولكت في وجهه الظلمات، وسدت في وجهه الأبواب، وجد أن النور والشعاع والضياء فيما عند الله ، ووجد أن الفرج والتنفيس والنصر من عند الله ، كما ورد في قوله : ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران:١٧٣]. وهذه الصلة بالله هي الأساس المكين، والركن الركين الذي يقوي الإنسان المسلم، فيجعله في صورة يستطيع بها أن يطبق هذا الدين، وأن يسعى فيه، وأن يثبت عليه بإذن الله ، أضف إلى ذلك أن هذه الصلة هي التي تفرغ في قلبه السكينة، وتنشئ في نفسه الطمأنينة، وتجعله مُطمئن البال، مجتمع الفكر، فليس عنده حيرة ولا اضطراب ولا قلق، ولا نوازع نفسية، ولا أمراض قلبية، ولا غير ذلك مما يعتري الناس عندما لا يركنون إلى الله ، وعندما يركنون إلى هذه الدنيا، أو يخافون من البشر، فإذا بهم قد تفرقت بهم الأهواء، وقد انخلعت قلوبهم خوفاً، وقد تفرقت نفوسهم في شعاب الأرض تطلب كل جهة، أما المؤمن فينطبق فيه قول الله ﴿أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد:٢٨]، فهو راسخ إلى هذا الوعد الرباني، وإلى هذا الزاد الإيماني الذي تمثل في هذه الصورة من حياة النبي ﷺ . وأمر الصلة بالله أمر طويل، وقد سلف لنا فيه حديث عندما تحدثنا عن التربية الإيمانية، ونحن نعلم الزاد الإيماني الناشئ عن العبادة والصلة والخضوع والذلة والابتهال والدعاء والمناجاة لله .

стр. 2215

القوة والشدة في أخذ هذا الدين والتمسك به المعلم الثاني في هذه الصفحة: القوة والشدة: فليس أمر هذا الدين هيناً ليناً، فهو لا يؤخذ بالنوم والكسل، ولا يمكن أن يلتزمه المرء دونما جهد وعمل، ولذلك فإنه في اللحظة الأولى التي كان الوحي فيها غريباً عن النبي ﷺ ، كان المتصور والمتوقع أن يأتيه في صورة هينة لينة، وبأسلوب تدريجي تقليدي، ولكن الأمر فيه دلالة على عظمة هذه الرسالة، وعلى شدتها، وعلى أنها تحتاج إلى ذلك الجَهد الذي حصل للنبي ﷺ عندما غطه جبريل أول مرة وثاني مرة وثالث مرة؛ حتى يكون هناك استعداد وتأهل وإدراك لعظمة هذه الرسالة كما قال الله : ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ [المزمل:٥]، وكما قال الله في شأن يحيى ﵇: ﴿يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾ [مريم:١٢]. ولا بد لنا أن ندرك أن من أهم المعالم الدعوية: أن نبين للناس عظمة هذه الرسالة، وعظمة حملها، وعظمة الأمانة التي ذكرها الله في قوله: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب:٧٢]، فلا بد من الإعداد منذ البدايات؛ حتى يمكن -بعد ذلك- أن يسير المرء ليبلغ النهايات، أما أن تكون البداية ضعيفة، وأن تكون البداية نوعاً من الترف، أو التأمين في هذه الدنيا، أو التيسير الذي يتعدى حده ليوهم الإنسان أن هذا الدين يمكن أن يكون محققاً لبعض المكاسب الدنيوية، ليأكل، أو ليشرب، أو لينعم، أو ليعيش بعيداً عن أي مهمة ورسالة، أو جهد وعمل، فإن ذلك لا يتفق مع هذه الصورة من صور سيرة النبي ﷺ ، بل يظهر فيها القوة التي ينبغي أن يؤخذ بها أمر الله ؛ لأنه أمر مهم عظيم في حياة الإنسان.

стр. 2216

الدعوة إلى الله تعالى في كل زمان ومكان الصفحة الرابعة من سيرة النبي ﵊، وهي من أعظم الصفحات، وقد أشرتُ إلى أمر التدرج، فإننا نحتاج أولاً إلى تلك المفارقة في الجاهلية؛ لئلا تنعكس علينا آثارها، وكذلك نحتاج إلى تلك المراجعة والخلوص من هذه الدنيا وأهلها؛ حتى نقوم المسيرة، ونحتاج إلى هذين المعلمين صلة بالله لا تضعف؛ كي تُهيئنا هذه الصلة لحمل هذه الرسالة بكل قوة وعزم ومضاء، ثم نأتي إلى الصفحة الرابعة فإذا فيها قول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ * وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ * وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ * وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾ [المدثر:١ - ٧]. وهذه الآيات يعلق عليها صاحب (الرحيق المختوم) تعليقاً جيداً فيقول: فغاية الإنذار (قُمْ فَأَنذِرْ) أن يبلغ به العالم كله، فلم يحدد في هذه الآية أي نوع من الناس الذين يُنذَرون، بل هو إنذار للعالم كله، وللبشرية جمعاء، وغاية التكبير ألا يكون لأحد في الأرض كبرياء إلا وتكسر شوكته؛ حتى لا يبقى كبرياء إلا لله ، وغاية التطهير للثياب، وهجران الرجز، أن يتطهر الباطن، وتتزكى النفس من الشوائب، وغاية عدم الاستكثار بالمنة ألا يرى لنفسه ولجهده ولبذله في سبيل الله أي شيء يذكر، بل ما يزال يبذل في سبيل الله . قوله تعالى: ﴿وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾ [المدثر:٧] إشعار بأن هذا الطريق فيه ابتلاء، وفيه عناء، وفيه معضلات ومشكلات تحتاج إلى هذا الصبر الذي يعين على هذا الطريق، ولذلك نرى أن النبي ﷺ عندما رجع من غار حراء، وجاء إلى زوجه خديجة وهو يقول: (دثروني زملوني)، فتنزلت عليه هذه الآيات، وكذلك قول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [المزمل:١ - ٢]؛ وهنا: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ﴾ [المدثر:١ - ٢] هذا الذي تدثر بالأغطية؛ ليهدئ من روعه، وليجلب الدفء إلى جسمه، جاءه هذا الأمر؛ ليبين أن معلم الدعوة المهم هو ألا يكون المرء مسلماً في نفسه، ولا صالحاً في سلوكه فحسب، ولا يكفيه ما في قلبه من المشاعر، حتى ينطق لسانه، ويحرك جوارحه، ويمضي بهذه الدعوة مشرقاً ومغرباً بكل صورة؛ حتى يبلغ الغاية والمنتهى في الإنذار، وفي التكبير لله ، وفي هجران الرجز، وفي التطهير للنفس، وفي عدم الاستكثار فيما يطلبه في هذا الطريق، مما يدل على أن هذا المعلم مهم جداً. فلا بد أن نربي الناس، وأن نعلمهم أن من تعلم شيئاً وجب عليه تبليغه، كما قال النبي ﷺ : (بلغوا عني ولو آية)، وأن كل امرئ في عنقه مسئولية وأمانة أن يبلغ من دين الله ما عرفه من حكم، أو من حكمة، أو من إصلاح يحتاج الناس إليه في هذه الحياة؛ حتى يشع نور هذا الدين في كل مكان، وحتى تغزو هدايته كل قلب، وحتى تطرق حلاوته كل أذن ومسمع. ولذلك نجد في هذا المعلم: الدعوة وتبليغها، ونجد الدعوة وطريقها، ونجد الدعوة وأسلوبها الذي توافق في قوله : ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء:٢١٤]، فهذه الآية نزلت في سورة الشعراء، وقد كان في أولها قصة موسى ﵇ منذ بعثته إلى خروجه من أرض مصر، ثم رجوعه ومواجهته لفرعون، ثم خروجه مع بني إسرائيل، وجاءت بعد ذلك قصص الرسل والأنبياء مع أقوامهم، وجاء بعد ذلك هذا الأمر الرباني، وكل ذلك التلخيص -سيما لسيرة موسى ﵇ بيان لطريقة الدعوة، وأنها -كما أمر الله تبدأ بالأقربين، وبالصورة التي ستأتي انتقاء وتجميعاً لأهل الإيمان، ثم مفارقة لأهل الباطل ومواجهة لهم. فإذاً: بعد أن ندرك عظمة هذه الرسالة، فإن ذلك ينبغي ألا يكون أمراً فكرياً؛ لأن هذه الرسالة عظيمة، ولأن هذه المهمة خطيرة، ولأن هذا العمل جليل، بل ينبغي أن يتحول ذلك كما أمر به النبي ﷺ إلى أمر واجب التنفيذ، وهو أن ينطلق المرء بالدعوة إلى الله ، وكما أمر .

