Полный текст (2 691 стр.). Показаны 2661–2691 · переход к 2666.
стр. 2661
نهي الأمم السابقة عن الغلو الذي كان سبب هلاكهم
الوجه الثاني: التحذير من الغلو مقترناً بالنهي عنه في الأمم السابقة، كما ورد ذلك في آيات كثيرة من كتاب الله : ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ [النساء:١٧١]، ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة:٧٧].
وبين الله صوراً من آثار ذلك الانحراف من الناحية العملية، وأنكر ذلك وحذر منه كما في قوله: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ﴾ [الحديد:٢٧]، والنبي ﷺ حذر من ذلك عندما ربطه كذلك بمن سبق من الأمم السابقة في قوله: (لا تطروني كما أطرت النصارى المسيح بن مريم) أي: عندما قالوا: المسيح بن الله أو قالوا: المسيح هو الله، تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً.
وما جاءت هذه الآيات ولا تلك الأحاديث للإخباء عن أمر قد مضى في الأمم السابقة إلا ليكون وجهاً من أوجه العظة والعبرة، وأن سبب انحرافهم ومن بعد ذلك هلاكهم إنما هو خروجهم عن مقتضى دينهم، وغلوهم فيه، وانحرافهم عن جادة الصواب الذي جاءهم عن الله، وبلغتهم إياه رسل الله صلوات الله وسلامهم عليهم.
стр. 2662
النهي عن الغلو في صوره العامة
الوجه الثالث: النهي عن الغلو في صوره العامة كلها صغيرها وكبيرها؛ لأن معالجة الأمور الصغيرة إنما هي معالجة من باب أولى للصور الكبيرة؛ ولأن النهي عن المقدمات منع للوصول إلى النتائج، ولأن منهج الإسلام منهج متكامل، فيه وقاية وحماية، كما فيه علاج من بعد وقوع الضرر أو الأذى، كما ورد في الحديث الصحيح عن ابن عباس في حجة الوداع: (أن النبي ﷺ أمره أن يلتقط له الحصى التي يرمي بها في منى، فالتقط له حصيات كحصى الخذف -أي: صغيرة في حجمها- فقال النبي ﷺ : نعم بأمثال هؤلاء، وإياكم والغلو في الدين!)، رغم أن المسألة -كما نرى- في ظاهرها يسيرة، في أمر الحصى أن تكون على هذا النحو، ولكنه ﵊ حذر من الغلو ولو في هذا، بأن يأخذ الناس كبار الحجار ظناً منهم أنها أبلغ في تحقيق المراد بأمر الله، فنهى عن ذلك، ثم جعل النهي عن الغلو عاماً رغم أن الحدث خاص، ورغم أن المسألة ربما تعد مقارنة بغيرها يسيرة فقال: إياكم والغلو في الدين.
كما بين أهل العلم هذا في شرح الحديث فقالوا: وإن كان الأمر خاصاً فإن النهي عام عن كل ما فيه غلو وتجاوز للحد المشروع، أي: في صغير الأمور وكبيرها.
ومن صور التحذير والتنفير من الغلو بيان الشارع الحكيم لسوء عاقبته، وخطورة مغبته، وأنه لا يؤدي حتى إلى مقصود صاحبه، فإن المتشدد في العبادة أو الطاعة فوق الحد المشروع إنما يريد التقرب إلى الله، وإنما يريد الاستزادة من الخير ومضاعفة وكثرة الثواب والأجر، لكن النتيجة التي أخبر بها الشارع تؤدي إلى غير ذلك.
فجاء التحذير من هذا الغلو ببيان عاقبته السيئة الوخيمة، كما في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ وهو يكرر ويدلل ويبين فيقول: (هلك المتنطعون! هلك المتنطعون! هلك المتنطعون!)، هلكوا هنا معناه عام يشمل الهلاك في حقيقة الأمر المادي والمعنوي، فقد يهلك فينقطع عن تلك الطاعات والعبادات ويعجز عنها، وقد يهلك بانحرافه في اعتقاده ومخالفته لأمر الله، وهدي رسوله ﷺ ، وقد بين صفة ذلك الرسول ﵊ عندما قال: (إن المنبت لا أرضاً قطع، ولا ظهراً أبقى)، إن المنبت في صفة السفر لا يريد أن يرتاح، فهو يقول: أنا أمضي وأمشي إلى غايتي بقوة وعزيمة، من غير راحة ولا هدوء ولا توقف، يريد أن يبلغ الغاية في أقصر وقت، وبأعلى قوة وهمة، فإذا به ينقطع في وسط طريقه لا يستطيع الاستمرار، ثم يفقد الوسيلة التي بها يسير إلى الغاية إذ تنقطع دابته أو تهلك، فيكون حينئذ هلاكه مقطوعاً به في الصورة المادية في المثل الذي ضربه النبي ﷺ .
ويقول ﵊: (لا تشددوا على أنفسكم فيشدد الله عليكم، فإن قوماً قد تشددوا فشدد الله عليهم، فتلك بقاياهم في الصوامع والديارات: ﴿ورَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ﴾ [الحديد:٢٧]).
وهذا أمر واضح ومهم وبين، وله كثير من الأدلة التي تبينه.
стр. 2663
صور وأمثلة على الغلو المذموم
بعد أن ذكرنا المعالم الرئيسة للفهم الصحيح لحقيقة الغلو، لعلنا نكمل هذا الفهم بالصور والأمثلة التي تدل عليه؛ لأنه بالمثال يتضح المقال.
стр. 2664
التشديد على النفس بما هو زائد عن الحد المشروع
من أول هذه الصور وأجلاها التشديد على النفس بما هو زائد عن الحد المشروع، ورد في حديث قبيصة بن مخلب عن أبيه ﵁: (أن رجلاً سأل النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! إن من الطعام طعاماً أتحرج منه؟ فقال ﵊: لا يختلجن في نفسك شيء ضارعت فيه النصرانية) رواه أبو داود.
قال الشارح: لا يدخل في قلبك ضيق ولا حرج؛ لأنك على الحنيفية السمحة، فإذا شددت على نفسك بمثل هذا شابهت فيه الرهبانية، والمقصود هنا أن بعضاً من الأمور التي تدخل في دائرة الحلال العام ربما نجد من يشدد على نفسه في تحريمها، أو في البحث عن أصولها بحثاً ليس هناك ما يدعو إليه من ناحية الشرع، وقد قال النبي ﷺ كما في الحديث الصحيح: (إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها، وحد حدوداً فلا تعتدوها، وسكت عن أشياء رحمة بكم من غير نسيان فلا تسألوا عنها).
وقد بين الحق لنا ما أشار إليه النبي ﷺ في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا﴾ [المائدة:١٠١]، وهذا ضرب من الضروب، يبعث عليه أحياناً شعور في الرغبة في التورع والاستزادة من الزهد، غير أننا ينبغي ألا ننسى الأمر المهم، وهو أننا متعبدون في دين الله على شرع الله وهدي رسول الله ﷺ ، لا على نوازع النفس، ولا العواطف، ولا ردود الأفعال.
стр. 2665
تحريم الحلال وتحليل الحرام
قال ابن تيمية ﵀: التشديد تارة يكون باتخاذ ما ليس بواجب ولا مستحب بمنزلة الواجب والمستحب في العبادات، أو تارة باتخاذ ما ليس بمحرم ولا مكروه بمنزلة المحرم والمكروه من الطيبات.
وهذه قضية أخرى، وصورة نفردها في شأن التحريم والتحليل.
جاء في حديث عائشة ﵂ في الصحيح قالت: (دخل النبي ﷺ عليها وعندها امرأة فقال: من هذه؟ فذكرت من صلاتها -أي: عبادتها الزائدة عن الحد المشروع- فقال النبي ﷺ : مه! عليكم من الأعمال ما تطيقون، فإن الله لا يمل حتى تملوا، وكان أحب الدين إليه ما داوم عليه صاحبه).
وهذا ظاهر في هذا التوجيه والإرشاد، وجاء من حديث عائشة ما يبين ذلك، وأثره في الصحابة وتوجيه النبي ﷺ لهم، قالت: (كان إذا أمرهم أمراً أمرهم من الأعمال ما يطيقون فقالوا: إنا لسنا كهيئتك يا رسول الله! إن الله قد غفر لك من ذنبك ما تقدم وما تأخر)، كان يأمرهم من الأعمال بأوامر يطيقونها، وبعبادات يتيسر عليهم فعلها، فيرون أن ذلك دون طاقتهم وهمتهم وعزيمتهم، فيرغبون في الأكثر فيقولون: (إنا لسنا كهيئتك يا رسول الله! إن الله قد غفر لك من ذنبك ما تقدم وما تأخر، قالت: فكان يرى الغضب في وجهه ﷺ ثم يقول: إني أتقاكم لله وأعلمكم به).
أي: قمة ما كان يأمر به هو التقوى، وإرشاده لأمته هو الأفضل والأكمل والأمثل الذي لا مزيد عليه، فمن أراد زيادة فإنما يخرج عن نهج الاعتدال الذي هو سمة الدين، ومن أراد تشديداً فوق المشروع فإنه كأنما يرى في فعل النبي ﷺ قصوراً ونقصاً، وهو يريد أن يكون أفضل أو أكثر.
وقد أثر عن مالك إمام دار الهجرة: أن رجلاً جاء فسأله وهو في مسجد رسول الله ﷺ عن ميقات أهل المدينة فأخبره به، وهو مكان معروف في خارج المدينة، فقال الرجل: لأحرمن من مسجد رسول الله ﷺ ، فقال الإمام مالك: هذه والله الفتنة! فسمع الرجل فرجع وقال: وأي فتنة يا أبا عبد الله! إنما هي أميال أزيدها أبتغي بها ثواب الله؟! أي: أحرم من هذا المكان فتزيد المسافة التي أسيرها وأنا محرم فيعظم أجري عند الله، فقال له: الفتنة أن تعمل عملاً تظن أنك فيه خير من رسول الله ﷺ .
فليس هناك خير ولا كمال ولا فضل أتم وأكمل مما أثر عنه ﵊.
стр. 2666
الاهتمام بعبادات مع ترك حقوق وواجبات
من صور الغلو ترك الواجبات عند تزاحم الحقوق، فإن من الناس من يندفع إلى طاعة وعبادة، ويفرط في حقوق وواجبات أخرى هي من الشرع بمثابة تلك العبادات من حيث وجوبها، بل ربما تعلق وجوبها بحقوق للعباد، لا يكون التساهل أو التسامح فيها مثل ما قد يكون في حق الله .
والمثل المضروب في ذلك ما ثبت في الحديث الصحيح من حديث أبي جحيفة عند البخاري وغيره في قصة مؤاخاة سلمان الفارسي مع أبي الدرداء ﵁، حيث (جاء سلمان إلى أبي الدرداء في بيته، فوجد امرأته مبتذلة قال: ما لك يا أم الدرداء؟! قالت: أخوك أبو الدرداء ليس له فينا ولا في الدنيا نصيب -أي: تفرغ لطاعته وعبادته فقصر في حقوق أهله- فجاء أبو الدرداء فقدم الطعام إلى سلمان فقال له سلمان: كل، قال: إني صائم، قال: عزمت عليك إلا أكلت، وكان متطوعاً فأفطر، ثم لما جاء الليل أراد أن يقوم ليصلي فقال له: نم، ثم أراد أن يقوم فقال له: نم، ثم أراد أن يقوم، فقال له: نم، حتى إذا كان آخر الليل قال: قم فصل الآن، فصليا، ثم لما أصبح الصبح قال سلمان: إن لربك عليك حقاً، وإن لنفسك عليك حقاً، وإن لأهلك عليك حقاً، فأخبر أبو الدرداء رسول الله ﷺ بذلك فقال: صدق سلمان).
