Полный текст (2 691 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.
стр. 911
الأسئلة
стр. 912
أسماء بعض الكتب التي تتحدث عن السيرة
السؤال
نريد ذكر بعض عناوين الكتب التي تتحدث عن سيرة النبي ﷺ ؟
الجواب
الكتب في شأن النبي ﵊ كثيرة، حتى إن أحد المعاصرين ألف كتاباً اسمه: (معجم ما ألف عن رسول الله ﷺ ، ذكر في سبعمائة صفحة آلافاً من كتب السيرة والشمائل والخصائص والمعجزات والدلائل، لكنني أذكر بعض الكتب المتقدمة في شأن حقوق المصطفى وشمائله، وأما الكتب المتأخرة فهي كثيرة، ومن الكتب كتب الشمائل، وهي من أهم الكتب التي تبعث على محبة النبي ﷺ ، يعرف حاله في طعامه وشرابه ومنامه ويقظته، نعرف حلمه وكرمه وجوده وزهده، إلى آخر هذه الكتب الجامعة، ومنها (الأنوار في شمائل النبي المختار) للإمام محيي السنة أبي محمد الحسين بن مسعود البغوي ﵀، وهو كتاب حافل في كل شمائل النبي ﷺ .
وبالمناسبة فإن كتب الشمائل تذكر كثيراً من الأمور الملحقة بالنبي ﷺ ، يذكرون فيها نعل النبي ﵊، ودوابه، وسيوفه، ودروعه، وكل شيء متصل بالنبي ﷺ ، لماذا صنف العلماء ذلك؟ لأن هذا مقام مهم وقدر عظيم لابد أن نعرف قدره وأن ننتبه له.
ومن الكتب الجامعة النافعة في هذا الباب كتاب (الشفا في حقوق النبي المصطفى)، للإمام المحدث العلامة القاضي عياض السبتي اليحصبي ﵀.
ومن الكتب المعاصرة هناك عدة رسائل علمية، والرسائل العلمية فيها مادة دسمة وجيدة، وربما تصلح لبعض طلبة العلم وهي المرادة، ومنها (محبة الرسول ﷺ بين الاتباع والابتداع) لأحد طلبة العلم اسمه: محمد عبد الرءوف، وهناك (حقوق المصطفى ﷺ على أمته في ضوء القرآن والسنة النبوية) وهناك أيضاً (خصائص النبي ﷺ بين الغلو والجفاء).
وهناك كتب أخرى كثيرة، وكتب الشمائل والسيرة كثيرة، وهي أكثر ما ألف في الإسلام قديماً وحديثاً.
стр. 913
قراءة الآيات التي فيها عتاب للنبي ﷺ
السؤال
نرى أن الغلو يبلغ مبلغه، وبعض الغلاة من أهل التصوف يرون أن محبة النبي ﷺ تقتضي عدم تكرير الآيات التي فيها عتاب من الله لرسوله ﵇، مثل: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾ [عبس:١] أو: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ﴾ [التوبة:٤٣]؟
الجواب
من يقبل مثل هذا؟! فهذا قرآن يتلى، والرسول يتلوه ويأمر بتلاوته، والقرآن كلام الله ، فهذا كله لا يمكن أن يقبل.
وأود أن أشير إلى قضية مهمة في الطرفين المذمومين، فبالنسبة لمن يبالغ ويخرج عن حد الاعتدال يسم غيره بقضية خطيرة جداً، وهي الاتهام بعدم المحبة للنبي ﵊، فحينما تقول -والعياذ بالله-: فلان لا يحب الرسول فمعنى ذلك خطير، قد تصل دلالة هذا المعنى إلى أنه قد خرج من الملة والإسلام كله؛ لأنه لا يكون مسلماً من لا يحب رسول الله ﵊، وقد رأيت بعيني وسمعت بأذني من يقول مثل هذا بتدرج يوهم فيه الناس أن هناك فئة من الناس يبغضون -والعياذ بالله- رسول الله ﵊ بحجج واهية، وهذا أمره يطول.
стр. 914
أسماء النبي ﷺ
السؤال
لماذا سمي رسول الله ﷺ أحمد ومصطفى، وهل صحيح أن له أسماء أخرى؟
الجواب
لرسول الله ﵊ أسماء ثبتت بها الأحاديث الصحيحة، وذكرها ﵊ في ألقابه ﷺ .
стр. 915
دوام ذكر النبي جالب لمحبته
السؤال
هل دوام ذكر الرسول ﷺ يجلب محبته؟
الجواب
نعم، وكذلك الصلاة عليه، وزيارة مسجد النبي ﵊، كل هذا يجلب محبته.
стр. 916
حكمة الدعاء للنبي بالأدعية المأثورة
السؤال
لماذا نسأل الله الشفاعة والمقام المحمود لرسول الله ﵊ وقد علمنا مسبقاً أنه يعطاها يوم القيامة؟
الجواب
نحن عندما ندعو بعد الأذان نقول ذلك، لكن السؤال هو: لماذا ندعو للنبي ﷺ بأدعية أخرى مأثورة؟ هذا ذكره العلماء، وذلك أن هذا من فضل رسول الله ﷺ علينا؛ لأنك حينما تدعو للرسول ﷺ وقد أعطاه الله ذلك فأنت لن تفيد بدعائك رسول الله ﷺ ، وإنما تستفيد بهذا الدعاء وتؤجر عليه، والرسول ﷺ لا يحتاج إلى دعائي ودعائك واستغفاري واستغفارك، لذلك ذكر العلماء هذا المعنى، وهو أن الدعاء والثناء على رسول الله ﷺ يؤجر عليه صاحبه.
نسأل الله أن يعظم أجورنا، وأن يلحقنا برسوله ﷺ على خير فيما يحب ويرضى، وأن يجعلنا من أتباع رسول الله ﵊ متمسكين بسنته ومتبعين لهديه؛ إنه ولي ذلك والقادر عليه، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 917
قراءة في دفاتر المذعورين
العداء بين المسلمين والكفار عداء عقائدي لا يمكن تناسيه أو التغافل عنه؛ ولهذا فإن أعداء الإسلام يكيدون له ولأهله ليل نهار، ويستخدمون في كيدهم وحربهم شتى الوسائل والطرق، ولكن كثيراً من المسلمين غافلون عن أعدائهم، بل إن منهم من يوالي الأعداء ويعمل معهم في الكيد للإسلام والمسلمين!