стр. 2217

الحكمة في الدعوة والتدرج فيها الصفحة الخامسة، وهي صفحة مندرجة أيضاً في هذا الباب، وهي: الحكمة والتهيئة منه ﷺ في تنفيذ هذا الأمر، والدعوة إلى الله . لقد بدأ النبي ﷺ بالأقربين، وليس كل الأقربين، وإنما كان يختار اختياراً، وينتقي انتقاءً، ويتوسم توسماً، ويتفرس فراسة، فيختار الأدنى والأقرب من هذا الدين في خلقه وسمته، ورجاحة عقله، وطهارة سلوكه، فكان أول من أسلم من الرجال أبو بكر ﵁، وقد ورد في كثير من الآثار: أنه ما شرب خمراً، ولا سجد لصنم قط، وكان أنسب قريش لقريش، وكان أشهر رجالها في تجارتهم، وكانت هذه الملامح هي ملامح الانتقاء التي رآها النبي ﷺ في أبي بكر. وكان أول من أسلم من الغلمان علي بن أبي طالب، وكان لصيق النبي ﷺ ، ورفيقه، وأول من أسلم من الموالي زيد بن حارثة، وكان مولىً للنبي ﵊، ومن النساء زوجه خديجة ﵂، وكانت قريبة منه، فكان ﷺ يبذر الدعوة في الأقربين المقربين، لقربهم من هذه الدعوة، ولوجود الملامح التي يؤمل فيهم من خلالها أن يكونوا أسرع في القبول، وأسرع في التأثر، وأسرع في أن يعضدوا هذه الدعوة، وأن يسيروا في ركابها، وأن يدعموها، إضافة إلى القرب الحسي، سواء كان قرباً في النسب أو كان قرباً في البيئة. وهذا لا شك أنه مهم؛ لأن بعض من يحبون الدعوة، ويرغبون في نشرها، يشرقون ويغربون، ويدعون هنا وهناك، فينفع الله بهم، إلا أن النفع الأكثر والأظهر في تأثيره، والأسرع فيما يعود على الدعوة والمجتمع الإسلامي من أثر، هو هذا الأسلوب الدعوي الذي يختص بهذه الدوائر القريبة حساً ومعنىً، فإذا أردت أن تدعو اليوم فإنك تدعو من يصلي ولو في بيته، فهذا أدنى إلى القبول ممن قد ترك الصلاة، أو ترك بعضها، أو أخرها عن أوقاتها، وتدعو من يصلي في المسجد، فتكون استجابته أدعى وأقوى ممن يصلي في بيته، وتدعو من لا يقارف المعاصي والمنكرات، ولا يتوغل في الشهوات، فيكون أقرب استجابة ممن هو واقع فيها. فالأقرب إلى هذه الدعوة هو الأقرب استجابة إليها، ولا يعني ذلك بحال من الأحوال ألا يُدعى غير هؤلاء، ولكن هذه أولويات وانتقاءات، والنبي ﵊ قد أنذر عشيرته أجمعين، لكنه خص أولئك ابتداءً كما رأينا، حتى كان اختياره ﵊ في موضعه ومكانه، فإذا بهذه الكوكبة: امرأة وغلام ومولىً وشريف من الأشراف، تنطلق بهذه الدعوة، فإذا أبو بكر يسجل في صحيفته عثمان وطلحة وعبد الرحمن بن عوف ﵃ أجمعين، ويدخلون في هذا الدين بدعوة أبي بكر ﵁، بسبب ما كان عنده من إيمان وحصافة ورجاحة عقل إضافة إلى شرفه وكلمته المسموعة. إذاً: من هذه الصفحة نقرأ حكمة الدعوة، والأسلوب الذي تطبق به هذه الدعوة، فإنها ليست مجرد اندفاع، وإنما هي دراسة وفراسة، وتحليل وتقويم، ثم تأتي بعد ذلك خطوات مبنية على دراسة وعلى تهيؤ وتدرج؛ حتى يكون لها أثرها، ويكون لها رصيدها وثمارها المرجوة.

стр. 2218

عالمية هذه الدعوة وشمولها لكل الناس ننتقل إلى صفحة أخرى ملامسة ومقاربة لما قبلها، وهي عموم هذه الدعوة للناس أجمعين. فلا يظن ظان أن الدعوة خاصة بفئة معينة، بل هي عامة لجميع الناس؛ ولذلك بدأ النبي ﷺ -عندما نزل قول الله جل وعلا: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء:٢١٤]- بإنذار قومه، فصعد إلى الصفا، ودعا قريشاً بطناً بطناً، وقال لهم: (ما تقولون لو أخبرتكم أن خيلاً ببطن هذا الوادي تريد أن تغير عليكم؟ قالوا: ما جربنا عليك كذباً، قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب أليم، فقال أبو لهب عليه لعنة الله!: تباً لك ألهذا جمعتنا؟!). ثم كان النبي ﵊ يأخذ بمبدأ التوسع في الدعوة، فلما جاءت المواسم التي كان يجتمع فيها العرب ويفدون فيها إلى مكة كان ﵊ يطوف على القبائل قبيلة قبيلة، ويمر بمجالس القوم مجلساً مجلساً، ويدعو الناس هنا وهناك، إلا أن تلك الصفوة التي ذكرنا سابقاً هي التي أولاها ﵊ جهده وتربيته؛ لأنها كانت قريبة منه، وكانت مستجيبة له، وكانت متلقية عنه، فكان تأثيره فيها واهتمامه بها عظيماً، وكان نتاج ذلك فيما بعد أعظم وأعظم في مسيرة الدعوة. وفي الوقت نفسه وسع ﵊ دائرة الدعوة، فبلغها لكل أحد، وأسمعها لكل أذن، وهكذا ينبغي أن يكون دعاة الإسلام اليوم: يدعون كل أحد، ويرفعون راية الإسلام، ويظهرون محاسنه، ويؤلفون الكتب، وينشرون القول الحسن، إلا أن ذلك رغم فائدته ونفعه يحتاج إلى أن يكون هناك ذلك التخصيص الذي نبه عليه النبي ﵊ بفعله، سيما في المرحلة الأولى من دعوته ﵊، وسيأتي ما يؤكد هذا المعنى أيضاً في بقية الصفحات التي نقرأ فيها معالم دعوته ﷺ ، فإنه رغم هذا التوسع والانتشار في هذه الدعوة إلا أن ذلك التركيز كان يختص بتلك الفئة، فهذان معلمان مهمان: الحكمة والانتقاء، والدعوة والاتساع، وينبغي أن يسيرا معاً جنباً إلى جنب، فليست الدعوة مجرد كلمات تُذر هنا وهناك، ولا مؤلفات تكتب هنا وهناك، وإنما هي صياغة وتربية وتوجيه وتكثيف، وسيأتي ذكرها فيما يلي:

стр. 2219

الدروس الدعوية من اتخاذ دار الأرقم بن أبي الأرقم صفحة دار الأرقم بن أبي الأرقم: فإن النبي ﵊ كان قد أخذ بالدعوة سراً حتى أُمر بالجهر بالدعوة، وجهر بها وهي لا تزال سرية، أي: جهر بها هو ﵊، وأما أصحابه فكانوا يستخفون بدينهم، ويسرون إسلامهم، ويستترون بعباداتهم، فيصلون في الشعاب والمناطق البعيدة عن أهل مكة، ويختفون بدينهم، ولذلك لما رأى النبي ﵊ ما بدأ به أهل الكفر من قريش من الإيذاء والاضطهاد، ولما رأى تكاثر هؤلاء الذين استجابوا لدعوته، عزم ﵊ أن يجمع القوم، فكانت دار الأرقم بن أبي الأرقم ملتقى الصحابة رضوان الله عليهم، وكانت هذه الدار في أدنى الصفا بمكة، فكان الصحابة يأتونها سراً، حتى إن بعضهم كان يلقى بعضاً ولا يعرف أنه من المسلمين، فيقول له: أين تذهب؟ فيقول: أقضي حاجتي؛ ويقول الثاني: أين تذهب؟ يقول: أذهب إلى كذا وكذا، ثم إذا بهما يلتقيان في دار الأرقم بن أبي الأرقم. وفي هذه الصفحة معلمان مهمان من معالم الدعوة: الأول: هو المعرفة والتعليم، والثاني: هو التربية والتكوين.

стр. 2220

المعرفة والتعليم أما الجانب الأول: فقد كان النبي ﷺ في هذه الدار يعلم الصحابة رضوان الله عليهم، فيتلو عليهم آيات القرآن، ويبين لهم أحكام الإسلام، ويعرفهم أيضاً بما يجري في واقعهم ومجتمعهم، وما يحاك حولهم، فلا بد للفئة المؤمنة أن تنشر العلم الشرعي، والمعرفة الإيمانية، والأخبار الواقعية، والأحداث القديمة التاريخية، في المساجد وبيوت الله، وفي المنتديات والمحاضرات، وفي اللقاءات والمؤتمرات، وتكون كذلك في كل آن وفي كل حال، في الحل والترحال، وفي السفر والحضر، وفي بيوت الناس ومجامعهم؛ لأن المعرفة والعلم أساس مهم كما قال الله : ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [محمد:١٩]. وليس المقصود بالمعرفة والعلم الناحية الشرعية فحسب، بل كذلك الناحية المعرفية التي فيها استقراء التاريخ، واستنطاق العبر، ومعرفة الواقع، وإدراك ما يدور حول الدعوة والمسلمين من أمور، فينبغي أن يعرفوها، وأن يحتاطوا لها، وأن يعدوا لها العدة، ولذلك كانت هذه الدار تمثل هذه المرحلة المهمة، فإنه ينبغي لنا ألا نرضى من الناس بالعواطف، وألا نكتفي منهم بأن يؤدوا عباداتهم، بل لا بد أن نزيدهم ونعطيهم من العلم الذي جاء في كتاب الله، وفي سنة رسول الله ﷺ ، وأن نوسع دائرة معرفتهم، وأن نعمق الوعي في عقولهم؛ لأننا نحتاج ونفتقر إلى شخصية المسلم العالم الواعي، فإذا ذكرت شبهات وطعون في الإسلام كان عنده من العلم ما يمنعه من التأثر بها، بل عنده من العلم ما يفندها ويرد عليها، ويثبت بطلانها، فيكون ذلك انتصاراً لهذا الدين، وإقناعاً للآخرين، ويكون عنده أيضاً من العلم والمعرفة حتى لا ينخدع، كما قال عمر بن الخطاب ﵁: لست بالخب، ولا الخب يخدعني، فإذا ما تستر الباطل في ستور مختلفة، وإذا ما جاء الأعداء في لبوس الأصدقاء؛ لم يخدعه ذلك، بل كان عنده الوعي والمعرفة والإدراك الذي يميز به بين الحق والباطل، ويدرك به ما وراء السطور، ويعرف ما يحاك للأمة الإسلامية، وما يمكر به الماكرون، وما يدبره المنافقون، فإن الأمة اليوم مستهدفة من أعدائها، ومغزوة من داخلها ببعض أبنائها، كما قال النبي ﵊ في الحديث عنهم: (من بني جلدتنا، ويتكلمون بألسنتنا).