وكم نرى من اندفاع في باب من الأبواب يقابله قطعاً وبلا أدنى شك تفريط في أبواب أخرى، فينبغي أن نفقه ذلك وننتبه له.
قال ابن حجر في تعليقه على الحديث: فيه جواز النهي عن المستحبات إذا خشي أن ذلك يفضي إلى السآمة والملل، وتفويت الحقوق المطلوبة الواجبة أو المندوبة الراجح فعلها على فعل المستحب المذكور.
وفي حديث الرجل الذي نذر أن يمشي ويحج ماشياً ولا يستظل، نهاه النبي ﵊ عن ذلك، قال ابن حجر: فيه أن كل شيء يتأذى به الإنسان ولو مآلاً مما لم يرد بمشروعيته كتاب ولا سنة كالمشي حافياً، والجلوس في الشمس، ليس من طاعة الله تعالى؛ فلا ينعقد به النذر.
وصور من مثل هذا نراها في واقعنا وخاصة عند بعض الشباب: إذا تعلق قلبه بالطاعة وأراد أن يعوض ما فاته من عمره، أو يكفر عما سلف من ذنبه، ربما شدد على نفسه بما لا يستطيع الاستمرار فيه، وفي كثير من الأحوال يفرط في حقوق أخرى.
نسأل الله السلامة من الغلو، ونسأله أن يجعلنا من أهل الوسطية والاعتدال، ومن أهل الاستجابة والطاعة، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
أقول هذا القول وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.
стр. 2667
التشديد على النفس بما ليس بمشروع
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى من تبعهم واقتفى أثرهم ونهج نهجهم إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين.
أما بعد: أيها الإخوة المؤمنون! أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله، فإن تقوى الله أعظم زاد يقدم به العبد على مولاه، وإن التشدد والتشديد على النفس فيما ليس بمشروع يفوت كثيراً من الحقوق، ويحصل به اختلال عن التوازن، ولعلنا نضيف إلى ذلك أموراً تبين هذا في أصل سنة النبي ﷺ ، وفيما بينه العلماء في ضوء هذه السنة الشريفة، فقد ثبت أن النبي ﷺ قال: (أفضل الصيام صيام داود ﵇، كان يصوم يوماً ويفطر يوماً)، وفي رواية عند البخاري نصها: (يصوم يوماً ويفطر يوماً ولا يفر إذا لاقى)، أي: لا يفر إذا لاقى العدو.
قال الطبري في شرح الحديث: إنما كان صوم داود من أفضل الصيام من أجل أنه مع صومه لا يضعف عن القيام بالأعمال التي هي أفضل من الصوم، وذلك لثبوته للحرب أمام أعداء الله عند التقاء الصفوف، وتركه الفرار هنالك والهرب، فمن أضعفه صوم النفل عن أداء شيء من فرائض الله فغير جائز أن يصوم صومه ذلك، بل محظور عليه إذا كان يصوم تطوعاً ويضيع بسبب ذلك الصوم فرضاً أو واجباً، بل إذا ضيع بذلك الصوم المستحب والنفل ما هو أفضل منه من نفل الأعمال، فإن صومه مكروه غير محبوب، وإن كنا لا نؤثمه، هكذا قال ﵀.
وهذا يدلنا على أمر مهم: وهو النسبية، فإن ما يطيقه إنسان لا يطيقه غيره، وإن ما يطيقه إنسان في بعض أنواع العبادات قد لا يطيقها في غيره.
قد يطيق الصوم لكنه لا يطيق طول القيام، وقد يطيق طول القيام ولا يطيق أمر الصيام، فينبغي للإنسان أن ينظر ما لا تتأذى به نفسه من المشروع فيأخذ به، وأما ما يفضي إلى سآمته وانقطاعه أو تفريطه في حقوق أخرى فينبغي له أن يوازن، فلا يقدم على عمل بتوسع مع علمه أو يقينه بأنه يفرط في غيره.
وهذا أيضاً مما فقهه العلماء من صفة النبي ﷺ كما في حديث عائشة ﵂ قالت: (كان النبي ﷺ يصوم حتى نقول: لا يفطر، ويفطر حتى نقول: لا يصوم).
قال الشاطبي في تعليقه على هذا الحديث: فانظر إلى ما كان من مراعاة النبي ﷺ إلى الأحوال والظروف والأوقات، فربما في وقت ينشط لهذا، وربما في غيره ينشط لغيره، ولكن المهم هو ألا يتجاوز الحد المشروع بالتشديد على النفس بما يؤدي إلى انقطاعها أو سآمتها ومللها، وبما يؤدي إلى ترك المداومة على الأعمال.
نسأل الله أن يبصرنا بديننا، وأن يفقهنا في كتاب ربنا، وأن يلزمنا هدي نبينا ﷺ .
اللهم إنا نسألك التقى والهدى والعفاف والغنى، اللهم تول أمرنا، وارحم ضعفنا، واجبر كسرنا، واغفر ذنبنا، وبلغنا فيما يرضيك آمالنا، اللهم إنا نسألك فعل الخيرات، وترك المنكرات، وحب المساكين، اللهم إنا نسألك أن تجعلنا من عبادك الصالحين، وأن تكتبنا في جندك المجاهدين، وأن تجعلنا من ورثة جنة النعيم، برحمتك يا أرحم الراحمين! اللهم اهدنا واهد بنا واجعلنا هداة مهتدين، اللهم إذا أردت بعبادك فتنة فاقبضنا إليك غير فاتنين ولا مفتونين، اللهم إنا نسألك العفو والعافية، والمعافاة الدائمة، في الدين والدنيا والآخرة، اللهم اجعل خير أعمالنا خواتيمها، وخير أيامنا يوم نلقاك وأنت راض عنا يا سميع الدعاء! اللهم إنا نسألك لهذه الأمة أن تبرم لها أمر رشد، يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر يا سميع الدعاء! اللهم مكن في الأمة لأهل الخير والرشاد، واقمع أهل الزيغ والفساد، وارفع في الأمة علم الجهاد، وانشر رحمتك على العباد، اللهم يا أكرم الأكرمين! يا أرحم الراحمين! اجعل هذا البلد آمناً مطمئناً رخاء وسائر بلاد المسلمين، واصرف اللهم عنا الفتن والمحن ما ظهر منها وما بطن، عن بلدنا هذا خاصة، وعن سائر بلاد المسلمين عامة.
اللهم وأصلح أئمة المسلمين وولاة أمورهم، واجعل ولايتهم فيمن خافك واتقاك، واتبع رضاك يا رب العالمين! اللهم ووفق ولي أمرنا لهداك، واجعل عمله في رضاك، وارزقه بطانة صالحة تدله على الخير وتحثه عليه يا سميع الدعاء! اللهم انصر عبادك وجندك المجاهدين في أرض فلسطين وفي كل مكان يا رب العالمين! اللهم اربط على قلوبهم، وثبت أقدامهم، ووحد صفوفهم، واعل رايتهم، واجمع كلمتهم، وسدد رميتهم، وقو شوكتهم، وانصرهم على عدوك وعدوهم يا رب العالمين! اللهم عليك بسائر أعداء الدين فإنهم لا يعجزونك، اللهم أحصهم عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تغادر منهم أحداً، زلزل اللهم الأرض تحت أقدامهم، وخذهم أخذ عزيز مقتدر، وأنزل اللهم بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين يا قوي! يا عزيز! يا متين! عباد الله! صلو وسلموا على رسول الله؛ استجابة لأمر الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٥٦].
وترضوا على الصحابة الكرام وخصوا منهم بالذكر ذو القدر العلي والمقام الجلي، وهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، وعلى سائر الصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
اللهم صل وبارك وأنعم على نبيك محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
﴿وَأَقِمْ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ [العنكبوت:٤٥].
стр. 2668
الترجمة النورانية لابن قيم الجوزية
الحديث عن سير العلماء والصالحين ليس لمجرد التسلية، بل الهدف الأسمى منه هو أخذ العبرة والعظة، والاقتداء بهم في علمهم وعبادتهم وأخلاقهم ومعاملاتهم.
والإمام ابن القيم أحد هؤلاء الأعلام الذين يقتدى بهديهم، ويستضاء بنورهم، وتستحث الهمم بالنظر في كتبهم وعلمهم، وقد برز في مجالات شتى: في مجال العلم والعبادة والأخلاق والسلوك والمعاملة، بل صار منظراً بارعاً، وطبيباً للقلوب ماهراً، وفقيهاً مبدعاً، ولأهل الزيغ والضلال قارعاً ومدحضاً، ولكلامهم وأباطيلهم مفنداً، فرحمه الله رحمة واسعة وأسكنه فسيح جناته.
стр. 2669
ابن القيم ونشأته ﵀
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل الله، ومن يضلل فلا هادي له، ونصلي ونسلم على خاتم الأنبياء والمرسلين سيد الأولين والآخرين، إمام المتقين، وقائد الغر المحجلين إلى جنات النعيم، نبينا محمد الصادق الوعد الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى من تبعهم واقتفى أثرهم وسار على نهجهم إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك ورحمتك يا أرحم الرحمين.
أما بعد: فأيها الإخوة الكرام! سلام الله عليكم ورحمته وبركاته، وهذا موعدنا مع الدرس الثالث بعد المائة في يوم الجمعة الموافق للثامن من شهر الله المحرم عام ١٤١٥هـ.
وعنوان هذا الدرس: "الترجمة النورانية لـ ابن قيم الجوزية " وهي وقفات يسيرة مع ترجمة عالم من علماء الأمة، وعلم من أعلامها، ومجاهد من مجاهديها، الذين أجرى الله على أيديهم خيراً كثيراً، ونفعاً عميماً، وخلد لنا من سيرتهم ومن آثارهم وكلامهم وعلمهم شيئاً كثيراً، والحقيقة أن هذا الموضوع أعرض منه ما أحسب أنه يفيد لعموم الإخوة، سيما في مثل هذا الدرس، وأعرض عما قد يكون من أمور يحسن عرضها للمتخصصين في علوم الشريعة أو بعضها على أقل تقدير، ونحن نريد أن نقتبس أنواراً من ترجمة ابن القيم في حاله وفي منهجه.
في حاله: من خلال أخلاقه وعلمه وعبادته وما يتعلق بذلك.
وفي منهجه: من خلال أمور كثيرة تميز بها وبرز فيها، وهي من أعظم ما نحتاج إليه في مثل أوقاتنا المعاصرة.
وأول ما نعرج عليه هو تسمية ابن القيم رحمة الله عليه.
