Полный текст (2 691 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.
стр. 946
ترويج المجلات الهابطة للقدوات السيئة
الجانب الثاني -وهو أيضاً جانب خطير-: جانب القدوات.
لاشك أن الإنسان بفطرته ومدنيته يميل إلى الآخرين، كما يقول ابن خلدون: الإنسان مدني الطبع.
يعني: يعيش في مجتمعات مدنية، وغالباً ما يحتاج الناس إلى صور وإلى قدوات ينظرون إليهم، ويكونون موضع الاحترام أو موضع التقدير، وهم موضع التلقي، وهذا شيء فطري في المجتمعات: لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم ولا سراة إذا جهالهم سادوا وهذا البيت جمع بين صورتين: (لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم)، و (ولا سراة إذا جهالهم سادوا)، وهذه هي الصورة الثانية التي تحققها كثير من هذه المجلات.
فمن هي القدوات في مثل هذه المجلات؟ إنهم بلا استثناء الفنانون والفنانات، والرياضيون والرياضيات، وأقصد بالفن: أي شيء يُسمى فناً، كالذي يشخص بالأقلام، ويلعب بالألوان، ويعتبر فناناً وعنده تشكيل، وتُجرى معه مقالات إلى آخره! فالذي يضرب نحتاً في صخر ويعطينا شكلاً ليس له أول ولا آخر يُعد فناناً، ويحتاج إلى مقابلة وإلى إبراز المعاناة والجهد الذي بذله، والخدمة التي قدمها، والتاريخ الذي سطره، والجهود التي دخل بها التاريخ إلى آخر ذلك! وتجد أن هذه المجلات تكرس هذا الجانب أحياناً تكريساً عجيباً، مع أنه ليس قضية اجتماعية، ولا قضية في حياة الناس، بل يعتبر قضية تدميرية.
وأيضاً فيها كثير من التجاوزات الشرعية والمخالفات العقدية، وهذا أمر واضح، فمثلاً: تجد مجلة مثل (حريتي) تنشر صفحات عن عبد الوهاب الفنان الراحل في ذكرى الأربعين، يعني: بعد موته بأربعين سنة، وفي كل سنة تأتي ذكراه لابد أن تفرد الصفحات الطويلة عما كان يأكل؛ ومن الحلاق الذي كان يحلق له؟ ومقابلة معه، وكيف كان يحب أن يسافر؟ هل في الطائرة أم في البر؟ وكيف سافر مرة بالطائرة ثم زال الخوف منه؟ وما هي آراؤه في الحياة؟ إلى آخره.
ثم تجد أيضاً صوراً بشعة وللأسف أنها تُكتب كما هي، على اعتبار أن هذا فنان، فتجد عدة صفحات في (النهضة) عن رشدي أباظة زعيم أو سيد السينما أو كذا، ومذكور في ضمنها: قصة زواجه ست زوجات؛ تزوج أولاً بمغنية فرنسية تعرف عليها في إحدى الزيارات في ملهى من الملاهي أو كذا، وبعد شهور طلقها، ثم تزوج ممثلة مصرية، وما أتم معها سنة حتى طلقها، ثم تزوج مضيفة أمريكية تعرف عليها في الطيارة، وأيضاً بعد فترة قصيرة طلقها، ثم تزوج راقصة أيضاً، وبعد عدة سنوات طلقها طلقة أولى، ثم عادت، ثم ثانية، ثم ثالثة، ثم بعد ذلك تزوج الممثلة الشهيرة صباح، وكان الزواج مدته ثلاثة أيام.
وبعد ذلك حينما كان مريضاً وعلى وشك الموت أراد السفر للعلاج فتزوج ابنة عمه؛ حتى تكون فقط مرافقة له، وبعد أن رجع إلى بلده طلقها، فهل يُعرض هذا ليكون نموذجاً للناس؟ أم لنقده؟ أم لأي شيء يُعرض؟ وهذه المعلومات معروضة ضمن ما قدم، وضمن جهوده المباركة، وجهاده ونضاله في الفن! وهذه الصورة في الحقيقة نلحظ أنها تكرس أو تعود الناس على مثل هذه الأمور، وهذه صورة سيئة وقبيحة، لكن من خلال العرض المتكرر ومن شخصيات متكررة يُراد للناس أن يألفوا هذه الأمور، وأن يعتبروها قضايا عادية، بل هي نوع من التحرر والانطلاق من القيود والاستمتاع بالدنيا، ونحو ذلك! وتجد في المقابلات مقابلة مع ممثلة: من هي قدوتكم في الحياة؟ أو من هي كذا؟ فتقول: فلانة الفلانية سيدة الشاشة العربية، هي التي تأثرت بها، وأتمنى لو استطعت إلى آخره! ثم تجد أيضاً الثناء والتركيز على الشخصيات التي ليس لها دور في المجتمع إلا أن تسلب قوت الناس المغفلين إذا صح التعبير، ثم بعد ذلك تمارس أعمالاً ضد هؤلاء، فتأخذ فلوسهم، ثم أيضاً تحاربهم في إيمانهم وفي شخصياتهم وفي معتقداتهم إلى آخر ذلك.
وتجد مثلاً مجلة مثل (صباح الخير) تنشر عن عارضة أزياء مصرية أنها فازت بجائزة سباق في حفل لعرض الأزياء، وأخذت الجائزة الأولى على أربعة وأربعين دولة، وأنها تعتبر سفيرة مصر في صناعة الأزياء، وأنها استطاعت أن تثبت كذا، وأنه ذهب الزمن الذي كنا فيه دائماً في المتأخرين، وأصبحنا الآن ننافس على المراتب العالية! وما سمعنا أن هناك من نافس وأخذ الأول في الصناعة أو الأول في الزراعة أو الأول فيما ينبغي أن يكون في مثل هذه البلاد المترامية الأطراف التي فيها أعداد غفيرة من الناس.
وهكذا تجد أن من خلال هذه القدوات تُوضع بعض المعاني التي فيها مخالفات شرعية، ففي مقابلة مع إحدى الفنانات سُئلت: لو عُرض عليك أن تشاركي في تمثيل فلم عن المحجبات؟ فقالت في الإجابة: لا بأس؛ كل شيء قابل للجدل وللأخذ والرد، وليست هناك مشكلة في المشاركة؛ لأن هذه القضايا تختلف حولها الآراء! وكأنه ليس فيها حكم في الشرع، وأن هذه الأمور شخصية، وأنه لا بأس ما دام هذه ظاهرة من الظواهر يمكن أن تناقش.
وسُئلت: كيف تقضي أوقات الفراغ؟ فقالت هذه الفنانة: إنها تذهب إلى البحر تستمتع وتقرأ وتتابع الحركة الفنية من خلال الفيديو! إذاً: نريد لأمهات المستقبل أن يكن على هذه الشاكلة أو على هذه الصورة! فهذه ناحية مهمة، وهي قضية التركيز على القدوات السيئة وإبرازها على أنها هي محطة الآمال ومهوى الأفئدة، وهي التي تحلم بها النساء والبنات في خدورهن، ويحلم بها الشباب الصاعد وجيل المستقبل، فكلهم يحلم في أن يكون -كما يقولون- يرى أن المجد ركلة قدم أو جرة قلم أو رنة نغم، فهذه الثلاث هي التي يُراد أن تكون فقط هي الآمال وهي الطموحات، ونحوها تتوجه الجهود، وهذا طبعاً لاشك أنه جريمة كبرى في حق المجتمع، وهذا في نفس الوقت بلاء، ويتحقق به كثير من المفاسد.
стр. 947
هدف المجلات الهابطة من إثارة قضية المرأة
القضية الثالثة -وإن كانت بعض القضايا متداخلة لكن نريد تفصيلها لأهميتها: قضية المرأة.
وإن كنا نقول: إن معظم ما سبق من الحديث وما سيأتي وأنواع هذه المجلات إنما يستهدف المرأة أساساً أو يستخدم المرأة، يعني: هو يستهدف المرأة؛ لأن استهدافها وفتنتها وفسادها يترتب عليه شر كبير.
ونحن نعلم أن كثيراً من المجلات يعتمد ترويجها على الصور التي تشكل نسبة كبيرة من صفحات هذه المجلات من صورة الغلاف التي يذهب أصحاب هذه المجلات أو الموزعون لها، ويحرصون على أن تكون الصورة لأجمل الفتيات، بل يسافرون لأجلها إلى عواصم أوروبا وأمريكا وإلى بلاد عربية وشرقية؛ ليأتوا بالصورة المناسبة، وبالتركيز المناسب، وبالأوضاع السيئة التي هي لهم مناسبة، ويستخدمون في ذلك شتى الوسائل.
وهذه القضية بالنسبة للمرأة تعتمد على ثلاثة أشياء: أولاً: حرق الحجاب وإبطاله في الواقع مباشرة، ولذا فإن الصور كلها بدون الحجاب، بل فيها عري، وفيها تهتك، وفيها إغراء.
وأيضاً إبداء قضية الحجاب من خلال الحوارات أنها قضية ليست لها صلة بدين، وأنه ينبغي أن تكون قضية مفروغاً منها.
ثانياً: قضية الاختلاط، وأيضاً تكريس المقالات والآراء والصور وكل خدمة في هذه المجالات لتكريس هذه النقطة.
ثالثاً: قضية المساواة والمزاحمة في العمل، وإبراز عمل المرأة، وأن أول امرأة تقود الطيارة هي فلانة، أول امرأة في بلد كذا تدخل قسم الشرطة، وأول امرأة كسرت حاجز الخوف ودخلت الدفاع المدني.
ويُكرس هذا الجانب بشكل ملفت للنظر ليؤثر في نفوس النساء وخاصة المراهقات، ويبقى التعلق بمثل هذه الصور والحرص عليها مع الفتن الأخرى التي تبثها الشاشات الفضائية، وتلتقطها الأقمار الصناعية، فتتكامل الصورة وإذا بنا في موجة تتوجه فيها النساء وتتوجه فيها المرأة إلى كل ما فيه هتك للحياة، وكل ما فيه فتنة وتعطيل لها عن مهمتها.
ومن هنا تظهر الجريمة، وتتكاثر، ويشكو الناس، والحقيقة أنهم لا يبحثون عن الأسباب، وسنعرض لبعض هذه الوقائع أيضاً من الجرائم.
وأذكر أمثلة أيضا لقضية المرأة في الصحافة: تجد تعليقاً يقول: المرأة روح السوق؛ إنها تضفي البهجة بألوان ملابسها الزاهية وشطارتها في الفصال والبيع والشراء، يعني: هي لابد أن تكون جسداً بلا روح لا قيمة له، والسوق بلا مرأة لا قيمة له، وهذا هو المعنى الحقيقي المتجسد في الواقع من خلال هذه الإثارة؛ إذ يريدون أن تكون المرأة في السوق؛ لتكون متبرجة؛ ولتكون مختلطة؛ ولتكون بعد ذلك أقرب إلى الوقوع في الفواحش وفي الجرائم، بل وقوع الجريمة عليها حينئذٍ أيسر وأسهل؛ لأنها خرجت وتجاوزت حدود الشرع والحصون المنيعة التي أحاطها بها هذا الدين وحماها بها، وكل ذلك يحصن من هذه المعاني التي تُزف وتُوضع -كما يقولون- مثل السم في الجسد.
وأيضاً تجد تعليقات على بعض القضايا المهمة في حياة المرأة، مثل: الزواج المبكر؛ فتُشن حرب شعواء على الزواج المبكر، وأنه لابد أولاً أن تنتهي من الدراسة، وأن تأخذ الشهادة، بل أن تأخذ الشهادات العليا؛ لأن الزمان غدار؛ ولأنها لا تأمن الأزواج؛ لأن الرجال ليس لهم أمان؛ ولأن الشهادة أمان من الفقر، وسلاح في مواجهة الحياة، وتُكرس هذه المعاني، حتى يتأخر سن الزواج عند النساء الذي هو في الأصل ينبغي أن يكون متقدماً.
يقول الشافعي ﵀: رأيت جدة في اليمن لها إحدى وعشرون سنة.
