← Джавами‘

Джавами‘ · id 7721

دروس للشيخ علي بن عمر بادحدح

علي بن عمر بادحدح

Полный текст (2 691 стр.). Показаны 2626–2665 · переход к 2631.

стр. 2626

الرجوع إلى الله أولاً: إننا نريد أن ننصر إخواننا، وطريق نصرهم أن ننصر ديننا، وأن ننصر الله ربنا، وذلك أمر لا بد أن ندركه: ﴿إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد:٧]، انصروا الله في أنفسكم استقامةً وصلاحاً انصروا الله في بيوتكم طهارةً ونقاءً انصروا الله في بيئاتكم ومجتمعاتكم أمراً بالمعروف ونهياً عن المنكر انصروا الله في كل لحظة من لحظات حياتكم في كل حركة من حركات جوارحكم، فهذا هو الطريق إلى النصر، وإن طالت مسافته، ولا طريق غيره: للنصر قانون والله فصله لا تحسب النصر يأتي الناس معتبطا من ينصر الله ينصره فلا أمل في النصر إلا لمن وفى بما اشترط

стр. 2627

الصبر الأمر الثاني: الصبر الصبر، فإن الصبر أمر عظيم نحتاج أن نوطن النفوس عليه، وانظر إلى ما خاطب الله به رسوله ﷺ : ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ﴾ [الروم:٦٠]، ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [هود:٤٩]، صبر معه يقين، فينبغي أن نصبر، وألا يقودنا البلاء إلى اليأس والقنوط، وألا يقودنا إلى أن نخرج عن طورنا وأن ننسى منهج ربنا أخي قد أصابك سهم ذليل وغدراً رماك ذراع كليل ستبتر يوماً فصبر جميل ولن يدمَ بعد عرين الأسود

стр. 2628

العمل والبذل الأمر الثالث: نحتاج إلى العمل والبذل، بكل ما نستطيع، فينبغي أن نعمل لنصرة هذا الدين، ولو بشق تمرة، ولو بقليل من المال، ولو بلسان حسن منطقه؛ لنعلي راية الحق، ولننصر دين الله في كل ميدان من الميادين، هناك فسحة للعمل فأين العاملون؟ وهناك طرق للبذل، فأين الباذلون؟ لئن عجزنا أن نبذل القليل، فنحن عن الكثير أعجز، ولئن لم ننتصر على أنفسنا وعلى شهواتنا، وراحتنا ونوم عيوننا، وملء بطوننا، فكيف نريد أن ننتصر لنكون مجاهدين نضحي بأرواحنا؟! إننا نحتاج إلى أن نعمل ونبذل في دائرتنا حتى نظهر هذه التربية في أنفسنا، ولنعلم أن القوة والبذل والجهاد والفداء والتضحية عربون من عرابين النصر، وطريق من طرق العزة عهداً على الأيام ألا تهزموا النصر ينبت حيث يرويه الدم وطن يقسم للدخيل هدية فعلامَ يحجم بعد هذا محجم

стр. 2629

التضرع إلى الله بالدعاء الأمر الرابع: الدعاء الذي غفلنا عنه: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر:٦٠]، إننا لم نعد على صلة وطيدة بربنا، لم يعد ندعوه كلما حزبنا أمر، ونفزع إليه كلما أدلهمت في وجوهنا الخطوب، كان النبي ﷺ إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل:١٢٨]، ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ﴾ [البقرة:٤٥]. هذا هو هدي القرآن، فأين الدعاء الذي نرفعه إلى رب السماء في الأسحار قبل الفجر؟ أين الدعوات الصادقة أن يوفقنا الله أن يهدينا أن ينصرنا أن يوحد شتاتنا وتفرقنا أن يقوي ضعفنا ويزيل عجزنا؟ إننا نريد ونحتاج أن ندرك أن الدعاء عمل إيجابي وليس حيلة العاجز، فالدعاء استنجد به النبي ﷺ في يوم بدر؛ فنزل النصر، ودعا به في يوم الأحزاب؛ فتفرق الأعداء، والله مجر سنته، وممض حكمته، ومثبت منهجه ، فادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة، وادعوا الله وقد قدمتم أسباب البذل والعمل، والاستقامة والصلاح، ينزل الله عليكم النصر من حيث لا تحتسبون، أو نظن أننا سننتصر على أعدائنا بمكرنا وكيدنا، بعقولنا وتخطيطاتنا، بقواتنا وأسلحتنا، خاب إذاً والله سعينا! لابد أن ندرك أننا لن ننتصر إلا بدعاء ربنا بعد أن نبذل الأسباب، ولابد أن نلجأ إلى رب الأرباب فيارب هب لي منك صبراً ورحمةً ويا رب حببني بما فيَّ تكتب ويا رب زدني عنك فهماً لمحنتي وثبت يقيني فيك فالقلب قُلَّب وزدني إحساناً بما أنت أهله وحسن فعالي أنت نعم المؤدب وأنزل على قلبي الجريح سكينة وأحسن ختامي ليس لي عنك مذهب

стр. 2630

الثقة بالله لابد لنا من الثقة بالله، تلك الثقة التي أنطق الله بها موسى ﵇ يوم جاء فرعون من ورائه والبحر من أمامه: ﴿قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ [الشعراء:٦١]، قال الواثق بالله ، الواثق بنصره الماضي على منهج ربه: ﴿كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء:٦٢]، ويوم قال أبو بكر في الغار: والله لو نظر أحدهم إلى موضع قدميه لرآنا فقال النبي ﷺ : (ما ظنك باثنين الله ثالثهما)، فنحن نحتاج إلى أن نثق بالله وبوعد الله . وإني على ثقة من طريقي إلى الله رب الثناء والشروق فإن عافني الشوق أو عقني فإني أمين لعهدي الوثيق فالله نسأل أن يوفقنا لما يحب ويرضى، وأن يأخذ بنواصينا إلى طريق الحق والسداد، وأن يلهمنا الرشد والصواب! اللهم إنا نسألك العفو والعافية، والمعافاة الدائمة في الدين والدنيا والآخرة! اللهم ألهمنا رشدنا، وقنا شرور أنفسنا! اللهم توفنا مسلمين، وألحقنا بالصالحين غير خزايا ولا نادمين! اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، وارفع بفضلك كلمة الحق والدين، ونكس رايات الكفرة والملحدين! اللهم من أرادنا وأراد الإسلام والمسلمين بخير فوفقه لكل خير، ومن أرادنا وأراد الإسلام والمسلمين بسوء فاجعل دائرة السوء عليه، واجعل تدبيره تدميراً عليه! اللهم عليك بسائر أعداء الدين فإنهم لا يعجزونك، اللهم أحصهم عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تغادر منهم أحداً. اللهم أرنا فيهم عجائب قدرتك، وعظيم سطوتك، اللهم لا ترفع لهم راية، واجعلهم لمن خلفهم آية! اللهم فرق كلمتهم، ودمر قوتهم، واستأصل شأفتهم! اللهم اجعلهم عبرة للمعتبرين، يا قوي يا عزيز يا منتقم يا جبار، يا من لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء! اللهم رحمتك ولطفك بعبادك المؤمنين المستضعفين، اللهم رحمتك بالمشردين والمبعدين، اللهم رحمتك بالمعذبين والمضطهدين، اللهم رحمتك بالأسرى والمسجونين، اللهم رحمتك بالأطفال الرضع، اللهم رحمتك بالشيوخ الركع، اللهم رحمتك بالصبية اليتامى، اللهم رحمتك بالنسوة الثكالى، اللهم إنهم جياع فأطعمهم، حفاة فاحملهم، عراة فاكسهم، خائفون فأمنهم! اللهم زدهم مع الإيمان يقيناً، اللهم ارزقهم الصبر على البلاء، والرضا بالقضاء! اللهم اجعل ما قضيت عليهم من بلاء تثبيتاً لهم وزيادةً في اليقين، ولا تجعله اللهم فتنةً لهم في الدين، يا قوي يا عزيز، يا رحمن يا رحيم! اللهم عجل فرجهم، وقرب نصرهم، وفرج كربهم، وأزل غمهم، وآنس وحشتهم، وسكن عبرتهم، وسكن لوعتهم، وامسح عبرتهم يا أرحم الرحمين! اللهم كثر الأعداء، وقل النصراء، ولا حول ولا قوة لنا ولا لهم إلا بك يا أرحم الراحمين! اللهم إنه ليس لها من دونك كاشفة، اللهم فاكشف عنا العذاب إنا عائدون، اللهم إنا نسألك أن تجعل هذه الأحداث للمسلمين عبرةً وعظةً يا أرحم الراحمين! اللهم إنا نسألك أن تحسن ختامنا، وأن تجعل خير أعمالنا خواتيمها، وخير أيامنا يوم نلقاك وأنت راض عنا يا أرحم الراحمين! اللهم إنا نسألك أن تجعل هذا البلد آمناً مطمئناً رخاءً وسائر بلاد المسلمين! اللهم احفظ أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم اجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا أرحم الراحمين! اللهم اجعل عمل ولاتنا في هداك، ووفقهم لرضاك يا رب العالمين! عباد الله! صلوا وسلموا على رسول الله استجابةً لأمر الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٥٦]. وترضوا على الصحابة الكرام، وأخص بالذكر ذوي القدر العلي، والمقام الجلي، وهم: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وعلى سائر الصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ [العنكبوت:٤٥].

стр. 2631

إغراق وإشراق أصل الإنسان من شقين اثنين: مادي أرضي، وروحاني علوي، ومن هنا كان لكل شق ما يناسبه من غذاء، وما يهذبه من أحكام، فغذاء البدن من جنس الأرض، أي: مما يخرج منها من الحبوب والثمار، وغذاء الروح من جنس خلقتها وهو الغذاء الرباني من وحي الكتاب والسنة، ومن هنا لابد من التوازن بين هذين الأمرين بحيث لا يطغى أحدهما على الآخر، فيعطى الجسم حقه من الغذاء، وتعطى الروح حقها من الغذاء، حتى لا يكون هناك إفراط أو تفريط.

стр. 2632

مقدمة عن الإغراق المادي والإشراق الروحاني بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، الحمد لله على جزيل نعمه، ووافر عطائه وعظيم كرمه ومنه ، نحمده جل وعلا كما يليق بجلاله وعظيم سلطانه، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيد الأولين والآخرين، نبينا محمد الصادق الوعد الأمين، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وعلى صحابته الغر الميامين، وعلى من اقتفى أثرهم وسار على نهجهم إلى يوم الدين، ونحن معهم بعفوك وكرمك يا أرحم الراحمين. أما بعد: فإن موضوع (إغراق وإشراق) تفصيله إغراق المادية وإشراق الروحانية. والحقيقة أن هذا الموضوع متعدد الجوانب، وفيه كثير من المتاعب، وكذلك فيه دقة وتأكيد على صواب ينبغي أن يخلص من خطأ لا يطغى على الصواب، فهو لذلك كنوع من استخلاص شيء مشتبك بأشياء أخرى كثيرة، ومن هنا لابد من أن يكون التعبير والنقل والبيان واضحاً وجلياً؛ لئلا يكون هناك التباس في فهم أو خلط بين قول وقول. وتقدمة لهذا الموضوع فإننا نعلم جميعاً أن هذا الإنسان مخلوق من قبضة طين ونفخة روح: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ [الحجر:٢٨ - ٢٩]. فأصل الإنسان من هذين الشقين، وبالنظر إليهما نجد أن أحدهما شق مادي أرضي، والآخر شق روحاني علوي، ومن هنا كان لكل شق ما يناسبه من غذائه وما يهذبه من أحكامه، فغذاء البدن من جنس الأرض والطين الذي خلق منه من الزروع والثمار والحيوانات والطعام والشراب مما سخر الله ويسر في هذه الأرض. وكذلك الأحكام تناسب هذا البدن، فنجد قول الله : ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦]، ونجد الأحكام التفصيلية تراعي مثل هذا: (صل قائماً، فإن لم تستطع فجالساً، فإن لم تستطع فعلى جنب). وإذا نظرنا إلى الشق الثاني فإننا نجد أيضاً أن غذاء الروح هو أيضاً من جنس خلقتها؛ لأنها كما قال الله : ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ [الإسراء:٨٥]، فلما كانت هي من أمر الله ومن سر الله في هذا الخلق وهذا الوجود فكذلك غذاؤها لا يكون إلا من جنس أصل خلقتها، فهو غذاء رباني من وحي الله ومن كتاب ، ومن التعلق بالله ، ومن المحبة لله ، إلى آخر ما هو معلوم في هذا الباب مما سيرد ذكر بعض منه بعون الله تعالى. وكذلك أحكامها إن تأملنا فسنجد أنها تناسب هذا الأمر وتتوافق معه، فليست فيها تلك الأحكام المادية البحته، فإن أمر الرؤى والأحلام، وإن أمر الكشف والإلهام، وإن أموراً مما يلحق بهذا لها حكم يتناسب معها ليس آخذاً صفة المادية البحتة، بل هو مواكب وموافق للروحانية. ومن هذا المنطلق عندنا جانبان: الجانب المادي، والجانب الروحي. فالإغراق في المادية يطفئ أنوار الروحانية، والغلو في الروحانية يغلق الناحية البدنية، وكلا طرفي قصد الأمور ذميم. والتوسط هو الهدي المستقيم، وهو الشرع الحكيم الذي جاء به رسولنا ﷺ . وهذا كلام مجمل يوضح المعنى الإجمالي لهذا الموضوع الذي نتحدث عنه، ولذلك قال العلماء من أمثال ابن القيم وابن تيمية كلاماً في مثل هذا الشأن يوضح هذه المقدمة ويبينها. فـ ابن القيم على سبيل المثال يقول: اللذات ثلاث: لذة جسمانية، ولذة خيالة وهمية، ولذة عقلية روحانية. فأما اللذة الجسمانية فهي لذة الأكل والشراب والجماع، ويشترك فيها الإنسان والحيوان، وتحصيل هذه اللذة لا يؤدي إلى كمال الإنسان؛ لأن أنقص الحيوانات يحصلها. فلو كان كمال الإنسان بكثرة الطعام والشراب والمبالغة أو المسابقة في هذا الشأن لكان كلما ازداد في هذا الشأن كلما اتصف بالحيوانية، بل بأدنى مراتب الحيوانية؛ لأن من الحيوانات الوضيعة ما يكون في هذا الجانب مبرزاً أو سابقاً. وأما اللذة الوهمية الخيالية فلذة الرئاسة والتعاظم على الخلق. ويقصد بها ما يتعلق بالنفس من الأمراض من عجب أو تكبر، ففيها لذة في حقيقة الأمر، وفيها نوع من الفرح والسرور، وفيها نوع من حصول طمأنينة النفس المتوهمة، أو استقرار يظنه صاحبه كذلك، ولكنه على الحقيقة ليس كذلك، وقد فقه أهل الإيمان ذلك، ومن ذلك مثال يذكره ابن القيم عن ابن مسعود ﵁ (أنه مشى مرة فمشى خلفه بعض الناس، فقال: هل لكم من سؤال تسألونه أو حاجة تطلبونها؟ قالوا: لا. ولكنا أحببنا أن نسير معك -موكب وحفاوة ونوع مما نسميه نحن البهرج والاتباع والالتفاف- فقال: لا تفعلوا؛ فإنه ذلة للتابع وفتنة للمتبوع). ذلة للتابع لا تتناسب مع كرامة الإنسان، وفتنة للمتبوع يستعلي بها على الخلق، ويظن أنه قد ارتقى مرتقىً لا يبلغه أحد، وهذا من سفه العقل ومن حمق الإنسان، حينما يظن أنه من الممكن أن يفارق البشر ويرتفع عنهم بشيء مما يتعلق بهذه التوهمات والتخرصات. ولذلك كان عتب أهل العلم والإيمان ونقدهم في هذا الباب جميل وقوي، فهذا أحدهم يقول حينما رأى أحد الأمراء وهو يزدهي ويفتخر فقال: علام هذا؟ ما أنت في أولك إلا نطفة مذرة، وفي آخرك جيفة قذرة، وأنت فيما بينهما تحمل العذرة. أي: الفضلات. أكرمك الله. فلا موجب للتكبر، والقرآن بين هذا بياناً شافياً، فقال في شأن المتكبر: ﴿إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا﴾ [الإسراء:٣٧]. مهما مشى المتكبر فله مشيتان: إما أن يدك الأرض دكاً، وإما أن يترفع فيمشي كالطاووس منتشياً على أطراف أقدامه. والقرآن بين أنك مهما بالغت في هذه المشية فإنك لن تخرق الأرض، ومهما بالغت تطاولاً فإنك لن تبلغ الجبال طولاً، فلتعرف قدرك. ولذلك قال أبو العلاء المعري: خفف الوطأ ما أظن أديم الـ أرض إلا من هذه الأجساد يعني: على مهلك عندما تمشي؛ فإن هذه الأرض غداً ستكون أنت من ترابها الذي يوطأ. فإذاً هذه لذة قال عنها ابن القيم رحمة الله عليه: وطلاب هذه اللذة أشرف نفوساً من طلاب الأولى، ولو أنهم ليسوا على الكمال المطلوب، لكن آلامها أعظم من التذاذ النفس بها؛ لأن صاحبها قد نصب نفسه لمعاداة كل من تعاظم عليهم، فهذا يغتابه، وهذا يحسده، وهذا يتربص به، وهو في ذلك على خوف على نفسه ونحو ذلك مما لا يحقق لذة من اللذة التي يطلبها العبد. وأما اللذة العقلية الروحانية فهي لذة المعرفة والعلم والاتصاف بصفات الكمال، من كرم وجود وعفة وشجاعة وصبر وحلم ومروءه ومعرفة الله ومحبته. قال بعض العارفين: مساكين أهل الدنيا خرجوا من الدنيا ولم يذوقوا طيب نعيمها. فقيل له: وما هو؟ قال: محبة الله والإنس به والشوق إلى لقائه ومعرفة أسمائه وصفاته. فهذه اللذة هي التي يسعى الإنسان إلى الكمال فيها ويسعى إلى تحصيلها، وهي التي بها يقع التوازن ويقع العلو والشرف للإنسان، وسيتضح هذا حينما نفصل الآن المدرستين أو الجانبين، سنتحدث عن إغراق المادية وصورها، ثم عن إشراق الروحانية وصورها، وفي كل يقع خلل بين غلو وتفريط وبين إجحاف وإفراط، لأن هذا هو حال ما يقع فيه الالتباس حينما لا يكون الإنسان ملتزماً بنهج كتاب الله وسنة رسوله ﷺ .

стр. 2633

إغراق المادية وما نتج عنه من مدارس المادية متعلقة بالجسم، ومتعلقة كذلك بقوة بدنية تتمثل في الطعام والشراب وقوة الجنس ونحو ذلك، وقوة عقلية تتمثل في الفكر والتأمل وحل المعضلات ونحو ذلك، وقوة هي نوع من التعامل مع المواد والحوادث والوقائع التي تخرج عن دائرة ذات الإنسان. فهناك نتج عن الإغراق في المادية ثلاث مدارس نحتاج أن نمر على بعضها مروراً سريعاً لوضوحها، وبعضها يحتاج إلى شيء من التفصيل. فنشأت المدرسة الإباحية، والمدرسة المادية، والمدرسة العقلية.

