Полный текст (2 691 стр.). Показаны 2311–2350 · переход к 2316.
стр. 2311
توجيهات لطالب العلم
السؤال
لا أستطيع أن أعبر عن مدى المشكلة، فأنا أحاول القراءة، ولكن لا أجد لها وقتاً، وإذا قرأت لا أستفيد، وإذا استفدت في بعض الأحيان فإنه يداخلني الرياء بذلك.
الجواب
هذا ربما يكون قد مر الحديث عنه في الدرس الماضي، ونوجزه للأخ فنقول: إن أهم قضية هي صدق النية والإخلاص لله ، ثم يأتي الشعور بالأهمية للعلم، والحاجة إلى البصر بالدين، وأن يكون متصوراً لمدى فائدة الاطلاع والقراءة -الفائدة العلمية، والفائدة العملية- في حياة قلبه وحماسه حينما يقرأ أقوال أهل العلم، وحينما يعرف سيرتهم ونحو ذلك من الأمور.
فلابد أولاً من توفر الأسس النفسية التي هي أساس الانطلاق في هذا الأمر، ثم من احتاج شيئاً استطاعه، من احتاج إلى المال وافتقر إليه وجد السبيل إليه، أما الذي يشعر بأنه مستغنٍ عن المال فلا يهمه ولو فاته المال ما التفت إلى ذلك، لكن إذا علم شدة الحاجة التمس الطريق، وإن كانت القراءة تشق عليه فعليه أن يخصص لها وقتاً يتوفر فيه فراغ الذهن، والصفاء الفهم، ثم يبدأ بالقليل ولا يكثر على نفسه، ثم كذلك يبدأ بالأقرب إلى نفسه، فإن كان يحب قصصاً بدأ بها، وإن كان يحب أدباً بدأ به، ليتعود الكتاب ويتعود النظر إليه، فحينئذ يمكن بعد ذلك أن تصبح المسألة دربة له وعادة عنده يستفيد منها.
وأما أنه لا يستفيد فلا يعجل على نفسه، فإن الإنسان في أول الطلب، وفي بداية الاطلاع لا يشعر بالفائدة المباشرة، ولا يرسخ في ذهنه كثير مما يقرأ وما يطلع عليه، فلا يستعجل في ذلك، فإن المسألة تحتاج إلى دوام، وإلى الكثير من الاطلاع، وحينما نسمع بعض أهل العلم، وبعض طلبة العلم وعندهم زاد من النصوص، وزاد من الأقوال، وزاد من الوقائع، فما جاء ذلك من قراءة أولى ولا من قراءة قليلة، ولكن نقول: إذا قرأت أول مرة فإنه يثبت عشرة بالمائة على سبيل المثال، ثم حينما تواصل القراءة يثبت في ذهنك من بعد عشرون بالمائة، ويمر بك مثلاً النص في كتاب، ثم يمر بك في كتاب آخر، ثم يمر بك شرحه في موضع آخر، ثم يمر بك إشارة إليه فيرسخ في ذهنك حينئذ، وكما أشرت من قبل فإن من أهم الأمور زكاة العلم، وإنفاق العلم زكاته، فلابد أن يخرج ما عنده، فإذا حفظ شيئاً فليحدث به، حتى يذاكره، فإن حياة العلم مذاكرته كما قال أهل العلم، فيذاكر العلم بينه وبين أصحابه وأقرانه، ثم يعلم من هو دونه، فإن التعليم هو الذي يثبت العلوم؛ لأنك حينما تعلم ترجع إلى الكتاب، وترجع إلى المسألة، ثم تحاول أن تحفظ، ثم تلقي فيكون من ذلك تضافر الحواس، وتضافر الحواس مهم، فإذا استخدمت في القراءة حاسة البصر، ثم استخدمت حاسة اليد في أن تضع خطوطاً، ثم استخدمت حاسة الكلام فتكلمت، أو كتبت بيدك لتدرس وتشرح، كلما زادت الحواس التي تتعامل مع المعلومة الواحدة كلما زاد ثبوتها ورسوخها، وليستعن بالله قبل ذلك وبعده، فإن الله هو المعين.
стр. 2312
توجيه الدعاة إلى ضرورة الخروج إلى الناس ومخالطتهم
السؤال
هناك الكثير من الصيادين الكسالى الذين يريدون أن يأتي الصيد إلى عتبة بابهم، فهلا أعطيتهم نصيحة موجزة بالغة؟
الجواب
أظن فيما ذكرناه من كلام طلحة بن عبيد الله ومن كلام عطاء بن أبي رباح ما يعبر عن هذا، وكما يقول الرافعي الأديب: إن لم تزد على الدنيا كنت أنت معنىً زائداً عليها.
إذا لم تكن لك إضافة من قول أو عمل أو جهد فأنت أصلاً زيادة لا قيمة لك ولا أثر لك، فإذاً أنت إنسان زائد في هذه الدنيا، وكما قال من علق على هذه المقالة: هذه صفعة وليست قولة، هذه صفعة لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، لكن ميت القلب ضعيف الهمة يحتاج إلى إحياء، إذ هو بمثابة الميت الذي يحتاج إلى إنعاش، مثل الذي يكون في غرفة الإنعاش عنده ألف خط وخط، خط للتنفس وخط للتغذية، وأمور كثيرة يحتاج إليها، أما الذي فيه حياة القلب ولو بنسبة معينة فإن التذكرة والكلمة توجهه، ولذلك قال الحسن البصري: لا تكن أقل من شاة الراعي، قيل: وما شاة الراعي؟ قال: تحركها الإشارة وتفزعها الكلمة.
شاة الراعي إذا هشها من جهة تحركت، وإذا صاح بها أو أشار إليها تحركت، وأما أنت فتسمع القول وتسمع القرآن الذي تندك له الجبال، وتصدع به الأرض، وتسمع حديث النبي ﵊، وتقرأ القصص والسير ثم لا تتحرك، فهذا كما قال ابن القيم: اطلب قلبك في ثلاثة مواضع: عند تلاوة القرآن، وعند الدعاء لله ، إلى أن قال: فإن لم تجد قلبك فكبر على نفسك، فإنه لا قلب لك.
فلابد للإنسان أن يتنبه، وهذا الذي يريد أن يبقى في بيته من قال له أن يخرج ليكسب رزقه، أو ليذهب إلى وظيفته، أو ليبرز عند الناس حتى يأخذ منزلته الاجتماعية؟ لماذا لا يقعد في بيته؟ فالرسول ﵊، قال: (أفلا قعد في بيت أبيه وأمه فنظر هل يهدى إليه) أفلا يقعد هذا أيضاً فيأتيه رزقه إلى بيته، ويأتيه الناس يعطونه الجاه والتقدير.
فنحن نراه في أمر الدنيا يسعى إليها، فيتفرغ بجهده وعمله ليكسب الرزق، ويهتم بهندامه وقوله حتى يلقى المنزلة والحظوة عند الناس، ولا يكون شيء إلا بالجهد والعمل، والكسالى وصفهم الله بأنهم من أهل النفاق؛ لأنهم كسالى حتى في العبادة، قال تعالى: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء:١٤٢].
ولا نريد أن نكون كمثل القائل الذي يريد أن يأتي إليه كل شيء: سألت الله يجمعني بسلمى أليس الله يفعل ما يشاء حتى في الأمور المهمة في حياة الإنسان يريد أن تأتي إليه من غير تعب، فهذه قضية مذمومة، وثمة كلمات كثيرة عظة في هذا الأمر، لكن حسبنا ما ذكرنا، فإن كانت له حياة قلب فإنه إن شاء الله متعظ، وإن كان غير ذلك فيحتاج إلى أن ينتبه أولاً إلى الأسس التي يحيي بها نفسه وقلبه.
стр. 2313
حاجة الدعاة إلى العمل الجماعي حتى تؤتي الدعوة ثمارها
السؤال
هل يستطيع الصياد أن يصيد منفرداً بهذه المهارة؟
الجواب
المهارة في أصلها فردية، لكن النتيجة لا تكون إلا جماعية، ونحن الآن تكلمنا عن الصياد، والصيادين يعملون معاً، ولهم سوق واحد يبيعون فيها، وربما يستعين بعضهم ببعض فيأخذ هذا شبكة ذاك أو يستعين به، وكما يقال: الناس بعضهم لبعض -وإن لم يفطنوا- خدم.
فلا يمكن للإنسان أن يستغني عن الآخرين في شئون الحياة، ولا في شئون المهنة، فالصياد لا يستغني عن الصيادين، والمهندس لا يستغني عن المهندسين، والطبيب لا يستغني عن الأطباء، والداعية لا يستغني عن الدعاة، وطالب العلم لا يستغني عن العلماء وطلبة العلم، فلابد أن تتضافر الجهود لتكون المسألة متكاملة، لأننا حينما نتكلم عن الصيد هنا فإننا نتكلم عن صيد قلوب وصيد عقول وصيد أرواح، لابد له أن يبقى حياً متنامياً، ونحن نريد أن نبعث أمة دب فيها الضعف، ووهنت قواها، وتسلط عليها أعداؤها فما يمكن لإنسان أن يملك سيفه وأن يفل الصفوف وهو واحد منفرد: تأبى الرماح إذا اجتمعن تكسراً وإذا افترقن تكسرت آحادا وأعداؤنا تجمعوا أشتاتاً علينا فلابد أن يكون دأب المؤمن هذا الأمر، وليلتفت في ذلك إلى صيغة الأمر الجماعي في كل أقوال الله : يا أيها الذين آمنوا ﴿تَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة:٢] ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [البقرة:٤٣] ﴿تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران:١١٠]، ما خوطب الفرد المسلم منفرداً، حتى في الأمور العامة في العبادات هو يقول: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥] ويدعو له ولأمة الإسلام ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة:٦] وشعائر الإسلام كلها مبنية على الجماعية؛ فالصلاة في جماعة، والصوم في وقت واحد للأمة كلها، والحج يجمع أشتات الناس وأخلاطهم من أهل الإيمان في موضع واحد، وما من أمر إلا والانتداب إليه في هذه الصورة الجماعية، مما يؤكد أنه لابد لمثل هذا الأمر أن يكون على هذا النهج، وكان بعض السلف يدعو في رجال معه، وكان سهل بن سلامة -كما ذكر الطبري في أحداث عام مائتين وعشرة في تاريخه- يأخذ البيعة على الناس بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكان بعض السلف يخرجون ولا يستصحبون معهم إلا رجالاً لا يأكلون إلا من عمل يدهم، حتى يكون ذلك أدعى إلى الإخلاص، وإلى القبول وإلى التوفيق في حصول المقصود، فلا شك أن الإنسان الذي يكون منفرداً وحيداً لا يستطيع فعل الأمر على وجهه، بل حتى في المهمة الواحدة يحتاج المرء إلى من يعينه، فالصياد الذي يريد أن يصيد سمكاً بشبكة يحتاج إلى من يعينه، فيكون هناك غالباً اثنان أو ثلاثة أو أربعة يقومون بعمل مشترك، ويركبون زورقاً واحداً، وينصبون الشبكة ويفردونها، ويقتسمون العمل فيما بينهم فهذا تكون مهمته رمي الشبكة، وذاك تكون مهمته الأخذ، وذاك تكون مهمته توجيه الزورق، وهكذا.
والإنسان في طبيعة خلقته كل شيء فيه متكامل، وجسمه هذا يعلمه الجماعية، إذ لا يستغني عقله عن يديه، ولا يده عن قدمه، فلا يمكن أن يمشي على يده؛ لأن رجله جعلت لهذا الأمر، ولا يمكن أن يأخذ برجله؛ لأن يده جعلت لهذا الأمر.
стр. 2314
التطبيع الإسلامي
للتطبيع اتجاهان: الأول: التطبيع مع الخصم والعدو، فيتحول معه الأعداء إلى أصدقاء، وتنسى الجرائم التاريخية، والعدوان الغاشم، ولأجل هذا التطبيع ينبغي أن تغير المناهج، وأن يهجن الإعلام، وأن يجوس العدو خلال الديار في اختراق ثقافي، واغتيال عقائدي، وإضعاف اقتصادي! وهذا الاتجاه مرفوض جملة وتفصيلاً، لا يرضاه الله، ولا ترضاه الشعوب المسلمة.
والثاني: التطبيع مع الدول المسلمة، لتعيش تحت مظلة الإسلام، وتتخذه منهاجاً للحياة، وتعزز من قوتها الاقتصادية والسياسية والعسكرية، وهذا الاتجاه مطلوب، بل يجب تطبيقه.
стр. 2315
التطبيع الإسلامي والتطبيع الآخر
الحمد لله الذي أكمل ديننا، وطمأن قلوبنا، وشرح صدورنا، ونور بصائرنا، وثبت أقدامنا، له الحمد ما أعظم حلمه بعد علمه، وما أوسع عفوه بعد قدرته! نحمده كما يحب ويرضى، على آلائه ونعمه التي لا تعد ولا تحصى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير.
وأشهد أن نبينا وقائدنا وقدوتنا وسيدنا وحبيبنا محمداً عبد الله ورسوله، ختم به الأنبياء والمرسلين، وجعله سيد الأولين والآخرين، وأرسله إلى الناس أجمعين، وبعثه رحمةً للعالمين، وهدى به من الضلالة، وأرشد به من الغواية، وأسمع به آذاناً صماً، وفتح به قلوباً غلفاً، وأشهد أنه ﵊ قد بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، فجزاه الله خير ما جازى نبياً عن أمته، ووفقنا وإياكم لاتباع سنته، وحشرنا يوم القيامة في زمرته، وجعلنا من أهل شفاعته، وصلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد:
стр. 2316
معنى التطبيع وخطورته
أيها الإخوة المؤمنون! التطبيع الإسلامي موضوع حديثنا، وله أهمية أحسب أنها لن تظهر إلا بعد بيان معناه ودلالته، وبيان مرادنا من نسبته الإسلامية.
فالتطبيع في دلالته اللغوية يرجع إلى الطبع: وهو منتهى الشيء وغايته وختامه، ومن ذلك قول الحق جل وعلا: ﴿وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [التوبة:٨٧]، أي: بلغت النهاية والخاتمة.
ومن معناه كذلك: الأمر الذي ينتهي إليه الإنسان في خلقه ودله وسمته، فنقول: طبع فلان كذا، أي: سجيته وخلقه الذي انتهى إليه واستقر عليه.
ومن هنا فإن قولنا عن شيء إنه طبعي، أي إنه وصل إلى أمر مستقر مألوف، مقبول معروف، مرتضىً عند صاحبه أو عند الناس.
وإذا جئنا إلى هذا المصطلح اليوم، فإننا نعرف اقترانه بالاصطلاح السياسي، فالتطبيع إذا أطلق فالمراد به التطبيع مع العدو والخصم، أي: تحويل العداوة إلى أمر طبعي مقبول مألوف، يتحول معه الأعداء إلى أصدقاء، وتنسى الحوادث والجرائم التاريخية، ويغض الطرف عن العدوان والحقائق الواقعية، ولأجل هذا التطبيع ينبغي أن تغير المناهج، وأن يهجن الإعلام، وأن يطوع الاقتصاد، وأن يصبح الطريق ممهداً ليجوس الأعداء خلال الديار في اختراق ثقافي، واغتيال اعتقادي، وإضعاف اقتصادي، وتسلط سياسي.
إنه باختصار شديد: أن تفقد الأمة مناعتها، وأن تزول عنها خصوصيتها، وأن تمسخ فيها هويتها، وأن يصبح جلدها غير جلدها، ولسانها غير لسانها، وتاريخها غير تاريخها.
فهل يعقل مثل ذلك؟! وهل يتصور مثله ويقبل؟! وكيف يمكن أن تغير العقول في الرءوس، وأن تغير العواطف في النفوس، وأن تبدل صفحات القلوب وتصورات الأفكار؟! وكيف ينسخ التاريخ بدهوره المتعاقبة؟! وكيف تغير العرف الاجتماعي المستقر في معاملاته الشائعة؟! إنه أمر عجيب، إن القضية في التطبيع تقتضي أن يكون الأمر طبعياً إذا كان متوافقاً مع الأصول الثابتة، والحقائق الراسخة، ومنسجماً مع الجذور التاريخية، والبيئة الواقعية، والحياة الاجتماعية، أما أن يكون شيئاً يخالف ذلك كله فلا يمت إلى معتقدك بصلة، ولا ينسجم مع واقعك في حقيقته، ولا يرتبط في تاريخك بجذوره؛ فأنى يكون كذلك؟! إنها قضية مهمة، وليست هي بالمناسبة موضوع حديثنا، فإن مثل هذا الأمر لا أحسب أن مؤمناً حقاً ومسلماً مدركاً لا يعرف أن مثل هذا فيه أمور كثيرة تخالف دين الله من جهة، وتعارض مصالح الأمة الإسلامية من جهة أخرى؛ لأن الله قال هذه الحقيقة عن الأعداء الذين عداوتهم صريحة باحتلال الأرض وإزهاق النفوس وسلب الأموال، فضلاً عن العدوان على العقائد والدين والأخلاق-: ﴿إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ﴾ [الممتحنة:٩]، فأولئك القوم أعداء لا يمكن أن يتحولوا إلى أصدقاء وعدوانهم مستمر.
стр. 2317
صورتان متناقضتان
ليس هذا موضوع حديثي، غير أني أنقل لكم صورتين متناقضتين في هذا الشأن من صحيفة يومية من صحف هذا اليوم: الأولى: كلمات موجزة بلسان رئيس وزراء الكيان الصهيوني الغاصب المعتدي، مجرم الحرب الشهير، الذي تلطخت أيديه بالدماء، من صحيفة اليوم وليس قبل دهر ولا أمس، يقول في هذا اليوم: بفضل الاستيطان سنحافظ إلى الأبد على مواقع مهمة وأساسية لوجودنا في القدس عاصمتنا الموحدة إلى الأبد، وفي الأماكن الأكثر قداسةً في تاريخنا، وفي المناطق الأمنية الأساسية لدفاعنا.