وهذا كما يقول الفقهاء: إن أقل سن تحيض فيه المرأة وتبلغ هو تسع سنوات؛ فهذه تزوجت وهي بنت تسع، ثم أنجبت وكان عمرها عشر سنوات، وابنتها بعد تسع سنوات تزوجت، فصارت بعد سنة قد أنجبت، فصار عمر الأولى إحدى وعشرين سنة، وهي جدة، وأما الآن فعمر الواحدة إحدى وعشرون سنة وهي عانس لم تصبح زوجة حتى تصبح أماً فضلاً عن أن تكون جدة! وأيضاً ارتفع مستوى الأعمار؛ ففي كثير من البلاد العربية والإسلامية معدل الزواج بالنسبة للرجال من خمس وثلاثين إلى خمس وأربعين، وبالنسبة للنساء -على تفاوت في بعض البيئات- من خمس وعشرين إلى خمس وثلاثين وإلى أربعين! ونحن نعلم أن الأربعين -كما يقولون- سن اليأس، وكثير من هؤلاء النساء لا يحببن أن يقعن في هذه القضايا بمثل هذه الصورة التي تُكرس في المجتمع.
ويتحدثن بأحاديث لا يقبلها العقل، وهن أنفسهن أول من يعلم أنها أحاديث كاذبة، ومن هذه الأحاديث: أنها تجد متعتها في العمل وفي الكفاح، وأن الزواج أمر عارض، وأن المرأة شخصيتها في ثقافتها وعلمها وكذا، لكن في حقيقة الأمر تظهر الاعترافات، كما ظهرت على صور شتىً، منها: ما نشر في اليمن قبل فترة لا بأس بها: قصة الطبيبة التي قالت: خذوا كل شهاداتي وكل مؤهلاتي وأعطوني طفلاً واحداً! فهذه سنة الحياة، وغير ذلك مغالطة.
وبعض المقالات تقول: الزواج المبكر في كثير من الأحيان يعني: الطلاق المبكر.
إذاً: معنى ذلك التنفير من مثل هذا الأمر.
وفي هذه المجلات أيضاً كلام على بعض قصص الأفلام وما يُعرض فيها، حتى تكون قضية المرأة قضية انحلال، ومن ذلك ما نشرت مجلة (صباح الخير) عن فلم اسمه (الجسد) يركز على أن المرأة في كل أحوالها ليست عقلاً، وليست ثقافة، إنما هي جسد للمتعة فقط! ويستطرد الكاتب في تفاصيل نفس الفلم، لكنه في نفس الوقت يروج لمثل هذه الأمور.
ومن أهم القضايا التي تُكرس في قضية المرأة: الحوارات والمقابلات وقضية المشكلات، وأغلب المجلات عندها عناوين: مشكلات، مشكلة وحل، الحل والمشكلة، وما إلى ذلك.
وطبعاً المشكلة هي في الحب والغرام! والحل غالباً ما يكون متلبساً بالطيش والحرام! ومن ذلك أنك تجد من تكتب وتقول: تعرفت وأنا عمري ثماني عشرة سنة على شاب أثناء رحلة إلى الخارج تقوم بها المدرسة للمتفوقين من الطلبة وتسرد القصة، والغرض هو أن الذي يقرأ القصة أو التي تقرأ القصة تعتبر أن هذه الأمور أصبحت قضية لا حرج فيها.
فكونها تعرفت على إنسان معناه: أنها سافرت من غير محرم، واختلطت بالرجال، وكأنه ليس هناك إشكال، ثم تذكر بعد ذلك كيف أصيبت، وأدخلت المستشفى، وكان هذا الشاب يزورها، ثم الخطابات التي كانت بينهم! وهي قد تكون قصة حقيقية، وقد تكون غير حقيقية، لكن يُراد من خلالها أن يتسرب الفساد؛ مثلما يكون الإنسان في غرفة فيها بعض الغبار أو الغازات، ثم يمشي في الغاز شيئاً فشيئاً حتى يُخدر وهو لا يشعر، وهذا هو المقصود من مثل هذه القضية.
وأيضاً تجد التكريس على التحرر من العادات والتقاليد، وأن المرأة لا بد أن تتحرر من عادات وتقاليد، ولا يقولون: إنهم يدعون إلى مخالفة دين، فتجد فتاة تقول: حقيقة أنني لم أعد أرى تلك المراهقة التي تتعلق بذراع هذا الشاب كما كنت في السابق، وذلك حينما خرجت عن كل التقاليد التي ألفتها في الوطن! وهذه كلها تُكرس في مثل هذه القضايا.
وطبعاً تكاد تكون معظم هذه المجلات التي تتعلق بالفن وبالمرأة تدخل في هذا الجانب.
стр. 948
ترويج المجلات الهابطة لنشر الفاحشة والجريمة
القضية الرابعة: الجريمة.
تعرض كثير من المجلات دائماً جريمة سواء جريمة واقعية من القضاء أو غيره، أو خيالية، وهذا العرض في حد ذاته هو نوع من التعليم والإغراء؛ لأنه يقص الجريمة، وكيف كانت خفية، وكيف عملت، والخطوات، وكذا، ثم أيضاً من خلالها يتعلق الناس بحب الفاحشة والجريمة؛ والله يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ﴾ [النور:١٩]، فالمعنى في هذه الآية: أن مجرد إشاعة الفاحشة أو قول: إنه حصل كذا وكذا، هذا في حد ذاته يكسر الحاجز في نفوس الناس؛ فلا يهابون مثل هذه الأمور، ولا يعتبرونها خطراً ولا خجلاً، وبالتالي يتعودون عليها شيئاً فشيئاً.
وهذا هو الذي يحصل؛ فإذا كثر ذكر الجريمة في المجتمع تأتي تقول لإنسان: حصل كذا وكذا، فيقول لك: هذا أضعاف أضعافه يحصل، وهذه بسيطة! وكلما كثر تناول هذه القضايا يجعل إحساس الناس يتبلد نحوها، وبالتالي تعظم جرأتهم فيها.
وأذكر أمثلة لذلك: هذه مجلة (حريتي) تعرض مسألة خطيرة، وهي للأسف أيضاً ظاهرة بدأت منذ فترة في مجتمعاتنا، وأرى أنها الآن تستشري، وهي: مسألة انتشار أشرطة الفيديو الجنسية.
وكتبت تحقيقاً عن هذه القضية، وكيف يتم تداولها؟ وكيف كذا؟ لكن الأسلوب كان تحت عنوان: الثقافة السوداء، وهذا هو المصطلح الذي يدور بين هؤلاء الشباب، فالشريط الذي يتداولونه يسمونه شريطاً ثقافياً، ويقول أحدهم للآخر: أنت اليوم مدعو لمشاهدة شريط ثقافي، وهذا مصطلح متداول بينهم لهذا النوع من الأشرطة، فيبين هذا المحقق أو الكاتب كيف يتقابلون؟ وكيف صورة اللقاء؟ وما هي الأسعار؟ حتى تسعيرة الفيلم تختلف؛ فإذا كان نوعه أمريكياً كان سعره كذا، والسعر يكون غالياً إذا كان إنتاجه محلياً إلى آخره!! وكل هذا نوع من التعذيب، وفي نفس الوقت نوع من الإغراء لهؤلاء الشباب الذين يطالعون مثل هذه التحقيقات، إضافة إلى الصور المرافقة لهذه التحقيقات، والحقيقة أن عرض هذه الجرائم إنما هو نوع من الإغراء بها، والتعليم عليها، وكذلك تجد هذه الصورة في كثير من العرض الصحفي أو عرض المجلات التي تعرض هذه القضايا.
стр. 949
نظرة هذه المجلات الهابطة إلى الدين الإسلامي، ودورها في الدعوة إلى التحلل منه
النقطة الخامسة هي: قضية النظر إلى الدين الإسلامي وقضايا الإسلام من خلال هذه المجلات: نجد أن هناك كثيراً من المخالفات والتجاوزات الصارخة التي يبلغ بعضها حد الكفر عند من يعتقده، فتجد قضايا في جعل الدين قضية قابلة للنقاش وللأخذ والرد، ولكل فيها قوله! يعني: كما أننا نختلف على الطعام والشراب أيهما أحب كذلك يجعلون قضية الدين قضية نسبية لك الخيار في أن تأخذها أو لا تأخذها، ويجعلون الدين عبارة عن رأي وفكرة قابلة للنقاش والجدل.
ومن ذلك بعض المقالات ترى أن هناك نسبية في كل قضية، وأن كل قضية لها وجهان مهما كانت هذه القضية، حتى لو كانت ديناً وإسلاماً وحكماً شرعياً! وحتى ننظر كيف تهمش قضية الدين والإسلام نشر تحقيق عن قضية من أخطر القضايا التي يُكرس فيها كل البلاء الذي ذكرت فيما مضى من الجريمة والمرأة ونحو ذلك، وهي قضية: استفتاء ومقابلات وتحقيق حول موقف الأسرة عندما تأتي البنت بصديقها إلى البيت، وموقف الأسرة عند يأتي الابن بصديقته إلى البيت! وطبعاً كأن قضية الصداقة الآن أصبحت حقيقة مسلمة، وكونه له صديقة أو ليست له صديقة ليس محل نظر حلال ولا حرام، لكن النظر هو هل يأتي بها إلى بيته أو لا يأتي بها! فماذا تجد الإجابات؟! بعض الأمهات، تقول: نعم أستقبله في البيت، ولا أرى في ذلك مانعاً؛ وهذا من الأفضل، حتى أكون قريبة، ولكن إذا كانت المشاعر ستتجاوز حد الزمالة فأوجه ابنتي إلى ما فيه صالحها! وكأنه ليس هناك قرآن ولا سنة ولا حديث للنبي ﵊: (ما خلا رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما)، (وما تركت بعدي فتنة أضر على النساء من الرجال).
هذه كل الحقائق التي يشهد بها الواقع، والتي تشهد بها الجرائم والوقائع التي تتكرر، ويأتي أيضاً أب يتفلسف في الإجابة فيقول: أنا أسمح لابنتي أن تحضر زملاءها وليس أصدقاءها! يعني: أنه فرق بين الزملاء والأصدقاء.
وطبعاً لك أن تجتهد وتفكر ويمكن أن تجمع مجمعاً حتى يعطوك الفرق بين الزملاء والأصدقاء! ثم أيضاً يقول: لا بأس أن يكون ذلك؛ حتى أكون على علم، ويعتمد على الصديق من هو، إذا كانت عائلته محترمة، وكما يقولون: عائلة متأدبة ومتدينة كما يحلو لهم أن يقولوا إلى آخره! وهناك أيضاً ثالث يقول: أسمح لابنتي أن تختلط بالشباب، وتذهب إلى الجامعة، وليس هناك عيب في ذلك، لكن لا أحب أن تستقبل الضيوف في بيتي! ورابع يقول: هذا أمر طبيعي! وأُجريت أيضاً الأسئلة على نفس الشباب والشابات.
فأحدهم يقول: زيارة صديقتي لي في المنزل وذهابي إليها أمر طبيعي للغاية، وليست هناك أية مشكلة، وليست هناك أية قضية! وآخر يقول: أستقبل صديقاتي في البيت بطريقة عادية؛ لأنني متعود على ذلك؛ فقد درست في مدرسة أجنبية فيها اختلاط منذ صغري، فالمسألة ما فيها شيء! ثم آخر المقال هو الذي يدلنا على أنه يُراد ألا يكون هناك شيء متعلق بالذكر في مثل هذه الأمور، يقول الكاتب أو المحقق: بعد أن أخذنا آراء الآباء والأمهات والأبناء والبنات فهل بقي في الموضوع كلمات تقال؟! وكأنه يقول: هل هناك شرع؟ وهل هناك دين؟ وهل هناك آيات أو أحاديث؟! هذا كأنه شيء ليس له موقع من الإعراب، وهذه مقاصد مرادة؛ إذ لا يعتبر أنه مجرد كلمات هكذا، وإنما هناك مغزىً مقصود هو: أن هذه الأمور خاضعة للعادات ولقبول الناس، وليس هناك شيء اسمه حكم أو شرع أو دين! وتأتي أيضاً مجلة (صباح الخير) وتنشر عن كتاب تدعي أن صاحبه يقول: إن الحجاب - بمعنى منع الاختلاط بين الرجال والنساء- إنما كان حكماً خاصاً لأزواج النبي ﷺ ! يعني: لا يكتفون بتهميش أو بعدم ذكر حكم الشرع، بل يقومون بالتزوير وتدليس وتغيير الأحكام الشرعية وإبداء هذه الصورة.
стр. 950
حرص كثير من المجلات الهابطة على جعل الأمور المحرمة في الدين غير ذات أهمية
وهناك أيضاً التلاعبات التي تريد أن تجعل الأمور المحرمة غير ذات حرج في الدين، ففي مقابلات عن الشخصيات يقابلون الشيخ سيد المكاوي المغني، ويسمونه شيخاً؛ لأنه يغني -كما يقولون- موالات دينية، أو يقرأ القرآن ويغني! فهو بذلك شيخ، وطبعاً يذكرون في المقابلة أنه يصوم ويصلي، وأنه كذا وكذا إلى آخره.