هو: محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد بن حريز الزرعي الدمشقي الحنبلي يكنى بـ أبي عبد الله، ويلقب بـ شمس الدين، ويعرف بـ ابن قيم الجوزية، وهذه الشهرة قد تختصر فيقال: ابن القيم، وقد يقع الخطأ في تسميته كما هو واقع من كثيرين، فيقال: ابن القيم الجوزية أو ابن الجوزية وهذا وذاك غير صحيح.
فالقيم: هو الذي يقوم على الأمر، ويكون قائماً بشئونه وما يحتاج إليه، فيقال مثلاً: قيم المسجد: أي: المسئول عنه، القائم بشئونه، وقد كان أبوه قيماً على الجوزية، والجوزية مدرسة ودار فيها كتب، فـ ابن قيم الجوزية هو ابن الرجل الذي كان قيماً على الجوزية، ولو اختصرت فقلت: ابن القيم لكفى بغض النظر عما كان قائماً بشأنه من الأمور والأعمال.
كانت ولادته رحمة الله عليه في السابع من شهر صفر عام (٦٩١هـ) أي: في أواخر القرن السابع الهجري، وكانت وفاته في السابع عشر من شهر رجب عام (٧٥١هـ)، أي: على رأس النصف الثاني من القرن الثامن، وكانت مدة حياته ستين عاماً، وكان له خلالها جهد كبير وتاريخ عظيم.
стр. 2670
وقفات مع ابن القيم في حاله ومنهجه
نقف وقفات نقتبس أنواراً من حاله، ثم بعد ذلك ننتقل إلى أنوار نقتبسها من منهجه.
стр. 2671
الوقفة السادسة: استعراض مؤلفات ابن القيم في شتى العلوم
وقفة وجيزة في شأن العلم، نستعرض فيها بعض مؤلفات ابن القيم التي صارت من المؤلفات المشهورة، وسنذكر بعض ما يتعلق بها عندما نتكلم عن الأنوار المقتبسة من منهجه في التأليف.
فقد ألف رحمة الله عليه في الإيمانيات والروحانيات كتباً كثيرة ومن أشهرها وأوسعها وأنفعها "مدارج السالكين شرح منازل السائلين" للهروي.
وألف كذلك "عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين" وهو في أمر الصبر والشكر، وفيه كلام نفيس في التربويات والإيمانيات.
وألف "روضة المحبين ونزهة المشتاقين" وهو في أمر المحبة الإلهية وما يتفرع عنها من كلامه على أمر المحبة والعشق، وما يتعاطاه الناس من ذلك، وما يذم منه، وما يمدح، ونحو ذلك مما توسع فيه، وهو كتاب من الناحية الأدبية يعتبر في الرتبة العليا الذي صاغ فيه ابن القيم الكلام بأسلوب عجيب فريد، وبسجع قوي غير ملول، وشنفه وطعمه بأبيات شعرية هي من أروع أبيات الشعر العربي في هذا الباب.
وألف أيضاً في الإيمانيات فيما يتعلق بأمور العقائد كتاب "الروح" و"حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح".
وألف في المسائل العلمية المتعلقة بالعقيدة والتوحيد والرد على أهل الكلام، كما كان شيخه؛ لأن العصر في ذلك الوقت كان يقتضي هذا، ولنا وقفة وجيزة ستأتي إن شاء الله عن الفترة والبيئة التي عاش فيها.
ألف "شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل" وقد أتى فيه بمنطق القوم وبلسانهم وحجتهم، ونقضها على طريقتهم ومنهجهم، ودحضها بالحجج من كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ ، وكانت كتبه من عناوينها فيها مدلولات عجيبة، فهذا اسمه "شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل" وهي المسائل التي خاض فيها الخائضون فاضطربوا وحاروا، وتقلبت قلوبهم وأصبحوا على شوك الشك متقلبين، فهذا الكتاب شفاء لهذا المريض بهذه الشبه والشكوك، ينزعها منه ويدحضها له ويعدمها بالكلية، حتى يطمئن قلبه ويبرأ من علة الشك.
له كتاب آخر "الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة" وهي صواعق من كتاب الله ومن سنة رسول الله ﷺ أبطلت حججهم، وأفنت أمرهم، وأحرقت مقالاتهم، والكتاب من عنوانه مطابق لهذه العناوين.
وكذا ألف كتاب "اجتماع الجيوش الإسلامية على غزو المعطلة والجهمية".
وله النونية المشهورة واسمها "الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية" وغير ذلك أيضاً من الكتب.
وأما في شأن الفقه وما يتعلق بمسائله، فله الكتاب البديع الرائع الذي هو "إعلام الموقعين عن رب العالمين" ذكر فيه مسائل وضوابط في الفقه والقضاء والفتيا والتقليد والاجتهاد والتمذهب ونحو ذلك، وأتى فيه بنفائس عظيمة وجليلة ربما تستحق أن تكون مواضيع لدروس عديدة، وقد أفدنا من هذا الكتاب في دروس كثيرة، ومنها على سبيل المثال الدرس الذي كان بعنوان: اللباب في السؤال والجواب.
وألف كتاب: "الطرق الحكمية في طرق الإثبات" وغيرها من الكتب الكثيرة في هذا المجال.
وفي السيرة له الكتاب المشهور المعروف "زاد المعاد في هدي خير العباد" وهذا الكتاب فيه مزايا كثيرة جداً يضيق المقام عن حصرها، لكنه جمع فيه بين ما كان يسمى بكتب الشمائل وما كان يسمى بكتب السير والمغازي، فجمع المنهجين معاً في كتابه، إضافة إلى ما في هذا الكتاب من التحريرات التاريخية، والمسائل الفقهية الدقيقة التي توسع فيها كثيراً في بعض المواضع، فجمع في كتابه هذا بين التاريخ والفقه والسيرة والشمائل، وغير ذلك من العلوم، ومنها تعرضه لعلل بعض الأحاديث، وقد ألف هذا الكتاب أثناء سفره، أي: من غير كتب ولا مراجع، وإنما مما كان يحفظه في رأسه وفي قلبه من هذه النصوص والعلوم، وقد ذكر بعض الباحثين المعاصرين أنه ألف في السفر الكتب التالية: ١ - مفتاح دار السعادة.
٢ - روضة المحبين.
٣ - زاد المعاد.
٤ - بدائع الفوائد.
٥ - تهذيب سنن أبي داود.
هذه الكتب ألفها في حال السفر، ولو نظرت إلى بعضها لرأيت فيها علماً جماً لو عكف عليه الباحثون وتفرغوا له، ربما لم يأتوا بجزء منه، وهذا يدلنا على علمه الواسع.
وتميز ابن القيم بالكتب المتعلقة بالناحية التربوية النفسية، وله في ذلك: "إغاثة اللهفان" و"الجواب الكافي" وغيرهما من الكتب التي تتكلم على أمر الذنوب والمعاصي، وأمراض القلوب وعللها وأدوائها مما هو أيضاً معلوم وواسع.
وقد توسع ابن رجب في ذكر هذه المؤلفات كثيراً، فنحن من خلال هذه الوقفات نؤكد على ما ينبغي أن نستفيده من هذه الترجمة في شقها الأول: ما يتعلق بحال ابن القيم في أخلاقه وخلاله، وفي عبادته وتهجده، وفي علمه ومؤلفاته، وأيضاً في استفادته من شيوخه وتعلمه على أيديهم.
وننتقل الآن إلى الشق الثاني وأحسب أن له أهميةً أكبر من الشق الأول: وهو ما يستفاد من منهج ابن القيم رحمة الله عليه الذي قرره في كتبه، وعرف به في حاله وتقريره للمسائل التي تعرض لها.
стр. 2672
الوقفة الرابعة: أثر صحبة ابن القيم لشيخه ابن تيمية واستفادته منه
نحن نرى أن كثيراً منا في هذا العصر يريد أن يطلب العلم دون جهد أو عنى، ويريد أن يحصله دون طول زمن، بل يريد في لمحة من وقته أو ساعة من نهار أن يحفظ ويفهم ويدرك ويجيد ويتقن، وأما علماؤنا فقد كانوا على غير ذلك، وهذا مما ينبغي أن يتنبه له، ثم إنه قد استفاد رحمة الله عليه استفادةً واضحةً من شيخ الإسلام ابن تيمية رحمة الله عليه؛ ولذلك وقفة أيضاً نأخذها هنا لنرى أثر الصحبة، والاقتباس، وتلقي العلم، والتربية الإيمانية العلمية والسلوكية التي غفل عنها كثير منا في هذه الأعصر.
صحب ابن القيم شيخه من عام (٧١٢هـ) حتى وفاته في عام (٧٢٨هـ) أي: أنه لازمه ستة عشر عاماً، كان فيها مختصاً به، مرافقاً له، أكثر الأخذ عنه والمدارسة معه، واطلع على سائر أحواله، وقد وصف من حال شيخه الكثير والكثير، مما يدل على تأثره به وأخذه عنه، وأنه لم يأخذ عن ابن تيمية رحمة الله عليه العلم وحده، وإنما أخذ عنه العلم والسلوك، وأخذ عنه الحال الإيماني والوصف التربوي، كما أنه أخذ منه أمر مهم وهو المنهجية في أخذ العلم والاستنباطات ونحو ذلك مما يأتي ذكره، وقد قال ابن القيم في وصف هذه العلاقة أبيات.
يحكي فيها عن نفسه وما مضى به من الأحوال: يا قوم والله العظيم نصيحة من مشفق وأخ لكم معوان جربت هذا كله ووقعت في تلك الشباك وكنت ذا طيران أي: قبل أن يصحب شيخه ثم يقول: حتى أتاح لي الإله بفضله من ليس تجزيه يدي ولساني أخذت يداه يدي وسار فلم يرم حتى أراني مطلع الإيمان ورأيت أعلام المدينة حولها نزل الهدى وعساكر القرآن ورأيت آثاراً عظيم شأنها محجوبة عن زمرة العميان وقال ابن كثير رحمة الله عليه: إن ابن القيم صحب ابن تيمية لما عاد الشيخ من الديار المصرية في سنة (٧١٢هـ) ولازمه إلى أن مات، وأخذ عنه علماً جماً.
وقال ابن حجر في الدرر الكامنة: إنه غلب على ابن القيم حب شيخه؛ حتى كان لا يخرج عن شيء من أقواله، بل ينتصر له في جميع ذلك، وهو الذي هذب كتبه ونشر علمه.
وهذا الكلام من ابن حجر رحمة الله عليه ليس على إطلاقه؛ فإن ابن القيم قد استقى من شيخه أن المجتهد لا يقلد، وأن المصدر الذي ينبغي أن يعود ويرجع إليه العالم هو كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ؛ ولذا فقد خالف ابن القيم شيخه في مسائل عديدة، ولم يكن موافقاً له في كل شيء، وإن كان استفاد منه كثيراً، وقد قرر ذلك في كتبه وطول النقل عنه، وكان يقول: أفدت ذلك من شيخنا، وكان يقول: ما أطلقت من قول شيخ الإسلام فأعني به ابن تيمية ونحو ذلك مما كان ينسبه إليه ويستفيده منه، ولكنه مع ذلك خالفه في مسائل ليست قليلة، وليس هذا موضع ذكرها، لكني أذكر بعض هذه المسائل، مثل مخالفته لشيخه في فهم كلام للإمام أحمد في مسألة الرضعة الواحدة، والاعتداد بها، وكيف تكون الرضعة.
