Полный текст (2 691 стр.). Показаны 2346–2385 · переход к 2351.
стр. 2346
ثلاثة حق على الله عونهم
ننتقل إلى حديث النبي ﷺ الذي يرويه أبو هريرة، وهو في مسند الإمام أحمد وفي سنن الترمذي والنسائي وهو عند الحاكم في مستدركه، والبيهقي في سننه أيضاً عن النبي ﵊ أنه قال: (ثلاثة حق على الله عونهم: المجاهد في سبيل الله، والمكاتب الذي يريد الأداء، والناكح الذي يريد العفاف).
أركز في هذا الحديث على معنيين؛ لأن المكاتبة ليست موجودة في عصرنا كثيراً، ومعناها أن العبد يكاتب سيده على مال حتى يشتري نفسه ويعتقها.
المعنى الأول: أن الله تكفل بعون المجاهد الذي يقصد إعلاء كلمة الله ، فإن تخلينا عنه فنحن الذين نخسر؛ لأن الله معينه وإن عارضه الآخرون وضيقوا عليه سبل الجهاد، ولأنهم في آخر الأمر سيتحقق فيهم وعد الله جل وعلا: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [الأنفال:٣٠].
إذاً: إذا أراد المجاهد أن يجاهد في سبيل الله، فالله سيسهل له ويعينه وييسر عليه بإذنه ، فإن نازعته نفسه أو ركنت به إلى الدنيا أعانه الله، وإن نازعته الزوجة والأبناء أعانه الله، وإن شق عليه أمر الجهاد أعانه الله، وإن وجد من معاداة الأعداء شدة وبلاءً أعانه الله، وإن وجد من بعض إخوانه أو بعض المسلمين أو المتمسلمين خذلاناً ونكوصاً أعانه الله، ففي كل مرحلة عون الله متحقق.
المعنى الثاني: قوله: (والناكح يريد العفاف) أي: يعف نفسه عن الحرام الذي حرمه الله ، وقد أفاض العلماء في هذه الخصلة على وجه الخصوص؛ لأنها من الأمور الجبلية الفطرية المتكررة، والجهاد لا يكون مستمراً متكرراً، والمكاتبة تكون مرة واحدة ويعتق بعدها العبد، أما هذا فغالباً ما يكون الأمر مستمراً معه حتى يتحقق له الحلال الذي يعف به نفسه.
стр. 2347
ثلاثة لا يدخلون الجنة
نختم أيضاً ثلاثيات الكتاب والسنة بحديثه ﵊، الذي يرويه الطبراني في معجمه، من حديث عمار بن ياسر، ويرويه البيهقي في الشعب والحاكم في المستدرك، لكن من حديث ابن عمر، قال ﵊: (ثلاثة لا يدخلون الجنة أبداً: الديوث، والرجلة من النساء، ومدمن الخمر).
أما رواية ابن عمر في المستدرك فقال: (العاق لوالديه، والديوث، ورجلة النساء).
نعرف حرمة الخمر فلا نحتاج إلى التوسع في ذلك، أما عقوق الوالدين فأمره عظيم، لكن ما ابتلينا به أكثر أو ما ظهر التساهل والترخص فيه أكثر هو ما ذكره النبي ﷺ بقوله: (الديوث) وهو الذي يرى السوء في أهله فيتغافل عنه أو يرضى به.
ولذلك قال ابن القيم: هذا الحديث يدل على أن أصل الدين الغيرة، فمن لا غيرة له لا دين له.
الذي لا يغار لحرمات المسلمين التي تنتهك، ولا لأرضهم التي تستلب، ولا لشعائر الدين التي تحارب، هذا الذي ليس في قلبه غيرة ولا حمية ليس في قلبه دين، ولذلك تجد مثل هذا يرى السوء في أهله ثم لا ينكره أو يتغافل عنه أو يرضى به.
وهذا وللأسف متحقق في بعض بيئات المسلمين، فترى الرجل قد يرى زوجته وهي حاسرة الرأس، عارية الذراعين، مكشوفة الساقين، قد تلطخت بما جملت به نفسها، ثم إذا به يقدمها لأصدقائه ويعرفهم عليها، أو يفعل ما لا يمكن أن يقال في مثل هذا المقام، وهؤلاء ولا شك أنهم معنيون بهذا الحديث ومقصودون به، ويشملهم شمولاً أولياً ظاهراً بيناً لا شك فيه؛ لأن هذا هو التعريف الذي ذكره العلماء، وأصله من ديوثة الإبل أو الجمل إذا روضته وذللته بحيث يكون ذليلاً يقبل ما تريد منه، وكذا هذا الديوث الذي يرى السوء في أهله، أو يرى مخالفة أهله لأمر الله فيتهاون، ويروض نفسه حتى يتعايش مع هذه المنكرات والعياذ بالله! قال العلماء في هذا: من كان يظن بأهله الفاحشة ويتغافل لمحبتها، فيصدق فيه هذا الوصف، ولذلك يقول ابن القيم: أصل الدين الغيرة، ومن لا غيرة له لا دين له، والغيرة تحمي القلب وتحمي الجوارح، وترفع السوء والفواحش، وعدمها يميت القلب، فتموت الجوارح، فلا يبقى عندها دفع -أي: للمنكرات- والغيرة في القلب كالقوة التي تدفع المرض وتقاومه، فإذا ذهبت القوة كان الهلاك.
قوله: (والرجلة من النساء)، أي: المسترجلة من النساء، أو المتشبهة بالرجال، قال المناوي في فيض القدير: المتشبهة بالرجل في الزي والمهنة، لا في الرأي والحكمة؛ فإن مشابهة المرأة للرجل في الرأي والحكمة والعلم أمر محمود مطلوب.
ولذلك تجد بعض النساء تريد أن تتشبه بالرجال لا في العلم ولا في الحكمة، ولا في مواضع الخير التي يشترك فيها الرجال والنساء، وإنما تتشبه بالرجال في اللباس، وفي الاختلاط، وفي المهنة.
ونحن نعرف أيضاً أن هذا الذي ذمه النبي ﷺ صار منتشراً في كثير من بيئات المسلمين، وخاصة البيئات الإعلامية، فتراهم يفتخرون ويقولون: أول امرأة عربية أو مسلمة تفعل كذا وكذا، أو تعمل في مجال كذا وكذا من المجالات التي لا تصلح إلا للرجال، ولا يمكن أن تتحقق إلا بالاختلاط ونحو ذلك، ثم يجرون معها المقابلات، ويسألونها عن تجربتها وريادتها، والصعوبات التي واجهتها، إلى آخر ذلك مما نعرفه أيضاً.
стр. 2348
ثلاثيات من الآثار والأخبار والحكم
ننتقل إلى ثلاثيات من الآثار والحكم، وأذكر منها مجموعات بعضها مع بعض حتى نضم القرين إلى القرين.
стр. 2349
ثلاثيات تتعلق بالأخوة والصحبة
وهذه بعض الثلاثيات في شأن العلاقات والأخوة بين الناس، قال ميمون بن ميمون: أول المروءة: طلاقة الوجه، والثاني: التودد، والثالث: قضاء الحوائج.
قال بعض الحكماء: الإخوان ثلاث طبقات، وتأملوا هذه الكلمة فإنها جميلة، قال: طبقة كالغذاء لا يستغنى عنها، وطبقة كالدواء لا يحتاج إليها إلا أحياناً، وطبقة كالداء لا يحتاج إليها أبداً.
وأيضاً عن مجاهد أنه قال: ثلاث يصفين لك ود أخيك: أن تبدأه بالسلام إذا لقيته، وتوسع له في المجلس، وتدعوه بأحب أسمائه إليه، وثلاث من العي -أي: الجهل-: أن تعيب على الناس، وأن ترى من الناس ما يخفى عليك من نفسك، وأن تؤذي جليسك فيما لا يعنيك.
فهذه كلها في شأن علاقات الإخوان فيما بينهم.
إذاً: من المروءة كما قال ميمون هنا: طلاقة الوجه، ثم التودد، ثم قضاء الحوائج، وطلاقة الوجه نعلم أن النبي ﵊ قال عنه: (تبسمك في وجه أخيك صدقة) وكان النبي ﷺ إذا رأى بعض أصحابه تتهلل أسارير وجهه فرحاً، فهذا كأنه العنوان، إذا أطلقت وجهك بالسماحة والرضا والابتسامة، فكأنك تشجع هذا على أن يقبل عليك أو يسألك أو يسلم عليك، لكن إذا قدمت عليه ورأى جبينك مقطباً، ونظرك إليه شزراً وكأنه قد دهمك من الهم والغم لرؤيته شيء كثير، فلا شك أنه ستنقبض نفسه منك، ولا يكون بعد ذلك سلام ولا كلام، ولو صار كلاماً فإنه لا قيمة له، بل مجاملة باردة جافة ليس فيها صدق المودة، ولا حقيقة الأخوة والتودد والتلطف بالكلام الطيب، بالإحسان، بالإكرام، بالتقديم والإجلال، فإن هذا من الأمور التي يحسن من الناس مراعاتها.
وبعض الملتزمين أحياناً يرى أن الشدة أمر مطلوب، فإذا تكلم لا يتكلم إلا جزلاً، وإذا صافح لا يصافح إلا بشدة، وإذا عامل لا يعامل إلا بنوع من الاحتراز والتحفظ الشديد، وهذه يبوسة ليست مطلوبة، وجفاف غير مرغوب فيه، لقد كان النبي ﷺ هيناً ليناً سمحاً بشوشاً ودوداً، وهكذا ينبغي أن يكون المسلم، يقول : ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة:٥٤].
أخي! إذا لقيت بعض المقصرين فلن له، فلعل لينك يكون سبباً إلى وداده لك وتقديره لك، ومما يجعله يستمع لدعوتك ونصحك.
وبعد ذلك تأتي الظواهر من قضاء الحوائج، فإذا أصابت أخاك المسلم مصيبة، أو احتاج إلى مساعدة، فتقضي له حاجته، وهذه الأمور لها فضائل وأجور عظيمة، ففي حديث النبي ﵊: (من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه).
وقد طبق النبي ﵊ هذا في مواقف كثيرة، ومنها حينما جاءه قوم من مضر وقدموا عليه ﵊ فحث الناس على الإنفاق، ولا نريد أن نطيل في هذا الحديث.
وأما طبقات الإخوان: فنوع كالغذاء لا يستغنى عنه، فأنت كل يوم تحتاج إلى الطعام والشراب، فكذلك أنت تحتاج إلى الإخوان الذين يذكرونك بالله، ويسرون عنك إذا أصابك هم وغم، ويكونون معك على ما يحب الله ورسوله ﷺ ، فهؤلاء كالغذاء لا يمكن أن تستغني عنهم، لا بد أن يكون لك من أصحابك وخلانك أهل صدق وأهل إيمان وأهل دعوة، إذا نسيت ذكروك، وإذا ذكرت أعانوك، ويكون أحدهم بالنسبة لك كالمرآة كما قال ﵊، ترى فيه قصور نفسك، وترى فيه خلل كلامك، وترى فيه قصور تصرفاتك، ولا يكون منك ومنه إلا كما قال ﵊: (المسلم للمسلم كاليدين تغسل إحداهما الأخرى) فمثل هذا الأخ زينة في الرخاء وعدة في البلاء، إذا لقيته فعض عليه بالنواجذ.
الثاني: كالدواء تحتاج إليه في وقت معين، وهذا ممن قد تستفيد منه لكن لا تتمكن من مخالطته ودوام صحبته، فمثلاً العلماء لا يكون من السهل دائماً أن تكون مخالطاً لهم، لكن العالم تحتاجه، فإذا عن لك سؤال فقهي أو مسألة ذهبت إليه فسألته، أو إذا احتجت من شخص معين إلى حاجة هو فيها مختص وهو بها عالم فإنك تذهب إليه وهكذا.
الصنف الثالث: كالداء، أي: المرض، لابد أن تأخذ تطعيماً عند المرض؛ لأن الاحتراز من المرض أمر مطلوب، كذلك الحجر الصحي، ومنع الاختلاط، وعدم استخدام الأدوات حتى لا تنتقل العدوى، فهؤلاء الذين عندهم القيل والقال، وغيبة الناس وذمهم، وإيغار الصدور، وتأجيج نيران الحقد بين الناس، والسعي بين الناس بالنميمة.
أو صنف آخر: وهم الذين لا تسمع منهم خيراً، ولا تسمع منهم إلا التهييج على الشهوات والمحرمات، والترغيب في ارتكاب المعاصي والمنكرات، فهؤلاء داء ومرض، إذا اقتربت منهم لا تسلم أن تصيبك عدوى، فتقع فيما هم واقعون فيه.
كذلك من صفاء الود البدء بالسلام، والتوسيع في المجلس، والدعاء للإخوة بأحب الأسماء إليهم.
أما العي فهو نوع من الداء الذي ذكرناه: أن تعيب على الناس، وأن ترى من الناس ما يخفى عليك من نفسك، وأن تؤذي جليسك فيما لا يعنيك، وهذه جملة وافرة في هذا المعنى، والأقوال فيها أيضاً كثيرة.
стр. 2350
ثلاثيات تتعلق بالزهد في الدنيا
ثلاثيات أخرى نأخذها في باب آخر، وهو: باب الصلة بالدنيا والزهد فيها أو التعلق بها: عن يحيى بن معاذ الرازي وكان من الصالحين ومن العباد، قال: طوبى لمن ترك الدنيا قبل أن تتركه، وبنى قبره قبل أن يدخله، وأرضى ربه قبل أن يلقاه.
وفي هذا المعنى مقالة أخرى قريبة منها لـ إبراهيم بن أدهم وكان من الزهاد العباد أيضاً، وسئل: كيف أخذت بهذا الزهد وسلكت هذا المسلك؟ فقال: بثلاثة أشياء: رأيت القبر موحشاً وليس معي مؤنس، ورأيت الطريق طويلاً وليس معي زاد، ورأيت الجبار قاضياً وليس معي حجة.