وهي كلمات أحسب أنها لا تحتاج إلى ترجمة، ولا تفتقر إلى تعليق وشرح، ويفهمها كل أحد، إلا إن كان غبياً أحمق أو كان مداجياً مداهناً، أو كان متآمراً مدنساً.
وأنتقل إلى الصورة الثانية منشورة في صحيفة اليوم وفي ذات الصحيفة: وهي قصة أحد الأسرى الذين أطلق سراحهم قبل أيام قلائل، ظل في سجنه خمس سنوات، خرج وإذا أبوه قد فارق الحياة على حادث من الحوادث على إثرها منع أن ينتقل إلى المستشفى للعلاج من نوبة ربو قضى نحبه فيها، وقبل خروجه بعشرين يوماً كان أخوه الأكبر قد قضى شهيداً برصاص العدو، خرج وإذا البيت مدمر! والبناء مهدم! وإذا بنته -بنت التاسعة- لا تعرفه وتراه غريباً؛ لأنه قد غاب عنها نحو خمسة أعوام، ثم يقول بعد هذا كله- وهذا بيت القصيد والشاهد-: بعد كل هذا، بعد فقدان الأب والأخ ومشهد الدمار كل ذلك لا يغير من معتقدات الإنسان شيئاً، فمهما حدث يظل الاحتلال احتلالاً، ولا نستطيع أن نعطيه وصفاً آخر.
стр. 2318
التطبيع الإسلامي
وأكتفي بذلك؛ لأنه ليس موضوع حديثي، فأنا أتحدث عن تطبيع آخر هو التطبيع الإسلامي، وقد يكون هذا من دواعي الاستغراب؛ لأننا اليوم نسمع كل شيء يلصق به (إسلامي) حتى يجوز أو يروج عند المسلمين، لكنني هنا أقول: هذا معنىً مهم، وهي قضية خطيرة، إذ إن عندنا أموراً:
стр. 2319
صورة متقابلة في الموقف من الإسلام في السعودية
لعلي أذكر لكم صوراً هنا كثيرة، أحب أن أراها متقابلة: في صحافة هذا اليوم قول منسوب إلى أسماء من نساء هذه البلاد، تشكو إحداهن أن دوامها في العمل تسع ساعات، وأنها تتعرض لبعض الأذى في أثناء طريقها للعمل، ثم تقول بعد ذلك: إن طموح المرأة السعودية ليس له حد، ومنافستها للرجل مستمرة! ولست أدري هل نحن في معركة أو حلبة مصارعة أو ملاكمة ليكون هناك منافسة بين الرجل والمرأة، وإذا كانت هناك منافسة بين الرجل والمرأة فما مصير الأسرة؟ وما مصير الأنس الاجتماعي؟ وما مصير العلاقات التي كنا ولا زلنا نحرص عليها في داخل بيوتنا وفي علاقاتنا الاجتماعية؟! وتقول كذلك: على الرغم من وجود معوقات إلا أن المرأة استطاعت أن تجتاز شوطاً في مجالات عدة، فقد كانت محصورةً في إطار التعليم والطب، وتجاوزتها إلى الهندسة والصحافة والمحاماة.
ولست أدري هل تريد المرأة أن تصبح حمالةً تحمل الأثقال، أو بناءةً تبني في شمس الظهيرة، وقد أعزها الإسلام بأن تكون معززةً مكرمة مخدومةً، منفقاً عليها، وهناك من يتولى أمرها ويحرص عليها، وعملها في ميادين تحتاجها أخواتها وبغير اختلاط، وبغير إسفاف، وبغير تضييع المهمة الأولى؟!! عجباً أن يقال مثل هذه الأمور! وتقول أخرى: نحن اليوم نرى في بعض الشركات الكبرى المهندسات السعوديات وهن مسئولات عن رجال.
ولست أدري كذلك لم يقال مثل هذا؟! لكنني أنقلكم إلى صور أخرى كثيرة، هي الأصل.
لا تسمعوا إلى صوت واحد، وتنسوا آلاف وعشرات من الآلاف ومئات من آلاف الأصوات، فخلال الفترات الماضية كان هناك اكتتاب لبنك جديد، وأعلم أنكم تعلمون أن عشرات الآلاف كل يوم يتصلون ويسألون العلماء وطلبة العلم والدعاة: هل يجوز الاكتتاب؟ هل هذا البنك يعمل وفق الشريعة الإسلامية؟
و
السؤال
لماذا يسأل أولئك الآلاف، والأموال في جيوبهم، والأرباح معروفة عندهم؟! إنهم وقافون عند دين الله وشرع الله، إنهم يمثلون الحقيقة العظمى، وهي أن الإسلام طبع في نفوسهم وقلوبهم، فإذا جاءت بنوك إسلامية فهي الأصل وغيرها الشاذ، وإذا جاءت أعمال تفصل بين الرجال والنساء فهذا هو الأصل وغيره الشاذ، دعوا الشذوذ في البلاد الأخرى يعتدل إلى الأصل، ولا تطلبوا من الأصل أن يعود إلى الشذوذ؛ فذلك لا يفعله إلا الحمقى والمغفلون.
ونعود مرة أخرى إلى صور مختلفة ومغايرة ومتنوعة: ففي هذه الانتخابات البلدية، قال المسئول الأول عن الأمن: كلنا تيار إسلامي ونحن مسلمون في هذه البلاد.
عجباً من سيتقدم؟ إنهم مواطنو هذه البلاد، والأصل أنهم مسلمون، فإن شذ شاذ، أو رأى نفسه على غير ذلك، فهو وشأنه، لكن التيار العام الأصيل الغالب هو هذا الإسلام، والمسلمون هم الذين عاشوا وما زالوا يعيشون بروح الإسلام، وإن وجد تقصير أو تفريط أو تجاوز فهو الشذوذ الذي يرد بالدعوة والحكمة والموعظة الحسنة، والاستعانة بعد الله بأهل المسئولية، وقيام هيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وذلك كله ظاهر واضح، وهذا أمر يطول الحديث فيه.
خلاصة القول: بلد الإسلام دستورها الإسلام، وتاريخها الإسلام، وواقع أبنائها يدين بذلك، وكثير من المقيمين فيها ما جاء أكثرهم لدرهم ودينار فحسب، بل جاءوا يريدون أن يفيئوا إلى ظلال يتنفسون فيها أنفاساً طاهرةً نقية، ليس فيها عهر ولا فجور ولا اختلاط ولا تبرج ولا مجاهرة بنقد الإسلام والتجرؤ عليه، وذلك هو الحق الذي نحتاج أن نتعاون على إظهاره وإبقائه، وتطبيعه، فنعم هذا التطبيع! نسأل الله أن يشيع الإسلام في قلوبنا ونفوسنا، وعلى ألسنتنا وأقوالنا، وفي أعمالنا وأحوالنا، وأن يجعلنا من عباده الصالحين، وأن يختم لنا بالصالحات.
أقول هذا القول، وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 2320
لماذا ينكرون علينا تطبيع إسلامنا في مجتمعاتنا
إذا أردنا تطبيع إسلامنا أنكره علينا من ينكر، مع أن لنا الحق في ذلك، فنحن بلد دينه الإسلام، وهذه هي بلاد الإسلام، والمجتمع الذي يعيش في هذه البلاد مجتمع مسلم، ليس بين أفراده من يدين بغير الإسلام، ثم مع هذا كله نجد من يقول: لم يكون الإسلام حاضراً؟ ولم يكون حاكماً؟ ولم يكون هو في حياة الناس واقعاً وظاهراً؟ أمر عجيب، ولكنه يرى مع كل ذلك.
تعميم من ولي الأمر ورأس الدولة نصه يقول: إن السماح للمرأة بالعمل الذي يؤدي إلى اختلاط بالرجال، سواء في الإدارة الحكومية أو غيرها من المؤسسات العامة والخاصة أو الشركات والمهن أمر غير ممكن، سواء كانت سعوديةً أو غير سعودية؛ لأن ذلك محرم شرعاً، ويتنافى مع تقاليد هذه البلاد، وإن كان هناك دائرة تقوم بتشغيل المرأة في غير الأعمال التي تتناسب مع طبيعتها، أو في أعمال تؤدي إلى اختلاطها بالرجال فهذا خطأ يجب تلافيه، وعلى الجهات الرقابية الرفع عنه.
فلماذا نحن نرى أن هذا هو الأصل في ديننا، وفي نظام بلادنا، وفي توجيهات وتعليمات المسئولين عندنا، ثم بعد ذلك لا نزال نرى أن بعضاً منا قد يتحسس من أمر من أمور الشريعة أو يتوجس منه! إن الشاذ هو أن نرى امرأة غير متحجبة، إن الغلط والخطأ هو أن نرى صوراً من الاختلاط، والأصل أن يرد إلى أصله من دين الله ومن نظام البلاد؛ ولذلك ينبغي علينا أن نطبع الإسلام في واقعنا؛ لأنه ديننا، ولأنه نظام دولتنا، ولأنه واقع حياتنا الاجتماعية، ولأنه لم يكن غيره.
وانظروا إلى البلاد الأخرى، يكون فيها ما يسمى بالمعارك الطويلة العريضة؛ لأجل أن يضيفوا كلمة واحدة، مثل: دستور الدولة الإسلام، والأحكام أساسها الإسلام، ونحن ليس عندنا شيء من ذلك، كله في السياسة التعليمية والإعلامية يتطابق مع الإسلام، لكن نحن الذين نقصر في التشرف بديننا، وفي إعلان هذه الأنظمة وإشاعتها، والتشبث بها، وبيان أن مخالفها مخالف للدين أولاً، ولنظام البلاد ثانياً.
стр. 2321
دستور الدولة السعودية إسلامي بحت
نحن في بلد الإسلام، فمن الطبعي أن يكون الدين الإسلامي حاكمنا، وأن تكون شرائعه هي فصل ما بيننا، وأن تكون آدابه هي الأمر الذي يشيع في واقعنا، وأن تكون أحكامه وكل ما يتصل به هو الذي تخفق به قلوبنا وتتكلم به ألسنتنا، وغيره هو الشاذ المرفوض، وكل أحد يتعامل معنا ينبغي أن يعرف ذلك وأن يراعيه، فدستور هذه البلاد في أول مادة من مواده: المملكة العربية السعودية دولة عربية إسلامية ذات سيادة، دينها الإسلام، ودستورها كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، ولغتها العربية.
وفي مادة أخرى وهي المادة الحادية والأربعون تنص على أنه: يلتزم المقيمون في المملكة بأنظمتها، وعليهم مراعاة قيم المجتمع السعودي، واحترام تقاليده ومشاعره.
هو الذي جاء إلى بلدي فعليه أن يتطبع مع واقعي، وأن يستجيب لحكمي والسائد في نظامي، هل رأيت بلداً ذهبت إليها غير نظامه لأجلك أنت أيها الزائر؟! فما بالنا نرى ملتقيات أو منتديات تكرس عكس ذلك، وتريد أن تقنعنا بأنه من لوازم ما نحتاج إليه لتحسين صورتنا في العالم! أي صورة هذه التي نريد أن نحسنها بتشويه انتمائنا إلى ديننا وعقيدتنا وتاريخنا وحضارتنا؟! وانظر كذلك إلى أمور كثيرة، نحن عندما نقول نريد الإسلام في كل شأن من الشئون، لاسيما في الناحية الاجتماعية، في حجاب المرأة المسلمة -مثلاً- وحشمتها وعفتها، ليس ذلك قولاً نقوله من عند أنفسنا، إنه كتاب الله : ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الأحزاب:٥٩].
ثم يأتينا النبي ﷺ ويخبرنا بحقائق الاختلاط ومثالبه، فيقول ﵊: (إياكم والدخول على النساء، قلنا: يا رسول الله، أرأيت الحمو؟ قال: الحمو الموت) أي: أقارب الزوج، ثم يقول ﷺ : (ما خلا رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما).
ولقد عجبت أيما عجب، عندما شاهدت وسمعت بأذني حواراً عجيباً على قناة إعلامية، شاب وفتاة متبرجة يتحدثون بهذا الأمر، وبأن هناك حديثاً يقول كذا وكذا، فتنطق الفتاة في مقام الإفتاء، أو الإصدار عن قول لهيئة كبار العلماء أو نحو ذلك تقول: نعم، إن الرسول قال: (إن الشيطان ثالثهما)، لكنه لم يقل إنه سيغلبهما، فقد يكون ثالثهما، ولكنهما ينتصران عليه ويغلبانه، فلا يتأثران بشيء من هذه الشهوات الآثمة، ويمضي الفتى وبيده الفتاة، والآخرون يرون ذلك ضرباً من سهم سليم، وسلوك حضاري راق.
هذا الذي يراد أن يروج ويراد أن يطبع.
стр. 2322
محاربة الدين والترويج للمنكر
أمور شاذة مرفوضة، يراد لها أن تصبح في واقع الأمة طبعيةً مقبولة، وهذا مثل الذي ذكرته.
لكن هناك أمر أخطر، وهو تحويل ما هو مألوف وصحيح ومقبول من أسس ديننا، ومن أعراف مجتمعنا، ومن صفحات تاريخنا، ومن عراقة حضارتنا، إلى مرفوض وغريب وشاذ، فيأتينا من يرى أن امتلاء المساجد بالناس ظاهرة إرهابية، أو أن كثرة طلاب التحفيظ مظنة مخاطر إجرامية، أو أن انتشار الدعوة وشيوعها سيطرة فكرية إرهابية أو غير ذلك من الأمور، حتى إن المرء عندما يلحظ هذه الهجمة الإعلامية ينظر إلى نفسه، هل لا زال يقف على قدميه، أم أنه قد أصبح الأمر على غير ذلك؟! كيف يقال هذا في هذا المجتمع المسلم وفي هذه البلاد بلاد الحرمين، ومهبط الوحي، التي قامت في أساسها على التعاون بين الدولة والدعوة! تلك هي القضية الخطيرة، والأخطر منها أن يحصل الأثر بذلك، وتجد الناس قد أصبحوا يبتعدون عن مثل هذه الأمور ويخشون منها، ويرون فيها شبهةً أو غير ذلك، تلك هي القضية الخطيرة، سيما في هذه البلاد، بلاد الحرمين، يقول الله جل وعلا مخاطباً أمة الإسلام بخطاب رسول الإسلام ﷺ : ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة:٤٩].
تحكيم الشريعة اليوم في عالم القرية الواحدة، وعصر العولمة النافذة، والإعلام الغازي، أصبح أمراً غير مقبول، إنه يناقش اليوم في دوائر السياسة العالمية، والمؤتمرات الدولية، وكأنه ليس لأمتنا حق في دينها وتاريخها وحضارتها وإرثها الاجتماعي وسموها الأخلاقي.
ولعلنا ننتبه كذلك إلى أمر مهم -ونحن نرى تعاظم الحملات على هذه البلاد- وهو ما سمعناه قريباً من تقارير عديدة تأتي من أقاصي الدنيا، مما وراء المحيطات، تقرير عن اختلال الحريات الدينية في بلاد الحرمين، وتقرير آخر عن الإرهاب الفكري المسوق إلى المساجد والمراكز الإسلامية في البلاد الغربية، عبر جهود مخلصة دعوية أو دبلوماسية، وتجد كذلك مناقشات عظيمة وتقارير عجيبة في مثل هذا الشأن، وذلك أحسب أنه لا يخيفنا من جهة، ولا يربكنا من جهة أخرى، فماذا نتصور؟ وهل نتوقع ممن لا ينطق بلغتنا أن يتكلم بلسان عربي مبين؟! ذلك أمر واضح، لكن الخطر أن نسمع مثل هذا القول أو قريباً منه بألسنتنا، ومن بعض أبناء جلدتنا، وفي بعض واقعنا، ذلكم هو الأمر الخطير الذي ينبغي أن ننتبه له، فباسم الانفتاح، وباسم إظهار الصورة المشرقة، قد يأتينا من يريد أن يغير الصحيح المألوف المعروف ويجعله شاذاً غريباً، ويريد في مقابل ذلك أن يجعل الغريب الشاذ هو الطبعي؛ ولذلك نحن لا نريد ذلك التطبيع، وإنما نريد التطبيع الإسلامي.
стр. 2323
ثلاث لفتات على الطريق
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين.
أما بعد: أيها الإخوة المؤمنون! أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله، فإن تقوى الله أعظم زاد يقدم به العبد على مولاه، وإن من تقوى الله الحفاظ على هذا الدين مستقراً في القلوب، مستكناً في النفوس، حاكماً في الواقع، ظاهراً في المعاملات، فلا يشذ عن هذا الدين شيء من اقتصاد ولا سياسة ولا قضاء ولا غيره.
وهناك لفتات ثلاث أختم بها، وأنبه عليها، وأحسب أنه بعد حديثنا الموجز هذا ينبغي أن نلفت أنظارنا إلى هذا المعنى، وهو أن نحرص على بقاء الأصل كما هو؛ لئلا يدور الزمن فنعود كغيرنا من البلدان، فنجد الشذوذ -لا قدر الله- قد صار أصلاً، والمنكر قد صار معروفاً، ونعود نطالب بأمور كانت هي الواقع الذي نعيشه، وهذه لفتات وكلمات ورسائل ثلاث: الأولى: ليعلم الذين يتكلمون ويجترئون على بعض الأمور، أنهم لا يجترئون على الأفراد والآحاد، ولا يجترئون على الأعراف الاجتماعية، إنما اجتراؤهم في الحقيقة اجتراء على نصوص قرآنية، وأحاديث نبوية، وعلى سيرة عطرة لرسول الهدى ﷺ .