стр. 2221

التربية والتكوين الجانب الثاني: وهو جانب التربية والتكوين: فإن العلم وحده لا يكفي، بل كان النبي ﵊ في هذه الدار يربي الصحابة، ويبين لهم ما يواجهون من الأخطار، ويركز فيهم المعاني الإيمانية التي تقوي عزيمتهم، ويؤكد لهم أن بعد العسر يسراً، ويبين لهم أن الاستمساك بالمنهج هو الذي يؤدي إلى النصر والتمكين، ويبين لهم ﵊ من واقع سير الرسل والأنبياء قبله، ومن واقع حياة المؤمنين في كل وقت وأوان، أنه لا بد لهم أن يثبتوا، وأن يسعوا إلى تكامل شخصياتهم، وذلك كله يؤذن بأن يوسع دائرة الدعوة، وأن يضعضع ويضعف جهود الأعداء، وينخر في صفوفهم، وأنه ينبغي لهم ألا يغيروا وألا يبدلوا، ولذلك لا بد من معرفة العلم، مع التطبيق العملي، والتواصي بالحق والتواصي بالصبر، هذا هو الزاد الذي يقوي في الإنسان المسلم التزاماً صادقاً، ووعياً وإدراكاً، إضافة إلى أمل وثقة بالله لا تنقطع، ولا تنفصل. إن هذه الدار كانت هي المدرسة العظيمة التي تخرج منها كبار الصحابة من المهاجرين، والسابقين الأولين إلى الإسلام، من أمثال أبي بكر وعمر، والعشرة المبشرين، ومن جاء بعدهم من صحابة النبي ﷺ ، ونعلم جميعاً أن هذه الفترة المكية الأولى لم يكن عدد المسلمين فيها كثيراً؛ وذلك لظروف هذا الإيذاء والاضطهاد، ولظروف سرية الدعوة، إلا إن نوعية المسلمين الذين رباهم النبي ﵊ في مثل هذه الدار كانت نوعية فريدة، فكان الواحد بألف، بل بآلاف، ولذلك فإن هذا المعلم يبين لنا أهمية صياغة الشخصية المسلمة، والتربية والتكوين الإسلامي الصادق الخالص القوي، فإننا نريد مسلماً صادقاً خالصاً كاملاً، وربما يكون أجدى وأنفع لهذه الأمة، وأقوى في نصرة هذا الدين من كثرة كاثرة أخبر النبي ﵊ أنهم غثاء كغثاء السيل، وأنهم يقذف في قلوبهم الوهن، فلما سئل عنه ﵊ قال: (حب الدنيا، وكراهية الموت). فقد تكون هناك صفوف متراصة، لكن فيهم جبان، وفيهم خائف، وفيهم متردد، وفيهم متشكك، فما أسرع ما تُخترق هذه الصفوف، بينما إذا كان هناك صف واحد، ولبناته قوية متماسكة مترابطة، فإن كل هجوم على هذا الصف يبوء بالفشل، ويرجع خائباً، وهذه القوة والمكانة هي التي تحتاجها الأمة الإسلامية اليوم، ونحن في غنى عن ذكر الأمثلة التي كانت في حياة النبي ﵊ من قبل صحابته رضوان الله عليهم، فإنهم قد ثبتوا في المحن، وثبتوا أمام الإغراءات، إضافة إلى أنهم لم يتأثروا بالشبهات، وكل ذلك كان يبين أهمية تلك التربية التي رباهم عليها النبي ﷺ ، فـ بلال تحت الصخر يقول: أحد أحد، وما تغير ولا تردد، بل تغير من كان يجلده، فأسلم بعضهم، وهذا كعب بن مالك جاءه الإغراء من قبل الدولة العظمى في ذلك الوقت الذي كان الصحابة قد نهوا عن كلامه، وأمروا بمقاطعته، ومع ذلك لم يستجب لهذا النداء، ولم يضعف، ولم يستوحش من المسلمين، ولم يقطع رابطته بهم؛ لأن التربية والتكوين كانت في أعلى المستويات المطلوبة، وهذه الدار هي التي أخرجت تلك الكوكبة من صحب النبي ﷺ .

стр. 2222

الانتشار في الأرض عند الأذى والتسلط ثم صفحة سابعة وهي الهجرة الأولى إلى الحبشة: وذلك عندما اشتد إيذاء كفار قريش للمسلمين من صحابة النبي ﵊، وكثر تتبعهم لهم، واستقصاؤهم وتفتيشهم عن هؤلاء المسلمين المستخفين بدينهم، ثم إنهم صبوا عليهم العذاب صباً، وكان هذا العذاب متنوع الأساليب: فمن عذاب حسي، ومن عذاب معنوي، ومن سخرية وتحقير وصور كثيرة، فأراد النبي ﷺ بهذه الهجرة أمراً مهماً، ومعلماً أساسياً من معالم الدعوة وهو مبدأ الحماية والانتشار. فقد كان المسلمون في ذلك الوقت قلة، وكانوا مستضعفين؛ نعم كان إيمانهم في قلوبهم عظيماً، وكان يقينهم في نفوسهم راسخاً، وكانت ثقتهم بالله كبيرة، وكان معهم رسول الله ﷺ ، لكنه ﵊ أراد أن يعلمنا من خلال سيرته السنة الإلهية التي ينبغي أن تراعى وأن تتبع، فلم تدفعهم حماستهم للحق الذي آمنوا به، والدين الذي اعتصموا به أن يواجهوا الباطل مواجهة سافرة، وفي معركة هي بالمقياس المادي خاسرة، ولم تكن الحماسة هي التي تقودهم ليواجهوا الباطل كيفما اتفق، لماذا؟ لأنهم يريدون أن يعملوا ما يعود على هذا الدين بالنفع والفائدة، وما يعود على الدعوة بالقوة والانتشار، ولذلك كما يقول محمد الصادق عرجون في كتابه (محمد رسول الله): أراد النبي ﷺ أن ينزع فتيل التوتر، فقد كانت قريش في شدة حميتها، وقوة توجهها نحو ضرب المسلمين والأمة الإسلامية ضربة إبادة، وكان المسلمون كثير منهم من العبيد والموالي والضعفة الذين هم في طبيعة ذلك المجتمع ليس لهم حول ولا طول، فأراد النبي ﵊ أن يهدئ الأوضاع، وأن يحمي هذه الكوكبة القليلة من الفئة المؤمنة، ليكون ذلك أدعى لانتشار الدعوة في وقت آخر. فليست المسألة مسألة تسلط، أو تشدد، وإنما هي مصلحة الدعوة حيثما كانت، ولذلك ورد في الحديث عن النبي ﷺ في مَثَل المؤمن أنه كالخامة من الزرع تميلها الريح ولا تكسرها، فإذا جاءت الظروف العصيبة فإنه يمكن أن يجعلها بهدوئه وسكينته، وثباته على مبدئه، تمر دون أن تقصم ظهره، أو أن تعيق انطلاقته، وهكذا كان هدف النبي ﵊. إضافة إلى ما كان منه ﵊ من حكمة ودراية ومعرفة بالواقع، فقد اختار أرض الحبشة، وهي أرض قريبة من مكة، فليس بينها وبين مكة إلا مسافات قصيرة من ناحية البحر، ثم إنها كما قال ﵊: (إن فيها ملكاً عادلاً لا يُظلَم عنده أحد)، ولم يطلب المسلمون في هذه الهجرة سلامتهم، ولم يختاروا العيش الرغيد، والأمن الوافر، وإنما أرادوا أن يقوّوا الصفوف، وأن يبذروا الدعوة في مكان آخر، وأن ينطلقوا بها مشرقين ومغربين. ولذلك لا بد أن ندرك في مسيرة الدعوة أنها ليست ملكاً لفرد أو لفئة من الناس، وإنما هي ملك للأمة كلها، فلا ينبغي أن يتهور متهور فيورد الدعوة وأهلها والعلماء والمصلحين موارد الهلكة، دون أن يكون هناك أي أثر إيجابي، وأما ما ذكره النبي ﷺ بقوله: (سيد الشهداء حمزة، ورجل قام إلى حاكم ظالم فأمره ونهاه فقتله) فقد ذكر أهل العلم أن ذلك إذا كان مختصاً بنفسه، وذكر بعضهم أن ذلك فيما لا يؤثر على من وراءه؛ إذ قد يكون الإنسان مضحياً بنفسه، لكن ينبغي أن يحرص على نفع الأمة ومصلحتها، فلما كانت هذه المرحلة هي المرحلة التي اشتد فيها الأذى من كفار قريش أراد النبي أن يلتمس للمسلمين مخرجاً، وأن يخفف من غلواء ذلك العداء، وأن يبعد أسباب النقمة الشديدة من أولئك الكفار، وأن يهيئ أسباب الانتشار في ظل ما قد يكون من سكينة أو هدوء، أو ضعف في مواجهة الاعتداء على المسلمين من أبناء هذه الأمة.

стр. 2223

الجد والاجتهاد في البحث عن طرق لنشر هذه الدعوة نلمح أيضاً معلماً عظيماً في الصفحة الثامنة من سيرة النبي ﷺ ، وهو المعلم الذي تمثل في خروج النبي ﷺ إلى الطائف عندما لم تكن هناك استجابة من قريش وأهل مكة، فخرج ﵊ إلى الطائف يدعو أهلها، ونعلم ما قام به الكفار من أهل الطائف في ذلك الوقت من الإيذاء للنبي ﷺ ، والإعراض والصد عنه، وإغراء السفهاء به، فقذفوه بالحجارة حتى دميت أقدامه ﵊. في هذه الصفحة معالم أخرى، وأسس مهمة في الدعوة التي رسمها لنا النبي ﷺ ، فهي تمثل لنا صورة مهمة من صور الحماسة والانطلاق، فليس الأمر دائماً هو نوع من السكون أو الهدوء، بل كان النبي ﵊ في قلبه من الغيرة لهذا الدين والحماسة له، ما جعله يلتمس طُرُقاً إلى أي قوم، أو إلى أي بلد يمكن أن يلقى فيه قبولاً لهذه الدعوة. والأمر الثاني هو: أن هذه الدعوة عالمية وليست إقليمية، فليست مختصة بعرب دون عجم، ولا ببلاد دون بلاد، بل ينبغي أن يسير بها المسلمون إلى البشر أجمعين، وإلى كل الأقطار بلا استثناء، فإذا أعرض عنها قوم فإن قوماً آخرين سيَقْبلون ويُقبِلون بإذن الله ، وهذا أيضاً يدلنا على صورة ثالثة وهي: عدم اليأس، وعدم الركون أو القعود عن الدعوة؛ لأجل إعراض المعرضين، أو صد الذين يصدون عن دين الله ، فإن قريشاً عندما صدّت وامتنعت التمس النبي ﵊ الطريق إلى الطائف، وعندما صد أهل الطائف وامتنعوا، عاد النبي ﷺ إلى مكة، وظل يدعو حتى شرح الله صدور الكوكبة الأولى من الأنصار في بيعة العقبة إلى الإسلام، وكانوا بذرة من البذور التي أثرت في الدعوة الإسلامية.