وقال بعضهم في هذا المعنى أيضاً: إذا أراد الله بعبد خيراً فقهه في الدين، وزهده في الدنيا، وبصره بعيوب نفسه.
فهذه المعاني أيها الإخوة الأحبة! هي تذكير لنا فيما يتعلق بنظرنا إلى الدنيا وصلتنا بها وعملنا فيها، فإن الذي يتفكر في هذه الحياة الدنيا وحقيقتها وسرعة زوالها وانقضائها، وكثرة شقائها وعنائها، وذهاب وفناء لذاتها وشهواتها، وأن وراءها قبراً، وأن وراءها حياة برزخية، وأن وراء ذلك حساباً ووقوفاً بين يدي الجبار؛ من أدرك ذلك عرف أن السعادة له فيما قاله يحيى بن معاذ: طوبى لمن ترك الدنيا قبل أن تتركه، والمقصود بالترك هنا ليس ترك المباحات وليس ترك أسباب المعاش، وإنما ترك التعلق والانشغال والانغماس والدوران في هذه الدنيا، كما قال ﵊: (تعس عبد الدينار، تعس عبد الخميصة، تعس عبد الخميلة، تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش).
هذا الذي لم يعد له هم إلا دنياه، ولم يعد له تفكير إلا فيها، ولم يعد له سعي ولا جهد إلا في تحصيلها، ولم تعد له خصومة ولا نزاع إلا في الحصول على حطامها، وكم من الناس اليوم في هذا الميدان، نسأل الله أن يسلمنا.
أما قوله: وبنى قبره قبل أن يدخله، أي: بالعمل الصالح، وبالاستغفار، والاستعاذة من عذاب القبر، وبالصلوات والدعوات.
وقوله: وأرضى ربه قبل أن يلقاه، أي: بما يعمل من الخير، وما يخلص فيه من الطاعات والأعمال الصالحة، وبمعنى ذلك أيضاً: وحشة القبر فلا أنيس إلا العمل الصالح، وطول الطريق فلا زاد إلا العمل الصالح، والوقوف بين يدي الجبار ولا حجة إلا العمل الصالح.
فهذا الذي ينبغي أن نتذكره.
وقوله: إذا أراد الله بعبد خيراً فقهه في الدين، أي: فقاده الفقه في الدين إلى الزهد في الدنيا، وقاده هذا الفقه في الدين أيضاً إلى أن بصره بعيوب نفسه.
стр. 2351
ثلاثيات من تجارب الحياة
ننتقل إلى النوع الثالث، وكما قلت: اتفق أن جعلنا هذه الثلاثيات ثلاثيات في أقسامها، وثلاثيات في مجاميعها، وثلاثيات في نصوصها ومضامينها، وكلها متفرقة.
ثلاثيات من تجارب الحياة، وهي عبارة عن بعض الرأي أو التجربة التي قد يستفيدها الإنسان في حياته، وهذا بعض ما أحببت أن أذكر به نفسي وإخواني مما قد يلمسه الإنسان من واقع الحياة.
стр. 2352
ثلاثية الإنجاز والعمل
الأولى: ثلاثية الإنجاز، بعض الناس يريد أن يعمل، ويريد أن يحقق الآمال، ويريد أن ينجب، ويريد أن يرتقي في بعض المراكز، وفي بعض الميادين، ولكنه يريد ذلك وهو نائم ملء عينيه، وضاحك ملء شدقيه، وهذا لا يمكن أن يكون: لا تحسب المجد تمراً أنت آكله لن تبلغ المجد حتى تلعق الصبرا الحياة لابد لها من كفاح، ولابد لها من جد، ولابد لها من عمل، كيف سيكون حاله وهو جالس في مكانه لم يعمل؟ يعني: مثل ما يقولون: مكانك سر، فهذا كما قال بعض الأدباء: الأماني بضاعة الموتى، أي: الحمقى، والأحمق هو الذي يقول: لو كان كذا، لو كان عندي كذا.
ويذكرون عن بعض الحمقى أنهم قد يذكرون الأماني وكأنها قد تحققت فيختلفون عليها فيتضاربون عليها، وهم ما زالوا في كلام وفي فراغ.
فالعمل والإنجاز لابد له من أمور، ولابد له من متطلبات، وهذه بعضها: وهي الإصرار والاستمرار والإخلاص إذا أردت أن تنجز عملاً، فلابد أن تكون قد حددت هدفك، وعرفت مقصدك، وتحريت الإخلاص، وحددت الغاية والثمرة المرجوة من هذا، وعلمت أن في هذا مصلحة شرعية ومصلحة دنيوية، حينئذ تصر على أن تحقق هذا العمل وأن تنجزه، وأما بعض الناس يريد أن يعمل، ولكن يقول: ولماذا هذا؟ يكفيني أقل منه، ويرضى بالدون، وكما قال المتنبي: ولم أر في عيوب الناس عيباً كنقص القادرين على التمام فينبغي للإنسان أن يصر على معالي الأمور، إذا رأى أمراً حسناً جيداً وهو من المعالي ومن الأمور العظيمة والكبيرة والجسيمة، فلابد له أن يصر على إنفاذه وتحقيقه ولا يرضى بالدون؛ لأن الدون يظهر أن همته ضعيفة، وأن عزمه كليل، وأنه ليس من أصحاب الجلد والقوة، فلابد من الإصرار، فإن فشلت تجربة لا يكتفي ويغلق الباب، ولو فشلت تجربة ثانية، وربما ثالثة، أو وجدت عوائق، لابد أن يكون مصراً، وكما ذكروا أن النملة الصغيرة مثل في الإصرار والدأب بشكل عجيب، فتراها إذا أرادت بلوغ الشيء وبلغت بعضاً منه أو أوله فإنها لا تركن ولا تخلد إلى الراحة، بل تستمر حتى تصل إلى النتيجة.
إذاً: على المرء ألا يرضى بالمنزلة التي هو فيها، وإذا أراد الاستمرار، فلابد له أيضاً من الحرص على الاسترواح حتى يتجدد نشاطه، وحتى تستجد له في كل يوم فكرة جديدة، وفي كل وقت تفريع جديد يقوده إلى تشغيل ذهنه، وإلى قوة رغبته في تحقيق هذه الأمور والمنجزات.
وهذه أمور لو نظرنا إليها في واقع الحياة لوجدناها، ولو نظرنا إليها في واقع التجارب القديمة والحديثة لوجدناها، فقل أن تجد إنساناً عصامياً أو قد نال مراتب عالية، أو قد بدأ من الصفر إلا وهو عنده إصرار عجيب، واستمرارية دائبة، وابتكار وتجديد مستمر لا يتوقف، وهذا هو الذي ينبغي أن يحرص عليه المسلم، لا أن يكون محباً للعجز والعمل اليسير؛ لأن كثيراً من الناس إذا كان العمل فيه دوام، فإنك تراه يبحث عن عمل أقل منه، ولو بأقل عوائد أو بأقل فوائد، فينبغي للإنسان أن يتنبه لهذا.
стр. 2353
ثلاثية التعامل
ثلاثية التعامل أعني بها: كيف تتعامل مع الناس في أمور الحياة المعتادة، وذكرت فيها ثلاثة أمور: البساطة، والصراحة، والسماحة.
أما البساطة: فهي البعد عن التكلف، وقد ورد في حديث النبي ﵊ الذي رواه الإمام أحمد في مسنده، والحاكم في مستدركه عن أبي أمامة (البذاذة من الإيمان).
والبذاذة معناها رثاثة الهيئة، وترك الترفه وإدامة التزين والتنعم في البدن والملبس، والمقصود بها ترك المبالغة في الأناقة والمظاهر.
نجد اليوم عند الناس مبالغة في العناية بالمظاهر عموماً، سواء مظاهر المركب، أو مظاهر الملبس، أو مظاهر المسكن، وضاع في ذلك كثير من الأموال.
فالإنسان اليوم هو مع نفسه شيء، وهو مع الناس شيء آخر، يلبس لهم لباساً، ويبني لهم مسكناً، وكأنه شيء آخر، وتعقدت الحياة بسبب ذلك، فلذلك تجد بعض الناس أصبح أسيراً للمظاهر، وإذا أنكرت عليه شيئاً أو وجهته إلى شيء يقول: كيف أصنع، لا أستطيع أن أترك هذا، أو لا أستطيع أن أفعل هذا! لماذا؟ يقول لك: سيقول الناس كذا، أقول: يا أخي! كن مع الناس على البساطة، فإذا جاءك الضيف فأعطه الجود من الموجود، والإكرام ليس في الطعام، وإنما الإكرام بالاستقبال والتقدير والاحترام، فهذه المبالغات التي شاعت بين الناس أعطوها من القدر والحجم ما هو زائد عن الحد، ولا أعني بذلك ترك الأمور المشروعة، فالمداراة والمجاملة في الأمور المعقولة المحدودة مطلوبة شرعاً، وإكرام الضيف، وحسن الهيئة، كل ذلك مطلوب، لكن المقصود به ألا يتجاوز الحدود؛ لأن عدم البساطة يؤدي إلى العجب والفخر والتكبر.
فإذا قصد بعدم مبالغته وتكلفه ألا يبخل في هذا الجانب، وأن يؤثر القصد والتوسط ونحو ذلك؛ فإن هذا أمر مطلوب ومحمود.
أما الصراحة فهي مهمة، وكما يقولون: الصراحة راحة، بعض الناس يتعود في معاملته للناس ألا يصارحهم، فيحرجونه بطلب شيء فلا يستطيع أن يقول: لا أستطيع، سبحان الله! يا أخي كن مع الناس بصراحة ووضوح مع الأدب ومع حسن العرض، ومع كمال الإجلال، ومع توافر الاحترام.
ولا تعني الصراحة البذاءة بحال من الأحوال؛ لأن الصراحة نوع من الصدق مع حسن المعاملة، لكن بعض الناس على حياء زائد عن الحد، فلا يملك أن يقول: لا، إذا كان لا يستطيع، ولا يملك أن يقول: نعم لشيء يريده أحياناً، فينبغي أن نتذكر حديث أسماء بنت يزيد لما قالت: (يا رسول الله! إحدانا تقول للشيء تشتهيه: لا أشتهيه، أيعد هذا كذباً؟ قال: إن الكذب يكتب كذباً حتى تكتب الكذيبة كذيبة).
فلماذا يا أخي تكلف نفسك ما لا تطيق، ولماذا تقول بلسانك ما ليس في قلبك، ولماذا تظهر من حالك ما ليس في الحقيقة؟! أضف إلى ذلك أن المجاملة التي تعارض هذه الصراحة تذهب أمراً مهماً، وهو واجب النصيحة، فالذي لا يتعود على الصراحة لا يستطيع أن ينصح؛ لأن الصراحة فيها إقامة للحق وبذل للنصح، فإذا كان لك صديق حبيب بينك وبينه مودة ومحبة، تجد أنك أحياناً تحرج منه، فيخطئ فلا تقول له إنك أخطأت، ويقع في أمور مشينة فلا تنصحه وتنبهه؛ لأنك لم تتعود على الصراحة، وكثيرون هم الذين يتعاشرون فترة طويلة من الزمن وليس بينهم صراحة، فلا يستفيد هذا من هذا، ولا هذا من هذا.
أما السماحة فمعلوم أن الأمور والحياة بطبيعتها فيها أخطاء، وفيها هفوات، فينبغي للإنسان أن يكون متجاوزاً عن الهفوات، مبادراً إلى مغفرة الزلات، وإلى العفو عما قد يكون من عبارات أو كلمات، ويكون سمحاً ودوداً يستوعب الآخرين، ويسعهم بأخلاقه، ورحابة صدره، وسعة حلمه، ووافر عقله؛ لأن بعض الناس قد تقوده الصراحة إلى نوع من الاحتكاك والشدة، نحن لا نريد ذلك، نريد أن تستقيم ثلاثية التعاون حتى تكون بسيطاً فلا تتكلف، صريحاً فلا تنافق وتداهن، وسمحاًَ فلا تتشدد، وهذه أيضاً أمور فيها من واقع الحياة شواهده كثيرة، وفوائده إن شاء الله أيضاً كثيرة.
نقف عند هذا الحد؛ حتى نستطيع أن نمر على بعض الأسئلة أو التعليقات، خاصة وأن بعضها يتعلق بالدرس من حيث هو، ومن حيث بدء استئنافه، ولعلي أن أنتهز الفرصة في تعليقي على بعض هذه الأسئلة، فيما يتعلق بالدرس في أوقاته القادمة إن شاء الله.
стр. 2354
الأسئلة
стр. 2355
طلب إلقاء دروس عن البدعة وغيرها
السؤال
كنت قد وعدت في دروس سابقة بدرس عن البدعة، ودرس عن كلام ابن القيم في الصواعق المرسلة، وهذا الوعد كان في رمضان في أثناء درس شرح لمعة الاعتقاد؟
الجواب
لا بأس أن يكون هناك إن شاء الله تعريج على الموضوع الأول؛ لأن موضوع البدعة موضوع كامل شامل هام، وكنت قد تعرضت له جزئياً في درس المنهج في حماية العقيدة، ذكرت فيه أربعة أبواب، منها: باب الردة، ومنها: باب الولاء والبراء، ومنها: باب الغلو، ومنها: باب خاص بالبدعة، ولكن لعلنا أن نأخذ هذه الاقتراحات.
стр. 2356
ذكر أسباب انقطاع الشيخ عن الدروس
السؤال
هذا أخ يقول إنه يتشوق للدروس، لكن يفاجأ بالانقطاع ويسأل عن السبب؟
الجواب
السبب كما يقولون باللهجة الدارجة: العين بصيرة واليد قصيرة، كانت هناك مشاغل وعوارض، أضف إلى ذلك سعينا إلى أن نجدد لكم اللقاء مع مشايخ متعددين، وكانت لنا في الأسابيع الماضية ثلاثة لقاءات كلها لم تتحقق، وثلاث محاضرات كلها لم تقع، طرأت ظروف لضيوفنا ومن دعوناهم، ولم يتحقق ذلك فكنا في انتظار، وكلما انتظرنا طال الأمد حتى بدأ الدرس بداية اضطرارية لا اختيارية.