إن الذين يعارضون مثل هذه المسائل المحكمة في ديننا، من فرضية الحجاب، ومنع الاختلاط وغيرها، إنما هم في حقيقة الأمر يعارضون هدي رسولهم ﷺ ، والأحاديث والقصص في سيرته في هذا الباب كثيرة، منها الحديث المشهور عند الإمام أحمد من رواية أنس ﵁ وهو غلام النبي ﷺ وخادمه، لما نزلت آية الحجاب وقد كان أنس كبر قليلاً، قال: (فجئت أدخل، قال: على رسلك يا بني!)! فقد أصبح الأمر مختلفاً، وجاء التشريع بفرضية الحجاب.
ولما خرجت سودة ﵂ تريد قضاء حاجتها، فرآها الفاروق عمر وكان غيوراً على حرمات المسلمين عموماً وعلى أهل رسول الله ﷺ خصوصاً، فقال: قد عرفناك يا سودة! ونزلت آيات الحجاب، واحتجب نساء النبي ﷺ بعد أن قال عمر: (يا رسول الله! احجب نساءك).
وغير ذلك كثير، والقصص والروايات الصحيحة فيه وافرة.
الأمر الثاني وهو في نظري كذلك خطير: كل من يسعى إلى كسر المألوف الاجتماعي المعتمد على الأصل الشرعي، كأن يقوم بنشاط فيحدث فيه اختلاطاً بضم النساء إلى رجال، أو غير ذلك من صور الاختلاط، أو يحاول تغيير اللسان إلى لغة أخرى، والعملة إلى عملة أخرى في وسط بلادنا وفي عقر دارنا.
أقول: إنكم إذا اجترأتم على ذلك فإنكم إنما تضرون أنفسكم، وستعضون أصابع الندم، فإن غيرنا ممن ابتلاهم الله في بلاد إسلامية وغير إسلامية قد جنوا الحنظل، وخرجوا بالشوك من مسيرة الاختلاط والفسق والفجور، وأول الغيث قطر ثم ينهمر.
وثالثة -أحبتي الكرام- لي ولكم: نحن أصحاب الحق، فينبغي أن ننطق به، نحن الأصل، والشذوذ ينبغي أن يقال إنه شذوذ، نحن أصحاب الدين القائم على كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، ومن خالفهما فنحن نقول له: أنت مخالف ولا كرامة، فكيف وحديث النبي ﷺ يقول: (لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق).
وكذلكم نقول ذلك مستندين إلى نظم الدولة، وإلى تعليماتها وتصريحات المسئولين فيها، وقد كان أحد كبار المسئولين يقول: أمران لا مساومة فيهما: العقيدة الإسلامية، وأمن الوطن.
إذاً: نحن ندافع عن ديننا ونظام بلدنا، وتصريحات وتوجيهات وتعليمات القيادات العليا، وولاة الأمور فينا، فنحن كل شيء في صفنا، ونحن باقون على الأصل الذي ينبغي أن نحافظ عليه.
أسأل الله أن يحفظ بلادنا من كل سوء ومكروه، وأن يحفظ عليها أمنها وإيمانها، وسلمها وإسلامها، وسعة رزقها ورغد عيشها، ومحافظتها وحسن أخلاقها، وانتظام وائتلاف مجتمعاتها.
اللهم إنا نسألك التقى والهدى والعفاف والغنى، اللهم تولى أمرنا، وارحم ضعفنا، واجبر كسرنا، واغفر ذنبنا، وبلغنا فيما يرضيك آمالنا، اللهم إنا نسأل العفو والعافية والمعافاة الدائمة في الدين والدنيا والآخرة، اللهم اجعل خير أعمالنا خواتمها، وخير أيامنا يوم نلقاك وأنت راض عنا يا أرحم الرحمين.
اللهم إنا نسألك أن تجعلنا من عبادك الصالحين، وأن تكتبنا في جندك المجاهدين، وأن تجعلنا من ورثة جنة النعيم.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وارفع بفضلك كلمة الحق والدين، ونكس راية الكفرة والملحدين، اللهم من أرادنا وأراد الإسلام والمسلمين بسوء فاجعل دائرة السوء عليه، واجعل تدبيره تدميراً عليه يا سميع الدعاء! اللهم عليك بسائر أعداء الدين فإنهم لا يعجزونك، أحصهم اللهم عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تغادر منهم أحداً، أرنا اللهم فيهم عجائب قدرتك، وعظيم سطوتك، يا قوي يا عزيز؛ يا منتقم يا جبار؛ اللهم أنزل بأعداء الإسلام والمسلمين بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين، عاجلاً غير آجل يا رب العالمين! اللهم رحمتك ولطفك بعبادك المؤمنين المضطهدين والمعذبين والمشردين، والمبعدين والأسرى، والمأسورين، والجرحى والمرضى في كل مكان يا رب العالمين.
اللهم اجعل لنا ولهم من كل هم فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً، ومن كل فتنة عصمة، ومن كل بلاء عافية يا سميع الدعاء.
اللهم اجعل هذا البلد آمناً مطمئناً رخاء وسائر بلاد المسلمين، واحفظ اللهم أئمتنا وولاة أمرونا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين، اللهم وفق ولي أمرنا لهداك، واجعل عمله في رضاك، وارزقه بطانة صالحة تدله على الخير، وتحثه عليه يا سميع الدعاء.
اللهم انصر عبادك وجندك المجاهدين في كل مكان يا رب العالمين.
عباد الله! صلوا وسلموا على رسول الله استجابةً لأمر الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٥٦].
وترضوا على الصحابة الكرام، أخص منهم بالذكر ذوي القدر العلي والمقام الجلي: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، وعلى سائر الصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين.
﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ [العنكبوت:٤٥].
стр. 2324
تأملات في صيام عاشوراء
يوم عاشوراء هو اليوم الذي نجا الله فيه موسى وقومه، وأغرق فرعون وجنده، فصامه موسى ﵇ شكراً لله، ولما كانت دعوة الرسل واحدة أمر النبي ﷺ بصيامه محبة لموسى، واعترافاً بالشكر لله وحده، وقد احتسب أن يكفر الله به ذنوب عام كامل.
стр. 2325
وقفات في صيام عاشوراء
الحمد لله أكرمنا بالإيمان، وهدانا بالقرآن، وأعزنا بالإسلام، وجعلنا من أمة خير الأنام، له الحمد جعلنا من بين الأمم أمة وسطاً، وجعل لنا الشهادة على الأمم وإن كنا في آخرها زمناً، له الحمد جل وعلا على آلائه ونعمه التي لا تعد ولا تحصى، حمداً نلقى به أجراً، ويمحو الله به عنا وزراً، ويجعله لنا عنده ذخراً، هو أهل الحمد والثناء لا نحصي ثناءً عليه هو كما أثنى على نفسه، فله الحمد على كل حال وفي كل آن، وله الحمد ملء السماوات والأرض، وملء ما بينهما، وملء ما شاء من شيء بعد، وله الحمد في الأولى والآخرة حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ويرضى، على آلائه ونعمه التي لا تعد ولا تحصى.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن سيدنا ونبينا وقائدنا وقدوتنا محمداً عبد الله ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، ختم الله به الأنبياء والمرسلين، وجعله سيد الأولين والآخرين، وأرسله إلى الناس كافة أجمعين، وبعثه رحمة للعالمين، وأشهد أنه ﵊ قد بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، فجزاه الله خير ما جازى نبياً عن أمته، ووفقنا وإياكم لاتباع سنته، وحشرنا يوم القيامة في زمرته، وجعلنا من أهل شفاعته، وصلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى من تبعهم، واقتفى أثرهم، ونهج نهجهم إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: أيها الإخوة المؤمنون! تأملات في صيام عاشوراء، ونحن في هذا اليوم من شهر الله المحرم، ولهذه التأملات فوائد ومنافع أجلها وأعظمها استشعار نعمة الله جل وعلا بهذا الإسلام، وباتباع خير الأنام ﷺ ، إنه بقدر ما نعمق هذا المعنى في نفوسنا يكون اطمئنان قلوبنا، ورضا نفوسنا، وحبها لإسلامنا وإيماننا من جهة، وبقدر ذلك يكون التشبث والتعلق والثبات على هذا الدين من جهة أخرى، وبقدر ما يكون البذل والفداء والتضحية لأجل الإسلام والدين من جهة ثالثة، إن كثيراً من الأمور في حياتنا وفي تشريعات إسلامنا تمر بنا من غير أن نقف معها لنتلمس حكم التشريع، ولنتأمل في جليل نعم الحق جل وعلا، ولنبصر عظمة هدي المصطفى ﷺ ، نعم قد نؤدي العبادة، وقد نطبق السنة، وقد نسارع إلى الفضيلة، غير أننا لا نستشعر الإطار العام الذي يربطنا بهذه الشعائر، ويجذبنا إلى تلك السنن، ويبصرنا بحقائق الفضل والإنعام في شريعة الإسلام.
روى البخاري من حديث ابن عباس ﵄ أنه قال: (قدم النبي ﷺ المدينة واليهود تصوم عاشوراء، فقالوا: هذا يوم ظهر فيه موسى على فرعون، فقال لأصحابه: أنتم أحق بموسى منهم فصوموا)، وفي رواية مسلم: (أن النبي ﷺ لما قدم المدينة وجد اليهود يصومون عاشوراء، فلما سأل قالوا: إن موسى صامه، وإنه اليوم الذي نجا فيه من فرعون، وغرق فيه فرعون، فصامه النبي ﷺ وأمر بصيامه، وقال: نحن أحق بموسى منهم).
وفي رواية عند البخاري قال: (فصامه موسى شكراً لله تعالى) وفي رواية ثالثة: (أنه لما قدم المدينة فرأى اليهود يصومونه قال: ما هذا؟ قالوا: يوم صالح نجى الله فيه بني إسرائيل من عدوهم فصامه موسى ﵇، فقال ﵊: فأنا أحق بموسى منكم، فصامه وأمر بصيامه).
стр. 2326
إيمان هذه الأمة بجميع الرسل السابقين
ثم انتبه إلى قوله ﷺ : (نحن أحق بموسى منهم)، كل فضل فيما مضى، وكل خير وتشريع فيما سبق أقره الإسلام، ونحن أخذنا منه بالحظ الوافر.
ثم (نحن أحق بموسى منهم)؛ لأنا نؤمن بموسى ﵇، ونؤمن بمن جاء بعده وهو عيسى ﵇، ونؤمن برسل الله وأنبيائه لا نفرق بين أحد منهم، واليهود في جملتهم لم يؤمنوا بعيسى ﵇، وكفروا برسالته، وسعوا إلى قتله، ولم يؤمن جلهم كذلك بنبوة محمد ﷺ ، وجحدوا بها وسعوا إلى قتله، ونحن نؤمن بالرسل والأنبياء، ونعظمهم ونوقرهم، ولا نفرق بين أحد منهم.
ثم ماذا كان شأن بني إسرائيل مع موسى ﵇؟ والقرآن قد قص علينا من ذلك قصصاً فيما جحدوا، وفيما أتعبوا فيه موسى، وفيما خالفوه فيه، وفيما استبدلوه من نعمة الله ، واتخذوا العجل إلهاً معبوداً لهم وغير ذلك كثير، فينبغي لنا أن ندرك نعمة الله علينا، ورحمته بنا، وتفضيله لنا، وتمييزه لنا عن غيرنا قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً﴾ [البقرة:١٤٣] ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران:١١٠] ينبغي أن يكون ذلك إيماناً ويقيناً راسخاً بفضل أمة الإسلام وأهل الإسلام، لا كبراً ولا استعلاء، ولكن علماً وتمييزاً وتعريفاً في هذا المجال.
стр. 2327
مخالفة أهل الكتاب
ثم تأمل كذلك مسألة مهمة في شأن المخالفة أشار إليها علماء السنة وشراح الحديث، فيما ساقه ابن حجر في شرحه على البخاري قال: ورد في مسلم: (لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع)، فمات قبل ذلك، ثم أشار إلى أن النبي ﷺ كان في أول الأمر يحب أن يوافق أهل الكتاب ويخالف أهل الأوثان، فلما فتح الله مكة وانتشر الإسلام أحب مخالفة أهل الكتاب، أي: تمييزاً لأمة الإسلام عنهم.
وهنا دروس كثيرة من فطنة، وحكمة، ومراعاة للواقع، والتفات إلى تحصيل المصالح، إن قارنا إيماناً ورسالات سماوية وكتباً ربانية، وإن وقع فيها تحريف وتغيير وتبديل، لا نستطيع أن نجعلها في مرتبة كفر وشرك وعبادة أوثان، فتلك أقرب، والموافقة لها أنفع، وكان ذلك من حكمة النبي ﷺ ؛ ليعلم الناس أن آثار النبوة واحدة، وأن أصلها من الله جل وعلا، وأن الوحي في أصله وفي الدين الذي جاء به إنما هو توحيد الله والإسلام.
ثم لما اقتضت الحكمة من بعد قوة الإسلام وانتشاره، وهزيمة الشرك واندحاره، وبطلان الجاهلية وانطفاء أنوارها، وذهاب هيبتها، أراد أن يعلم المسلمين وغير المسلمين بتميز الإسلام وفضله، فكانت له توجيهات وإرشادات إلى المخالفة المقصودة لذاتها تمييزاً وتفضيلاً كما قال أهل العلم، قال: (لأصومن التاسع) أي: وحده، وهذا قول وإن كان ليس هو الأقوى، أو لأضيفن إلى العاشر التاسع مخالفة لليهود والنصارى من جهة، وزيادة في الفضل والعمل من جهة أخرى، ومن هنا قال العلماء: إن صيام يوم عاشوراء على ثلاث مراتب: أن يصام وحده، فهذه مرتبة، وأفضل منها أن يصام معه التاسع، وأفضل منها أن يصوم يوماً قبله ويوماً بعده فيجمع فضل الصوم، وإدراك إصابة السنة، وتحقيق مخالفة اليهود، وزيادة العمل.
نسأل الله أن يكتب لنا ولكم الأجر والثواب، وأن يوفقنا لمتابعة المصطفى ﷺ ، وأن يعيننا على شكر الله على نعمه، والقيام بحقها، والحمد لله رب العالمين.
وأقول هذا القول، وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 2328
شرف الأمة المحمدية وسبقها على الأمم الأخرى
هنا تأملات، أولها: شرف الأمة المحمدية، وسبقها وفضلها على غيرها، وقد قال المصطفى ﷺ في الحديث الصحيح: (نحن الآخرون السابقون يوم القيامة، إلا أنا أوتينا الكتاب من بعدهم)، (نحن الآخرون) أي: زماناً، (السابقون) أي: فضلاً يوم القيامة، (غير أنا أوتينا الكتاب من بعدهم) أي: من الناحية التاريخية والزمانية.
وأخبر ﷺ فيما صح عنه: أن اليهود ضلت فاتخذت السبت، وأن النصارى ضلت فاتخذت الأحد، وأن المسلمين هدوا إلى الصواب والحق؛ فجعلوا الجمعة عيدهم، وسبقوا بها غيرهم.
стр. 2329
فضل الشكر
الشكر فضله كبير قال تعالى: ﴿وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾ [النمل:٤٠]، ومن رحمته جل وعلا ما بينه في قوله: ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ﴾ [النساء:١٤٧] فالشكر من أسباب دفع النقم، وحماية المؤمن، ووجود الأمن النفسي والواقعي، قال ابن كثير في هذا السياق: ثم قال جل وعلا مخبراً عن غناه عما سواه، وأنه إنما يعذب العباد بذنوبهم: (مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ)، وقال السعدي: إن الله لا يتشفى بعذابكم، ولا ينتفع بعقابكم، وإنما العاصي لا يضر إلا نفسه، كما أن عمل المطيع لنفسه.
وذلك ما ينبغي أن تتأمله أخي المسلم، فكل أمر من الأمور التي تحل بك إن خيراًَ أو شراً معقده ومربطه عملك ونيتك، إن شكرت وآمنت وعملت صالحاً وجدت طمأنينة قلب، وسكينة نفس، وهدوء بال، وسلامة جوارح، وبركة وقت ومال وغير ذلك، وإن كانت الأخرى فاعلم أن ما يصيبك من هم أو غم أو عثرة أو غير ذلك فإنما سببه جحد النعم، أو استعمالها في غير محلها، والله جل وعلا قد بين ذلك قال تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ [الروم:٤١].
ومن هنا ينبغي لنا أن نتأمل في هذا الموقف العظيم، وفي حديث النبي ﷺ : أنه قدم المدينة فوجدهم يصومون عاشوراء -أي: وجد اليهود- فسأل، وهنا مسائل: قدوم النبي ﷺ إلى المدينة لم يكن في شهر الله المحرم، والمقصود أنه لم يعرف ذلك إلا بعد قدومه للمدينة، ولم يعرفه في مقامه بمكة، وليس المقصود وقت قدومه، بل أقام في المدينة، فلما جاء هذا اليوم وجد اليهود يصومونه فسأل عنه، وصح الحديث عند مسلم من رواية عائشة: أن أهل الجاهلية كانوا يصومونه، وأن النبي صامه قبل قدومه للمدينة، وأنه لذلك لم يفعل أو لم ينشأ الصوم، ولا حكمه، ولا سنته، لما كان من شأن اليهود كما ذكر الأئمة من شراح الحديث كـ المازري وعياض والنووي وغيرهم، قالوا: لم يحدث ذلك استناداً إلى خبر اليهود، وإنما كان أمر اليهود وصف حال، وإجابة سؤال؛ لأنه كما قال المازري: خبر اليهود غير مقبول، فيحتمل أن النبي ﷺ أوحي إليه بصدق ما قالوه، أو تواتر عنده النقل حتى حصل له بذلك العلم، وكذلك قال غيره: أخبره بذلك بعض من أسلم من اليهود وهو مصدق مقبول القول، ثم حديث عائشة يشير إلى ذلك كما قاله عياض: روى مسلم أن قريشاً كانت تصومه، فلما قدم المدينة صامه، فلم يحدث له بقول اليهود حكم يحتاج إلى الكلام عليه، وإنما هي صفة حال وجواب سؤال.