وهناك أيضاً تكريس المعاني في الطعن في الدين؛ فأحدهم يكتب مقالاً بعنوان: أرجوك لا تفهمني.
يقول: أنا أكتب وأنا صائم، وبالتالي أنا متعب وعقلي مشوش، والإنسان حينما يكون صائماً دائماً يكون غير قابل للتفكير، وغير قابل لكذا ويكتب مقالاً بالفعل سخيفاً من أوله إلى آخره، ويقول في آخر الأمر: إذا لم تفهمني فأرجوك ألا تسألني؛ لأني أنا لم أفهم ما كتبت، وإذا أردت أن أشرح لك فسأزيدك غموضاً إلى غموض! والغرض هو: أن القضية متعلقة بالصوم، وإبداء الصوم في صورة مشوهة، حتى إن هناك (كاريكاتير) منشور في إحدى المجلات يقول: كل شيء في رمضان زين، المسلسلات والتمثيليات وغيرها إلا الصيام فقط وحده هو الذي كان فيه تعب! وهذه الصور يُراد منها الطعن في الدين والاستهزاء والسخرية بالأحكام الشرعية، ومعتقد هذا يكفر؛ لأن اعتقاد هذه القضايا فيها كفر.
وأحدهم في (أكتوبر) وهو من أكثر الناس الذين يكتبون مقالات سيئة الدكتور عبد العظيم رمضان، كان يكتب مقالاً في شهر رمضان عن المسلسلات والتمثيليات التي أتحف التلفزيون بها الجمهور، والتي أنعشهم بها، وسلى بها صيامهم، ثم يقول: وبعض الناس من المتشددين يظنون أن مثل هذا يجرح الصوم، وهؤلاء ما فهموا حكمة الصوم؛ لأن من الصعب أن الإنسان يتخلى عن المتع؛ ولذلك جُعل الصوم فيما بين المغرب والعشاء، والحكمة من الصوم فقط التدرب على بعض هذه الأمور والمتع لوقت بسيط.
يقول: ولذلك لم يمنعنا الشرع أن نكثر من الطعام بعد الصيام؛ فإنه ليس هناك غاية بأن الإنسان مع الصيام يقلل الطعام، وإذا كان ليس هناك أمر بتقليل الطعام فليزد الإنسان من كل شيء بجانب الطعام.
وهكذا تجد أيضاً قضية التعدد تُثار في هذه المجلات بسخرية، وكأنه ليس فيها دين ولا حكم ولا شرع، فتجد مجلة مثل (كل الناس) تنشر في مقدمة افتتاحية مقال عام: التعدد، وتذكر أن جمعية نشأت في الكويت بعد أحداث الخليج من النساء وبعض الرجال، هذه الجمعية تدعو إلى التعدد، وتحاول أن تعرف أو تثقف النساء أو تبين للنساء أن التعدد فيه خير، وفيه أيضاً حلول للمشكلات، خاصة العوانس ومن توفي أزواجهن وكذا.
فهذه الكاتبة تسخر من هذه الجمعية وتقول ساخرة للمرأة: دللي زوجك، وتلطفي، وقولي له: لو سمحت اذهب وتزوج امرأة ثانية.
وهذا نوع من السخرية، ثم تقول: ولقد قبلت هؤلاء النساء هذا باستقبال حار وبإيجابية كبيرة.
والإيجابية الكبيرة اللائقة بهن هي من قبل النساء أنفسهن.
فكيف هذا الاستقبال؟ قالت: إذ ضُربن بالنعال وبالأحذية وشُتمن شتماً مقذعاً، يعني: أن هذا هو الاستقبال اللائق بهن في هذا الأمر.
ثم هناك بحث أو تحقيق طويل في نفس العدد عن هذه القضية، وفيه نصوص وكلام خطير، منه: أن واحدة توفي زوجها، وبينما هي مقيمة في العزاء جاءتها امرأة أخرى وقالت لها: إن زوجك هو زوجي، يعني: أنه تزوج عليها من غير أن تعرف الزوجة الأولى، وأن هذا عقد الزواج، وأن له مني ابنين، فتقول القصة أو الرواية أو التحقيق: إن الزوجة الأولى التي كانت حزينة ألغت الحزن، ولبست، وخرجت، وقالت: الحزن فيه خسارة! وهذا أيضاً تلاعب في الدين والأحكام الشرعية، وكثير من الأقوال تقول: إن له إما البقاء مع الزوجة الواحدة وإما الانفصال، أما أن يكون هذا الأمر فلا يمكن بحال من الأحوال.
стр. 951
تعرض هذه المجلات للدعاة المسلمين والحركات الإسلامية
النقطة السادسة -وهي مهمة-: التعرض للحركات الإسلامية ودعاة المسلمين: وهذا عامل مشترك في المجلات التي لها طابع فكري وعقدي، فالمجلات السخيفة هذه التي تدعي الفن، هي أصلاً ليس عندها شيء حتى تناقش هذه القضايا المهمة، لكن تجد تلك المجلات الأخرى تركز على هذه الجوانب بشكل كبير جداً، فتجد بعض العناوين تؤكد هذا الجانب في (روز اليوسف) منها: إنهم يغتالون الديمقراطية في الجزائر، و (أكتوبر) تقول: ما من بلد من البلدان كان فيه بعض المظاهر الإسلامية والقوى للعمل الإسلامي إلا وصار بلداً متطرفاً أصولياً ومرت على بلاد الجزائر وعلى ديار الشام وعلى بلاد المغرب كلها، وما كفاها ذكر البلاد العربية حتى عرجت على باكستان، وأنها أيضا دولة صارت أصولية ومتطرفة إلى آخر مثل هذه الأقوال، وهذا طبعاً مجال واسع طويل، وفيه كلام كثير.
стр. 952
ترويج هذه المجلات للعقائد المنحرفة
النقطة السابعة: الانحرافات العقدية: فهناك كلام متناقض، بل هو كلام كفري تجده في كثير من هذه الصحف، ومن ذلك مثلاً: الكلام عن أبي الهول، وأنه الإله الطيب سيد المبجلين ملك مصر العليا والسفلى ومنحوتب الثاني حبيب الإله، وحورام واهب الحياة، وهذه الكلمات منشورة في مثل هذه الصحف والمجلات.
وكذلك هناك ترويج لهذه الأشياء باسم التعريف؛ فمجلة (كل الناس) ليس فيها شيء من الثقافة إلا أنها تعرف بكتاب واحد، فاختارت كتاب (الفتوحات المكية) لـ ابن عربي، وهو كتاب كله كفريات، وفيه القول بوحدة الوجود والحلول والاتحاد، وقد كفره به كثير من العلماء، بل أكثر العلماء، فعرضت المجلة هذا الكتاب على أنه من التراث.
وأيضاً قضايا الأبراج وادعاء الحظوظ، وتكتب لبعض المجلات سطوراً فتعرف لك حظك من خطك، اكتب لهم ثلاثة أو أربعة أسطر، وينشرون لك من خلال خطك أنك كذا، ويقع لك كذا، وتحصل لك مشكلات كذا، وأنت شخصيتك كذا، ونفسيتك كذا، وبعضها ترسل لها صورتك، فتقول لك: من العينين أنت إنسان متفائل، ومن وجهك أنت إنسان عندك ضيق في النظر، وما إلى ذلك، وكلها تنبؤات لمثل هذا الأمر.
وفيها كذلك الترويج للقضايا الانحرافية في قضايا الموالد والأضرحة ونحوها؛ ففي بعض المجلات التي اطلعت عليها كان كثير منها عن رمضان، فماذا يكتبون عن رمضان؟ يكتبون عن ذكريات الحفلات التي تقام في المساجد أو عند الأضرحة وعند الصالحين وما يلحق بذلك، ويجعلون قضايا الدين تدور في هذا الفلك بالتركيز على مثل هذه القضايا، وتجد بعض العبارات تقول: فلنتكل على الله وعلى ذاكرتنا؛ لنتذكر ثلاث نعم أنعم الله بها على البلاد العربية، وهي: مغنية واثنان من الملحنين! تجد أيضاً بعض القضايا التي فيها طعن عقدي في أصحاب النبي ﵊، فهذا مقال يقول: أبو هريرة يروي أحاديث تنافي الذوق السليم مثل حديث الذبابة! ويجعل عادل إمام شبيهاً بـ أبي ذر؛ يموت وحيداً، ويعيش وحيداً، ويبعث يوم القيامة وحده! هذا مقال بهذا النص في مثل هذه المجلات.
وأيضاً تجد هناك مقالاً هو كفر صريح إن اعتقده صاحبه، يقول فيه: الدين واللغة والتقاليد ثلاثة أمراض اجتماعية -يعني: ينبغي أن نتخلص منها-، لقد خلق الله الإنسان وسكن فيه! وهذا جاء في ضمن مقال في روز اليوسف إلى آخر ذلك الكلام الذي فيه من الكفر ما هو خطير جداً، وهذا كله مقصود.
وقد تكون هناك ألفاظ ليست صريحة في الكفر، لكن في ثنايا الكلام نوع من الإلحادية اللادينية، وإخراج عظمة الدين وعظمة الله من قلوب الناس، والتركيز على مثل هذه الجوانب الخطيرة والمنحرفة.
وهكذا فيما يتعلق بالعقيدة والدين تجد كلمات كثيرة مدسوسة في ثنايا الكلام، وهي على هذه الصورة، وكما أشرت الأمثلة كثيرة، وسأذكر أيضاً أمثلة صارخة في بعض القضايا، ونختم بنقاط مهمة نحتاج إليها في هذا الموضوع.
أذكر نصاً لعله يعبر بقوة عما هو مضمون في كثير مما ذكرنا: تقول إحدى الراقصات في مقابلة: في حياتنا اهتمامات لا داعي لها، ويمكن أن نلغيها، كمعامل الأبحاث الذرية مثلاً؛ لأننا لن نستفيد شيئاً، لكن سوف نستفيد لو أنشأنا مدرسة للرقص الشرقي؛ تتخرج منه راقصة مثقفة متألقة لجذب السياح، فلا نحتاج إلى مصانع الأسلحة والمفاعل النووية، وإنما نبني مدارس ومعاهد للرقص وكذا؛ حتى نجذب السياح، ونفتح العالم، ونتقدم على الأمم! هذه هي الصورة التي يمكن أن نلخصها في هذه المقولة، وهي واضحة جداً وصارخة؛ لأنها أتت بالمتقابلات في وجه واحد.
وآخر يقول: الفضيلة والكرامة تعترضان مسيرة النجاح! وجملة القول: أن ما استعرضنا هو عبارة عن غيض من فيض، وأن البلاء حاصل في صور أخرى، منها: الصور الفاسدة والفاتنة المنشورة في مثل هذه المجلات، وكذلك الصورة العملية للفساد، بمعنى: أن القضية ليست فقط مجرد نشر مقال، بل إقبال وتكميل لبعض القضايا، ومن ذلك أبواب للزواج تكتب المرأة: أنا في عمر كذا، ولون الشعر كذا، وتخرجت من كذا! وتطلب زوجاً، وبالمقابل الرجال يكتبون، وتأتي المجلة وتنشر، فمثلاً: في العدد الذي اطلعت فيه، فيه ثلاث صفحات مكتوب: بالنسبة للمرأة كذا التي جنسيتها كذا كل الطلبات التي وردت إلينا في الزواج منها أحيلت إلينا وهي الآن في مرحلة الاختيار! بمعنى أن القضية ليست فقط كلاماً مكتوباً، وإنما تعليم عملي، وتطبيق لمثل هذه القضايا الخطيرة من خلال هذه المجلات.
стр. 953
الحكم الشرعي في هذه المجلات
وقفتنا الأولى في الوقفات الأخيرة: الحكم الشرعي في مثل هذه المجلات وما فيها من هذه المضامين والصور، وما أشرنا إليه من النقاط السالفة: ولعل فتوى الشيخ ابن عثيمين مشهورة ومنشورة، وقد تعرض فيها ﵀ للفتن المتعلقة بالمجلات، وأنه ما كان يصدق ما يقال، فلما رأى بعضاً يسيراً رأى فيها في جملتها ورمتها ما هو جدير بأن تكون محرمة، وأن فيها من الفساد شيء كثير وعريض.
والفتوى مشهورة.