стр. 2357
عدم منافاة الأخطاء التي تحصل أثناء الغضب للعدل إذا تيب منها
السؤال
الإنسان أحياناً يغضب، ويقول بعض الكلمات، ولكنه يتذكر ويستغفر، فهل هذا ينافي العدل في الغضب؟
الجواب
هذا لا ينافيه؛ لأن العدل المقصود به الحكم الذي تحكمه وتمضي عليه، أما كلمة ندت منك من غير قصد، أو خرجت عند انفعال ثم رجعت عنها فاستغفرت، فهذا هو سمت المؤمنين: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف:٢٠١]، وأيضاً: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران:١٣٥].
стр. 2358
الأضرار التي تصيب المحسود من الحاسد
السؤال
ما هي الأضرار التي قد تصيب المحسود؟
الجواب
النبي ﵊ قال: (العين حق) وقال في حديث آخر: (إن يكن شيء يسبق القدر فالعين) فالعين لها حقيقة ملموسة، وهذا حديث النبي ﵊ يؤكدها، واستعاذته ﵊ في دعائه: (وأعوذ بك من كل عين لامة) يدل على هذا أيضاً، والأمر الذي أمر به النبي ﵊ العائن حين جيء به إليه أمره أن يتوضأ، فأخذ فضل وضوئه ومائه وأمر المعيون أن يغتسل به، فبرئ من أثر تلك العين.
فهذا كله يدلنا على أن العين حق، ولذلك إذا رأيت نعمة أو رأيت شيئاً مما يعجب فقل دائماً: ما شاء الله تبارك الله، وادع لصاحبه بالخير، وادع الله أن يرزقك ما ينفعك، فإنك لا تدري إن رزقت الغنى هل تكون صالحاً وتبقى على طاعتك وخيرك وحرصك على رضوان الله ، أم تبطر وتطغى؟! فلذلك ينبغي للإنسان أن يدرك هذا، وذلك بأن يتجنب الحسد ويعود نفسه على السماحة والكرم في النفس وحب الخير للآخرين، كما قال ﵊: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه).
стр. 2359
حقيقة الاقتصاد في المعاش
السؤال
بعض الناس إذا اقتصد قال عنه الناس إنه بخيل، فماذا يصنع؟
الجواب
لا تلتفت إلى أقوال الناس، لكن انظر إلى ميزان الشرع، فهل بلغ بك الاقتصاد إلى البخل؟ فأنت أعرف بنفسك، يقول : ﴿بَلِ الإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ [القيامة:١٤] وهناك واجبات، وهناك ضروريات، وهناك تحسينيات، وهناك حاجيات، كل شيء له قدره، فينبغي للإنسان ألا تختلط عليه الأمور.
стр. 2360
واجب الحاسد تجاه المحسود بعد وقوع الحسد منه
السؤال
من وقع منه حسد، فماذا يصنع؟
الجواب
يكفي الاستغفار والتوبة إن شاء الله تعالى إن صدق وأخلص، وإن علم أو غلب على ظنه أن من أصابته هذه العين، وقد تضرر، فليكن سمحاً وليذهب إليه ويقول له: إني رأيت منك كذا وكذا، فوقع في نفسي، فربما كان ذلك مني، ويتوضأ كما أمر النبي ﵊، ويأخذ فضل ماء وضوئه ويعطيه للمعيون حتى يغتسل به، فيبرأ بإذن الله ، وهذا كان من فعل النبي ﵊.
стр. 2361
كثرة مواطن إجابة الدعاء
السؤال
هناك دعوة مستجابة لخاتم القرآن وغيره، لماذا لم تذكر ذلك؟
الجواب
نعم، نحن ذكرنا حديثاً واحداً، ولا يمنع أن هناك أحاديث أخرى فيها أصناف وأنواع وأعمال فيها يجاب الدعاء، فليس المقام مقام الحصر، وإنما هو مقام الذكر، فما ذكر لا يعني أن غيره خارج عنه.
стр. 2362
وجه تعلق مشاهدة الجنس عبر القنوات بالدياثة
السؤال
هل رؤية المشاهد المخزية من المشاهد الجنسية في القنوات الفضائية، وهذه الرؤية من الرجل وزوجته وبناته وأبنائه، هل الرضا بهذه المناظر من الدياثة، ويدخل في هذا الوعيد؟
الجواب
أقول والله أعلم: إن هذا من مثله ويدخل فيه؛ لأنه إذا لم يكن عنده غيرة أن ترى بناته هذه المناظر، أو يرى أبناؤه هذه الأمور المحرمة، فلا شك أن هذا ضعف في قلبه وغيرته، نسأل الله السلامة! ونسأل الله أن يوفقنا وإياكم، ونريد إن شاء الله أن نستفيد جميعاً، فإن كان لأحدكم ملاحظة أو تعليق، أو وجد فائدة في درس قد مضى، أو في درس يقترحه، فلا شك أن المسألة منكم وإليكم، ونحن يستفيد بعضنا من بعض، ونحمد الله جل وعلا، ونصلي ونسلم على رسوله محمد ﵊.
стр. 2363
طلاب الدنيا
لقد قص الله في القرآن أخبار أرباب الدنيا وطلابها، وبين مسالكهم وطرقهم في تحصيل لذاتها والتشبث بها، من المال والزينة، والسلطان والطغيان، وفتنة النساء والمسكرات والمخدرات، وقد حذر الله تعالى المؤمنين من الوقوع في فتن الدنيا؛ لأن ذلك انحراف عن منهج الله الذي يدعو إليه من العمل للآخرة، أما طلاب الدنيا فغايتهم الحصول عليها بأي وسيلة من الوسائل من حلال أو حرام، إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل.
стр. 2364
مسالك وطرق طلاب الدنيا
الحمد لله القوي القادر، العزيز القاهر، الأول والآخر، الباطن والظاهر، له الأسماء الحسنى، والصفات العلى، تفرد بالعزة والجلال، واتصف بالكمال ، نحمده كما يليق بجلاله وعظيم سلطانه، حمداً كما يحب ربنا ويرضى، حمداً نلقى به أجرًا، ويمحو الله به عنا وزرًا، ويجعله لنا نصراً.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، ختم به الأنبياء والمرسلين، وبعثه كافة للناس أجمعين، وجعله رحمة للعالمين، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى من تبعهم واقتفى أثرهم ونهج نهجهم إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين.
وأشهد أنه ﵊ قد بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، فجزاه الله خير ما جازى نبياً عن أمته، ورزقنا وإياكم اتباع سنته، وحشرنا يوم القيامة في زمرته.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: أيها الإخوة المؤمنون! طلاب الدنيا بها متعلقون، وإليها مشتاقون، ولها محبون ومريدون، ومشترون ومؤثرون، فهم في فلكها يدورون، وفي إثرها يجرون ويلهثون، وطريقهم هو المسار الثاني الذي يفصل بين الناس في هذه الحياة الدنيا: بين طلاب للآخرة وطلاب للدنيا.
وطلاب الدنيا قال الله في وصفهم: ﴿الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ﴾ [إبراهيم:٣]، فهم لها محبون، وهي غاية ومقصد عندهم كما أخبر الحق جل وعلا بقوله: ﴿وقَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنيَا﴾ [القصص:٧٩].
فطلاب الدنيا يريدونها، بل إنهم يشترونها بأغلى وأعز ما يملكون، كما أخبر جل وعلا عن أولئك الذين يشترون الحياة الدنيا بالآخرة، فهم لا يستقلون لها ثمناً، وهي جنتهم وآخرتهم وأولاهم بلا شيء يربطهم بما وراءها، ولذا قال الحق جل وعلا في وصف حالهم: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ [الأعلى:١٦]، والحقيقة الغائبة عنهم يقولها الله في قوله: ﴿وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [الأعلى:١٧].
لننظر إلى المسالك التي سلكها طلاب الدنيا إلى أبوابها التي فتنت القلوب فكفرت، والتي صرفت النفوس عن معالي الأمور فذلت، والتي صرفت العقول عن منافع الحياة الدنيا ومرامي ما يرجوه العبد في الأخرى فكلَّت، وهذه كلها أبواب ومسارات جعلت أرباب الدنيا في صورهم المرذولة، التي قص الله علينا أطرافاً من أخبار أربابها في القرآن، وذكر لنا النبي ﷺ أيضاً من ذلك ما يبين لنا الطريق القويم الذي ينبغي أن ننهجه ونسلكه.
стр. 2365
المسلك الأول: الزينة والمال
الزينة والمال: الذهب الذي يذهب بالأبصار، والفضة التي تفضض ما في القلوب فلا يبقى فيها إلا محبتها والرغبة فيها، الأموال التي يلهث وراءها الناس.
الدنيا بهذه القوة المالية التي حرفت مسار كثير من أربابها الذين يدبون على أرضها، وصار ليس لهم هم ولا غاية إلا أن يستكثروا من الأموال، وإلا أن يستزيدوا منها، فإذا زادوا منها رغبوا في المزيد على الزيادة، ولا يزالون كذلك كما هي أصل فطرة الإنسان إذا لم يهذبها الإيمان.
وقد نصب لنا القرآن الكريم مثلاً هو المضرب في هذا الباب؛ ليعطينا صورة من صور طلاب الدنيا، الذين انتهوا في هذا الطريق إلى الكفر والجحود، وإلى جهنم وساءت مصيرًا.
فهذا قارون الذي ذكره الله ، ووصف أمواله وثروته بقوله جل وعلا: ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ﴾ [القصص:٧٦]، مفاتيح الخزائن لا يستطيع رفعها إلا الرجال الأشداء الأقوياء، فما ظنكم بالخزائن؟! وما ظنكم بالذي فيها من الأموال من الذهب والفضة والجواهر واللآلئ؟! ماذا كان حال قارون؟ وأي شيء أدت به هذه الدنيا بفتنتها؟ قال الله حاكياً عن قارون: ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي﴾ [القصص:٧٨] لقد نسي المنعم، وجحد الخالق المتفضل ، وأعلن بكبريائه كفره، ثم لننظر إلى أثر هذا المسار والمسلك في الناس من حوله.
فالذين فتنتهم الدنيا بالتفكير فيما أوتي أربابها من الأموال، فهم منشغلون ومهمومون ومغمومون، قال الحق جل وعلا: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [القصص:٧٩].
وكم نسمع اليوم في بيئاتنا ومجتمعاتنا وديار المسلمين من لا أمنية له إلا أن ينال مثلما نال فلان من الثراء، وأن يكون عنده الأموال والدور والقصور، كأنه ليس وراء هذه الدنيا من متاع، ولا من عطاء، ولا من جنة، ولا من خير يسوقه الله لمن أخذ من هذه الدنيا نصيبه المقسوم، مع بقاء قلبه معلقاً بالآخرة وبرضوان الله ونعيمه الموعود في جنة الخلد عند مليك مقتدر.
هذا كان قول أولئك القوم.
وذكر الله قول أهل العلم والإيمان حيث قال: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ [القصص:٨٠].
ثم جاءت الصورة التي تختم لنا هذه القوة الدنيوية والثراء والمال الذي هو -كما يقولون اليوم- عصب الحياة، ماذا كان شأنه؟! وأي شيء أغنى عنه هذا المال وهذه القوة؟! قال : ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ المُنْتَصِرِينَ﴾ [القصص:٨١].
ذكر الله فاء التعقيب التي تقتضي السرعة في هذه الأحداث التي وقعت: (فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ) وانتهى قارون، وتناثرت أمواله، وتبعثرت دنانيره ودراهمه، وما أغنت عنه شيئاً من هذا المصير المحتوم؛ لأنه كان من طلاب الدنيا ومن أربابها، وجحد بالآخرة، وجحد بالمنعم .
وكم نرى اليوم من يجمع القرش إلى القرش، والريال إلى الريال، وهو لا يحب أن يسمع ذكر الفقراء، ولا يرغب أن يعرف حاجات المحتاجين، وإذا اضطر أو أحرج أن ينفق شيئاً من ماله فكأنما يقطر بعضاً من دمه، يخرج مع كل ريال يخرجه نفساً من أنفاسه، وكأن عروقه تتقطع؛ لأنه لا يحب أن يخرج شيئاً من هذا المال، فهو يكنزه ويحب أن يراه صباح مساء، فلا ينظر إلا إليه، ويمسي فلا يفكر إلا فيه، وينسى قول الله : ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ [التوبة:٣٤ - ٣٥].
وكم نرى اليوم من يتنافسون ويسعون لمضاعفة أموالهم من طرق الكسب الحرام، وأعظمها وأكثرها جرماً وأفدحها خطراً الربا الذي قال الحق في شأنه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة:٢٧٨]، ثم توعد الوالغين فيه والمصرين عليه: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة:٢٧٩].
وكم نرى فتنة المال في حياتنا المعاصرة وفي كثير من مجتمعات المسلمين، وهي تحدد للناس مسارهم، وتملك عليهم مشاعرهم، وتحدد منهجية تفكيرهم وتدبيرهم، لا يألون جهداً في جمع هذا المال.
стр. 2366
المسلك الثاني: السلطان والطغيان
هذا مسلك ودرب وطريق آخر من طرق طلاب الدنيا: طريق السلطان والطغيان: عندما يملك المرء القوة التي يبطش بها بمن يخالفه، أو بمن هو عدوه، ويملك من الأعوان ومن البهرج ومن زخرف السلطان ما يملك، فإذا به يطغى ويبغي ويجحد قوة الله وينساها، والمثل القرآني في ذلك هو فرعون الذي ذكره الله في ثنايا القرآن في آيات كثيرة ومواقف وأحداث عديدة، كما في قصة موسى ﵇ مع فرعون عليه لعنة الله، ووصفه الله جل وعلا بقوله: ﴿وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ﴾ [يونس:٨٣].