ثم لننظر إلى أمر آخر جدير بالعناية والتأمل، وهو قوله ﷺ : (نحن أحق بموسى منهم)، ثم يأتينا التأمل في الروايات الأخرى من حديث النبي ﷺ وهي عند مسلم: (لئن عشت إلى قابل لأصومن التاسع)، وفي رواية عند الإمام أحمد في مسنده بسند فيه مقال عن ابن عباس قال: (خالفوا اليهود صوموا يوماً قبله أو يوماً بعده).
стр. 2330
معنى الشكر
شكر النعم أول درس نلمحه في ذلك، ويلفت إلينا فيه النظر رسول الهدى ﷺ ، ويبين أن هذا نهج أهل الإيمان، فموسى النبي المرسل كليم الله فعل ذلك، ورسول الله فعله، وأمر أمته بفعله، فصامه موسى شكراً فقال: (نحن أحق بموسى منهم).
ثم تأمل الشكر؛ فإن دلالته عظيمة: قال السعدي في معناه: هو خضوع القلب واعترافه بالمنعم، وثناء اللسان عليه بالقول، وعمل الجوارح بمقتضى طاعته، وعدم استخدام نعمته في معصيته.
فما أعظم هذا المعنى وأوسعه وأشمله! إنه يتناول القلب في سويدائه، والنفس في أعماقها؛ شعوراً بالامتنان والاعتراف، والإقرار بالمنعم الواهب الرازق المعطي : ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنْ اللَّهِ﴾ [النحل:٥٣] وكم هي النعم التي لا يقدر أحد شكرها، ولا يستطيع بشر أن يؤدي حقها! وكلكم يعرف الأثر الذي فيه أن عابداً قضى عمره في عبادة الله، ثم بعثه الله جل وعلا، وأمر أن يدخل الجنة برحمته، فقال العبد: بل بعملي يا رب! فقال الله جل وعلا لملائكته: زنوا عمله بنعمة بصره، فرجحت نعمة البصر بعمله كله، ولم تستطع أن توفيها حقها، فقال: بل برحمتك يا رب! ومن هنا نعرف قول المصطفى ﷺ فيما صح عنه: (لن يدخل أحد الجنة بعمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته).
ومن الشكر الثناء باللسان قال تعالى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى:١١] كم من الناس من تسأله عن حاله فيدعو بالويل والثبور وعظائم الأمور، ويأتي بالهم والغم، ويذكر المآسي والشرور، ولا يحمد الله أن رد إليه روحه بعد أن أنامه، ولا يحمد ربه أن حفظ عليه إسلامه وإيمانه، ولا ينظر إلى ما سلب من غيره من نعم وهو ما زال متسربلاً بنعمة صحته وعافيته! ومن الشكر عمل الجوارح بمقتضى النعم، أين البصر وأين يرسل؟ أين السمع وإلام ما يصغي؟ أين اللسان وبم ينطق؟ أين الأقدام وإلى أين تسير؟ أين الأيدي وماذا تخط وماذا تعمل؟ ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْراً وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِي الشَّكُورُ﴾ [سبأ:١٣].
ومن الشكر بالعمل ألا يستخدم نعمته في معصيته، كم نحن في حاجة إلى أن نتأمل في حكمة الشريعة نحن نصوم ونصوم ونتابع السنة غير أنا لا نلتفت إلى المعاني الدقيقة، وتجد اللفتات الإيمانية والتربوية في نصوص قليلة، وكلمات معدودة من حديث رسول الله ﷺ .
стр. 2331
أهمية شكر الله
ثمة وقفات كثيرة في صيام عاشوراء، منها أهمية شكر الله على النعم، وأن النعم تكون بفضل الله ثواباً وجزاءً لفعل الخير، وللتشبث بالإيمان واليقين، والثقة بوعد الله ، وصدق التوكل عليه، فإن نجاة موسى ﵇ كانت أمراً خارقاً للعادة، ومعجزة لنبي الله موسى.
وكانت أعظم دليل على عظيم يقينه، وقوة إيمانه، وصدق توكله على ربه، وعظيم ثقته بالمخرج الذي يسوقه الله لكل مؤمن به وصادق معه: ﴿قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ [الشعراء:٦١] لم يروا للنجاة بصيص أمل، فقد كان فرعون من ورائهم، والبحر من أمامهم، مع قلة عددهم وعتادهم، وضعف إيمانهم، وعدم قوة يقينهم قالوا: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ [الشعراء:٦١]، واللفظ القرآني معجز في بيان بلاغة معناه (إنا) إما على سبيل التوكيد، وقد تقع جواباً لقسم، أي: والله إنا لمدركون، والإدراك: هو الإحاطة من كل جانب، فليس ثمة منجى ولا مهرب، غير أن لسان الإيمان، ودليل التوكل تجلى في قول موسى ﵇ في جانبين اثنين: (كَلاَّ) أي: ذلك قول غير مقبول في منهج الإيمان، وغير مرضي عند أهل اليقين.
ثم قرر الحقيقة الأخرى بتقرير أشد في التوكيد، وأعظم في التصديق من قول أصحابه في التوهين والضعف فقال: (إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ) والتوكيد في (إن)، وتقديم المعية؛ استشعار إيماني عظيم صادق كأنما هو رأي عين، كما حصل من المصطفى ﷺ يوم كان في الغار فقال أبو بكر: (لو نظر أحدهم إلى موضع قدميه لرآنا! فقال له المصطفى ﷺ : ما ظنك باثنين الله ثالثهما)، وذلك من عظيم الإيمان واليقين.
﴿قَالَ كَلاَّ إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء:٦٢] لم يكن موسى ﵇ يعرف كيف سيكون المخرج، ولم يكن يرى سبيلاً واضحاً للنجاة، غير أنه يملك إيماناً في قلبه، ويقيناً في نفسه، وثقة بربه، سوف يأتي الفرج لكن لا يعلم بأي وسيلة سيكون! ثم جاءت الوسيلة على خلاف كل معهودات البشر؛ لتبين أن الإنسان الضعيف ينصر بقوة القوي القادر : ﴿اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ﴾ [الشعراء:٦٣] وما عسى أن تغني العصا؟! وما عسى أن يغني الضرب بها في البحر؟! وأي شيء ينتج من ذلك؟!! حصلت النتيجة الهائلة العجيبة الغريبة التي ليس لها نظير: ﴿فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾ [الشعراء:٦٣] البحر ينشق طرقاً لا طريقاً واحداً، وهي طرق ليست كالطرق الإلكترونية البشرية، بل هي طرق إلهية ربانية، بعد أن نجى الله موسى ومن معه أطبق البحر على فرعون ومن معه، وهنا استشعر موسى ﵇ أن نعمة إيمانه ويقينه وتوكله أفاضت عليه من ربه نعمة نجاته وسلامته، ودحر عدوه، فجدد هذه النعمة بنعمة أخرى، فصام ذلك اليوم شكراً لله جل وعلا على ما من به من النجاة.
وقد ساق الله جل وعلا لنا آيات الشكر في سياق قصة موسى ﵇، وفي معرض مخاطبته لقومه، قال جل وعلا: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم:٧]، ثم جاء القول على لسان موسى ﵇: ﴿وَقَالَ مُوسَى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الأَرْضِ جَمِيعاً فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [إبراهيم:٨].
стр. 2332
فضل صيام يوم عاشوراء
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى من تبعهم، واقتفى أثرهم، ونهج نهجهم إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين.
أما بعد: أيها الإخوة المؤمنون! أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله، فاتقوا الله في السر والعلن، واحرصوا على أداء الفرائض والسنن، واجتنبوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن.
ولا شك أن هذه معالم مهمة، معلم تذكر نعم الله والعمل على شكرها، ومعلم تميز أمة الإسلام والعلم بفضلها، ومعلم التميز بالمخالفة والمفارقة لغير أهل الإسلام فيما ورد به الشرع، ومعلم التجرد ومراعاة الواقع، وتحقيق المصالح فيما يكون من أمر المسلمين مع غيرهم بحسب تغير الأحوال وتبدل الأزمان، كما فعل النبي ﷺ ، ومن بعد ذلك نرى الفضل والأجر والثواب، فقد صح عند مسلم من حديث أبي قتادة في حديث طويل عن الصيام، أن النبي ﷺ قال: (أحتسب في صيام عاشوراء أن يكفر السنة الماضية)، فيوم أو يومان يكفران عاماً كاملاً من الذنوب والخطايا، نعمة الله جل وعلا عظيمة، وفضله عميم، وعفوه ومغفرته ورحمته وسعت كل شيء.
فلا يتعاظمن أحد تلك المغفرة، فإنها عند الله كما أخبر بها رسوله ﷺ ، فنحن نتبع السنة، ونبتغي الأجر والفضل من الله ، ويجدر بنا مع ذلك أن نتدبر المعاني، وأن نلتفت إلى هذه الدلالات والتوجيهات والإرشادات، سيما وأن هذا الشهر هو من أفضل الشهور التي يكثر فيها العبد من الصوم، كما صح عن النبي ﷺ أنه قال: (أفضل الصيام بعد رمضان صيام شهر الله المحرم)، أي: الصيام منه والإكثار فيه من الصوم، وهو مفتتح العام، فكلما زدت فيه عملاً صالحاً رأيت لذلك أجراً وفضلاً.
وفيه كذلك فضيلة الصوم، وأنه من أجل العبادات التي يتقرب بها إلى الله، والتي تشكر بها نعم الله لما فيه من الإخلاص والسر بين العبد ومولاه.
نسأل الله أن يوفقنا لطاعته ومرضاته، وأن يمن علينا برحمته ومغفرته، وأن ينيلنا رضاه ورضوانه إنه ولي ذلك والقادر عليه.
اللهم إنا نسألك العفو والعافية، والمعافاة الدائمة، في الدين والدنيا والآخرة، اللهم ارحم ضعفنا، واجبر كسرنا، واغفر ذنبنا، وبلغنا فيما يرضيك آمالنا، اللهم طهر قلوبنا، وزك نفوسنا، وأخلص نياتنا، وهذب أخلاقنا، وحسن أقوالنا، وأصلح أعمالنا، وضاعف أجورنا، وامح أوزارنا، وارفع درجاتنا، وبلغنا اللهم فيما يرضيك آمالنا برحمتك يا أرحم الراحمين! اللهم اجعل خير أعمالنا خواتيمها، وخير أيامنا يوم نلقاك وأنت راض عنا برحمتك يا أرحم الراحمين! اللهم اجعل آخر كلامنا من الدنيا لا إله إلا الله محمد رسول الله، اللهم توفنا على الإيمان والتوحيد، وابعثنا على الشهادة، وثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويوم يقوم الأشهاد يا رب العالمين! اللهم إنا نسألك أن تجعلنا من عبادك المخلصين، وأن تكتبنا في زمرة المجاهدين، وأن تجعلنا من ورثة جنة النعيم، اللهم إنا نسألك أن تجعلنا ممن تحبهم وترضى عنهم، وتأخذ بأيديهم ونواصيهم إلى طريق الحق والسداد، وتلهمهم الرشد والصواب، أعذنا اللهم من مضلات الفتن، ومن وساوس الشيطان، ومن قرناء السوء، ومن فتنة المحيا والممات، وفتنة المسيح الدجال يا رب العالمين! اللهم أعز الإسلام وانصر المسلمين، وارفع بفضلك كلمة الحق والدين، ونكس راية الكفرة والملحدين، اللهم من أرادنا وأراد الإسلام والمسلمين بخير فوفقه لكل خير، ومن أرادنا وأراد الإسلام والمسلمين بسوء فاجعل دائرة السوء عليه، واجعل تدبيره تدميراً عليه يا سميع الدعاء! اللهم عليك بسائر أعداء الدين فإنهم لا يعجزونك، اللهم إنهم طغوا وبغوا وتجبروا وتكبروا، وأذلوا عبادك المؤمنين، وانتهكوا حرمات المسلمين، اللهم فأنزل بهم بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين يا قوي يا عزيز يا متين! يا من لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء! يا من أمره بين الكاف والنون! اللهم إنا ندرأ في نحورهم، ونعوذ بك اللهم من شرورهم، اللهم اجعل بأسهم بينهم، وخالف كلمتهم، واستأصل شأفتهم، ودمر قوتهم، ولا ترفع لهم راية، ولا تبلغهم غاية، واجعلهم لمن خلفهم آية، واشف اللهم فيهم صدور قوم مؤمنين عاجلاً غير آجل يا رب العالمين! اللهم أقر أعيننا بهزيمتهم ودحرهم، وردهم على أعقابهم صاغرين عاجلاً غير آجل يا رب العالمين! اللهم انصر عبادك وجندك المجاهدين في كل مكان يا رب العالمين، ثبت اللهم خطواتهم، ووحد كلمتهم، وسدد رميتهم، وأعل رايتهم، وقو شوكتهم، وانصرهم على عدوك وعدوهم يا رب العالمين! اللهم لطفك ورحمتك بإخواننا المضطهدين والمعذبين والمشردين والمبعدين، والأسرى والمسجونين، والجرحى والمرضى في كل مكان يا رب العالمين! اللهم امسح عبرتهم، وسكن لوعتهم، وفرج همهم، ونفس كربهم، وعجل فرجهم، وقرب نصرهم، وادحر عدوهم، وزد إيمانهم، وعظم يقينهم، واجعل ما قضيت عليهم زيادة لهم في الإيمان واليقين، ولا تجعله فتنة لهم في الدين، اللهم اجعل لنا ولهم من كل هم فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً، ومن كل فتنة عصمة، ومن كل بلاء عافية يا سميع الدعاء! اللهم احفظ بلاد الحرمين من كل سوء ومكروه، واجعل هذا البلد آمناً مطمئناً رخاءً وسائر بلاد المسلمين، وأصلح اللهم أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين.
عباد الله! صلوا وسلموا على رسول الله؛ استجابة لأمر الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب:٥٦] وترضوا على الصحابة الكرام، وخصوا منهم بالذكر ذوي القدر العلي، والمقام الجلي أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، وعلى سائر الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
اللهم صل وسلم وبارك وأنعم على نبيك محمد وعلى آله وصحابته أجمعين، وأقم الصلاة، إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.
стр. 2333
تقديس وتدنيس
لقد عظم الله تعالى في الشرع أشياء وجعلها مقدسة مميزة على غيرها، فتعظيمها واجب، ولا يحل لمسلم أن يتناولها بالانتقاص أو الإهانة، وحرص المسلم على تعظيمها دليل على تقواه لله تعالى؛ لأن تعظيم شعائر الله من تقوى القلوب، وينبغي أن يعلم المسلم أنها ما عظمت إلا بتعظيم الله تعالى لها، إذ هو سبحانه يصطفي من خلقه ما يشاء ويختار، فلا راد لأمره ولا معقب لحكمه .
стр. 2334
مقدمة عن التقديس
الحمد لله لا إله غيره ولا رب سواه، لا يضل من استهداه، ولا يخيب من رجاه، ولا يحرم من دعاه، له الحمد ﷻ ، وتقدست أسماؤه، وعظمت صفاته، هو أهل الحمد والثناء، لا نحصي ثناءً عليه هو كما أثنى على نفسه.
فله الحمد كما يحب ويرضى، وله الحمد كما يليق بجلاله وعظيم سلطانه، وله الحمد ملء السموات والأرض، وملء ما بينهما وملء ما شاء من شيء بعد، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحي ويميت وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن نبينا وقائدنا وقدوتنا وسيدنا محمداً عبد الله ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، ختم به الأنبياء والمرسلين، وجعله سيد الأولين والآخرين.
وأشهد أنه ﵊ قد بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، فجزاه الله خير ما جزى نبياً عن أمته، ووفقنا لاتباع سنته، وحشرنا يوم القيامة في زمرته، وجعلنا من أهل شفاعته، وصلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى من تبعهم واقتفى أثرهم ونهج نهجهم إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فإن التقديس والتدنيس في أمور عظيمة جليلة لها في قلب كل مؤمن مخلص ومسلم غيور أعظم موقع وأسمى مكان، وإن المسلم اليوم يرى أموراً ويسمع أخباراً ما كان يخطر ببالنا -ولو على سبيل التخيل والرجم بالغيب- أن يكون مثلها.
وقد يعجب بعض الناس ويتساءلون عن السبب الذي أوصل الأمة إلى هذا الموقف، وكلنا يعلم كم مر في الآونة الأخيرة من جرائم على مقدساتنا، بدءاً بتسفيه آيات القرآن العظيم، ومروراً بالعدوان والانتقاص للرسول الكريم ﷺ ، وتعريجاً على صور من التدنيس والإهانة لكتاب الله جل وعلا، وكذا العدوان على المقدسات الإسلامية كرّة بعد كرّة، ومرة بعد مرة، كما في بيت المقدس مسرى رسول الله ﷺ .