стр. 918
أهمية معرفة خطط وتدبير الأعداء
الحمد لله رب العالمين، الحمد لله على جليل نعمه ووافر عطائه وعظيم كرمه ومنّه ، نحمده جل وعلا كما يليق بجلاله وعظيم سلطانه؛ والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيد الأولين والآخرين نبينا محمد صادق الوعد الأمين، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وعلى صحابته الغر الميامين وعلى من اقتفى أثرهم وسار على نهجهم إلى يوم الدين، وعنا معهم بعفوك وكرمك يا أرحم الراحمين! أما بعد: أيها الإخوة المؤمنون! نحمد الله أن هيأ هذا اللقاء الطيب المبارك، ونسأله جل وعلا أن يجعله في ميزان حسناتنا، وأن يوفقنا فيه لما يحب ويرضى.
قد مضى درسنا الأول بعنوان: النقد والتقويم معالم وضوابط، وهذا هو درسنا الثاني وعنوانه: قراءة في دفاتر المذعورين.
والغرض من ذلك: تصوير قضية مهمة، وتسليط الضوء على أمور لابد للمسلم من أن يعرفها ويقف عليها؛ ليتصحح عنده الفهم، وليكون ذلك عوناً له على العمل فيما يعود عليه وعلى أمته بالنفع والفائدة.
وتتبادر الأسئلة من خلال عنوان الدرس: من هم هؤلاء المذعورون؟ ومن أي شيء يخافون؟ ولماذا تخوفهم من الشيء الذي يعلنون خوفهم منه؟ ومن بعد ذلك: ما هي المبررات والمغالطات التي يعرضونها للناس تخويفاً وتبريراً لما يذكرونه من الأوهام؟ وفي آخر المطاف: توضيح وبيان للحقيقة في ظل وضوء منهج الإسلام.
نقصد بهؤلاء المذعورين صنفين اثنين: أولهما: فريق الأعداء.
والثاني: ربما يصح أن نطلق عليه: عقوق الأبناء؛ لأن مصدر الخوف عند هؤلاء وهؤلاء هو هذا الدين الإسلامي العظيم، ويعبرون عن هذا التخوف في صور شتى ومقالات متعددة، بل في أعمال ضخمة كبيرة تبذل فيها الطاقات المادية والعلمية، وحتى الطاقات العملية التغييرية.
стр. 919
تخوف الكفار من الإسلام
المعْلَم الأول الذي نقف عنده هو: إثبات هذا التخوف، وشواهده من الأقوال والأفعال.
إن الذي يتأمل يجد هذه الصرخات ليست وليدة اليوم ولا وليدة هذا الزمن الذي نحن فيه، وإنما هي قديمة، فإن المتأمل في بدايات النهضة الأوروبية الحديثة في أواخر القرن الماضي ومطالع هذا القرن يجد أنها مع كل تقدم تحرزه ومع كل نصر جزئي تحققه تنبه على خطورة الإسلام، وعلى تخوفها من بعض المقومات الخاصة التي يتمتع بها هذا الدين.
فالذين دخلوا من النصارى إلى بيت المقدس توجه قائدهم إلى قبر صلاح الدين ليقول: هانحن قد عدنا يا صلاح الدين! وكذلك كانت تصريحاتهم في تلك الأيام تدل على أنه لابد أن يكون الإسلام بعيداً عن واقع الحياة بعيداً عن مخالطة القلوب بعيداً عن تصورات العقول بعيداً عن الحكم والسيطرة والتوجيه لحياة المسلمين.
ولكننا نتجاوز تلك المرحلة؛ حتى لا نتحدث عن تاريخ بعيد، وإنما نسلط الضوء على الفترة القريبة التي ربما لا تتجاوز العشر سنوات إلا بزمن يسير.
فنذكر بعض الملامح من النقول التي تبين هذا التخوف بشكل عام؛ ثم من بعد نخصص هذا الحديث في نقاط محددة: هذا أحد الكتاب الغربيين في مجلة (صن داء تلغراف) في عام (١٩٧٨م) يقول: إن مجرد الاكتفاء بمراقبة الانتفاضة الإسلامية في الشرق الأوسط لن يفيدنا بشيء، وإذا لم نبادر إلى مقابلة هذه الانتفاضة بعنف عسكري يفوق عنفها الديني فإننا نكون قد حكمنا على العالم النصراني بمصير مهين يجلبه على نفسه إذا استمر تهاوننا في مواجهة المسلمين المتطرفين! والذي ينظر إلى هذا الحديث مع ربطه بالواقع يتعجب لهذا التخوف! فإن المتحدث يتحدث باسم دول كبرى ودول لها تقدم تكنولوجي وقوة عسكرية وسياسات خارجية؛ وفي المقابل يتحدث عن مجموعات من المسلمين الذين تنبهت عقولهم وتيقظت نفوسهم إلى وجوب تمسكهم بدينهم، وتحققهم بهويتهم، وليس عندهم من المادة -التي هي أحد مداخلات الصراع- أي شيء يذكر! ومع ذلك نجد هذه النبرة القوية المذعورة الخائفة تطالب بعنف عسكري أقوى من العنف الديني، يعني: أقوى من قوة هذه التوجهات المنبثقة عن إيمان صادق وعقيدة قوية راسخة.
وفي صحيفة (الحروزاليم بوست) في عام (١٩٧٨م) يقول سفير إسرائيل في الأمم المتحدة: إننا نشهد اليوم ظاهرة غريبة ومثيرة للاهتمام! وتحمل في ثناياها الشر للمجتمع الغربي بأسره! وهذه الظاهرة هي: عودة الحركات الإسلامية التي تعتبر نفسها عدوة طبيعية لكل ما هو غربي، وتعتبر التعصب ضد اليهود بشكل خاص وضد الأفكار الأخرى بشكل عام فريضة مقدسة.
وهذا أيضاً تصريح له دلالته في التخوف على العالم بأسره من مجرد هذه الأصوات التي بدأت ترتفع وتنادي بالإسلام ليكون مطبقاً في واقع الحياة.