ثم نجد القرآن يعطينا صورة من صور هذا الطاغي في الدنيا الغارق فيها، الذي لم يعرف ولا يريد شيئاً سواها، كيف أن الدنيا تملكت قلبه من باب السلطان والجاه والقوة والقدرة البشرية الإنسانية؛ حتى قال مقالته الشنيعة: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ [غافر:٢٩] فلا قول إلا قوله، ولا رأي إلا رأيه، وقال على لسانه لما آمن السحرة لموسى: ﴿قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ﴾ [طه:٧١]، فكانت هذه جريمة عظمى عنده، والله يخبرنا عن مدى غطرسته وجبروته وطغيانه حيث يقول: ﴿وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الزخرف:٥١].
هذه صورة السلطان والطغيان ختمت بأعظم جريمة في الإنسانية كلها وهي ما قصه الله بقوله: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص:٣٨] أكفر كلمة قالها إنسان هي كلمة فرعون: ﴿يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص:٣٨]، ثم أردفها بقوله: ﴿فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَل لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ * وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لا يُرْجَعُونَ﴾ [القصص:٣٨ - ٣٩]، وانظر إلى الخاتمة: ﴿فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص:٤٠].
فرعون الذي كان يأمر وينهى، الذي لم يكن أحد يدخل عليه إلا ساجداً، ولم يكن أحد يتلفظ إلا به حالفاً، كان هذا هو مصيره أن أغرق في ماء البحر، وقال الله : ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً﴾ [يونس:٩٢].
وكم في حياة الناس اليوم وفي مجتمعات المسلمين من يغتر بالسلطان، ومن يغتر بالجاه، ومن يغتر بكثرة الأعوان، ومن يغتر بقوته على من هو أضعف منه، حتى بدت بعض المجتمعات كأنها مجتمعات الغاب، يفترس فيها القوي الضعيف، ويبطش فيها القادر بالعاجز، وغابت عن الناس معاني الآخرة، والعقوبات التي توعد الله بها من ظلم ومن بغى ومن اعتدى.
стр. 2367
المسلك الثالث: فتنة النساء
هذا مسلك ثالث وطريق ثالث من الطرق التي تفتن وتصرف عن منهج الله : فتنة النساء: قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح: (ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء) وأخبر كما صح عنه: وأن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء)، وننظر في ذلك فنرى هذه الفتنة اليوم قد عمت، وإذا بطيف وطوفان يجرف ويذكي فتنة النساء في مجتمعات المسلمين، وإذا بك ترى هذه الفتنة عند كثير من المسلمين، تظهر في شعرهم ونثرهم وغنائهم وتمثيلهم ورقصهم، وعلى صفحهم ومجلاتهم، لقد جعلوا هذه الفتنة محور حياة يومية يصرفون بها القلوب، ويخطفون بها الأبصار، ويفتنون بها النفوس، حتى تسرب إليها هذا داء الشهوة المحرمة الآثمة.
فلا يكاد يسلم امرؤ من سماع أو رؤية وإن تحرج واحتاط إلا من رحم الله، فنسأل الله السلامة لقلوبنا من هذه الفتن.
وهذه الفتنة أمثلتها كثيرة، وقد ذكر النبي ﷺ من قصص بني إسرائيل على وجه الخصوص ما يبين لنا عظمة هذه الفتنة.
فهذا ابن حبان يروي في صحيحه، عن رسول الله ﷺ ، قصة لعابد من عباد بني إسرائيل، عبد الله في صومعته ستين سنة، فأمطرت الدنيا واخضرت الأرض، فقال: لو خرجت من صومعتي وذكرت ربي، فخرج فلقي امرأة فكلمها وكلمته حتى غشيها -أي: حتى فعل بها الفاحشة- فأغمي عليه، ثم خرج يغتسل في ماء هناك، فقبض ومات على حاله تلك.
قال بعض السلف رضوان الله عليهم: لو استؤمنت على بيت مال المسلمين لأمنت نفسي، ولو استؤمنت على جارية سوداء أخلو بها ما أمنت نفسي! وهذا يدل عليه حديث النبي ﷺ : (ما خلا رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما)، وتحذيرات النبي ﷺ في ذلك كثيرة، والله قد حذر من ذلك وقال: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء:٣٢].
ونجد أن العقوبة التي جعلها الله لمرتكب هذه الفاحشة شديدة قاسية؛ حتى تكون رادعاً ومانعاً لهذا الباب العظيم من أبواب الفتنة؛ لأنه إذا انفتح على الأمة أوقع فيها من الفساد واختلال الأمن وشيوع الانحلال وكثرة الاضطراب ما لا يعلمه إلا الله ، وشاهده الحديث الذي يرويه الإمام أحمد بسند حسن عن ميمونة ﵂ عن رسول الله ﷺ أنه قال: (لا تزال أمتي بخير ما لم يفش فيهم ولد الزنا، فإذا فشا فيهم ولد الزنا فيوشك أن يعمهم الله بالعذاب)، وفي رواية في مسند أبي يعلى: (لا تزال أمتي بخير متماسك أمرها ما لم يظهر فيهم ولد الزنا).
والأمر في ذلك يطول، والحديث عنه يكثر، وهذه الفتنة من أعظم الفتن، ولها طلاب كثر، ليس لهم هم إلا نيل هذه الفتنة وقصد هذه الشهوة الآثمة.
стр. 2368
المسلك الرابع: اللذة والنشوة في الخمور وتعاطي المخدرات
هذا مسلك وطريق رابع ابتليت به كثير من مجتمعات المسلمين: اللذة والنشوة في شرب الخمور وتعاطي المخدرات: والله جل وعلا قال: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة:٩٠]، والنبي ﵊ لعن في الخمر عشرة: (لعن شاربها وساقيها ومبتاعها وبائعها وعاصرها ومعتصرها وحاملها والمحمولة إليه) كما روى ذلك أبو داود وزاد ابن ماجة: (والذي يأخذ ثمنها).
وفي حديث أبي موسى الأشعري عند ابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه: (ثلاثة لا ينظر لله إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: مدمن خمر، وقاطع رحم، ومصدق بالسحر) ثم قال ﵊: (وأما مدمن الخمر فيغمس يوم القيامة في نهر الغوطة، قيل: وما نهر الغوطة يا رسول الله؟! قال: نهر يجري من فروج المومسات يؤذي أهل النار ريحه).
هكذا يخبرنا النبي ﷺ ، ونجد هذه النشوة واللذة يسعى بها أعداء المسلمين لينشروها في مجتمعات المسلمين، وليبثوها بين شبابهم وشاباتهم؛ حتى تبطل العقول عن العمل، وحتى تنهك الأجساد بالعلل، وحتى يقع التعيير الكامل والإجرام التام في واقع مجتمعات المسلمين.
فنسأل الله أن يسلمنا وإياكم من الفتن، وأن يصرف عنا ما ظهر منها وما بطن، وأن يعصمنا بالإيمان، وأن يحرسنا بالقرآن، وأن يجعلنا من المتبعين للمصطفى ﷺ .
أقول هذا القول وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 2369
المسلك الخامس: حب الدنيا وطلب السلامة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى من تبعهم واقتفى أثرهم إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين.
أما بعد: أيها الإخوة المؤمنون! أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله، فإن تقوى الله أعظم زاد يقدم به العبد على مولاه.
إن خامس هذه الأبواب والطرق والمسالك التي يسلكها طلاب الدنيا، وهو باب ومسلك قل من يسلم منه: حب الدنيا وطلب السلامة: أخبر النبي ﵊ في حديث معروف متداول محفوظ عند كثير من الناس بقوله: (يوشك أن تداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها، قالوا: أومن قلة نحن يومئذ يا رسول الله؟ قال: لا! إنكم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله من قلوب عدوكم المهابة منكم، وليجعلن في قلوبكم الوهن، قالوا: وما الوهن يا رسول الله؟ قال: حب الدنيا وكراهية الموت).
مما يغلب على أهل الدنيا تشبثهم وتمسكهم بها، وخوفهم من أي طريق يظنون من قريب أو من بعيد أنه يخرجهم عنها وينقلهم عنها، فهم يخافون الموت في صبحهم ومسائهم، فهم فيما يسمعون: يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمُ، وفيما ينظرون مما يتعلق بحياتهم: تراهم تدور أعينهم كالذي يغشى عليه من الموت من شدة الخوف والرهبة، فهم قوم قد آثروا السلامة: حب السلامة يثني هم صاحبه عن المعالي ويغري المرء بالكسل وهي صفة ذميمة مرذولة، وصم الله بها اليهود عليهم لعائن الله، فقال جل وعلا: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ﴾ [البقرة:٩٦] يحرصون على أية حياة، ولو كانت حياة ذل، ولو كانت حياة يبيعون فيها مبادئهم، وينافقون فيظهرون خلاف ما يبطنون، ويتراجعون فلا يثبتون، كما أخبر الحق جل وعلا عن وصف بعض أولئك: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الحج:١١].
هؤلاء قوم إذا رأوا أن حظهم من الدنيا سيذهب، أو أن طريقهم إليها سينتهي، طلبوا الخلاص والحياة ولو ببيع دينهم، ولو بالتفريط في أعراضهم، ولو بذلة نفوسهم، ولو بأي شيء يفعلون: يعطيك من طرف اللسان حلاوة ويروغ منك كما يروغ الثعلب والقرآن قد أفشى خبر أولئك: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [البقرة:٢٠٤] ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ﴾ [البقرة:٢٠٥]، أولئك المنافقون الذين يبطنون خلاف ما يظهرون، وكم في بيئات ومجتمعات المسلمين من هذه العينات التي تشدها الأرض شداً وتجذبها الحياة جذباً، كما أخبر الحق جل وعلا: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾ [الأعراف:١٧٦].
وقد بين النبي ﷺ في أثر الحياة وملذاتها والتعلق بها، فقال: (الولد مجبنة مبخلة) أي: باعث على الجبن وباعث على البخل، ولذا يقول الحق : ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [التغابن:١٥].
فينبغي للمرء ألا يجعل حب الحياة وتغلغلها في قلبه مانعاً من الثبات على الحق، أو المضي في الواجب، أو القيام بالأمر، وينبغي ألا يكون في حال من الأحوال معطياً للدنية في دينه، أو بائعاً دنياه بأخراه، فذلك هو الخسران المبين.
стр. 2370
وصايا قرآنية تحذر من الانجرار وراء الدنيا
نقف وقفة أخيرة مع الوصايا القرآنية التي ينبغي أن نتنبه لها وأن نجعلها نبراساً؛ لئلا نكون في الفريق الشقي فريق طلاب الدنيا بهذا المعنى، وليس بالمعنى الإسلامي الذي أباح أن تمتلك المال من أبواب الحلال، وأباح أن تعاشر النساء بالعقد المحلل بالنكاح، وأباح كل هذه الأمور الدنيوية بالأبواب التي فيها حل، وبالقدر الذي لا يطغي ولا يصرف عن الإيمان بالله ، والإقرار بنعمته والسعي لنيل رضوانه ورحمته.
والله قد ذكر لنا من الآيات ما ينبغي أن نجعلها نبراساً وشعاراً في حياتنا: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة:٢٠١] سلوا الله من خير الدنيا حلالاً، وسلوا الله من خير الآخرة ليلاً ونهاراً.
والله يقول: ﴿فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ﴾ [النساء:٧٤] فلنكن ممن يؤثرون الآخرة على الدنيا، ويشترون نعيمها بما في هذه الدنيا.
والله يخبر عن أولئك القوم وثوابهم فيقول: ﴿فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخِرَةِ﴾ [آل عمران:١٤٨] فيجمع لك الله ما تبغي في هذه الدنيا من نعيم ومن خير وطمأنينة واستقرار، ويعطيك فوق ذلك من نعيم الآخرة ما لا يعلمه إلا الله .
وقال تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف:٢٨]، كن مع أهل الآخرة يذكِّروك إذا نسيت، ويعلموك إذا جهلت، ويحمسوك إذا فترت، فإنك حينئذ تكون منهم، ولا تكن مع طلاب الدنيا الذين لا هم لهم إلا الكلام عنها، فإنهم يوشكون أن يصرفوا قلبك إليها، وأن يوجهوا مشاعرك نحوها.
والله يخبرنا عن هذا فيقول: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ [النجم:٢٩].
فنسأل الله أن يجعلنا من طلاب الآخرة، وأن يجعلنا نأخذ نصيبنا من الحلال في الدنيا، ونستعين به على طاعة الله وعلى نصرة دين الله، وعلى إغاثة عباد الله المسلمين.
اللهم إنا نسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى، اللهم إنا نسألك أن تجعل خير أعمالنا خواتيمها، وخير أيامنا يوم نلقاك وأنت راض عنا، اللهم إن كان رزقنا في السماء فأنزله، وإن كان في الأرض فأخرجه، وإن كان قليلاً فكثره، وإن كان كثيراً فبارك لنا فيه يا رب العالمين.
اللهم اجعلنا أغنى الأغنياء بك وأفقر الفقراء إليك، اللهم أغننا بحلالك عن حرامك وبفضلك عمن سواك، اللهم لا تجعل لنا إلى سواك حاجة يا رب العالمين، اللهم اجعلنا من الفقراء إليك، المتذللين بين يديك، الخاضعين لك الراجين ما عندك، الخائفين من عذابك وعقابك يا رب العالمين.
اللهم إنا نسألك أن تغفر ذنوبنا، وأن ترفع درجاتنا، وأن تكفر سيئاتنا وأن تتقبل حسناتنا، اللهم إنا نسألك أن تجعلنا من عبادك الصالحين، ومن جندك المجاهدين، وأن تجعلنا من ورثة جنة النعيم برحمتك يا أرحم الراحمين.
اللهم تول أمرنا، وارحم ضعفنا، واجبر كسرنا، واستر عيبنا، وأقل عثراتنا، وامح زلاتنا، وكفر سيئاتنا، وأعل درجاتنا، وضاعف حسناتنا يا رب العالمين.