وأحسب أن بإمكاننا في مثل هذا الموضوع أن نرفع الصوت عالياً، وأن نستجيش العواطف لتختنق الحلوق بالعبرات، وتذرف العيون بالدمعات، وتهتز الرءوس بشيء من الاعتراف، وتلهج الألسن بحوقلة واسترجاع، ثم نمضي دون أن يكون لنا من وراء ذلك ما هو أعظم من هذه الصور الظاهرة، ومن هنا آثرت أن لا يكون حديثي على ذلك النحو الذي قد وصفته، فنحن لسنا في حاجة إلى الصراخ، فإنه يملأ الأجواء؛ ولسنا في حاجة إلى الاستنكار؛ فإنه قد ملئت به القنوات والإذاعات والمؤتمرات.
ولكننا نحتاج إلى اكتشاف العلة ومعرفة الداء والنظر إلى المقدمات، ومعرفة الخلل الذي نشارك فيه جميعاً ولا يكاد يسلم فيه منا أحد إلا من رحم الله.
стр. 2335
معنى التقديس وأهميته في الدين الإسلامي
التقديس معناه في أصل اللغة التطهير والطهارة، ويدخل فيه ويرتبط به في هذا المعنى شرف الصفات والخلال، ويتبع ذلك التعظيم والإجلال، وفيه كذلك الخير والبركة وحسن الحال والمآل.
فكل أمر عظيم مقدس طاهر، منزه عن العيوب والنقائص، مشتمل على عظيم الصفات والخصال، ومن ثم فإن فيه الخير والبركة، ويجب له التعظيم والإجلال.
فمن الذي يقدس؟ ومن الذي يجعل الشيء عظيماً محترماً وله أحكام تخصه في معاملته وفي توقيره وتعظيمه؟ إنها مسألة في أصل ديننا ليست مبنية على اجتهاد علماء، ولا اتفاق فقهاء، وإنما هي أحكام ربانية من الله جل وعلا.
وهذا الاختيار من الله يدل على كمال الألوهية لله ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ﴾ [القصص:٦٨].
هو الذي يختار جل وعلا، فيجعل من البشر رسلاً هم صفوة الخلق، ولهم مقام من التقديس والتعظيم يليق بنبوتهم ورسالتهم.
وهو الذي يصطفي من البقاع بقاعاً فيجعلها مقدسة لها أحكام خاصة، ولها فضائل جليلة، وكل من يسيء إليها أو ينتقص من تعظيمها فله وعيد شديد وعذاب عظيم، بل وحد مشروع في الدنيا قبل الآخرة.
فالله تعالى هو الذي جعل هذه الخصيصة لنفسه، ففضل من الأزمان أزماناً وجعل لها خصائص، وفضل من البشر خلقاً وجعلهم رسلاً وأنبياء، وفضل من البقاع بقاعاً وجعلها مواطن لبيته المقدس ومسرى رسوله الكري، ومسجده العظيم ﷺ .
هو الذي جعل ذلك حقاً له جل وعلا ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾ [الحج:٧٥]، ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام:١٢٤] وذلك من خصائص الحق ، لا يحق لأحد أن يكون له من ذلك شيء مطلقاً، كما لا يحق لأحد أن يعترض أو يجترئ على ما خصه الله جل وعلا بالتقديس والتعظيم.
والتدنيس في مقابل ذلك مرتبط بالنجاسة والإذلال والإهانة لما هو مقدس، فإنه يدخل على الشرف ما لا يناسبه، ويضيف أو يعترض على العظمة بما يناقضها، وذلك لا يجوز بحال من الأحوال، ولست هنا مفيضاً في هذا المعنى، لكني أقول: إن أعظم تقديس هو تقديس الله ، فهو جل وعلا الملك القدوس المنزه عن كل النقائص التي تلحق بغيره من الخلق جل وعلا.
وتنزيه الله وتقديسه مقصود به تنزيهه عن كل ما لا يليق، كما قالت الملائكة: ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ [البقرة:٣٠]، ومقام ذات الله أعظم مقام عند المسلمين المؤمنين، وكذلك كلام الله القرآن العظيم له أحكام كثيرة ودقيقة، حتى إن الفقهاء فصلوا في كثير منها بحسب ما ورد من الاستفتاءات، ولعلي أشير إلى بعضها لنرى كيف يكون هذا التعظيم سارياً في كل أمر، حتى وإن كان في نظر بعض الناس صغيراً أو هيناً.
إن الفقهاء يسألون عن مد القدم إذا كان في تجاهها أو في مقابلها المصحف (كتاب الله ، فيفتون بالحرمة إذا كان في ذلك شيء من الاستهانة وعدم التعظيم، وفي فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم -مفتي المملكة السابق- ورد قوله: أما وضع المصاحف في أكياس خلقة من الخيش ونحوه وتعليقها فهذا لا يجوز؛ لأن فيه إهانة للقرآن، ولو لم تكن متعمدة.
وسئل الشيخ يوسف الددوي -من علماء الأزهر الشريف- عن شرب الدخان في مجالس القرآن فقال: أما شربه في مجالس القرآن فهو حرام.
وأفاض في بيان ذلك بأن فيه إعراضاً عن التدبر بالتلهي، وأن فيه إشعاراً بالاستهانة، وأن فيه إيذاءً لمن يصغون ويستمعون لكلام الله جل وعلا.
وأمضي -أيضاً- إلى فتوى للعز بن عبد السلام إمام المجاهدين وعلم المفتين، فقد سئل: هل يجوز تسليم المصحف لذمي ليجلّده؟ وهل يجوز ترك كتب التفسير والحديث عند غير المسلمين؟ فأجاب ﵀: لا يجوز ترك كتب التفسير والحديث عندهم، ولا تدفع المصاحف ولا التفاسير ولا كتب الحديث إلى كافر لا يرجى إسلامه، وينكر على فاعله.
أي: على فاعل ذلك.
ولعل مثل هذه الصور عندما نسمعها نرى أن كثيراً منها يقع اليوم وليس في النفوس منه حرج، وأن غير ذلك -بل ربما أكثر منه- نراه في واقع أمة الإسلام.
ألست تسمع الإقسام بالله يسرد ضمن الغناء مع الألحان، يقول مغنٍ وضيع أو راقصة داعرة؟! ألم تسمع أن مغنياً عربياً أدخل بعض آيات من القرآن في سورة يوسف ﵇ في أغنية لحنها وغناها؟! ألست تسمع صوراً كثيرة في واقع المسلمين اليوم كلها عند من يدقق في معنى التقديس والتعظيم تجرحه وتخدشه، وقد تصل إلى صور عظيمة من الإهانة يأتي الحديث عن خطورتها وعن عظمتها وعما حكم به بعض أهل العلم بكفر فاعلها؟! إن مثل هذه الأحوال لا تجوز الاستهانة بها، ولا التهوين من شأنها، فإن كل صورة من صور الاستهزاء المناقض للتعظيم فيها أحكام صارمة ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة:٦٥ - ٦٦].
قالها قوم من المنافقين في غزوة تبوك أثناء مسير النبي ﷺ والصحابة، قال بعضهم لبعض: ما رأينا مثل أصحابنا هؤلاء أرغب بطوناً وأجبن عند اللقاء -يعنون بذلك رسول الله ﷺ والصفوة المختارة من أصحابه رضوان الله عليهم- وبلغ الخبر رسول الله ﷺ ، وتنزل عليه الوحي بهذه الآيات، وعلم المنافقون بهذا، فابتدر أحدهم إلى ناقة النبي ﷺ يستعطفه والقرآن ينزل: ﴿قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة:٦٦].
ويأتينا مثل هذا كذلك فيما أجمع عليه علماء الأمة في شأن سب المصطفى ﷺ ، والانتقاص من قدره ومقامه ولو بصورة من الصور التي قد يراها بعض الناس تحتمل تأويلاً، فقد نقل أهل العلم الإجماع على ذلك.
قال القاضي عياض ﵀: أجمعت الأمة على قتل منتقصه من المسلمين وسابّه، وكذلك حكى غير واحد الإجماع على قتله وتكفيره.
وقال محمد بن سحنون: أجمع العلماء على أن شاتم الرسول ﷺ والمتنقص له كافر، والوعيد جاء عليه بعذاب الله، وحكمه عند الأمة القتل، ومن شك في كفره وعذابه كفر.
ليست هذه المسائل هينة، إنها عند علماء الأمة في ضوء كتاب الله وسنة رسوله ﷺ من أعظم المسائل وأجلها؛ لأنها تتعلق بالمقدسات.
وتأمل قول الحق جل وعلا: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج:٢٥]، وتأمل قول الله في حرمة البيت الحرام ودخول المشركين إليه، وتأمل كل الأحكام المتعلقة بكل ما قدس الله ونزه من هذه المقدسات التي جعلت لها أحكام خاصة تعظيماً وإجلالاً وتوقيراً.
ألا نعرف أحكاماً كانت لمناجاة النبي ﷺ ؟! ألا نعرف أحكاماً خاصة في خفض الصوت بين يدي النبي ﷺ ؟! ألا نعرف أحكاماً خاصة في طريقة نداء وخطاب الرسول ﷺ ؟! ألا نعرف أحكاماً خاصة بالقرآن كيف يتطهر له، وكيف يحترم عند قراءته، وكيف يجل في تدبره، وكيف يعظم في العمل به؟! ألا نعرف كل ذلك؟! ولكننا نرى صوراً منه في واقع حياة أمتنا تتسرب قليلاً قليلاً، ويألفها الناس شيئاً فشيئاً، ثم نأتي إلى صور أعظم هي التي تكاد اليوم تلفت أنظار الناس، أصبح اليوم هناك من يسمع أو يرى المنكر الذي ليس بعده منكر فلا يتغير ولا ينكر، يسمع الكفر البواح وكأنه لا يعنيه شيء.
وما بعد ذلك من أمور عظيمة ومقدمات لما بعدها نجدها اليوم في واقعنا، حتى إننا نجد ذلك متفاوتاً في الأجيال، حيث تجد الكبير منا اليوم عنده من توقير رسول الله ﷺ وتوقير القرآن الكريم وتوقير بيوت الله ما لا نجده بالقدر نفسه عند كثير من الجيل الناشئ؛ لأنهم لم يعودوا على التوقير والتعظيم المناسب الملائم الذي ينبغي أن يربى عليه الأبناء منذ نعومة أظفارهم.
لقد قال الحسن: كانوا يعلموننا مغازي رسول الله ﷺ كما نُعلم الآية من القرآن.
وكان كذلك تعظيم أصحاب النبي ﷺ فيما بينهم، حتى إن ابن عمر ﵁ أراد أن يجيب النبي ﷺ لما سأل عن شجرة مثلها بالمسلم هي النخلة، فاستحيا ابن عمر أن يجيب لأن في القوم أبا بكر وعمر! كل هذه المعاني كانت جلائل وعظائم في النفوس مبنية على تعظيم الإيمان وتثبيت وترسيخ اليقين في القلوب، فلما ضعف الإيمان وتزعزع اليقين وهانت وضعفت الهمم وذلت النفوس أصبحت لا تنتفض إلا في النادر.
عندما نستمع اليوم إلى تصريحات اليهود -عليهم لعائن الله- مرة بعد مرة وهم يزمعون على أن يدخلوا إلى بيت المقدس ويدنسوا المسجد الأقصى نسمع الناس يتحدثون، ونسمع الأخبار تتناقل، وكأن شيئاً في هذه الحادثة لا يحدث، وكأن الأيام والليالي والأعوام والأشهر والأحداث المتتالية والأفعال الإجرامية المتوالية والخطط الداعية إلى الحفر تحت بيت المقدس وغيرها لا تسمع ولا تُعلم ولا يلتفت إليها.
стр. 2336
وقفة مع الواقع المعتدى فيه على الشريعة
كأن الأمة تحتاج إلى ضربات قاتلة لتستفيق وتستيقظ، وكأنها أدمنت كثيراً على ما يحل بها في كل يوم وليلة، وقد سمعنا خبراً جلياً عن تدنيس بعض الجنود الأمريكيين للمصحف الشريف في معتقل غوانتنامو، وقد ورد ذلك في صحفهم وأخبارهم، وسمعنا أن بعض المحققين كانوا يضعون المصاحف في دورات المياه إهانة للمعتقلين، وأنه في بعض الوقائع وضعوا المصاحف داخل المراحيض نفسها، وأن سبعة من إخواننا في أفغانستان قتلوا في يومين في مظاهرات انتصاراً لكتاب الله واحتجاجاً على هذه الأفعال الشنيعة.
وأحسب أننا بإمكاننا أن نثير الأشجان والأحزان، ولكنني أقول: هل نحن نعظم كتاب الله كما ينبغي؟! وهل نحن نعظم رسولنا ﷺ كما ينبغي؟! وهل نحن نغار على حرمات الله كما ينبغي؟! وهل دافعنا عن كل حدث قد مضى قبل ذلك؟! وقد مضت أحداث مشابهة ومماثلة، إلا أن صورة مهمة ينبغي لنا أن نتفقدها، أن نتفقد المقدسات المعظمة في دين الله وفي نفوسنا هل نقص قدرها وهل نقص تعظيمها، وهل أصبحنا لا نلتفت إليها بالقدر الكافي ولا نعلمها أبناءنا، ولا نشيعها في مجتمعاتنا، أم أننا نرى التأويل كما رأينا من قبل في امرأة تكلمت على أبي هريرة ﵁ وعلى سنة رسول الله ﷺ ، فرأينا من الكُتّاب غير قليل يقولون: لم تهولون الأمر؟! ولم تحاسبون النيات؟! إن الحديث لم يكن المقصود به كذا، وإنما المراد به كذا، ولماذا نتقعر ونتشدد عند الوقوف مع الألفاظ؟! وغير ذلك.
يساء إلى كتابنا، ويعتدى على رسولنا، ويتهجم على قرآننا، ويساء كل يوم إلى تشريعاتنا، ويقال لنا من بعد: ينبغي أن تكونوا منفتحين على الآخرين، وأن يكون لديكم سماحة، وأن لا تتشددوا وتعيدوا لنا مرة أخرى اسطوانة الولاء والبراء، والعداء وغير ذلك! إنها خطة لقتل مشاعر الغيرة الدينية والحمية الإسلامية في النفوس، إنها كالمخدرات، تكون في أول الأمر قليلة ثم يدمنها الناس، ثم يوشك بعضهم أن يألفوها فلا تشمئز منها نفوسهم، ولا يحصل لهم على تجاهها إنكار، كما في حديث حذيفة ﵁ الذي يروى مرفوعاً ويروى موقوفاً: (تُعرض الفتن على القلوب كالحصير عوداً عوداً، فأيما قلب أُشربها نكتت فيه نكتة سوداء، وأيما قلب أنكرها نكتت فيه نكتة سوداء، حتى تصير القلوب على قلبين: أبيض مثل الصفا لا تضره فتنة مادامت السماوات والأرض، والآخر أسود مرباداً كالكوز مجخياً -أي: كالكأس المقلوب- لا يعرف معروفاً ولا ينكر منكراً، إلا ما أشرب من هواه).
وأحسب أن درسنا الأعظم في هذا الحديث ليس هو في نقد أولئك الأعداء وأولئك الذين يمعنون اليوم في ظهور وكشف حقائقهم.
فبعد ظهور زيف حقوق الإنسان في أحداث سجن أبي غريب يظهر اليوم كذلك ظهور زيف حقوق الأديان في مثل هذه الأحداث، والعيب والنقد إنما هو موجه إلينا معاشر المسلمين لا لغيرنا، فإنه لا يهون دين أمة إلا إذا هانت في أوساطها، أين تحكيم شريعتنا في ديار الإسلام؟! أليست الخمور المحرمة قطعاً بنص صريح واضح في الكتاب والسنة تصنع أو تباع في كثير من ديار المسلمين؟! أليس في كثير من ديار المسلمين تعلن المحرمات وتشاع بين الناس حتى تألفها العيون وتقبلها النفوس وترضاها القلوب، ولا يكاد لسان ينكرها أو يقوى على ذلك؟! إن كثيراً من مقدساتنا هانت في مجتمعاتنا وضعفت مكانتها وقدرها وقيمتها، إن إقامة منكر محرم في القرآن وإقراره وتثبيته وإعلانه إنما هو إهانة المنزل ولآياته المحكمة ولأحكامه القاطعة، بل ولله جل وعلا الذي أنزله ليحكم به وليعمل به، فلنتأمل فإن الداء منا، وإن العلة فينا، وإن أعداءنا لم ينتصروا لقوتهم، وإنما لضعف بنياننا، كما تضع اليد على الجدار فيتهدم، وليس ذلك من قوتها ولكنه من تصدعه، فلنرجع إلى أنفسنا، ولنحاسبها فإنا سنجد من التقصير شيئاً عظيماً.
نسأل الله أن يردنا إلى دينه رداً جميلاً، وأن يعظم الإيمان والقرآن والنبي ﷺ في قلوبنا، وأن يجعل غيرتنا الإيمانية وحميتنا الإسلامية على ما يحب ويرضى، أقول هذا القول وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه؛ إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 2337
تعظيم المقدسات
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى من تبعهم واقتفى أثرهم ونهج نهجهم إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين.
أما بعد: فيا أيها الإخوة المؤمنون! أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله؛ فإن تقوى الله أعظم زاد يقدم به العبد على مولاه، وإن من تقوى الله تعظيم حرماته، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج:٣٢].