ونلحظ أن التخوف يكون أكثر تخصيصاً في مسألة ربط هذه التوجهات بالواقع المعاصر! فهذه التوجهات ترى أن العداء ضد اليهودية أو ضد أعداء الإسلام فريضة مقدسة، وهذا هو مكمن التخوف الأكبر عندهم في هذا الجانب.
стр. 920
مقالات يهودية تبين تخوفهم من الإسلام
عقدت ندوة نظمها معهد (شلواح) في جامعة تل أبيب، وهذا المعهد يعتبر أكثر المعاهد المتخصصة في دراسات الشرق الأوسط كما يسمى، اجتمعوا في هذه الندوة لدراسة هذه الظاهرة المرعبة المخيفة في تصوراتهم وفيما يرون من آفاقها المستقبلية حسب تحليلاتهم ودراساتهم.
ونقتطف بعض المقالات القصيرة، ولكنها معبرة: يقول أحدهم: ما من قوة تضاهي قوة الإسلام من حيث قدرته على اجتذاب الجماهير؛ فهو يشكل القاعدة الوحيدة للحركة الوطنية الإسلامية.
ويقول الآخر: إن المساجد هي دائماً منبع دعوة الجماهير العربية إلى التمرد على الوجود اليهودي.
وهنا نلمح التخصيص؛ بمعنى: أن القضية ليست كلاماً عاماً، وإنما هو كلام مخصص في بعض الأمور التي هي من صميم هذا الدين.
ويقول ثالث: إن الإسلام قوة سياسية واجتماعية قادرة على توحيد الجماهير وخاصة في الضفة الغربية؛ حيث يقوم علماء الدين المسلمون بمهمة توحيد الصفوف ضد اليهود.
ويقوم الرابع معلناً التخوف في شكل إعلان ظاهري يشكل عنواناً رئيساً فيقول: إن الصحوة الإسلامية الجديدة تزعج الإسرائيليين كثيراً، فإسرائيل تعرف أنه إذا فشلت مبادرات السلام -في ذلك الوقت- مع مصر فإنها ستكون هدفاً للجهاد المقدس.
وهنا أيضاً توضع بعض النقاط على الحروف في نوع من التخصيص ضد بعض الأمور المتصلة بالإسلام.
وكذلك ترجمت جريدة القبس الكويتية نصاً لمقابلة رئيس وزراء العدو الإسرائيلي السابق قال فيها تعقيباً على مواجهات وقمع تعرض له المسلمون الملتزمون بدينهم، فحينما سئل عن هذا الأمر في بعض الديار الإسلامية وعن تصوره له ومعارضته للديمقراطية وللتعايش السلمي قال: إنني قد وافقت على ذلك! ثم قال: وأقنعت المعترضين بأنه يجب عليهم أن يتناسوا التقاليد الديمقراطية حينما يتعلق الأمر بالمسلمين!
стр. 921
مقالات نصرانية تبين تخوفهم من الإسلام
تقدمت بعض الصيحات المذعورة من الجهة اليهودية.
وإذا واصلنا أيضاً فإننا نجد أن القضية أوسع من ذلك؛ فإننا نجدها أيضاً تعم الجانب الآخر، وهو جانب النصرانية، فنجد أيضاً أن التصريحات المعاصرة تدل على هذا التخوف الكبير.
فقد ترجمت صحيفة القبس لقاءات لمجلس الأمن القومي الأمريكي، وبعض المعلومات التي تتوافر عندهم، ومن ذلك: إنه طلب تزويد الإدارة الأمريكية بما يتوافر لديها من معلومات تتعلق بالحركة الإسلامية؛ للاستعانة بها في وضع الخطط الكفيلة بالقضاء على خطرهم قبل فوات الأوان.
وليست القضية في هذا الإطار فقط، وإنما تشمل دائرةً أوسع، كما يصرح أحد الكتاب الغربيين فيقول: إنه لا العالم الغربي ولا الاتحاد السوفيتي يستطيعان أن يرقبا بهدوء هذه اليقظة الإسلامية التي لو أسيء توجيهها من قبل الجماعات المتعصبة لنتج عن ذلك ليس هلاك إسرائيل وحدها فقط وإنما زعزعة استقرار جزء كبير من العالم، ولم تسلم من ذلك لا الحضارة الغربية ولا الحضارة الشيوعية.
فإذاً: تجسيد الخطر وتركيزه يظهر لنا فيه أن الخائفين من هذا الخطر المتوهم أو من هذه الظاهرة الجديدة ليسوا فئةً معينة ولا عقيدةً واحدة، وإنما الكفار أجمعون؛ لأن الكفر ملة واحدة! فكل جانب من جوانب العالم الذي ينطلق من عقيدة أو تصور معين نجد أن هذا الأمر يظهر جلياً في هذه التصريحات كلها.
ثم أيضاً نجد أن هذه التصريحات ترتبط بشكل ظاهر مع التغيرات المهمة في واقع الحياة.
فنجد أن المقالات تبين هذا الجانب؛ فإحدى الكاتبات تصرح بقولها: إن على الغرب أن يدرك أنه أعجز من أن يواجه هذه الصحوة مواجهة عسكرية أو أن يواجهها مواجهة اقتصادية، وإن من الأفضل أن يسالم الغرب الإسلام.
وأستاذ في العلوم السياسية يقول: نتنبأ بأنه خلال الأربعين سنة القادمة سيكون الإسلام الجماهيري قوة أيدلوجية في العالم! بمعنى: أن هذا هو مكمن التخوف؛ ولذلك يبدأ التصريح ضد هذا التخوف فيقول: إذاً: أبيدوا هذه الأشباح التي تنتظر البعث، أسكتوها إلى الأبد.
стр. 922
تركيز الأعداء على تحديد معالم الصراع مع المسلمين وإعدادهم لذلك
هذه الصرخات ليست فقط مجرد تخوف، وإنما هي نوع من تركيز العداء، ونوع من تحديد معالم الصراع مع المسلمين.