هنا فتوى ربما ليست بمتداولة كثيراً، وهي للشيخ عبد الله الجبرين: يقول السائل: ما حكم إصدار المجلات التي تحمل الصور النسائية الفاضحة والأفكار المخالفة للشرع والمقابلات مع الفنانات والمتبرجات تبرج الجاهلية المعاصرة؟ وما حكم توزيعها وبيعها في المحلات التجارية والمكتبات؟ وما حكم شرائها واقتنائها وإهدائها؟ وما حكم المال العائد من بيعها؟ وما حكم المشاركة في تحريرها وكتابة مقالاتها؟ وهل يمكن أن تعد مجلة (سيدتي) داخلة في حكم ما مضى من الأمثلة؟
الجواب
وردت السنة المتواترة في تحريم الصور مطلقاً، ولعن المصورين وأن كل مصور في النار، يجعل له بكل صورة صورها نفساً يعذب بها في جهنم، وأن المصورين أشد الناس عذاباً، وأنه يُكلف أن ينفخ فيها الروح، وأنهم يعذبون ويقال لهم: أحيوا ما خلقتم.
ثم إن التحريم يتضاعف إذا كان هذا التصوير يسبب فتنة، كصور النساء العاريات، وصور الرجال أمام النساء، وإذا كان ذلك حراماً فإن الصحف والمجلات التي تنشر ذلك قد دعت إلى الفتنة والفساد والدعارة وما هو وسيلة إلى فعل الجرائم والمنكرات، فمن أصدر هذه المجلات بهذه الصفة أو باعها أو أهداها أو اشتراها أو اقتناها فقد شارك في الإثم؛ فقد لعن النبي ﷺ الخمر وبائعها ومشتريها وعاصرها ومعتصرها وشاربها وساقيها وحاملها والمحمولة إليه وآكل ثمنها.
وكذلك هذه المجلات؛ فإن مفسدتها على الأخلاق والعفاف والأديان أعظم من مفسدة الخمر أحياناً، سيما إذا اشتملت على الأفكار المنحرفة والإعلان عن الفنانات والمتبرجات تبرج الجاهلية، فنشرها على هذه الصفة وكتابة مقالاتها واستيرادها والترغيب فيها مشاركة في الفساد، وإشاعة الفاحشة، ونشر الرذيلة، ودعوة إلى الخلاعة والتفسق والانحلال من الأخلاق والحياء، ولاشك أن مجلة سيدتهم - هكذا بخط الشيخ- من أفسد المجلات وأرذلها، ففيها من الصور الفاضحة والدعوة إلى العهر والفواحش ما لا يخفى على ذي بصيرة.
فنصيحتي لمن أراد النجاة أن يبتعد عن هذه الصحف، ولا يشارك فيها أدنى مشاركة رجاء أن ينجو بنفسه ويستبرئ لعرضه ودينه، والله أعلم.
وصل اللهم على محمد وآله وصحبه وسلم.
وأقول: يشارك هذه المجلة فيما هي متخصصة فيه المجلات الأخرى، مثل (كل الناس)، و (زهرة الخليج)، و (المجالس)، فكل هذه مثلها في خبثها.
стр. 954
واجب كل مسلم تجاه هذه المجلات الهابطة
الوقفة الثانية: الموقف العملي من هذه المجلات: من خلال الحكم الشرعي لابد أولاً من المقاطعة، وقد يقول بعض الناس: المقاطعة لا تجزئ، فأقول: المقاطعة هي أعظم سلاح، ولو أن هؤلاء أصدروا مجلات وما وجدوا من يشترونها ما صار مثل الذي صار، فمجلة (كل الناس) مثلاً بدأت بعدد من الأعداد بثمانين صفحة، ثم سبع وتسعين، ثم مائة وثلاث عشرة ثم مائة وثلاثين، ثم مائة وست وأربعين، ثم مائة وأربع وتسعين، ثم وصلت إلى مائة وسبع وتسعين، والعدد السنوي منها تبلغ صفحاته أحياناً إلى مائتين واثنتين وأربعين صفحة، وقيمتها عشرة ريالات أو خمسة عشر ريالاً في العدد السنوي، فالمقاطعة أمرها كبير ومهم.
ثانياً: لابد من بيان هذه الحقائق والأحكام الشرعية للناس وتبصيرهم بها؛ ليكون هذا التحذير نوعاً من الصورة العملية في درأ الشرور والمفاسد في مثل هذه المجلات.
ثالثاً: ألا يكون كثرة الفساد داعياً لعدم الإنكار عليها.
فإذا قيل: هناك مجلة فيها كذا وكذا قيل: في غيرها أكثر، لا بأس كل ما وقع عندك أو ما وقع تحت يدك أو ما أخبرت به ينبغي أن يكون لك صورة عملية فيه، اكتب إلى الجهة المسئولة في الإعلام بأن هذا يخالف الشرع، ويخالف نظام المطبوعات الذي يمنع نشر صور النساء، ويمنع نشر الكلام الفاحش، ويمنع منعاً قاطعاً نشر أي كلام يتعلق أو يمس بالدين مساساً مباشراً أو غير مباشر، اكتب لبعض المشايخ وأهل العلم أيضاً بما في هذه المجلات؛ لأن لهم كلمة مسموعة قد يستطيعون بها أن يؤثروا أو يمنعوا أو أن يخففوا من مثل هذا الأمر.
فإذاً: المقاطعة والتحذير وبيان المفاسد ثم الصورة العملية الإيجابية في الكتابة عن مثل هذه الأمور أمر ضروري جداً، والأمر كما أشرت، والموضوع الفتنة به عظيمة، والانتشار والرواج له كبير جداً، لدرجة أن سوق المبيعات التي تروج هذه المجلات تشكل أعداداً كبيرة جداً جداً، ويباع من هذه النسخ في بيئاتنا ومجتمعاتنا أعداد بعشرات الآلاف.
وإذا تأملنا صور المراسلات البريدية نجد تقريباً أن نسبة لا تقل عن (٢٥%) وقد تصل إلى (٤٠%) من داخل المملكة، وفيها صور وعناوين وكتابات ومراسلات لهذه المجلات من أبناء هذه البلاد الذين تأثروا بها، وهذا واقع وحاصل، والصورة العملية أيضاً لهذا التأثر واقعة، ونراها -للأسف- في كثير من الظواهر.
فهذه الظاهرة في الحقيقة وغيرها تحتاج إلى أن يتنبه الناس للخطر، وبعض الناس قد يقتنيها أو يسمح لأبنائه وبناته بمطالعتها؛ لأنه لا يرى فيها شيئاً، ولا يرى خطورة مضامينها.
فالله نسأل أن يقينا شرورها، وأن يوفقنا لمقاطعتها ومحاربتها وتحذير الناس منها والدعوة إلى نبذها ومنعها من الدخول إلى هذه البلاد، حتى يكون هذا -إن شاء الله- نوعاً من الجهاد، ونوعاً من الدعوة إلى الله.
стр. 955
الأسئلة
стр. 956
أهمية إنشاء مجلات إسلامية
السؤال
لماذا لا يقوم أهل السنة بإنشاء مجلات خاصة للمرأة؟
الجواب
هذا سؤال مهم جداً، نذكر لكم أن هناك مجلة نسائية إسلامية كانت تخص المرأة اسمها (أسماء) وكانت جيدة، وتكتب مقالات، ولكن ما استطاعت أن تستمر، والذي أذكر أنه لم تصل أعدادها إلى عشرة، ثم توقفت بسبب عدم القدرة المالية، وعدم وجود توزيع، وعدم وجود الإقبال والترويج اللازم؛ لأنه ليس فيها الفتن والإغراءات التي تجعل الناس يقبلون عليها ويشترونها.
ولذلك لاشك -كما يقولون- أنه بدلاً من أن تلعن الظلام أوقد شمعة، فبدل أن نقول: اتركوا هذه المجلات، لابد أن نجعل للمرأة صحيفة أو مجلة إسلامية، وفي الحقيقة نحتاج إلى أن يكون هناك صحافة ومشاركة إسلامية للأطفال وللنساء وللمجلات في كل أنواع التخصصات بوجهة نظر إسلامية.
وفي بعض مجالات الطفولة بدأت -ولله الحمد- بعض القصص وبعض المجلات وبعض الأشياء تخدم إلى حد ما خدمة جيدة وتسد بعض هذا الفراغ، لكن ما يزال الفراغ كبيراً، فهذه الإصدارات تعاني من التوزيع مثلاً، فمجلة إسلامية قد تكون توزع بالآلاف في بلد ما، ثم في عدد من الأعداد قد يمنع دخول هذا العدد لأمر أو لآخر أو لاعتراض على مقالة أو على كتابة أو شيء من هذا القبيل، فهذه خسارة للمجلة لا تستطيع أن تتحملها، وكثير من المجلات الإسلامية تنشر كلاماً متزناً لا يعجب كثيراً من المتسلطين على ديار الإسلام، فتُمنع هذه المجلات، ولا تُدخل، فلا يبقى لها توزيع، والناس يبحثون عنها ولا يجدونها، فهذه كلها مشكلات واقعة في مثل هذا الأمر.
وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.
стр. 957
أحكام ومناسك الحج
حج بيت الله الحرام مقصد عظيم تهفوا إليه نفس كل مؤمن، وتسعى إلى نيله روح كل موقن، كيف لا وهو أحد أركان الإسلام الخمسة، ومشهد عظيم يظهر جانباً من جوانب العزة واللحمة، إلا أن هذا المعنى لابد لتحققه من شروط يجب توافرها، وأركان ومناسك يجب أداؤها، ومحرمات ومحظورات يجب على العابد اجتنابها، لكي يخرج من تلك العبادة العظيمة وقد غفرت له ذنوبه، فيعود كيوم ولدته أمه.
стр. 958
تعريف الحج وأدلة مشروعيته
هذا لقاء طيب مبارك في أيام فاضلة، وليالي مباركة، نجتمع فيه للتذكير والتعريف بهذه الشعيرة العظيمة والفريضة الجليلة لنتحدث عن فقه الحج.
الحج في اللغة: القصد، وعن الخليل من علماء العربية: الحج كثرة القصد إلى من تعظمه، ومعنى أن تحج إلى مكان: أن تقصده تعظيماً له.
وفي المعنى الفقهي ومن الناحية الشرعية: هو قصد مكة والمناسك لأداء مناسك مخصصة في زمن مخصوص، فالقصد والتوجه والنية إلى بيت الله الحرام للنسك حجاً كان أو عمرة على الصفة المعروفة الثابتة عن رسول الله ﷺ في الزمان المخصص لهذه الفريضة من أيام الحج.
وأما الحج فهو أحد أركان الإسلام الخمسة التي بني عليها الإسلام، ومشروعيته واضحة ثبتت بأدلة القرآن الكريم، وسنة النبي ﷺ ، وإجماع الأمة، فالحق جل وعلا يقول: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران:٩٧].
وفي وجوبه من سنة النبي ﵊ ورد حديث ابن عمر المشهور: (بني الإسلام على خمس -وذكر منها:- وحج البيت من استطاع إليه سبيلاً)، وكذلك حديث أبي هريرة الذي أخبر فيه عن خطبة النبي ﷺ وقوله: (يا أيها الناس! إن الله قد فرض عليكم الحج فحجوا، فقال: أفي كل عام يا رسول الله؟ فسكت حتى قالها ثلاثاً، فقال ﵊: لو قلت: نعم، لوجبت ولما استطعتم).
وأما الإجماع: فقد انعقد إجماع الأمة قاطبة على وجوب الحج وفرضيته على المستطيع في العمر مرة واحدة.
стр. 959
استعدادات ووصايا قبل الحج
لابد للحاج قبل أن يشرع في حجه من الاستعداد والتهيئة، وهذه أمور ومسائل مهمة في الاستعداد قبل الحج.
أولاً: النفقة الطيبة قال النبي ﷺ : (إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً)، وقد ورد في بعض الآثار: أن النفقة المحرمة في الحج يكون عليه بها وزر، وكلنا يعلم أحاديث النبي ﷺ في هذا الشأن: (ثم ذكر الرجل يمد يديه إلى السماء يقول: يا رب! يا رب! وملبسه حرام، ومطعمه حرام، وغذي بالحرام؛ فأنى يستجاب له)، فلابد أن يتحرى الحاج لنفقة حجه المال الطيب الحلال الذي ليس فيه كسب حرام ولا مشتبه به.
ثانياً: الوصية العامة: أن يوصي أهله ومن وراءه بتقوى الله ، وتوحيده، وعبادته، وأن يوصيهم بما يحتاج إليه من الوصية، كأن يذكر لهم ديونه أو الحقوق التي عليه، أو أن يذكر لهم ما له عند الآخرين، أو ما يريد أن يوصي به؛ إذ أنه يسافر وقد يكتب له الله عودة وقد يتوفاه الله، والوصية أمر مشروع مسنون ثابت ينبغي للمسلم أن يحرص عليه في كل وقت وآن.