وإن تعظيم المقدسات ينبغي أن يكون في حس كل مؤمن، وإن تكون أعظم شيء عنده، وأن نحرص على تفقد نفوسنا وقلوبنا لئلا يدخل إليها ضعف في هذا التعظيم والتقديس، ولا يسري فيها وهن تجاه كل ما يعارض ذلك ويناقضه.
وإني لأدعو نفسي وإياكم لنراجع سلوكياتنا الشخصية، فإن أموراً منكرة نفعلها نحن داخل بيوتنا، ولا أقول: في عموم المجتمع ليقال: إنها ليست بأيدينا وليست تحت سلطتنا.
إن في البيوت اليوم منكرات هي صور من الاستهانة بالمعظمات، والمقدسات، فإن ما يذاع ويبث في القنوات الفضائية من المحرمات وتجتمع عليه الأسرة أو يرى ويشاهد وهو يعارض عين ما جاءت به الآيات ونص ما وردت به الأحاديث إنه نوع من إضعاف التعظيم والتقديس لكتاب الله وسنة رسوله ﷺ في النفوس.
إنه نوع من إلف المنكرات والرضا بها والتقبل لها، وإضعاف الغيرة وإبعادها.
إن كثيراً من الأمور العملية التي نقوم بها والكسب المحرم الذي قد نتجاوز عنه وهو منتشر بين الناس في أخذ الرشاوى وفي أخذ ما يسمى (أموال الوساطة) وغيرها إنه -أيضاً- ضرب من ضروب التهوين لأحكام الله وشريعة الله، وما يتعلق بذلك من ورائه.
ولو خرجنا إلى مجتمعنا لرأينا الطرائف وهي تشتمل على الآيات والأحاديث وغيرها دون أن يكون هناك منع ولفت نظر إلى عظمة وخطورة ذلك، وأن الخطأ فيه خطره عظيم.
ولقد قال بعض أهل العلم: إن ساب النبي ﷺ ومنتقصه لا تقبل توبته، بل يقتل حتى وإن ادعى توبة.
كثيرة هي الأمور التي نحتاج إلى مراجعتها في أنفسنا قبل أن نسب أعداءنا -وهم جديرون بذلك-، وقبل أن نكشف عوارهم وزيف ادعاءاتهم ودنو نفوسهم وحقارة سلوكياتهم، وكل ذلك فيهم، لكنه لا يغنينا ذلك قبل أن نعالج أنفسنا، فكم من قائل منهم: لم تعترضون علينا وفيكم من يقول: إن في القرآن أموراً خرافية ليست واقعية؟! وفيكم من يقول: إن في القرآن أحكاماً غير صالحة لهذا الزمان؟! وفيكم من يقول غير ذلك.
إذاً فنحن أولاً جديرون بأن نغير ما بأنفسنا ليغير الله أحوالنا، وليجعلنا قادرين على أن نوقف هذه الموجات المتكاثرة التي لا يكاد اليوم يحصيها العاد من كثرتها.
فنسأل الله أن يردنا إلى دينه رداً جميلاً، وأن يعظم الإيمان في قلوبنا، وأن يرسخ اليقين في نفوسنا، وأن يعظم الحمية والغيرة في قلوبنا.
اللهم! إنا نسألك التقى والهدى والعفاف والغنى وأن تجعلنا هداة مهديين.
اللهم! تول أمرنا، وارحم ضعفنا، واجبر كسرنا، واغفر ذنبنا، وبلغنا فيما يرضيك آمالنا.
اللهم! إنا نسألك العفو والعافية، والمعافاة الدائمة في الدين والدنيا والآخرة.
اللهم! لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا، اللهم! مكن في الأمة لأهل الخير والرشاد، واقمع أهل الزيغ والفساد، وارفع في الأمة علم الجهاد، وانشر رحمتك على العباد.
اللهم! أبرم لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر.
اللهم! إنا نسألك أن تجعلنا من عبادك الصالحين، وأن تكتبنا في جندك المجاهدين، وأن تجعلنا من ورثة جنة النعيم.
اللهم! إنا نسألك أن تجعل خير أعمالنا خواتيمها، وخير أيامنا يوم نلقاك وأنت راض عنا.
اللهم! أعز الإسلام والمسلمين، وارفع بفضلك كلمة الحق والدين، ونكس رايات الكفرة والملحدين.
اللهم! من أرادنا وأراد الإسلام والمسلمين بخير فوفقه لكل خير، ومن أرادنا وأراد الإسلام والمسلمين بسوء فاجعل دائرة السوء عليه، واجعل تدبيره تدميراً عليه يا سميع الدعاء.
اللهم! عليك بسائر أعداء الدين فإنهم لا يعجزونك، أحصهم -اللهم- عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تغادر منهم أحداً، اللهم! إنَّا ندرأ بك في نحورهم، ونعوذ بك من شرورهم، اللهم! زلزل الأرض تحت أقدامهم، وخذهم أخذ عزيز مقتدر.
اللهم! أنزل بهم بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين يا قوي يا عزيز يا متين، اللهم! اشف فيهم صدور قوم مؤمنين عاجلاً غير آجل يا رب العالمين.
اللهم! اجعل هذا البلد آمناً مطمئناً رخاءً وسائر بلاد المسلمين، وأصلح -اللهم- أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين.
اللهم! وفق ولي أمرنا لهداك، واجعل عمله في رضاك، وارزقه بطانة صالحة تدله على الخير وتحثه عليه يا سميع الدعاء.
اللهم! احفظ بلاد الحرمين من كل سوء ومكروه، واحفظ -اللهم- لها أمنها وإيمانها، وسلمها وإسلامها، ورغد عيشها وسعة رزقها برحمتك يا أرحم الراحمين.
اللهم! انصر عبادك وجندك المجاهدين في كل مكان يا رب العالمين، ثبت -اللهم- خطوتهم، ووحد كلمتهم، وسدد رميتهم، وقو شوكتهم، وأعلِ رايتهم، وانصرهم على عدوك وعدوهم يا رب العالمين.
عباد الله! صلوا وسلموا على رسول الله استجابة لأمر الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٥٦].
وترضوا على الصحابة الكرام، أخص منهم بالذكر ذوي القدر العلي والمقام الجلي أبا بكر وعمر وعثمان وعلياً، وعلى سائر الصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين.
اللهم! صل وسلم وبارك وأنعم على نبيك محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وأقم الصلاة ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ [العنكبوت:٤٥].
стр. 2338
ثلاثيات
كثيراً ما يرد العدد في الكتاب والسنة، وذلك للتشويق إلى مضامين هذه الأعداد، وليسهل حفظها للناس، فمن هذه الأعداد الثلاثة، فقد ذكرت في القرآن في مواطن منها: آية الاستئذان في سورة النور، فذكر فيها أوقاتاً ثلاثة يجب الاستئذان فيها حتى على الأطفال والإماء والعبيد، أما ذكر هذا العدد في السنة والآثار والحكم والتجارب فكثير جداً، وفي هذه المادة ثلاثيات متفرقة ونافعة.
стр. 2339
ثلاثيات من الكتاب والسنة
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، نحمده حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، على آلائه ونعمه التي لا تعد ولا تحصى.
فله الحمد كما نقول وكما يقول، وخيراً مما نقول، وله الحمد في الأولى والآخرة، وله الحمد على كل حال وفي كل آن، وله الحمد ملء السماوات والأرض وملء ما بينهما، وملء ما شاء من شيء بعد، نحمده حمداً كما يليق بجلاله وعظيم سلطانه .
والصلاة والسلام الأتمان الدائمان الأكملان على المبعوث رحمة للعالمين، خاتم الأنبياء والمرسلين، سيد الأولين والآخرين، نبينا محمد الصادق الوعد الأمين، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وعلى صحابته الغر الميامين، وعلى أزواجه أمهات المؤمنين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين.
أما بعد: فيا أيها الإخوة الكرام! أحمد الله جل وعلا أن جدد لنا العهد بهذا اللقاء المبارك في هذا اليوم المبارك في هذه الساعة المباركة في هذا المكان المبارك، ولقد كانت لنا من فضله جل وعلا ومنه وتوفيقه دروس عديدة في مثل هذا اليوم من كل أسبوع، وقد طال العهد بها قليلاً، وها نحن نصل الحاضر بما مضى، ونجعله بإذن الله أساساً وبداية وصلة مستمرة فيما نستقبل من الأيام بمشيئة الله تعالى.
ولا شك أن مثل هذه المجالس يعم نفعها، وأول المنتفعين بها المتحدث الذي يفكر في الموضوع اختياراً، ثم يسعى لجمع مادته والبحث عن مضمونه في مظان مختلفة، ثم يجاهد نفسه في إخلاص النية وفي تحرير القصد لوجه الله ، وينتفع السامعون بما يمر بهم من آيات الله وأحاديث المصطفى ﷺ وأقوال السلف، وتجارب الحياة، وكثير من الفوائد التي لا يستغني عنها مسلم وإن كان يعلمها؛ لقول الحق جل وعلا: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات:٥٥].
وينتفع بها الجميع؛ لكونها في بيوت الله، ولكونها المجالس التي ذكر النبي ﷺ أنها من رياض الجنة، وأن الملائكة تتنزل عليها، وأن الرحمة تغشاها، ونحن نحسن الظن بالله، ونعظم الرجاء فيه أن تكون مجالسنا من هذا النوع، فعسى الله أن يتغمدنا بواسع رحمته، وأن ينزل علينا ملائكته، وأن ينزل في قلوبنا سكينته ، وهذا لقاؤنا مع الدرس الثلاثين بعد المائة الأولى في يوم الجمعة السابع عشر من شهر ذي القعدة، عام (١٤١٦هـ) وعنوانه (ثلاثيات).
وقد رأيت في أول استئناف لهذا الدرس أن يكون موضوعه متنوعاً، وكما يقولون: فيه من كل بستان وردة، ومن كل بحر قطرة، حتى يكون أرغب للنفوس، وأقرب إلى القلوب، وحتى يتجدد النشاط الذي كان لنا، فإذا شرعنا في الموضوعات العميقة أو الدقيقة ربما عرضت بعض الاعتراضات كما مر في بعض الدروس السالفة.
وهذه الثلاثيات متنوعة في مضامينها وموضوعاتها، وفي نسبتها وإسنادها، وفي عمقها ودقتها، والذي يجمعها أمر واحد فحسب، وهو أن في كل قول منها وفي كل مسألة منها ثلاثة أفرع، أو ثلاثة جوانب، وقد قسمت هذا الموضوع أيضاً إلى ثلاثة أقسام حتى لا نخل بالثلاثيات التي فيه: ثلاثيات من الكتاب والسنة، وثلاثيات من الآثار والأخبار والحكم، وثلاثيات من تجارب الحياة.
نبدأ بثلاثيات من الكتاب والسنة، نقف مع بعضها وقفات مختصرة موجزة؛ لأن الغرض هو ما فيها من التنبيه والتوجيه، وما يقع فيه بعض منا من الأخطاء، وعدم مراعاة مثل هذه الجوانب.
стр. 2340
الاستئذان في ثلاثة أوقات
يقول الحق : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشَاءِ ثَلاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [النور:٥٨].
فهذه الآية تذكر حكماً من أحكام الاستئذان الفرعية، جعله الله مخصوصاً بالعبيد وبالأطفال الذين لم يبلغوا الحلم، لكنهم مع ذلك صاروا مميزين يعرفون العيب من غيره، ويعرفون بعض الحق من الباطل، ويعرفون ما يستحيا منه وما لا يستحيا منه.
ولذلك ذكر بعض أهل العلم استنباطاً من هذه الآية أن ثبوت الاستئذان وتكراره ثلاثاً مأخوذ من هذه الآية وهي قوله تعالى: (ثَلاثَ مَرَّاتٍ).
قال بعض أولئك: أي ثلاث دفعات، أي يستأذن ثلاث مرات، وهذا استنباط غير صحيح، بل الغالب الذي قاله أهل العلم كما نقله القرطبي عن ابن عبد البر: أن قوله: (ثَلاثَ مَرَّاتٍ) أي: في ثلاثة أوقات متفرقة، أما الاستئذان ثلاثاً فإنه وارد ثابت في سنة النبي ﷺ حيث قال: (من استأذن ثلاثاً فإن أذن له وإلا فليرجع).
وليست هذه الآية موضع هذا الاستنباط بتكرار الاستئذان في الوقفة الواحدة.
ثم قال القرطبي في تفسيره في علة التخصيص بالإماء والصغار، وعلة التخصيص بهذه الأوقات أدب الله عباده في هذه الآية بأن يكون العبيد إذ لا بال لهم، والأطفال الذين لم يبلغوا الحلم، إلا أنهم عقلوا معاني الكشفة ونحوها.
أي: الأدب مخصوص بالعبيد؛ لأنهم لا يؤبه لهم؛ لكثرة ترددهم في بيوت الناس وخدمتهم لهم، قد لا يتحفظون منهم.
ونعلم أن هناك أحكاماً فقهية تختص بالعبيد والإماء، منها: أحكام تتعلق بجواز كشف العورات إلى حدود معينة، ومع ذلك جاء هذا الاستئذان؛ لأن هذه الأوقات كما سيأتي لها خصوصية معينة، والأطفال بطبيعة صغر سنهم قد لا يكترثون ولا يعبئون بالدخول والخروج، ولا يتنبهون إلى ما قد يقع من أثر ذلك من انكشاف العورات؛ لأن الناس يستصغرونهم، وهذا من بلايا ورزايا عصرنا الحاضر، أن كثيراً من الناس ينظر إلى الغلام، فيقول: إنه صغير وهو ابن خمس، ثم يقول: إنه صغير وهو ابن سبع، ثم ما زال يستصغره وهو ابن عشر، ثم تجد بعض الناس قد يكون الابن قد بلغ الخامسة عشرة وهو ما زال ينظر إليه على أنه صغير، وترى بعض النساء قد لا تتحرج منه ولا تحتجب منه، وهذا من التفريط.
وكذلك في أمر الفتيات والبنات؛ فإن كثيراً من الناس سهل عليهم الأمر ولم يراعوا مثل هذه الآداب، وتجد أنهم يستصغرون الفتاة وهي ابنة تسع وابنة عشر، وربما تكون أكثر من ذلك، وما يزالون يرونها صغيرة، لا يؤدبونها بالآداب الشرعية، ولا يلزمونها الحجاب ونحو ذلك.
ثم يقول القرطبي: علمهم هذا الأدب أن يستأذنوا على أهليهم في هذه الأوقات الثلاثة؛ لأنها الأوقات التي تقتضي عادة الناس الانكشاف فيها، وملازمة التعري.
أي: من عادة الإنسان أن يخلع ثيابه في تلك الأوقات، وقد يكون في وضع النوم أو نحو ذلك، فلا يتحرج من انكشاف عورته، فقبل الفجر وقت انتهاء النوم، وهو خروج من ثياب النوم ولبس ثياب النهار، ووقت ما بعد الظهيرة هو الوقت الذي يخلع فيه المرء ثياب النهار ويلبس ثياب البيت للراحة والقيلولة، وكذلك وقت ما بعد العشاء، فإنه وقت الاستعداد للنوم وتغيير الثياب، ولبس الخفيف منها مما لا يستثقله الإنسان، ولا يتحفظ منه في داخل بيته وبين أهله، فمن ثم جاء الاستئذان وتأكيده على هؤلاء الذين قد لا يكون الاستئذان عليهم واجباً في كل وقت، وإنما خص بهذه الأوقات لهذه المعاني.
وهذه وقفة أولى، وكما قلت: وقفاتنا متنوعة ولا يجمعها إلا هذه الثلاثيات، وفي الآيات غير هذا وإن كان غير مصرح به، لكني اكتفيت بهذه الآية.
стр. 2341
ثلاث دعوات مستجابات
أما في سنة النبي ﷺ فالأحاديث في هذا الشأن أيضاً كثيرة، نذكر بعضاً منها مما يحصل التنبيه عليه والتذكير به، فهذا حديث أبي هريرة يرويه البيهقي في شعب الإيمان عن رسول الله ﷺ أنه قال: (ثلاث دعوات مستجابات: دعوة الصائم، ودعوة المظلوم، ودعوة المسافر).
وفي رواية عند البزار من حديث أبي هريرة أيضاً عن رسول الله ﷺ أنه قال: (ثلاثة حق على الله ألا يرد لهم دعوة: الصائم حتى يفطر، والمظلوم حتى ينتصر، والمسافر حتى يرجع).
قال الهيثمي عن بعض رجاله: لا أعرفه، وبقية رجاله ثقات.
هذا الحديث يخبرنا عن القطع بإجابة دعوة ثلاثة أصناف من الناس متلبسين بثلاثة أحوال، والغرض الذي نريد التنبيه عليه هو: لم جعل هذا الوعد والقطع بإجابة الدعاء لأولئك النفر الثلاثة أو الأنواع الثلاثة: الصائم حتى يفطر، والمظلوم حتى ينتصر، والمسافر حتى يرجع؟! لو سألنا سؤالاً: ما هو الأمر المشترك بين هؤلاء الثلاثة، الذي هو سر وعد الله بإجابة الدعاء؟ نقول: السر في هذا هو كمال التجرد لله ، والانقطاع عن الأسباب والخلق؛ لأن الله واحد فرد صمد، ويحب وحدانيته من عباده، ويحب إخلاص العبد له في عبوديته، وكلما كان القلب أكثر انقطاعاً عن الدنيا وعن الناس وعن الأسباب، وأكثر وثوقاً وتعلقاً بالله ، وأعظم تجرداً له جل وعلا، كان ذلك دليلاً على عظمة الإيمان وصدق التوكل وكمال الثقة بالله وشدة الافتقار له .