اللهم إنا نسألك أن تعز الإسلام والمسلمين، وأن تذل الشرك والمشركين، وأن ترفع بفضلك كلمة الحق والدين، وأن تنكس رايات الكفرة والملحدين.
اللهم من أرادنا وأراد الإسلام والمسلمين بخير فوفقه لكل خير، ومن أرادنا وأراد الإسلام والمسلمين بسوء فاجعل دائرة السوء عليه، واجعل تدبيره تدميراً عليه يا سميع الدعاء.
اللهم عليك بسائر أعداء الدين فإنهم لا يعجزونك، اللهم أحصهم عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تغادر منهم أحداً.
اللهم أرنا فيهم عجائب قدرتك وعظيم سطوتك.
اللهم زلزل الأرض تحت أقدامهم وخذهم أخذ عزيز مقتدر.
اللهم لا ترفع لهم راية، واجعلهم لمن خلفهم آية.
اللهم استأصل شأفتهم ودمر قوتهم، وخالف كلمتهم واجعل بأسهم بينهم.
اللهم أنزل بهم بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين يا منتقم يا جبار، يا من لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء.
اللهم رحمتك ولطفك بعبادك المؤمنين المضطهدين والمعذبين والمشردين والمبعدين في كل مكان يا رب العالمين.
اللهم سكن لوعتهم وأقل عثرتهم، وعجل فرجهم، وفرج همهم، ونفس كربهم، وقرب نصرهم، وادحر عدوهم، واجعل ما قضيت عليهم زيادة لهم في الإيمان واليقين، ولا تجعله فتنة لهم في الدين.
اللهم اجعل هذا البلد آمناً مطمئناً رخاءً وسائر بلاد المسلمين.
اللهم اصرف عنا الفتن والمحن ما ظهر منها وما بطن عن بلدنا هذا خاصة وعن سائر بلاد المسلمين.
اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين.
اللهم وفق ولاتنا لهداك، واجعل عملهم في رضاك، اللهم ارزقهم بطانة صالحة تدلهم على الخير وتحثهم عليه، وتحذرهم من الشر وتنهاهم عنه يا سميع الدعاء.
عباد الله! صلوا وسلموا على رسول الله استجابة لأمر الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٥٦]، وترضوا على الصحابة الكرام خصوصاً على أجلهم قدراً وأرفعهم ذكراً، ذوي القدر الجلي والمقام العلي أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعلى سائر الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين.
وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ، وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ.
стр. 2371
رسائل تنديد وصواعق تهديد
لقد أوجب الله علينا طاعته ومحبته، ومن لوازم محبته: حب عباده المؤمنين وموالاتهم، ووجوب نصرتهم، وعدم التخاذل تجاه قضاياهم، وبغض أعدائه المجرمين، ومعاداتهم، فإن لم نفعل ذلك فسيستبدل الله قوماً غيرنا ثم لا يكونوا أمثالنا.
стр. 2372
مصيبة تكالب المجرمين وتخاذل المؤمنين
الحمد لله معز من أطاعه واتقاه، ومذل من خالف أمره وعصاه، لا يعز من عاداه، ولا يذل من والاه، أحمده وهو الذي بيده كل شيء، وتنفذ مشيئته في كل شيء، ولا يعجزه في الأرض ولا في السماء شيء، له الحمد كما يحب ويرضى، على آلائه ونعمه التي لا تعد ولا تحصى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده ، وأشهد أن نبينا وسيدنا وقائدنا وقدوتنا محمداً عبد الله ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، أرسله إلى الناس كافة أجمعين، وبعثه رحمة للعالمين، فهدى به من الضلالة، وأرشد به من الغواية، وفتح به قلوباً غلفاً، وأسمع به آذاناً صماً، وكثرنا به من بعد قلة، وأعزنا من بعد ذلة، وأشهد أنه ﵊ قد بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، فجزاه الله خير ما جازى نبياً عن أمته، ووفقنا وإياكم لاتباع سنته، وحشرنا يوم القيامة في زمرته، وجعلنا من أهل شفاعته.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: أيها الإخوة المؤمنون! رسائل تنديد، وصواعق تهديد، عزمت أن أرسلها منذ الجمعة الماضية إلى كل من يصد عن دين الله، ويحارب دين الله، ويؤذي عباد الله، وينتهك حرمات الله، ويعتدي على محارم الله؛ فإنه لا شك معرض نفسه في دنياه قبل أخراه لأوخم النتائج، وأعظم المصائب، وشر ما ينتظر المرء في دنيا أو في أخرى؛ ذلك أن أوضاع أمتنا اليوم قد صار فيها كثير من أبناء جلدتنا، وممن لهم الأمر في أمتنا، يقومون تحت حجة محاربة الإرهاب بمحاربة الإسلام، وزاد الطين بلة تلك الجرائم المتزايدة، والفظائع المتعاظمة، والإرهاب المتواصل الذي تجددت أحداثه في أرض العراق على أيدي المحتلين الأمريكيين المجرمين، حتى أصبح المرء لا يدري عن أي شيء يتحدث! هل سمعتم غضبة عمرية أو صيحة مضرية؟! إنني لم أسمع من الدول الإسلامية والعربية حتى التنديد الذي لا يسمن ولا يغني من جوع، والأمم المتحدة، والعصب المفترقة، لم يكن لها حتى مجرد وقفة لتقول: إن هذا لا يتفق مع ما تقول به من حقوق الإنسان أو الحيوان.
وإن الإنسان ليعجب وهو يرى هذه الأحوال في ظل هذا الإجرام المتعاظم، والقصف المتواصل للناس في بيوتهم وفي أرضهم وديارهم، النساء تقتل، وأرواح الأطفال تزهق، والأمم المتحدة غضبى لما يجري على أرض السودان من تطهير عرقي كما تزعم.
حول في البصر أو عمى في البصيرة أو هو كما قال القائل: ويقضى الأمر حين تغيب تيم ولا يستأذنون وهم شهود إن الأحوال التي تمر بأمتنا اليوم هي في أوضح صور شدتها وقسوتها وفظاعتها، وهي في الوقت نفسه تعري كل متستر بستار يستر به نفسه زوراً وبهتاناً، فلم يعد اليوم أحد يشك فيمن يحارب دين الله ، ولم تعد تنطلي على أحد -حتى الحمقى والأغبياء- حيل من تلك الأقاويل والأراجيف التي نسمعها صباح مساء، تروجها وسائل الإعلام، وتصم بها آذاننا أقوال الساسة والمسئولين في شرق الأرض وغربها، من أبناء ملتنا ومن غيرهم.
ومن ذا الذي يستطيع أن يندد بهذا؟! وماذا نملك حتى نهدد تلك القوى العظمى، والأمم المجتمعة على الباطل، الراضية بشريعة الغاب: البقاء للأقوى؟! هل أملك أنا أو أنتم أن نندد بذلك؟ وماذا في أيدينا حتى نهدد؟ وبأي شيء نستطيع أن نواجه مرة أخرى وثانية وثالثة؟
стр. 2373
حتمية المواجهة لأعداء الله
ينبغي أن نوقن أننا على أرض صلبة قوية، وأننا على يقين وإيمان راسخ ثابت، وأننا على وعد وأمل صادق لا يتخلف متى كنا مؤمنين بالله، مسلمين حقاً، ملتزمين أمر الله، متبعين لسنة وهدي رسول الله ﷺ .
سنندد ونهدد بآيات الله، وبأحاديث رسول الله ﷺ ، ونحن على يقين من أمرنا، وعلى بينة من نهجنا، وعلى ثقة من وعد ربنا، نرى حقائق الأمور ببصيرة الإيمان، ونبصر في ظلمات الشبهات أنوار القرآن، ينبغي أن نرجع إلى تلك المنهجية التي لا زلنا نكرر أهميتها.
فنقول: إن هذا التهديد والوعيد وإن كنا نخص به أعداء الله أولاً، والمرجفين والظالمين والطغاة والبغاة من أبناء ملتنا ثانياً، فإننا لا نستثني منه أنفسنا، فقد جاءنا من آيات الله، ومن أحاديث رسول الله ﷺ ما يواجه تقصيرنا وتفريطنا، وغض أبصارنا عن الظلم، ورضا قلوبنا ونفوسنا بالانحراف ووقوع المنكرات، فكل ذاك المفرط والمختلف عن أمر الله، والذي لا يقوم بالواجب في حقه إزاء دين الله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الهُدَى لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَسَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ * إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ مَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ * فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد:٣٢ - ٣٥].
(إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الهُدَى) وإن حشدوا القوات والطائرات والجيوش المتحالفة، والقوى المتعاظمة (لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَسَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ) ستدور الدائرة عليهم يقيناً لا شك فيه، وسيحيق المكر السيئ بأهله صدقاً لا كذباً ولا مراء فيه، وسيحبط الله أعمالهم، ونحن نؤمن بما يقول الله جل وعلا، ولا نؤمن بما يقوله الكذبة من الساسة والمنافقين من غير المسلمين ومن المتمسلمين.
ثم يلتفت النداء القرآني إليكم معاشر المؤمنين، كيف تواجهون ذلك؟ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ) لا قدرة لكم على المواجهة، ولا أمل لكم في القدرة على المغالبة إلا بالاستمداد من الله إلا باتباع هدي رسول الله إلا بالعمل على سنة الله إلا بالتحقق والتحقيق لوعد الله؛ وإلا فإن أعمالكم هباء، وإن جهودكم ليس فيها غناء، وإن أقوالكم حجج عليكم وليست لكم، كم سمعنا من الأقوال! كم سمعنا من البيانات! كم رأينا من المؤتمرات تأتلف أو لا تأتلف، تجتمع أو لا تجتمع! كلها لا قيمة لها؛ لأنها ليست على منهج الله.
ثم يخبرنا الحق جل وعلا: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ مَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ).
ومرة أخرى يقول الحق جل وعلا في آياته: (فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ)، استمعوا إلى هذه النداءات القرآنية، والتوجيهات الربانية! (وسيحبط أعمالهم) قال السعدي: أي: مساعيهم التي بذلوها في نصر الباطل، بألا تثمر لهم إلا الخيبة والخسران.
ألم يقولوا في كثير من مواجهاتهم: إنها أوقات قصيرة، وإنها معارك هزيلة؟ ما زال الحر من نارها، والشرر من رجالها يحرقهم، يقذف الرعب في قلوبهم، ويفرق صفوفهم، وسيحبط الله جل وعلا أعمالهم.
(فَلا تَهِنُوا) قال ابن كثير: لا تضعفوا عن الأعداء.
(وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ) أي: المهادنة والمسالمة.
قال السعدي: لا تضعفوا عن قتال عدوكم، ويستولي عليكم الخوف؛ بل اصبروا واثبتوا، ووطنوا أنفسكم على القتال والجلاد؛ طلباً لمرضاة ربكم، ونصحاً للإسلام، وإغضاباً للشيطان، ولا تدعوا إلى المسالمة بينكم وبين أعدائكم طلباً للراحة، والحال أنكم أنتم الأعلون.
ثم ذكر الله أموراً ثلاثة من تمسك بها لا يخشى قوى الأرض مجتمعة، ولا يتراجع قيد أنملة إلى الوراء، ولا يستطيع أحد أن يوصل إلى قلبه خوفاً أو إلى نفسه يأساً: (وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ)، أنتم الأعلون بالاستعلاء بالإيمان ومنهج الإسلام، وأنتم الأعلون بما توفرون من أسباب القوة والقدرة على مواجهة أعدائكم، (وَاللَّهُ مَعَكُمْ) ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غَالِبَ لَكُمْ﴾ [آل عمران:١٦٠]، ﴿إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد:٧]، ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ [الأنفال:١٢]، ألم يقع ذلك في بدر؟ ألم يحصل مثله في الأحزاب؟ ألم نره عبر تاريخ أمة الإسلام في كل المواقع والمعارك والمواجهات؟ هل صار المسلمون اليوم في شك من دينهم، وفي ضعف إيمان بآيات ربهم الكثيرة في كل من يصد عن دين الله، ويحارب دين الله؟ (وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ)، لن ينقص أجوركم وثوابكم حتى ولو لم تتحقق النتائج على أيديكم، (وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ) أي: لن يجعلها حابطة كغيرها، بل ستثمر اليوم أو غداً أو بعد غد؛ لأن الله وعد كل عامل بالخير ومحقق لوعده أن ينجز له ما وعد.
стр. 2374
حقيقة ما يجمعه الكفار لحرب المسلمين
قال الله : ﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ * أُوْلَئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الأَرْضِ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ * لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الآخِرَةِ هُمُ الأَخْسَرُونَ﴾ [هود:١٩ - ٢٢].
ما كان لأولئك من قوة إلا بسبب ضعفنا، (أُوْلَئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الأَرْضِ) لا يعجزون الله وقدرته وقوته ، وهو الذي أمره بين الكاف والنون، إذا قال للشيء: كن؛ فيكون.
ونحن نعلم كذلك أن هذه الوعود الربانية لا تتخلف أبداً، (وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ) مهما جاءوا بقوى من هنا أو من هناك، وحلفاء من شرق أو غرب فلن يثبت ولن يقف شيء أمام قوة الله، ولا أمام قوة المؤمنين بوعد الله، مهما عظمت قوتهم، فثقوا بدين الله، واعلموا أن كل ما يواجهوننا به إنما يتحقق فينا أثره لما أخللنا به من منهج الله ، وتخلينا به من الاستمساك بدينه : ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنفال:٣٦] ما هي النتيجة؟ ﴿فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال:٣٦] آيات قاطعة! كلمات بالحق ناطقة! ولكنها لا تضرنا إلا بأسبابنا، وبتخلينا عن نهج ربنا.
﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [المجادلة:٥]، والآيات تخبرنا بصيغة المضارع المتحقق الوقوع، قال ابن عطية في معنى الكبت والمكبوت: يكون حزيناً؛ لأنه يرى ما يكره ولا يقدر على رده.