ثالثاً: التوبة الخالصة: فإن الحاج مقدم على فريضة أعظم، وأجرها تكفير الذنوب والخطايا، ورجوعه كيوم ولدته أمه، والمقبل على إنسان من الناس ليكون ضيفه لا شك أنه يختار أحسن الثياب ويتجمل بها، ويختار أفضل أنواع العطور ويتطيب بها؛ حتى يكون إقباله على من يضيفه إقبالاً حسناً، والمقبل على الله في هذه الفريضة ينبغي أن يكون قد أعلن توبته، ورد المظالم والحقوق، وطلب السماح ممن أخطأ في حقهم؛ حتى يكون متعرضاً لرحمة الله تعرضاً مناسباً وملائماً لقدومه على ربه في بيته وفي حرمه لأداء فرضه وحج بيته.
رابعاًً: الصحبة الصالحة: فإن هذه الفريضة طاعة من الطاعات، وأهل الخير يذكرونك إذا نسيت، ويعينونك إذا ذكرت، ويعلمونك إذا جهلت، فتنتفع بهم، ولا يكون حالك كحال من يكون صحبته غير صالحة، فما يزالون في لغو ولهو وقول باطل، وربما جهل تؤدى به الفريضة على غير وجهها، فلا تكون كاملة فيذهب الجهد والعناء والتعب بلا فائدة.
خامساً: العفة عن المحرمات: قبل الحج، وفي أثنائه، وأثناء المسير إليه، فلا يترخص في شيء من المحرمات مطلقاً.
سادساً: الإخلاص لله: وهذه مسألة مهمة: فإن بعض إخواننا القادمين من بلاد إسلامية كثيرة في أحوال بلادهم بعض العادات التي قد تشوش على الإخلاص، فإذا خرجوا، خرجوا مودعين لهم في زهو واحتفاء واحتفال كبير، وإذا رجعوا غيروا ألوان بيوتهم، أو ضربوا عليها بعض الطلاء الأبيض، أو كتبوا لوحات أو نحو ذلك مما يعلم بما كانوا فيه من عبادة، وهذا قد يجعل الإنسان حريصاً على أن يلقب بالحاج، أو أن يلقب بكذا؛ فينقص ذلك من أجره، أو يشوش على نيته ويخلط فيها، فينبغي أن نترك ما هو معتاد مما ليس فيه شيء مشروع، وليس فيه مصلحة، ولا بأس أن يفرح الإنسان إذا رجع من الحج، ويدعو قرابته إلى وليمة؛ إذ ليس في هذا حرمة، ولكن لا يكون على سبيل المفاخرة والمباهاة التي قد تنقص من أجره.
نسأل الله السلامة.
سابعاً: العلم بالأحكام الفقهية الخاصة بهذه الفريضة؛ فبعض الناس يذهب إلى الحج، وفي أثناء أدائه يقول: فعلت كذا وكذا.
هل هذا صحيح أو لا؟ بعد أن قطعت المسافات الطوال، وأنفقت الأموال تأتي لتسأل بعد أن أخطأت وربما قد فسد حجك، لابد أن تتعلم أحكام أمر تحتاج إليه، عند الحج تتعلم الحج، إذا وجبت عليك الزكاة تعلمت أحكام الزكاة، وإذا أردت أن تقوم بعمل تجاري تعلمت أحكامه.
وهكذا.
أيضاً: البر والإحسان مهم، وهو من الأمور الطيبة، سواء قبل الحج أو في أثنائه، فالدعاء والتضرع إلى الله أن ييسر له الحج، ويتقبله منه، ويعينه، فإن الإنسان بدون عون من الله لا تقضى له أموره ولا حوائجه.
ثامناً: العزم على الاتباع والاقتداء برسول الهدى ﷺ الذي قال: (خذوا عني مناسككم).
стр. 960
الإحرام
أعمال الحج وأركانه: عندما ينوي ويتوجه إلى المواقيت يحرم من ميقاته.
стр. 961
تعريف الإحرام
تعريف الإحرام، هو: نية الدخول في الحج أو العمرة أو فيهما معاً، يعني: الوقت الذي ينوي فيه الدخول في النسك حجاً كان أو عمرة.
لماذا سمي إحراماً؟ لأن به -أي: بسبب الإحرام وبسبب أداء النسك -يحرم عليه ما كان عليه حلالاً، كأن يحرم عليه تغطية الرأس، ونحوها من محظورات الإحرام المعروفة.
стр. 962
واجبات الإحرام
واجبات الإحرام التي لابد منها تتخلص فيه اثنين بالنسبة للرجال، وواحد عند النساء: الأول: الإحرام من الميقات: والإحرام من الميقات له حكم، وهو أمر تعبدي شرعه لنا رسول الهدى ﷺ ، وهو لون من ألوان الاستعداد، أنت تقبل على بيت الله الحرام، والإحرام من مسافة طويلة أو بعيدة، كأنما يقول لك: انتبه! فأنت قادم إلى أقدس البقاع وأطهرها وأشرفها وأعظمها حرمة عند الله، تهيأ لذلك: اغتسل له، البس إحرامك؛ حتى تكون مستحضراً لعظمة وحرمة البيت الحرام، والبلد الحرام، والشهر الحرام، هذا جانب.
والجانب الآخر: فيه بيان عظمة هذه الفريضة، وأنها ليست بمجرد وصولك إلى الحرم بل هي قبل ذلك.
الثاني: التجرد من المخيط بالنسبة للرجال: بأن ينزع ملابسه ويلبس إزاراً ورداءً أبيضين نظيفين، كما وردت بذلك سنة النبي ﷺ .
وها هنا مسائل كثيرة منها مسألة المواقيت: فبعض الناس يتجاوزون الميقات ولا يحرمون، ويقولون: نأتي إلى جدة ونقيم بها ثلاثة أيام فنصبح بذلك مقيمين ومن ثم نحرم.
وهذا ليس بصحيح، والمقيم لا يصبح مقيماً ولو أقام ثلاثاً أو شهراً أو ثلاثة أشهر حتى يكون مستوطناً بالبلد، بمعنى: أن يكون له عمل وهو مقيم بها، أو عنده زوجة، أو له والدان، وعنده بيت يقيم به، فهذا هو المقيم في جدة أو في غير جدة، أما القادم من خارج المواقيت لدخول الحرم بنية النسك حجاً أو عمرة فيجب عليه أن يحرم من الميقات، فإن تجاوزه فلابد أن يرجع إليه، وإن أحرم بعد الميقات فيلزمه الدم، وتكون عليه فدية.
стр. 963
سنن الإحرام
سنن الإحرام هي: الاغتسال والتطيب؛ لأن الإحرام إقبال على عبادة، والطهارة في العبادات كلها وفي الصلوات أمر مطلوب، فيغتسل لذلك ويتطيب، قالت عائشة ﵂: (طيبت الرسول ﷺ بالغالية)، وهو نوع من أغلى وأطيب وأحسن أنواع الطيب، وكانت تقول: (لكأني أنظر إلى وبيص المسك في مفرق رسول الله ﷺ .
متى يتطيب؟ قبل أن يدخل في الإحرام، عندما يغتسل فلا بأس أن يحرم ويتطيب، فإذا أعلن نيته ولبى أصبح محظوراً عليه، وينبغي له أن يبتعد عن وضع الطيب فيما يستدام؛ فلا يضع الطيب في نفس الإحرام، فيبقى حينئذٍ متطيباً وقتاً طويلاً، لا، بل يتطيب في بدنه أو شعره.
الإحرام يكون في رداء وإزارين أبيضين نظيفين.
ويسن له أيضاً: تقليم الأظافر، وقص الشعر، ونتف الإبط، وحلق العانة، ومس الطيب؛ لأنه سيصبح ذلك كله محرماً عليه بعد دخوله في الإحرام.
مسألة: ورد حديث في الأضحية: (من أراد أن يضحي فلا يمس من شعره ولا من بشره شيئاً حتى يضحي)، وبعض الناس ينوي الأضحية وهو لم يقلم أظافره، ولم يحلق شعره بعد، ثم يأتي في يوم الحج في اليوم الثامن وعنده التزام؛ لأنه يريد أن يضحي؛ فلا يمس من شعره ولا بشره شيئاً.
وهاهنا سنة في أنه يقلم أظافره، والذي ذكره أهل العلم من المعاصرين كما ذكر سماحة المفتي العام: أنه يبقى على أصل ما أراد من الأضحية؛ لأنها في حقه سنة، لكن الأولى له أن يتنبه، ولو كان قد قصر وقلم أظافره قبل دخول اليوم الأول من الحج لأصبح ذلك كاملاً في حقه.
-تكرار التلبية: عندما يلبي فيقول: لبيك اللهم حجاً أو عمرة، ويحسن بالحاج أن يكثر من التلبية منذ إحرامه إلى أن ينتهي من موطن التلبية عند رمي جمرة العقبة في يوم العيد.
стр. 964
محظورات الإحرام
أولاً: تغطية الرأس، وهذا خاص بالرجال، وتغطية الرأس المقصود به: بمباشر وملامس، كأن يضع الطاقية أو شيئاً يغطي به رأسه، لكن هذا السقف ليس بغطاء، وكذا سقف السيارة والخيمة ليسا بغطاء أيضاً، وإلا كان ذلك مما يشق على الناس.
ثانياً: لبس المخيط: وهو أيضاً الخاص بالرجال، والمقصود به: كل نوع من القماش يفصل على مقاس العضو ويخاط، لكن غير ذلك ليس كذلك.
المعنى: أن الحزام الذي فيه خياطة هل هو أولاً مفصل على عضو معين؟ لا، الحذاء إذا كان فيه خياطة ليس داخلاً كذلك، إنما المقصود به الملابس.
ولبس النقاب والقفازين خاص بالنساء، أي: لا تلبس المرأة القفازين ولا تنتقب، كما ورد بذلك الحديث الصحيح للنبي ﷺ ، ويجمع بينه وبين حديث عائشة: (كنا إذا مررنا بالرجال أسدلنا على وجوهنا) يعني: يكون لها غطاء لكنه لا يكون مثل النقاب الملاصق للوجه.
ثانياً: حلق الشعر وقصه أو قطعه: وينبغي للإنسان أن ينتبه لذلك، وبعض الناس يكثر منه عادة نتف شعر لحيته أو رأسه، وفي الإحرام لابد أن ينتبه لهذا؛ لأنه إذا باشر ذلك بفعل مباشر منه؛ فإنه إذا قطع ثلاث شعرات وجبت عليه الفدية.
أما إذا نام ووجد على مخدته شيئاً من الشعر فلا شيء عليه؛ لأنه لم يباشره بنفسه.
رابعاً: تقليم الأظافر، ومس الطيب: وهنا مسألة: ما حكم ما يستخدم مما فيه طيب ظاهر؟
الجواب
ينبغي اجتنابه، مثل بعض أدوات التنظيف من الصابون وغيره التي تكون مطيبة بروائح عطرية واضحة فيستخدم غيرها؛ لأن من حكم الإحرام: أن يظهر الإنسان وهو أشعث أغبر قد تجرد من زينته أياماً معدودات، ويظهر تضرعه وافتقاره إلى الله .
خامساً: قتل الصيد: والآن هذا قليل، لكن في السابق كان الناس وهم قادمون قد يرون الصيد ويحتاجونه.
سادساً: الخطبة للزواج، وعقد النكاح، ومقدمات الجماع، والجماع، وهذه كلها حلقة واحدة متسلسلة.
стр. 965
كفارة من فعل شيئاً من محظورات الإحرام
بعض المحظورات فيها الكفارة صيام ثلاثة أيام، أو إطعام ستة مساكين، أو ذبح شاة، فهذه في تغطية الرأس، ومس الطيب، والأظافر، ونحو ذلك.
ومنها ما يقابله قيمته، مثل قتل الصيد، بأن يدفع قيمته بما يقابله.
ومنها ما يقع فيه فساد الحج، وهو أمر الجماع ونحوه.
إذاً: لبس المخيط، وتغطية الرأس، وحلق الشعر، والطيب.
هذه كلها الحاج مخير فيها في الفدية بين صيام ثلاثة أيام، أو إطعام ستة مساكين، أو ذبح شاة.
أما الصيد ففيه قيمة ما يقابله.
أما عقد النكاح أو الخطبة فحرام ولا فدية فيه، والخلاف عند العلماء قائم: هل يصح هذا العقد أم ينبغي أن يجدد عقداً آخر غيره؟ وليس هذا موضوعنا.
أما ما يلابسه الإنسان ويقارفه من أداء الشهوة أو من الأخذ بالشهوة مع أهله دون الإيلاج.