والعبودية إنما هي بمزيد التذلل والخضوع والانكسار والافتقار، والبراءة من الحول والطول، والاستناد إلى حول الله وقوته.
وهذا ابن القيم في فوائده يبين أن كل وجه من وجوه النقص في الإنسان يقابله وجه من وجوه الكمال، فكلما شعر المرء بنقص فيه، طلب ما عند الله بما له من صفات الكمال حيث يقول: ركبت من العجز لتنظر إلى عظيم قدرة الله ، وركبت من الفقر لتنظر إلى عظيم غنى الله ، وركبت من الضعف لتنظر إلى عظيم قوة الله .
وهكذا كل ضعف فيك فهو مقابل للكمال المطلق عند الله ، وهنا الصائم أساس عبادته كما نعلم لله؛ وذلك لقوله ﷺ : (كل عمل ابن آدم له، إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به).
فهو مخلص لله حيث تجرد وتنزه عن شهوته وعن طعامه وشرابه إخلاصاً لله ، ومحص النية له ، وعلق الأسباب به، وترك حاجة فرجه وحاجة بطنه وحاجة أنسه وراحته لله جل وعلا، وتعلق به أوثق تعلق.
والمظلوم لو كان بيده أن ينتصر من ظالمه لفعل، لكنه غالباً ما يكون مغلوباً على أمره عاجزاً أن يرد هذا الظلم ممن بغى عليه وبطش به وتكبر وتجبر عليه؛ لضعفه، فحينئذ هذا الضعيف لم يجد في قوته ولا في قوة غيره من ينصره ويرد عنه الظلم، وقد سدت في وجهه الأبواب، وأظلمت في وجهه الدنيا، وربما انتهك شيء من عرضه، وربما أهين في شرفه، وربما استلب ماله، فلم يجد أمامه طريقاً ولا باباً إلا باب السماء يطرقه، وإلا باب الدعاء يلهج به لله ، ولسان حاله يقول: لئن عدمت قوة الأرض ولئن عدمت أسباب البشر، فإن قوة الله وأسبابه لا تعدم، فيصل حباله بالسماء، ويمد يديه بالدعاء، ويكون قد انكسر في نفسه من أثر ما وقع عليه من الظلم، وشعر بشدة فقره وعظيم احتياجه وشدة لجئه لله .
ولذلك قال ابن تيمية ﵀ في المجلد الأول من فتاويه فيما قد يقع على الإنسان من البلاء فيدعو الله بكشف البلاء، قال: وربما أخر الله إجابة دعائه، فما يزال يدعو ويلح ويناجي وينادي حتى يجد من أثر لذة المناجاة وحلاوة الدعاء ما هو أعظم مما كان يسأله من تفريج البلاء، وهذه من ألوان العبودية، ولذلك قال النبي ﵊: (الدعاء مخ العبادة)، وقال: (الدعاء هو العبادة) كما في حديث آخر.
وهذا يدلنا على عظمة هذا الأمر.
قوله: (والمسافر حتى يرجع) أيضاً المسافر كما قال المناوي في فيض القدير: لأنه مستوفز مضطرب، قلما يسكن إلا إلى الرحل والترحال، وهو على وجل من الحوادث، فهو كثير الإنابة إلى الله ، فسره منفصل عن الأغيار، ومتعلق بالجبار.
أي: عن غير الله ، فالمسافر في جزع؛ لأنه ليس مستقراً مطمئناً، ويشعر أيضاً بالخوف من الطريق حتى مع وسائل النقل الحديثة، لو تأمل الإنسان وتدبر لوجد أن الذي يركب الطائرة معلق بين السماء والأرض، ما بين غمضة عين وانتباهتها لا يدري ما يحدث الله في هذه الوسائل، ونحن نسمع عن سقوط الطائرات، وعن تحطم القطارات ونحو ذلك، لكن غفلت القلوب وسهت العقول، نسأل الله السلامة والعافية.
إذاً: السفر ليس فيه طمأنينة، وإنما فيه نوع من الخوف والوجل، يجعل القلب دائماً يحتاج إلى الركون والسكون، فلا ركون ولا سكون إلا إلى الله ، فترى المسافر يدعو الله بالسلامة، ويدعو الله ببلوغ المنزل ووصول مبتغاه.
وهكذا الإنسان في هذه الدنيا مسافر، فلو حقق ما يكون في سفره المعتاد في دنياه من التعلق بالله والخوف والوجل وعدم الاستقرار والطمأنينة والركون إلى هذه الدنيا، لكان حقاً مسافراً إلى الله وإلى رضوانه وطلب مبتغاه؛ لأن المسافر ينبغي ألا يكون ساكناً بل مضطرباً، وألا يكون على طمأنينة بل خائفاً، وكذلك لو كنت في هذه الدنيا على هذا المعنى لكان لك إجابة دعاء مستمرة.
فإذا كان هو في أثناء السفر القصير وعد بالإجابة، فإذا جعلت دنياك كلها دار سفر، وكنت فيها على هيئة المسافر، فإنه يرجى بإذن الله أن تكون مجاب الدعوة دائماً.
стр. 2342
ثلاث مهلكات
ننتقل إلى حديث آخر عن رسول الله ﷺ من رواية ابن عمر، وهو حديث يشمل عدداً من الثلاثيات، قال فيه ﵊: (ثلاث مهلكات، وثلاث منجيات، وثلاث كفارات، وثلاث درجات: فأما المهلكات: فشح مطاع، وهوى متبع، وإعجاب المرء بنفسه.
وأما المنجيات: فالعدل في الغضب والرضا، والقصد في الفقر والغنى، وخشية الله في السر والعلانية.
وأما الكفارات: فانتظار الصلاة بعد الصلاة، وإسباغ الوضوء على السبرات، ونقل الأقدام إلى الجماعات.
وأما الدرجات: فإطعام الطعام، وإفشاء السلام، والصلاة بالليل والناس نيام) حديث حسن رواه الطبراني في معجمه الأوسط.
وهو حديث عظيم النفع غزير المعاني، فقوله: (فأما المهلكات: فشح مطاع، وهوى متبع، وإعجاب المرء بنفسه) أما الهوى فإنه يهوي بصاحبه، والهوى: هو ميل الطبع والنفس إلى مشتهاها ولذتها ومرادها، والنفس إن لم تشغلها بالطاعة شغلتك بالمعصية، وفي النفوس فطرة وميل لبعض المحبوبات من الأمور المذمومة أو المحرمة، والهوى لا يختص بالمأخوذات والمتناولات من الملذات والشهوات، بل يدخل في أمور العلم، وفي أمور الآراء، وفي أمور الأفكار، فإن صاحب الهوى لجوج متبع لمقتضى مراده وإن خالف الحق والعياذ بالله .
إن الذي يتفكر في هذه المعاني الكثيرة يجد أن أمرها جد خطير، فالنبي ﵊ بدأ بالتحذير من المهلكات والتخويف من شرها وضررها، فقال: (وهوى متبع) أي: هذا الهوى يتبعه صاحبه وإن خالف الحق.
قوله: (وشح مطاع) والشح: هو البخل، والنفس في طبعها بعض الحرص، وفي طبعها شيء من الطمع، وفي طبعها حب التملك، قال الله : ﴿هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلَى﴾ [طه:١٢٠].
هذا في أصله ليس بمذموم، لكن المذموم هو الشح المطاع بأن يطيع نفسه فيما يتعلق بهذا الشح، كأن يمنع حق الله من الزكاة، أو من الصدقة، أو من أداء الدين أو نحو ذلك، فهذا الشح المطاع هو الذي يطيعه صاحبه في منع الحقوق التي أوجبها الله في ماله.
إذاً: الشح المذموم هو الذي يقع في الممارسة العملية به منع للحقوق، والشح إذا أطاعه صاحبه وقع في هذه المهلكة، وأنت ترى كل من غلبته نفسه في شأن البخل وفي شأن الشح أنه مذموم عند الناس، وكيف أن الهم والغم قد أثرا في نفسه، ولا يهنأ بنعمة الله له، ولا بماله، فترى البخيل عنده الأموال، لكنه لا ينفق منها على نفسه، بل يقتر على نفسه وعلى أهله، فتكون النعمة عليه نقمة والعياذ بالله، هذا في الدنيا، أما ما وراء ذلك في الآخرة فالأمر أعظم وأشد.
والأمر أيضاً على التدرج؛ لأن في آخره يقول النبي ﵊: (وإعجاب المرء بنفسه) وهذه داهية دهياء ومصيبة عمياء.
الغرور والإعجاب بالنفس فيه مآخذ عدة منها: أن المغتر متكبر، والنبي ﵊ قال: (لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال ذرة من كبر).
ومنها: غمط الناس وانتقاص أقدارهم، وهذا ظلم آخر وتعد آخر وجرم ومعصية أخرى.
ومنها: غمط الحق كما وصف النبي ﷺ الكبر، أي: التعالي عن الحق وإن ظهر دليله وإن سطع برهانه.
ومنها: أن الإعجاب بالنفس يقود والعياذ بالله إلى اللجاج، وقد قال الله : ﴿فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام:٣٣] هل جحدوا لنقص في الأدلة، أو لعدم وجود المعجزة، أو لعدم شيء مما يحتاجون إليه من برهان نفسي أو مادي؟! لم يكن من ذلك شيء؛ لأنهم قد وجدوا الأدلة والبراهين متنوعة في كل وقت وآن، ومع ذلك ما صدهم عن اتباع أمر الله والدخول في الإيمان بالله إلا كبر النفوس والإعجاب والغرور، كما روي عن أبي جهل عليه لعنة الله أنه قال: كنا وبنو هاشم كفرسي رهان، كان لهم كذا فلنا كذا، ولهم كذا فلنا كذا، أي من الشرف، قال: حتى إذا تجاثينا على الركب وتساوينا قالوا منا نبي؛ فمن أين لنا بنبي، فوالله لا نصدقه الدهر كله.
فالمسألة مسألة عناد ولجاج، ومسألة إعجاب وغرور، وكذا قال أصحاب مسيلمة الكذاب: والله لكاذب ربيعة أحب إلينا من صادق مضر.
هكذا قالوا اتباعاً للأهواء، وإعجاباً بالآراء، قال القرطبي في معنى قوله: (وإعجاب المرء بنفسه): هو ملاحظة لها بعين الكمال والاستحسان، أي: ينظر إلى نفسه بعين العجب والغرور.
ثم يقول: أما الكلام فليس أعلى منها في البلاغة، وأما الأفعال فليس أعلى منها في الحكمة، وأما الأحوال فليس أعلى منها في الرتبة، فلا يفعل شيئاً، ولا يقول شيئاً، ولا يحجم عن شيء إلا وهو يرى أنه قد أتى وفعل ما هو في غاية الكمال والاستحسان، مع نسيان منة الله .
فإذا وقع نظره على غير احتقره، وهو الكبر.
وقال الغزالي ﵀: أحذرك ثلاثاً من خبائث القلب هي الغالبة على متفقهة العصر: وهي الحسد، والرياء، والعجب، فاجتهد في تطهير قلبك منها، فإن عجزت عن ذلك فأنت عن غيره أعجز، ولا تظن أنه يسلم لك نية صالحة في تعلم العلم وفي قلبك شيء من الحسد والرياء والعجب، أما الحسد فهو الذي يشق عليه إنعام الله على عبد من عباده بمال أو علم أو محبة أو حظ حتى يحب زوالها عنه، وإن لم يحصل له شيء، فهو المعذب الذي لا يرحم أبداً.
وسمعت مرة للشيخ القطان حفظه الله كلاماً جميلاً يقول فيه: الحسود لا يمكن أن يرتاح؛ لأن نعم الله دائماً في نزول على الناس، فإذا نزلت نعمة على هذا حسده، واهتم لها قلبه، وانشغل بها فكره، وأظلمت لها نفسه، فإذا زالت جاءت نعمة أخرى، فلا يزال هو في شقاء وفي عذاب مستمر لا ينقطع من أجل هذا الأمر والعياذ بالله، ولذلك ينبغي أن يتنبه الإنسان إلى هذه المآخذ والمسالك.
ثم هذا الإعجاب كما قلنا يئول بالمرء إلى الاعتزاز برأيه، وعدم الانصياع للحق، وهذا أمر ينبغي التنبه له.
стр. 2343
ثلاث منجيات
وأما المنجيات فقد قال النبي ﷺ : (العدل في الغضب والرضا) ومن كان عادلاً في الغضب والرضا، فمعنى ذلك أن حكمه كان للحق وليس للهوى، وأن حكمه كان للعدل وليس لذات النفس؛ لأن من كان يحكم لنفسه أو لهواه، فإن حكمه سيتغير بين هذه الحالة وبين تلك، ولذا يقول المناوي: فإذا عدل فيهما صار القلب ميزاناً بالحق، لا يستفزه الغضب، ولا يميل به الرضا، فكلامه للحق لا للنفس، وهذا عجيب جداً.
أي: وهذا عجيب جداً في الواقع، كم من الناس من ينصفك من نفسه إذا كان الحق عليه؟! وكم من الناس يعدل إذا كان في العدل فوات بعض مصلحته؟! ولذلك كان من كلام عمر بن عبد العزيز في وصف الرجل الحق: أنه إذا غضب لم يخرجه غضبه عن الحق، وإذا رضي لم يدخله رضاه في الباطل.
وهذا لا يكون إلا بإيمان صادق، والتزام دقيق، ومراقبة لله شديدة، والنفوس ميالة إلى ملذاتها وشهواتها، بل حتى أحياناً قد يظلم الظالم في حكمه، ويجنح عن العدل، لا لمصلحة نفسه، ولكن لمصلحة قريب أو حبيب أو صاحب، وهكذا يضيع العدل، وإذا ضاع العدل وجد الظلم، وإذا وجد الظلم وجدت الشحناء والبغضاء، وإذا وجدت الشحناء والبغضاء، كان الاختلاف والاختصام، وإذا وجد هذا كان التنازع والاقتتال، وضاعت سمة أهل الإسلام، سمة الأخوة والإنصاف.
ولذلك نبه النبي ﷺ على هذا بقوله: (والقصد في الغنى والفقر) القصد هو التوسط في الإنفاق، سواءً كان غنياً أو فقيراً، ودائماً التقديم للأولى، فإذا عدل في الغضب فمن باب أولى أنه سيعدل في الرضا، وإذا اقتصد في الغنى فمن باب أولى أنه سيقتصد في الفقر، والاقتصاد لب المعيشة كما يقولون، وبعض الناس ابن يومه، فإذا جاءته نعمة أو جاءه بعض المال ذهب مباشرة واشترى به كذا وكذا وبدد المال، فإذا جاء اليوم الثاني لم يكن عنده ما ينفقه، لأنه ما ادخره في أمسه حتى يكون نافعاً له في يومه، وكذلك أمر الإسراف.
والإسراف: هو وضع الشيء في غير موضعه، أو السفه الذي فيه تجاوز للحد الذي يتعارف عليه الناس مما يكون فيه تبديد للنعمة ووضع لها في غير موضعها، ولذلك قال الله : ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ﴾ [الإسراء:٢٧].
وقال الله : ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ [النساء:٥] ولذلك جاء الحجر على السفهاء الذين لا يحسنون التصرف في الأموال، ونحن نرى اليوم صوراً من ذلك عجيبة في دنيا المسلمين، قرأت في جريدة المدينة في الأسبوع الماضي مقالاً للدكتور عبد القادر طاش أسماه (عبث المليونيرات) والعهدة على كلامه، وهو يقول إنه نقل من بعض المصادر، ذكر فيه أن رجلاً من المسلمين تبرع بأربعة آلاف مليون جنيه لأحد نوادي الكرة في بريطانيا، ولو كان هذا المبلغ كله غير صحيح، ولكن عشره صحيح، ولو حتى واحد بالمائة منه صحيح، أليس هذا من السفه؟ أليس هذا من العبث؟ فهكذا يخبرنا النبي ﷺ أن المسلم إذا أراد النجاة في الدنيا فليحسن التصرف على هذا النهج الاقتصادي البديع، وذلك بأن يأخذ المال من حقه وأن يضعه وينفقه في حقه، حينئذ ينال النجاة والفلاح في الدنيا والآخرة، بهذا النهج الذي ذكره النبي ﷺ .
قوله: (وخشية الله بالسر والعلانية) معلوم أنه إذا خشي الله في السر فسيخشاه في العلن.
قال بعض أهل العلم: وفيه ذم لإظهار الخشية مع خلو الباطن منها، وورد عن عائشة ﵂ أنها لما رأت فتية يمشون متماوتين متمسكنين قالت: (من هؤلاء؟ قالوا: عباد نساك، قالت: كان عمر إذا قال أسمع، وإذا مشى أسرع، وإذا ضرب أوجع، وكان والله هو الناسك حقاً).
ورأى ابن مسعود رجلاً مُطأطئاً رقبته، أي: متخشعاً كما قد نرى في صور بعض منا أحياناً، فقال له: (يا صاحب الرقبة! ارفع رقبتك إنما الخشوع خشوع القلب) أي: الخشية الحقيقية هي مراقبة الله في السر، وبعد ذلك يظهر أثرها تلقائياً في العلن، فهذه المنجيات.
стр. 2344
ثلاث كفارات
وأما الكفارات فهي ما يكفر بها الذنوب، وقد قال ﵊ في شأنها: (انتظار الصلاة بعد الصلاة، وإسباغ الوضوء على المكاره) وفي بعض الروايات: (على السبرات).
أي: في شدة البرد.
سبرات على وزن سجدات.
قوله: (ونقل الأقدام إلى الجماعات).