وإذا أردنا أن نركز هذا الجانب في غير الأقوال فإننا نجد معلومات خطيرة تبين لنا هذا الجانب، ففي عام (١٩٨٠م) على سبيل المثال عقدت في الجامعات الأمريكية ومراكز الأبحاث المتخصصة بدراسات الشرق الأوسط في خلال عام واحد فقط سبعة عشر مؤتمراً وندوة؛ لتدرس الجوانب المختلفة المتعلقة بالإسلام! ثم في غير ذلك الجانب نجد هناك ما يدل على هذا في وقائع أخرى، منها: انعقد في مركز الدراسات العربية المعاصرة في جامعة (جورج تاون) ندوة عن الإسلام والدراسات العربية لمدة يومين.
وأيضاً جمعية دراسات الشرق الأوسط في مؤتمرها السنوي العشرين والحادي والعشرين في أمريكا خصصت هذين المؤتمرين لدراسة الظاهرة الإسلامية.
وأيضاً جاء تصريح بأن أحد رؤساء مراكز الأبحاث تلقى مبلغاً قدره خمسون ألف دولار من وكالة المخابرات المركزية مقابل تنظيم مؤتمر عالمي عن الإسلام الأصولي.
وعقدت وزارة الخارجية الأمريكية عام (١٩٨٧م) ملخصاً حول الأصولية الإسلامية ووجهات نظر على السياسة الأمريكية.
وأيضاً على مستوى أوروبا عقد مؤتمر أوروبي في لكسمبورج غرضه أيضاً دراسة ظاهرة المد الإسلامي.
стр. 923
تخوف الكفار من انتشار الإسلام في بلاد الكفار
دراسة هؤلاء المذعورين تبين أنهم بالفعل يحددون كثيراً مما يخشون منه؛ فإنهم لم تصب دراساتهم فقط على الظاهرة الإسلامية التي بدأت تنبعث في ديار الإسلام، بل ركزوا الحديث أيضاً عن الإسلام الذي بدأ يتسرب في ديار الغرب وأمريكا والاتحاد السوفيتي وكل مكان في غير موطنه الأصلي كما يمكن أن يسمى؛ وإن كان الإسلام لا موطن له، وإنما هو في كل العالم وفي كل الديار.
فإحدى الصحف السويدية تنشر مقالاً عنوانه: الإسلام يغزو أمريكا، وتقول: إن الإسلام بدأ ينتشر في الولايات المتحدة الأمريكية بسرعة مذهلة، وتقول الصحيفة: إن الأمريكيين -وبالأخص السود منهم- بدءوا يدخلون في الإسلام أفواجاً أفواجاً! كما يلتحق بهم أيضاً المهاجرون إلى أمريكا من شرق آسيا والشرق الأقصى.
وأضافت عن إحصائيات رسمية قدمها مركز إعلام الاتحاد المسيحي في بريطانيا: بأن معدل بناء المساجد في أمريكا هو مسجد واحد في كل أسبوع.
ولك أن تتخيل مدى الرعب الذي يمكن أن يستولي على أعداء الإسلام حينما تكون هذه الإحصائيات صادرة عن مراكز متخصصة من بينهم أنفسهم.
وحينما يقال: مسجد في كل أسبوع، ليس المقصود أن المساجد مثل هذه، وإنما قد تكون شقة صغيرة أو صالة صغيرة تشكل مسجداً؛ وهذا في حد ذاته يثير الرعب عندهم! أيضاً: ذكرت صحيفة إيطالية عن مندوب لها في القدس المحتلة أنباء ندوة عقدت في معهد في إسرائيل تحت عنوان: الاتحاد السوفيتي وجورباتشوف وإسرائيل واليهود، ونسبت إلى مدير وزارة الخارجية السابق القول: إن الإسلام عدو مشترك لإسرائيل والاتحاد السوفيتي.
وكيف يكون عدواً مشتركاً؟ في هذا إشارة إلى احتفاظ أعداد كبيرة من المسلمين تقدر بأكثر من خمسين مليون مسلم بعقيدتهم وإسلامهم، وبدء تحرك هذا الإيمان الكامن في قلوبهم؛ ليظهر بصورة جلية في بعض الظواهر التي اكتشفت أو التي ظهرت مؤخراً، كما نعلم من تداعي الأحداث وتتابعها.
يقول الكاتب: لأول مرة في تاريخ الاتحاد السوفيتي وإسرائيل يجدان عدواً مشتركاً هو الأصولية الإسلامية! وهذا قد يتحول إلى نقطة حاسمة في العلاقات بين البلدين.
وهذا الكلام كان قديماً، وأظن أن النقطة الحاسمة التي كان يتنبأ بها الكاتب قد حصلت كما هو معلوم.
وأيضاً في فرنسا أصبحت المقالات مكثفة بشكل عجيب حول الظاهرة الإسلامية في المجتمع الفرنسي.
ونعلم القصص البسيطة التي ذكرت، مثل: قصة الحجاب لبعض الفتيات المغربيات المسلمات في المدارس الفرنسية، ونعرف أيضاً قصصاً أخرى.
ونذكر هنا أن وزير الخارجية الفرنسي السابق أصدر أوامره إلى كبار موظفي الوزارة لإعداد تقرير عن فرنسا ذات الألف مسجد أو الألف مئذنة، على أن يحوي كافة التفاصيل عن تأثير الأصوليين الإسلاميين.
والمجلات في فرنسا الآن أغلب المقالات المنشورة عن الإسلام تنشر بعنوان: (فرنسا الألف مئذنة) أو (فرنسا الإسلام القادم) وأحد الكتاب ألف كتاباً كاملاً أسماه (فرنسا ضاحية الإسلام).
وإذا كنا نرى المجتمع الغربي الذي إلى الآن الزائر له لا يرى هذه الظاهرة بذلك الشكل، إلا أن التخوف يملأ القلوب، ويسيطر على العقول، ويفكر في المستقبل، ويحلل الظواهر تحليلاً دقيقاً يعيدها إلى أصولها ومبادئها التي تتحكم في مساراتها، وأعطي هذا التخوف عندهم حجماً كبيراً جداً أكثر مما نتصور نحن، بل ربما يظن البعض أن القوم عندهم مبالغات، وما في نظرهم إلا أنهم يتنبئون بما يرون أن الحقائق تؤدي إليه.
لذلك يقول جيل كيبل في كتابه: "فرنسا ضاحية الإسلام": إن هذه الانفجارة الكبرى في تأكيد الهوية الإسلامية خلال ما يقل عن العقدين الأخيرين تمثل مشكلة تواجه المجتمع الفرنسي لم يسبق له مواجهة مثيل لها من قبل.