فهذا إذا وقع به إنزال فعليه هدي بدنة، وإن لم ينزل فعليه دم شاة وهو مرتكب لمحرم؛ لأن الله قال: ﴿فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة:١٩٧]، قالوا: والرفث هو الجماع ومقدماته من القول والفعل.
أما الوطء ووقوع المرء في جماع مع أهله، فهذا على ضربين: إن كان قبل التحلل الأول، أي: قبل يوم العيد وقبل انتهائه من طواف الإفاضة، فهذا فيه أربعة أمور: ١ - بطل حجه وفسد.
٢ - وعليه إكماله إلى نهايته.
٣ - ويجب عليه القضاء.
٤ - وتجب عليه الفدية شاة.
وأما إن كان بعد التحلل الأول، فهذا فيه فدية بدنة، فإن لم يجد فعليهما -أي: الزوج والزوجة- صيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعوا.
يحرم مرة أخرى من التنعيم ليطوف منعماً؛ لأنه أفسد حجه، فيحرم مرة أخرى لغرض تجديد إحرامه، فإذاً ينتبه الإنسان إلى هذا.
стр. 966
أنواع النسك في الحج
عندما يحرم الحاج فهو مخير بين أنواع من النسك في أداء فريضة الحج، هذه هي الأنواع الثلاثة المشهورة: النوع الأول: التمتع: وهو أن يحرم بالعمرة وحدها في أشهر الحج، ويؤدي عمرة كاملة، ويقول: لبيك عمرة، ثم يتحلل ويرجع حلالاً يلبس ثيابه، ويعاشر أهله؛ فإذا جاء يوم التروية أو اليوم التاسع أو اليوم السابع وأحرم بحج أصبحت عمرة وحجاً وبينهما تحلل وتمتع، وهذا يجب عليه الهدي في مقابل التمتع.
وبعض أهل العلم يقولون: هذا أفضل النسك للآفاقي الذي يأتي من خارج المواقيت؛ لأنه سيأتي في وقت مبكر، ولابد أن يحرم من الميقات، وإذا بقي على إحرامه يشق عليه، فقالوا: وهذا فعل النبي ﵊ لما جاء مع أصحابه، قال: (من لم يسق الهدي فليجعلها عمرة، وليتحلل بها إلى الحج) فأحل من لم يكن ساق الهدي، وجاءوا بعمرة وتحللوا.
النوع الثاني: القران: وهو أن يقرن بالحج عمرة، أو يحرم بالحج والعمرة معاً، يقول: لبيك اللهم حجاً وعمرة، وليس بينهما تحلل، بل يعتمر ويبقى في الحج، والحقيقة أن صفة العمل في نسك القران لا يختلف عن نسك الإفراد إلا في أمرين: النية وسوق الهدي ووجوبه؛ لأن القارن الأصل أنه ساق الهدي معه، والناس الآن لا يسوقون الهدي، لكن الذي منع بعض الصحابة من أن يعتمروا ويحلوا في حجة الوداع مع النبي ﵊: أنهم ساقوا الهدي، قال: من ساق الهدي يبقى على ما هو عليه، ويبقى قارناً بين حجه وعمرته، ومن لم يسق الهدي يجعلها عمرة ثم يتحلل.
فبالنسبة للقران هو كالإفراد، ليس هناك اختلاف في الفعل؛ لكن في النية ووجوب الهدي.
النوع الثالث: الإفراد: وهو أن يحرم بالحج وحده في أشهر الحج، ويقول: لبيك اللهم حجاً، وليس عليه هدي، وإذا أراد أن يعتمر بعد الحج فلا بأس، باعتبار أنه جاء من سفر بعيد حج حج إفراد وليس عليه هدي، ثم أراد أن يعتمر فلا بأس، ويخرج إلى التنعيم ويحرم ويعتمر، وقد وقع ذلك لـ عائشة أم المؤمنين ﵂ لما حاضت ثم ولم يستطع أن تعتمر قبل الحج، فحجت ثم قالت للنبي ﷺ : (يا رسول الله! يرجع الناس بحج وعمرة وأرجع أنا بحج، فأمر النبي ﵇ عبد الرحمن بن أبي بكر أخاها فخرج بها إلى التنعيم، فاعتمرت وطافت وسعت ﵂.
إذاً: هذه أنواع النسك الثلاثة.
نحن حتى الآن لم نذكر من أركان الحج إلا ركن واحد وهو الإحرام، وفصلنا فيه؛ لأنه المدخل، وسيأتينا أيضاً ما يتعلق بالمواقيت المكانية والزمانية، من أين يحرم؟ ومتى يحرم؟
стр. 967
المواقيت
المواقيت المكانية تحيط بمكة المكرمة من كل جانب، والبحر من جانب آخر، وأول هذه المواقيت: ذو الحليفة، والجحفة، وذات عرق وهي ميقات القادمين من وسط الجزيرة، وقرن المنازل، ويلملم للقادمين من اليمن وغيرها، فالنبي ﷺ قال: (هن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن)، فمن جاء وهو من أهل الشام ولكنه جاء من جهة اليمن، فميقاته حيث يمر من اليمن، ومن جاء من جهة المدينة ذو الحليفة إلخ.
وبالنسبة للطائرات فالبموازاة، فإذا حاذوا هذا المكان أو المسافة المقاربة له أحرم الحاج من هذه المواقيت المكانية.
أما المواقيت الزمانية فهي: شهر شوال، وشهر ذي القعدة، وأوائل شهر ذي الحجة حتى الدخول في النسك في يوم عرفة، وإلى آخر ليلة عرفة كما هو معلوم؛ لذلك هذه المواقيت متى عقد فيها نية الحج وأتى بعمرة وتحلل منها، أصبح داخلاً في أشهر الحج.
стр. 968
الطواف
لماذا بدأنا بذكر الطواف؟ لأننا لو أخذنا بالمتمتع فسوف يأتي بالعمرة ويبدأ بالطواف.
стр. 969
أنواع الطواف في الحج
الطواف الأول: طواف القدوم: وهذا لغير المتمتع، فهو يذهب إلى مكة في اليوم السابع أو الثامن، ثم وهو في طريقه إلى منى وإلى المشاعر، يطوف بالبيت سنة لقدومه، وليس هو من طواف الحج، وله أن يقدم سعي الحج إذا كان في اليوم الثامن على سبيل المثال، وإذا قدم سعي الحج فلا يسعى بعد ذلك في يوم العيد وذكرنا هذا؛ لأن الناس يفعلونه ويحتاجون إليه مع وجود الزحام.
الطواف الثاني: طواف الإفاضة: وهو ركن من أركان الحج، ومن لم يأت به فلا حج له، أي: لا يكون حجه كاملاً، وبطل حجه.
الطواف الثالث: طواف الوداع: وهو آخر ما يكون في الحج، قال ﵊: (ليكن آخر عهد الناس بالبيت الطواف)، فهو واجب عند المذاهب الثلاثة، وسنة عند المالكي.
стр. 970
مسائل في طوافل الوداع
يسأل الناس: هل يصح أن نؤخر طواف الإفاضة ونجعله مع طواف الوداع؟
الجواب
نعم يجوز، مع التنبه لأمرين: الأول: أن ينوي طواف إفاضة وليس طواف وداع؛ لأن طواف الإفاضة هو الركن فيندرج فيه طواف الوداع؛ لأن الرسول ﵊ قال: (ليكن آخر عهد الناس بالبيت الطواف)، فإن طفت الإفاضة أصبحت آخر عهدك بالبيت الطواف، فلا إشكال، لكن من نواه طواف وداع فلا يقع عن طواف الإفاضة؛ لأن طواف الإفاضة ركن طواف الوداع واجب.
الثاني: أن يجعله آخر الأعمال، وبعض الناس يتعب -لكن هذا جزء من الفريضة- فيذهب في أثناء أيام التشريق ويقول: أنا أطوف إفاضة ووداع، ثم يرجع ويبيت بمنى، وهذا لا يصلح، فقد أتى بطواف طواف إفاضة وما زال طواف الوداع واجباً عليه.
стр. 971
شروط الطواف
أولاً: النية: لابد أن ينوي الطواف ويعينه: هل هو طواف قدوم أم وداع؟ دون أن يعلن، لكن نيته مطلوبة حتى يحدد العبادة، ويعرف ما يؤدي أهو ركن أم واجب أم غير ذلك؟ ثانياً: الطهارة: وهذا الشرط هو الغالب من أقوال الفقهاء، وإن كان بعضهم قال بغير ذلك؛ لعدم ثبوت الدليل القاطع فيه، ولكن أقوال الفقهاء في جملتها تقول وتدل على أن الطهارة شرط في الطواف.
ثالثاً: الطواف داخل المسجد وحول البيت: أي: حول الكعبة، ويكون في إطار المسجد ما دامت الصفوف ممتدة، لكن من يطوف -مثلاً- على بعد كيلو بالسيارة حول الحرم، فلا يصح؛ لأن الطواف طواف حول البيت، وليس مجرد طواف عن بعد.
رابعاً: أن يكون البيت عن يساره حال البدء بالطواف: وقد يقول بعض الناس: هل يوجد أحد يطوف على العكس؟ نعم، ونرى أحياناً من صور الجهل أموراً كثيرة قد لا يظهر ذلك في الطواف لكنه يظهر في السعي؛ لأن الناس ذاهبون وقادمون في السعي، فإذا دخل من جهة المروة فقد يبدأ من هناك؛ لأنه لا يعرف شيئاً.
خامساً: الطواف سبعة أشواط كاملة: وبعض الناس مع الزحام يخرج قبل أن ينتهي الشوط الأخير، فهذه العبادات توقيفية، ولو صلى أحدكم العصر وجاء بعد آخر ركعة وسلم لم تتم صلاته، فلابد أن يتم العبادة إلى آخرها.
سادساً: الموالاة بين الأشواط: بألا يفصل بين شوط وشوط بوقت طويل، لكن إن جاءت الصلاة فصلى أو خرج للطهارة ورجع، أو تعب قليلاً وارتاح، فلا بأس حينئذٍ، لكن إذا طال الفصل كمن يطوف شوطين أو ثلاثة ثم لما تعب قال: أكمل يوم غد، لا يصح منه، ويبدأ من جديد إذا كان فعل مثل ذلك.
стр. 972
سنن الطواف
أولاً: الرمل: وهو تقارب الخطا والمشي في الأشواط الثلاثة الأولى بحسب ما يتيسر، وفي الحج لا تستطيع أن تمشي ببطء أصلاً؛ لأن الزحام شديد، لكن إن تيسر فلا بأس؛ لما ثبت في هذا عن النبي ﷺ .
ثانياً: الاضطباع: وهو أن يجعل جزءاً من ردائه تحت إبطه من تحت ذراعه الأيمن فيجعله على عاتقه الأيسر، وهذا مشروع فقط في طواف القدوم، وأيضاً بما وردت به سنة النبي ﵊.
ثالثاً: تقبيل الحجر الأسود لمن استطاع، وفي الحج قد لا تستطيع أن ترى الحجر الأسود فضلاً عن أن تقبله، فلا تزاحم وتضارب حتى تصل إليه كما يصنع بعض الحجاج.
رابعاً: الدعاء أثناء الطواف، دعاء وذكراً وتلاوة القرآن كله مشروع؛ لأنها عبادة ينبغي أن تشغل بذلك.
خامساً: صلاة ركعتين بعد الفراغ من الطواف خلف المقام: وهي سنة من السنن، وقد وردت عن النبي ﵊، ووردت القراءة فيها ونحو ذلك.
стр. 973
بعض الأخطاء التي يقع فيها الناس في الطواف
- منها: ابتداء الطواف من قبل الحِجْر، وهي إحدى حالتين: ١ - إما أن يبدأ من بعده ولا ينتبه أنه بدأ من غير المكان الصحيح.
٢ - وإما أن يبالغ في الاحتياط، ويبدأ من الركن اليماني ويقول: احتياطاً.
٣ - والصواب: أنك لو جئت في أثناء الزحام ودخلت وأخذت نصف شوط فلا تحسبه حتى تأتي إلى مكان الحجر الأسود، ثم تشرع في الطواف.
- ومنها: الرمل في جميع الأشواط السبعة، وبعض الناس يهرول طوال الوقت، وهذا لم يثبت عن النبي ﷺ .
- ومنها: استلام جميع الأركان، وجدران الكعبة، والتمسح بها، وهذا لم يثبت من فعل النبي ﵊.