وكذلك أيضاً مسألة تتعلق بعدة الأمة، فقد خالف فيها شيخه، وغير ذلك من المسائل.
وما نقتبسه هنا أيها الأحبة! أنه لا بد لطالب العلم من الشيخ الذي يتلقى عنه العلم، ويتعلم منه السلوك والسمت الصالح، ويأخذ عنه النهج الذي يفتح الله به عليه في معرفة ما يأخذ من العلم وما يدع، وكيف يأخذ هذا العلم، وكيف يصنع به ويستفيد منه وينشره، إلى غير ذلك من الأمور؛ لأنه ليس المطلوب هو مجرد حفظ العلم وتلقيه، بل كيفية الإفادة منه، والتعريف به، ونحو ذلك من الأمور اللازمة التي يحتاج إليها كثيراً.
стр. 2673
الوقفة الخامسة: تصانيف ابن القيم وتآليفه
وقفة أخرى نقتبس منها أيضاً أنواراً أخرى، وهي ما يتعلق بكتبه وتآليفه؛ لأنها أثر من آثار علمه، ويعجب المرء بما كان لسلفنا الصالح رضوان الله عليهم من همة وعزيمة، وما أمدهم الله به من توفيق وتسديد.
يقول ابن كثير في شأن مؤلفاته: وله من التصانيف الكبار والصغار شيء كثير، وكتب بخطه الحسن شيئاً كثيراً، واقتنى من الكتب ما لا يتهيأ لغيره تحصيل عشره من كتب السلف والخلف.
وهذا وصف إجمالي سنذكر بعض تفصيله.
وابن رجب يقول: كتب بخطه ما لا يوصف كثرةً، وصنف تصانيف كثيرةً جداً في أنواع العلم وكتابته ومطالعته وتصنيفه، واقتنى من الكتب مالم يحصله غيره.
وكان كلام ابن حجر في وصفه في هذا الباب من أجمل وأنفس ما يقال، يقول: وكان مغرماً بجمع الكتب، فحصل منها ما لم يحصل غيره.
يعني كان يجمع الكتب ويقتنيها، ونحن نعلم أن الكتب في ذلك العصر لم تكن مطبوعة بآلاف وعشرات الآلاف كما هو في عصرنا، فكان تحصيلها وجمعها وتتبعها ونسخها أمراً فيه مشقة وجهد وعناء لا يعرفه إلا من كابد ذلك أو بعضاً منه أو اطلع عليه.
يقول ابن حجر: وكان مغرماً بجمع الكتب، فحصل منها ما لم يحصل غيره، حتى كان أولاده يبيعون منها بعد موته دهراً طويلاً سوى ما اصطفوه لأنفسهم.
من أولاده إبراهيم وعبد الله كانا من العلماء، وقد درسا بعد موت والدهما في المدرسة الصدرية، وكان أحدهما من أهل الفتيا والقضاء، وهما من أهل العلم، فاصطفوا لأنفسهم كتباً، ومع ذلك كانت كتبه من الكثرة أنهم باعوا بعضاً منها على مدىً طويل من الدهر والزمن.
وقال ابن حجر في وصف تصانيفه -وهذا إطلاق عجيب دقيق مفيد من ابن حجر -: وكل تصانيفه مرغوب فيها بين الطوائف، وهو طويل النفس فيها، يتعاني الإيضاح جهده فيسهب جداً، ومعظمها من كلام شيخه يتصرف فيه في ذلك، وله في ذلك ملكة قوية، ولا يزال له يد في ذلك، ويبسط مفرداته وينتصر لها.
إن قبول المؤلفات وسريانها بين الناس دليل من أدلة التوفيق الإلهي، وقد ذكر العلماء في تراجم بعض أهل العلم هذا المعنى كثيراً، وهو أنه رزق القبول في تصانيفه، أو انتشرت تصانيفه، وتلقاها الناس بالقبول، أو سارت الركبان بتصانيفه في حياته وأخذ بها العام والخاص، ونحو ذلك من الأمور التي ذكرت في بعض العلماء الأعلام الذين ما نزال اليوم نقرأ كتبهم ونتتلمذ عليها، ونرجع إليها، ونعتبرها عمدة الكتب التي خلفها سلف الأمة، مثل: كتب ابن القيم وابن تيمية والإمام النووي وابن حجر والذهبي وغير أولئك من الأعلام رحمة الله عليهم أجمعين.
يقول الشوكاني معلقاً بعد نقل كلام ابن حجر: وله من حسن التصرف مع العذوبة السائدة وحسن السياق ما لا يقدر عليه غالب المصنفين، بحيث تعشق الأفهام كلامه، وتميل إليه الآذان، وتحبه القلوب، وليس له على غير الدليل معول في الغالب، وقد يميل إلى المذهب الذي نشأ عليه، ولكنه لا يتجاسر على الدفع في وجوه الأدلة بالمحامل الباردة كما يفعل غيره من المتمذهبين.
وانظر إلى هذا المعنى الذي أضافه الشوكاني وهو معنى ً جميل جيد وواقعي حقيقي، فإن ابن القيم رحمة الله عليه اشتهر بعذوبة عبارته، وسلاسة أسلوبه، وعلو بلاغته، وحسن عبارته، وكثرة استشهاده بالأمثلة والأشعار والبلاغات ونحو ذلك، مما يجعل كلامه مقبولاً في النفوس، وله وقع في القلوب كما قال: تميل إليه الآذان، وتعشقه وتحبه القلوب، وهذا قول واقعي يعرفه من قرأ في كتبه رحمة الله عليه.
وهذا أمر نحتاج إليه، وهو ما قاله عنه ابن حجر: يتعانى في التوضيح والتبيين وبسط المسائل حتى تعرف، فليس أمر التعليم وتفهيم الناس أمراً هيناً، وإنما يحتاج إلى معرفة طرق التدريس والتعليم، وقد كان ابن القيم قد أخذ بالحظ الأوفى والأوفر من هذا الوصف، وكتبه مع وضوحها وجمالها فيها العلم والتفصيل والتفريع الذي هو من شأن تخصصات العلوم ودقائقها، إلا أنه كان يسهب بحيث يفهم عنه ويقبل منه، ويكون قد أقام الحجة والدليل بالطريقة الواضحة البينة، وهذه الصفة من الأمور المهمة التي ينبغي أن نستفيدها وأن نقتبسها.
стр. 2674
الوقفة الثانية: علم ابن القيم رحمه الله تعالى
نقف وقفة نقتبس فيها من أنوار ترجمة وحال ابن القيم رحمة الله عليه في علمه.
قد قلنا ذاك الموجز في أخلاقه، وهذه العبارات الجامعة في عبادته، فلا نظن أن هذا وذاك جاء من كلام غير خبير، فقد ذكره من ترجم له أمثال ابن كثير وابن رجب وغيرهما، وابن كثير إمام عالم، فإذا قوم فهو تقويم العلماء، وإذا مدح وأثنى فهو يعرف من هذه العلوم ما يجعله يعرف مواقع الكلمات، وليس كما هو الحال في عصورنا المتأخرة، فأنت تجد من حفظ كلمةً أو كلمتين أو اطلع على كتاب أو كتابين، ربما وصف بأنه عالم الأمة وإمام الأئمة، لكن السابقين من العلماء ما كانوا يطلقون هذه الأوصاف إلا عن علم بها، وتحر فيها، ودقة في إطلاقها.
قال ابن كثير رحمة الله عليه في وصف علمه: سمع الحديث، واشتغل بالعلم، وبرع في علوم متعددة لاسيما علم التفسير والحديث والأصلين، وبالجملة كان قليل النظير في مجموعه.
يعني: قل أن يوجد له نظير في مجموع أحواله، من علمه، وعبادته، وأخلاقه، إلى غير ذلك كله.
وقال ابن رجب في وصف علمه -وقد توسع في ذلك؛ لأنه تلميذه الذي تلقى عنه وأخذ منه-: تفقه في المذهب، وبرع، وأفتى، ولازم ابن تيمية وأخذ عنه، وتفنن في علوم الإسلام، وكان عارفاً بالتفسير لا يبارى فيه، وبأصول الدين وإليه فيها المنتهى -تأمل هذه العلوم والأوصاف- والحديث ومعانيه وفقهه ودقائق الاستنباط منه، لا يلحق في ذلك، وبالفقه والأصول والعربية وله فيها اليد الطولى، وتعلم الكلام والنحو وغير ذلك، وكان عالماً بعلم السلوك، وكلام أهل التصوف وإشاراتهم ودقائقهم، وله في كل من هذه الفنون اليد الطولى.
فهذا يدلنا على شمول علمه في مسائل كثيرة وفي فنون متعددة.
وقال الذهبي -وهو من نعلم في تقويم الرجال-: عني بالحديث وفقهه، ومعرفة بعض رجاله، وكان يشتغل في الفقه، ويجيد تقريره وتدريسه، وفي الأصلين، وتصدى للاشتغال وإقراء العلم، ونشره.
ويقول ابن رجب: ما رأيت أوسع منه علماً، ولا أعرف بمعاني القرآن والسنة وحقائق الإيمان منه -ثم يستدرك ويدلنا ذلك على دقة العلماء- قال: وهو ليس بمعصوم، ولكن لم أر في معناه مثله.
وقال القاضي برهان الدين الزرعي عن ابن القيم: ما تحت أديم السماء أوسع علماً منه، وقد درس في الصدرية -وهي إحدى مدارس الشام نسبة إلى صدر الدين الدمشقي - وأم بالجوزية، أي: كان إماماً فيها.
فهذه الأوصاف التي ذكرت عن بعض ما كان عليه من العلم، تجعلنا نقتبس من نور أهل العلم أنه لا بد من بذل الجهد والتفرغ والحرص على التلقي وعدم التعجل، فإن ابن القيم ما حاز هذه العلوم ولا نال هذه الرتب إلا بعد وقت طويل، وعمل كثير، وتلق متنوع، ورحلة في طلب العلم، وعكوف عليه، وسهر لأجل حفظه وإتقانه.
وقال الشوكاني عنه: برع في جميع العلوم، وفاق الأقران، واشتهر في الآفاق، وتبحر في معرفة مذاهب السلف.
стр. 2675
الوقفة الثانية: عبادة ابن القيم رحمه الله تعالى
نقتبس أنواراً أخرى من أمر وحال عبادته رحمة الله عليه، وقد ذكر المترجمون له في هذا الشأن حالاً عجيبة، وأوصافاً غريبة، وأموراً يتعجب منها كثير منا، وقد ضعفت هممنا، وكثرت بالحياة الدنيا انشغالاتنا، وقصرنا في الطاعات، وفرطنا في كثير من الخيرات.
كان ابن كثير من أصحابه وجلسائه الذين عرفوه وخبروه، يقول: وكنت من أصحب الناس له، وأحب الناس إليه، ومعنى هذا: أنه سيكون مطلعاً على خبايا أمره، وعلى أحواله الخاصة.
ثم يقول ابن كثير رحمة الله عليه -وتأمل هذه الكلمات عندما يقولها الإمام ابن كثير وهو من هو في علمه وفضلة وتأريخه وتراجمه المعروفة-: ولا أعرف في هذا العالم في زماننا أكثر عبادةً منه، وكانت له طريقة في الصلاة يطيلها ويمد ركوعها وسجودها، ويلومه كثير من أصحابه في بعض الأحيان، فلا يرجع ولا ينزع من شأن عبادته وطوله فيها، وتفرغه لها وبذله من جهده ووقته فيها.