سيأتيهم اليوم الذي يذوقون مثل ما يفعلون من هذه الجرائم، وهم لا يملكون دفعاً ولا نصراً بإذنه : ﴿وَقَدْ أَنْزَلْنَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [المجادلة:٥]، ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ فِي الأَذَلِّينَ﴾ [المجادلة:٢٠] تلك هي الوعود الربانية، والتهديدات الإلهية.
стр. 2375
ولاة الأمور وما عليهم من الحقوق
نحن -عندما نوقن بآيات الله- لا نحتاج إلى تنديد أهل الأرض، وإلى تهديد القوى الفارضة التي لا تقوم ولا تنطلق من قاعدة الإيمان بالله، ولا ترتبط بمنهج الإسلام، ولئن كان ذلك غيض من فيض آيات كثيرة، ومواقف وقصص عظيمة ذكرت في كتاب الله؛ فإن لنا كفاية من حديث رسول الله ﷺ وتنديده وتهديده، توجد صور كثيرة لنا وليست لأعداء الله، بل هي فينا معاشر المسلمين، من الذين لهم الصدارة في أمتنا ولاة وحكاماً وقادة، وإلى من دونهم من كل من له ولاية، ومن في يده سلطة، وغير ذلك من وجوه لا يكاد يخرج عنها أحد منا بحال من الأحوال.
وحينئذ نقولها ونحن بقلوب ثابتة وبصوت عال؛ لأن الناطق بها سيد الخلق ﷺ ، وهل يستطيع أحد مهما علا وعظم أن يرد قوله ﵊، أو أن يستهين بتهديده ووعيده، وهو ﷺ لا ينطق عن الهوى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:٣ - ٤]؟! عن أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال: (الأئمة من قريش) فله ﵊ حق، وللأئمة حق كذلك، ثم يقول ﵊ في شأن الأئمة: (ما إن استرحموا رحموا، وإن عاهدوا وفوا، وإن حكموا عدلوا، فمن لم يفعل ذلك منهم فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين) رواه أحمد في مسنده بسند جيد، ورجاله ثقات، ورواه أبو يعلى في مسنده والطبراني في معجمه.
وعن أبي هريرة عن المصطفى ﷺ : (ما من أمير عشرة إلا يؤتى به مغلولاً يوم القيامة حتى يفكه العدل، أو يوبقه الجور) رواه البزار في مسنده، ورجاله رجال الصحيح.
(ما من أمير عشرة) فكيف بأمير الملايين المتولي أمرهم باسم الله، وبادعاء القيام بأمر الله، والذب عن شريعة الله، والحفظ لحقوق عباد الله؟ أفلا يرعوي كل من يسمع ذلك؟ أليس في هذا أعظم تهديد تنخلع قلوب من في قلوبهم ذرة إيمان، أو بقية أثر من إسلام؟ إن الأمر أعظم مما نتخيله ونتصوره، وهذا دعاء من رسول الهدى ﷺ ، ودعاؤه مجاب، تروي هذا الدعاء عائشة ﵂ عن رسول الله ﷺ أنه قال: (اللهم! من ولي من أمر أمتي شيئاً فشق عليهم فاشقق عليه، ومن ولي من أمر أمتي شيئاً فرفق بهم فارفق به) رواه مسلم في صحيحه.
إلى الذين يشقون على عباد الله، ويتعنتون معهم، ويسرفون في تعذيبهم وإيذائهم، وإلحاق الضرر والشر بهم على كل مستوياتهم المختلفة، وفي كل مسئولياتهم المتنوعة؛ فليعلموا أن الله يجازيهم من جنس عملهم، وأنه يلحق بهم عاجلاً أو آجلاً مثلما فعلوا بغيرهم، ومن لم يجد شيئاً في الدنيا من مثل هذا فإنما ذلك -والعياذ بالله- دليل على عظمة سخط الله عليه، وأنه ادخر له العذاب فلم يعجله له في الدنيا، فأجله له، وسيجعله له مضاعفاً في الآخرة.
ومعقل بن يسار ﵁ يروي الحديث الذي يحفظه كثير من الناس: (ما من عبد يسترعيه الله رعية يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة)، وفي الرواية الأخرى: (ما من عبد يسترعيه الله رعية فلم يحطها بنصحه إلا لم يرح رائحة الجنة) متفق عليه.
أفلا يستمع إلى ذلك قادة الأمة وحكامها؟ أحوال أمتنا في أكثر بلادها تستحق أن ينطبق عليها مثل هذه الأحاديث التي قالها الصادق المصدوق ﷺ ، أفيخشون من أمريكا أو غير أمريكا، ولا يخشون من الله ؟! أفيرضون أن يعملوا قوتهم وقدرتهم في سخط الله ، ويخشون أن يفعلوا أقل القليل مما يُظن أنه يسخط أعداء الله؟! أفلم يسمع الناس جميعاً حديث أم المؤمنين عائشة عن رسول الله ﷺ : (من ابتغى رضا الله بسخط الناس؛ ﵁، وأرضى عنه الناس، ومن ابتغى سخط الله برضا الناس؛ سخط الله عليه، وأسخط عليه الناس)؟! إن الأحوال لا تقتصر على من بيده الأمر أو الحكم أو السلطان، بل تعم كل أحد في مسئوليته، حتى تعم الفرد الذي ليس له مسئولية عن غيره؛ لأن له مسئولية عن نفسه.
ولذلك استمعوا إلى هذا الحديث أيضاً، وما فيه من التهديد والوعيد: (صنفان من أمتي لن تنالهما شفاعتي: إمام ظلوم غاشم، وكل ضال مارق) رواه الطبراني في المعجم الكبير ورجاله ثقات.
(كل ضال مارق) كم فينا نحن معاشر المسلمين من يصدق فيه ذلك؟! وهكذا كلنا يعلم أن الظلم منه ما هو يسير، ومنه ما هو عظيم، ومنه ما هو محدود الدائرة، ومنه ما هو واسع، والنصوص كلها تتناول ذلك قليلاً كان أو كثيراً، عن أبي موسى ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: (إن الله يمهل للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته، ثم قرأ: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود:١٠٢])، من يستطيع أن يفلت من قبضة وغضبة الله جل وعلا إذا ظلم وقد حرم الله الظلم، وإذا بغى وقد وعد الله أن ينتقم لمن بُغي عليه؟ كل من يظلم على خطر، حتى من يظلم زوجته، أو يظلم الموظف الذي تحته، فضلاً عمن يظلم رعيته.
وهكذا نرى الصور المختلفة التي تمضي بنا إلى تفصيل وتحديد، وتصور لنا الواقع كأنما هذه الأحاديث -وهي التي قالها النبي ﷺ تخترق حجب الغيب، وتتجاوز آفاق الزمان؛ لتكون في كل وقت وآن، تكشف للناس عموماً، وللمسلمين خصوصاً كيف يعرفون واقعهم، وكيف يعرفون أين يضعون مواطئ أقدامهم قبل أن تزل الأقدام، وقبل أن يحصل لهم ما لا يرجونه من السخط والغضب الرباني.
عن عائشة ﵂ عن رسول الله ﷺ أنه قال: (إذا أراد الله بالأمير خيراً جعل له وزير صدق، إن نسي ذكره، وإن ذكر أعانه، وإن أراد الله به غير ذلك جعل له وزير سوء، إن نسي لم يذكره، وإن ذكر لم يعنه)، وهذا واقع حال كثير من ولاة أمتنا.
وهذا هشام بن حكيم مر في بلاد الشام، ورأى بعض الأنباط من غير المسلمين في حر الشمس، ويوضع عليهم شيء من الزيت عقاباً لهم؛ لأنهم لم يؤدوا الجزية، وربما كان ذلك عن غير إمكان، فقال: أشهد الله أني سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن الله يعذب الذين يعذبون الناس في الدنيا) رواه مسلم في صحيحه.
فليخش الذين يعذبون عباد الله، والدعاة إلى دين الله، والعلماء الناطقين بالحق، المبينين لشرع الله، وليخش كل من يظلم أحداً دونه في القوة، فإنه ما من شيء إلا وله عقوبته دنيا وأخرى، نسأل الله السلامة من ذلك! عن أبو هريرة عن رسول الله ﷺ أنه قال: (من ضرب سوطاً ظلماً فإنه يقتص منه يوم القيامة)، يقتص ولو في سوط واحد، فكيف بما هو أعظم من ذلك؟! أيها الإخوة المؤمنون! إن الأحوال التي تجري ينبغي أن تزيدنا يقيناً بوعد الله ، وبصيرة بسنن الله ، وينبغي أن تردنا بقوة أكثر إلى دين الله وشرعه وسنة نبيه ﷺ ، وينبغي أن تدعونا إلى التشبث والاعتزاز والاستعلاء بدين الله، وينبغي في آخر الأمر أن تكشف لنا حقائق أعداء الله، وأن نعلم أن قوتهم الدنيوية لا يعبأ بها، ولا يخشى منها من كان الله معه: ﴿وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد:٣٥].
أسال الله أن يكشف الغمة، وأن يرفع البلاء عن الأمة، وأن يعيدنا ويردنا إلى دينه رداً جميلاً.
أقول هذا القول، وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 2376
وجوب نصرة المؤمنين وبغض الكافرين
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى من تبعهم واقتفى أثرهم ونهج نهجهم إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين.
أما بعد: أيها الإخوة المؤمنون! أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله؛ فهي أعظم زاد يقبل به العبد على مولاه، وإن من تقوى الله بغض أعداء الله، وعدم الذلة لهم، وفي الوقت نفسه الانتصار لعباد الله، والموالاة لهم، وبذل ما في الوسع لنصرتهم، بقدر ما يستطاع ولو بأقل القليل، فإن التهديد والوعيد قد تناول الساكت أيضاً كما جاء في حديث جابر وأبي طلحة ﵄ عن رسول الله ﷺ : (ما من مسلم يخذل مسلماً في موضع تنتهك فيه حرمته، وينتقص فيه من عرضه؛ إلا خذله الله في موطن يحب فيه نصرته، وما من امرئ ينصر مسلماً في موضع ينتقص فيه من عرضه، وينتهك فيه من حرمته؛ إلا نصره الله في موطن يحب فيه نصرته) رواه أبو داود في سننه والطبراني بإسناد حسن.
(ما من مسلم يخذل مسلماً في موضع تنتهك فيه حرمته، وينتقص فيه من عرضه) وقد رأينا الأحداث كثيرة مستمرة في أرض فلسطين، وفي العراق، ورأينا الأحداث الأخيرة التي فيها أعظم بغي وظلم، فأين الذين عندهم الأموال والقوات والجيوش؟! أين هم من نصرة هؤلاء ولو بكلمة، ولو بإعانة، ولو بإبانة؟ وأين بقية المسلمين من حزن يعتصر قلوبهم؟ كثير منهم يضحك ملء شدقيه، ويأكل ملء ماضغيه، وينام ملء جفنيه، وكأن شيئاً لم يكن، وكأن حزناً لم يخالط قلبه، وكأن كرباً لم يقع له! إنها نصوص عظيمة، وتهديدات خطيرة: (ما من مسلم يخذل مسلماً) في مثل هذه الظروف العصيبة، ليس لأولئك إلا الله، نسأل الله أن يثبتهم، وأن يفرج عنهم، وأن يعينهم، ونسأل الله أن يدحر عدوهم، وأن يرد كيدهم في نحرهم، ونسأل الله أن يسخرنا لنصرتهم حزناً عليهم، ووحدة معهم، ودعاء لهم، وبذلاً للأموال والأرواح في سبيل نصرتهم ما استطعنا إلى ذلك سبيلاً.
اللهم إنا نشكو إليك ضعف قوتنا، وقلة حيلتنا، وهواننا على الناس، إلى من تكلنا؟ إلى عدو يتجهمنا أم إلى عدو ملكته أمرنا؟ إن لم يكن بك علينا غضب فلا نبالي، ولكن رحمتك وعافيتك أوسع لنا.
نسألك اللهم ألا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا، وأن تيسر لنا، وأن تهيئ لنا من أمرنا رشداً، وأن تجعل لنا من كل هم فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً، ومن كل فتنة عصمة، ومن كل بلاء عافية، يا سميع الدعاء! اللهم إنا نسألك أن توفقنا لطاعتك ومرضاتك، وأن تسخرنا في نصرة دينك وولاية عبادك برحمتك يا أرحم الراحمين! اللهم عليك بالطغاة المتجبرين، اللهم عليك بهم أجمعين، أرنا فيهم عجائب قدرتك، وعظيم سطوتك، زلزل اللهم الأرض تحت أقدامهم، واقذف الرعب في قلوبهم، واجعل الخلف في صفوفهم، اللهم نكس راياتهم، وأذل أعناقهم، وسود وجوههم، اللهم اجعلهم عبرة للمعتبرين، واشف فيهم صدور قوم مؤمنين، عاجلاً غير آجل يا رب العالمين! اللهم أقر أعيننا بنصر الإسلام والمسلمين عاجلاً غير آجل يا رب العالمين! اللهم ردنا إليك رداً جميلاً، واجعلنا بكتابك مستمسكين، ولهدي نبيك ﷺ متبعين، ولآثار السلف الصالح مقتفين، اللهم اجعلنا أغنى الأغنياء بك، واجعلنا اللهم أفقر الفقراء إليك، ولا تجعل لنا إلى سواك حاجة.
اللهم إنا نبرأ من الثقة إلا بك، ومن التوكل إلا عليك، ومن الخوف إلا منك، ومن الرجاء إلا فيك، ومن الإنابة إلا إليك.
اللهم علق قلوبنا بك وبطاعتك يا رب العالمين! اللهم إنه لا حول ولا قوة لنا إلا بك؛ فأمدنا اللهم وإخواننا المسلمين بحولك وقوتك ونصرك وعزك وتأييدك يا رب العالمين! اللهم ثبت أقدامنا، واربط على قلوبنا، وانصرنا على عدونا.