- ومنها: التكبير: وهو ثابت عند الحجر الأسود، والركن اليماني، وإن تيسر له مسحه وكبر، وإلا فلا تكبير عنده، وإن كان قد ورد عن معاوية -وهذه الرواية ليست مشهورة ولا معتبرة عند العلماء-: أنه قال: ليس شيء من أركان البيت مهجوراً، يعني: عندها كلها تكبير، ونحو ذلك.
- ومنها: الوقوف عند خط بداية الطواف وقتاً طويلاً، ويلتفت ويكبر؛ فيسبب الزحام، والمسألة أيسر من ذلك، ودين الله فيه سعة وفسحة.
كبر وأنت سائر عند الموازاة والمحاذاة وانتهى الأمر إن شاء الله.
- ومنها: تخصيص الأشواط بأدعية خاصة ليست ثابتة، لكن من أراد أن يستصحب كتاباً للذكر حتى يذكر الأدعية التي لا يحفظها من أذكار اليوم والليلة فلا بأس، لكن مثل: دعاء الشوط الأول ودعاء الشوط الثاني.
فهذا لم يثبت، ثم في أثناء الزحام ينتهي الناس من الأشواط السبعة كلها وهو لا يزال في الشوط الأول؛ لأن الوقت ينتهي وهو لم ينته من الشوط الأول.
ومنها: صلاة الركعتين عند المقام وهذه سنة، والأيسر لك وللناس أن تصليها في أوقات الزحام حيث كان من البيت، أما مزاحمة الناس ودفعهم ومضايقتهم والتوقف وقطع تتابع الطواف لوقت طويل فقد أشرنا إليه من قبل.
стр. 974
السعي بين الصفا والمروة
السعي متعلق بالعمرة بالنسبة للمتمتع، وإن كان ركناً من أركان الحج للقارن وللمفرد كما سنذكره.
وشروط السعي: أولاً: الترتيب بينه وبين الطواف على ما قاله أكثر الفقهاء: أن السعي لابد أن يكون قبله طواف صحيح، وإن كان بعض أهل العلم رخص عند الزحام والشدة لبعض ذوي الأعذار من النساء وغيرهم أنهم لو سعوا من غير أن يكون الطواف سابقاً صح، لكن المشهور هو ما ذكرناه.
ثانياً: الموالاة بين الأشواط أيضاً في السعي، فلا يكون هناك فصل طويل بين الأشواط.
والسعي سبعة أشواط، ومن الناس من يسعى أربعة عشر شوطاً، على أن الذهاب والإياب شوط واحد.
ثالثاً: الخبب، أي: السرعة فيما بين الميلين الأخضرين للرجال دون النساء إذا استطاع.
رابعاً: الوقوف على الصفا والمروة، والمسنون لمن استطاع أن يقف ويتوجه إلى البيت الحرام، وأن يقول دعاء الأثر المذكور: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده؛ صدق وعده، ونصر عبده، وأعز جنده، وهزم الأحزاب وحده، ثم يدعو بما شاء الله له أن يدعو، ولا يتعجل إن استطاع ولم يكن ثمة زحام أو مشقة، وبقدر الاستطاعة يذكر الذكر وشيئاً من الدعاء.
стр. 975
تنبيهات وأخطاء في السعي
١ - البدء بالسعي من المروة؛ لأن الناس يكونون في زحام، والذي يدخل من جهة المروة من الحجاج وهو جاهل يظن أنه يبدأ من أي مكان، فيأخذ ويبدأ منها فيكون الشوط الأول ليس له، فيكون قد قصر وأتى بستة أشواط، فيحتاج أن يأتي بالشوط السابع.
٢ - حساب كل شوطين بشوط واحد.
٣ - الإسراع في السعي من الصفا إلى المروة، ومن المروة إلى الصفا، وإنما يسرع فقط بين الميلين قليلاً.
٤ - إسراع المرأة في المشي بين الصفا والمروة لا يصح لها.
٥ - تخصيص كل شوط بدعاء معين.
هذا بالنسبة للطواف والسعي بالنسبة للمتمتع، والسعي عندنا ركن من أركان الحج، ويأتينا أيضاً في يوم العيد، كما سنرى بمشيئة الله تعالى.
стр. 976
أعمال اليوم الثامن في الحج
إذا كان اليوم الثامن من الحج وهو يوم التروية يحرم المتمتع والمفرد، وأما القارن فهو باق على إحرامه حتى يشرع في الحج، واليوم الثامن يسمى يوم التروية؛ لأنهم كانوا يستقون فيه الماء، ويجهزون الماء لليوم الثامن وللأيام التي بعده.
وأما في يوم التروية فليس هناك عمل إلا الإقامة بمنى، وأداء الصلوات الخمس في أوقاتها بدون جمع مع القصر.
هذا هو عمل يوم التروية، وحكمه: أنه سنة، أي: أن من لم يذهب إلى منى في اليوم الثامن يوم التروية وذهب إلى عرفة مباشرة فحجه صحيح، وليس عليه أي فدية؛ لأنه لم يترك واجباً بل هو سنة.
ولكننا لا نحرص على اتباع واقتفاء سنة النبي ﷺ وخاصة في هذه الفريضة التي فعلها في العمر مرة واحدة، وقال: (خذوا عني مناسككم)؟
стр. 977
أخطاء الناس في اليوم الثامن
- منها: عدم الذهاب إلى منى، وترك المبيت فيها ليلة عرفات مع القدرة، وبعض الناس يقول: نمشي في الليل قبل الزحام حتى نصل عرفة مبكراً، لا يا أخي! أنت جئت في العمر مرة واحدة لتحج فلماذا تختصر وتختزل وهي أيام؛ اجتهد فيها، وتحرى الطاعة، وتحمل ما قد يكون فيها من المشقة.
- إتمام الصلاة في منى: بعض الناس يتمون الصلاة، وهذا غير صحيح بل حتى من كان من أهل مكة فإنه يقصر لا لأنها مسافة قصر ولكن لأن هذا القصر للنسك؛ لما ثبت عن النبي ﵊.
- إضاعة الأوقات واللهو عن ذكر الله في هذا اليوم وفي غيره: بعض الناس يجلسون ويشربون الدخان ويتكلمون كأنهم في مقهى وليسوا في منى، ونحن في بلاد وأماكن لها حرمتها، وفي عبادة وفريضة له عظمتها، فكيف نضيع الوقت ونغفل عن الأمر الذي جئنا لأجله؟! - ترك الجهر بالتلبية: وهذا للأسف عم عند الحجاج، وتذهب إلى منى يوم الثامن فلا تكاد تسمع ملبياً، والناس يمشون ساكتين، وقد كان النبي ﷺ يقول: (أفضل الحج العج والثج)، والعج هو: رفع الصوت بالتلبية، والثج هو: كثرة الذبح، وإنهار الدم في الأضاحي، وكان المسلمون إذا أحرموا كبروا، فإذا صعدوا شرفاً كبروا، وإذا هبطوا كبروا، حتى تكون المناسك كلها تضج بالتلبية لله ، والتلبية شعار الحج، فينبغي عدم تركها.
- جمع الصلوات يوم التروية: أن يجمع الظهر مع العصر، أو المغرب مع العشاء، والسنة القصر بدون جمع.
стр. 978
أعمال اليوم التاسع في الحج
اليوم التاسع أعظم أيام الحج في فرضيته، وهنا ننبه إلى أن الوقوف بعرفة ركن من أركان الحج وقد مر بنا الإحرام والوقوف بعرفة، ثم طواف الإفاضة والسعي، وهذه أربعة أركان من أتى بها وكان منه فيها تقصير قد يجبر بدم إن كان واجباً، أو يعفى عنه إن كان سنة.
стр. 979
فضل يوم عرفة
أما فضل يوم عرفة فمعلوم، وهو مما أقسم الله به في قوله: ﴿وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ * وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ﴾ [الفجر:١ - ٣]، قالوا: الوتر هو يوم عرفة، والشفع يوم النحر، كما ورد بذلك حديث جابر ﵁ عند الإمام أحمد والطبراني والبزار والحاكم وصححه، ويوم عرفة أخبر فيه النبي ﵊ أنه من أفضل الأيام، وأخبر أن صيامه يكفر عاماً قبله، وفيه فضائل عظيمة، منها: مباهاة الله لملائكته بأهل الموقف، ومنها: ما ثبت في الحديث أيضاً: من أن الله يغفر لأهل الموقف، إلى نصوص غير ذلك كثيرة.
стр. 980
معنى الوقوف بعرفة
ليس له معنى معين، فلو كان هناك مريض ممدد على سريره جاز، إذ ليس معنى الوقوف بعرفة أن تقف على رجليك، ولكن المقصود به أن تكون بعرفة لقصد النسك والوقوف في هذا اليوم وفي هذا المكان لأداء ركن من أركان الحج، وقد وقف النبي ﵊ على ناقته، ووقف في أسفل الجبل عند الصخرات، وقال: (وقفت هاهنا، وعرفة كلها موقف)، فحيث ما كان الإنسان يقف، ويكون داخل حدود عرفة، ويجتهد في الذكر والدعاء والعبادة وتلاوة القرآن، ولا يضيع لحظة ولا ثانية، إذ بعض الناس يضيعون الوقت في هذا اليوم وهو ساعات معدودة جداً.
أقل من نصف يوم؛ لأن من السنة أن يبقى في وادي نمرة قبل عرفات؛ والنبي ﷺ نزل به، فلما كان بعد الزوال دخل إلى عرفات، فكان أول فعل فعله صلاة الظهر والعصر جمعاً وتقديماً، وخطب بالناس، فإذاً هو سيدخل بعد الظهر تقريباً أو في وقت الظهر إلى المغرب، فهل في هذا الوقت القصير سيضيع الوقت، وبعض الناس يقول: نرتاح قليلاً وننام، ويفكرون في الطعام والغداء، وهل جاء الطعام أم لا؟ وهل جاء الشراب؟ وهل هو بارد أو حار؟ سبحان الله! إنك في هذه الساعات لابد أن تنسى كل شيء، ولا يبقى لك هم إلا ما جئت لأجله من التضرع والدعاء والعبادة والرغبة الصادقة في أن تعمك رحمة الله ومغفرته.
стр. 981
بعض التنبيهات والأخطاء في يوم عرفة
فصعود الجبل تعبداً: بعض الناس يعتقد أنه إذا لم يصعد الجبل لم يقف بعرفات، وهذا خطأ وليس عليه دليل، بل بعضهم يستشهدون بنصوص موضوعة ليس لها أصل في سنة النبي ﵊، وهذا الجبل لا تصح له تسمية بأنه جبل الرحمة، وإنما هو كلام شاع بين الناس، وللجبل اسم: هو جبل آل، أو اللاني، فله مختلف جداً، لكن الناس أشاعوا فيه هذا الاسم، وليس هناك شيء متعلق بالجبل.
- بعض الناس عندهم اعتقادات كثيرة: لابد أن يأخذوا بعض الشجر الموجود هناك إلى أشياء عجيبة جداً ليس لها وجود في تشريع وهدي وسنة النبي ﵊.
- الوقوف خارج عرفة: بعض الناس لا ينتبه للحدود، ويبقى خارج عرفة، وهو يظن أنه في عرفة، وبعض الناس يبحث عن مكان مظلل ليبقى فيه، ومن ذلك مسجد نمرة، ومسجد نمرة مقدمته الأولى -نحو ثلثه أو أكثر -ليست داخل عرفة، وبعض الناس يدخل المسجد ويأتي مبكراً ويبقى في الصفوف الأولى في المكيف وفي الظلال ويبقى إلى غروب الشمس وهو خارج عرفة، ولم يدخل عرفة أصلاً، فعلى الناس أن يتنبهوا إلى هذا ويحذروا منه.
- انشغال الناس بالكلام، وإهمالهم للدعاء والذكر.
- الدفع من عرفات قبل غروب الشمس: والصحيح أن من جاء إلى عرفات قبل غروب الشمس لا يخرج منها إلا بعد غروبها، أما من كان له عذر وما استطاع أن يأتي فجاء في الليل فالصحيح أن حجه صحيح إن شاء الله.
- ارتكاب المحرمات والمعاصي في عرفات وفي تلك المواطن، في الصعيد العظيم، في الاجتماع الحاشد، وتجد بعض الناس يفعلون ويقولون أموراً عجيبة.