стр. 2634

المدرسة العقلية حقيقتها والآثار المترتبة عليها المدرسة الثالثة -وهي التي يطول الحديث فيها- المدرسة العقلانية التي بالغت في حد العقل ومكانته حتى بلغت به أن يكون في منزلة الإله، أو بلغت به أن يكون هو الذي يحكم كل شيء ويوجه كل شيء، حتى جعلت العقل حاكماً على الشرع، وهذا من أعظم الفساد وأكثر المزالق التي ضلت فيها فرق كثيرة، والتي حينما ابتليت بها الأمة وقع فيها من الخلل ومن الزيع -بل ومن الكفر والخروج من الملة- ما هو مشهود له في وقائع كثيرة. وهذا الأمر يحتاج إلى بعض التفصيل؛ لأن الأمرين السابقين أحسب أن صورتهما واضحة سواء من الإباحية أو من المادية التي ذكرناهما، ذلك كله ظاهر، لكن مسألة العقلانية تطوف بالعقول أكثر، والتلبيس فيها أكثر. فإذاً هذه الصورة هي المهمة نقف عندها ونسرد أولاً أقوالاً تبين لنا ما قال هؤلاء العقلانيون إن صح التعبير نسبة إلى العقل الذي بالغوا في تقديره، وإن كانوا في حقيقة الأمر خالفوا مقتضى تفكير العقل؛ لأن العقل من حسن تفكيره وتدبيره أن يعرف حدوده، وأن يعرف مدخله ومخرجه، فالإنسان إذا كان له تخصص معين ثم يدخل في كل تخصص ويريد أن يبدع في كل تخصص فإنه يخلط، أو يأتي بحق وصواب، أو يوفق إلى بعض الصواب ويخطئ في كثير، فلا يقال عن مثل هذا: إنه مصيب. بل يقال: إنه أخطأ؛ لأنه تجاوز الحد. فهؤلاء عقلانيون باعتبار أنهم تكلموا في مسألة العقل، لا باعتبار أن عقولهم هي الراجحة أو الكبيرة، وإن كانت كذلك في ذات الأمر، لكنها في آخر الأمر انقلبت على ذاتها. فنذكر أقوالاً تبين صورة موجزة لهذا الأمر، فمن هذا قول الزمخشري صاحب الكشاف في مسألة العقل، يقول: امش في دينك تحت راية السلطان -ويقصد به سلطان العقل- ولا تقنع بالرواية عن فلان وفلان، فما الأسد المحتجب في عرينه أعز من الرجل المحتج على قرينه. هذا القول يعني: سر في دينك تحت سلطان العقل، واترك الرواية عن فلان وفلان، لا تقنع بها بل حاكمها إلى العقل، فإن اقتنع بها عقلك وإلا فالتمس لها مخرجاً أو تأويلاً. والغزالي القديم أيضاً يقول في تعليق على قول الله في خطابه للسماوات والأرض: ﴿قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت:١١] يقول الغزالي: فالبليد في فهمه هو الذي يقدر لهما حياة -يعني: للسماوات والأرض- يخلقها الله للسماء والأرض، وعقلاً وفهماً للخطاب، وخطاباً هو صوت وحرف تسمعه السماء والأرض فتجيبان بحرف وصوت وتقولان: ﴿أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت:١١]، هذا البليد والبصير يعلم أن ذلك لسان الحال، وأنه أنبأه عن كونهما مسخرتين بالضرورة. أقول: هذا الفهم الذي هو ظاهر النص والقرآن وجاء باللغة العربية، كما قال تعالى: ﴿قُرآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾ [الزمر:٢٨] ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ﴾ [هود:١] ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ﴾ [فصلت:٤٤]. كل هذه الدلالات تدل على أن ظاهر لفظ القرآن يحمل على الحقيقة، إلا أن توجد القرينة القوية المستدل بها من النصوص الأخرى على أن المعنى مفسر بقول آخر. فهو يقول: البليد الذي يظن أن هذا المعنى الظاهر هو المراد، والبصير هو الذي يفهم أن هذا أمر معنوي وليس حسياً. وسنبين الخلاصة بعد سرد بعض هذه الأقوال أيضاً، وستجد -أيضاً- من المتأخرين من يرى مثل هذا. فـ محمد عبده يقول: الأصل الأول للإسلام النظر العقلي لتحصيل العلم، فأول أساس وضع عليه الإسلام هو النظر العقلي وغيره يأتي بعده. ويقول: تقرر بين المسلمين كافة -إلا من لا ثقة بعقله ودينه- أن من قضايا الدين ما لا يمكن الاعتقاد به إلا من طريق العقل، كالعلم بوجود الله . وهذا طبعاً خلاف الصحيح. ثم أقوال أخرى دخلوا فيها مدخلاً صحيحاً وخرجوا مخرجاً خاطئاً، دخلوا من مدخل تكريم الإسلام للعقل، ودعوة للتأمل في القرآن والتدبر والتفكر وإعمال العقل، دخلوا من هذا المدخل، ثم خرجوا منه إلى أن العقل هو الحاكم، ولذلك أولوا كثيراً من النصوص، مثل إمداد الله لعباده المؤمنين بالملائكة، وهو ثابت بنص القرآن، قال تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ [الأنفال:٩]، فيقول الواحد منهم في تفسير له: إن هذا الإمداد أمر روحاني يؤثر في القلوب، وليس هناك ملائكة نزلت ولا غير ذلك. انظر إلى النظرية العقلية المادية البحتة! ثم يقول: المسلمون في بدر كانوا ثلاثمائة وأربعة عشر رجلاً، والكافرون كانوا قريباً من ألف، فلو نزلت الملائكة وكان كما ورد في الروايات أن أحدهم يقول: إني كنت أرفع سيفي فإذا بالكافر أو المشرك يقطع رأسه ويموت قبل ذلك، فإذا كانت الملائكة نزلت بكثرة فمعنى هذا الكلام أن الانتصار أصبح فيه نوع من التكافؤ، وهذا لا يكون، بل الانتصار كان بقوة الروح. ومن هذا التوهم يأتي مثل هذا الكلام، وعلى هذا فقس. كذلك حينما يأتي قول الله : ﴿وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ﴾ [الرعد:١٣]، يقولون: هذا للتسخير ونحو ذلك. إذاً فما ورد من تسبيح الطعام بين يدي النبي ﵊، وما ثبت أيضاً في الصحيح من أن النبي ﷺ كان في مكة وخرج مرة فما مر بشجر ولا حجر إلا وهو يسلم عليه إذا قلنا بهذا القول فإن معظم ما ورد سيكون غير واضح الدلالة، أو دلالته غير مرادة. وهذا لا شك أنه إخراج للنصوص عن مرادها الظاهر والواضح. هذه المدرسة مشكلتها أنها وصلت إلى حد خطير، وهو رد النصوص، فتجد من هؤلاء من ينكر كل نص وإن ثبت إذا كان يرى أنه مخالف لمقتضى العقل. أقول: أولاً: أي عقل هذا الذي نريد أن نجعله حكماً؟! فعقلي غير عقلك وعقل الثاني غير عقل الثالث. ثانياً: هذا الدين جاء لكل الناس، للعامي البسيط، وللعجوز الشمطاء التي لا تعرف ولا تبصر ولا تدرك من الأمور كثيراً، وللطفل الصغير، فلو قلنا: إن هذه المكانة للعقل بهذا التدبر والتفكر وهذا الإمرار للنصوص على العقل يحكم فيها فإننا سنجد أن هذا لا يتحقق إلا في فئة من الناس لا يتجاوزون نسبة ضئيلة، والآخرون كيف سيكون حالهم؟! هل سيكونون كلهم من البلداء؟! وهل سيكون مثل هذا الوصف يلحق بمن كانوا من أهل الإيمان من أصحاب النبي ﵊ والتابعين، وهم من سيأتي ذكر كثير من قولهم في الشق الثاني من الموضوع؟! الجواب ينبغي أن يكون هناك تدبر وتأمل، ومن هنا اقتضى هذا الإسراف في هذا الجانب. وعلماء أهل السنة ردوا على هذه القضية في ردود كثيرة، كان أوسعها وأعظمها وأدقها كلام الإمام ابن تيمية في (درء تعارض العقل والنقل) هذا كتاب كامل في هذه المسائل، ربما نوجز بعض ما أشار إليه، ونذكر بعض القضايا اليسيرة قبل أن نذكر كلام شيخ الإسلام رحمة الله عليه. إن الناس يسلمون بمحدودية الحواس الأخرى، ومن هذا المدخل تكون إحدى الحجج على العقلانية، فمثلاً: كل الناس مسلمون بأن البصر والنظر محدود، ونحن الآن في هذا الهواء والفراغ هناك كائنات وهناك ميكروبات وهناك فيروسات لا نراها، فهل عدم رؤيتنا لها يجيز لنا أن ننكر وجودها وأن نرفض وجودها؟! وهل عدم العلم هو إثبات للعدم؟! هل أنت إذا لم تعلم أن هناك -مثلاً- إنساناً خارج الغرفة التي أنت فيها هل ذلك دليل على عدم الوجود؟ الجواب لا. فالآن أنت ببصرك هل ترى كل شيء؟ الجواب: لا. حتى السمع معروف أن له ذبذبات معينة من كذا إلى كذا يسمعها الإنسان، إذا زادت عن هذا الحد لا يسمعها، وإذا نقصت عن هذا الحد لا يسمعها، ومن ذلك الحديث الذي في عذاب القبر أن المعذب يصرخ صرخة يسمعها كل من في الأرض إلا الثقلان الإنس والجان، ثم كذلك هناك أشعة تحت الحمراء وفوق البنفسجية، وهذه المسميات أيضاً لا يراها الناس، هل أنكروا وجودها أم قالوا: نعم هي موجودة عرفناها يقيناً من جهة أخرى، وما لم نعرفه أيضاً نسلم بأن هناك ما هو أدق وما لم يزل بعد حتى بالأجهزة والإلكترونيات والمجاهر ما وصلنا إليه؟ إذاً أنتم جعلتم للبصر حداً محدوداً وللسمع حداً محدوداً، وقلتم: نوقن بهذه الحواس وبقوتها، لكننا نعلم أن لها حداً لا تستطيع أن نتجاوزه إلا بمساعدة، وهذه المساعدة هي مما يسر الله كالمكبرات وغير ذلك من الأمور، إذاً لماذا لم نقل ذلك في موضوع العقل، وأن له حداً إذا زاد عنه لا يستطيع أن يصل إلى هذا الحد إلا بمساعدة، وهذه المساعدة هي الوحي المبلغ للناس من الله ؟! فكل ما هو في إطار الغيب خارج عن حدود العقل لا يمكن للعقل أن يدركه إلا بمساعد، وهو الوحي الذي يبين له إجمالاً وتفصيلاً ما ورد عن الله وعن رسول الله ﷺ فيسلم به، وإلا فإنه يكون أيضاً منافقاً، كيف سلمت بحد الحواس كالبصر والسمع وتركت الأخرى، ولو قلنا: العقل يدرك كل شيء فكيف سنفهم كثيراً من الأمور؟ حتى الأشياء الممارسة في الحياة اليومية كثير منها نجد أن الناس يسلمون بها من غير تحكيم للعقل، فكيف يكون هذا فيما وراء ذلك من الأمور الشرعية؟! إنك تتصور بعض الأمور الغيبية، مثل عذاب القبر، أو نعيم القبر كما ورد في الأحاديث الصحيحة: (فيفسح له في قبره حتى يكون مد بصره) إن أخذتها بالعقل فإذاً كيف سيصنع هذا القبر بجيرانه؟! وكذلك كما في الحديث أنه يجد من ريحها ونعيمها، وفي الحديث أنه يجد من حرها وعذابها، فلو تجاورا هل ينتقل نعيم هذا أو برد هذا إلى حر هذا؟ بالعقل ستتعب في هذا التفكير، كذلك لو فكرت بالعقل في كثير من القضايا الغيبية لا يمكن أن تصل فيها إلى جزم، وإلغاؤها نوع من تكذيب الشرع، أو نوع من الطعن في تبليغ رسول الله ﷺ ، أو نوع من خفاء الوحي وخفاء الدين على كثير من الناس، والأصل أنه جاء تبياناً لكل شيء، وأنه واضح لكل إنسان، وأنه جاء للعالم والعامي وغيرهما، وهذ

стр. 2635

المدرسة الإباحية حقيقتها وآثارها السلبية على الفرد والمجتمع المدرسة الإباحية أصحابها هم الذين جعلوا همهم في اللذة الأولى، لذة كمال الجسم المادي بالطعام والشراب وإطلاق العنان للغرائز والشهوات، وهذا الجانب عند التأمل نجد أنه حينما يسير الإنسان وراءه مندفعاً بشهواته غير منضبط بشرع ولا بحكمة ولا بعقل ولا بتوسط واعتدال فإنه ينشأ عنه صورة مرذولة قبيحة، لها من الأضرار شيء كثير، ومن ذلك أننا نستطيع أن نضرب الأمثلة من واقع الحال، فنجد أن الإباحية المطلقة التي نادى بها وطبقها الغرب كم أنتجت من صور تقشعر لها الأبدان، وتجفل منها القلوب، وتشمئز منها الفطر السليمة. فإذا نحن نرى شيوع الفاحشة من الزنا بأمر لا يخطر على العقل كثرة، ولا يخطر على العقل مما يقع معه مصاحباً للجريمة أو الاعتداء أو نحو ذلك، مما يهدد حياة الناس كما يتضح من سلسلة الآثار. وكذلك تجاوز هذا الأمر إلى عدم الاكتفاء بالصورة التي يعرف أن النفس البشرية أصلاً مفطورة مجبولة عليها، فتعدى الأمر الفواحش إلى الشذوذ، وصار هناك -أيضاً- باب واسع من هذه الأبواب في الشذوذ المعروف، بل تجاوز الأمر ذلك إلى الانطلاق في ممارسة الفواحش مع المحارم والأبناء والبنات والأخوات والأمهات، وتجاوز الأمر كل ذلك -رغم هذه الإباحية- إلى حصول الأمر بنوع من الاعتداء والاغتصاب والجريمة، وصاحب كل ذلك نوع من الأمور التي لها آثار سيئة جداً من انتشار المسكرات والمخدرات، وانتشار الجريمة بكل صورها إلى القتل في أعظم صوره. كل هذا صورة ظاهرة لهذه المدرسة الإباحية، وتجد الإحصاءات والأرقام شيئاً عجيباً جداً. فعلى سبيل المثال: من الإحصاءات -وليست جديدة- في أوائل الثمانينات في أمريكا ما بين اثني عشر إلى خمسة عشر مليوناً يمارسون الجنس مع المحارم، وهناك نحو سبعة عشر من المائة من المواطنين الأمريكيين يمارسون الشذوذ. وهناك أعداد كبيرة لا حصر لها تمارس الفاحشة والزنا والحرام؛ لأنه ليس عندهم بمحرم، إضافة إلى ذلك تجد مثلاً بلداً مثل السويد -وهو من أعظم الدول إباحية- تصل فيه النسب إلى شيء مهول، نتج عن ذلك آثار كثيرة جداً يهمنا منها بعض الآثار المهمة، وهي إطفاء نور القلب، وطمس معالم الفطرة السوية، فهؤلاء القوم ليس عندهم فرق بين عيب، ولا عندهم في قاموسهم العيب ولا الحياء، فضلاً عن الكراهة أو الحرمة، كل ذلك زال، والنفس البشرية من فطرتها ما ذكره الله سبحانه وتعال: ﴿وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾ [طه:١٢١]، فطرة الإنسان أن يستر عورته فضلاً عن أن ينطلق في هذه الميادين البهيمية. هذا كله كان متجرداً في هذه المجتمعات، فحصل هذا الأثر الأول، وهو انطماس الفطرة السليمة، وانعدام كل معالم القيم التي تقرها الفطر والعقول فضلاً عن الديانات أو الأنظمة التي وضعها حتى البشر من ذات أنفسهم. وهذا جانب واضح آثاره المادية كثيرة جداً، ومنها انهيار شديد جداً في البناء الأسري، وعزوف كبير جداً عن الزواج، وملايين من الأطفال من اللقطاء. ومن الآثار المادية التي تترتب على هذا أن اللقطاء -مثلاً- يحتاجون إلى أموال ومؤسسات ودور وجوانب أخرى كالأمن وغير ذلك. أضف إلى ذلك الآثار الصحية المعروفة، من انتشار الأمراض المهلكة والأوجاع التي أخبر النبي ﵊ أنها لم تكن في أسلافهم، وهذا كله شاهده آية واحدة في القرآن، تبين لنا بياناً شافياً كل الآثار التي يقع فيها الناس عندما يتنكبون طريق الله سبحانه وتعال، وهي قوله : ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا﴾ [طه:١٢٤]، وهذا التعبير القرآني قوي وأصيل وبليغ، معيشة ضنك، والضنك هو ضيق في النفس، وضيق في المال، وضيق في الصحة، أمر لا يفارق الإنسان، يصاحبه في كل لحظة من لحظات حياته. ولو تصور الناس ما يدعو به بعض الناس في مجتمعات المسلمين أن هذا هو الذي يحقق سعادة النفوس، ويحقق للناس انفتاحاً وانعتاقاً مما يسمونه كبتاً أو عوائق لكان أجدر الناس بأن يحصلوا على هذه اللذات المتوهمة وهذه الخيرات المفتعلة هم هؤلاء القوم، ولكنا نجد أنهم في شقاء نفسي معنوي ظاهر، يظهر في انتحارهم ويظهر في اعتدائهم، ويظهر في أقوالهم التي تبين حيرتهم المطلقة، رغم أن كل أسباب المادة من طعام وشراب وجنس ونحو ذلك ما تركوا منه شيئاً إلا وأخذوا بأوفى وأعلى حظ منه، ومع ذلك ما يزيدهم الأخذ في هذا الشأن إلا زيادة في ضنك العيش مرة بعد مرة، وهذا شاهده قول الله : ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا﴾ [طه:١٢٤]، لا يتخلف هذا الأمر وإن اختلفت صوره أو ألوانه. هذا ما يتعلق بإيجاز بالنسبة للمدرسة الإباحية.