اللهم أفض على قلوبنا السكينة والطمأنينة، واجعلنا يا ربنا أوثق بما عندك من كل قوى الأرض كلها يا رب العالمين! اللهم انصرنا فإنك أنت المعين الناصر، ولا تخذلنا فإنك أنت الملهم القاهر يا رب العالمين! نسألك اللهم لأبناء أمتنا أن تردهم إلى دينك رداً جميلاً.
اللهم من أرادنا وأراد الإسلام والمسلمين بخير فوفقه لكل خير، ومن أرادنا وأراد الإسلام والمسلمين بسوء فاجعل دائرة السوء عليه، واجعل تدبيره تدميراً عليه يا سميع الدعاء! اللهم اجعل هذا البلد آمناً مطمئناً رخاء وسائر بلاد المسلمين، واصرف عنا الفتن والمحن ما ظهر منها وما بطن عن بلادنا هذه خاصة، وعن سائر بلاد المسلمين.
وأصلح اللهم أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين! اللهم وفق ولي أمرنا لهداك، واجعل عمله في رضاك يا رب العالمين! اللهم انصر إخواننا المجاهدين في أرض العراق وفي فلسطين، وفي كل مكان يا رب العالمين، اللهم أفرغ في قلوبهم الصبر واليقين، وثبت أقدامهم في مواجهة المعتدين.
اللهم إنه لا حول ولا قوة لهم إلا بك؛ فأمدهم بحولك وقوتك يا رب العالمين، اللهم إنهم عراة فاكسهم، خائفون فأمنهم، ضعفاء فقوهم، اللهم أنزل عليهم نصرك وعزك وتأييدك يا رب العالمين.
عباد الله! صلوا وسلموا على رسول الله؛ استجابة لأمر الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٥٦]، وترضوا على الصحابة الكرام، وخصوا منهم بالذكر ذوي القدر العلي، والمقام الجلي، وهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، وعلى سائر الصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين.
وأقم الصلاة! إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.
стр. 2377
التوبة آثار وآفاق
جعل الله للعبودية مراتب وصوراً، ومن أعظم تلك الصور التي يترقى فيها العبد في العبودية: التوبة؛ إذ هي تحمل أعظم معاني العبودية للمولى ، ففيها إخلاص الدين لله، والعودة والرجوع إليه، والخضوع والتذلل بين يديه، وقد وعد الله كل مخلص تائب بالمغفرة والمحبة.
ومما يلزم العبد معرفته في باب التوبة معرفة العوائق التي تحول بينه وبين طريقها؛ كي يحذر منها، ويبتعد عنها.
стр. 2378
التوبة وما تحققه من معاني العبودية
الحمد لله، الحمد لله فتح أبواب رحمته للمؤمنين، وبسط يده للتائبين، وأعد عفوه للمستغفرين النادمين، أحمده حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه على آلائه ونعمه التي لا تعد ولا تحصى، حمداً كما يحب ربنا ويرضى، حمداً نلقى به أجراً، ويمحو الله به عنا وزراً، ويجعله لنا عنده دخراً، فله الحمد ملء السموات والأرض وملء ما شاء من شيء بعد، وله الحمد على كل حال وفي كل آن، وله الحمد في الأولى والآخرة، سبحانه لا نحصي ثناء عليه هو كما أثنى على نفسه.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وصفيه من خلقه وخليله؛ ختم به الأنبياء والمرسلين، وجعله سيد الأولين والآخرين، وأشهد أنه ﵊ قد بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، وجزاه الله خير ما جازى نبياً عن أمته، ورزقنا وإياكم اتباع سنته، واحشرنا يوم القيامة في زمرته، وجعلنا من أهل شفاعته، وصلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى من تبعهم، واقتفى أثرهم إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢].
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: أيها الإخوة المؤمنون! موسم عظيم من مواسم المغفرة، وأيام مباركة من أيام الله، ونفحات عظيمة من نفحاته جل وعلا، هبت علينا أنسامها في هذه الأيام المباركة من خلال الفريضة المعظمة، وما يزال العبد يتقلب في رحمة الله، وما يزال المؤمن ينظر إلى جود الله وعطائه، وما يزال المؤمن متعلق قلبه بما عند الله، كل ذلك مما اقتضته حكمة الله جل وعلا لتنشيط النفوس وإقبالها على التوبة والاستغفار، ولشحذ الهمم والعزائم على دوام الاتصال والمواظبة على العبادة والأذكار؛ فإن الله جل وعلا قد جعل لهذا الوجود كله غاية أوجزها في قوله : ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦]، فعبودية العباد هي غاية هذا الوجود، ومن أجل تحقيقها أنزل الله الكتب، وأرسل الرسل، ونصب الموازين، وخلق الجنة والنار؛ فهي غاية عظيمة، ولأجل تحقيق هذه الغاية رسم الله جل وعلا ووضع المنهج الذي تتحقق به عبودية العبد ويتصل من خلاله بخالقه ومولاه ، فكلما وهت حبال العبودية أو تقطعت أسبابها جاءت الفرائض والمواسم والعادات العظيمة من الله لتعيد العبد إلى عبوديته وانكساره بين يدي الله وذلته، وإلى رجوعه وندمه، ومن ثم استغفار ربه وتوبته إليه، وهذا الذي نلحظه كلما فترت هممنا، أو ضعف إيماننا، أو غلبت دنيانا على قلوبنا، أو غرقنا في شهواتنا ولذاتنا، تجيء هذه العبادات وهذه المواسم المذكرات لتردنا إلى طريق الله لتعيد إلينا حقيقة عبوديتنا لله، وضرورة صلتنا به .
وليس من المشاهد والمواسم موسم أعظم من هذا الموسم الكبير؛ موسم الحج الأكبر، والأيام المباركة والمغفرة العظيمة، وقبول التوبة الذي وعد به الحق بعد أن بينه وبين تحققه بكمال عبوديته لله؛ فلا بد أن يحمل معوله ليهدم كل حجاب وكل مانع وحائل بينه وبين الله ، وإنما معول هدم الذنوب هو التوبة لله جل وعلا، ودوام الاستغفار له ، ليس بمستنكر أن يقع الإنسان في المعصية، وإنما الشقاء الأعظم في أن يلهو الإنسان، ويغفل القلب، ويسرح العقل؛ فلا يدرك أنه وقع في المصيبة العظمى والداهية الكبرى عندما عصى ربه وخالقه والمنعم عليه، وكان ذلك كله مانعاً من أن يفزع إلى التوبة إلى الله .
وما أعظم ما يتحقق في التوبة من معاني العبودية، فإن معظم معاني العبودية تتحقق في هذه التوبة التي ينطرح فيها العبد بين يدي ربه يعرف خطأه فيستغفر، ويعرف قدرة ربه وعظمته وجبروته فيخاف منه، ويميل إلى عفوه ومغفرته فيرجوه، ويطلب عونه وقوته وقدرته من الله فيسأل ويطلب، فإذا به ينصبغ بصبغة العبودية تضرعاً وخشوعاً ورهبة ورغبة ودعاء وتوسلاً واستعانة وتوكلاً، وليس مثل هذا الأمر عظمة في أثره في القلب، وفي سلوك العبد من بعد ذلك.
стр. 2379
شروط التوبة
ذكر أهل العلم للتوبة شروطاً، إلا أن التفكر فيها يزيد من عظمة هذه التوبة وأثرها في الأوبة إلى الله ، وزيادة الإيمان، ورفع الدرجات عند الرحمن .
أولاها: الإقلاع عن الذنب وعلامته: المفارقة الفورية، والإقلاع النهائي، والعزم السريع على هذا الفعل في تخلص العبد مما يحجبه عن ربه، وتقع به ظلمة قلبه.
ثانيها: الندم: وعلامته: طول الحزن على ما فات وسلف من التفريط.
سئل سعيد بن جبير رحمه الله تعالى: أي الأعمال أكثر عبودية لله؟ وأي العباد أشد قرباً من الله؟ فما قال: المصلي ولا الذاكر ولا التالي، وإنما قال: (رجل اجترح ذنباً؛ فكلما ذكر ذنبه استغفر ربه)، ما يزال أثر الندم يقود إلى دوام الحزن والألم، وإلى مزيد من الذكر والاستغفار، وإلى مزيد من طلب التوبة من الله ؛ فيتجدد للعبد حينئذ عبودية ترقى به إلى أسمى مراتب العباد، ولذا فقه السلف الصالح رضوان الله عليهم هذا فعلموا صدقه وعلموا عظمته فقال قائلهم كما قال سعيد بن جبير: إن أعلى المراتب: رجل اجترح ذنباً؛ فكلما ذكر ذنبه استغفر ربه.
ثالثها: على الطاعة، وعلى عدم العود إلى المعصية: وعلامته: التدارك لما فات، تحقيقاً لقوله : ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفِيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود:١١٤].
ولقول المصطفى ﷺ : (وأتبع السيئة الحسنة تمحها).
وعلى الإنسان أن يتحلل من مظالم الناس، وأن يؤدي حقوق الناس، فقد جاء عن رسول الله ﷺ أنه قال: (من كانت عنده مظلمة لأخيه من عرض أو مال فليتحلل منه اليوم قبل ألا يكون درهم ولا دينار، إن كان له عمل صالح أخذ بقدر مظلمته، وإن لم يكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فحمل عليه)، رواه البخاري في صحيحه.
فهذه المعاني كل واحد منها هو معنى من معاني العبودية يتحقق في القلب، وتعمر به النفس؛ سواء كان سبب الإقلاع الخوف من الله، أو الحياء منه، أو الندم؛ فما وقر في قلبك إلا من أثر الخشية من الله ، أو العزم والعمل؛ فما وقع إلا رغبة منك في إثبات العبودية لله، أو البراءة من الحقوق، فلم يقع منك إلا لأثر هذا الذنب الذي تخشاه في أخراك.
والله قد دعانا وأمرنا، وهو الغني عنا الذي لا تنفعه طاعة الطائعين ولا تضره معصية العاصين، لكنه جل وعلا من رحمته ومن محبته لعباده المؤمنين ناداهم بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾ [التحريم:٨]، أي عظمة أعظم من هذا النداء الذي فيه تلطف وتحبب وتقرب للعباد بوصفهم بهذا الوصف؟ إنه وصف الإيمان الذي يحبونه ويرون فيه شرفهم وعزتهم، وكذلك يستدعي الله بهذا النداء عزم أهل الإيمان؛ لأن للإيمان متطلبات ومقتضيات، أولها: سرعة ودوام واستمرار الاستجابة لله ولرسوله ﷺ ، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا﴾ [التحريم:٨].
стр. 2380
محفزات التوبة
قال ابن القيم وغيره من العلماء: التوبة النصوح تتضمن ثلاثة أمور: الأول: أن تكون توبة عامة من جميع الذنوب صغيرها وكبيرها، قديمها وحديثها، ما يتعلق بالعبد ونفسه والعبد والآخرين، وإننا نعلم أن العمل الذي نقدم عليه ويكون علينا فيه مؤاخذة كثير، ربما ندرك بعضه ولا ندرك بعضه الآخر، ومن ثم جاء دعاء النبي ﷺ في استغفاره وفي دعواته يعلمنا هذا: (اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك شيئاً وأنا أعلمه، وأستغفرك لما لا أعلمه)، وعندما كان يستغفر ذنبه كان يستغفره كله سره وجهره، علانيته وباطنه، ما علمت منه وما لم أعلم، كما ورد عنه ﵊.
الثاني: إجماع العزم: فلا تردد ولا توانٍ، أما من ترك المعصية وأقبل على التوبة حفاظاً على صحته، أو حفاظاً على سمعته، وهو متعلق بتلك المعصية ولو كان يأمن على سمعته أو صحته أو منزلته أو نحو ذلك لقارفها، فمثل هذا ما صدقت توبته، ولا نصح لله في أوبته، ولذلك ينبغي أن نتأمل أن التوبة معانيها القلبية هي التي ينبغي مراعاتها، وهي التي ينبغي الحرص عليها، ويقول النبي ﷺ كما في صحيح مسلم: (يا أيها الناس! توبوا إلى الله واستغفروه؛ فإني أتوب في اليوم مائة مرة).
وإذا أراد الإنسان أن يتشجع على هذه التوبة فعليه أن يعلم أن الله سيغفر له ذنبه، ويستر عيبه، فإن النبي ﷺ أمرنا إذا سألنا الله ودعوناه أن نوقن بالإجابة، وقد نهانا عن تعليق الدعاء بالمشيئة؛ لأن الله لا يتعاظمه شيء، ولا يرد أمره شيء ، ألم تستمع لقول الحق جل وعلا: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ * أُوْلَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ﴾ [آل عمران:١٣٥ - ١٣٦]، أليس هذا وعد من الله؟ ووعد الله -قطعاً- لا يتخلف.
إن تذكرت الله، وإن حل في قلبك الندم على معصية الله، وإن وجد في نفسك العزم على طاعة الله فهذه المعاني الإيمانية التعبدية كفيلة بأن يمحو الله لأجلها ذنبك، وقد قال الله جل وعلا: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾ [طه:٨٢].
ولقد بين النبي ﷺ أن المغفرة من الله واقعة لا محالة.
هذا أولاً، ومن الأمور التي تشد العبد إلى التوبة وتربطه بها؛ ذلكم أن الله يحب التائبين المستغفرين، وقد قال في كتابه بالتوكيد: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة:٢٢٢]؛ فالتواب الذي يئوب ويرجع ويعترف بين يدي الله بذنبه محبوب عند الله .
وقد ورد في الصحيح عن رسول الله ﷺ : (لله أشد فرحاً بتوبة عبده من أحدكم حمل على دابته متاعه في أرض فلاة، فضلت عنه، فبحث عنها فلم يجدها، فاستظل تحت ظل شجرة ينتظر الموت وقد أيس من دابته، فلما استيقظ وجدها وعليها متاعه، ففرح وأخطأ من شد الفرح، فقال: اللهم أنت عبدي وأنا ربك)، فالله أشد فرحاً من فرحة هذا العبد الذي انقطعت عنه أسباب النجاة.