ولم يكن ابن القيم رحمة الله عليه رجلاً منقطعاً عن الناس متفرغاً للعبادة، حتى نقول: إن هذا الوصف يليق به؛ لأنه لم يكن عنده شأن آخر، بل كان عالماً صنف مصنفات يحار العقل في فهمها وتدبرها، ومعرفة ما فيها من غزير العلم، ودقائق المسائل، وكان مع ذلك مجاهداً في الدعوة إلى الله ، ينشر العلم ويلقنه، ويرد على المخالفين، ويقوم المبتدعين، ونحو ذلك، ومع ذلك كله ما شغل عن أمر هو من أهم الأمور وأعظمها وآكدها للعالم والداعية والمسلم على وجه العموم، وهو أمر الصلة بالله ، وأمر العبادة وربط القلب به، واستمداد العون منه.
ويقول ابن رجب - وهو ممن تتلمذوا على ابن القيم رحمة الله عليه، وقد وصفه في ذلك وصفاً أطول وأعجب مما ذكره ابن كثير -: وكان ﵀ ذا عبادة وتهجد وطول صلاة إلى الغاية القصوى، وتأله ولهج بالذكر، وشغف بالمحبة والإنابة والاستغفار والافتقار إلى الله ، والانكسار له والانطراح بين يديه على عتبة عبوديته، ثم يقول على غرار ما قال ابن كثير: لم أشاهد مثله في ذلك، وكان في مدة حبسه مشتغلاً بتلاوة القرآن والتدبر والتفكر، ففتح عليه من ذلك خير كثير، وحصل له جانب عظيم من الأذواق والمواجيد الصحيحة، وتسلط بسبب ذلك على الكلام في علوم أهل المعارف.
قال: وحج مرات كثيرة، وجاور بمكة، وكان أهل مكة يذكرون عنه من شدة العبادة وكثرة الطواف أمراً يتعجب منه.
فذاك قرينه، وهذا تلميذه، وهما من المقربين إليه والمختصين به، العارفين بحاله، فإذا بهما يذكران هذا الوصف الذي يغلب على السامع عندما يسمعه أن هذا الرجل لم يكن له شأن إلا العبادة وحدها، ومع ذلك كان رحمة الله عليه يجمع مع هذا الشأن شئوناً أخرى عظيمة وجليلة؛ ولذلك سمت العبادة ونورها الذي يقذف بالقلب، وتوفيقها الذي يجعله الله مسدداً لصاحبها؛ هو أمر مقتبس أصلاً من هدي النبي ﷺ ، وما كان عليه من العبادة مع كونه رسول الأمة، وقائد جيوشها، ومدبر أمرها، ورئيس دولتها، ومع ذلك كان هو الموصوف بالعبادة إلى الغاية القصوى التي لا منتهى إليها ولا قرب منها، وكذلك كان صحابته رهباناً بالليل، فرساناً بالنهار، كانوا يجمعون بين هذا وهذا، وعندما ضعف هذا السمت في أجيالنا المعاصرة، وفي المتصدرين للخير والإصلاح، والدعوة والعلم وطلبه، رأينا ضعفاً في الآثار: من قبول الحق، ومن سرعة الفهم، ومن غزارة العلم وغير ذلك من الأمور التي فتح الله بها على أسلافنا من الأئمة؛ لأنهم أحسنوا ما بينهم وبين ربهم فسهل لهم أمورهم، وفتح لهم من أبواب خزائنه توفيقاً وتسديداً وإلهاماً ورشداً وصواباً في الرأي، ودقةً في الاستنباط، إلى غير ذلك مما عرفوا به واشتهروا به رضوان الله عليهم ورحمة الله عليهم أجمعين.
стр. 2676
الوقفة الأولى: أخلاقه وخلاله التي تحلى بها وعرف بها وأقوال العلماء فيه
إن أول وقفاتنا مع الأخلاق والخلال التي تحلى بها وعرفت عنه، ولا شك أن البدء بهذا من المهمات؛ لأن غاية العلم هو أن يثمر العمل، والإيمان في حقيقته تهذيب للسلوك وتقويم لأخلاق الإنسان، وقد قال النبي ﵊ كما في مستدرك الحاكم: (الإيمان والحياء جميعاً، فإذا نزع أحدهما نزع الآخر)، أو كما قال ﵊، وقال أيضاً: (الحياء شعبة من الإيمان)، مما يدل على أن الإيمان لا بد أن يثمر بهذه السلوكيات والأخلاقيات والعبادات، فالعلم يورث العمل الصالح.
قال ابن كثير -وقد كان من أقران ابن القيم وزملائه وأحبابه-: كان ابن القيم حسن القراءة والخلق، وكان كثير التودد، لا يحسد أحداً ولا يؤذيه ولا يعيبه، ولا يحقد على أحد.
وهذه الكلمات الموجزة تنبئنا عما ينبغي أن يتصف به المسلم الحق، والعالم الذي فقه العلم حق الفقه، فهذا ابن كثير يخبرنا عن حسن سلوك ابن القيم رحمة الله عليه.
وتأمل إلى قوله: كان كثير التودد.
فهذا نور ينبغي أن نقتبسه، فإن المؤمن يألف ويؤلف، وقد قال النبي ﵊: (إن أحبكم إليّ وأقربكم مني مجلساً يوم القيامة أحاسنكم أخلاقاً، الموطئون أكنافاً، الذين يألفون ويؤلفون)، فالمؤمن منبسط الوجه باش الوجه دائم التبسم، محب لإظهار السرور على إخوانه؛ وبهذا يتميز كل صاحب إيمان وصاحب علم، وليس من ضرورة الالتزام والعبادة والتهجد الغلظة والفضاضة والتجهم، فإن بعض الناس ربما غلب عليه هذا السمت، لذلك لا تراه إلا مقطب الجبين، عابس الوجه، ويظن أنه بذلك يحقق مقتضى تعبده ولوازم تعلمه! وليس الأمر كذلك.
ويقول ابن كثير رحمة الله عليه واصفا ابن القيم: لا يحسد أحداً ولا يؤذيه ولا يعيبه.
جاء في مسند الإمام أحمد قصة الرجل الذي بشره النبي ﵊ أنه من أهل الجنة ثلاث مرات، ثم صحبه بعض الصحابة ليرى حاله ويعرف سر بشارة النبي ﵊ له، فلم ير عنده شيئاً يتميز به من كثير قيام أو صلاة أو نحو ذلك، إلا أن الرجل قال له: إني أبيت وليس في صدري غش ولا غل لأحد من المسلمين، فقال: هذه التي بها بلغت، وهي التي عنها نعجز.
فغاية التهذيب الإيماني أن يكون المرء حسن السريرة على إخوانه، يحسن الظن بهم، ولا يحمل الحقد في قلبه عليهم وإن أخطئوا عليه.
كانت هذه الصفة في ابن القيم بالرغم أن له خصومات مع بعض من خالفه في الآراء، حتى سجن وأوذي، ومع ذلك كان لا يحمل حقداً، فالرجل الكبير العظيم يكون مترفعاً عن الدنايا والصغائر، ولا يجعل لخلاف الرأي أثراً على محبة القلوب، وحسن الظن بالآخرين، والتماس العذر لهم.
ولذلك كان وصف ابن كثير مطلقاً، يقول: كان لا يحسد أحداً، ولا يؤذيه، ولا يعيبه، أي: ينتقصه بالعيب أو يقدح فيه سواءً في علمه أو في سمته أو غير ذلك.
وقال كذلك: ولا يحقد على أحد.
ولا يظنن ظان أن هذا السمت يدل على الهوان والضعف والذلة، وإنما كما قال ابن حجر عندما ذكر كثيراً من صفات ابن القيم: كان جريء الجنان، شجاع القلب، يقول الحق لا يخشى في الله لومة لائم، وقد خالف كثيرين وأصر على رأيه وأنه الحق، وسجن وأوذي فما تردد، ولا ارتجف قلبه ولا خاف ولا داهن في دينه.
فتجد أن تبسمك وإدخالك السرور على إخوانك فيهما تنقية قلبك وتهذيب نفسك، بما لا يفضي إلى أن تداهن في الحق أو أن تتراجع عما تعتقده صواباً، وإنما تجمع بين هذه المحاسن كلها، وهكذا كان ابن القيم رحمة الله عليه كما في بعض هذه الكلمات اليسيرة الوجيزة التي ذكرها عنه بعض من ترجم له من أهل العلم.
стр. 2677
منهج ابن القيم فيما يتعلق بمؤلفاته المختلفة وكيفية الاستفادة منه
يمكن تقسيم كتب ابن القيم إلى ثلاثة جوانب أساسية: الجانب الأول: فيما يتعلق بالعقائد.
الجانب الثاني: فيما يتعلق بالفقه.
الجانب الثالث: فيما يتعلق بالروح والتربية الإيمانية والسلوكية.
وليس هذا المقام مغنياً ولا كافياً في الإتيان على هذه المسائل بما يكفي ويجمع كل ما فيها، وإنما نشير من ذلك إلى ما يتسع له المقام، ويليق بحال مثل هذا الدرس العام.
стр. 2678
منهج ابن القيم فيما يتعلق بالجانب الإيماني التربوي
إن ابن القيم رحمة الله عليه لم يكن فقط ممن يقررون المسائل الفقهية على القواعد الأصولية، ويهتمون بالرد على الأقوال فحسب، وإنما خاض في علم القلوب وأحوال النفوس وما يتعلق بذلك، وأتى في هذا بعجب عجاب، وفند فيه كثيراً من الأخطاء، وبين فيه كثيراً من المحاسن التي غفل عنها كثير من الناس؛ ولذلك كان له في ذلك كتب كثيرة كما أشرت إلى بعض منها، ونستطيع أن نسميه من فقهاء الإيمان، هناك فقه الحكم الظاهر، وهناك الفقه الإيماني الذي هو من المقاصد الأساسية لهذا الدين، فنحن مثلاً عندما نأخذ كلام ابن القيم في آثار الذنوب والمعاصي، وعندما نأخذ كلامه على حياة القلوب وموتها وظلمتها ونحو ذلك، نرى ما كان عنده مما يسمى اليوم بعلم النفس، أو علاج الأمراض والعقد النفسيه ونحو ذلك، فإنه قد أتى في هذا الأمر بأشياء كثيرة مفيدة نافعة.
وأوجز أيضاً ملامح أساسية في هذا الشأن: الأول: وهذا يتكرر معنا كثيراً: الاقتباس من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ في تقسيم القلوب ومعرفة أنواعها وأدوائها وعللها وعلاجها، فإن هذا قد أكثر منه ابن القيم رحمة الله عليه كثيراً.