стр. 2636

المدرسة المادية حقيقتها وآثارها السلبية وأصناف الناس فيها المدرسة المادية هي التي تجعل حساب المادة حساباً وحيداً، فإذا جاءت في قاموس المواجهة والنصر والهزيمة حسبت عدتها من العتاد والسلاح والعدة وغيرها ثم قالت: لا يمكن. وإذا جاءت في مسائل معتادة للناس أخذت بالأسباب، وجعلت هذه الأسباب المادية هي وحدها الحكم، ونسيت ما وراء ذلك من قدر الله ، من نصر الله ، من دفع الله ، وكل ذلك أدلته في القرآن واضحة. قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحج:٣٨]، ﴿إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُم﴾ [محمد:٧]، ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة:٢٤٩]. فالماديون -للأسف- تغلغلت أفكارهم حتى في مجتمعاتنا، أصبح الناس الآن إذا قيل: قوى عظمى خافوا، وإذا قيل: لا نستطيع مسألة من المسائل قالوا: هذا لا يمكن. وكذلك المريض أخذ الطب وسيلة وحيدة لا يوجد غيرها، لم يكن عنده نوع توكل على الله، ولا نوع اتجاه إلى الله، ولا نوع سؤال لله . وكل هذه المثالب أو هذه المشكلات يجمعها مثلب واحد ونقيصة مهمة، وهي أن هذا النوع من الانطلاق يلغي شيئاً مهماً في حياة البشرية كلها، وهو وصف العبودية للخلق، ووصف الألوهية والربوبية لله . وقد ذكر ابن القيم رحمة الله عليه في فوائده أن كل نقص في الإنسان يقابله كمال عند الله ، ليبقى العبد دائم الافتقار لله جل وعلا، فقد ركبت أيها العبد من العجز لتنظر إلى كمال قدرة الله ، وركبت من الفقر لتنظر إلى كمال غنى الله . فإذا أخذ الإنسان بأسباب المادة وقع في هذا، ومثال ذلك من القرآن قصة قارون: ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي﴾ [القصص:٧٨]. أي: ليس هناك فتح ولا تيسير ولا توفيق ولا رعاية ولا عناية من الله . فكانت النتيجة ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ﴾ [القصص:٨١]، فكل من أخذ بأسباب المادة وحدها وقطع أسباب الله فإنه يكون مصوراً لصورة قبيحة، وهي انفصال العبودية عن الإلهية، أو أن هذا الإنسان أصبح مستقلاً بذاته غير مفتقرٍ -عياذاً بالله- إلى ربه ومولاه . ولذلك المؤمنون حينما كان يخالطهم بعض اعتماد -ربما كان فيه زيادة عن الحد المطلوب- بقوتهم كان العقاب يأتيهم والتربية تأتيهم من الله ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ﴾ [التوبة:٢٥] فقط كلمات قالوها، قالوا: (لن نغلب اليوم من قلة). هذه الكلمة فقط، لكن لأنهم كانوا على الإيمان والكمال فكان كل يسير من التقصير يعاقبهم الله عليه، ويربيهم بما يقدرون عليه من البلاء، حتى يعلم أثر هذه الأمور في حياة الناس، ومشكلة الناس اليوم أنهم يرتبطون بأسباب المادة وينسون أسباب السماء في كثير من الأحوال والوقائع. فنجد هنا هذا المعنى حينما ينقطع الإنسان عن هذه الأسباب الإلهية، يلغي هذا الجانب من العبودية الذي هو حياة الكون كله ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦]، وهذا الإنسان هو الذي خلقه الله وسخر له ما في السماوات وما في الأرض جميعاً منه، فغاية هذا الكون كله هي عبوديته بتوحيد الله ، فإذا اعتمد على المادة ونسي أسباب السماء فكأن هذا نوع الغاء للعبودية، ونوع اجتراء على إلاهية الله ، وكون كل أسباب الدنيا والآخرة بيده جل وعلا، ولذلك قال: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ﴾ [التوبة:٢٥]، فمباشرة جاء العقاب من الله لهذا الأمر. والله جل وعلا قال: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ [آل عمران:١٦٥]، الربط بالسبب الذي هو نوع من التعلق بالله ، إما موافقة لأمره أو تخلفاً عن أمره، فلما كان تخلفهم عن أمر رسول الله ﵊ في أُحد بشيء يسير أو بأمر واحد جاءت العقوبة من الله . وهذا لا يكون إلا عندما يكون العبد في درجة من الإيمان والكمال، ينزل الله له من البلاء ما يذكره بخطئه وما يمحو عنه ذنبه، أما غير هؤلاء من الناس فإن قدر الله قد يجري باستدراجهم، فيملي لهم ، ولكنه يمهل ولا يهمل جل وعلا ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود:١٠٢]. فإذاً هذا المعنى عند أهل الإيمان يربطون به السبب المادي، فكان أحدهم يقول: إني إذا أذنبت الذنب أجد ذلك في خلق زوجتي ودابتي. فكلما حصل سبب مادي ربطه بسبب معنوي يصله بالله . أما اليوم فهذه النظرة المادية قد طغت على الناس، فإذا جاءت الزلازل فسروها تفسيراً مادياً، قالوا: ضعف القشرة الأرضية وغير ذلك. ونسوا أن يقولوا: إن ذلك قدر من الله، وإن له فيه حكمة، وإنه قد يكون مرتبطاً بعقوبة من الله . كما بين الله جل وعلا أنه ما من شيء يقع إلا بما كسبت أيدي الناس ويعفو عن كثير. فهذه المدرسة المادية التي أهملت أسباب السماء طغت على كثير من مجتمعات المسلمين، وصاروا لا يلتفتون إلى هذه المعاني، وهي لب وجوهر من جواهر العبودية له سبحانه. وحقيقة الإيمان من توكل وتعلق وربط كل شيء في هذا الكون بموافقة أمر الله ورضا الله وتوفيقه، أو بمخالفة أمر الله وسخط الله وبلائهم في تقديره. وهذا الأمر حينما غاب عن الناس حصل لهم من البلاء شيء كثير، ولكن كثيراً من الناس لا يفكرون ولا يتأملون، وكم نرى من أحوال الناس في مجتمعنا ممن أعطاهم الله مادة ومالاً لكن محقت منهم البركة، أو ابتلوا بأنواع الأسقام، أو ابتلوا بعقوق الأبناء، أو ابتلوا بصورة من الأبناء المتخلفين أو القاصرين في عقولهم، فتجد هذا الغني الثري يأتي لابنه بكل المدرسين ثم يرسب هذا الابن، فإذا ما نفعه مدرس أتى بمدرس آخر بدرجة أعلى في العلم، أو يأتي باثنين أو بثلاثة، ما فكر أن المسألة قد يكون مرجعها في الحقيقة إلى نوع تفريط في اكتسابه للمال من حرام أو نحو ذلك. وهذا أيضاً إيجاز شديد مختصر للمدرسة المادية التي تركت أسباب السماء وتعلقت بأسباب الأرض تعلقاً كاملاً، فكانت كأنما تلغي مقام العبودية والذلة لله ، وكل هذه المدارس التي فيها إغراق مادي هي نوع من الإجحاف بإشراق الروحانية.

стр. 2637

الإشراق الروحاني الشق الثاني: ما يتعلق بإشراق الروحانية، وهو أيضاً باب واسع فيه مداخل ومزالق خطيرة جداً، فمن غلا فيه خرج عن حد الاعتدال والمشروع، فاستوجب كرد فعل من غيره أن ينكر أمره بالكلية ما صح منه وما بطل، وهذه هي المشكلة عندنا، كما يقال: لكل فعل رد فعل مساوٍ له في القوة ومضاد له في الاتجاه. إذا أخطأ شخص في جزء، كما لو أنه أخذ بستين في المائة من الصحيح وزاد عن الحد المشروع أربعين في المائة قلنا له: كل ما عندك خطأ بما فيه الصواب الثابت، وهذه هي النقطة الأساسية التي نحب أن نقف عندها. لابد من مدخل لموضوع إشراق الروحانية في تصور القضية الأساسية في أمر الغيب، لابد من المعرفة أن الروح من أمر الله يخفى على البشر جملةً وتفصيلاً، ولذلك لما جاء سؤال اليهود للنبي ﵊ عن الروح جاء الرد القرآني: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ [الإسراء:٨٥]، ليس هناك شيء مما يتعلق بالروح له صلة بالبشر أو بعلم بالبشر غير ما يرد عن الله مطلقاً. فإذاً كل ما يتصل بالروح وصفاً أو غذاء أو مرضاً أو شفاء كله لابد أن يكون موقوفاً على المصدر الوحيد، عن الله وحياً قرآنياً وتبليغاً نبوياً من رسولنا ﷺ . الروح من جانب أنها سر ونفخة من الله ، والله جل وعلا شرع في هذا الدين شرائع وعبادات تغذية وتهذيباً وعلاجاً لهذه الروح، لابد أن ندرك وأن نفهم هذا العطاء الرباني وهذا الغذاء الإيماني، وهذا الذي ينتج عنه الإشراق الروحاني.

стр. 2638

وقفات مع لذة العبادة والإقبال على الله عند السلف هذه وقفات سريعة لكنها مهمة مع لذة العبادة والإقبال على الله ، هذه المسألة المهمة تبين لنا سر أو بداية ما يتصل بالروح وإشراقها ونورانيتها، نجد أن النبي ﷺ عبر بكلمات يسيرة، لكن في الحقيقة عند التأمل يجد الإنسان أنه محتاج إلى تفكير في دلالاتها، حينما يقول ﵊ لـ بلال في الصلاة: (أرحنا بها يا بلال)، فنقول: كلنا نقول: الصلاة راحة، لكننا نريد أن نبقيها حتى ننفذ معناها، وحينما يقول ﵊: (جعلت قرة عيني في الصلاة) فنقول كلنا: الصلاة لذة، لكن ما معنى الراحة واللذة في التطبيق الواقعي، الذي كان نموذجه وقدوته وأسوته الأولى رسولنا ﷺ ؟! وهو الذي يقول عن نفسه: (أما إني أتقاكم لله وأخشاكم له)، والرسول ﵊ كان يقوم من الليل حتى تتفطر قدماه. ومعلومة قصة ابن مسعود في الصحيح لما وقف يقتدي بالنبي ﵊ قال: (صليت مع النبي ﷺ فلم يزل قائماً حتى هممت بأمر سوء. قيل: وما هممت يا ابن مسعود؟ قال: هممت أن أقعد وأتركه). ونأخذ مثلاً آخر من صحيح البخاري -أيضاً-، وهو أن الرسول ﵊ لقي عبد الله بن عمرو بن العاص فقال له: (ألم أخبر أنك تصوم فلا تفطر، وتصلي فلا تنام، وتختم القرآن في كل ليلة؟ قال: نعم يا رسول الله) هذا ما بلغ النبي عنه. والرسول ﵊ بعد ذلك رده إلى حد الاعتدال بأن يصوم يوماً ويفطر يوماً، وأن ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه، وأن يختم في خمس أو في سبع، كما في بعض الروايات. هل هذا الرجل عنده طاقة غير بشرية حتى يقوى على هذا الأمر؟ وهذا الصحابي الجليل عبد الله بن الزبير ﵁ يصلي في البيت الحرام ومنجنيق الحجاج بن يوسف منصوب يقصف، وتسقط شرفة من شرفات البيت ويهيج الناس يميناً وشمالاً وعبد الله بن الزبير واقف في صلاته لم يدرك شيئاً. إذاً ينبغي أن نفهم أن هناك سراً يتعلق بالروح في هذه الأمور حتى نفهم الأمور، إذا قلنا: إن الصلاة راحة وإن العبادة والزاد الروحاني راحة ولذة فهل نجد أحداً يتعب من الراحة أو يسأم من الراحة؟ ولو كان أحد في فترة راحته فالراحة لا يشعر معها الإنسان بتعب ولا يشعر معها بطول وقت، فأنت إذا عملت ساعة ستشعر بالتعب والعناء، وإذا نمت عشر ساعات كأنما نمت عشر ثوان؛ لأن الراحة هذه طبيعتها، تستسلم فيها النفس والجوارح وتخلد وتركن وتجتمع وتطمئن وتسكن. أيضاً لو كان الإنسان -مثلاً- يحب طعاماً معيناً يشتهيه، وهو منذ زمن ما وجد هذا الطعام ثم جيء له بهذا الطعام فإنه لن يشعر بتعب؛ لأن الحواس كلها توجهت نحو اللذة في أثناء لذته، هل يمكن أن ينقطع؟ لكن لو قيل له: حصل حادث أو مشكلة فيمكن أن تتأجل؛ لأن الإنسان في وقت لذته يختلف. ولو مثلنا بالمثل الذي يقع للناس دائماً وهو ممارسة الهوايات لوجدنا حقيقة ذلك، فالذي عنده هواية تجد أنه يعمل مثلاً في هوايته، فيقال له: الوقت انتهى. أو: المحاضرة انتهت ولا يستطيل الوقت، فلو قيل له: هل تعبت أو أرهقت؟ سيقول: نعم. لكن ما زلت راغباً في الاستمرار؛ لأن القضية تتعلق بقوة لابد من معرفتها، وهي القوة الروحية. وحينما يخبر النبي ﵊ أن في الصلاة راحة فكيف يخرج الإنسان من راحته؟! وكيف لا يطلبها؟! وإذا دخل فيها كيف يكون فيها متعجلاً؟! أو كيف لا يكون مستمتعاً بها متفرغاً لها مغموراً فيها منشغلاً بها عما سواها؟! لا يمكن ذلك إلا إذا تحققت هذه المعاني كما ذكرها النبي ﵊. فـ عبد الله بن عمرو بن العاص أو غيره هل كانت عنده قوة خارقة للعادة؟ لا. لكنه كان يجد في العبادة الغذاء الروحي الصحيح حينما أقبل الإقبال الشرعي الصحيح، فحينئذ لا يشعر مع أن التعب موجود، والنبي ﵊ يقوم الليل حتى تتفطر قدماه، لكن هل أدرك هذا التعب؟! ذكر في ترجمة عروة بن الزبير أنه في قطع رجله لما سرت إليها الآكلة قالوا: نسقيك خمراً؟ قال: لا. ولكن إذا كنت في الصلاة فافعلوا ما بدا لكم. فقطعوا رجله وهو في الصلاة ولم يشعر. هل هذا عدم إحساس فيه؟ لا. ولكن القوة تزداد إذا زادت قوة الروح. كذلك الذين يشردون إذا كانت قواهم مركزة في جانب معين انشغل عن غيره، وهذا يقع في الناس، فلماذا يسلمون به في الأمور المعتادة ولا يسلمون به في أمور العبادة؟ لذلك عبد الله بن الزبير لما سقطت شرفة من شرفات البيت إنما كان مقبلاً على الله بكليته، كان قلبه معلقاً به مستشعراً وقوفه بين يدي ربه، متلذذاً بتلاوة قرآنه، معظماً لربه بتسبيحه، متبتلاً إلى الله بدعائه، ولذلك تفطن لقول النبي ﷺ : (أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد)، ونحن نعلم أن السجود هو أكمل مقامات الصلاة الحسية، يكون الإنسان واقفاً منتصباً، ثم يركع وهو أقل خضوعاً من السجود، أما السجود فهو أكمل الصور في إظهار الذلة والعبودية لله . فلو جاء أحد يحترم أحداً وانحنى له فلو كان مبالغاً لسجد له؛ لأنه ليس هناك بعد السجود شيء. هذا الموضع الذي فيه كمال الذلة وكمال الانحناء وتمريغ الجبهة بالتراب وإلصاق الوجه بالأرض قال فيه: (أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد)؛ لأنه كلما تحقق بكمال العبودية وكمال الذلة وكمال التعلق والدعاء والتوسل بالله كلما كان هذا أدعى إلى قربه الروحي من الله . فلذلك ألفاظ أحاديث النبي ﵊ ليست التأملات فيها جانحة ولا شاطحة، بل كلام العلماء. وسنأتي بما يتيسر ويدلنا على أن أهل العلم إنما نظروا في هذه النصوص بفقه متعلق بالتطبيق الواقعي لحياة النبي ﵊ وأصحابه والصالحين، وهو متعلق بفقه القلوب وفقه السلوك الذي هو علم التصوف الذي فيه ما يذم وهو كثير وفيه ما يقر وهو كثير، وهو الأمر الذي سنرد إليه الآن. فإذاً هذه المسألة لابد من معرفتها، وهي أن الناحية الروحية فيها شيء من عدم إمكان إدراكها بالحواس؛ لأن الروح كلها من أمر الله ، فغذاؤها وما يقع لها لا يمكن أن يفهم إلا في ضوء ما جاء من عند الله . وكما ذكرت فالروح نفسها لها تعلق بالبدن، فنحن في أجسادنا أرواح، وإذا نام النائم هل ما زال في جسده روح؟ الروح في النوم هي الروح في اليقظة، لكن ينقص من نسبتها، ولا نعرف مقدار هذا النقص. نتنقل إلى مرحلة أخرى، فحينما يغمى على الإنسان تكون فيه روح، لكن تأثيرها في الحواس أقل، لكن لا نعلم مقدار النقص فيها. كذلك عندما يموت الإنسان لا نستطيع أن نرد إليه روحه. إذاً أمر الروح لا يمكن فيه إلا التسليم والمعرفة التطبيقية لفعل النبي ﵊ وما علمه لأصحابه، ولا بد أن نعرف أن هذه أمور ليست خاضعة للحس المادي الواضح الذي يقع تحت الحواس، وإلا فلا يمكن أن نفهم هذه الأمور. ثم يأتي لنا ذكر الكرامات والإلهام وتفاصيل أخرى ثبتت أصولها المشروعة عن الرسول ﵊، وبينها في واقع قوله وفعله، وتحققت في الأمة من بعده منذ عهده وإلى اليوم، وإلى أن يرث الأرض ومن عليها. ألم يخبر النبي ﵊ أن الرؤى جزء من النبوة؟ فكيف هي جزء من النبوة؟ لأن فيها ملامسة لأمر الروح والوحي الذي هو نوع اتصال غير محدود الكيفية ولا معلوم الكيفية، ولذلك الإنسان يرى رؤيا صالحة فتقع، هل نفسر هذا بالمادة؟ مستحيل أن تفسر شيئاً ليس له مقاييس ولا موازين ولا نسب ولا أي شيء من هذا القبيل، إنما هو محض الوارد عن الشرع، لابد أن نتقيد بالمشروع، حتى لا يكون هناك فتح لهذه الأبواب التي وقع منها نوع انفلات وشطح بعيد خرج ببعض الناس إلى أن وصل بهم الكفر إلى ما هو أكفر من كفر الكافرين. فإذاً لابد أن نعرف أن زاد الروح إنما هو في المشروع عن الله ، وأن ذلك الزاد في واقع الإنسان يعلو عن الأسباب المادية، فإذا هو يلقى التعب الذي لو حسبته بالمادة لا يمكن أن يثبت له، فكيف يثبت إنسان تقطع قدمه، أو يسقط شيء من حوله وهو غير مدرك، لا يمكن إلا أن نفهم أنه في راحة وأنه في قرة عين وأنه في لذة وأنه في انشغال تام بالعبادة وتعلق كامل لقلبه بالله، وانصراف كامل عن كل الخلق إلى الخالق ، هذا هو الذي يفسر مثل هذا الأمر.