ولو تأملنا أيها الإخوة الأحبة في هذه الكفارات لوجدنا أنها كلها تتصل بالصلاة، من انتظار لها واستعداد لها بالوضوء، وانتقال إليها إلى المسجد، وهذا يدل على تعظيم شأن الصلاة، كما قال النبي ﵊: (أرأيتم لو أن نهراً غمراً يجري في باب أحدكم يغتسل منه كل يوم خمس مرات، هل يبقى من درنه شيء؟ قالوا: لا يا رسول الله! قال: فذلك مثل الصلوات الخمس يمحو الله بهن الخطايا).
стр. 2345
ثلاث درجات
قوله: (وأما الدرجات: فإطعام الطعام، وإفشاء السلام، والصلاة بالليل والناس نيام).
إذاً: هذه فيها حكمة أيضاً؛ لأن جزءاً كبيراً منها يتعلق بالعبادات المتعدية التي تنتقل إلى الآخرين، مثل إطعام الطعام للفقراء وللمحتاجين وللضيوف، فهذا من رفع الدرجات عند الله .
قوله: (وإفشاء السلام) أي: على من عرفت ومن لم تعرف، فهذا حق من حقوق المسلم على المسلم.
قوله: (والصلاة بالليل والناس نيام) هذا غالباً لا يكون إلا عن إيمان وقصد في الطاعة، وقصد في رضا الله ؛ لأن الناس نائمون، أي: قد قضوا حاجاتهم فسكنوا إلى بيوتهم، أو تعبوا فركنوا إلى راحتهم وهكذا.
стр. 2346
ثلاثة حق على الله عونهم
ننتقل إلى حديث النبي ﷺ الذي يرويه أبو هريرة، وهو في مسند الإمام أحمد وفي سنن الترمذي والنسائي وهو عند الحاكم في مستدركه، والبيهقي في سننه أيضاً عن النبي ﵊ أنه قال: (ثلاثة حق على الله عونهم: المجاهد في سبيل الله، والمكاتب الذي يريد الأداء، والناكح الذي يريد العفاف).
أركز في هذا الحديث على معنيين؛ لأن المكاتبة ليست موجودة في عصرنا كثيراً، ومعناها أن العبد يكاتب سيده على مال حتى يشتري نفسه ويعتقها.
المعنى الأول: أن الله تكفل بعون المجاهد الذي يقصد إعلاء كلمة الله ، فإن تخلينا عنه فنحن الذين نخسر؛ لأن الله معينه وإن عارضه الآخرون وضيقوا عليه سبل الجهاد، ولأنهم في آخر الأمر سيتحقق فيهم وعد الله جل وعلا: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [الأنفال:٣٠].
إذاً: إذا أراد المجاهد أن يجاهد في سبيل الله، فالله سيسهل له ويعينه وييسر عليه بإذنه ، فإن نازعته نفسه أو ركنت به إلى الدنيا أعانه الله، وإن نازعته الزوجة والأبناء أعانه الله، وإن شق عليه أمر الجهاد أعانه الله، وإن وجد من معاداة الأعداء شدة وبلاءً أعانه الله، وإن وجد من بعض إخوانه أو بعض المسلمين أو المتمسلمين خذلاناً ونكوصاً أعانه الله، ففي كل مرحلة عون الله متحقق.
المعنى الثاني: قوله: (والناكح يريد العفاف) أي: يعف نفسه عن الحرام الذي حرمه الله ، وقد أفاض العلماء في هذه الخصلة على وجه الخصوص؛ لأنها من الأمور الجبلية الفطرية المتكررة، والجهاد لا يكون مستمراً متكرراً، والمكاتبة تكون مرة واحدة ويعتق بعدها العبد، أما هذا فغالباً ما يكون الأمر مستمراً معه حتى يتحقق له الحلال الذي يعف به نفسه.
стр. 2347
ثلاثة لا يدخلون الجنة
نختم أيضاً ثلاثيات الكتاب والسنة بحديثه ﵊، الذي يرويه الطبراني في معجمه، من حديث عمار بن ياسر، ويرويه البيهقي في الشعب والحاكم في المستدرك، لكن من حديث ابن عمر، قال ﵊: (ثلاثة لا يدخلون الجنة أبداً: الديوث، والرجلة من النساء، ومدمن الخمر).
أما رواية ابن عمر في المستدرك فقال: (العاق لوالديه، والديوث، ورجلة النساء).
نعرف حرمة الخمر فلا نحتاج إلى التوسع في ذلك، أما عقوق الوالدين فأمره عظيم، لكن ما ابتلينا به أكثر أو ما ظهر التساهل والترخص فيه أكثر هو ما ذكره النبي ﷺ بقوله: (الديوث) وهو الذي يرى السوء في أهله فيتغافل عنه أو يرضى به.
ولذلك قال ابن القيم: هذا الحديث يدل على أن أصل الدين الغيرة، فمن لا غيرة له لا دين له.
الذي لا يغار لحرمات المسلمين التي تنتهك، ولا لأرضهم التي تستلب، ولا لشعائر الدين التي تحارب، هذا الذي ليس في قلبه غيرة ولا حمية ليس في قلبه دين، ولذلك تجد مثل هذا يرى السوء في أهله ثم لا ينكره أو يتغافل عنه أو يرضى به.
وهذا وللأسف متحقق في بعض بيئات المسلمين، فترى الرجل قد يرى زوجته وهي حاسرة الرأس، عارية الذراعين، مكشوفة الساقين، قد تلطخت بما جملت به نفسها، ثم إذا به يقدمها لأصدقائه ويعرفهم عليها، أو يفعل ما لا يمكن أن يقال في مثل هذا المقام، وهؤلاء ولا شك أنهم معنيون بهذا الحديث ومقصودون به، ويشملهم شمولاً أولياً ظاهراً بيناً لا شك فيه؛ لأن هذا هو التعريف الذي ذكره العلماء، وأصله من ديوثة الإبل أو الجمل إذا روضته وذللته بحيث يكون ذليلاً يقبل ما تريد منه، وكذا هذا الديوث الذي يرى السوء في أهله، أو يرى مخالفة أهله لأمر الله فيتهاون، ويروض نفسه حتى يتعايش مع هذه المنكرات والعياذ بالله! قال العلماء في هذا: من كان يظن بأهله الفاحشة ويتغافل لمحبتها، فيصدق فيه هذا الوصف، ولذلك يقول ابن القيم: أصل الدين الغيرة، ومن لا غيرة له لا دين له، والغيرة تحمي القلب وتحمي الجوارح، وترفع السوء والفواحش، وعدمها يميت القلب، فتموت الجوارح، فلا يبقى عندها دفع -أي: للمنكرات- والغيرة في القلب كالقوة التي تدفع المرض وتقاومه، فإذا ذهبت القوة كان الهلاك.
قوله: (والرجلة من النساء)، أي: المسترجلة من النساء، أو المتشبهة بالرجال، قال المناوي في فيض القدير: المتشبهة بالرجل في الزي والمهنة، لا في الرأي والحكمة؛ فإن مشابهة المرأة للرجل في الرأي والحكمة والعلم أمر محمود مطلوب.
ولذلك تجد بعض النساء تريد أن تتشبه بالرجال لا في العلم ولا في الحكمة، ولا في مواضع الخير التي يشترك فيها الرجال والنساء، وإنما تتشبه بالرجال في اللباس، وفي الاختلاط، وفي المهنة.
ونحن نعرف أيضاً أن هذا الذي ذمه النبي ﷺ صار منتشراً في كثير من بيئات المسلمين، وخاصة البيئات الإعلامية، فتراهم يفتخرون ويقولون: أول امرأة عربية أو مسلمة تفعل كذا وكذا، أو تعمل في مجال كذا وكذا من المجالات التي لا تصلح إلا للرجال، ولا يمكن أن تتحقق إلا بالاختلاط ونحو ذلك، ثم يجرون معها المقابلات، ويسألونها عن تجربتها وريادتها، والصعوبات التي واجهتها، إلى آخر ذلك مما نعرفه أيضاً.
стр. 2348
ثلاثيات من الآثار والأخبار والحكم
ننتقل إلى ثلاثيات من الآثار والحكم، وأذكر منها مجموعات بعضها مع بعض حتى نضم القرين إلى القرين.
стр. 2349
ثلاثيات تتعلق بالأخوة والصحبة
وهذه بعض الثلاثيات في شأن العلاقات والأخوة بين الناس، قال ميمون بن ميمون: أول المروءة: طلاقة الوجه، والثاني: التودد، والثالث: قضاء الحوائج.
قال بعض الحكماء: الإخوان ثلاث طبقات، وتأملوا هذه الكلمة فإنها جميلة، قال: طبقة كالغذاء لا يستغنى عنها، وطبقة كالدواء لا يحتاج إليها إلا أحياناً، وطبقة كالداء لا يحتاج إليها أبداً.
وأيضاً عن مجاهد أنه قال: ثلاث يصفين لك ود أخيك: أن تبدأه بالسلام إذا لقيته، وتوسع له في المجلس، وتدعوه بأحب أسمائه إليه، وثلاث من العي -أي: الجهل-: أن تعيب على الناس، وأن ترى من الناس ما يخفى عليك من نفسك، وأن تؤذي جليسك فيما لا يعنيك.
فهذه كلها في شأن علاقات الإخوان فيما بينهم.
إذاً: من المروءة كما قال ميمون هنا: طلاقة الوجه، ثم التودد، ثم قضاء الحوائج، وطلاقة الوجه نعلم أن النبي ﵊ قال عنه: (تبسمك في وجه أخيك صدقة) وكان النبي ﷺ إذا رأى بعض أصحابه تتهلل أسارير وجهه فرحاً، فهذا كأنه العنوان، إذا أطلقت وجهك بالسماحة والرضا والابتسامة، فكأنك تشجع هذا على أن يقبل عليك أو يسألك أو يسلم عليك، لكن إذا قدمت عليه ورأى جبينك مقطباً، ونظرك إليه شزراً وكأنه قد دهمك من الهم والغم لرؤيته شيء كثير، فلا شك أنه ستنقبض نفسه منك، ولا يكون بعد ذلك سلام ولا كلام، ولو صار كلاماً فإنه لا قيمة له، بل مجاملة باردة جافة ليس فيها صدق المودة، ولا حقيقة الأخوة والتودد والتلطف بالكلام الطيب، بالإحسان، بالإكرام، بالتقديم والإجلال، فإن هذا من الأمور التي يحسن من الناس مراعاتها.
وبعض الملتزمين أحياناً يرى أن الشدة أمر مطلوب، فإذا تكلم لا يتكلم إلا جزلاً، وإذا صافح لا يصافح إلا بشدة، وإذا عامل لا يعامل إلا بنوع من الاحتراز والتحفظ الشديد، وهذه يبوسة ليست مطلوبة، وجفاف غير مرغوب فيه، لقد كان النبي ﷺ هيناً ليناً سمحاً بشوشاً ودوداً، وهكذا ينبغي أن يكون المسلم، يقول : ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة:٥٤].
أخي! إذا لقيت بعض المقصرين فلن له، فلعل لينك يكون سبباً إلى وداده لك وتقديره لك، ومما يجعله يستمع لدعوتك ونصحك.
وبعد ذلك تأتي الظواهر من قضاء الحوائج، فإذا أصابت أخاك المسلم مصيبة، أو احتاج إلى مساعدة، فتقضي له حاجته، وهذه الأمور لها فضائل وأجور عظيمة، ففي حديث النبي ﵊: (من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه).
وقد طبق النبي ﵊ هذا في مواقف كثيرة، ومنها حينما جاءه قوم من مضر وقدموا عليه ﵊ فحث الناس على الإنفاق، ولا نريد أن نطيل في هذا الحديث.
وأما طبقات الإخوان: فنوع كالغذاء لا يستغنى عنه، فأنت كل يوم تحتاج إلى الطعام والشراب، فكذلك أنت تحتاج إلى الإخوان الذين يذكرونك بالله، ويسرون عنك إذا أصابك هم وغم، ويكونون معك على ما يحب الله ورسوله ﷺ ، فهؤلاء كالغذاء لا يمكن أن تستغني عنهم، لا بد أن يكون لك من أصحابك وخلانك أهل صدق وأهل إيمان وأهل دعوة، إذا نسيت ذكروك، وإذا ذكرت أعانوك، ويكون أحدهم بالنسبة لك كالمرآة كما قال ﵊، ترى فيه قصور نفسك، وترى فيه خلل كلامك، وترى فيه قصور تصرفاتك، ولا يكون منك ومنه إلا كما قال ﵊: (المسلم للمسلم كاليدين تغسل إحداهما الأخرى) فمثل هذا الأخ زينة في الرخاء وعدة في البلاء، إذا لقيته فعض عليه بالنواجذ.
الثاني: كالدواء تحتاج إليه في وقت معين، وهذا ممن قد تستفيد منه لكن لا تتمكن من مخالطته ودوام صحبته، فمثلاً العلماء لا يكون من السهل دائماً أن تكون مخالطاً لهم، لكن العالم تحتاجه، فإذا عن لك سؤال فقهي أو مسألة ذهبت إليه فسألته، أو إذا احتجت من شخص معين إلى حاجة هو فيها مختص وهو بها عالم فإنك تذهب إليه وهكذا.
الصنف الثالث: كالداء، أي: المرض، لابد أن تأخذ تطعيماً عند المرض؛ لأن الاحتراز من المرض أمر مطلوب، كذلك الحجر الصحي، ومنع الاختلاط، وعدم استخدام الأدوات حتى لا تنتقل العدوى، فهؤلاء الذين عندهم القيل والقال، وغيبة الناس وذمهم، وإيغار الصدور، وتأجيج نيران الحقد بين الناس، والسعي بين الناس بالنميمة.
أو صنف آخر: وهم الذين لا تسمع منهم خيراً، ولا تسمع منهم إلا التهييج على الشهوات والمحرمات، والترغيب في ارتكاب المعاصي والمنكرات، فهؤلاء داء ومرض، إذا اقتربت منهم لا تسلم أن تصيبك عدوى، فتقع فيما هم واقعون فيه.
كذلك من صفاء الود البدء بالسلام، والتوسيع في المجلس، والدعاء للإخوة بأحب الأسماء إليهم.
أما العي فهو نوع من الداء الذي ذكرناه: أن تعيب على الناس، وأن ترى من الناس ما يخفى عليك من نفسك، وأن تؤذي جليسك فيما لا يعنيك، وهذه جملة وافرة في هذا المعنى، والأقوال فيها أيضاً كثيرة.
стр. 2350
ثلاثيات تتعلق بالزهد في الدنيا
ثلاثيات أخرى نأخذها في باب آخر، وهو: باب الصلة بالدنيا والزهد فيها أو التعلق بها: عن يحيى بن معاذ الرازي وكان من الصالحين ومن العباد، قال: طوبى لمن ترك الدنيا قبل أن تتركه، وبنى قبره قبل أن يدخله، وأرضى ربه قبل أن يلقاه.
وفي هذا المعنى مقالة أخرى قريبة منها لـ إبراهيم بن أدهم وكان من الزهاد العباد أيضاً، وسئل: كيف أخذت بهذا الزهد وسلكت هذا المسلك؟ فقال: بثلاثة أشياء: رأيت القبر موحشاً وليس معي مؤنس، ورأيت الطريق طويلاً وليس معي زاد، ورأيت الجبار قاضياً وليس معي حجة.
وقال بعضهم في هذا المعنى أيضاً: إذا أراد الله بعبد خيراً فقهه في الدين، وزهده في الدنيا، وبصره بعيوب نفسه.
فهذه المعاني أيها الإخوة الأحبة! هي تذكير لنا فيما يتعلق بنظرنا إلى الدنيا وصلتنا بها وعملنا فيها، فإن الذي يتفكر في هذه الحياة الدنيا وحقيقتها وسرعة زوالها وانقضائها، وكثرة شقائها وعنائها، وذهاب وفناء لذاتها وشهواتها، وأن وراءها قبراً، وأن وراءها حياة برزخية، وأن وراء ذلك حساباً ووقوفاً بين يدي الجبار؛ من أدرك ذلك عرف أن السعادة له فيما قاله يحيى بن معاذ: طوبى لمن ترك الدنيا قبل أن تتركه، والمقصود بالترك هنا ليس ترك المباحات وليس ترك أسباب المعاش، وإنما ترك التعلق والانشغال والانغماس والدوران في هذه الدنيا، كما قال ﵊: (تعس عبد الدينار، تعس عبد الخميصة، تعس عبد الخميلة، تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش).
هذا الذي لم يعد له هم إلا دنياه، ولم يعد له تفكير إلا فيها، ولم يعد له سعي ولا جهد إلا في تحصيلها، ولم تعد له خصومة ولا نزاع إلا في الحصول على حطامها، وكم من الناس اليوم في هذا الميدان، نسأل الله أن يسلمنا.
أما قوله: وبنى قبره قبل أن يدخله، أي: بالعمل الصالح، وبالاستغفار، والاستعاذة من عذاب القبر، وبالصلوات والدعوات.
وقوله: وأرضى ربه قبل أن يلقاه، أي: بما يعمل من الخير، وما يخلص فيه من الطاعات والأعمال الصالحة، وبمعنى ذلك أيضاً: وحشة القبر فلا أنيس إلا العمل الصالح، وطول الطريق فلا زاد إلا العمل الصالح، والوقوف بين يدي الجبار ولا حجة إلا العمل الصالح.
فهذا الذي ينبغي أن نتذكره.
وقوله: إذا أراد الله بعبد خيراً فقهه في الدين، أي: فقاده الفقه في الدين إلى الزهد في الدنيا، وقاده هذا الفقه في الدين أيضاً إلى أن بصره بعيوب نفسه.
следующие страницы →