أي: مطلقاً.
وهذا الأمر واضح في كثير من النصوص التي تبين لنا هذا المجال.
стр. 924
خطر المنافقين الموالين للكفار على الإسلام والمسلمين
تقدم ذكر فريق الأعداء، والآن نذكر فريق العاقين من الأبناء؛ الذين هم -للأسف- كما قيل: أعلمه الرماية كل يوم فلما اشتد ساعده رماني وغالب هؤلاء تربوا في أحضان الغرب، أو تأثروا تأثراً انهزامياً بحضارة الغرب وفكر الغرب، وانسلخوا ضمنياً في واقع حياتهم بشكل ظاهر عن الإسلام، وانسلخوا في واقع أفكارهم بشكل متستر عن واقع هذا الدين، فلذلك نجدهم يكررون نفس الصيحات، ولكن -للأسف- بشكل أعمق.
وهم أكثر خطراً بالنسبة للمسلمين، مما يسبب الحزن والأسى بشكل أكبر؛ وذلك ناشئ لأنهم يتكلمون بألسنتنا، وهم من جلدتنا، كما أخبر النبي ﷺ ، وكما قال الشاعر: وظلم ذوي القربى أشد مضاضة على النفس من وقع الحسام المهند هؤلاء كانوا في وقت مضى يسيرون مع التيار الغالب الذي كان يغطي على حقائق الإسلام، والذي كان يحكم بقوته وغلبته على عقول وقلوب الناس في أوائل هذا القرن الذي شهد انبهار المسلمين بالغرب والذي شهد الانكسار العسكري للمسلمين في ظل الاستعمار الأوروبي أو الغربي، والذي شهد في ذات الوقت الضعف العلمي في الحياة الثقافية العلمية الإسلامية.
وفي ذلك الوقت كان هؤلاء القوم يعلنون عداءهم السافر للإسلام، ولا يجدون غضاضة في ذلك.
وأيضاً: كانوا يشكلون بصورة عملية: التوافق المباشر والتطابق الضمني بل والمشاركة العملية في تغييب الإسلام عن واقع المسلمين وعن واقع المجتمع المسلم.
وهم يعلنون هذا الأمر بصورة -وللأسف- أشد قبحاً، وأكثر بعداً عن الحق، وأكثر جرأة على الحق من الكفرة ومن الأعداء الحقيقيين.
стр. 925
بعض النقول التي تبين حقد المنافقين على الإسلام والمسلمين
وها نحن نستعرض نقولاً سريعة؛ لنخلص إلى حقيقة الموضوع، وربما لا نذكر بعض الأسماء، وقد نذكر بعضها بحسب ما يقتضيه المقام: فهذا أحدهم يقول: هذه هي النتيجة بالضبط التي يريدها المسلمون أو هذه الجماعات المسلمة، وهي نتيجة معلنة بالسلاح في المساجد والشوارع والمعاهد؛ حيث تقام محاكم التفتيش الإسلامية جهراً، وتصدر أحكامها، وتنفذ حرق محلات الفيديو، وجلد الرجل الذي يمشي مع زوجته أو أخته، وتحطيم خشبات المسارح ودور السينما، وعندما لا يجد القاضي الذي يطارد المفسدين أو أحد المفسدين سوى القانون أو الدولة فإنه يستقيل من منصبه؛ ليؤلف كتاباً عنوانه (مقدمة في فقه الجاهلية المعاصرة)! وهو يقصد أشخاصاً بأعيانهم، لكن الذي يحلل هذا النص يجد أنه يريد أن يثير الرعب في نفوس الناس من الإسلام، وأن يصوره بصورة مرعبة وبعيدة عن الناحية العلمية التي يدعيها أمثال هؤلاء، وبعيدة عن الواقع الذي يشهد في كل موقف من مواقفه وحدث من أحداثه بغير كلام هؤلاء.
وهم بهذا الكلام يخفون الأمور الخاصة بهم التي يخشون من ضياعها منهم.
ويقول مرة أخرى: إن نجاح الجماعات الإسلامية في الاستيلاء على الاتحادات الطلابية ونوادي أعضاء هيئة التدريس فرض إرهاباً فكرياً يومياً على الأساتذة والطلاب، فأصبح من الممكن استبعاد نصوص لبعض كبار الأدباء، كـ توفيق الحكيم ونجيب محفوظ إلى آخره.
ثم يقول: إن تغييراً جزئياً ونسبياً في برامج التدريس ومناهجه في مصلحة الأفكار الدينية أصبح يهدد الأمن التعليمي والنظام التعليمي! الإنسان حينما يفكر يرى أن السابقين -وإن كانوا من الأعداء- كانوا أكثر منطقية، وكانوا أكثر واقعية في عرض الصورة، وكانوا معتمدين على دراسات وعلى إحصاءات، وعلى أمور دقيقة، وليس على مجرد التهويش أو مجرد حصول فرصة للهذيان أمثال هؤلاء الذين يكتبون وينشر لهم، أو يتحدثون ويذاع لهم، أو يتولون السلطة في مواقع معينة فيمارسون بالفعل ما يقولونه بأفواههم.
ومثل هذا كثير؛ فأحدهم يقول: ونبحث دائماً عن المستفيد -يعني: في الدعوة إلى الإسلام- فأنا أقول: إن المستفيد من الإسلام ومن الاستيلاء على الحكم في مصر باسم الدين -وهو يمثل كلاماً عن دولة بعينها باسم الدين- وانتقال هذا الحكم المستبد تحت راية الإسلام إلى أخرى في المنطقة هم من يتصورون ويصورون أن الحكم الديني هو خط الدفاع لمواجهة الشيوعية، فالمستفيد -إذاً- هو من يروج الآن لنوع من الرأسمالية تحت حماية دينية، وهو نوع طفيلي غير منتج برءوس أموال مستوردة.
وهذا يخرج عن دائرة التحذير إلى دائرة الخصومة الشخصية! ولذلك يقول في التخويف من وجود النظام والحكم الإسلامي الذي فيه الخير كله: إن ذلك من شأنه عودة مصر والمنطقة كلها مئات السنين إلى الخلف! وهذه القضية يشوه ويخوف بها أمثال هؤلاء في هذه القضايا، وبعض هذه الصيحات تدخل في قضية أو في جزء من الناحية المنهجية في طبيعة عرضهم لهذا الاتجاه أو لهذا الأمر.