стр. 2639

أقوال العلماء في حقيقة الصوفية وأصناف الناس فيها موضوع التصوف أو موضوع ما يسمى بفقه السلوك أو علم السلوك أو غذاء الروح، أو سمه ما شئت؛ فإن العبرة بالمسميات لا بالأسماء، وإن كانت الأسماء التي تثبت وتروج ينبغي معرفتها ومعرفة مضامينها، وهذا ما سيأتي في منهج العلماء، فحينما نقول: إن هذه العلوم أو هذه الأحوال منكرة بالكلية خطأ. والذين أنكروا إنما أنكروا لما وقع من شطح من أخذ بهذه الأمور، فهناك طرف غال وهناك طرف جاف، والحق بينهما وسط، ولذلك تكلم العلماء والأئمة في هذه الأمور ووضحوا منها كثيراً، ولهم في ذلك قواعد، وأنا أذكر بإيجاز تعريف التصوف ومعناه. وننقل في ذلك نصوصاً من كلام الأئمة المعتبرين من أمثال ابن القيم وابن تيمية والذهبي وغيرهم من علماء أهل السنة. يقول ابن القيم: التصوف زاوية من زوايا السلوك الحقيقي وتزكية النفس وتهذيبها لتستعد لسيرها إلى صحبة الرفيق الأعلى ومحبة من تحبه، فإن المرء مع من أحب، كما قال سمنون: ذهب المحبون بشرف الدنيا والآخرة؛ فإن المرء مع من أحب. وهذا المعنى الإجمالي. إذاً التصوف هو متعلق بالسلوك الحقيقي المرتبط بتزكية النفس وتهذيبها لتسير إلى الله؛ لأن الغاية هي المنتهى أن يكون المرء مع من أحب. ثم يقول أيضاً في موضع آخر: لما كان للقلب قوتان: قوة العلم والتمييز وقوة الإرادة والحب كان كماله وصلاحه باستعمال هاتين القوتين فيما ينفعه ويعود عليه بصلاحه وسعادته، فكماله استعمال قوة العلم في إدراك الحق ومعرفته والتمييز بينه وبين الباطل، هذا العلم والتمييز. واستعمال قوة الإرادة والمحبة في طلب الحق ومحبته وإيثاره على الباطل. إذاً من صدق في محبته لله توجه بكليته لمن يحب، وخرج ممن لا يحب خروجاً يبين فيه الأسباب من مسبب الأسباب، ويبين فيه أيضاً التعلق الكامل بالتعلق العارض. ولذلك الإمام محمد بن عبد الوهاب له كلام جميل في الفهم الأساسي الذي يوازن بين الماديات والروحانيات، يقول: لما كان صلاح القلب واستقامته في طريق سيره إلى الله متوقفاً على جمعيته على الله ولم شعثه بإقباله بالكلية على الله فإن شعث القلب -يعني تفرقه- لا يلمه إلا الإقبال على الله. قال: وكانت فضول الشراب والطعام وفضول مخالطة الأنام وفضول المنام وفضول الكلام مما يزيده شعثاً. نحن نريد القلب أن يتوجه إلى الله، فالطعام والشراب ومخالطة الأنام وفضول المنام وفضول الكلام كله مما يزيده شعثاً، إذاً ما الذي جاء في شرع الله ليبعد هذا الشعث ويلم القلب ويوحده في الاتجاه إلى الله ؟ قال: ومن هنا اقتضت حكمة الله الرحيم بعباده أن شرع لهم من الصوم ما يذهب فضول الطعام والشراب، حتى يتوجه القلب بكليته لله ، وشرع له من الاعتكاف ومقصوده وروحه عكوف القلب والخلوة لعبادة الله ليعالج مخالطة الأنام، أما الكلام فإنه شرع للأمة حبس اللسان عن كل ما لا ينفع في الآخرة، قال الرسول ﵊: (فليقل خيراً أو ليصمت). أما فضول المنام فشرع للأمة قيام الليل، فعلم أن ما شرعه الله من العبادات والأمور إنما غايته لم شعث القلب وتوجهه بالكلية إلى الله ، ولذلك قال: ومدار رياضات أرباب الرياضات والسلوك على هذه الأركان الأربعة، وأسعدهم بها من سلك فيها المنهاج المحمدي، فلم ينحرف انحراف الغالين ولا قصر تقصير المفرطين. أي: انحراف الغالين الذين جنحوا والمفرطين الذين أنكروا كل شيء، فإذا قيل للواحد منهم: فلان قرأ قرآناً وبكى. أو: صلى وبكى. أو: كان في حالة من الخشوع قال: لا. هذه شطحات وهذه منكرات. التصوف فيه نوع من الدقة والتفصيل، وهو يشمل معالم أساسية من أجل أننا نفرق بين الأسماء والمسميات، فهناك اسم له مائة فرع أو مائة نقطة، قد يتصف إنسان بخمس منها، أو بعشر منها، أو بعشرين، أو بمائة، فالتصوف اسم واسع دخل فيه من غير قصد -وبإنكار من بعض أصحابه- ما هو كفر أو كفر أعظم، مثل الحلول والاتحاد، وفيه ما هو صحيح وصدق، مثل العبادة والذكر والدعاء لله . فلذلك قال ابن تيمية رحمة الله عليه في الفتاوى: ولأجل ما وقع في كثير منهم من الاجتهاد والتنازع فيه تنازع الناس في طريقه، فطائفة ذمت الصوفية والتصوف، وقالوا: إنهم مبتدعون مخالفون للسنة -أي: لا يقبل منهم شيء- وطائفة غلت فيهم غلواً بحيث صحح عنهم كل ما قالوه، والحق هو أن يقر من قولهم أو فعلهم ما وافق الكتاب والسنة، وأن يرد ما خالف الكتاب والسنة، وحالهم في هذا حال غيرهم من الفقهاء والعلماء؛ لأن صاحب الفقه هو أيضاً مجتهد، فقد يصيب الحق وقد يخالف الحق ويخطئ فيه، فهذا مثل هذا. وبنحو هذا أيضاً قال الإمام محمد بن عبد الوهاب: ومعاملة الصالحين انقسم فيها الناس إلى ثلاثة أقسام: الفئة الأولى: أهل الجفاء الذين يغمطون حقوقهم، ولا يقدمون من الحب والموالاة لهم والتوقير لهم كما ينبغي. ثم قال: فالواجب عليك حبهم واتباعهم والإقرار بكراماتهم، ولا يجحد بكرامات الأولياء إلا أهل البدع والضلال، ودين الله وسط بين طرفين، وهدى بين ضلالتين، وحق بين باطلين. الفئة الثانية: هم أهل الغلو الذين يرفعونهم فوق منزلتهم التي أنزلهم الله إياها. وقد أوضحنا من ذلك ما يكفي ذكره. الفئة الثالثة: هم أهل الحق الذين هم متوسطون، الذين يحبونهم ويوالونهم ويقومون بحقوقهم الحقيقية، ولكنهم يبرءون من الغلو فيهم وادعاء عصمتهم، والصالحون أيضاً يبرءون من أن يدعوا لأنفسهم حقاً من حقوق ربهم أو نحو ذلك. ويقول ابن القيم في مدارج السالكين: وهذه الشطحات أوجبت فتنة على طائفتين من الناس: إحداهما: حجبت بها عن محاسن هذه الطائفة وصفاء نفوسهم وصدق معاملتهم فأهدروها لأجل هذه الشطحات، وأنكروها غاية الإنكار، وأساءوا الظن بهم مطلقاً، وهذا عدوان وإسراف، فلو كان كل من أخطأ أو غلط تُرِكَ جملة وأهدرت محاسنه لفسدت العلوم والصناعات والحكم وتعطلت معالمها. الطائفة الثانية: حجبوا لما رأوه من محاسن القوم وصفاء قلوبهم وصحة عزائمهم وحسن معاملتهم، حجبوا عن رؤية عيوب شطحاتهم ونقصانهم، فسحبوا عليها ذيل المحاسن وأجروا عليها حكم القبول، وهؤلاء أيضا ًمعتدون مفرطون. الطائفة الثالثة: هم أهل العدل والإحسان والإنصاف الذين أعطوا كل ذي حق حقه، وأنزلوا كل ذي منزلة منزلته، فلم يحكموا للصحيح بحكم السقيم المعلول، ولا للمعلول السقيم بحكم الصحيح، بل قبلوا ما يقبل وردوا ما يرد، وهذا إجمال هذا الكلام.

стр. 2640

أقوال العلماء والزهاد في التصوف وضرورة معرفة حقيقته وضابطه إننا نجد أن بعض الأقوال مجرد ذكرها يكون موضع نقد، مع أنه لابد من معرفة حقيقتها، وأنا أورد بعض الأقوال اليسيرة حتى نعرف هذه الأقوال ونعرف قائلها، فهنا أذكر القول الأول ثم أذكر القائل، حتى يتنبه السامع إلى أن القول قد يسبق إلى ذهنه أنه لابد أن يكون منكراً أو غير مقبول؛ لأن فيه تقسيمات أو تفريعات. يقول الإمام أحمد: الزهد على ثلاثة أوجه: الأول: ترك الحرام، وهو زهد العوام. الثاني: ترك الفضول من الحلال، وهو زهد الخواص. الثالث: ترك ما يشغل عن الله، وهو زهد العارفين. ولو تأملنا في هذه الأقوال فسنجد أنها تذكر كثيراً من الألفاظ والأقسام والتعبيرات، لكن ليس فيها شيء مخالف للشرع، فليس هناك حرج في معرفتها، بل الحقيقة أن العلماء لما تكلموا في هذا تكلموا بمنازل وبتفصيلات أو بمراتب أو بأقسام ذكروا لها شواهد من القرآن والسنة، ومن أفعال النبي ﵊ وأصحابه رضوان الله عليهم، وهذا ظاهر وكثير. ومن ذلك قول آخر: الزهد ترك ما لا ينفع في الآخرة، والورع ترك ما تخاف ضرره في الآخرة. وهذا كنوع من التقسيمات هو من مقالة ابن تيمية. وقال ابن القيم تعليقاً عليه: وهذه العبارة من أحسن ما قيل في الزهد والورع وأجمعها. وعلى هذا تجد أقوالاً كثيرة في هذا الشأن، لكن القاعدة الأساسية التي تعامل بها العلماء هو ضابط الاتباع، أي: اتباع الكتاب والسنة في كل أمر من هذه الأمور. وإن كنا نقول: إن هذه الأمور فيها ليست لها قياسات مادية، لكن لها ضوابط شرعية، ولذلك كل هذه الأمور ضبطت بعامل الاتباع. ومن ذلك قول ابن القيم في كلامه على علم السلوك، قال: وأصل هذا المذهب ملازمة الكتاب والسنة، وترك الأهواء والبدع، والتمسك بالأئمة والاقتداء بالسلف، وترك ما أحدثه الآخرون، والمقام على ما سلك الأولون. ولذلك تجد هذه الأقوال متكررة. ومن ذلك قول الإمام ابن تيمية في الاستقامة، يقول: أصل العمل علم القلب، وهو الحب والتعظيم والتفاني، والتعظيم المنافي للبغض والاستكبار. ثم قال: لا يقبل عمل إلا بنية، وهذا ظاهر؛ فإن القول والعمل إن لم يكن خالصاً لله لم يقبله الله تعالى. ثم قال: لا يقبل قول وعمل ونية إلا بموافقة السنة وهي الشريعة. وهذا الكلام ضابط عام، ومما يبين تأكيدهم على هذا أنَّ المتقدمين من أهل التصوف كانوا يقولون بهذا؛ لأن ثناء العلماء عليهم دل على أنهم كانوا في الأصل قالوا بكلام جملته وأكثره صحيح، ومن ذلك ما نقل ابن القيم عن أبي يزيد البسطامي قال: لو نظرتم إلى رجل أعطي من الكرامات حتى يرتفع في الهواء فلا تغتروا به، حتى تنظروا كيف تجدونه عند الأمر والنهي وحفظ حدود الشريعة. ليس هذا إنكاراً لذاك، لكنه أيضاً ليس إلغاء للشرع، لابد أن نعرف أن كل أمر من هذه الأمور له ضابط مهم في الشرع، ولذلك كان كلام العلماء على كل القضايا الأساسية التي ترد في هذه المسائل من الكرامات أو من الإلهام أو من غير ذلك إنما هو في هذا الضابط العام، فنجد -مثلاً- أنه حينما يكون الإنسان مستمعاً للقرآن أو في صلاته فيغلب عليه الخشوع فقد يبكي، أو قد يغشى عليه، فهل كل هذه الصور منكرة مردودة؟ وهل مثل هذه الصورة بالجملة يخشى أن يكون فيها نوع انحراف؟ لا. ونذكر لك نصاً من كلام ابن تيمية في هذا الأمر، حتى يعلم الإنسان أن الأمور لابد لها من ضابط شرعي من الكتاب والسنة. يقول ﵀ في شأن هذا الأمر: إن ناساً أنكروه وإن ناساً أقروه بلا ضابط. ثم قال: والذي عليه جمهور العلماء أن الواحد من هؤلاء إذا كان مغلوباً عليه لم ينكر عليه. أي: إذا لم يكن في اختياره. وإن كان حال الذي يثبت أكمل من الذي لا يثبت؛ فإن الرسول ﵊ وأصحابه قرءوا وصلوا وحصل لهم خشوع كامل أكمل، لكن ما وقع لهم مثل ذلك؛ لأن الثبات أكمل في الإيمان. ويقول ابن تيمية: ولهذا سئل الإمام أحمد عن هذا فقال: قرئ القرآن على يحيى بن سعيد القطان فغشي عليه، ولو قدر أحد أن يدفع هذا عن نفسه لدفعه يحيى بن سعيد، لما هو عليه من العلم والإمامة، وهو من أئمة أهل السنة والسلف، فما رأيت أعقل منه. وقد نقل عن الشافعي أنه أصابه ذلك. وعلي بن الفضيل بن عياض قصته مشهورة في ذلك. هذا جملة قوله. ثم قال أيضاً في موضع آخر: حال المؤمن التقي الذي فيه ضعف عن حمل ما يرد على قلبه -أي: من القرآن أو من الخشوع- فهذا الذي يصعق صعق الموت أو صعق الإغماء فإن ذلك إنما يكون لقوة الوارد عليه وضعف القلب عن حمله، وقد يوجد مثل هذا فيمن يفرح أو يخاف أو يحزن. وانظر! فقد تجد إنساناً يفرح فرحة كبيرة فيغمى عليه؛ لأن الذي ورد عليه أكبر مما في قلبه من الاحتمال. ثم قال: إذا كان لم يصدر منه تفريط ولا عدوان لم يكن فيه ذنب فيما أصابه فلا وجه للريبة، كمن سمع القرآن السماع الشرعي ولم يفرط بترك ما يوجب له ذلك. وكذلك ما يرد على القلوب مما يسمونه السكر والفناء ونحو ذلك من الأمور التي تغيب العقل بغير اختيار صاحبها. قال ابن تيمية في هذا الأمر -وهنا جملة تعتبر بمثابة القاعدة- قال: فإنه إذا لم يكن السبب محظوراً لم يكن السكران مذموماً بل معذوراً. المهم أن لا يكون هناك عمل غير مشروع، أما إذا كان العمل مشروعاً فقد يغلب الإنسان أحياناً هذه الصور، ولذلك قال: فإذا لم يكن السبب محظوراً لم يكن السكران مذموماً بل معذوراً. وفصل في هذا وقال: وما يحصل في ضمن ذلك من لذة قلبية أو روحية، ولو بأمور فيها نوع من الإيمان فهي مغمورة بما يحصل معها من زوال العقل. يعني: لا يظن أن هذا هو أسمى مرتبة، فقد يقع للإنسان من لذة العبادة والروحانية والأنس بالتلاوة والأنس بالصلاة ما هو أعظم من مجرد هذه الصورة العادية. وكذلك ابن القيم في المدارج له كلام قريب من هذا.

стр. 2641

مذهب أهل السنة في الكرامات إذا جئنا إلى مسألة الكرامات فإن مذهب أهل السنة يقرها، وهي أمور فيها نوع خرق للعادة، وفيها نوع كشف للغيب، لكنه لا يقع بالمعجز الذي يقع للأنبياء، وليس فيه التحدي الذي هو من شروط المعجزة، وضابطها نصوص كثيرة. فإذا كانت هذه الكرامة ناشئة عن سبب غير شرعي أو توصل بها إلى أمر غير شرعي فهي منكرة مردودة، فهي منضبطة بضابط الشرع.

стр. 2642

نماذج من كرامات الصحابة لذلك لما تكلم ابن تيمية سرد في هذا سرداً واسعاً يدلل فيه على أنه لا ينبغي أن يكون ما يقع فيها من الشطحات والمخالفات دالاً أو دافعاً إلى إنكارها، وساق كلاماً طويلاً ونفيساً في إثبات هذه الأمور يحسن بنا أن نذكره، واستعرض كلاماً لو قيل مجرداً عن نسبته إلى ابن تيمية لربما كان في النفس منه شيء، أو كان عند بعض الناس له إنكار، فيقول بعد أن ذكر بعض ما ورد من القول السابق عن الكرامات قال: وكرامات الصحابة والتابعين وسائر الصالحين كثيرة جداً. مثل ما كان من أسيد بن حضير حينما كان يقرأ سورة الكهف فنزل من السماء مثل الظلة فيها أمثال السرج، وهي الملائكة نزلت لقراءته، والقصة الثانية أنه كانت الملائكة تسلم على عمران بن حصين، كلها ثابتة بأدلة ذكرها الذهبي في بعض التراجم كنصوص وأحاديث. وكان سلمان وأبو الدرداء يأكلان في صحفة، فسبحت الصحفة أو سبح ما فيها، وعباد بن بشر وأسيد بن حضير خرجا مع الرسول ﷺ في ليلة مظلمة فأضاء لهما نور مثل طرف السوط، فلما افترقا افترق الضوء معهما. أي: كان مع كل منهما ضوء. والحديث في صحيح البخاري. وقصة الصديق أبي بكر في الصحيحين لما ذهب بثلاثة أضياف معه في بيته، وجعل لا يأكل لقمة إلا ربا من أسفلها أكثر منها، كلما أكل لقمة يزيد أكثر منها، فشبعوا وصارت أكثر مما هي قبل ذلك، فنظر إليها أبو بكر وامرأته فإذا هي أكثر مما كانت عليه، والحديث في الصحيحين. وخبيب بن عدي كان أسيراً عند المشركين بمكة -شرفها الله تعالى- وكان يؤتى بعنب يأكله وليس بمكة عنبة واحدة، وهذا عامر بن فهيرة قتل شهيداً، فالتمسوا جسده فلم يقدروا عليه، وكان لما قتل رفع فرآه عامر بن الطفيل وقد رفع، وقال عروة: (فيرون الملائكة رفعته) وخرجت أم أيمن مهاجرة وليس معها زاد ولا ماء فكادت تموت من العطش، فلما كان وقت الفطر وكانت صائمة سمعت حساً على رأسها فرفعته فإذا دلو معلق فشربت منه حتى رويت وما عطشت بقية عمرها، وسفينة مولى رسول الله ﷺ أخبر الأسد بأنه رسول رسول الله ﷺ ، فمشى معه الأسد حتى أوصله مقصده، والحديث في مسند الإمام أحمد مصحح. والبراء بن مالك كان إذا أقسم على الله أبر قسمه، والحديث في هذا صحيح، وكان إذا اشتد الحرب على المسلمين في الجهاد يقولون: يا براء! اقسم على ربك. فيقول: يا رب! أقسمت عليك لما منحتنا أكتافهم. فيهزم العدو، فلما كان يوم القادسية قال: أقسمت عليك -يا رب- لما منحتنا أكتافهم وجعلتني أول شهيد. فمنحوا أكتافهم وقتل البراء شهيداً. وخالد بن الوليد حاصر حصناً منيعاً فقالوا: لا نسلم حتى تشرب السم. فشربه ولم يضره. وسعد بن أبي وقاص كان مستجاب الدعوة، ما دعا قط إلا استجيب له، وهو الذي هزم جنود كسرى وفتح العراق. وعمر بن الخطاب لما أرسل جيشاً أمر عليهم رجلاً يسمى: سارية فبينما عمر يخطب فجعل يصيح على المنبر: يا سارية! الجبل. يا سارية! الجبل. فقدم رسول الجيش فسأل فقال: يا أمير المؤمنين! لقينا عدواً فهزمونا فإذا بصائح يقول: يا سارية! الجبل. يا سارية! الجبل. فأسندنا ظهورنا بالجبل فهزمهم الله. ولما عذبت زنيرة على الإسلام فأبت إلا الإسلام وذهب بصرها قال المشركون: أصاب بصرها اللات والعزى. قالت: كلا والله. فرد الله عليها بصرها. ودعا سعيد بن زيد -وهو من العشرة المبشرين- على أروى بنت الحكم لما كذبت عليه فقال: اللهم! إن كانت كاذبة فأعم بصرها واقتلها في أرضها. فعميت ووقعت في حفرة من أرضها فماتت. والعلاء بن الحضرمي كان عامل رسول الله ﷺ على البحرين، وكان يقول في دعائه: يا عليم يا حليم يا علي يا عظيم. فيستجاب له، ودعا الله بأن يسقوا ويتوضئوا لما عدموا الماء فأجيب، ودعا الله لما اعترضهم البحر ولم يقدروا على المرور بخيولهم فدعا الله فمروا كلهم على الماء ما ابتلت سروج خيولهم، ودعا الله أن لا يروا جسده إذا مات فلم يجدوه في اللحد.