стр. 2224

الهجرة النبوية الصفحة التاسعة هي: الهجرة النبوية إلى المدينة: وهي أيضاً مهمة غاية الأهمية في حياة الدعوة الإسلامية؛ ذلك أنها تمثل مرحلة التخطيط والتمكين، فالنبي ﵊ قد هيأ لهذه الهجرة تهيئة عظيمة، فإنه قد يسّر أولاً من خلال البيعة الأولى للأنصار كوكبة آمنت به وبرسالته ﵊، ثم بعث معهم مصعب بن عمير ﵁ ليوسع دائرة الدعوة في هذه الأرض الجديدة؛ لتكون أرضاً لهذه الدعوة، ولإقامة دولة الإسلام فيها، ثم جعل أصحابه بعد ذلك يهاجرون إليها زرافات ووحداناً، فلما شاع الإسلام في المدينة، أحكم النبي ﵊ خطته، وهيأ أمره كما نعلم في هجرته من الأسباب الكثيرة التي اتخذها، وليس هذا موضع سردها، فإنه أخذ جنوباً إلى غار ثور بدلاً من أن يأخذ شمالاً إلى طريق المدينة، ونعلم أنه اختبأ في الغار ثلاثة أيام، وأنه اتخذ طريقاً غير الطرق المسلوكة إلى غير ذلك، فهذه الصورة تبيّن لنا: أن الدعوة الإسلامية ينبغي أن تسعى إلى أن تمكن في الأرض، وإلى أن تهيأ لها الأسباب لإقامة المجتمع الإسلامي الذي يحكّم شرع الله ، ويصبغ الحياة كلها صبغة إسلامية ليس فيها قبول لحكم ولا لشرع ولا لأمر ولا لعادة ولا لتقليد إلا وفق شرع الله . فلا يُكتفى أن يكون المسلم مسلماً في نفسه، ولا يُكتفى أن يكون جمع من المسلمين في بيئة جاهلية، أو في أوضاع كفرية، بل ينبغي أن يسعى المسلمون إلى أن يوجدوا مجتمعاً كاملاً برجاله ونسائه وأطفاله وبيوته، مجتمعاً كاملاً باقتصاده واجتماعه وسياسته، مجتمعاً كاملاً في أفراده وفي جماعاته، مجتمعاً كاملاً في سلمه وفي حربه كما فعل النبي ﵊. فكل تلك المراحل التي مرت بها الدعوة في حياته ﵊ كانت مراحل ممهدة ومهيأة، وكان ﵊ يرنو إلى هذه المرحلة، وإلى هذا المعلم المهم من معالم الدعوة، وقد أخذ له أهبته بصور كثيرة شتى مما مضى: فتلك التربية والتكوين لهذه الفئة القوية الراسخة، وذلك الانطلاق الذي شرق فيه وغرب حتى وجد القلوب المؤمنة من الأنصار، وتلك التهيئة الدعوية ببعثة مصعب بن عمير ﵁ الداعية الذي فتح بيوت الأنصار في المدينة المنورة، ونورها بهذا الإسلام، إضافة إلى إحكامه ﵊ لخطة هجرته حتى قدم ﵊ إلى المدينة؛ فقد كانت هذه المرحلة من المراحل المهمة في حياة الدعوة، وهي مرحلة التخطيط الذي له بُعد في المدى، وبعد في الزمن، وعمق في النظرة، وشمول فيما يحيط بالدعوة من المتغيرات والمستجدات، واختيار وانتقاء، ثم كان بعد ذلك التمكين وإقامة دولة الإسلام. فعندما قدم النبي ﷺ إلى المدينة إذا بها تستقبله، وهي قد أعطته بيعتها في بيعة العقبة الأولى والثانية، وقد أعطته قيادها فهو القائد المسود فيها، وقد أعطته حكمها فهو الذي يبلغ شرع الله لها، فكان ذلك هو الفتح الأعظم، وقد ورد في الأحاديث الصحيحة عن النبي ﷺ أنه قال: (أمرت بقرية تأكل القرى، وإني أراها ذات نخل، بين لابتين) يعني أنه أمر بالهجرة إلى قرية هذا وصفها، تأكل القرى: أي تكون منطلقاً وقاعدة للدعوة الإسلامية، وهكذا كان فعله ﵊، فلابد أن توجد أرض، ويوجد مجتمع وحكم وشرع إسلامي يكون منطلقاً لهذه الدعوة.

стр. 2225

الاستمرار في الدعوة وتصفية الطريق أمامها بالجهاد وغيره الصفحة التي تليها، وهي صفحة مهمة، فقد بلّغ النبي ﷺ في هذا الأمر مبلغاً، وحقق غاية عظمى، ولعل قائلاً أن يقول: يكفي النبي ﵊ ما حققه من إيجاد دولة الإسلام في المدينة! وهذه نظرة خاطئة قاصرة لا تفقه هذا الدين، ولا تعرف رسالته، ولا تعرف أنه خاتم الأديان، وقد ارتضاه الله لهذه البشرية جمعاء، فعندما استقر الأمر للنبي ﵊ بدأت صفحة جديدة أخرى، وهي الاستمرار في الدعوة، وهذا يبين لنا معلماً مهماً وهو: أن هذه الدعوة لا منتهى لها، لا في الزمان، ولا في المكان، ولا في الأشخاص، كما قال صاحب (الرحيق المختوم) في قوله : ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ﴾ [المدثر:١ - ٢]؛ ولذلك لا توقف في الدعوة، فإن هذه المرحلة السابقة في إيجاد المجتمع المسلم إنما هي مرحلة قوية، ونقلة نوعية لمزيد من العمل لأجل الدعوة ولهذا الدين. أما أنها مرحلة نوعية: فلأن الناس يرون مجتمعاً إسلامياً كاملاً تتمثل فيه الأحكام والآداب والأخلاق والأعراف الإسلامية، فهذه دعوة ناطقة من خلال المشاهد الحية، والممارسة الحياتية اليومية في مجتمع المدينة المنورة، ثم هي أيضاً نوع من التكامل والقوة التي تساعد على تأسيس الدعوة نفسها، وتأخذ كل أسباب قوتها؛ لتنطلق انطلاقة أكثر وأقوى مما إذا كانت الدعوة عند فئات مسلمة قليلة، وفي مجتمعات منحرفة، أو تكون كثرة في ظل حكم كافر أو نحو ذلك من الصور، فإن الصورة المثلى والأقوى في التأثير هي ما يكون بعد وجود هذا المجتمع المسلم، والأرض الإسلامية. ولذلك فإن الصفحة العظمى، والصفحة الأساسية الظاهرة البينة في هذه المرحلة هي صفحة الجهاد الإسلامي، وهذا يبين لنا -كما قلت- استمرارية الدعوة وشمولها وانطلاقها الذي لا يحده حد من زمان ولا من مكان، وقد ذكر ابن القيم رحمة الله عليه في (زاد المعاد) المراحل التي مر بها الجهاد أو القتال في الإسلام: من كف الأيدي، ثم الانتصار فقط ممن اعتدى، إلى المرحلة التي فيها الجهاد والانطلاق إلى أهل الكفر في كل مكان: فإما أن يسلموا، وإما أن يعطوا الجزية، ويفتحوا الطريق للمسلمين ليعيشوا في هذه البلاد، ويدعوا فيها، ويعلوا كلمة الله ، دون إكراه في الدين، وإما أن يقاتلوا حتى تزاح هذه العوائق التي تحول بين الناس وبين هذا الدين. ولذلك فإن الجهاد هو نوع من إزالة العوائق عن طريق الدعوة، والجهاد العسكري هو صورة من صور الدعوة؛ فكما أن هناك جهاداً قولياً، وهناك جهاداً تربوياً، وهناك جهاداً نفسياً؛ فهناك جهاد عسكري، وكلها مرتبطة بغاية الدعوة، فليس الجهاد في الإسلام إراقة دماء، ولا إزهاق أرواح، ولا تدمير بيوت، ولا إحراق زروع وثمار، بل الأمر كما قال النبي ﷺ في صلح الحديبية: (لا تسألني قريش خطة يعظمون بها البيت، ويحقنون بها الدماء إلا أعطيتهم إياها) وكما فعل ﵊ في يوم فتح مكة عندما عفا عمن كانوا ناوءوه؛ ليبين استعلاء هذا الدين عن الانتقام والثأر النفسي، وليبين رسالة هذا الدين في أنها تهدف إلى إيجاد الغايات، وإلى تحقيق الرسالة، وإلى نشر الدعوة لا أقل ولا أكثر. فكانت هذه الصفحة في المدينة المنورة صفحة الجهاد الإسلامي، وهذه الصفحة المهمة ليس هذا موضع الحديث فيها، فإنها قد استغرقت مثل ما استغرقت الفترة المكية وأكثر من ناحية الزمن، ولئن كان المسلمون قد خسروا أو أرهقوا بالمقياس المادي في الفترة المكية، فإنهم في الفترة المدنية قد جاهدوا، وبذلوا أرواحاً وأموالاً، وأجروا دماءً في سبيل الله ، وهذا يبين أن الدعوة متلازمة مع التضحية والبذل في سبيل الله ، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ﴾ [التوبة:١١١]. ويبين لنا أيضاً من وجه آخر: أن هذه الدعوة بانطلاقتها الجهادية يتلازم فيها وجود المسلمين مع دعوتهم لدين الله ؛ فلا ينبغي أن يكون هناك مسلمون ولا تكون هناك دعوة، أو لا يكون هناك جهاد، بل حيثما وجد مسلمون صادقون عارفون بهذا الدين وجدت الدعوة، ووجد الجهاد في سبيل الله ، ولذلك قال النبي ﵊: (الجهاد ماض إلى يوم القيامة) وهذا الحديث في سنن أبي داود بسند صحيح، وفي بعض الروايات: (لا يبطله بر ولا فاجر)، وقال ﵊ أيضاً: (الجهاد ماض مع كل بر وفاجر) أي: وإن كان القائد فيه فجور أو فسق إلا أنه يرفع راية الإسلام، ويجاهد في سبيل الله ، فإنه يجاهد معه؛ إعلاءً ونصرة لدين الله .