ثم نذكر أيضاً بعض هذه النصوص حتى ننهي الحديث عنها؛ لننتقل إلى قضية أخرى.
يقول هذا الرجل تأكيداً على أن القضية متعلقة ببعض الأمور: إذا حكم الإسلام وأردنا أن نتصور أن الإسلام لابد أن يحكم وأن يكون هو الموجه للأدب وللفن ولربط العلاقات الاجتماعية وإلى غير ذلك يقول: إذاً: من الذي سيحكم على البرامج والأفلام وكذا بأنها مؤمنة أو كافرة؟ إنهم بشر سوف يؤولون كل شيء حسب معتقداتهم السياسية ومصالحهم الاجتماعية تحت ستار الالتزام الإعلامي الرسمي من جانب الدولة بحكم أن الدولة أو أن الأمة أو المجتمع المسلم لابد أن يحكم بالإسلام.
يقول: وهذه كلها عدوان صريح على ما يؤكده الدستور من حرية الفكر والتعبير والاعتقاد! وهذا الأمر يؤكد أنهم يقصدون جوانب معينة، وهذه الجوانب يراد بها أفكاراً، ويراد بها أعمالاً، ويراد بها ممارسات منحرفة عن الدين، وحينما يظهر الدين الحق والرأي الصادق الصحيح للإسلام سوف تكون هذه الأمور خارج الأقواس وخارج التأييد، لذلك يكثرون من الحديث حولها.
ولذلك يقولون: إن هذه الأعمال ستصادر الأعمال الفكرية والعقلية الكبيرة، وذكروا أمثلة: مثل (مع الشعر الجاهلي) لـ طه حسين و (في الحكم) لـ علي عبد الرزاق و (الفتوحات المكية) لـ ابن عربي و (أولاد حارتنا) لـ نجيب محفوظ وغيرها من الكتب التي تمس بصورة مباشرة عقيدة ونظام الإسلام، ولذلك لم يكن لها مكان عند المسلمين، وحينما بدأ هذا الدين يحيا في قلوب الناس بدأ التخوف من هذه الظاهرة، وللأسف! يعلن ذلك بألسنة عربية وبأسماء إسلامية! إذاً: هذا هو الجانب الأول، وهي: صيحات الرعب أو التخوف على صورتها الأولى والمبسطة.
стр. 926
الجوانب التي تخوف الكفار والمنافقين من الإسلام
النقطة الثانية: ما هي الجوانب التي تجعل هؤلاء يتخوفون أو يعلنون الرعب والخوف من هذا الإسلام ومن هؤلاء المسلمين؟ إن المتأمل في هذا الطرح يجد أن هناك ثلاثة أمور هي موضع الجدل والنقاش، وهي موضع التخوف الأكبر، وهذه الأمور الثلاثة هي من صميم هذا الدين، ولكنها كانت في أوائل هذا القرن غائبة أو ضعيفة الصوت، ولما بدأ صوتها يظهر وصورتها تتضح كان التركيز عليها أكثر، وهذه النقاط الثلاث هي: تطبيق الشريعة الإسلامية، وصلة الإسلام بالواقع والعمل السياسي، ومبدأ الجهاد في الإسلام.
ولا ترى أحداً من هؤلاء إلا وهو يتطرق إلى هذه الجوانب الثلاثة إما كلها وإما بعضها على وجه الانفراد، أما ما عدا ذلك من الدوائر الأخرى فإنها لا تثار كدائرة العبادات المحضة، بمعنى: العبادات التي يراد أن تكون منفصلة عن واقع حياة الناس، أو جانب الأخلاقيات التي يرى أيضاً بأنها عبارة عن نوع من التعامل الحضاري ونوع من العلاقات الإنسانية، وكذلك الجانب الثالث الذي يسلم بعض هؤلاء به وهو: جانب حكم الشريعة فيما يسمى بالأحوال الشخصية كالطلاق والزواج، فمثل هذه لا تثار؛ بل تستخدم لتكون هي صورة الإسلام وحقيقته الكاملة، وأما ما وراء ذلك من هذه الأمور الثلاثة التي أشرت إليها في ناحية تطبيق الشريعة أو التعامل الإسلامي مع السياسة أو مبدأ الجهاد الإسلامي؛ فإن هذه الثلاثة يراد لها أن تكون بعيدة عن الواقع في حياة المسلمين.
ولذلك نقف عند كل جانب من هذه الجوانب وقفات متأنية ومختصرة، ولكنها -إن شاء الله- مركزة ونافعة.
стр. 927
تخوف أعداء الله من قيام حكم الإسلام
الجانب الأول: الجانب السياسي الذي جاء أصلاً في كتاب الله كقواعد عامة وكأحكام تشريعية تفصيلية في بعض الأحوال، وجاء أيضاً كأقوال وتطبيقات في حياة النبي ﷺ ، وجاء بعد ذلك امتداداً تاريخياً طويلاً عبر قرون كثيرة، كل هذا يراد أن يلغى، ونجد التحريف والتحوير فيه.
لكن يهمنا أن نخوض أولاً مع هذا الخلل في التفكير، ومع هذا الانحراف في التصور؛ لنبين كيف يعرى الإسلام من هذه الجوانب على وجه الخصوص؛ لغرض إبقائه في دائرة الضعف التي تسهل السيطرة عليها، ويسهل تهميش دوره في واقع الحياة، وبعد ذلك ستكون وقفتنا مع الرد على مثل هذه القضايا أو الانحرافات.
فأحدهم يقول: الإسلام لم يفرض نظاماً إسلامياً مفصلاً، والخلافة ليست نظاماً محدد المعالم! ومن العجيب أن يستشهد هذا وأمثاله بقول أبي بكر ﵁: (إني قد وليت عليكم ولست بخيركم، فإن رأيتموني على خير فأعينوني، وإن أخطأت فقوموني)، وأيضاً بقول عمر ﵁ المشابه لهذا القول.