стр. 2643

نماذج من كرامات التابعين ولقد جرى مثل ذلك في التابعين، كما حصل لـ أبي مسلم الخولاني، فقد مشى هو ومن معه من العسكر على دجلة وهي ترمي بالخشب من مدها -أي من مد النهر- ثم التفت إلى أصحابه فقال: هل تفقدون من متاعكم شيئاً حتى أدعو الله فيه؟ فقال بعضهم: فقدت مخلاة. وكان يضع فيها زاده، فقال: اتبعني فتبعه فوجدها قد تعلقت بشيء فأخذها. والأسود العنسي لما ادعى النبوة قبض على أبي مسلم الخولاني وقال له: أتشهد أني رسول الله؟ قال: ما أسمع. قال: أتشهد أن محمداً رسول الله؟ قال: نعم. فأمر بنار فألقي فيها، فوجدوه قائماً يصلي فيها وقد صارت عليه برداً وسلاماً، وقدم المدينة بعد موت النبي ﷺ فأجلسه عمر بينه وبين أبي بكر فقال عمر: الحمد لله الذي لم يمتني حتى أرى من أمة محمد ﷺ من فعل به كما فعل بإبراهيم الخليل ﵇. ووضعت له جارية السم في طعامه فلم يضره، وخببت امرأة عليه زوجته فدعا عليها فعميت. وكان عامر بن قيس يأخذ عطاءه ألفي درهم في كمه، وما يلقاه سائل في طريقه إلا أعطاه بغير عدد، ثم يجيء إلى بيته فلا يتغير عددها ولا وزنها، ومر بقافلة قد حبسهم الأسد فجاء حتى مس بثيابه الأسد ثم وضع رجله على عنقه وقال: إنما أنت كلب من كلاب الرحمن، وإني أستحيي أن أخاف شيئاً غير الله . ومرت القافلة بسلام. ودعا الله تعالى أن يهون عليه الطهور في الشتاء، فكان يؤتى بالماء البارد وله بخار من سخونته. ودعا ربه أن يمنع قلبه من الشيطان وهو في الصلاة فلم يقدر عليه. وتغيب الحسن البصري عن الحجاج فدخلوا عليه ست مرات، فدعا الله فلم يروه. ودعا على بعض الخوارج كان يؤذيه فخر ميتاً. وصلة بن أشيم مات فرسه وهو في الغزو فقال: اللهم! لا تجعل لمخلوق علي منة. ودعا الله فأحيا له فرسه، فلما وصل إلى بيته قال: يا بني! خذ سرج الفرس واترك الفرس؛ فإنه عارية. فأخذ سرجه فمات الفرس. وجاع مرة بالأهواز فدعا الله واستطعمه فوقعت خلفه دوخلة رطب في ثوب حرير، فأكل التمر وبقي الحرير عند زوجته مدة. وكان سعيد بن المسيب في أيام الحرة يسمع الأذان من قبر رسول الله ﷺ أوقات الصلاة، وكان المسجد قد خلا فلم يبق غيره. وكما رأيت فالنصوص كثيرة، لكن ابن تيمية رحمة الله عليه أيضاً نبه التنبيه المهم، وهو أن هذه الأحوال كانت أيضاً لها صورة أخرى، وهي أن هؤلاء كانوا مقيمين على أمر الله، ملتزمين بأمره ونهيه ، فالضابط باق. وإذا لم يكن الضابط موجوداً فهناك حالان: حال الرحمن وحال الشيطان. لأن الشياطين يوحون إلى أوليائهم من الإنس؛ لأن الله ذكر أنهم يسترقون السمع فيوحون إلى أوليائهم، وأنهم يصلون إليهم ويقومون ببعض الأعمال مما يفتن صاحبها ويفتن غيره، فلذلك ينظر إلى حال الإنسان في استقامته على شرع الله، فإنه كما قال بعض العلماء: الاستقامة هي أعظم كرامة. أما الأمور التي ليس فيها استقامة، وفيها بعض ما يظهر للناس أنه خوارق فهذه فتنة لصاحبها ولمن يفتتن به، وهذا مثل حال الدجال، فـ الدجال عنده جنة ونار، ويفعل أموراً خارقة للعادات، ومع ذلك هو غير مقيم على شرع الله، فلا نغتر بذلك، وعلى المؤمن أن يبقى ثابتاً يعرف الحق من الباطل، ومن لطيف وعجيب ما ذكره الإمام ابن تيمية ومن دقة كلامه أنه قال: ولما كانت أمة محمد ﷺ شرائعها في المساجد كانت بعيدة عن الأحوال الشيطانية، ولما كان غيرها من الأمم شرائعها في الأديرة والمغارات والكهوف والجبال، وخرج بعض من تصوف بهذه الصور واعتزلوا كانت بعض أحوالهم أو كثير منها تقرب من الأحوال الشيطانية؛ لأنها مواضع خلو ومواضع فراغ ومواضع وجود الشياطين والجن ونحو ذلك. فهذه الأمور إذا كان صاحبها مخالفاً للشرع فإنه إذا قرئ عليها آية الكرسي أو نحوها أبطلها ذلك وظهر فسادها وعوارها، ولذلك كان من كلامه وتفصيله أنه قال: إن النبي ﵊ ما حذر مثلما حذر من اتخاذ القبور مساجد؛ لأنها تلم بها الأحوال الشيطانية لمخالفة شرع الله . ولذلك جاء النهي عن الصلاة على المقابر وفي المقابر لهذا المعنى، لذلك فمن كان ملتزماً بشرع الله فإنه على استقامته فهو على كرامة، فإن زيد شيئاً من ذلك فهو أمر قد يقع أحياناً لتثبيث الإنسان، أو قد يقع لإظهار الدلالة لإنسان آخر، ونحو ذلك كثير يطول الكلام فيه.

стр. 2644

كلام العلماء في الإلهام والخاطر ننتقل بشيء من التفصيل إلى الإلهام، وهو الخاطر الذي يقع للإنسان بأن يفعل شيئاً أو لا يفعل. ذكر الإمام ابن تيمية في جامع الرسائل في تعليقه على فتوح الغيب للجيلاني كلاماً ملخصه أن الأمر إذا تكافأت أدلته ولم يكن ثمت مرجح فإن الإلهام والخاطر القلبي يؤخذ به لا على أنه ترجيح شرعي، لكن على أنه أمر فطري يدل على مثل هذا. وذكر كلاماً طويلاً يمكن أن يرجع إليه، وكما ذكرنا فالعلماء من أهل السنة بينوا الخطأ وبينوا الصواب، والذي يخلط هذا بهذا أو يرد الكل أو يقبل الكل، واستشهدوا بأقوال المتقدمين. ولابد أن نعرف أن بعض المتقدمين من أهل العبادة والزهد كانت أمورهم في غالبها وأكثرها على الأمر الكامل التام المحمود من متابعة أمر الرسول ﷺ واستقامة على شرع الله، بل هم ردوا على كل ما خرج منه الناس من الشرع باسم التصوف. وأبرز هذه القضايا الاكتفاء بالعبادة عن العلم وذم العلم وأنه لا يحتاج إليه، بل يكفي أن يكون ذوقه ووجده الذي يدله، فهذا رد عليه متقدمون من أمثال الجنيد ومن أمثال السلمي وغيرهما، كما نقل عنهم ابن تيمية وغيره، ورد عليه أيضاً ابن تيمية وابن القيم ومحمد بن عبد الوهاب والذهبي وغيرهم من العلماء في كثير من الكتب. المسألة الثانية الخطيرة هي التفريق بين الشريعة والحقيقية، وادعاء أن هذه الألفاظ لها ظاهر ولها باطن، والباطن هو الحقيقة التي يعرفها هؤلاء، وهذا أيضاً تعطيل للشرع وطعن فيه. المسألة الثالثة الخطيرة هي قضية الحلول والاتحاد، وهو أعظم من كفر اليهود والنصارى، وهم الذين يقولون: هو الفناء عن السوى. فهذا باطل وكفر بواح ذكره كل العلماء؛ لأنه إلغاء للعبودية وإلغاء للإلهية، واعتقاد بأن الله حل في المخلوقات، وهذا كفر ظاهر وصريح. والذي قال به العلماء وذكروا أن بعض الأحوال تنطبق عليه ليس هو فناء السوى وإنما هو فناء الشهود، أن يفنى عن مشاهدة الخلق إلى مشاهدة الخالق، فيكون متعلقاً قلبه به، فقد ينصرف عن غيره من الأحداث أو الحوادث كصوت أو كلام أو مناداة أو نحو ذلك. ومن هنا كان بعض العلماء لهم في هذا المقام ثناء على أهل التصوف بما عندهم من الحق، ومدح لهم بما وافقوا فيه الكتاب والسنة، وكان لهم أيضاً تأول في بعض أقوالهم، وذكروا أن أقوالهم ينبغي أن تفهم على ما يعرف من أحوالهم وصدق بعضهم. ولذلك قال ابن القيم في مسألة التأول كلمة جامعة نافعة، قال: فاعلم أن في لسان القوم من الاستعارات -أي: في عباراتهم وكتاباتهم- وإطلاق العام وإرادة الخاص، وإطلاق اللفظ وإرادة إشارته دون حقيقة معناه ما ليس في لسان أحد من الطوائف. يعني: هم استخدموا عبارات فيها هذه الأساليب التي قد لا يفهم الإنسان العادي معناها. قال: ولهذا يقولون: نحن أصحاب إشارة لا أصحاب عبارة، والإشارة لنا والعبارة لغيرنا. قال: وقد يطلقون العبارة التي يطلقها الملحد ويريدون بها معنىً لا فساد به، وصار هذا سبباً لفتنة طائفتين: طائفة قبلوا وطائفة ردوا. وهذا واضح وظاهر في هذا الأمر. ولذلك عذروهم في بعض هذه الأقوال. فإذاً المسألة الروحانية بإيجاز هي أساس في حياة الإنسان المسلم منضبطة بالشرع غير واقعة تحت مقياس المادة والحس، وهناك مجاوزة لهذا الحد هو الذي وقع به الشطحات التي أخرجت حتى عن الملة، وهي المسائل التي أشرت إليها وأعيدها، وأعظمها الحلول والاتحاد، ومن بعده الاكتفاء عن العلم، ومن بعده الكلام عن الحقيقة الباطنة والشريعة الظاهرة، وأيضاً مسألة رابعة وهي سقوط التكليف، وهذا كله باطل وجهل ومردود بنصوص الكتاب والسنة. وأسهل رد عليه أنه لو كانت هذه حالات كمال لكان الأولى بها رسول الله ﷺ وأصحابه رضوان الله عليهم. وما علم أنهم إلى آخر حياتهم إلا وهم عابدون قائمون بالأمر مستقيمون عليه، ممتنعون عن النهي، خاضعون لله ، مبالغون في الارتباط به والذلة له . وهذا موجز ما أردنا الإشارة إليه. ونسأل الله أن يكون فيما ذكر الكفاية، وأن يكون المقصود قد وضح وظهر، ونسأل الله أن يرزقنا حياة صحيحة لأرواحنا، ونوراً مشرقاً لقلوبنا، وطمأنينة كاملة لنفوسنا، وأن يجعلنا أغنى الأغنياء به، وأفقر الفقراء إليه، وأن يقيمنا على شرعه ، وعلى هدي رسوله ﷺ . وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصل -اللهم- وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 2645

مكامن الأخطار في تغيير النفوس والأفكار لقد طفق أعداء الله من اليهود والنصارى يكيدون للإسلام بشتى الوسائل، وبكل الطرق، والأدهى والأمر أن يأتوا إلى المسلمين عن طريق وسائل محرمة في شرعنا، مثل التبرج والسفور، والغناء الماجن، والاختلاط السافر، والنعيق وراء الكرة والمباريات، وإنفاق الملايين والمليارات من الأموال والأوقات فيما يغضب الله، بل أتوهم من كثير من أبواب الكفر والزندقة، وأدخلوا كثيراً من المسلمين في أمور تناقض الدين من أصله، وهذا مسخ للهوية، وتغيير للفطرة، وانسلاخ من الدين، فإلى متى لا نفقه ما يدور حولنا؟! وإلى كم نغفل عما يراد بنا؟!

стр. 2646

استمرار الأعداء في محاولة صد المسلمين عن دينهم الحمد لله ﷻ ، وعز جاهه، وتقدست أسماؤه، وعظم عطاؤه، وجلت آلاؤه، له الحمد كما يحب ويرضى، على آلائه ونعمه التي لا تعد ولا تحصى، هو أهل الحمد والثناء، لا نحصي ثناء عليه هو كما أثنى على نفسه، فله الحمد على كل حال وفي كل آن، وله الحمد في الأولى والآخرة، وله الحمد ملء السماوات والأرض وملء ما بينهما، وملء ما شاء من شيء بعد، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، كما يليق بجلاله وعظيم سلطانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت، وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن نبينا وقائدنا وقدوتنا محمداً عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، خاتم الأنبياء والمرسلين، سيد الأولين والآخرين، صلى الله عليه وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: أيها الإخوة المؤمنون! مكامن الأخطار في تغيير النفوس والأفكار، هذه الحقيقة في غاية الأهمية، وإن واقع ما تشهده الأمة اليوم من هجمة شرسة قل نظيرها ينبغي ألا يصرفنا عنه أنه احتلال للأرض، أو نهب للثروات، أو سفك للدماء، وكل ذلك حاصل لكنه في جانبه الآخر محاولة لقتل الحمية في النفوس، وإضعاف القوة في القلوب، ووجود الزيغ والانحراف في الأفكار، وإن أمة تموت روحها، وتضعف حميتها، وتدفن مشاعرها، وتضلل أفكارها، تصبح أسهل لقمة سائغة في أفواه أعدائها، واعلموا أن أعداءنا يعرفون هذه الحقائق، ويعملون للوصول إليها أكثر مما يلتفت إليها أبناء هذه الأمة على مختلف مستوياتهم من القادة والشعوب، من أصحاب الرأي والكلمة ومن غيرهم من عموم الناس، ولا أريد أن أجعل الحديث مسترسلاً من غير أن يكون واضحاً بيناً، ولا شك أن ذلك ينطلق في ضوء أنوار توضح الطريق، وتبين المعالم، وتكشف المستور، لابد لنا أن نستضيء دائماً وأبداً بآيات الكتاب الكريم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، وأن نستضيء بهدي وسنة وسيرة المصطفى ﷺ الذي بين لأمته كل ما تحتاجه في هذه الحياة الدنيا لإقامة دين الله وإعزازه، ولكي تؤدي الأمانة التي حملتها، وتبلغ الرسالة التي تلقفتها عنه، وعمن كان من أصحابه رضوان الله عليهم: ﴿وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾ [البقرة:٢١٧] ولفظ الآية هذه واضح في دلالته المستمرة، وفي غايته الواضحة المحددة، لا يزالون مستمرين على ردة الناس، عاملين متواصين على ذلك ومجتمعين: (وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُم) وصيغة المضارع تدل على الاستمرار، والغاية ليست متشعبة ولا متعددة، بل كما قال الحق جل وعلا: (حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ). ولا شك أننا قد تحدثنا في قضية الدين في حياة المسلمين بشيء ربما نبه على هذا الأمر، والآيات كثيرة في هذه الحقائق: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال:٣٦]، قضايا كثيرة، وحقائق واضحة بينة: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة:١٢٠] حسداً من عند أنفسهم، آيات كاشفة واضحة وأحاديث المصطفى ﷺ قائمة باقية ما بقي الزمان، يقول فيها ﷺ : (لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب خرب لدخلتموه. قالوا: يا رسول الله! اليهود والنصارى؟ قال: فمن)، وهو القائل: (لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين)، وهو الذي لقن أصحابه حتى قال الفاروق ﵁: (لست بالخب ولا الخب يخدعني، وإنما تنقض عرى الإسلام عروة عروة إذا نشأ في الإسلام من لم يعرف الجاهلية) الحقائق كثيرة، فلننتقل إلى الوقائع لنرى أي شيء يصنع أعداؤنا في هذه الهجمة التي تتزعمها القوة العظمى العالمية التي نعرف أخبار جنونها وقتلها وعدوانها وغير ذلك، لكنه يخفى علينا كثيراً من مكامن الخطر التي تستهدف الروح والنفس، والتي تحرف التصور والفكر.