стр. 2226

استكمال البناء الإسلامي بإرساء قواعد الأحكام الصفحة الأخيرة في الفترة المدنية هي: استكمال جوانب البناء الإسلامي في شتى صور الحياة: فقد جاءت الأحكام والتشريعات في هذه الفترة؛ لتكمل بناء المجتمع الإسلامي في الناحية الاقتصادية، فجاءت الأحكام في البيوع، وتحريم الربا، وتنظيم صور التعامل كلها استقصاءً وتفصيلاً، وجاءت أحكام الحياة الاجتماعية، فجاءت أحكام الزواج والطلاق والمحارم من النساء وغير ذلك تفصيلاً وتفريعاً، وجاءت كذلك الأحكام السياسية مما يتعلق بالحرب والسلم، والعقود والمواثيق تفصيلاً وتفريعاً. وقد جاءت كل هذه المعالم لتبين تكامل هذا الدين في الناحية العملية، وتجسده في الصورة الواقعية للناس، ولذلك ينبغي للمسلمين في ظل غياب المجتمع الإسلامي المتكامل في بلاد كثيرة أن يوجدوا صوراً للمعالم الإسلامية في جوانب الحياة: أن يوجدوا صوراً للإسلام في الاقتصاد، وفي الحياة الاجتماعية، وفي الحياة السياسية؛ حتى يرى الناس بأم أعينهم هذه النماذج في الاقتصاد الإسلامي، وفي السياسية الإسلامية، وفي الاجتماع الإسلامي، وفي الأخلاق الإسلامية، من خلال تجمعات ومجموعات إسلامية، ومن خلال مشاريع وأعمال إسلامية تمثل هذه الجوانب؛ لتكون نماذج مصغرة تبين للناس هذا الواقع، فإذا فقد الناس واقعاً متكاملاً في صورة مجتمع وأمة ودولة، فلا يفقدوا ذلك في صورة تجمعات وأفراد من المسلمين يظهرون هذه المعالم، ويرفعون هذه المعاني في حياة الأمة؛ حتى لا يبقى الناس في شك، وحتى لا يكون عند بعض الناس ضعف في يقينهم بتكامل تشريع هذا الإسلام، وظهور الآثار الإيجابية لهذه التشريعات، ومع ذلك يبقى هناك نوع من النقص؛ لعدم التكامل في هذه المجتمعات من الناحية الإسلامية. هذه -كما قلت- قراءة سريعة دعوية في المراحل التي مرت بها دعوة النبي ﷺ ، والحقيقة أن كل واحد من هذه المعالم، أو كل صفحة من هذه الصفحات فيها تفريعات تستحق أن يتأملها المسلم، وأن يستنبط منها الداعية منهجه وطريقه، وأن تستلهم منها الأمة المخرج الذي تخرج به من أزماتها، ولذلك ينبغي لنا أن نفقه في سيرة النبي ﵊ هذه المراحل الدعوية، وأن نفقه من ناحية الأحداث التفصيلية أو الكثيرة فروع هذه المعالم كلها؛ لتتجسد لنا صورة واضحة لمنهج الدعوة على طريقة الرسول ﷺ ، بدلاً من أن يكون هناك الاجتهاد الذي لا يسترشد بهذه السيرة، ولا يرجع إليها، لأنه ﵊ كما أسلفت في بداية الحديث: ولد على ضوء الشمس، وجاءت سيرته شاملة لجميع الجوانب، ومثل لنا في سيرته وحياته ما ينبغي على الدعاة أن يأخذوا به، وأن يمتثلوه.

стр. 2227

أهم المراجع التي سلطت الضوء على الجوانب الدعوية من السيرة النبوية في هذا المقام لا بأس من إشارة سريعة إلى ما يمكن أن تستقى منه بعض هذه الملامح والمعاني التربوية، والدعوية. وأختم هذا الحديث بذكر بعض الدراسات التي تسلط الضوء على مثل هذه الجوانب في الدعوة من خلال سيرة النبي ﵊، فمنها على سبيل المثال لا الحصر: كتاب (الدعوة في المرحلة المكية) للدكتور علي جابر الحربي، وكتاب (أسباب نجاح الدعوة في الفترة المكية)، وكتاب (أسباب نجاح الدعوة الإسلامية) وهو كتاب مركز في هذا الجانب، وكتاب (المنهج الحركي في السيرة النبوية) للغضبان، وكتاب (محمد رسول الله) لـ محمد الصادق عرجون، وقد ناقش الروايات من حيث صحتها، وهو متخصص في هذا الجانب، وقد تميز أيضاً بذكر كثير من الأمور والفوائد المتعلقة بالدعوة، وبما يتعلق بحكم أوضاع معينة في حياة الأمة الإسلامية، ويلحق بذلك أيضاً كتب السيرة المتأخرة التي يحرص أصحابها على ذكر الفوائد والدروس والعبر من سيرة النبي ﵊؛ لما في ذلك من الفائدة، فإنه لا ينبغي أن يكون انتفاعنا بالسيرة النبوية، أو صلتنا بها مجرد قراءتها، أو سرد أحداثها، بل استنباط ما ينفع ويفيد من هذه الأحداث التي كلها عبر ودروس وفوائد ومصالح؛ ولذلك كانت هذه السيرة هي موضع القدوة والأسوة في كل الجوانب، ومنها هذا الجانب المهم والخطير في حياة الأمة اليوم، وهو جانب الدعوة إلى الله ، وهذه المحاضرة -كما أشرت- قراءة دعوية في السيرة النبوية.

стр. 2228

الأسئلة

стр. 2229

حكم كذب المرء ليخفي أعماله الصالحة السؤال هل يجوز الكذب عندما يسألني صديق: إلى أين أنت ذاهب؟ فأقول: إني ذاهب إلى مكان كذا وكذا، وليس الأمر كذلك، ولكن لأخفي بعض الخير الذي قد أقوم به من أمر العلم، أو الدعوة، أو نحو ذلك؟ الجواب جاء في الحديث عن النبي ﵊: (إن في المعاريض لمندوحة عن الكذب) والمعاريض: أن تقول قولاً وهو في حقيقته صحيح وليس بكذب، لكنه يحتمل عدة معان، ويكون المعنى الأقرب إلى فهم السامع هو المعنى الذي لا تريده، فهذا فيه نوع من الفائدة التي قد تتحقق للمسلم عندما يحتاج إليها، فينبغي للإنسان أن يكون صادقاً، ولا يلجأ إلى الكذب الصريح مطلقاً؛ لأنه قد ورد النهي والذم له بما هو معلوم، ولا يلجأ إلى المعاريض إلا عند وجود الحاجة والمصلحة، وينبغي ألا يتوسع المرء في هذا، فإنك ترى بعض الناس يتوسعون توسعاً يوقعهم في الكذب، ويظنون أنهم ما زالوا يقولون المعاريض!

стр. 2230

معنى التصفية والتربية في الدعوة إلى هذا الدين السؤال هل نوافق على أن الدعوة تكون إلى تصفية الدين من كل ما ليس منه، ثم التربية على هذا الدين المصفى؟ الجواب معنى هذا أن التصفية قبل التربية، بغض النظر عن المسميات، والمعنى في حد ذاته صحيح، فينبغي أن يخرج الإنسان من نفسه ومن قلبه كل حكم، وكل مبدأ، وكل شهوة لا تتوافق مع شرع الله وسنضرب مثالاً لتوضيح هذا الأمر: إذا أردت أن تجلس في مكان ما، فأول أمر هو أن تنظف هذا المكان، ولا تضع الفرش الذي تريد أن تجلس عليه إلا على مكان نظيف؛ لأن عدم فعلك لهذا لا يجعلك تحقق الفائدة من هذا الفرش، إذ قد تأتي هذه القاذورات مرة أخرى وتفسد عليك مرادك، وإذا أردت مثلاً أن تخرج من مكان ما بعض القاذورات في وقت ريح، فلا بد أن تجعل هناك حاجزاً ثم تخرج هذه الأشياء؛ حتى لا تعيدها الريح مرة أخرى. ونحن أيضاً نحتاج في هذه العصور التي غلبت فيها الكثير من الأفكار والشهوات والسلوكيات على بعض المسلمين أن يخرجوها من قلوبهم، ومن عقولهم، وأن يبطلوها من سلوكهم وواقعهم، وأن يتحلوا بعد ذلك بهذا الدين، وهذا ما يسمى بالتصفية ثم التربية، أو ما يسمونه أحياناً التخلية ثم التحلية، أي: قبل أن تحلّي لا بد أن تخلي الشوائب، ثم تحليه حتى تنتفع به، ولا شك أن هذه الازدواجية الموجودة في بيئات المسلمين تجعل الأمرين متلازمين معاً، فنحن ننكر الباطل، ونعارض المنكر، ونبين خطأه وحرمته للناس، وفي الوقت نفسه نبين لهم الحل الإسلامي، والشرع الإسلامي، فنحن نقول للناس: إن التبرج وإن الزنا من المحرمات، وإن الله قد شرع الزواج والتعدد بدلاً عن هذا، ونقول لهم على سبيل المثال: إن الربا حرام، وإن البيع حلال. فلابد أن نبين لهم الأمر وما يكافئه، فعندما ننقض الباطل فإننا نظهر الحق، فيكون بياننا لعوارِ الباطل مهيئاً لقبول الحق، ومحاسن هذا الحق ستجعل الناس متشبثين به بعد أن رأوا معالم بطلان الباطل، وقد كان هذا الأمر نظرياً في وقت من الأوقات، إلا أنه بحمد الله قد صار في كثير من الأحوال عملياً، فكان الناس في الأول يحدثهم الدعاة والعلماء عن خطر الشيوعية والاشتراكية، وبطلانها وفسادها، ويطيلون القول في ذلك لمن اقتنعوا بها وتأثروا بها؛ حتى يثبتوا لهم أن الإسلام هو الصحيح، فكانت هناك قناعات إلا أن هذه القناعات قد تكون ضعيفة، ولكن عندما يؤكد الواقع العملي بطلان هذه المذاهب فإن المسألة تكون سهلة، فاليوم لو كان هناك عاقل لا يزال في عقله بعض أفكار الشيوعية والاشتراكية فإنك عندما تناقشه، والواقع الذي في الحياة قد سقط وهوى، فإنه لا شك سيكون اقتناعه أقوى وأكبر. وإذا قلنا للناس: إن العري والتفسخ والاختلاط مضر، وسيؤدي إلى نكبات، فهذا أمر حسن، ولكن عندما يرون اليوم واقع البلاد الكفرية، ويرون ما فيها من البلاء والأمراض والجرائم وغيرها من آثار ذلك، فإن هذا أبلغ وأقوى في الإقناع، فلا بد من الأمرين معاً.