الثاني وهو من الأمور المهمة جداً: البناء على الأثر العملي، ليست القضية في الأمور الإيمانية قضايا أقوال كما خاض في ذلك بعض المتصوفة، وبعض الذين أرادوا أن يخلوا أنفسهم من الأعمال، فقالوا أقوالاً جميلة، وتغنوا بأشعار موزونة رقيقة، وتمايلوا طرباً، ورأوا أن هذا هو حال أهل الإيمان فحسب، كان ابن القيم رحمة الله عليه -كما سأذكر بعضاً من نصوصه الكثيرة- يربط حقيقة الإيمان والعلو في الرتب الإيمانية وصفاء القلب ونقاء السريرة وغير ذلك من الأمور؛ بالتزام الشرع والإتيان بالفرائض والإكثار من النوافل، وبيان أنه ليس هناك تفريق بين علم الحقيقة وعلم الشريعة، كما يقولون.
الثالث: أن ابن القيم رحمة الله عليه فند الباطل من الآراء والأقوال والمعتقدات التي دخلت في أمر التعبد والسلوك ورياضة النفوس وتهذيب القلوب، فقد أنكر وحدة الوجود وبين زيفها، ورد على ترك التكاليف وبين حقيقة هذه الأمور بياناً شافياً وواضحاً.
الرابع وهو مهم جداً: ربطه بين العبادات والأعمال وآثارها الإيمانية في القلب والنفس، وقد أتى في زاد المعاد بأقوال مطولة نفيسة في بعض هذه المسائل، ربما عندما يسمعها السامع أو يقرؤها القارئ لا يرى إلا أنها من أقوال بعض أهل التصوف الغالين فيه، وما ثم شيء قد خرج من فيه ومن كلامه إلا الحق، وإنما كان ينطق بلسان يغترف من قلب شفاف ونفس طاهرة قد تهذبت بهذه الأعمال الإيمانية؛ لأن بعض الناس اليوم أرادوا -عن حسن نية في بعض الأحوال وعن جهل في أحوال أخرى- أن يردوا الغلو الذي وقع والشطحات التي حصلت من بعض من جنح في أمور العبادات والتزهد والترهب؛ فردوا معها أصل الأثر الإيماني، وأنكروا لذلك بعض الأمور إن لم ينكروها بنص قولهم فقد يفهم ذلك من أحوالهم ومجموع أقوالهم، كأن ينكروا ما يقذف في القلب من نور، وما يقع له من تطهير من أثر العبادة والإيمان، وما يقع أيضاً من أمور حسية سواءً بالرؤى الصالحة أو الكرامات أو غير ذلك من الأمور؛ حتى إن ابن تيمية رحمة الله عليه قد بين مثل هذا وأفاض فيه كما في بعض الرسائل والمسائل، حتى إنه عد الإلهام عند تساوي الأدلة مرجحاً عند صاحبه، يعني: يترجح به قول من الأقوال عند صاحبه، ما دام هذا الإلهام لرجل مؤمن صالح؛ لأن هناك شواهد من الأدلة تدلنا على أن التقوى والإيمان والصلاح له أثر في معرفة الحق، وله أثر أيضاً فيما يتعلق بهذه الآثار الإيمانية من ذوق حلاوة الإيمان وطعمه، ومن النور الذي يكون للعبد من أثر هذه الطاعات، ونحو ذلك من الأمور التي تقع له من توفيق وتسديد وإلهام وكرامة، وغير ذلك في حدود ما ثبت دون تجاوز، وأذكر بعض مقالاته في مثل هذه المسائل، وهذا الباب على كل حال من الأبواب المهمة التي أرى أن كثيراً من الشباب تدفعهم حماستهم إلى إنكار كثير من الأمور الإيمانية والتربوية أثناء إنكارهم للباطل الذي فعله بعض المتصوفة؛ ولذلك ترى بعضاً منهم يقول: إن مدارج السالكين لا تصح نسبته لـ ابن القيم! وذلك لأنه رأى أن ابن القيم تكلم على المنازل والمراتب على غرار ما كانوا يتكلمون فيه، مع أنه ما تكلم على ذلك إلا بكلام صحيح في جملته، واستدل لهم من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، ورد على الهروي كما سأذكر بعض الأمثلة في بعض ما خالفه فيه، أولم يوفق فيه في بعض الجمل والعبارات ونحو ذلك، وأيضاً بعضهم قد لا ينسب إليه "حادي الأرواح" أو "الروح" أو غيرها من الكتب، وأقول: ليس ثمة ما يدعو إلى عدم تصحيح نسبة هذه الكتب إلى ابن القيم فإن في كلامه وكلام شيخه من قبله وكلام غيرهما كـ الذهبي سيما في مواضع كثيرة من سير أعلام النبلاء وغيرها من كتب التراجم ما يدل على أن هذا أمر مألوف معروف، وهو أيضاً المنهج الذي اقتبسوه مما نقلوه عن السلف من الصحابة والتابعين ومن جاء بعدهم، فأذكر بعض النقولات السريعة لنختم بها هذا الكلام.
بين ابن القيم رحمة الله عليه مذهب التصوف فقال: أصل هذا المذهب ملازمة الكتاب والسنة، وترك الأهواء والبدع، والتمسك بالأئمة والاقتداء بالسلف، وترك ما أحدثه الآخرون، والمقام على ما سلك الأولون.
وأيضاً يقول ابن القيم في معرض رده على بعض ما ذهب إليه غلاة المتصوفة: قيل لبعض الصوفية: قم إلى الصلاة فقال: يطالب بالأوراد من كان غافلاً وكيف بقلب كل أوقاته ورد يعني: هذا من الواصلين كما يقول، وإنما الصلاة عندهم للغافلين، أما الذين قلوبهم حية موصولة بالله -كما يزعمون- فإنهم لا يحتاجون إلى ذلك.
فقال ابن القيم رحمة الله عليه: فمن لم ير القيام بالفرائض إذا حصلت له الجمعية- يعني: اجتماع القلب- فهو كافر منسلخ من الدين، ومن عطل لها مصلحةً راجحة كالسنن الرواتب، والعلم النافع، والجهاد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والنفع العظيم المتعدي، فهو ناقص، أي: أن فعله ناقص وفيه خلل.
أيضاً يبين المقياس الأساسي في معرفة هذه الأمور: لو نظرتم إلى رجل أعطي من الكرامات حتى يرتفع إلى الهواء فلا تغتروا به، حتى تنظروا كيف تجدونه عند الأمر والنهي وحفظ الحدود والشريعة.
ونقل عن عبد الله الخياط قوله: الناس قبل رسول الله ﷺ كانوا مع ما يقع في قلوبهم- يعني: بحسب ما يقع في قلوبهم-، فجاء النبي ﵊ فردهم من القلب إلى الدين والشريعة.
المسألة التي في الدين ليست مسألة قلوب وأذواق ومواجيد، وإنما الأصل في الشريعة العمل بالشرع، فهو الذي يورث القلب الخير والاستقامة والصلاح ونحو ذلك.
وأيضاً: علق على كلام للهروي في منازل السائرين، وإن كان هو متعقباً له، لكنه كان متأدباً معه، يقول ابن القيم في تعليقه على قوله: ويطوي خسة التكاليف: يقصد عبء التكاليف، لكن ليت الشيخ عبر عن هذه اللفظة بغيرها، فوالله إنها لأقبح من شوكة في العين وشجىً في الحلق -يعني: أن العبارة قبيحة لم يوفق فيها- وحاشا التكاليف أن توصف بخسة أو تلحقها خسة، وإنما هي قرة عين، وسرور قلب، وحياة روح، صدر التكليف بها عن حكيم حميد، فهي أشرف ما وصل إلى العبد من ربه، وثوابه عليها أشرف ما أعطاه للعبد .
وهكذا كانت له مثل هذه التعليقات والكلمات الجميلة.
وله أيضاً الفوائد الواضحة التي هي من آثار العبادة والعلم.
وقد ذكرت بعض النقولات التي تبين لنا هذا الأمر، وأحب أن أؤكد على أن كلام ابن القيم على التزكية في كتبه ومؤلفاته من أعظم ما يستفاد منه فيها رحمة الله عليه.
стр. 2679
منهج ابن القيم فيما يتعلق بالفقه
أنتقل إلى الملامح الأخرى المتعلقة بالناحية الفقهية: ابن القيم رحمة الله عليه كان في هذا الشأن متميزاً، وقد أفادنا منهجه كثيراً في مجالات متعددة.
فإن لـ ابن القيم في منهجه الفقهي ملامح ومعالم أساسية منها: الأول: الدعوة إلى مذهب السلف في المسائل الفقهية، وتقديمه لأقوال الصحابة والتابعين على أقوال من جاء بعدهم، والتفريق بين هذه وهذه في مراتب سيأتي ذكرها.
الثاني: التحرر وعدم الجمود.
الثالث: محاربة التلاعب بالدين.
الرابع: تفهم روح الشريعة.
وأوجز القول في كل واحدة من هذه الملاحم والمعالم: المعلم الأول: ارتباطه بسلف الأمة في المسائل الفقهية، فقد عقد ابن القيم رحمة الله عليه في أول كتابه "إعلام الموقعين" وكذا في آخره فصولاً مطولةً في أن فتاوى الصحابة والتابعين وعلمهم وما قالوه من الآراء هو الأقرب إلى الحق، والأوفق للصواب، والأكثر مطابقة لما يستنبط من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ممن جاء بعدهم، وفصل في ذلك ودلل عليه، لماذا؟ لأن بعض الناس في ذلك العصر وحتى في عصرنا يرون أن قول الصحابي أو قول التابعين شيء لا يهمنا، وأنه لا يهمنا إلا الكتاب والسنة، صحيح أنه يهمنا الكتاب والسنة، ولكن فهمهم أصوب، وعلمهم بهما أكثر؛ ولذلك طول ابن القيم في هذا المقام وأتى بكلام نفيس، وبحث جليل عظيم في آخر المجلد الرابع من إعلام الموقعين.
وهذه المنهجية مهمة جداً، على سبيل المثال: مسألة قول الصحابي الواحد الذي ربما لم تعضده السنة عن النبي ﵊، أو قد يكون ظاهره مخالفاً للسنة يقول: يحمل هذا على ستة أوجه -أذكر بعضاً منها-: إما أنه فعل ذلك نقلاً عن النبي ﵊ ولم ينسبه له، أو نسبه ولم ينقل لنا ذلك أو كذا أو كذا، ثم قال: الوجه السادس: أنه أخطأ وخالف في ذلك ما ثبت عن النبي ﵊، قال: واحتمال وقوع خمسة من ستة أقرب من احتمال وقوع واحد من ستة، فيكون قول الصحابي مقدماً على غيره، وله مرتبته التي يعتبر بها ويستأنس بها.
وقال فيما يذكر في أصول الفقه: كلام الصحابي إذا لم يوجد له مخالف يعد معتبراً مأخوذاً به في الجملة، وإن كان كما ينقل عن الإمام أحمد أنه لا يجعله حجةً، لكنه لا يرى دفعه والإعراض عنه؛ لما للصحابة من منزلة ومزية في العلم والأخذ عن النبي ﷺ .