قالوا: هذا إعلان من أبي بكر ومن عمر أنهم سيجتهدون، وأنه ليس عندهم إلا مراعاة المصلحة وتحقيق الأهداف القومية أو الوطنية -كما يدعون- وبالتالي فإنهم يعلنون للناس أن يشاركوا معهم مشاركة سياسية في النقد والتقويم، وليس هناك شيء من عند الله، وليس هناك منهج للحكم في هذا الدين، وليس هناك حدود لا يجوز تجاوزها، وليس هناك نظام يعتبر الالتزام به ديناً يدين المسلم به لله .
بل أغرب أحدهم إغراباً عجيباً وجاء بجهل فاضح حينما قال: إن أول العلمانيين -عياذاً بالله- هو عمر بن الخطاب ﵁؛ لأنه حوّر الحكم الإسلامي، وجاء بمستحدثات بناءً على المصلحة، وليست هي منصوصة في الدين، فهو أخذ الجانب المدني وأسس الحياة، ووضع لبنة الحياة المدنية من منطلق عصري يتابع المتغيرات ويرعى المصالح، وليس له بالدين صلة ولا نسب.
ويقول أيضاً: ورأي آخر نرفضه كذلك يرى أن للإسلام نظاماً في الحكم مفصل المعالم متميز القسمات أقامه النبي ﷺ ، وألزم المسلمين من بعده بإقامته، وأنهم أقاموه بالفعل أيام الخلافة الراشدة قبل أن تتحول إلى ملك عضوض، وأن على المسلمين أن يرفضوا كل ما حولهم من أنظمة الحكم والسياسة، وأن ينحوها عن مقاعد السلطة والرئاسة؛ ليضعوا النظام الإسلامي على رأس دولتهم الجديدة.
ثم يقول: هذا الكلام مرفوض وغير مقبول! ويقصد: أنه غير مقبول من الناحية العلمية، كما يدعي هو وغيره.
ومثل هذا الدكتور محمد خلف الله الذي كتب كتابات كثيرة في قضايا تمس أصل هذا الدين والاعتقاد بالله وبالقرآن وبالسنة، وكان قد أثار موجة كبيرة من سخط الغيورين على هذا الدين، فإنه يؤكد هذا الجانب أيضاً فيقول: نظام الحكم في الإسلام نظام مصدره الاجتهاد وليس النص، وما جاء عن اجتهاد يمكن أن يستبدل باجتهاد آخر! ولاحظ أن القضية يراد أن تقرر؛ حتى يكون هناك مجال للمدخل على هذا الحكم أو النظام الإسلامي.
فإذا قلنا: إنه حكم ونظام من عند الله فإن القضية تبقى أنه ليس لأحد من البشر أن يغير، ولكن إذا قلنا: إنه اجتهاد فهنا يفتح الباب على مصراعيه للتغيير والتحوير، بل للمخالفة الصريحة لهذا الدين! فلذلك يقول: إن النظام مصدره الاجتهاد وليس النص، وما جاء عن اجتهاد يمكن أن يستبدل باجتهاد آخر؛ حتى يأتي الاجتهاد الجديد بما يحقق المصلحة، والجماعات الدينية يجب أن تترك هذه القضية؛ لتكون محل اجتهاد جديد! ويقول: إن الفكر السياسي في نظام الحكم هو فكر بشري خالص، وتستطيع المؤسسات العلمية مثل كليات العلوم السياسية أن تجتهد فيه؛ إذاً: فليس للدين شأن أو حكم أو قول فصل في هذا الميدان وهذا المجال.
أيضاً: يكرس أحدهم نفس الفكرة بقوله: نحن مطالبون بأن نكون متبعين للرسول ﷺ بالتزام سنته التشريعية -أي: تفسير القرآن- لأنها دين، أما سنته غير التشريعية -ومنها تصرفاته في السياسة والحرب والسلم والمال والاجتماع والقضاء ومثلها وما شابهها من أمور الدنيا- فإن اقتداءنا به يتحقق بالتزام المعيار الذي حكم تصرفه، وهو بقاء الدولة، فقد كان يحكم فيها على النحو الذي يحقق المصلحة للأمة، فإذا حكمنا بما يحقق المصلحة للأمة كنا مقتدين بالرسول ﷺ حتى -وانظر هذا الكلام العجيب الغريب التناقض- ولو خالفت نظمنا وقوانيننا ما روي عنه ﷺ في السياسة من أحاديث؛ لأن المصلحة بطبيعتها متغيرة ومتطورة! إذاً: المسألة عنده تقتضي أننا لا نلتزم، وأن التزام السنة واتباع الرسول وتعظيمه إنما هو التزام بالسنة التشريعية التي هي -كما يدعي- تفسير القرآن، وإن كان تفسير القرآن في ذاته يرد على مثل هذه الفرية.
وليته عدد بعض الشئون البسيطة وإنما عدد كل الأمور: السياسة والحرب والسلم والمال والاجتماع والقضاء وما شابهها وما يماثلها.
إذاً: كل شيء -ما عدا ركعات الصلاة وفرضية الزكاة والحج- يجوز تبديله، وانتهى الأمر إلى هذه الغاية الضيقة المحدودة التي تعارض أصل هذا الدين! وهناك تشويهات سنعرض لها بعد ذلك.
والكتابات في هذا الجانب كبيرة وكثيرة جداً، بل نجد أن التركيز في كتابات من يطلق عليهم المفكرون أو المنظرون أو المستنيرون كلها بلا استثناء صبت في هذا الجانب، وتخصصت فيه، مما يدل على حرب هؤلاء لهذا الدين، وعلى عمالتهم لأعدائه.
في الفترات الماضية كانوا هم المفكرين، وكانوا هم المنظرين، وكانوا هم المستنيرين، ولكن ما كانوا يتعرضون لهذه القضايا بهذا التركيز، لكن لما تقدمهم في ذلك أئمتهم وأسيادهم وأوعزوا إليهم ساروا على نفس الخطى، ومضوا في ذاك الركاب، ينعقون بما لا يعرفون، ويهرفون ويخرفون كما سيظهر لنا من بعض أقوالهم.
ونستطيع أن نقول: إنه تولى كبر هذه القضايا بعض الكتب التي ركزت هجومها على هذه الأمور الثلاثة؛ وهي أمور مهمة من صميم هذا الدين، فهناك كتاب: (قبل السقوط) لـ فرج فودة، وهناك كتاب: (الحركة الإسلامية بين الوهم والحقيقة)، وهناك كتاب: (بين الفقه والشريعة والقانون)، هذه الكتب كلها صبت في هذا الجانب في حرب الإسلام.