في يوم عرفة يبقى الذكر والدعاء، حتى إذا انتهى من غروب الشمس دفع إلى مزدلفة، وليس في مزدلفة إلا المبيت بها، والمبيت هو النوم بالليل، وهو واجب عند المذاهب الثلاثة، وسنة عند أبي حنيفة، والمبيت بمزدلفة واجب، ومن تركه فعليه دم، ورخص النبي ﷺ للنساء والضعفة وللذين يخدمون الناس في السقاية وكل ما يحتاجون إليه في حجهم؛ فرخص لهم في أن يدفعوا من مزدلفة بعد منتصف الليل؛ لأن من أقام في مكان أكثر من نصف الليل أصبح يعرف بأنه بات فيه، أي: إذا مضى أكثر الليل في مكان، فيقال: بات في هذا المكان، لكن من لم يكن عاجزاً، وليس عنده امرأة، وليست لديه حاجة، فيبقى إلى أن يصلي الفجر ويسفر الصبح، ويذكر الله عند المشعر الحرام أو في مزدلفة، ويكثر من الدعاء حتى يسفر الصبح، يعني: حتى يبدأ النور يطلع، ثم يذهب إلى منى يوم العيد.
- أما جمع الحصى فليس شرطاً أن يجمع الحصى مرة واحدة للأيام كلها، فإن جمع فلا بأس، لكن الثابت أن النبي ﷺ جمع حصيات رمى جمرة العقبة، فمن تيسر له أخذ الجمرات كلها لا بأس، ومن لم يتيسر له ذلك فيأخذها من منى في طريقه.
والحصاة تكون صغيرة بين الحمصة والبندقة، وبعض الناس يبالغون في التكبير، والنبي ﵊ أشار إلى الغلو في هذا، وقال لما جمع له الحصى: (بمثل هذا، وإياكم والغلو في الدين)، لماذا؟ لأن بعض الناس يتشددون فيما لم يثبت عن النبي ﵊.
стр. 982
أخطاء الحاج في مزدلفة
- الإسراع وقت الدفع إلى مزدلفة من عرفات، والنبي ﵊ كان يقول: (عليكم السكينة، عليكم السكينة، فإذا وجد فرجة نصّ)، يعني: أسرع قليلاً، فالأمر الذي يقع فيه كثير من الناس: أنهم أول ما يصلون إلى مزدلفة يبدءون بجمع الحصى، والذي ثبت من سنة النبي ﷺ أن أول فعل فعله عند وصوله: أداء صلاة المغرب والعشاء جمعاً وقصراً، فلا ينبغي تقديم شيء على الصلاة، حتى أنه ﷺ قبل أن يضع رحله وقبل أن ينزلوا نزولاً كاملاً أذنوا وصلوا، فينبغي للإنسان أن يجتهد.
- الاستعجال بالصلاة من غير تحرٍ للقبلة، وبعض الناس في مزدلفة يصلون -والعياذ بالله- إلى قبلات مختلفة من دون تحرٍّ لذلك، مع أن اللوحات الإرشادية موجودة ما بين مزدلفة ومكة.
- الاعتقاد بوجوب التقاط الحصيات كلها: وهذا ليس صحيحاً.
- أداء صلاة الفجر قبل دخول وقتها، وترى من ذلك عجائب، فترى الفجر يمتد من نصف الليل، وبعض الناس يستيقظ من منتصف الليل فإذا رأى من يصلي صلى دون أن يتحرى هل دخل الوقت أو لا؟ فيقع الخلل من الناس في هذا الأمر بشكل عجيب.
- الانشغال بالصلاة، والقيام ليلة المزدلفة، لما ثبت أن النبي ﵊ في ليلة مزدلفة لم يقم الليل، ولم يصل بالليل صلاة التهجد، أو صلاة النفل والتطوع، باستثناء الوتر، والكمال في اتباع هديه ﷺ .
ولو أردنا أن نلتمس حكمة عدم التطوع في تلك الليلة: نم فإن وراءك غداً يوم العيد؛ فيه رمي وحلق ونحر وطواف وسعي وعمل حتى تتقوى على طاعة الله وعبادة الله، فهذا من حكمة فعله ﵊.
- تأخير الدفع من مزدلفة: بعض الناس يبقى إلى الساعة العاشرة والحادية عشرة ثم يخرج، ولو استطاع أن يتابع السنة فهو الأوفق له بإذن الله .
стр. 983
أعمال اليوم العاشر في الحج
اليوم العاشر هو اليوم الحافل بأعمال الحج: يوم النحر يوم العيد.
أولها: رمي جمرة العقبة.
وهذا من حيث الترتيب، يبدأ برمي جمرة العقبة.
والسؤال هو: هل النساء والضعفة الذين تقدموا وخرجوا بعد منتصف الليل، هل يجوز لهم الرمي قبل الفجر؟ الصحيح أنه يجوز لهم ذلك، وقد ثبت ذلك من فعل أسماء ﵂، وكذلك وردت روايات في هذا صحيحة من فعل بعض أزواج النبي ﷺ ، وهذا أمر فيه سعة إن شاء الله.
أما بالنسبة للذي يبيت بمزدلفة إلى الصبح: فله من الوقت متسع من فجر يوم العيد إلى غروب الشمس وما بعده، فيرمي متى شاء، والأمر في هذا واسع.
ثانياً: الهدي أو الأضحية فمن كان عليه هدي كالمتمتع، أو كان يريد أن يضحي تطوعاً فمن يوم النحر تبدأ مشروعيته، والنبي ﵊ جاء بمائة من الإبل ونحر بيده الشريفة ثلاثاً وستين ناقة، ثم أعطى علياً فأكمل ذبحها، وهذا من سنته ﵊.
ثالثها: الحلق أو التقصير وقال النبي ﵊: (اللهم اغفر للمحلقين، قالوا: والمقصرين يا رسول الله؟ قال: اللهم اغفر للمحلقين، قالوا: والمقصرين؟ قال: اللهم اغفر للمحلقين، قالوا: والمقصرين؟ قال: والمقصرين)، فهم في الدرجة الرابعة.
ومن حكم هذا الحلق: أنك تقول: كل شيء من الزينة والبهاء أتركه وأتخلى عنه ابتغاء مرضاة الله، واتباعاً لأمره، وسنة نبيه ﷺ .
رابعاً: طواف الإفاضة وهو ركن، فهذا الذي قد طاف وسعى مع عمرة -المتمتع- عليه طواف وسعي آخر، والذي طاف وسعى مع القدوم -المفرد- ليس عليه سعي.
طواف الإفاضة ركن من أركان الحج، ويقع في يوم النحر، لكنه ممتد إلى آخر أيام التشريق، ولمن له عذر كامرأة حائض إلى آخر أيام الحج، أو مرض شخص ولا يستطيع أن يؤدي الطواف حتى يبرأ فيطوف؛ لأنه ركن لا يترك بحال من الأحوال، لذلك الأصل فيه أن يبادر لأدائه في يوم النحر إن استطاع، أو في أيام التشريق؛ لأنه يترتب على فعله التحلل الأكبر.
سعي الحج: إذا طاف سعى معه سعي الحج، وهو ركن أيضاً؛ فعندنا: الإحرام، الوقوف بعرفة، ثم يطوف الإفاضة ويسعى؛ فيكون قد أتم الأركان كلها.
إذاً: طواف الإفاضة إن أداه في وقته بقي عليه طواف الوداع، والسعي إن كان قد قدمه فلا سعي عليه، وإن لم يقدمه فهذا مكانه الصحيح، أو مكانه الذي ثبت فعل النبي ﵊ به.
وهذه الأعمال إن فعل ثلاثة من أربعة، أو اثنين من ثلاثة بالنسبة لمن ليس عليه هدي: تحلل التحلل الأول، فمن كان متمتعاً: إن رمى وحلق وذبح تحلل التحلل الأول، أو إن رمى وطاف وحلق تحلل ثلاثة من الأربعة، ومن ليس عليه هدي: يتحلل التحلل الأول.
ما هو التحلل الأول؟ بعده كل محظورات الإحرام تصبح حلالاً ما عدا ما يتعلق بالنساء، فيلبس ثوبه، ويتطيب، ويلبس المخيط، ويغطي رأسه، ويقلم أظافره، ويفعل كل المحظورات ما عدا عقد النكاح أو الجماع أو مقدماته، وإذا أدى الأمر الرابع وهو طواف الإفاضة أو غيره أصبح حلالاً، وبعض الناس لا ينتبه لذلك، ويظن أنه تحلل من كل شيء، ولا يعلم أنه ما لم يتم هذه الأعمال يبقى تحلله ناقصاً، ولذلك بعض الرجال تكون امرأته تأخرت في طواف الإفاضة لعذر وتنزل مثلاً إلى جدة، فلا ينتبه ويعاشر زوجته وهي لم تتم طواف الإفاضة وليست حلالاً ولا يجوز لها ذلك، أو قد يكون هو أيضاً لم يطف؛ لأنه انشغل بها أو نحو ذلك.
فينتبه الناس لهذا ويهتمون به ويحرصون عليه.
стр. 984
رمي جمرة العقبة
هي أول الأعمال؛ فالسنة أن يجعل مكة عن يساره، ومنى عن يمينه، ويرمي بسبع حصيات جمرة العقبة، وهذا من الواجبات، ومن تركه نهائياً فعليه دم، لكن الرمي كله محله أيام التشريق، فمن فاته رمي جمرة العقبة فالصحيح أنه يجوز له أن يقضيه في اليوم الثاني أو الثالث.
أما من فاته رمي الأيام كلها؛ لأنه تعب أو مرض فيجوز له أن يرمي الأيام الثلاثة كلها في آخر يوم، فيرمي ويقضي عما سبق، وهذا من السعة في دين الله .
وأما وقتها فيبدأ من منتصف الليل ويستمر إلى الغروب.
تنبيهات وأخطاء: الاعتقاد أنه يرمي الشيطان، ويأتي بالأحذية ونحوها ويقذفها في الحوض وهذا ليس من دين الله في شيء.
أيضاً: الرمي بشدة، والصراخ، والبعد عن السكينة.
وهذه عبادة، صحيح أنها رمي حجار لكنها عبادة، ولها أصل، ولها قصة معروفة في سيرة سيدنا إبراهيم ﵇.
- التكبير: لأنه عندما يرمي يعلم أنها عبادة، والتكبير فيها مثل التكبير في الصلاة، وبما أنها عبادة وطاعة فلابد أن يستحضر فيها القلب، وأن تكون فيها سكينة وخشوع، ولذلك فإن من السنة أن يدعو بعدها.
- غسل حصى الجمار: لم يثبت هذا من فعل النبي ﵊.
رميها دفعة واحدة بداعي وجود الزحام، وهذا لا يصح، ويعتبر رمياً لحصاة واحدة، وعليه أن يكمل بعد ذلك ستاً؛ لأنه لابد من الرمي، وبعض الناس يدخل إلى قلب الحوض ويضعها، وهذا لا يصح، ولابد من الرمي وهو كاسمه، وأن يضعها ويحرص على أن تكون في حوض المرمى وليس في الشاخص المبني، هذه أيضاً مسألة مهمة، وهي الرمي داخل الحوض.
- التوكيل في الرمي لمن لا عذر لهم: وبعض الناس يقول: أنا زوجتي وكلتني، وهي شابة في الثلاثين، وربما كانت أقوى من نصف الحجاج، لماذا يا أخي توكل؟ هذه عبادة، ولا تحتاج للتوكيل، بل تتأخر في الوقت وترمي بعد المغرب، الآن الوقت فيه سعة، وللفتوى المعروفة التي قال بها كل العلماء، ترمي أنت في الوقت المناسب، وتتفرغ في وقت المساء لتكون مع أهلك وزوجك أو أمك، لكن إذا كانت المرأة عجوزاً أو الرجل كبيراً في السن لا يقوى على المشي فلا بأس بأن يوكل، لكن بعض النساء توكل رغم قدرتها، وهذا لا يتناسب مع الحرص على العبادة.
- توكيل غير المحرم: مثل سائق أو من ليس حاجاً فتوكيله بالرمي لا يصلح، فينبغي أن ننتبه.
стр. 985
الأضحية والهدي للحاج
الأضحية هي العمل الثاني من أعمال يوم النحر، وليست واجبة، وإن ضحى يأخذ ثلثاً لنفسه، وثلثاً يهديه، وثلثاً يتصدق به.
هذا السنة، فإن تصدق به كله كما قد يحصل الآن بأن توكل جمعية خيرية فتذبح لك الأضحية فهو جائز.
وأيضاً الهدي بالنسبة للمتمتع: وهو شبيه بالأضحية، أما الفدية التي تكون ناشئة عن خطأ من الأخطاء، أو ترك واجب من الواجبات، أو ارتكاب محظور من المحظورات فهذه كلها لفقراء الحرم، والآن الفتوى توسعت بأن يعطى فقراء الحرم، وما فاض يوزع للمسلمين في البقاع المختلفة.
следующие страницы →