المعلم الثاني: أمر التحرر وترك الجمود، قد كان في عصر ابن القيم وقبله بأكثر من قرن نوع من العصبية المذهبية والتقليد والجمود، الذي جعل كثيراً من المسلمين يرون تقليد غيرهم هو الواجب اللازم عليهم، وضعف بذلك طلبهم للعلم من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، فنرى ابن القيم رحمة الله عليه هو أحد أقطاب المدرسة التي كانت في ذلك العصر تجدد معنى الارتباط بالكتاب والسنة، والأخذ منهما لمن تأهل لذلك واستجمع المواصفات التي يأخذ بها من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، فقد عاب التقليد وذمه وبين المأخذ الشرعي عليه، وبين أن المقلد قد قلد دينه دون أن يبذل جهده في تعرف الحق من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وفصل في ذلك، وقد نقل عن بعض من كانوا آخذين بالمذاهب أقوالاً تدل على الإفراط الشديد في مسألة التقيد بالمذاهب والتقليد لها، حتى قال أحدهم: كل آية تخالف ما عليه أصحابنا فهي مؤولة أو منسوخة، وكل حديث كذلك فهو مؤول أو منسوخ! ونقل ابن القيم عن هؤلاء أنهم كانوا إذا نزلت بالمفتي أو الحاكم نازلة يقولون: لا يجوز أن ينظر فيها في كتاب الله ولا سنة رسوله ولا أقوال الصحابة، بل إلى ما قاله مقلده ومتبوعه ومن جعله عياراً على القرآن والسنة، فما وافق قوله أفتى به وما خالفه لم يجز له أن يفتي به، وإن فعل ذلك تعرض لعزله عن منصب الفتوى والحكم! فمثل هذه المقالات المنتشرة ميزها ابن القيم وفندها ورد عليها، وبين أنواع التقليد المحرم، وذكر أنه أنواع ثلاثة: الأول: الإعراض عما أنزل الله ، وعدم الالتفات إليه اكتفاء بتقليد الآباء، وهذا كان شأن الكافرين والمشركين.
الثاني: تقليد من لا يعلم المقلد أنه أهل لأن يؤخذ بقوله.
الثالث: التقليد بعد قيام الحجة وظهور الدليل على خلاف قول المقلد.
وقال: هذه كلها مذمومة.
وقد بين ابن القيم الخلاف بين التقليد وبين الاتباع، وبين من يقصر عن درجة الاجتهاد، وأن له أن يأخذ بقول غيره، ونقل عن الشافعي وغيره أنهم عندما لا يجدون دليلاً يأخذون بما أوثر عن الصحابة رضوان الله عليهم، وقلدوهم فيه، بل قد قال الشافعي في بعض فتاواه: أقول بهذا وأقلد فيه عمر بن الخطاب ﵁، وهكذا كان ابن القيم يؤصل هذا المنهج ويوضحه، وأكثر ما بين ذلك في كتاب "إعلام الموقعين"، وذكر له أمثلة رائعة في كتاب "زاد المعاد" وغيرها من كتبه رحمة الله عليه.
المعلم الثالث: التلاعب بالدين، وأنه ليس لكل أحد أن يأخذ من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وهو غير أهل لذلك، فيهرف بما لا يعرف، ويخلط ويأتي بالعجائب، فقد كان من منهج ابن القيم أيضاً حياطة الدين، وذلك بسد باب التلاعب بالدين، ومن أعظم ذلك انتصابه للكلام في الحيل والرد على الحيل وإبطالها؛ لأن الحيل المقصود بها ما يكون من التحايل بصورة فقهية من الناحية الشكلية، فيظنها الظان صحيحة ويجوز ويسوغ لنفسه بها فعل ما لا يجوز شرعاً، وعلى سبيل المثال: المحلل الذي يتزوج حيلة ليحلل المرأة لزوجها الذي بانت منه بينونة كبرى، وقد عقد ابن القيم مباحث مطولة في إعلام الموقعين وفي غيره أيضاً لإبطال هذه الحيل وما استدل به أربابها، فقد استدلوا ببعض الأمور وببعض ظواهر الآيات في قصص، واستدلوا بأحاديث كقوله ﷺ : (إن في المعاريض لمندوحة عن الكذب) واستشهد بعضهم بقصة يوسف ﵇ لما ورى وأخفى على إخوته قصة أخيه، وما صنع، قالوا: كل ذلك يدل على جواز الحيل.
وكذلك ما هو معلوم من قصة أيوب ﵇ في قوله : (((وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ)) [ص:٤٤]، فإنه جمع مائة عود وضرب بها ضربة واحدة تحلة القسم، وغير ذلك من الأدلة.
فهو ﵀ جاء على هذه الأدلة ورد على من استدل بها، وبين الخطأ في الاستدلال، ثم استعرض ذلك بما يدل عليه كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وما كان عليه سلف الأمة رضوان الله عليهم.
المعلم الرابع وهو مهم جداً: اعتبار المقاصد والنيات والعوائد والأحوال في مسائل الفتوى والأحكام، وقد عقد ابن القيم في أول المجلد الثالث من إعلام الموقعين فصلاً في هذا، فهو يقول: النية لها أثر في الحكم، ليس المقصود بالأحكام الفقهية الظواهر الشكلية، بل إذا كانت للمرء نية فإنها قد تؤثر في إبطال الصحيح من الأحكام، مثلاً: مسألة المحلل التي ذكرناها سابقاً، قد يعقد الرجل نكاحاً صحيحاً، لكن ما دامت نيته أنه يقصد بهذا النكاح هذا الغرض ولا يقصد غيره، بل يريد أن يتوصل به إلى أمر مذموم شرعاً؛ فهذه النية لها أثرها؛ ولذلك اعتبار المقاصد والحكم والعلل التي استنبطت من نصوص الشارع، والمقاصد التي روعيت في الأحكام الشرعية مع مراعاة اختلاف العوائد والأحوال؛ أمر عجيب جداً سيما في أمور المعاملات والبيوع.
وقد ذكر ابن القيم على تغير الفتوى باختلاف الأحوال والعوائد والمقاصد والنيات أكثر من مائة مثال، مما كان في عهد الصحابة، ومما اقتبسه من نصوص الكتاب والسنة، مما يدل على أن هذا الأمر مهم جداً، وإلا كان الأمر كما قال ابن القيم: فينسب حينئذ للشريعة أمور لا تصح نسبتها لها؛ لأن الشريعة مبنية على العدل، وكلها محاسن، فلا ينبغي أن تكون هناك أمور تعارض المقاصد الحسنة الكلية لهذه الشريعة الغراء، فهذه المعالم المنهجية مما ينبغي أن يستفاد منها، ومن اطلع على كتب ابن القيم يستفيد منها فوائد مباشرة وواضحة.
стр. 2680
منهج ابن القيم فيما يتعلق بالعقائد
كان للإمام ابن القيم رحمة الله عليه في جانب العقائد منهج واضح بين، وهو مستفاد من منهج السلف رضوان الله عليهم ورحمهم الله تعالى أجمعين، فقد قرر منهجهم في كتبه، وكانت له في ذلك ملامح عامة يمكن إيجازها في الأمور الآتية: الأمر الأول: الاعتماد الكامل التام على كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وعندما نقول هذا يحسب بعض الإخوة أننا نقول قولاً من باب تحصيل الحاصل، لكني أقول: ليس الأمر كذلك، فإنه في عصر ابن القيم وقبله وبعده وإلى عصرنا يوجد من طوائف المسلمين ومن بعض أعلامهم من كان يرى تقديم العقل على النقل، ومن الناس من يأخذ بمسائل علم الكلام وبالدلائل العقلية، وأوجد مسائل منطقية وأنواعاً من الفهوم والعلوم شوشت على صفاء المنهج العذب الذي يستقى من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ .
والحق أن ابن القيم رحمة الله عليه في كتبه كثيراً ما يستدل بالكتاب والسنة في الرد على بعض من خالف أو أخطأ أو ابتدع في مسائل الاعتقاد، وأذكر مثالاً واحداً فحسب على هذا الأمر دون تطويل فيه: وذلك في مسألة رده على من أول اليد بالقدرة، فقد احتج عليهم بآيات من كتاب الله تلجم الخصم الحجة وتعجزه عن الرد، أوجز كلامه حتى لا يطول بنا المقام، لقد استشهد بقول الله في قصة خلق آدم: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص:٧٥]، فيقول: لو كانت اليد تؤول بالقدرة، فما وجه التثنية هنا؟ أي: لو كانت اليد بمعنى القدرة لكان يغني أن يقول: لما خلقت بيدي، ولك أن تضع هذا السؤال ثم تطوف بعقلك وفكرك ما شئت، فلن تجد جواباً إلا أن هذا المنهج غير صحيح، وأن الإثبات الذي اعتمده أهل السنة هو الصحيح، ثم ثنى على ذلك بنصوص كثيرة من القرآن فيها ذكر اليد واليدين لله بما يبطل حجة الخصم ولا يدع مجالاً لمثل هذا التأول، وذكر آيات كثيرة في هذا الشأن نصوصاً من أحاديث النبي ﵊، فهو يأتي بهذا المنهج ويعتمد عليه ويعول عليه.
الأمر الثاني الذي نقتبسه من نهجه رحمة الله عليه: هو أنه كان يأخذ بالحجج العقلية رديفاً؛ وذلك لأمور مهمة كثيرة منها: أن الشارع لم يلغ العقل أصلاً، وإنما جعل العقل الصحيح يوافق النقل الصحيح، وليس هناك تعارض كما قال ابن تيمية رحمة الله عليه.
ثم أيضاً لإقامة الحجة على من أخذوا بمثل هذه الحجج: فهو ينقض حجتهم بنفس منطقهم ومن خلال منهجهم، وهذا أيضاً قد برع فيه واستفاد كثيراً من شيخه رحمة الله عليهما جميعاً، ولقد برع في هذا خاصةً في كتابه "الصواعق المرسلة".
الأمر الثالث في هذا المنهج: أنه كان يستقرئ استقراءً عظيماً جداً لنصوص الكتاب والسنة في المقام الواحد، مع ذكر المأثور عن الصحابة والتابعين بجمع فريد، ومعنى ذلك: أنه لا يكتفي في الموضع الواحد بالدليل الواحد، الذي قد يكون للخصم فيه تأويل أو له عنده شبهة أو نحو ذلك، فأنت ترى أنه قد يأتي في المسألة الواحدة بمئات الأدلة، وهذا كان نهجه في تقرير المسائل العقدية، فقد كان يفصل فيها تفصيلاً، ويسهب إسهاباً، ويجمع جمعاً طويلاً في كل ما يتعلق بهذه المسألة من الأدلة النقلية النصية، ومن أقوال وأحوال الصحابة والتابعين، ولا شك أن الله قد نفع به وبغيره من علماء الأمة؛ لكونهم نقلوا وثبتوا دعائم مذهب السلف الصحيح بهذه الأدلة النقلية الجامعة، وبإثبات ما نقل وأثر عن الصحابة رضوان الله عليهم والتابعين، وأهل القرون الثلاثة المفضلة الأولى، الذين كانوا في جملتهم على الحق والصواب، ولم تكن قد كثرت في عصورهم الفتن، ولا تعددت الفرق.