стр. 2231

قيام العلماء والدعاء بالدعوة إلى الله وخطأ التفرقة بين العلماء والدعاة السؤال من يقوم بالدعوة: العلماء أم شباب الصحوة؛ لأن العلماء تفرقوا واختلفوا؟ الجواب هذه قسمة غير صحيحة، ويريد الأعداء أن يعمقوها في بيئات المجتمع الإسلامي، وخاصة صفوف الملتزمين من أبناء هذا الدين، فيقولون: هناك علماء، وهناك دعاة، ونحن نقول: لا دعوة ولا دعاة إلا بالعلم، ولا يكون العالم عالماً إلا أن يعلم ويدعو، فالعالم الحق هو الذي يبلغ علمه، وينشر الدعوة، والداعية الصادق هو الذي يتزود بالعلم، ويتحصن به. ولا بد أن نعرف أن تاريخ الأمة كان دائماً فيه هذا التلازم، بل كان فيه أكثر من هذا التلازم، ففي كثير من النماذج التي في تاريخ الأمة الإسلامية كان الفرد المسلم يمثل العالم والداعية والمجاهد والمنفق وغير ذلك من الصور، ونعرف ذلك مثلاً في سيرة ابن تيمية رحمة الله عليه، فقد كان عالماً، وكان داعيةً، وكان مجاهداً، كلها في شخص واحد، فليس عندنا عالم لا يعلم إلا الفقه أو المواريث أو نحو ذلك، وليس عندنا داعية لا يتكلم إلا في الفكر. وفي الواقع المعاصر، كلا، فليس عندنا هذا الانفصال ولا نعرفه، وإنما يعرفه أهل العلمانية، وأهل المذاهب الذين عندهم هذه التقسيمات، أما أمة الإسلام فعلماؤها دعاتها، ودعاتها طلبة العلم فيها، والدعاة يطلبون الإرشاد من العلماء، ويستفيدون من العلم، والعلماء يوجهون الدعاة، ويشجعونهم على الانطلاق في الدعوة، وهذا التكامل هو الذي يغيظ أعداء الله ، ولذلك فإنهم يسعون لشق هذا الصف المسلم الذي تحرك فيه العلماء فاختلطوا بالناس، وظهر علمهم، وأفتوا السائلين، ووجهوا المسترشدين، وتحرك الدعاة والشباب الذين تحركت الغيرة في قلوبهم، فصاروا يدعون، وإلى العلماء يرجعون، فيسألون ثم ينطلقون، فأراد أعداء الله أن يقطعوا هذا الحبل، فيجعلوا للعلماء مسلكاً، وللدعاة مسلكاً، ويجعلوا للكبار مسلكاً، وللشباب مسلكاً، وهذا ليس من دين الله . فينبغي أن نقوي اللحمة والرابطة بين علمائنا ودعاتنا في سائر بلاد الإسلام والمسلمين، مع علمنا بأن هناك من العلماء من لا يمثل صورة العالم المسلم الحقيقي؛ لأنه قد أعطى الدنية في دينه، أو لأنه باع دينه بدنياه، وهذه صور يعرفها العامي المسلم فضلاً عن العالم أو الداعية أو الشاب، وهؤلاء قطعاً ليس لهم في نفوس الناس ذلك التعظيم ولا التوقير، وليس لهم عند الناس قبول ولا اجتماع، ونحن نعرف أن من يكون هذا مسلكه بصورة واضحة بينة فيفتي بحل أمور معلوم حرمتها في دين الله ، كحل الربا، أو حل الاختلاط أو غير ذلك، فإن بسطاء الناس يسمعون هذا ولا يصدقونه، بل يعرفون أن الحق في هذا الدين، ومع من يبين حكمه، وأن الباطل مع من قال هذا القول، وإن كان قد تزيا بزي العلماء، أو ظهر أنه من كبار العلماء.

стр. 2232

شاهد من حياته ﷺ بعد البعثة يشابه تحنثه قبل البعثة السؤال هل لتحنث النبي ﵊ في غار حراء شاهد من حياته بعد البعثة؟ الجواب إن كان من شاهد يقاربه فهو خروجه ﵊ -كما ورد عن عائشة ﵂ في الليل إلى البقيع، يزور الموتى، ويتذكر الآخرة، فهذه وقفات للمحاسبة، وللتذكر، ولتقويم المسيرة، وليس المقصود بها -حتى لا يفهم الأمر فهماً غير صحيح- أن يكون لها منهج معين، وأوقات معينة، وطريقة معينة، وكتابات، فهذه ليست مطلوبة، وليست واردة، وإن فعل الإنسان منها شيئاً فلا يلتزمه ويواظب عليه، ولا يلزم به، وإنما هي مجرد أن يخلو المرء بنفسه؛ ليقوم مسيرته، وليصفي قلبه، وليناجي ربه، وليستعين بهذه الخلوة على اختلاطه بالناس رغم ما عندهم من لغو وباطل وغير ذلك، فهذه فائدتها لا تنكر، ولكن -كما قلت- ليست لها هيئة، ولا زمن بعينه، ولا طريقة معينة.

стр. 2233

الاستفادة من الفترة المكية للدعاة السؤال هل يمكن أن يستفاد من الاستخفاء في الدعوة، والهجرة إلى الحبشة، والفترة المكية، في تطبيق ذلك في واقع المسلمين اليوم بعد انتشار الإسلام؟ الجواب كثير من المراحل في عالم المسلمين اليوم في -غالب الأحوال- تتطابق مع تلك البيئة وذلك المجتمع والبلد المسئول عنه، فلا يقال: قد انتهت مرحلة السيرة بمعنى: أنها ليس لها أي تشابه مع واقعنا، وليس لنا أي استنباط منها، ولا أي فائدة، وإلا لكان في ذلك نوع من القصور أو النقض الذي لا يتصور، فكل ما في سيرة النبي ﵊ له فائدته، سواءً كان للفرد أو للأمة، وسواء كان في وقت معاصر أو في وقت لاحق؛ ولذلك كل يأخذ من سيرة النبي ﵊ ما يحتاج إليه، فمن كان يحتاج إلى التربية، أو الموضوعات الاجتماعية والأسرية، فليأخذ من النبي ﵊ جانب الأبوة، وجانب الزوجية، وغيرها من الجوانب، وكذلك بالنسبة لهذه الأمور المسئول عنها، فمن كان في بلاد كفر فإن له من سيرة النبي ﵊ صوراً للتعامل، ومن كان في بلاد يضطهد فيها الدعاة فله من سيرة النبي ﵊ ما يمكن أن يستنبطه، وأن يستفيده، ومن كان في بلد فيها راية الإسلام خفاقة، وشريعة الله تعالى مصدقة معلنة فهو يستفيد من سيرة النبي ﵊ ما يناسب أمره، وكل السيرة بمراحلها لا ينقضي الانتفاع منها.

стр. 2234

كيفية التعامل مع من صد عن سبيل الله السؤال هل يقوم الجهاد ضد من يصد عن تبليغ الدعوة، أو يقف ضد دعاة الإسلام؟ وأي نوع من أنواع الجهاد يكون؟ الجواب لا شك أن كل صاد عن سبيل الله ينبغي أن توجه له الدعوة هو نفسه؛ لأنه إن كان من المسلمين فينبغي أن يكون من المدعوين، وينبغي أن ندرك أمراً مهماً، وهو أن أصل توجه المسلمين لجهاد أعدائهم أنهم يقومون بدعوتهم إلى الله ، فأصل الإسلام وواجب المسلمين أن يدعو غير المسلمين، فنحن نريد للكافر أن يسلم، فكيف بالمسلم إذا كان مخالفاً؟! فنريده أن يزيل مخالفته. فالصاد عن دعوة الله ، أو الواقف في طريق الدعاة ينبغي أن توجه له الدعوة، وأن يبصر بخطورة ومغبة هذا الأمر، وبالخير الذي يرتجى له وللناس إذا نصر هذا الدين، ونصر حملته ورافعي رايته، وبعد ذلك لا شك أن إنكار المنكر، وإبطال الباطل أمر مطلوب، لكنه يخضع لضوابط شرعية تتعلق بتحقيق المصلحة، فإن كان الأمر يترتب عليه ما هو أكثر ضرراً منه فتركه واجب، وفعله محرم، وإن كان الفعل الذي تقوم به من إنكار المنكر سيترتب عليه صلاح وإصلاح، ويزول المنكر والفساد فالفعل واجب والترك محرم، وإن كان الأمر مستوياً فإنه -كما ذكر ابن القيم وغيره- يكون راجعاً إلى اجتهاد المحتسب بحسبه، فإن غلب هذا على هذا فله أن ينكر الباطل، وله أن يتركه، وتركه ليس إقراراً له، وإنما تركه رعاية للمصلحة، وخوفاً مما هو شر منه.

стр. 2235

آخر أخبار إخواننا في البوسنة والهرسك السؤال ما هي آخر أخبار إخواننا في البوسنة والهرسك؟ الجواب قد ذكرنا في الدرس الماضي خلاصة جيدة ونافعة في ذلك إن شاء الله، وأما الأخبار الأخيرة فهي أيضاً جيدة والحمد لله، ففي أخبار اليوم أن هناك هدوءاً نسبياً في القتال، وأن هناك قتالاً مستمراً في الشمال بين الصرب والكروات، نسأل الله أن يزيده، وأن يمد في أمده ومداه؛ حتى يكون ذلك إبطالاً لقوتهم، وإفناءً لها فيما بينهم، وأما المسلمون فقد أعلن رئيسهم في الوقت الأخير: لسنا في وضع مضى أفضل منا في هذه الأوضاع، فنسأل الله أن يعينهم، وأن يثبتهم، وأن ينصرهم، إضافة إلى أن الوقائع تكشف كل يوم مزيداً من تآمر المتآمرين. وفي الأخبار الأخيرة: أن الدول الأوروبية تريد أن تعزل مبعوثها السابق؛ لأنه فشل في التوصل إلى اتفاق، وفي الحقيقة أنه كان عاملاً من عوامل الفتنة، وعاملاً من عوامل العداء والمصائب التي حلت بالمسلمين، وهذا يثبت فشلهم، ويثبت أن هذه الصور إنما هي نوع من تغطية العورة، فالإنسان إذا كشفت عورته، فإنه يريد أن يغطيها بأي شيء، ولكن في حقيقة الأمر قد بان الحق والنور لذي عينين، وعرف المسلمون حقيقة أعدائهم، والمسلمون من إخواننا هناك قد أدركوا طبيعة الصراع والمعركة، وتشبثوا بهويتهم، ووحدوا صفوفهم، وقووا أخوتهم، وعملوا على أن يظهروا في حياتهم التجاءهم إلى الله ، واستمساكهم بدينه ، وهذه مبشرات يكون فيها الأمل والخير إن شاء الله. نسأل الله أن يثبتهم، وأن يعينهم، وأن يوفقهم، كما نسأله أن يحقن دماء المسلمين في أفغانستان، وأن يبطل هذه الحرب الدائرة، وأن يحقق أسباب الوئام والقوة للإسلام والمسلمين، وأن يجعل الدائرة على الكافرين، وأن يوفقنا وإياكم لما يحب ويرضى، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

стр. 2236

الصوم طريق إلى الجنة كثيرة هي الطرق الموصلة إلى الجنة، والصوم هو إحدى تلك الطرق الواسعة السريعة؛ وذلك لما يحمل في طياته من عبادات عظيمة، ولما جعل الله فيه من الفضل العظيم من رفع للدرجات، وتكفير للسيئات، وعتق من النيران، واستجابة للدعوات وغير ذلك. ومن طرق الجنة العظيمة أيضاً الجهاد في سبيل الله، والإنفاق لوجه الله، وعلى كل فأبواب الجنة كثيرة، والموفق من وفقه الله.