стр. 2647

نماذج من الغزو الفكري هذه أخبار جديدة تطالعنا يقول فيها مسئول بارز: إننا في حرب في مجال الأفكار بقدر حربنا في مجال الإرهاب، وإن تخفيف الملابس عبر الملابس يشكل وسيلة مثلى للاختراق -ولا أريد أن أفسر تخفيف الملابس؛ لأن بقية الخبر يوضحه- إذ رصد اثنان وستون مليون دولار لإطلاق قناة فضائية ناطقة باللغة العربية هل لنشر العلوم والتقنية؟ هل ستكون لإصلاح الأوضاع والأحوال الاقتصادية أو الاجتماعية أو السياسية؟ إن القائمين يقولون: إنهم جندوا فريقاً من الحسناوات والرموز الثقافية في المجتمعات الأمريكية ليكن رسلاً للثقافة الأمريكية التي يودون الترويج لها! وقد يقول قائل في مثل هذا: إن الأمر لن يكون مؤثراً ولا مقبولاً، فأقول: خذوا الأمثلة الواقعية، وهذه كلمات محزنة مؤسفة نقرؤها لكاتب شهير خطير في صحيفة سائرة ذائعة يروي خبراً أعده من باب التشفي والتشهي بأمتنا ليقول لنا: إننا نفعل بكم، ونلعب بمشاعركم، ونغير في عقولكم، وسنصنع بكم ما نريد وما نشاء، لا بأنفسنا ولكن من خلال ألسنتكم، وبأيديكم وبرجالكم ونسائكم! إنه يتحدث تحت عنوان عجيب نصه: اثنان وخمسون وثمانية وأربعون، قلت: لعلها أعوام فيها بعض الأحداث، فإذا بها نسب للتصويت على أفضل المطربين والمغنين في عالمنا العربي الشهير، الذي أصبحنا لا نستطيع أن نعد أو نحصي أعداد أولئك الجيوش من الفنانين أو الفنانات. يقول هذا الكاتب -وكما قلت: أحسبه ساخراً أو شامتاً-: أؤمن بإمكانية تحول الثقافات تبعاً للتحولات التاريخية والإصلاح الاقتصادي، والتقدم التقني. ويعطينا المثال على ذلك فيقول: وإذا ما أراد البعض معرفة القضية الرئيسية التي بات العالم العربي يتحدث حولها خلال الأسابيع الأخيرة، فسيجد أنها ليست العراق ولا فلسطين، بل رؤية العرب للنموذج الأمريكي، ويخبرنا عن برنامج بثته قناة عربية على مدى واحد وعشرين أسبوعاً للخروج بأفضل المطربين في عالمنا العربي، ويخبرنا بالأحداث التي وقعت في بعض مراحل هذا البرنامج وتصويته، وأنه قد حصل عراك، وأنه قد سالت الدماء، وأنه حصل إغماء، وأن الشوارع خلت في بعض الدول أثناء عرض البرنامج للتصويت، ويضيف قائلاً -وذلك هو المحزن المؤلم-: إن صديقاً له من تلك البلاد التي فازت فيها مغنيتها أرسل له قائلاً: بالأمس فازت مطربة من جنسيته في مسابقة اشترك فيها ما يزيد على أربعة ونصف مليون شخص، ثم يقول واصفاً الحال: لقد انطلق الناس في الشوارع للتعبير عن فرحتهم حتى الساعات الأولى من الصباح، متى كان هذا؟ ليس لتاريخ هذا المقال سوى أسبوع واحد، وهو يخبرنا عما كان شاغلاً لعالمنا العربي الذي تدمر فيه البيوت فوق رءوس أصحابها، والذي تقذف فيه الطائرات النفاثة البيوت والسيارات لتحرق من فيها فلا يبقى منهم بقية من جسد، ولا أثر من جثة، ثم يكمل هذا الصديق العربي قائلاً: يمكن للقبو العربي أن يتغير، ذلك مفهوم التغيير عند بعض أولئك القوم. ثم يخبرنا عن كاتب من تلك الدولة يقول في صحيفته السائرة: كان هذا (أي: التصويت والبرنامج) مثالاً مثيراً على مدى قوة التقنية الحديثة في العالم العربي، وذلك في تأجيج المشاعر، ودفع الجماهير للتحرك. ولست أدري أية مشاعر تلك التي رأى أنها مثالاً مثيراً لتحريكها وإثارتها هل غضبة للأعراض المنتهكة أو للأرض المغتصبة أو للسيادة التي مرغت تحت أقدام القوة الغازية أو لكلمة المسلمين والعرب التي رغم كل هذه الأحداث لم تجتمع لتقول سطراً واحداً فيه شيء من عزة أو قليل من إباء أو بقايا من حياء؟! ثم يقول هذا الكاتب الأمريكي الشهير مختصراً ما يريد أن يوصله لنا في العالم العربي: حيث تستطيع القلة فقط التعبير عن رأيها بحرية، فما بالكم بالإدلاء بأصواتها؟! ها هي القنوات الفضائية تشكل ما قد يصبح في الواقع جدار الديمقراطية، أليس هذا تمويتاً وإماتةً لروح الغيرة والحمية والارتباط بقضايا الأمة ومصيرها، وهي اليوم في أسوأ أحوالها وأضعفها؟ أليس هذا تسميماً للأفكار حتى يكتب الكتاب، ويبعث الأصدقاء، فرحين بالتأثير الهائل للتقنيات الحديثة، لا لترفع مستوى التعليم المنحدر المتهالك في عالمنا، ولا لتجعلنا في صف الدول المتقدمة في تجاراتنا واقتصادياتنا، ولا ولا وإنما لتزيدنا من هز الأوساط وما يلحق بذلك مما يعف اللسان عن ذكره؟! وفي صحيفة محلية تعليق آخر على الحدث ذاته، ولعله كان فيه جانب من النقد الذي يخفف شيئاً من لوعة قلوبنا، إذ بالفعل كانت الصحافة على صفحاتها الأولى مع أخبار القتل والتدمير، نجد خلال الأسابيع الماضية بالفعل خبراً ومتابعة دائمة لهذا الحدث الذي يمثل اختراقاً حقيقياً كما تريد تلك القنوات والوسائل الإعلامية. يقول الكاتب: استطاع البرنامج تلقين الفرد العربي قيماً اجتماعية جديدة على غرار النموذج الغربي، شباب وصبايا توافدوا من كل حدب وصوب يغنون ويتمازحون، ويتبادلون القُبل أمام المشاهدين، وبمباركة أكثر من خمسة ملايين شخص، صوتوا لصالح تشريع القبل المحرمة تحت مسمى الفن، ثم ينتقد ويختم فيقول: ماذا لو كان هناك سوبر ستار للمبدعين العرب؟ وقد يقول أولئك القوم: إن في تلك البلاد والحضارات مثل هذه البرامج، لكني أقول: إن عندهم ميزانيات هائلة وضخمة، وسارية المفعول لمعامل الأبحار، ولمراكز الدراسات، ولكل العلماء والمخترعين، وإن عندهم ميزانيات هائلة لتصنيع الأسلحة الخفيفة والثقيلة والطبيعية وغير الطبيعية، وإن لديهم وإن لديهم فلا حرج إن فعلوا مثل ذلك، فهم في موقف القوة والانتصار والهيمنة، أما أن تكون هذه الأمة في هذه الحال ثم تغرق في مثل هذه الأمور فإنها سياسة خطيرة للفت الأنظار عن المهمات والواجبات والقضايا الكبرى والحقائق العظمى التي تواجه أمتنا. ومرة أخرى أنتقل إلى صفحة أخرى، ولست ممن يحب أن يكثر من الأخبار التي قد يكون فيها شيء من الإضعاف أو الوهن، لكن معرفة الواقع أمر مهم. في أكثر الصحف خلال الأسابيع الماضية صفحة كاملة لإعلان ملفت للنظر، أقرأ لكم فقرات منه لنرى كذلك ما الذي سيشغلنا على مدى تسعة أشهر قادمة؟ وما الذي سيكون موضع اهتمام الشارع العربي كما يقولون في هذا الإعلان عن أبطال الكرة العربية، سطر يقول: مائتان وخمسون مليون متفرج في ملعب واحد، ما هو هذا العدد؟! مائتان وخمسون مليون يعنون به كل شعوب الدول العربية، وأنتم منهم ستكونون جميعاً في ملعب واحد لتتابعوا هذه البطولة! ويقول الإعلان: إحدى عشر مليون كيلو متر مربع قطر الكرة العربية، ويعنون بها: مساحة العالم العربي كله، وتسعة أشهر زمن البطولة، وكلكم معاشر الملايين ينبغي أن تحشدوا كأنكم في ملعب واحد، وكأنكم تتفرجون على كرة واحدة, ليصبح العالم العربي كله بما فيه مهبط الوحي, وأرض الحرمين, وما فيه مسرى رسول الله ﷺ , وكنانة عمرو بن العاص وتاريخ الأمة المجيد كله كرة قطرها: أحد عشر مليون كيلو متر مربع كما يقول الإعلان، وعلى مدى تسعة أشهر ترقبوا وانتظروا وتأهبوا واستعدوا، ثم بعد ذلك نقول ما قاله كثير من العقلاء والحكماء، وما تقوله أمثلتنا العربية وتراثنا الإسلامي: (لا يبلغ العدو من جاهل مثلما يبلغ الجاهل من نفسه) وتلك قضية خطيرة. وثالثة كل هذه الأحداث التي أذكر بعض أخبارها، وكلها في يوم واحد وفي صحف نفس اليوم حتى نرى كم هو حجم الإنهاء والإغواء والإغراء، وكذلك صرف النظر إلى ما لا يريد أعداؤنا أن ننشغل به. لعبة من لعب الكمبيوتر جديدة حديثة، فيها أن اللاعب يصور نفسه، ويظهر على الشاشة، ويمارس اللعب مع أجهزة الكمبيوتر، وهذه الألعاب مشهورة معروفة، وهذا النوع الجديد يستقطب اليوم كثيراً من الشباب صغاراً وكباراً، وتستنفذ فيه من الأوقات لا أقول: آلافاً ولا مئات الآلاف، بل ملايين من الساعات لشبابنا وأبنائنا، أي شيء يجنون؟ وأي بطولة يحققون؟ وأي مهارة يكتسبون؟ وأي خبرة يقتنون؟ وعلى أي خبرة يحصلون؟ إنها قضايا كثيرة، ولذلك لا نود أن نكرر وأن نزيد، فإن الأمر واضح بين، وإننا نقول حينئذ: هل نحن متهمون أو متجنيون عندما نذكر هذه الحقائق؟ وهل يقال بعد ذلك: إن هناك آثاراً وخيمة على شبابنا وأوضاعهم في مجتمعاتنا العربية والإسلامية؟ ويوجد تحقيق آخر كنت أريد أن أطوي ذكره ولكني أعرج عليه، تحقيق يذكر عن بلادنا بعض الظواهر في شبابنا، وأن منهم بعضاً -وقد يكونون قلة في أول الأمر- أصبحوا اليوم يصطحبون معهم كلابهم في النزهات، ويقولون كما يوجد في العناوين العريضة: جمعتنا الصداقة من خلال الكلاب. وخبراً آخر عن القنوات الإباحية، وانتشار بطاقات فتح تشفيرها، وأن هناك أعداداً خطيرة وكثيرة من هذه القنوات، ثم لا نريد أن يحصل في مجتمعات الأمة بعد ذلك: إما انحراف إلى الجانب الأقصى في اتجاه التهتك والانحلال والانغماس في الشهوات والملذات والمخدرات وغير ذلك من أنواع الجرائم، أو يكون انحرافاً إلى ما يصبح اليوم عنواناً للإرهاب أو التشدد أو التكفير أو غير ذلك، وتضيع الأمة بين طرفي نقيض، والوسط الذي تحدثنا عنه كثيراً يغيب؛ لأننا غيبناه بفعل ما نصنع وخاصة في وسائل الإعلام الفضائية على وجه الخصوص. ولو أردنا أن نكمل الصورة لوجدنا ما يؤلم ويحزن، ولكننا نريد أن نقول ذلك، وأن نبين هذه الحقائق لكي نكون على بينة من أمرنا، وهذا الأمر الذي ذكرته أعلم يقيناً أن عدداً كبيراً منكم يعلمه، وربما عرفه عن خبرة، وربما شاهده، وربما تابعه، وربما البعض منا يدفع الأموال ليشترك في هذه المجموعات الفضائية، أو في تلك المباريات الكروية أو غيرها، فنحن جزء ممن تمرر عليهم وبهم وفيهم ومن خلالهم هذه القضايا التي يقول عنها الكاتب الشهير: إنها ستحدث التغيير في الثقافات أي: في المبادئ والمسلمات، في التعاملات والعادات، في المبادئ والقيم، وفي الروح العامة التي بدأنا نرى في نفوس أبناء أمتنا ما يستدعي التوقف والحذر، صيحة إنذار لمكامن الأخطار في النفوس والأفكار، لا بد أن نطلقها وأن نشيعها وأن نحذر منها، وألا نقبل باستمرارها، وألا نكون نحن وقوداً لها. نسأل الله أن يقينا الشرور والآثام، وأن يعصمنا وأن يحمي أهل الإيمان والإسلام، إنه ولي ذلك وا

стр. 2648

لا تزال طائفة من الأمة على الحق ظاهرين الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى من تبعهم واقتفى أثرهم، ونهج نهجهم إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين. أما بعد: أيها الإخوة المؤمنون! أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله، فإن تقوى الله أعظم زاد يقدم به العبد على مولاه، وإن لفت النظر والعناية بالاختراق الثقافي والسلوكي والاجتماعي أمر مهم في غاية الأهمية؛ لأنه من العجيب جداً أن نسمع هذه الأخبار، وأن نعرف هذه الوقائع، في الوقت نفسه الذي نستمع ونرى بأعيننا كيف تدمر البيوت فوق رءوس أصحابها في أرض الإسراء، وكيف تخترق الجثث بصواريخ الطائرات، وكيف يقع الكثير والكثير من المآسي والحرائق والتدمير في أرض العراق المحروقة، فمدارسها مغلقة، وجامعاتها معطلة، وأمنها مفقود، أين هذا كله من الذين يصوتون للغناء، أو يترقبون مباريات الكرة، أو ينشغلون بألعاب الكمبيوتر أو غير ذلك، أين هذا من دماء تسيل، وأرواح تزهق، وكرامة تمرغ في التراب، وسيادة تداس بالأقدام، وأمة كأنما لا ذكر ولا وجود ولا حياة لها؟! ويقضى الأمر حين تغيب تيم ولا يستأذنون وهم شهود أين أمة الألف مليون؟! أين أمة العرب التي تجري الأحداث لا نقول بعيداً عنها ولا نقول في عقر دارها، بل في كل شبر من أرضها، وفي كل ذرة من هوائها، وفي كل مرحلة وحركة وسكنة من تفاعلاتها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية؟ احسبوا الملايين التي تصرف في هذه المجالات، احسبوا الأوقات والجهود التي تصرف في هذه الميادين، أين تقدم العلم؟ أين تطور التقنية؟ أين وأين وأين مما نحن في أمس الحاجة إليه؟! ثم بعد ذلك يراد للأمة ألا تعرف تاريخها، وألا تدرس دينها، وألا تكون بصيرة بواقعها، وأن يكون شغلها الشاغل هو ما تبثه تلك القنوات أو ما تروجه تلك الوسائل الإعلامية. إنها قضية خطيرة، ومسألة أخرى لا أود أن أنهي حديثي هذا وأنا قد وضعتكم في أجواء قد يكون فيها شيء من الإخافة، أو بث روح اليأس، لكنني أجد أن ما نحتاج إليه سيحتاج حديثاً أوسع، إن عزة الأمة وكرامتها، وإن الأمثلة المشرقة المضيئة فيها، وإن المعنيين بهمها، وإن القائمين بواجبهم في مواجهة أعدائها لا يزالون كما أخبر النبي ﷺ : (لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك). اختر لنفسك أخي أن تكون في هذه الزمرة التي أخبر النبي ﷺ أن من السنن الماضية بقاؤها مستمسكة بكتاب ربها، مهتدية بهدي رسولها ﷺ ، رافعة لراية أمتها، ناشرة لبنود وأعلام دينها، ولا تكن كالذي يسير وراء أولئك المغررين من الأعداء أو الأصدقاء، الذين أماتوا في شبابنا وفي مجتمعاتنا من خلال هذه الوسائل كل روح من روح القوة أو المقاومة أو الغيرة، أو حتى الشرف والعزة والنخوة ونحو ذلك، وهناك الصور المشرقة رغم كل الظروف الصعبة والقاسية والشديدة في ميادين المواجهة التي نرى، ورغم كل هذه المآسي في أرض الإسراء، وكم نعجب من تلك المواقف التي نطأطئ رءوسنا خجلاً أمام عظمتها، وتذرف دموعنا حقيقة، وليس تعبيراً أمام كبريائها، وعزة إيمانها، وشموخ إسلامها، وعظمة قوتها، رغم أنها خلو من أسباب القوة المادية. رجل كلكم شاهدتموه قصف بيته حتى لم يبق فيه شيء قائم على شيء، واستشهد ابنه الذي كان مقرراً أن يكون عرسه بعد ثلاثة أيام، ومعه زوجته، وعندما يسأل عن شعوره يقول: ليس ابني أغلى من أبناء فلسطين، وليست الزوجة أغلى من نساء فلسطين، كل من يقتل من الأولاد من الذكور فهم أولادي، ومن الإناث فهم أخواتي أو أمهاتي، ولا ترى إلا قوة إيمان، وشموخ إسلام، ووضوح رؤية، ليس هناك نوع من ذلة المفاوضات السياسية، ولا أنانية المصالح الشخصية، ولا غير ذلك من المآسي المخزية الفاضحة التي جعلت سمعة القوم في أسوأ صورها وأسود حالاتها. ولعلنا نفتح من هذه الصفحات المشرقة ما هو جدير بأن يحيي في نفوسنا الأمل، ويدعونا إلى أن نكون في خندق المواجهة، ليست المعركة اليوم في العراق، وليست في فلسطين، إنها في كل بيت، وفي كل دار، وفي كل بلد إسلامي وعربي لا يستثنى من ذلك شيء، بل بعضها أكثر من بعض، والتفاوت في الحجم والكثرة لا أقل ولا أكثر، فوطنوا أنفسكم على أن تعتزوا بإيمانكم، وتلتزموا بإسلامكم، وتكونوا على بينة من أمركم، ومعرفة لحقائق أعدائكم، واستعداداً لمواجهة هذه الهجمات الشرسة. نسأل الله أن يرد عنا كيد الكائدين، وأن يدفع عنا شرور المعتدين، وأن يحقن دماء المسلمين، وأن يحفظ أعراضهم وأموالهم، وأن يتقبل في الشهداء موتاهم. نسألك اللهم يا ربنا أن تهيئ لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر يا سميع الدعاء! اللهم إنا نسألك أن تمكن في الأمة لأهل الخير والرشاد، وأن تقمع أهل الزيغ والفساد، وأن ترفع في الأمة علم الجهاد. اللهم لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا، وردنا إلى دينك رداً جميلاً، وخذ بنواصينا إلى طريق الحق والسداد، وألهمنا الرشد والصواب. اللهم احفظ شبابنا وشاباتنا من زيغ الفكر وانحراف السلوك، اللهم احفظ أبناءنا وأزواجنا وذرياتنا من كل سوء ومكروه يا رب العالمين! اللهم إنا نسألك التقى والهدى والعفاف والغنى، اللهم تول أمرنا، وارحم ضعفنا، واجبر كسرنا، واغفر ذنبنا، وأصلح أحوالنا، ورخص أقواتنا. اللهم إنا نسألك أن تنزل علينا الخيرات، وأن تفيض علينا البركات، وأن تمحو وتكفر عنا السيئات، وأن تقيل لنا العثرات، وأن تضاعف لنا الحسنات، وأن ترفع لنا الدرجات، وأن تبلغنا فيما يرضيك آمالنا يا رب الأرض والسماوات! اللهم إنا نسألك العفو والعافية، والمعافاة الدائمة في الدين والدنيا والآخرة، اللهم أبرم لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك يا سميع الدعاء! اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وارفع بفضلك كلمة الحق والدين، ونكس رايات الكفرة والملحدين، اللهم من أرادنا وأراد الإسلام والمسلمين بسوء فاجعل الدائرة تستوي عليه، وأشغله بنفسه، واجعل تدبيره تدميراً عليه، ورد كيده في نحره. اللهم إنا نسألك أن تنزل سخطك ورجزك وغضبك على أعداء الإسلام والمسلمين، أحصهم اللهم عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تغادر منهم أحداً، أرنا فيهم عجائب قدرتك، وعظيم سطوتك، زلزل الأرض من تحت أقدامهم، واقذف الرعب في قلوبهم، وخذهم أخذ عزيز مقتدر. اللهم أنزل بهم بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين يا قوي يا عزيز يا متين! اللهم لطفك ورحمتك بإخواننا المسلمين المضطهدين والمعذبين في كل مكان يا رب العالمين! اللهم امسح عبرتهم، وسكن لوعتهم، وفرج همهم، ونفس كربهم، وعجل فرجهم، وقرب نصرهم، اللهم زد إيمانهم، وعظم يقينهم، واجعل لنا ولهم من كل هم فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً، ومن كل فتنة عصمة، ومن كل بلاء عافية يا سميع الدعاء! اللهم اجعل هذا البلد آمناً مطمئناً رخاء وسائر بلاد المسلمين، وأصلح اللهم أئمتنا، وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك، واتبع رضاك يا رب العالمين! اللهم وفق ولي أمرنا لهداك، واجعل عمله في رضاك، وارزقه بطانة صالحة تدله على الخير وتحثه عليه يا سميع الدعاء! اللهم ثبت وأعن وانصر إخواننا المجاهدين في أرض فلسطين وفي كل مكان يا رب العالمين! اللهم أفرغ في قلوبهم الصبر واليقين، وثبت أقدامهم في مواجهة المعتدين، اللهم زدهم إيماناً، وقوة وشموخاً، وعزة ونصراً، وعزاً وتمكيناً يا رب العالمين! اللهم إنا نسألك أن تجعلنا من جندك المجاهدين، ومن عبادك المخلصين، ومن ورثة جنة النعيم برحمتك يا أرحم الراحمين! عباد الله! صلوا وسلموا على رسول الله استجابة لأمر الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٥٦] وترضوا على الصحابة الكرام وخصوا منهم أهل القدر العلي والمقام الجلي أبا بكر وعمر وعثمان وعلياً، وعلى سائر الصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، ﴿وَأَقِمْ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ [العنكبوت:٤٥].

стр. 2649

الغلو معالمه ومخاطره [١] ما من أمر إلا وللشيطان فيه نصيب إما بالغلو والإفراط، وإما بالتمييع والتفريط، والغلو كبير خطره، كثيرة مفاسده، عظيمة آثاره، ولقد حذر الله ورسوله منه، كما بين أهل العلم معالمه وصوره ومخاطره.

стр. 2650

تعريف الغلو لغة واصطلاحاً الحمد لله ﷻ ، وعز جاهه، وتقدست أسماؤه، وعم نواله، وعظم عطاؤه، وتعددت آلاؤه، له الحمد ، جعل الإسلام يسراً، وجعل المسلمين أمة وسطاً، نحمده على آلائه الجليلة، ونعمه الكثيرة، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ويرضى، على آلائه ونعمه التي لا تعد ولا تحصى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت، وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن نبينا وقائدنا وقدوتنا وسيدنا محمداً عبد الله ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، هدى به من الضلالة، وأرشد به من الغواية، وكثرنا به من بعد قلة، وأعزنا من بعد ذلة، أرسله إلى الناس كافة أجمعين، وبعثه رحمة للعالمين، وختم به الأنبياء والمرسلين، وأشهد أنه ﵊ قد بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، وجزاه الله خير ما جازى نبياً عن أمته، ووفقنا وإياكم لاتباع سنته، وحشرنا يوم القيامة في زمرته، وجعلنا من أهل شفاعته، وصلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى من تبعه واقتفى أثره ونهج نهجه إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: أيها الإخوة المؤمنون! فمن حديثنا السالف في جمعتنا الماضية جاءني من الإخوة المصلين من هو مستحسن وموافق، ومن هو طالب ومستزيد، ومن ما زال عنده بعض حيرة وتساؤل، ولأننا كما تعودنا دائماً نؤكد ونذكر أنفسنا بقصد وجه الله والإخلاص له، وإرادة الخير والهدى والمصلحة لأمة الإسلام والمسلمين؛ نشرع في بيان قد يطول، لكنه مهم ومفيد، ولأننا وكما أكدنا كثيراً في السابق لا نريد أن تكون أقوالنا وأحاديثنا ردود أفعال مؤقتة، أو عواطف متأججة لا يخالطها أصالة المنهج العلمي، واتزان التفكير المنهجي، ومن ثم فإن بعض الذين رأوا أهمية لمثل تلك الموضوعات التي تعالج أحوالنا، وما قد يقع من خلل في مجتمعاتنا؛ أراد الحديث عن التكفير وبيان خطورته، وآخر أراد أن يكون هناك مزيد من البيان لمثل هذه المسائل. وسيكون حديثنا عن الغلو معالمه ومخاطره، ونبدأ فيه ببيان معناه، ثم نؤكد أصالة المنهج في سمة الإسلام وخصائصه. الغلو في لغة العرب: مجاوزة الحد، وكل من غلا فقد تجاوز الحد. والمعنى الاصطلاحي كما عبر عنه كثير من العلماء: مجاوزة الحد والتشدد فيه. المبالغة في الشيء والتشدد فيه بتجاوز الحد أي: في الأمور الدينية المشروعة. وألفاظ أخرى تدور في هذا الفلك منها التطرف، وهو في لغة العرب أيضاً: حد الشيء، وفي بيان المعنى اللغوي قال كثير من أهل العلم باللغة: إن التطرف هو طلب نهاية الحد أي: طرفه الأقصى والأبعد، وهو قريب من معنى الغلو في هذا، ثم التنطع وأصله من النطع وهو: ملاسة الملمس، ونطع الفم: وهو غار الفم وهو الحنك الأعلى، لا يظهر إلا إذا رفع الإنسان صوته، وتشدق في كلامه وتعمق، فصار -كما قال أهل اللغة- قريناً لكل تنطع وتعمق، والتشدد هو: أخذ الأمور بالشدة، وترك الرفق، والعنف كذلك مثله. فهذه المعاني تدور كلها على الشدة التي تبلغ حداً يتجاوز الحد، وكلها متقاربة المعنى، فالغلو وأهله تجمعهم هذه الصفات في جملتها، تشدد في الأخذ بالدين، وتعمق في أفعالهم وأعمالهم، وعنف وتشدد في معاملة الآخرين، ولكننا قبل أن نمضي في هذا المعنى، ونفرع في صوره وأشكاله، أو نذكر معالمه وملامحه نقول سؤالاً مهماً: قولهم: (تجاوز الحد) أي حد هذا الذي يتحدث أهل العلم عن تجاوزه؟ إنه الحد الشرعي الذي يعتبر الخروج عنه مذموماً سواء كان تجاوزاً له وزيادة عليه بالغلو، أو كان قصوراً عنه وتركاً له بالجفاء، ومن هنا نعرف ما قاله أهل العلم أن الدين ضاع بين الجافي عنه والغالي فيه، الجافي عنه مفرط بالأخذ به، مقصر في التمسك بأحكامه، متهاون في التزامه وتطبيقه؛ والغالي فيه زائد عن المشروع فيه، متشدد في فهم أصوله الصحيحة، وقاس وعنيف وغير رفيق في معاملة الآخرين بما هو تجاوز للحد المشروع، فلا هذا مقبول، ولا ذاك مقبول. ومن المهم كثيراً أن نقف على هذا الحد، وأن نعرف أصل الدين حتى نعرف بعد ذلك من يزيد عليه ويغلو فيه، أو من يقصر عنه ويجفوه، فإنه لا تتبين الأطراف إلا إذا عرف الأصل، ولا تعرف الغايات في الطرفين إلا إذا عرف الوسط، ولعلنا معنيون بذلك أكثر؛ لأن فهم أصل الدين وحقيقته وسماحته وخصائصه هو الذي يجعلنا ندرك تماماً مفهوم الغلو في الدين وفق ما جاء في مصطلح الشرع في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ . والحديث قد يطول بنا في هذا، والناس ما زالوا متعلقين بالحديث المباشر عن الغلو أو التكفير، ومرة أخرى أعيد الكرة: نريد منهجاً سديداً، ونريد فكراً رشيداً، ونريد علماً مؤصلاً، لا نريد هيشات فارغة، ولا حماساً متعجلاً، ولا معالجة آنية قاصرة، وفهم الدين في أساسه هو أعظم الأمور.