يفرح الله بتوبة التائبين؛ لأنها عربون وشهادة على عبودية أولئك التأبين؛ ولأن فيها خاتم الذل لله رب العالمين؛ وبصمة السجود والبكاء والتضرع والخضوع لرب الأرباب وملك الملوك .
ثالثاً: استمرارية فتح باب القبول من الله ، فإنه (يبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، ويبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار حتى تطلع الشمس من مغربها)، فأي باب أوسع من هذا؟ وأي رحمة أعظم من هذا؟ وأي توبة أوسع من هذا؟ إن هذا مما يجعل العبد يتهيج لطاعة الله، ويداوم على التوبة والاستغفار لله .
وقد ورد في مسند الإمام أحمد وسنن الترمذي عن رسول الله ﷺ : (أن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر)، فالذي ينتبه لهذا يدرك أهمية التوبة.
رابعاً: من الأمور التي تحفز المرء على التوبة معرفته لخطر الذنوب وآثارها، فإنه إذا تفطن لهذا علم أن أعظم البلاء، وأكبر المصائب إنما تحل عليه من أثر الذنوب والمعاصي.
إن الفقه الإيماني الذي كان عليه أسلافنا يربط كل شيء من فلاح ونجاح وتوفيق بالطاعات، ويربط كل شيء من إخفاق وفشل وعناء وبلاء بالمعاصي؛ حتى قال قائلهم: (إني لأجد أثر الذنب في خلق دابتي وزوجتي)، فإذا فقهنا ذلك علمنا لم عندنا الأموال، لكنها ممحوقة البركة؟ ولم عندنا الأبناء، لكننا فقدنا برهم وفقدنا كثيراً من خيرهم؟ ولم عندنا كذا وكذا ولكننا لا نجد أثر التوفيق فيه؟ لو فقهنا ذلك لعلمنا أنه من آثار تراكم المعاصي والذنوب التي نقترفها سواء أكنا مدركين لذلك أو غير مدركين، والطبع على القلب أسوأ آثار هذه الذنوب: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [المطففين:١٤]، قال بعض السلف من المفسرين: (هو الذنب بعد الذنب)، وقال آخر: (هو الذنب على الذنب حتى يعمى القلب) والعياذ بالله.
وإفساد العقل أيضاً من الآثار، فإن العقل نور وضياء، والمعصية ظلمة تطفئ نور العقل فيضل -والعياذ بالله- والتهاون بالمعصية من أثر هذه الذنوب، والتكاثر لها بتواردها واستمرارها من أثر هذه الذنوب، وذهاب الحياء من الله قاصمة الظهور في هذا الباب، وينتج عن أثر ذلك نسيان الله للعبد وتركه، فلا يدافع عنه كما وعد: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحج:٣٨]، ولا يتولاه برعايته كما قال : ﴿إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ﴾ [الأعراف:١٩٦]، هذه كلها يفقدها العبد عندما لا يدرك خطر الذنوب والمعاصي ويفيء إلى التوبة.
ألا أيها المستطرف الذنب جاهداً هو الله لا تخفى عليه السرائر فإن كنت لم تعرفه حين عصيته فإن الذي لا يعرف الله كافر وإن كنت عن علم ومعرفة به عصيت فأنت المستهين المجاهر فأية حاليك اعتقدت فإنه عليم بما تطوى عليه الضمائر فنسأل الله أن يجعلنا من التائبين المستغفرين، وأن يجعلنا من المقرين بذنوبنا المعترفين بتقصيرنا، المبادرين إلى الاستغفار والتوبة، والعازمين على الاستمرار على الاستقامة والطاعة، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
أقول هذا القول وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب؛ فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 2381
عوائق التوبة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى من تبعهم واقتفى أثرهم إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين.
أما بعد: أيها الإخوة المؤمنون! فأوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله؛ فإن تقوى الله أعظم زاد يقدم به العبد على مولاه، وإن نعم الله على العباد لا تعد ولا تحصى، ومن هذه النعم العظيمة: فتح أبواب التوبة، وهذه مواسمها العظيمة التي يبسطها الله ويعيدها علينا مرة بعد مرة، وعبادة إثر عبادة؛ حتى تفيء القلوب إلى الله، وتلهج الألسن بالاستغفار لله، وتعاود الجباه السجود لله .
واعلم أخي المؤمن أن ثمة عوائق قد تصدك عن التوبة، ولابد أن تدركها وتعرفها، ولابد أن تتجاوزها وتقفز من فوقها؛ لئلا تجعل حاجباً وحاجزاً بينك وبين الله، فلا تتحقق حينئذ بكمال العبودية لله، ومن أعظم هذه العوائق.
стр. 2382
التسويف
العائق الأول: التسويف الذي يستخدم سوف والسين، وغداً وبعد غد، وإذا تفرغت لكذا وكذا، أو قضيت نهمتي من شبابي أو نحو ذلك.
وما يدريك أن أجلك يمتد إلى أن تبلغ هذا المبلغ فتتوب وتستغفر؟ وما يدريك أنه إذا امتد أجلك سيكون في قلبك إخبات وخضوع وخشوع لله فتتوب وتستغفر؟ ألم تسمع قول الحق جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ [الأنفال:٢٤]؛ فأي ضمان لك أن يضرب على قلبك ويسود بتكاثر الذنوب فيموت ويعمى فلا يعود فيه أثر لإشراقة إيمان، ولا أمل لبارقة توبة؛ ويختم على قلبك كما يختم على قلوب أهل النفاق؛ فتظلم نفسك وروحك فلا يكون عندك انبعاث إلى توبة ولا طاعة؟ نسأل الله السلامة.
قال ابن القيم ﵀: مثل المسوف كمثل رجل أراد أن يقتلع شجرة من الأرض، فلما جاء وجدها قوية راسخة في الأرض فتركها، وقال: أرجع إليها بعد عام، فإذا رجع إليها بعد عام كانت قد امتدت جذورها، وعظم رسوخها، وصعب قلعها، وكان هو قد امتد به العمر ووهنت قواه، وكلَّ عن ممارسة هذه العملية المهمة، فليس هناك أحمق من هذا الذي يترك الأمر حتى يعظم، فلئن عجز عنه وهو في مبتدئه فهو عنه في منتهاه أعجز، فلا تجعل التسويف قنطرة يقودك بها الشيطان من ذنب إلى ذنب، ومن واد للشهوات والملذات المحرمة إلى واد آخر، فما تزال تتردى من حفرة إلى حفرة إلى واد سحيق، إلا أن يتداركك الله برحمته.
стр. 2383
التهوين
العائق الثاني: التهوين، أي: تهوين بعض المعاصي، وبعض الناس إن قلت له: استغفر الله أو تب إلى الله، قال: ما عملت شيئاً، يظن أنه لا يستغفر إلا إذا ارتكب أكبر الكبائر وأفظع الفظائع، وما يدري أنه ينبغي له أن يستغفر ويتوب من تقصيره في ذكر ربه وتعظيمه لمولاه ، أليس قد غفر الله جل وعلا لرسوله ﵊ ما تقدم من ذنبه وما تأخر؟ وأليس هو القائل ﵊: (إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم سبعين مرة)، وفي روايات أخرى: (مائة مرة)؟ أليس هو ﵊ القائل: (أفلا أكون عبداً شكوراً)؟ وأي ذنب هذا الذي نستهين به ونستصغره ونحن قد وقعنا فيما هو من العظائم والفظائع التي لم ندركها؟ أليس قد قال النبي ﵊: (إن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالاً يهوي بها في النار سبعين خريفاً)؟ كلمة من سخط الله تقولها -وما أكثر ما نقول- لا تلقي لها بالاً، لا تظنها من الأمور التي ينبغي أن يطول ندمك عليها، وأن يعظم استغفارك عنها، تهوي بها في النار سبعين خريفاً.
ألم تستمع لفقه أهل الإيمان من صحابة رسول الله ﷺ ومن تبعهم بإحسان؟ ألم تسمع لما صح عن ابن مسعود: (إن المؤمن يرى الذنب كأصل جبل يوشك أن يقع عليه، وإن المنافق يرى الذنب كذباب وقع على أنفه فقال به هكذا؟) فمن استهان بالذنوب فإنه يشبه المنافقين في عدم تعظيمه وتوقيره لرب العالمين.
ألم تستمع لقول أنس في الصحيح: (إنكم لتعملون أعمالاً هي في أعينكم أدق من الشعر -أي: تستهيون بها، وترونها هينة سهلة- كنا نعدها على عهد رسول الله ﷺ من الموبقات) لحياة قلوبهم، ولتعظيم ربهم، ولاستعظامهم لما يقع من مخالفة العبد لربه، وارتكابه ما حرمه عليه، وهم من هم ممن كانوا على قدم وساق في الطاعات، وعلى شدة ورع واحتياط من ترك الشبهات فضلاً عن التخلي والبعد عن المحرمات.
أليس قد قال الحسن البصري رحمه الله تعالى: (إني قد أدركت أقواماً هم أخوف ألا تقبل منهم حسناتهم منكم من أن تحاسبوا على سيئاتكم؟) فمن سلف كانوا يخافون رغم طاعاتهم أن يحرموا القبول، فما يزال خوفهم يملأ قلوبهم، ويجري بالدموع عيونهم، ويذل لله جباههم، ويديم على مدى الزمان ندمهم وكثرة طاعتهم وعبادتهم، وما يزال في قلوبهم الخوف، كما أخبر النبي ﷺ عندما سألته عائشة عن قوله : (﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ [المؤمنون:٦٠] قالت: هو الرجل يسرق ويزني ويشرب الخمر؟ قال: لا يا ابنة الصديق، ولكنه الرجل يصوم ويصلي ويتصدق ويخشى ألا يقبل منه).
وهذا بلال بن سعد يقول: (لا تنظر إلى صغر الذنب، ولكن انظر إلى عظمة من عصيت).
فهذا هو الذي ينبغي أن تستحضره، وإياك وتهوين الذنوب.
стр. 2384
تعظيم الذنب
العائق الثالث: التعظيم: وهو تعظيم الذنب الذي يوقعه الشيطان في نفسك، فيقول: وأنى لك التوبة؟ وكيف تحصل لك المغفرة وأنت قد فعلت؟ كيف وكيف وكيف؟ وقد اقترفت كذا وكذا، وقد تقحمت من المعاصي والذنوب الكبار ما لا يعلمه إلا الله؟ فقل له: اخسأ يا عدو الله! فإن أبواب التوبة مفتوحة، وإن الله لا يتعاظمه ذنب.
وقد ورد في الحديث الصحيح من رواية أنس عن رسول الله ﵊ عن رب العزة والجلال قال: (يا بن آدم! لو لقيتني بقراب الأرض خطايا، ثم لقيتني لا تشرك بي شيئاً؛ لقيتك بقرابها مغفرة ولا أبالي)، لا تستعظمن الذنب فإن استعظام غفران الذنب من الله دليل على عدم معرفة الله، وعلى عدم الصلة الحقيقية الإيمانية بالله، ولذلك ينبغي ألا يصدك الذنب عن التوبة بل ينبغي أن يقودك الذنب إلى التوبة وما حيلة إبليس إلا بث اليأس في نفوس أهل الإيمان، ولا ييئس من رحمة الله إلا القوم الكافرون.
فينبغي أن نتذكر قول الله : ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر:٥٣]، ومن الذي يمنع رحمة الله أن تصيبك يا أخي المؤمن؟ ومن الذي يمنع قدرة الله الذي لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء أن يغفر ذنوبك وإن كانت مثل زبد البحر؟ أليس قد قال المصطفى ﵊ فيما صح من رواية أنس عمن صلى ثم قال دبر صلاته: (سبحان الله ثلاثاً وثلاثين، والحمد لله ثلاثاً وثلاثين، والله أكبر ثلاثاً وثلاثين، وختم تمام المائة بقوله: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، قال: إلا غفرت له خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر)، فالله لا يتعاظمه ذنب؛ فثق بعظمة مغفرة الله ، ولا يصدنك التعظيم إلا الشرك؛ فإن الله قد قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨]، فتعرض لمشيئة الله، وانطرح بين يدي الله، ولا يغوينك التاريخ السابق والأعمال السابقة فإن الإسلام يجب ما قبله، وإن التوبة تجب ما قبلها، وإن الصلاة إلى الصلاة مكفرات لما بينهما ما اجتنبت الكبائر، وإن الحج يغفر الذنوب جميعاً ويرجعك بإذن الله من ذنوبك كيوم ولدتك أمك، فلا تكن هذه الفرية وهذه الشبهة صادة لك عن التوبة.
стр. 2385
التردد في التوبة
العائق الرابع: التردد الذي يجعل الإنسان يحجم عن التوبة؛ لأنه يقول: ومن يضمن لي ألا أضعف فأعاود المعصية مرة أخرى؟ ونقول: هذه حيلة إبليسية شيطانية، اعزم على ألا تعود، فإن ابتلاك الله وعدت للذنب فجدد له توبة أخرى كما كان للذنب الأول، وبهذا تكون لك عبادة أخرى إن أخلصت لله .
وورد في صحيح مسلم: (أن عبداً أذنب ذنباً فاستغفر ربه، فقال الله لملائكته: أعلم عبدي أن له رباً يؤاخذ بالذنب ويغفر الذنب، أشهدكم أني قد غفرت له.
ثم أذنب الثانية فاستغفر ربه، فقال الله : أعلم عبدي أن له رباً يؤاخذ بالذنب ويغفر الذنب، أشهدكم أني قد غفرت له.
ثم فعل الثالثة) فتكرر القول والله لا يعجزه شيء لكن لا يكون ذلك على سبيل الاستهتار والتهاون، وإنما يعزم ويصدق، فإذا غلبته غفلة أو استذله شيطان تذكر مرة أخرى وعاد ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف:٢٠١].
следующие страницы →