стр. 2237

وصف الجنة من القرآن والسنة الحمد لله، الحمد لله يسمع من حمده، ويطمئن من ذكره، ويزيد من شكره، ويعطي من سأله، له الحمد ؛ شرح الصدور بالإسلام، ونور القلوب بالإيمان، وهدى البصائر بالقرآن، نحمده على فضله وجوده وكرمه في شهر رمضان، وعلى ما يسر فيه من البر والمعروف والإحسان، له الحمد جل وعلا كما يحب ويرضى على آلائه ونعمه التي لا تعد ولا تحصى، حمداً نلقى به أجراً، ويمحو الله به عنا وزراً، ويجعله لنا عنده ذخراً، هو أهل الحمد والثناء لا نحصي ثناءً عليه هو كما أثنى على نفسه؛ فله الحمد على كل حال وفي كل آن، وله الحمد في الأولى والآخرة، وله الحمد ملء السماوات والأرض وملء ما بينهما وملء ما شاء من شيء بعد حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن نبينا وقائدنا وقدوتنا وسيدنا محمداً عبد الله ورسوله وصفيه من خلقه وخليله، أرسله إلى الناس كافة أجمعين، وبعثه رحمة للعالمين؛ فهدى به من الضلالة، وأرشد به من الغواية، وكثر به من بعد قلة، وأعز به من بعد ذلة، وفتح به قلوباً غلفاً، وأسمع به آذاناً صماً، وأشهد أنه ﵊ قد بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك؛ فجزاه الله خير ما جزى نبياً عن أمته، ووفقنا وإياكم لاتباع سنته، وحشرنا يوم القيامة في زمرته، وجعلنا من أهل شفاعته، وصلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى من تبعهم واقتفى أثرهم ونهجهم إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: أيها الإخوة المؤمنون! أمنية الأمنيات، وغاية الغايات التي تتعلق بها قلوب المؤمنين، وتتشوق إليها نفوسهم وتنشغل بها أفكارهم، وتقضى في سبيل تحصيلها أوقاتهم، وتبذل لأجل بلوغها كل طاقتهم وإمكاناتهم، هي الجنة. وما أدراك ما الجنة؟! تلك التي جعلها الله داراً للمؤمنين، ومثوىً للمتقين، والصوم طريق إلى الجنة؛ ذلكم أمر ينبغي الانتباه له ليتم الاغتنام على وجهه الصحيح، وليحيي في القلب والنفس من معاني التعلق بالجنة والجد في السعي إليها ما ينبغي أن يكون شعاراً ومناراً في هذه الفريضة الجليلة وهذا الشهر الكريم. الجنة التي هي غاية الغايات وأمنية الأمنيات ذكرها الله في كتابه حتى كاد أن يكون القرآن كله ترغيباً في الجنة وترهيباً من النار، والفوز العظيم هو مجرد النجاة من النار ودخول الجنة: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ [آل عمران:١٨٥]، ويقول الحق في مثل هذه المعاني الجليلة العظيمة: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة:٧٢]، ليس هناك فوز حقيقي، ولا كسب عظيم، ولا أمر يستحق أن يبذل له كل شيء مثل هذا الفوز بالنجاة الكبرى والغنيمة العظمى بدخول جنة الله . الجنة وما أدراك ما الجنة، وما أدراك ما فيها من النعيم المقيم؟ روى البخاري عن أبي هريرة ﵁، عن رسول الهدى ﷺ ، عن رب العزة والجلال تقدست أسماؤه وجل جلاله أنه قال: (أعددت في الجنة لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، ثم قال ﷺ : اقرءوا إن شئتم: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة:١٧])، فهل هناك أعجب بل أعجز من هذا الوصف الذي مهما عظمت الأمنيات، واتسعت الخيالات، وتنوعت اللذات تقصر عن أن تحيط بشيء منه أو أن تقترب من ظلال حقيقته؟ (ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر)، فليخطر بقلبك من النعيم أوسعه، ولتفهم ولتتعلق بالنصوص الواردة في الكتاب والسنة؛ فإن ما عند الله من النعيم أعظم من كل ما تجول به الخواطر، وتتعلق به النفوس والقلوب من تلك اللذات وذلك النعيم، وذلك لا شك أنه يهيج الشوق في قلب كل مؤمن إلى الجنة، ويبعث إلى التعلق بها، ويحث على السعي إليها. والأمر أوسع من ذلك؛ ففي الصحيح من حديث سهل بن سعد ما هو من جوامع كلم المصطفى ﷺ حيث قال: (لموضع سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما فيها)، هذه الدنيا التي تتعلق بها قلوبنا، وتخطف أبصارنا، وتسبى نفوسنا، ونصطرع في ميادين المنافسة على أخذها ونيلها، موضع سوط واحد في الجنة خير من الدنيا وما فيها. ويح الملوك، وويح الذين لا يكون لهم هم إلا دنياهم، وويح الذين تعلقت قلوبهم بهذه الدنيا يريدون أن يستكثروا منها ليكونوا أثرى الأثرياء وأغنى الأغنياء، فسوط واحد في الجنة خير من الدنيا وما فيها أعظم مما يملكه الملوك، ومما يحوزه الأثرياء، ومما يتسلط به أهل الدنيا كلهم من أولهم إلى آخرهم، فهل ثمة أعجب أو أعظم من ذلك؟ وامض كذلك لتستمع إلى ما هو أعظم وأجل في تلك الأوصاف العظيمة، بما ورد من حديث ابن مسعود عند البخاري ومسلم، وهو حديث عظيم قال فيه النبي ﷺ : (إني لأعلم آخر أهل النار خروجاً منها، وآخر أهل الجنة دخولاً فيها، رجل بعد أن قضى ما عليه من عذاب الله أدركته رحمة الله بتوحيده لله فأدخل الجنة، فلما دخلها رآها ملأى فرجع يخاطب ربه: يا رب! إني رأيتها ملأى -ليس فيها موطن له ولا مكان يضمه- فقال الله جل وعلا له: ادخلها ولك الدنيا وعشرة أمثالها، فيقول العبد: أتهزأ بي يا رب؟ فيضحك الرب ، ويضحك الرسول ﷺ وهو يروي هذا الحديث. أفلا يكون ذلك صارفاً للقلوب عن تلك الشهوات والملذات التي لا يمكن بحال من الأحوال لمؤمن عاقل أن يقيسها أو يزنها أو يقارنها بشيء ولو يسيراً من مثل هذا الذي وعد الله به عباده؟! وتأمل في هذه المعاني والنصوص وامض معها. وفي حديث النبي ﷺ الذي رواه الإمام أحمد في مسنده والترمذي في سننه وصف أختم به بعض هذه النصوص، وهو يصف جنة الله : (لبنة من ذهب ولبنة من فضة، ملاطها مسك الإذفر -والملاط هو ما يوضع بين اللبنات لتتماسك- وحصباؤها اللؤلؤ والياقوت، وتربتها الزعفران، من يدخلها ينعم ولا يبأس، ويخلد ولا يموت، ولا تبلى ثيابهم، ولا يفنى شبابهم)، وصدق الحق وهو يقول: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا﴾ [الإنسان:٢٠]. رمضان موسم الخير الأعظم، والصوم طريق إلى جنة الخلد بإذن الله، فلندرك هذه الخصائص في هذه العبادة حتى ندرك عظيم منة الله علينا، وحتى نعرف فضله علينا، وحتى نلتفت إلى تقصيرنا وتفريطنا، وحتى لا نظن أننا قد قمنا بعمل كثير، وأننا سعينا السعي الكافي، واجتهدنا الجهد اللازم لنحصل هذه السلعة الغالية، ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة.

стр. 2238

طرق الصوم الموصلة إلى الجنة

стр. 2239

الوقاية والمباعدة من النار الصوم أيها الأحبة طريق للجنة، ووجوه ذلك كثيرة: وحسبنا تلك الآية التي صدرنا بها حديثنا: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ [آل عمران:١٨٥] و (زحزح) أي: كأنما كان يخرج من النار بشيء من الثقل لا يتحرك إلا قليلاً قليلاً، فكيف بك والصوم يدفعك دفعاً، ويبعدك مسافات هائلة عن النار؟ نسأل الله أن يقينا وإياكم عذابها وحرها. هذا حديث أبي سعيد في الصحيح عن رسول الله ﷺ : (من صام يوماً في سبيل الله باعد الله وجهه عن النار سبعين خريفاً)، سبعين عاماً، وذلك أمد عظيم ليوم واحد يصام في سبيل الله، وسياق هذا النص لا ينبئ أن المراد هو صوم الفريضة بل صوم النفل، فما ظنك بصيام أيام رمضان -شهر كامل- تخلص فيها لله وتصومها في سبيل الله، كم يباعدك ذلك من النار؟ أما الوقاية فقد روي عن جابر بسند حسن عن رسول الله ﷺ أنه قال: (الصيام جنة يستجن بها من النار) رواه الإمام أحمد والبيهقي في شعب الإيمان. قوله: (جنة يستجن بها من النار) أي: درع وحصن ووقاية تسلمك وتؤمنك بإذن الله من عذاب النار. وفي حديث عثمان بن أبي العاص ﵁، عن رسول الله ﷺ : (الصوم جنة من عذاب الله) رواه الإمام أحمد في مسنده، والنسائي في سننه، وابن خزيمة في صحيحه. تأمل هذا المعنى؛ أفتكتفي من بعد أن يكون حظك من الصوم شهر رمضان، وأن يكون صومك في رمضان فيه تفريط وتقصير، فتفوتك تلك الوقاية والحماية، وتفوتك تلك المفاوز التي تبتعد بها عن سخط الله وعذابه في جهنم؟ نسأل الله أن يقينا عذابها وحرها.