стр. 2651

سمات وخصائص الإسلام وليس لنا حديث في هذا اليوم إلا في بيان الأصل، والحد المشروع في سماته وخصائصه العامة؛ ليتضح من بعد ما نرجو أن يوفق الله إليه من إكمال الحديث في الغلو ومعالمه ومخاطره. وهذه سمات وخصائص الإسلام التي تتعلق بهذا المعنى في الخروج عنها إلى الغلو عنها أو الجفاء:

стр. 2652

الوسطية السمة الأولى: الوسطية، قال الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة:١٤٣]، إنه الوصف الرباني الإلهي لأمة الإسلام، والوصف إذا ذكر فله سمات مهمة: أولها: أنه ظاهر بين، إذا أردت أن تصف إنساناً فلا يمكن أن تصفه بصفة خفية لا يعرفها إلا المقربون منه، ربما نصفه بعرج في رجله أو شيء في عينه يراه الناس، لكني إن وصفته بشامة في داخل جسمه من عسى أن يدركها؟ فإن قلنا: أمة الإسلام أمة الوسط فمعناه أن هذه الصفة ظاهرة بينة. وأمر ثان في الصفة وهو أنها ملازمة دائمة، لا نقول عن إنسان: إنه كريم؛ لأنه أنفق مرة واحدة، بل لا نعطيه الصفة إلا إذا كانت ملازمة له ودائمة في سائر أحواله: لعمر أبيك ما عرف المعلا كريماً وفي الدنيا كريم ولكن البلاد إذا اقشعرت وأصحر نبتها رؤي الهشيم فإذاً: الوسطية سمة في الإسلام في كل الأحوال، في السراء والضراء، في السلم والحرب، في معاملة الأحباء ومعاملة البغضاء لا يتغير ذلك. كما هي الصفة اللازمة الدائمة، وكما كان سؤال النبي ﷺ ودعاؤه أن يرزقه الله العدل في الرضا والغضب، والقصد في الغنى والفقر، إنه الأمر الدائم، والسمة اللازمة. ونحن نعرف أن هذه الوسطية تجمع بين أمرين اثنين لابد من وجودهما في كل معنى من هذه المعاني: أولاً: الخيرية. ثانياً: البينية الوسطية معنوية وحسية، فلا يمكن أن يكون الشيء وسطاً إلا إذا كان هو الأفضل والأعدل والأحسن والأكمل. ومن دلائل هذه الخيرية والعدالة والأفضلية أنه وسط بين المذموم من الطرفين، وهذه سمة الإسلام، وسمة أهله، وسمة تشريعاته، وسمة عقائده، سمة الوسطية أمرها يطول إذا أردنا أن نتحدث عنها أو أن نفيض القول في دلائلها، وحسبنا أن نبرز ذلك في الأمور الظاهرة البينة مما كتبه عمر بن عبد العزيز في بعض رسائله لبيان حقيقة الإسلام، وصفة مواقف السلف رضوان الله عليهم، قال ﵀ في هذا المعنى: (لقد قصر قوم دونهم -أي: دون سلف الأمة- فجفوا، وطمح عنهم آخرون فغلوا، وإنهم بين ذلك لعلى هدى مستقيم)، الوسطية خير وفضل، ينأى ويبتعد عن تساهل وتفريط، وعدم تعظيم للدين وأخذ به، ويجتنب كذلك تشدداً ليس من دين الله وتجاوزاً للحد ليس في شرع الله، فتكون حينئذ خيرية ووسطية بينية. ومما قاله ابن القيم في بيان هذا المعنى: ما أمر الله بأمر إلا وللشيطان فيه نزغتان: إما إلى تفريط وإضاعة، وإما إلى إفراط وغلو، ودين الله وسط بين الجافي عنه والغالي فيه، كالوادي بين الجبلين، والهدى بين الضلالتين، والوسط بين طرفين ذميمين، فكما أن الجافي عن الأمر مضيع له فالغالي فيه مضيع، هذا بتقصيره عن الحد، وهذا بتجاوزه الحد. واستمع إلى نماذج يسيرة يضيق المقام عن استقصائها: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ [القصص:٧٧] ليس ذماً للدنيا، وليس إغراقاً فيها وتعلقاً بها، وجعلها مقصد الإنسان الأول والأخير والله يقول: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الأعراف:٣٢]. وفي موطن آخر التحذير من التعلق بالدنيا وجعلها غاية الهم وأعظم الشغل، قال تعالى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ﴾ [الحديد:٢٠]، كما بين الله في هذا المثل، وجاء في آخر هذه الآية ما يبين لنا ذلك التوازن والتوسط الذي ينبغي أن نأخذ به في مثل هذا المثال.

стр. 2653

اليسر في دين الله السمة الثانية: اليسر في دين الله ، وقد جاءت الآيات بينة واضحة في إرادته وقصده، ووصف الإسلام وتشريعاته به كما قال الحق جل وعلا: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة:١٨٥]، وكما قال الحق في أصل هذا الدين، ونعمة الله على البشرية ببعثة محمد ﷺ : ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف:١٥٧]. إنها شريعة محمد ﷺ ، ترفع الأغلال، وتضع الإصر والأحمال، بما جاء به من هذه الشريعة الميسرة، وكما قال النبي ﷺ : (إن هذا الدين يسر فأوغلوا فيه برفق)، القائل هو أعظم الناس التزاماً بهذا الدين، وأكثرهم أخذاً بشرائعه وعباداته، ثم يقرر هذه الحقيقة: (إن هذا الدين يسر فأوغلوا فيه برفق)، وقال النبي ﷺ مبيناً صفة بعثته ورسالته: (إن الله لم يبعثني معنتاً ولا متعنتاً، ولكن بعثني معلماً ميسراً) رواه مسلم من حديث عائشة. وعندما سئل النبي ﷺ عن خير الدين أجاب بقوله: (الحنيفية السمحة)، وقال النبي ﷺ فيما رواه الإمام أحمد والطبراني بسند رجاله ثقات: (إن خير دينكم أيسره)، واليسر المقصود هنا الذي نقل لنا التزامه وتطبيقه في سنة النبي ﷺ وسيرته، ليس اليسر هو الترخص والتفريط الناشئ عن عجز الناس وخور هممهم، وضعف عزائمهم، وقلة تعلقهم بأمر الله وثوابه ، فإن ذلك عجز وليس يسراً. وهذا أمر مهم في كل ما نذكره أن المقياس والمرجع في فهم اليسر وتحديده هو الكتاب والسنة، والتطبيق العملي في سيرة وسنة النبي ﷺ ، وهاهو النبي في أمثلة وجيزة نوردها هنا -بحسب المقام- يدلنا على أهمية هذا اليسر والالتزام به، فهو يقول: (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة)، وكما قال في غير ذلك مثل هذا المعنى: (لما جاءه الرجل يشكو إطالة إمامهم في الصلاة حتى شق عليه ﷺ وقال: أيها الناس! إن منكم منفرين، فأيكم أم الناس فليوجز، فإن من ورائه الكبير والضعيف وذا الحاجة) رواه مسلم من حديث أبي مسعود الأنصاري ﵁ وأرضاه. ثم نرى ذلك في صوره المختلفة، وتعاملاته المتنوعة، فعندما بعث معاذاً وأبا موسى الأشعري كانت وصيته الأولى لهما: (يسرا ولا تعسرا، وبشرا ولا تنفرا، وتطاوعا ولا تختلفا)، وما أعظمها من وصية لكل من يريد أن يصلح الأمة أو أن يدعو أبناءها أو أن يحكم بينها! فلابد من تقديم اليسر على العسر، ولابد من تقديم التبشير على التنفير، ولابد كذلك من المطاوعة لا الاختلاف والمنازعة، وهذا أمر بين، وكان النبي ﷺ يرشد فيه أيضاً إلى آحاد الأفراد في أعمالهم: (رأى حبلاً متدلياً من سارية من سواري المسجد فسأل عنه فقالوا: حبل لـ زينب تصلي فإذا تعبت تعلقت به، فقال: ليصل أحدكم نشاطه فإذا تعب فليرقد)، وهذا رد إلى اليسر. (وذاك الرجل الذي نذر أن يقف في الشمس، وألا يتكلم، وأن يحج ماشياً، ولا يستظل، فلما رآه النبي ﷺ والناس حوله قال: ما هذا؟ قالوا: رجل نذر كذا وكذا قال: مروه فليستظل، وليركب، فإن الله غني عن تعذيب هذا نفسه). صورة من صور حماسة النفس أراد بها هذا الرجل أن يجعلها وسيلة للتقرب إلى الله، فنهى النبي ﷺ عن ذلك، ورده إلى الأصل والحد المشروع الذي سيمته اليسر، وهذا أمر بين. وحتى في علاج الأخطاء كان كذلك ﵊ كما روى ابن مسعود فيما صح عند البخاري: (أن رجلاً أصاب قبلة من امرأة، فذكر ذلك للنبي ﷺ فنزلت: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفِيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود:١١٤]، فقال الرجل: أهذا لي؟ فقال ﵊: بل لمن عمل بها من أمتي)، ولا يفهمن أحد من ذلك أنه ترخيص في ارتكاب الإثم أو دعوة إليه، أو تهوين له في نفوس الناس، ولكنه إدراك لطبيعة الإنسان، وما قد يقع منه أثناء غفلته أو شهوته، وأصل إيمانه داع له للندم والاعتراف، فتفتح له ما فتح الله من أبواب المغفرة والرحمة، وإن كان أمراً مما يؤاخذ عليه الشرع بحد أو نحو ذلك أخذ به. ولكنه مع ذلك أصل إيمانه في قلبه يدل على صدقه، وإخلاصه في توبته إلى الله ، ولما جاء رجل من الناس قد شرب الخمر أمر النبي ﷺ بإقامة الحد عليه؛ لأنه قد ارتكب كبيرته، وأقيم الحد عليه، قال الراوي: ومنا الضارب بيده ومنا الضارب بنعله، ثم قال رجل: أخزاه الله. فقال النبي ﷺ : (لا تعينوا عليه الشيطان).

стр. 2654

السماحة السمة الثالثة: السماحة، وهي نوع وأمر يدل على ذلك اليسر، لكنه يظهر في أصول الأمر والتشريعات، كما قال الله في شأن الأمر الأعظم في حياة الأمة ودورها في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والدعوة إلى الله: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل:١٢٥]، سماحة في عرض هذا الدين، وفي الدعوة إليه، وفي البيان له، حتى تقتنع به العقول، وتقبل عليه القلوب، وتتعلق به النفوس، وتلتزمه الجوارح، وتتحرك به لإعلانه ونشره والدعوة إليه. والله يبين ذلك في قصة موسى ﵇ مع فرعون، أطغى وأكفر من ذكر الله من أولئك الذين خرجوا عن أمر الله ، جاء الأمر إلى موسى وهارون ﵉: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا﴾ [طه:٤٤]، وليس ذلك اللين عن ضعف أو خوف أو جبن، وليس ذلك اللين مداهنة أو مجاملة أو منافقة، إنما هو القول الجميل، والدعوة إلى الله تعالى بآياته، والتنبيه على حججه كما ذكر ابن كثير في التفسير، إنه أسلوب عرض فيه سماحة، وفيه لين في الأداء ليس في المضمون، وليس اللين أن نغير أحكام الله، ولا أن نبدل دين الله، ولا أن نقول: إن الجهاد قد ألغي أو عطل، ولا أن نقول بأن تعليم شرع الله انحراف يؤدي إلى خطر، فإن ذلك ليس ليناً بل هو تحريف وانحراف، كما أن ذلك في جانب فهذا في جانب آخر. وهذه السماحة عظيمة في كل شرائع الإسلام، حتى الشرائع التي ظاهرها عند بعض من يجهل ويهوى أنها تتناقض مع السماحة، وهي شريعة وفريضة الجهاد القائمة الماضية إلى قيام الساعة. إنها ليست من القسوة في شيء، إنها ليست دموية ولا إرهابية، إنها سماحة للبشرية، ورحمة للإنسانية، شريعة الجهاد رحمة بالبشر؛ ليخرجوا من الظلمات إلى النور، ومن الظلم إلى العدل، ومن الطبقية والعنصرية إلى المساواة والأخوة الإنسانية والرابطة الإيمانية. والله يذكر لنا ذلك، وتبينه شرائع الإسلام، ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة:٢٥٦] إما أن يسلموا فلهم ما لنا وعليهم ما علينا، وإما أن يذعنوا لحكم الإسلام ويبقوا على ما هم عليه، ويخضعوا لتشريعات سلطان الإسلام، ويدفعوا الجزية إليه في مقابل ما يلقونه من الخدمة والنصرة، وإما أن يأبوا فمن يأبى النور ومن يأبى الحق ومن يتسلط على رقاب الناس يأتي الإسلام ليحرر الناس التحرير الحقيقي لا المزيف الكاذب، ولينصر النصر الحقيقي لا الكاذب، وذلك أمره بين، والله قد بين ذلك، وبينته وصايا النبي ﷺ في القتال: (لا تغلوا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا وليداً)، ووصية أبي بكر الشهيرة إلى خالد بن الوليد ﵁، حتى الشجر والنخل نهى عن عقره وحرقه إن لم يكن له داع وسبب، فليس الجهاد في إزهاق النفوس بلا سبب ولا مصلحة راجحة، ولا موجب لذلك من أولئك الكفرة الفجرة المعادين لأهل الحق والإسلام، بل والمعادين للبشرية والإنسانية. ونرى ذلك كذلك في أمور أخرى كثيرة، كقوله تعالى: ﴿لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ﴾ [الممتحنة:٨]. وإذا كان ثمة عهد فالآيات: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة:١]، وقال : ﴿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ﴾ [التوبة:٤]. ذلك كله لابد أن نفقهه في إطار جامع واسع، وتلك هي سماحة الإسلام في سمة واضحة من سماته، وصفة جلية من صفاته. نسأل الله أن يبصرنا بديننا، وأن يفقهنا في إسلامنا، وأن يلزمنا شرع نبينا، وأن يلزمنا هديه ﷺ ، إنه ولي ذلك والقادر عليه، أقول هذا القول وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

стр. 2655

الاستقامة الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين. أما بعد: أيها الإخوة المؤمنون! أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله، فإن تقوى الله أعظم زاد يقدم به العبد على مولاه، فاتقوا الله في السر والعلن، واحرصوا على أداء الفرائض والسنن، واعلموا أن من سمات أصل هذا الدين الاستقامة، وهي ملازمة النهج الصحيح الذي ثبت بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، ولقد أمر المصطفى ﵊ أمراً واضحاً بالوسطية والسماحة واليسر بعيداً عن تلك الأطراف الذميمة من الإفراط والتفريط أو الغلو والتشديد. كما في قوله جل وعلا: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلا تَطْغَوْا﴾ [هود:١١٢]، أي: لا تزيدوا عن الحد، ولا تتجاوزوه حتى في معاملة الأعداء، فإن ذلك من سمة أهل الإسلام: العدل والإنصاف والاستقامة، كما قال جل وعلا: ﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [الشورى:١٥]، فليس هناك ثمة طغيان، وليس ثمة تفريط وترك واتباع للأهواء موافقة للأعداء، كما قال ﵊: (استقيموا ولن تحصوا، واعلموا أن خير دينكم الصلاة، ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن)، رواه ابن ماجة بسند صحيح، أي: لن تستطيعوا البلوغ إلى الكمال، فاستقيموا كما جاء في الحديث الآخر تفسيره: (سددوا وقاربوا)، أي: اجتهدوا، ليس المقصود باليسر ولا بالسماحة الأخذ بالأدنى، بل قد كان رسول الله ﷺ هو المثل في الأخذ بالأعلى من الأمر المشروع والعبادة العظيمة، مع ما كان له من خصائص لم يشاركه فيها غيره من الصحابة، ونبههم على ذلك أنه ليس كمثلهم، وأمرهم ألا يفعلوا مثل فعله فيما هو من خصائصه ﵊، كما في قصة النفر الثلاثة الذين رأوا أن عبادة النبي ﷺ قليلة وقالوا: قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فبين سوء فهمهم، وقال: (ما بال أقوام يقولون: كذا وكذا، عندما قال أحدهم: أما أنا فأصلي ولا أنام، وقال الثاني: أما أنا فأعتزل النساء ولا أتزوج، وقال الثالث: أما أنا فأصوم ولا أفطر، فقال ﵊: أما أنا فأصلي وأنام، وأصوم وأفطر، وأتزوج النساء؛ فمن رغب عن سنتي فليس مني)، فبين ﵊ الاستقامة في سائر أحواله وأعماله ﷺ . ولعلنا في وقفتنا الأخيرة نشير إلى أصل المعنى الذي يقع في أهل الغلو خروجاً عن هذه السمات من وسطية ويسر وسماحة واستقامة هي من صميم هذا الدين، وهي الحد المشروع الذي يعد الغلو خروجاً عنه، روى الشيخان في صحيحيهما صفة جامعة من جوامع كلم المصطفى ﷺ في وصف أهل الغلو، عندما جاءت القسمة المشهورة، وجاء الاعتراض من ذلك الرجل على روايات مختلفة (عندما قال للرسول ﵊: إن هذه قسمة ما أريد بها وجه الله! وفي رواية: لم تعدل! فقال ﵊: من يعدل إن لم أعدل؟! ثم وصف ذلك الرجل فقال: يخرج من ضئضئ هذا أقوام يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يقتلون أهل الإسلام، ويدعون أهل الأوثان). ومن هنا قال أهل العلم: إن السمة الجامعة لكثير من فروع الغلو ترجع إلى هذين الأمرين: الجهل بالقرآن والشرع كما قال في هذا الحديث: (يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم)، قال الشاطبي في معناه: يأخذون أنفسهم بقراءة القرآن لا يتفقهون فيه ولا يعرفون مقاصده. وقال النووي ﵀: ليس يصل إلى قلوبهم أي: القرآن؛ لأن المطلوب تعقله وتدبره، وهذا لا يحصل منهم، والجهل هو الباب الأعظم والأكبر للدخول إلى هذه المزالق الخطيرة، ويترتب عليه ما يترتب عليه، وقد قال ابن عمر ﵄ في مثل هذا المعنى: (انطلقوا إلى آيات نزلت في الكفار فجعلوها في المسلمين) لم يفقهوا أسباب النزول، ولم يفقهوا مقاصد الألفاظ ودلالاتها ومعانيها، ولم يفهموا بقية النصوص الشرعية التي تكمل بها الصورة، وينتقل حينئذ الأمر إلى السمة الثانية وهي التكفير للمسلمين، وبالتالي استحلال دمائهم كما قال ﷺ : (يقتلون أهل الإسلام، ويدعون أهل الأوثان)، وذلك ما سنشرع في الحديث عنه، في الجمعة المقبلة إن شاء الله. نسأل الله أن يجنبنا الغلو غير المشروع، وأن يجنبا التفريط في الأخذ بأمر الله ، وأن يجعلنا من أمة الإسلام الوسط الآخذة بأمره ، والآخذة بهدي رسوله ﷺ . اللهم ردنا إلى دينك رداً جميلاً، وخذ بنواصينا إلى طريق الحق والسداد، وألهمنا الرشد والصواب، اللهم اهدنا واهد بنا، واجعلنا هداة مهديين. اللهم إنا نسألك التقى والهدى والعفاف والغنى، اللهم اجعل خير أعمالنا خواتيمها، وخير أيامنا يوم نلقاك وأنت راض عنا، اللهم إنا نسألك لقلوبنا السلامة والعافية، ولأبنائنا الصحة والقوة، ولمقاصدنا الإخلاص وإرادة وجهك الكريم يا رب العالمين! اللهم إنا نسألك أن تجعلنا من عبادك الصالحين، وأن تكتبنا في جندك المجاهدين، وأن تجعلنا من ورثة جنة النعيم. اللهم أبرم لهذه الأمة أمر رشد يعز فيها أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر يا سميع الدعاء! اللهم مكن في الأمة لأهل الخير والرشاد، واقمع أهل الزيغ والفساد، وارفع في الأمة علم الجهاد، وانشر رحمتك على العباد، وانشر الأمن في البلاد برحمتك يا أرحم الراحمين! اللهم إنا نسألك أن تبرم لهذه الأمة ما يعلي رايتها، وما يعز دينها، وما يوحد صفها، وما يقوي شوكتها، وما يسدد رميتها، وما ينصرها على عدوها يا رب العالمين! اللهم انصر عبادك وجندك المجاهدين في سبيلك في كل مكان يا رب العالمين، اللهم وحد كلمتهم، وأعل رايتهم، وسدد رميتهم، انصرهم على عدوك وعدوهم يا رب العالمين! اللهم اجعل هذا البلد آمناً مطمئناً رخاءً وسائر بلاد المسلمين، وأصلح اللهم أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين! اللهم وفق ولي أمرنا لهداك، واجعل عمله في رضاك، وارزقه بطانة صالحة تدله على الخير وتحثه عليه يا سميع الدعاء! اللهم اجعلنا من عبادك المؤمنين، واجعلنا من الذين تتوفاهم على حقيقة الإسلام يا رب العالمين! نسألك اللهم أن تجعل آخر كلامنا من الدنيا (لا إله إلا الله، محمد رسول الله) يا أكرم الأكرمين! يا أرحم الراحمين! عباد الله! صلوا وسلموا على رسول الله؛ استجابة لأمر الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٥٦]، وترضوا على الصحابة الكرام، وخصوا منهم بالذكر ذوي القدر العلي والمقام الجلي أبا بكر وعمر وعثمان وعلياً، وعلى سائر الصحابة والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، اللهم صل وبارك وأنعم على نبيك محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ [العنكبوت:٤٥].