الأمر الرابع: أن ابن القيم رحمة الله عليه كان يأخذ بمبدأ الشمول والكمال في مسألة تقرير هذه المسائل، بمعنى: أنه لا يأخذ المسألة جملةً ويرد عليها جملةً، بل يأخذها بشكل شامل فيرد منها ما يرد، ويقر منها ما يقر، وهذه مسألة من المسائل الدقيقة التي يغلط فيها كثير من الناس، فقد يأتي إلى مذهب من المذاهب أو مقالة من مقالات أهل الفرق، فيردها بالكلية، وقد يكون فيها بعض الحق والصواب، فلما استفصل ابن القيم رحمة الله عليه في هذه المسائل وطول النفس فيها، بين أن هذه المقالة فيها وجه حق وهو كذا وكذا، وفيها وجه باطل وهو كذا وكذا، أو قد يكون هذا حقاً، لكن بضوابط هي كذا وكذا، وهذا أمر مهم جداً من ناحية التأصيل العلمي، ومن ناحية مراعاة حقوق الآخرين، والحرص على أعراض المسلمين، حتى لا يتهموا بالباطل أو بالخطأ، أو بأنهم خالفوا الكتاب والسنة كما نرى من تعجل بعض المتعجلين في أوقاتنا المعاصرة، فما أن يسمع عن إنسان أنه قال كلمة أو قال كلاماً يحتمل بعض الأقوال إلا قال -على سبيل المثال-: إن فلاناً من الصوفية أو من الحلولية؛ لمجرد كلمة واحدة، ثم يرد كل ما عنده من قول وفعل، وهذا كما هو معلوم أمر غير صحيح في هذا الجانب.
هذه بعض الملامح السريعة في هذا الجانب.
стр. 2681
الأسئلة
стр. 2682
ذكر مراجع مترجمة لابن تيمية وابن القيم
السؤال
أرجو ذكر بعض المراجع عن ابن تيمية؟
الجواب
أنا حضرت لكم عن ابن القيم وسأذكر الاثنين معاً إن شاء الله تعالى لأختم بهذا: هناك كتب كثيرة ترجمت لهذين العلمين، وكثرة هذه الكتب تدل على أن لهما شأناً عظيماً، وفي تراجمهما وعلمهما فوائد كثيرة، بالنسبة لـ ابن القيم هناك " ابن القيم وموقفه من التقليد" تأليف الدكتور عوض الله حجازي، وهناك " ابن القيم حياته وآثاره" للدكتور بكر أبو زيد، وقد جمع فيه موارد ابن القيم في كتبه، وضمه إليه في مجلد في الطبعة الأخيرة (طبعة دار الراية).
وهناك "ابن قيم الجوزية عصره ومنهجه وآراؤه في الفقه والعقائد والتصوف" وهو كتاب واسع وجيد في جملته، تأليف: عبد العظيم عبد السلام شرف الدين.
وهناك أيضاً كتاب "منهج ابن القيم في التفسير" للسمباطي، و" ابن القيم وآثاره العلمية" لـ أحمد ماهر محمود البقري، و"ابن قيم الجوزية" لـ محمد بن مسلم الغنيمي، وهناك بعض الكتب الأخرى المتعلقة بعلم ابن القيم من الناحية اللغوية التي لم نتعرض لها؛ فقد كان له في اللغة والبلاغة شأن واسع.
أما ابن تيمية فقد ألف كثير من أهل العلم في ترجمته، منهم: تلميذه البزار له كتاب: "المراتب العليه في مناقب شيخ الإسلام ابن تيمية رحمة الله عليه" وهناك أيضاً كتب كثيرة للمتأخرين والمعاصرين، ومن الكتب الجيدة والجامعة كتاب: "حياة شيخ الإسلام ابن تيمية لـ أبي الحسن الندوي، وهناك أيضاً كتاب لـ محمد خليل هراس ولـ بهجة البيطار كلاهما بعنوان ابن تيمية، وكتب كثيرة جداً ترجمت لـ ابن تيمية، وكثيرون صنفوا فيها استقلالاً، فيمكن أن يرجع إلى بعضها ويستفاد منها.
ونسأل الله أن يوفقنا لما يحب ويرضى، وأن يجعلنا نقتدي بهؤلاء الأئمة الأعلام، ونتأسى بهم في علمهم وسمتهم وحالهم، إنه ولي ذ لك والقادر عليه.
وصل اللهم وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
стр. 2683
ذكر كتب تتعلق بآداب طلب العلم
السؤال
صحب ابن القيم ابن تيمية واستفاد منه، فهل هناك كتب جيدة تبحث في آداب طالب العلم وطلب العلم بتوسع وإسهاب؟
الجواب
هناك كتب كثيرة لعلي أشير إلى بعض القديم منها والجديد، وهي من الكتب المعروفة المشهورة منها: "تذكرة السامع والمتكلم" لـ ابن جماعة وهو من الكتب الجيدة النافعة، وكتاب الزرنوجي "آداب طالب العلم"، وأيضاً لـ أبي هلال العسكري "طالب العلم وآدابه" وهي رسالة صغيرة.
ومن الكتب التي جمعت الفوائد كتاب "جامع بيان العلم وفضله" لـ ابن عبد البر، وحد المعاصرين -وهو محمد الحاج -له كتاب في العلم وفضله وآدابه، وي الحقيقة رأيته من أوسع ما جمع من الكتب المعاصرة، وقرب كثيراً مما ذكر في كتاب ابن عبد البر "جامع بيان العلم وفضله".
ومن هذه الكتب النافعة المفيدة أيضاً كتاب "حلية طالب العلم" للشيخ بكر أبو زيد فيه كلام نفيس جداً، وجمع فيه نقولات جيدة، وله كتاب آخر يتعلق بهذا، بين فيه الأخطأ التي قد تقع من بعض طلاب العلم، وهو أثر التعالم في الفكر والكتاب، وهو كتاب أحسب أنه لم يسبق إليه من حيث مضمونه وفكرته، إضافةً إلى أنه جمع فيه من التراجم والوقائع فما وقع لأهل العلم شيئاً عجيباً ربما لا يتوافر لغيره؛ لأنه ممن عرفوا باطلاع واسع وجمع كبير للمعلومات.
стр. 2684
الحث على صيام يوم عاشوراء
السؤال
لو ذكرتنا بعاشوراء؛ لأن غداً التاسع؟
الجواب
نذكر الإخوة جزاهم الله خيراً بسنة النبي ﵊، وهو صيام يوم عاشوراء، وقد صامه وقال: (لئن عشت إلى قابل لأصومن التاسع)، وفي مسند الإمام أحمد أنه قال: (صوموا يوماً قبله ويوماً بعده).
стр. 2685
من كتب ابن القيم التي رد فيها على الصوفية
السؤال
هل يوجد كتاب خاص لـ ابن القيم للرد على الصوفية؟
الجواب
قد رد في مدارج السالكين وفي غيره على الأخطاء التي تنسب إلى الصوفية ممن غالوا وخرجوا عن حد الشرع، والمسائل الأخرى التي هي في دائرة المشروع أقرها وبين الدليل عليها، وبين فوائدها.
واسم التصوف اسم قديم غلب على الشق المذموم غير المشروع من الأعمال، وقد أطلق أيضاً على عموم ما يعرف عند أهل العلم بعلم السلوك والتصوف، أي: العلم المتعلق بالعبادات والطاعات وما يتعلق بالقلوب ونحو ذلك.
стр. 2686
حكم التحايل وضوابطه
السؤال
ذكرت أن التحايل لا يجوز، فإذا كان وراء هذا التحايل جلب مصلحة ودرء مفسدة عظيمة فهل يجوز؟
الجواب
حديثنا كان على سبيل الإيجاز، وإلا ففي بعض هذه المسائل تفصيل، ومثل هذا لا يعتبر تحايلاً، وإنما هو في جلب مصلحة ودرء مفسدة، فهو من باب مراعاة مقاصد الشريعة، وليس من باب التحايل.
стр. 2687
عدم وجود مذهب خاص بابن تيمية
السؤال
هل كان لـ ابن تيمية فقه أو مذهب خاص؟ ولماذا لم يشتهر؟
الجواب
كان ابن تيمية معروفاً بأنه مجتهد مطلق، بمعنى: أنه أخذ من أقوال الأئمة وخالفهم في بعض المسائل، وقد خالف الأئمة الأربعة في مسائل، وإنما اشتهر مذهبه في بعض المسائل، ولا يزال بعض أهل العلم في عصرنا يفتي ببعض ما خالف فيه شيخ الإسلام الأئمة الأربعة مثل: المسألة المشهورة التي هي: جعل طلاق الثلاث واحدة، ويقول بها بعض المشايخ مثل: سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز وغيره، لكن لم يكن ابن تيمية رحمة الله عليه متقدماً حتى يكون من الذين أخذت مذاهبهم ونقلت، ابن تيمية توفي سنة (٧٢٨هـ) في القرن الثامن، والذين عرفت مذاهبهم واشتهرت بعضهم من أعيان القرن الثالث وبعضهم من أعيان القرن الثاني، ففرق بين هذا وذاك.
стр. 2688
تقويم كتاب تهذيب مدارج السالكين
السؤال
ما رأيك في كتاب "تهذيب مدارج السالكين" لـ ابن العزي؟
الجواب
الأمر الأول: هو كتاب جيد، حاول فيه صاحبه التهذيب والاختصار للتسهيل في هذا العصر، فالأصل في ثلاثة مجلدات، والمختصر في مجلد، وربما المجلد طلب الناس له اختصاراً حتى يكون مجيلداً وهكذا.
الأمر الثاني: أنه ابتعد فيه عن بعض ما كان يستطرد فيه ابن القيم من المسائل، لأنه كان يستطرد في بعض المسائل ويتفرع فيها، ويذكر بعض الأقوال، وهذا اختصرها، وردد فيها المعاني.
وعلى كل حال الاختصار جيد، ولم يعمل مختصره إلا التهذيب، وأيضاً فقهه الذي فقه فيه عن مؤلفه، والكتاب مفيد نافع إن شاء الله تعالى.
стр. 2689
استفسار عن استمرار شرح كتاب زاد المعاد وكتاب العقيدة
السؤال
هل هناك استمرار في شرح كتاب "زاد المعاد" وكتاب العقيدة أم تتوقف؟
الجواب
الدرس مستمر، لكنه تعتريه وقفات بحسب الظروف، لكن الأصل أنه مستمر فيما بعد الفجر، وتوقفه لا يضر؛ لأن الحاضرين له قلة ممن يصلون معنا في هذا المسجد.
стр. 2690
ذكر زواج ابن القيم وبعض أبنائه
السؤال
هل تزوج ابن القيم وله أولاد؟
الجواب
قد أشرت في أثناء الحديث أن له عبد الله وإبراهيم، وكانا أيضاً من أهل العلم، ودرسا بعد والدهما في المدرسة التي كان يدرس فيها.
стр. 2691
حقيقة نسبة القول بفناء النار لابن القيم
السؤال
هل صحيح أن ابن القيم يرى فناء النار؟
الجواب
هذه المسألة من المسائل التي فيها خلاف بين أهل السنة والسلف: وهي القول بفناء النار أو عدم فنائها، هل تفنى النار فيكون الخلود فيها المقصود به طول الأمد، فتفنى بمن فيها أو لا تفنى؟ قولان معروفان لأهل السنة، والأرجح والأشهر القول بعدم فناء النار، ونسب إلى ابن القيم أنه يقول بفنائها، وقد حرر بعض المعاصرين -وهو الشيخ بكر أبو زيد - هذه المسألة، وبين أن نسبة هذا القول إلى ابن القيم ليست صحيحة، وعلى كل حال هو قول معروف عن بعض أهل السنة أيضاً.