стр. 2240

التهيئة والمقاربة للجنة ومن جهة أخرى: التهيئة والمقاربة إلى الجنة، فكما أن هناك مباعدة عن النار فثمة مقاربة للجنة تختص بهذا الشهر الكريم وهذه الفريضة العظيمة، فما أحرانا أن نجد ونجتهد. تأمل كذلك ما رواه البخاري ومسلم وأصحاب السنن إلا ابن ماجة، وهذا لفظ الترمذي، عن رسول الله ﷺ (إذا كان أول ليلة من شهر رمضان صفدت الشياطين ومردة الجن، وغلقت أبواب النار فلم يفتح منها باب، وفتحت أبواب الجنة فلم يغلق منها باب، وينادي مناد: يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر، ولله عتقاء من النار؛ وذلك في كل ليلة)، أفليس واضحاً أن للصوم صلة عظيمة بدخول الجنة والقرب منها، والتعرض لأسباب دخولها، والتقرب إلى الله بما يمن به على عبده بدخول جنته، وحصول رضوانه، والعتق من نيرانه؟ أبواب الجنة مشرعة مفتوحة، ومعنى ذلك أن نسمات الخير، وبرد الجنة، ولذة ما فيها من النعيم يكاد أن يلامس وجوهنا، ويخالط نفوسنا، ويداعب خواطرها، ويجعلنا كأنما نريد أن لا يختم هذا الشهر إلا وقد صرنا من أهل الجنة ومن العتقاء من النار؛ نسأل الله من فضله. أفليس هذا ينبغي أن يكون حاضراً في قلوبنا وأذهاننا؟ أفليس حرياً بنا أن نعيده ونكرره في مجالسنا وبيوتنا بدلاً من لغو القول وسفساف الحديث وأعمال أخرى نسأل الله أن يبرئنا منها، وأن يبعدنا عنها؛ إنه ولي ذلك والقادر عليه.

стр. 2241

الاختصاص بباب الريان للصائمين كلنا يحفظ حديث سهل بن سعد ﵁ في الصحيح عن رسول الله ﷺ : (إن في الجنة باباً يقال له الريان، يدخل منه الصائمون، فإذا دخلوا أغلق فلم يدخل فيه غيرهم). لماذا؟ أجاب أهل العلم عن ذلك: لما كان الصوم عبادة سر بين العبد ومولاه ليس فيها مدخل لرياء، وفيها تخلٍ عن الشهوات والملذات ابتغاء وجه الله، وفيها تحمل وصبر ومشقة ابتغاء التحقق بطاعة الله، ولما كان فيها مجاهدة للنفس، وكبح لجماحها، وإسلام لقيادها، وقوة في سيرها نحو طاعة ربها؛ كان ذلك الجزاء من جنس العمل، ﴿هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلَّا الإِحْسَانُ﴾ [الرحمن:٦٠].

стр. 2242

الصوم موسم لتكثير الحسنات وتكفير السيئات نمضي عن طريق الصوم إلى الغفران والتكفير، ورمضان وفريضة الصوم وموسمه أطول مدة وأعظم موسم فيه تكثير للحسنات، وتكفير للسيئات: (من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه). (من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه). (من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه). (ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن من الخطايا ما اجتنبت الكبائر). وفي حديث حذيفة أن الفتن يكفرها الصوم والصلاة والصدقة. فما أعظمه من موسم، وما أجلها من عبادة يمحو الله بها ما سلف من كثير الخطايا، وعظيم الذنوب التي أثقلت كواهلنا وسودت صحائفنا، نسأل الله أن يبيضها، وأن يمحو ما سلف من تلك الآثام، وأن يعيننا على الاستقامة على الطاعات والصالحات.

стр. 2243

الصيام والقيام والقرآن وإذا مضينا وجدنا سبباً آخر، وهو عظيم جليل يحتاجه المؤمن؛ ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء:٨٨ - ٨٩]، يوم يطلب الإنسان ويبحث يمنة ويسرة في يوم القيامة، يوم الحشر، يوم المشهد الأعظم والهول الأكبر؛ هنا نتذكر الصيام، عندما نتذكر حديث النبي ﷺ من رواية عبد الله بن عمرو بن العاص عند الإمام أحمد في مسنده، والطبراني في معجمه بسند صحيح، قال ﵊: (الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة، يقول الصيام: أي رب! منعته الطعام والشهوة فشفعني فيه، ويقول القرآن: أي رب! منعته النوم بالليل فشفعني فيه؛ فيشفعان فيه). والصيام والقيام بالقرآن كلاهما في رمضان، وهما من أسباب الشفاعة المنجية بإذن الله من عذاب الله والمفضية بإذن الله إلى نعيم الله، أفلا نستكثر من ذلك؟ أفلا نجتهد في الطاعة؟ أفلا نخلص في النية؟ أفلا نتحرى التشوق والتطلع إلى كل ما فيه مرضاة لله وطاعة له، وإقبال عليه وتعلق به، وخوف منه، وتوكل عليه، وتقوى له، وإنابة إليه؟ أفهذا كله مما نعلمه ونقرؤه ونسمعه ونحفظه، ثم يكون حال كثير منا في رمضان غفلة ونوم بالنهار وسهر ولهو بالليل، وشاشات عاهرة داعرة، وأغان فاضحة ماجنة، وأحوال من الصفق بالأسواق لا تسر مؤمناً، نسأل الله السلامة. أفبعد أن يفيض الله علينا كل هذا الخير، ويبشرنا النبي ﷺ بكل هذا الفضل؛ تكون القلوب عنه معرضة بسفساف الدنيا وشهواتها منشغلة ملتهية؟ أفليس ذلك مما يعظم حزن المؤمن على نفسه وحاله مع فضل الله الذي يسوقه ويبسط به يديه جل وعلا وهو الغني عن عباده، ثم لا يكون هناك إقبال مناسب ولا اجتهاد مكافئ، ولا حرص يدل على تغلغل معاني هذه النصوص في القلوب والنفوس؟

стр. 2244

الدعوة المستجابة للصائم وفوق ذلك كله أيضاً باب عظيم من أبواب الجنة مرتبط بالصوم وخاص به، وذلك في الدعوة المستجابة، كما ثبت عن النبي ﷺ من حديث أبي هريرة: (ثلاثة لا ترد دعوتهم: الصائم حين يفطر، والإمام العادل، ودعوة المظلوم يفتح الله لها أبواب السماء ويقول: لأنصرنك ولو بعد حين)، رواه الإمام أحمد والترمذي بسند حسن، وفي حديث عبد الله بن عمرو: (إن للصائم عند فطره دعوة لا ترد). فهذه دعوة مقبولة مجابة بنص حديث الصادق المصدوق ﷺ ، ونحن أهل إيمان ويقين بأن ما أخبر به ﵊ هو كما أخبر به. وخذ ما يبشرك ويجعلك لا تنسى حظك من الدعاء والفوز بالجنة في شهر الصوم، وإدراك هذه الفضيلة، تأمل هذا الحديث عن النبي ﷺ ، وهو من رواية أنس عنه ﵊ قال: (ما سأل الله أحد الجنة ثلاثاً إلا قالت الجنة: اللهم أدخله الجنة، ولا استجار رجل مسلم من النار ثلاثاً إلا قالت النار: اللهم أجره مني)، رواه أحمد وابن ماجة وابن حبان في صحيحه. أفلا نكثر من الدعاء بدخول الجنة والنجاة من النار؟ وفوق ذلك أيضاً خذوا من هذا الباب مزيداً من الفضل، وهي دعوات خاصة بك أيها الصائم في بعض أحوالك، تدعو بها الملائكة المقربون الذين: ﴿لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم:٦]، والذين: ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء:٢٠]. هذا حديث أم عمارة الأنصارية: (جاء إليها النبي ﷺ فقدمت له طعاماً، فقال لها: كلي، فقالت: إني صائمة، فقال ﵊: إن الصائم تصلي عليه الملائكة إذا أكل عنده حتى يفرغوا، أو ربما قال: حتى يشبعوا). وفي رواية: (الصائم إذا أكل عنده المفاطير صلت عليه الملائكة)، رواه الترمذي بسند صحيح. ملائكة الله تدعو لك وتستغفر، ودعاء الملائكة وما أدراك ما دعاء الملائكة؟ هذه كلها بشريات خير تدلنا على أن هذه الشعيرة عظيمة، وأن هذا الزمان أعظم مواسم الجنة التي تقربنا إليها وتدنينا منها، وتيسر لنا سلوك الطريق المفضية إليها، وتجعلنا بإذن الله في أحسن الأحوال التي نكون فيها أقرب من ربنا، وأكثر ما نكون استحقاقاً لرحمته وفضله وجوده وكرمه بالعتق والنجاة من النيران، والدخول إلى الجنة والنعيم المقيم فيها.

стр. 2245

طرق أخرى للجنة لعلي أختم هذا المقام بالحديث عن غير ما يدخل الجنة سوى الصوم، حتى لا يظن ظان أن الجنة عربونها هو الصوم فقط؛ فإن الأمر أوسع من ذلك وإن كان يسيراً بإذن الله ، فالفرائض هي العمد كلها، فلا ينبغي أن يكون صوم بلا صلاة، ولا صوم وصلاة ثم تشح النفس فلا تخرج الزكاة. ومثل ذلك الحج كما نعلم من حديث جابر ﵁، عن الرجل الذي جاء إلى النبي ﷺ فقال: (أرأيت إذا صليت المكتوبات، وصمت شهر رمضان، وأحللت الحلال، وحرمت الحرام، أأدخل الجنة؟ قال: نعم، فقال الرجل: والله لا أزيد على ذلك شيئاً). وأوسع من هذا وأشمل وأجمل: حديث معاذ لما كان رديف النبي ﷺ ، فاستغل تلك الرفقة العظيمة، والتفت سائلاً عن أعظم ما يسأل عنه المؤمن، وعن أهم ما يشغله، فقال: (يا رسول الله! أخبرني بعمل يدخلني الجنة ويباعدني عن النار، فقال النبي ﷺ : لقد سألت عن عظيم، وإنه ليسير على من يسره الله عليه، تعبد الله ولا تشرك به شيئاً، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت، ثم قال ﵊: ألا أدلك على أبواب الخير؟ الصوم جنة، والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار، وصلاة الرجل في جوف الليل، قال: ألا أخبرك برأس الأمر وعموده وذروة سنامه؟ قلت: بلى يا رسول الله، قال: رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله، ثم قال ﵊: ألا أخبرك بملاك ذلك كله؟ قلت: بلى يا رسول الله، قال: كف عليك هذا، وأمسك بلسان نفسه ﵊، قلت: يا رسول الله! أو محاسبون بما نتكلم به بألسنتنا؟ قال: ثكلتك أمك يا معاذ! وهل يكب الناس على وجوههم أو على مناخرهم في النار إلا حصائد ألسنتهم؟). فما أحرانا أن نعرف هذا الفضل في هذا الشهر، وأن نستكمل الفرائض حتى يأذن الله برحمتنا، ويمن علينا بفضله وجوده وكرمه فيعتق الرقاب من النار، ويمن علينا بدخول الجنان، نسأل الله من فضله، ونسأله من رحمته ولطفه، أقول هذا القول، وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
следующие страницы →