стр. 2656

الغلو معالمه ومخاطره [٢] لقد جاء كتاب ربنا كاملاً مكملاً لا نقص فيه ولا خلل، وجاءت سنة حبيبنا واضحة وضوح الشمس لا نقص فيه ولا عوج، فيجب العمل بهما كما جاءا من دون زيادة ولا نقصان؛ فإن الغلو الزائد الذي لم يأت به كتاب ولا سنة منهي عنه في الشرع بكل صوره وأشكاله، فإن الله قد بعث محمداً ﷺ بالحنيفية السمحة.

стр. 2657

أسس الفهم الصحيح الحمد لله أكمل لنا الدين، وأتم علينا النعمة، ورضي لنا الإسلام ديناً، شرح به الصدور، وطمأن به القلوب، وهدى به البصائر، وجعلنا على بينة من أمرنا، فله الحمد في الأولى والآخرة، وله الحمد على كل حال، وفي كل آن، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، على آلائه ونعمه التي لا تعد ولا تحصى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت، وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن نبينا وقائدنا وقدوتنا محمداً عبد الله ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، ختم به الأنبياء والمرسلين، وجعله سيد الأولين والآخرين، وأرسله إلى الناس كافة أجمعين، وبعثه رحمة للعالمين، فهدى به من الضلالة، وأرشد به من الغواية، وفتح به قلوباً غلفاً، وأسمع به آذاناً صماً. وأشهد أنه ﵊ قد بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، فجزاه الله خير ما جازى نبياً عن أمته، ووفقنا وإياكم لاتباع سنته، وحشرنا يوم القيامة في زمرته، وجعلنا من أهل شفاعته، وصلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١]. أما بعد: أيها الإخوة المؤمنون! حديثنا موصول في موضوع: الغلو معالمه ومخاطره، ووقفتنا اليوم مع الفهم الصحيح لحقيقة الغلو، وبيان بعض صوره، وقد أسلفنا القول من قبل أنه لابد لنا أولاً من فهم وفقه حقيقة الإسلام في وسطيته واستقامته، ويسره وسماحته؛ لأن هذا هو الحد المشروع الذي إنما يعرف الغلو بتجاوزه وتعديه، والزيادة عليه أو النقص منه.

стр. 2658

المرجعية لكتاب الله وسنة رسوله عند حصول النزاع ولذلك أول أسس الفهم الصحيح هو الفهم للحق الذي جاء في كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ ، من غير إفراط ولا تفريط. الأمر الثاني: أن المرجعية عند حصول الاختلاف أو النزاع إنما هي لكتاب الله وسنة رسول الله ﷺ : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء:٥٩]، فلابد من معرفة هذه القضية، فعند اختلاف الآراء، أو تباين الأفكار، أو تعدد الاجتهادات فالفصل لا يرجع إلى الأشخاص، ولا يرجع إلى المذاهب، ولا يرجع إلى التقليد أو التعصب، وإنما إلى الاستنارة بضوء وأنوار الكتاب والسنة على ما تقتضيه الأصول العلمية المرعية، والاجتهادات العلمية المقبولة. الأمر الثالث الذي ننبه عليه: هو أن هذا الرجوع فيه ثبات للمرجعية والمعيارية، وسلامتها من تنازع الأهواء وضغوط الواقع، فلو أنه لم يكن لنا رجوع إلى الثابت المعصوم من نصوص الكتاب والسنة لانفرط عقدنا، واختلف رأينا، وتشتت شملنا، وذلك أنما في كتاب الله حق لا باطل معه، ويقين لا شك فيه، وأمر صالح لكل زمان ومكان. ثم هو من جهة أخرى سالم من التغير والتبدل رغم كل تغيرات الظروف والأحوال، وبذلك نفقه هذا الأصل المهم في حقيقة فهم الغلو، فإنه ليس فهماً ينشأ من واقع الناس، فإذا بدل الناس وغيروا في دين الله، وفرطوا فيه، صار الغلو عندهم مفهومه مفهوماً آخر. وربما رأوا أن التمسك بالفرائض والمحافظة عليها، والاجتهاد في الطاعات، والزيادة في المشروع منها غلواً غير مقبول كما يظن أولئك الضعفة والكسلة المفرطون في الواجبات، المتخاذلون عن التزام الفرائض، ولو جعلنا ذلك مرجعه إلى الناس لربما جنحت أهواؤهم ممالأة لأعداء الله ، ومصانعة لهم، أو خوفاً منهم أو توهماً أن عندهم شيئاً من صواب، وذلك يؤدي بنا إلى الانحراف. فلنعلم هذه الحقيقة المهمة، ثم لنفهم الإطار العام والمنهج الذي جاء في كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ ذكر الغلو فيه حتى لا نجنح إلى مثل هذه الأمور التي أشرنا إليها.

стр. 2659

المعالم الرئيسية للفهم الصحيح لحقيقة الغلو

стр. 2660

الدعوة إلى الالتزام بالكتاب والسنة وعدم التجاوز أولاً: الدعوة إلى الالتزام والنهي عن التجاوز هي مفتاح ما جاء في كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ ؛ وذلك للوقاية من الوقوع في الغلو، ولفهم حقيقته على وجهها الصحيح، نحن نقرأ في كل يوم وفي كل ركعة من كل صلاة فريضة وسنة: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة:٦ - ٧]. إنها الدعوة إلى النهج المستقيم، المتزن المتوسط المعتدل الذي هو جوهر ما جاء في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، والتحذير من الخروج عنه تجاوزاً أو تقصيراً، إفراطاً أو تفريطاً، والنهي هنا جاء محذراً من فئتين بوصفين ذكرتهما الآية الكريمة: (غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ) وهم الذين عرفوا الحق وجحدوه، والضالون: وهم الذين ضلوا في معرفة الحق فلم يصيبوه، والخصلة الأولى بين النبي ﷺ أنها ظاهرة في اليهود، والثانية ظاهرة في النصارى. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: لما أمرنا الله أن نسأله في كل صلاة أن يهدينا الصراط المستقيم كان ذلك مما يبين أن العبد يخاف عليه أن ينحرف إلى هذين الطريقين. ثم بين صوراً لذلك فقال: وكان السلف يرون أن من انحرف من العلماء عن الصراط المستقيم ففيه شبه باليهود ومن انحرف من العباد ففيه شبه بالنصارى؛ لأن العالم إذا انحرف فهو ينحرف مع معرفته وعلمه وفقهه، فهو عرف الحق وجحده، إما اتباعاً للهوى أو طلباً للدنيا أو خوفاً على النفس فيما لا يكون عذراً من الناحية الشرعية، والعباد الذين يضلون لا يعرفون الحق، فيبتدعون ويزيدون وينقصون من دين الله .

стр. 2661

نهي الأمم السابقة عن الغلو الذي كان سبب هلاكهم الوجه الثاني: التحذير من الغلو مقترناً بالنهي عنه في الأمم السابقة، كما ورد ذلك في آيات كثيرة من كتاب الله : ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ [النساء:١٧١]، ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة:٧٧]. وبين الله صوراً من آثار ذلك الانحراف من الناحية العملية، وأنكر ذلك وحذر منه كما في قوله: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ﴾ [الحديد:٢٧]، والنبي ﷺ حذر من ذلك عندما ربطه كذلك بمن سبق من الأمم السابقة في قوله: (لا تطروني كما أطرت النصارى المسيح بن مريم) أي: عندما قالوا: المسيح بن الله أو قالوا: المسيح هو الله، تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً. وما جاءت هذه الآيات ولا تلك الأحاديث للإخباء عن أمر قد مضى في الأمم السابقة إلا ليكون وجهاً من أوجه العظة والعبرة، وأن سبب انحرافهم ومن بعد ذلك هلاكهم إنما هو خروجهم عن مقتضى دينهم، وغلوهم فيه، وانحرافهم عن جادة الصواب الذي جاءهم عن الله، وبلغتهم إياه رسل الله صلوات الله وسلامهم عليهم.

стр. 2662

النهي عن الغلو في صوره العامة الوجه الثالث: النهي عن الغلو في صوره العامة كلها صغيرها وكبيرها؛ لأن معالجة الأمور الصغيرة إنما هي معالجة من باب أولى للصور الكبيرة؛ ولأن النهي عن المقدمات منع للوصول إلى النتائج، ولأن منهج الإسلام منهج متكامل، فيه وقاية وحماية، كما فيه علاج من بعد وقوع الضرر أو الأذى، كما ورد في الحديث الصحيح عن ابن عباس في حجة الوداع: (أن النبي ﷺ أمره أن يلتقط له الحصى التي يرمي بها في منى، فالتقط له حصيات كحصى الخذف -أي: صغيرة في حجمها- فقال النبي ﷺ : نعم بأمثال هؤلاء، وإياكم والغلو في الدين!)، رغم أن المسألة -كما نرى- في ظاهرها يسيرة، في أمر الحصى أن تكون على هذا النحو، ولكنه ﵊ حذر من الغلو ولو في هذا، بأن يأخذ الناس كبار الحجار ظناً منهم أنها أبلغ في تحقيق المراد بأمر الله، فنهى عن ذلك، ثم جعل النهي عن الغلو عاماً رغم أن الحدث خاص، ورغم أن المسألة ربما تعد مقارنة بغيرها يسيرة فقال: إياكم والغلو في الدين. كما بين أهل العلم هذا في شرح الحديث فقالوا: وإن كان الأمر خاصاً فإن النهي عام عن كل ما فيه غلو وتجاوز للحد المشروع، أي: في صغير الأمور وكبيرها. ومن صور التحذير والتنفير من الغلو بيان الشارع الحكيم لسوء عاقبته، وخطورة مغبته، وأنه لا يؤدي حتى إلى مقصود صاحبه، فإن المتشدد في العبادة أو الطاعة فوق الحد المشروع إنما يريد التقرب إلى الله، وإنما يريد الاستزادة من الخير ومضاعفة وكثرة الثواب والأجر، لكن النتيجة التي أخبر بها الشارع تؤدي إلى غير ذلك. فجاء التحذير من هذا الغلو ببيان عاقبته السيئة الوخيمة، كما في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ وهو يكرر ويدلل ويبين فيقول: (هلك المتنطعون! هلك المتنطعون! هلك المتنطعون!)، هلكوا هنا معناه عام يشمل الهلاك في حقيقة الأمر المادي والمعنوي، فقد يهلك فينقطع عن تلك الطاعات والعبادات ويعجز عنها، وقد يهلك بانحرافه في اعتقاده ومخالفته لأمر الله، وهدي رسوله ﷺ ، وقد بين صفة ذلك الرسول ﵊ عندما قال: (إن المنبت لا أرضاً قطع، ولا ظهراً أبقى)، إن المنبت في صفة السفر لا يريد أن يرتاح، فهو يقول: أنا أمضي وأمشي إلى غايتي بقوة وعزيمة، من غير راحة ولا هدوء ولا توقف، يريد أن يبلغ الغاية في أقصر وقت، وبأعلى قوة وهمة، فإذا به ينقطع في وسط طريقه لا يستطيع الاستمرار، ثم يفقد الوسيلة التي بها يسير إلى الغاية إذ تنقطع دابته أو تهلك، فيكون حينئذ هلاكه مقطوعاً به في الصورة المادية في المثل الذي ضربه النبي ﷺ . ويقول ﵊: (لا تشددوا على أنفسكم فيشدد الله عليكم، فإن قوماً قد تشددوا فشدد الله عليهم، فتلك بقاياهم في الصوامع والديارات: ﴿ورَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ﴾ [الحديد:٢٧]). وهذا أمر واضح ومهم وبين، وله كثير من الأدلة التي تبينه.

стр. 2663

صور وأمثلة على الغلو المذموم بعد أن ذكرنا المعالم الرئيسة للفهم الصحيح لحقيقة الغلو، لعلنا نكمل هذا الفهم بالصور والأمثلة التي تدل عليه؛ لأنه بالمثال يتضح المقال.

стр. 2664

التشديد على النفس بما هو زائد عن الحد المشروع من أول هذه الصور وأجلاها التشديد على النفس بما هو زائد عن الحد المشروع، ورد في حديث قبيصة بن مخلب عن أبيه ﵁: (أن رجلاً سأل النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! إن من الطعام طعاماً أتحرج منه؟ فقال ﵊: لا يختلجن في نفسك شيء ضارعت فيه النصرانية) رواه أبو داود. قال الشارح: لا يدخل في قلبك ضيق ولا حرج؛ لأنك على الحنيفية السمحة، فإذا شددت على نفسك بمثل هذا شابهت فيه الرهبانية، والمقصود هنا أن بعضاً من الأمور التي تدخل في دائرة الحلال العام ربما نجد من يشدد على نفسه في تحريمها، أو في البحث عن أصولها بحثاً ليس هناك ما يدعو إليه من ناحية الشرع، وقد قال النبي ﷺ كما في الحديث الصحيح: (إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها، وحد حدوداً فلا تعتدوها، وسكت عن أشياء رحمة بكم من غير نسيان فلا تسألوا عنها). وقد بين الحق لنا ما أشار إليه النبي ﷺ في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا﴾ [المائدة:١٠١]، وهذا ضرب من الضروب، يبعث عليه أحياناً شعور في الرغبة في التورع والاستزادة من الزهد، غير أننا ينبغي ألا ننسى الأمر المهم، وهو أننا متعبدون في دين الله على شرع الله وهدي رسول الله ﷺ ، لا على نوازع النفس، ولا العواطف، ولا ردود الأفعال.

стр. 2665

تحريم الحلال وتحليل الحرام قال ابن تيمية ﵀: التشديد تارة يكون باتخاذ ما ليس بواجب ولا مستحب بمنزلة الواجب والمستحب في العبادات، أو تارة باتخاذ ما ليس بمحرم ولا مكروه بمنزلة المحرم والمكروه من الطيبات. وهذه قضية أخرى، وصورة نفردها في شأن التحريم والتحليل. جاء في حديث عائشة ﵂ في الصحيح قالت: (دخل النبي ﷺ عليها وعندها امرأة فقال: من هذه؟ فذكرت من صلاتها -أي: عبادتها الزائدة عن الحد المشروع- فقال النبي ﷺ : مه! عليكم من الأعمال ما تطيقون، فإن الله لا يمل حتى تملوا، وكان أحب الدين إليه ما داوم عليه صاحبه). وهذا ظاهر في هذا التوجيه والإرشاد، وجاء من حديث عائشة ما يبين ذلك، وأثره في الصحابة وتوجيه النبي ﷺ لهم، قالت: (كان إذا أمرهم أمراً أمرهم من الأعمال ما يطيقون فقالوا: إنا لسنا كهيئتك يا رسول الله! إن الله قد غفر لك من ذنبك ما تقدم وما تأخر)، كان يأمرهم من الأعمال بأوامر يطيقونها، وبعبادات يتيسر عليهم فعلها، فيرون أن ذلك دون طاقتهم وهمتهم وعزيمتهم، فيرغبون في الأكثر فيقولون: (إنا لسنا كهيئتك يا رسول الله! إن الله قد غفر لك من ذنبك ما تقدم وما تأخر، قالت: فكان يرى الغضب في وجهه ﷺ ثم يقول: إني أتقاكم لله وأعلمكم به). أي: قمة ما كان يأمر به هو التقوى، وإرشاده لأمته هو الأفضل والأكمل والأمثل الذي لا مزيد عليه، فمن أراد زيادة فإنما يخرج عن نهج الاعتدال الذي هو سمة الدين، ومن أراد تشديداً فوق المشروع فإنه كأنما يرى في فعل النبي ﷺ قصوراً ونقصاً، وهو يريد أن يكون أفضل أو أكثر. وقد أثر عن مالك إمام دار الهجرة: أن رجلاً جاء فسأله وهو في مسجد رسول الله ﷺ عن ميقات أهل المدينة فأخبره به، وهو مكان معروف في خارج المدينة، فقال الرجل: لأحرمن من مسجد رسول الله ﷺ ، فقال الإمام مالك: هذه والله الفتنة! فسمع الرجل فرجع وقال: وأي فتنة يا أبا عبد الله! إنما هي أميال أزيدها أبتغي بها ثواب الله؟! أي: أحرم من هذا المكان فتزيد المسافة التي أسيرها وأنا محرم فيعظم أجري عند الله، فقال له: الفتنة أن تعمل عملاً تظن أنك فيه خير من رسول الله ﷺ . فليس هناك خير ولا كمال ولا فضل أتم وأكمل مما أثر عنه ﵊.
следующие страницы →