стр. 928
تخوف أعداء الله من تطبيق الشريعة الإسلامية
الجانب الثاني: جانب الشريعة وتطبيقها، وهو جانب له ملامسة إلى حد ما بالجانب الأول، لكن الجانب الأول هو أعم.
يدّعي المنافقون أنه لا صلة مطلقاً للإسلام بالسياسة في أي جانب من الجوانب، وهذا الجانب الثاني هو نوع من التخصيص إلى أعلى المطالب، أو إلى أعلى الصور التي يمثلها تفاعل الإسلام مع السياسة، وهو أن ترقى إلى أن تطبق شريعة الله ، وأن تحكم أوضاع هذه الحياة.
ومن العجيب أننا نجد أن هؤلاء القوم يخلطون في ذلك خلطاً عجيباً! ومن ذلك: أن خلف الله يقول: إن القرآن الكريم كان يلفت ذهن النبي ﷺ أنه ليس على الناس بوكيل أو مسيطر أو جبار أو ما إلى ذلك من كل ما هو من شئون الحكم والرئاسة، وعلى أساس من هذا كان القرآن الكريم يطلب إليه أن يترك أمر عقاب الناس على مخالفتهم لتعاليم الله إلى الله نفسه! وطبعاً تجد أمثال هؤلاء ينصبون أنفسهم مفسرين للقرآن، وشارحين للسنة، بل حتى متكلمين على صحة الأحاديث وضعفها!! فأحدهم يستشهد لإبطال الجهاد بالحديث الضعيف: (جئنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر)، ثم حينما يأتي إلى بعض الأحاديث الآمرة بالجهاد يقول: وهذا الحديث ليس من الأحاديث الصحيحة التي يعتمد عليها! وهذا نوع من الافتراء والتجرؤ في هذا الجانب.
نجد محمد عمارة يقول: إن أحداً لن يستطيع الزعم بأن الشريعة يمكن أن تثبت عند ما قرره نبي العصر! يعني: أن الشريعة التي كانت على عهد محمد ﷺ من المستحيل أن يزعم أحد أنها تثبت إلى هذا العصر، ويمكن أن تطبق في هذا الزمن.
ويقول أحمد كمال أبو مجد: ويسرف البعض في تصوير تميز الإسلام عقيدة وشريعة عن كل ما عداه، ويتصور لذلك أن تطبيق الشريعة يعني أولاً سقوط كل التشريعات الوضعية المطبقة في بلاد المسلمين، وإقامة نظام جديد تماماً على أسس اعتقادية وأخلاقية جديدة، وهذا وهم.
وهو لا يقول: إنه ليس هناك صلة بين الإسلام وتطبيق الشريعة أو بين تطبيق الشريعة وواقع الحياة، لكن يصوغها بصورة تفرغها من محتواها فيقول: إن دين الإسلام بصفة خاصة يمتد اختصاصه إلى جميع جوانب الحياة الفردية والجماعية للمؤمنين به.
وهذه المقدمة تغريك بأن الرجل يتوافق مع حقيقة هذا الدين، يعني: أنه يشمل كل مظاهر الحياة، لكنه يقول: ولكنه امتداد عناية ورعاية وتوجيه، وليس بالضرورة أن يكون امتداده امتداد اختصاص وتدخل مباشر بالتنظيم وتقديم الحلول النهائية الثابتة! وما معنى أن يكون امتداد الإسلام هو امتداد رعاية وتوجيه؟ يعني: أن الإسلام يقول لك: أحسن في معاملتك، ويقول للمسلم: أنت ينبغي أن تكون مثالاً للتسامح، وأنت ينبغي أن تكون رمزاً للسلام؛ هذا معنى أنه يدخل في نطاق الحياة الاجتماعية والسياسة، ولكن في ظل رعاية وتوجيه عام، وليس في ظل امتداد نظام محدد وأحكام مشروعة.
ولذلك يتضح هذا الأمر جلياً عند هؤلاء القوم، إما بصراحة سافرة وإما بالتفاف حول الأمر من غير أن يكون هناك بعد أو من غير أن يكون هناك اختلاف في حقيقة المضمون.
والشريعة يصورونها أننا بعد تطبيقها سنجد نصف المجتمع مقطعي الأيدي، وثلة منهم مرجومين، وبعضهم مجلودين، وغير ذلك! والذي يتصور هذا في الحقيقة إنما يثبت التهمة على نفسه؛ لأن الإسلام لا يقطع إلا يد السارق، ولا يجلد ولا يرجم إلا الزاني، ولا يجلد إلا شارب الخمر، فالذي يتصور أن المجتمع سيتحول إلى مشوهين وذوي عاهات فإنه يحكم على المجتمع الذي يعيش فيه بأنهم شاربو الخمور، وأنهم زناة، وأنهم سارقون، وأنهم وأنهم؛ لأن الإسلام ما جاء بهذه العقوبات إلا في هذا الجانب.
يقول خلف الله -وهو أكثرهم جنوحاً عن الحق وأكثرهم أقوالاً كفرية-: إن خروج المعاملات من نطاق الشرع إلى نطاق القانون قد حقق لها ألواناً من الحرية والانطلاق لم يكن لنا بها عهد من قبل! يعني: أن هذه الأنظمة في المعاملات لما خرجت عن نظام الإسلام تطورت، وأصبح لها مرونة وحرية، وقدمت بشكل جيد وحسن، ولذلك يقول: إن الشريعة كانت -والعياذ بالله- تعوق الإنسان عن الغوص في ميادين الفضاء والأجواء وميادين البحار! وأيضاً نجد أن هذه القضية تتصور في أمور أخرى حينما نجد أن الأمر يغتال قضية التاريخ الإسلامي؛ لأن التاريخ الإسلامي يمثل تطبيق الشريعة في معظم فترات التاريخ، كما سيأتي الحديث عنه.
لكننا نجد أن هؤلاء يصورون القضية تصويراً آخر؛ فيجعلون النظام والحكم للإسلام الذي طبق أو الشريعة التي طبقت إنما كانت صورة من صور الجمود، وصوراً من صور التخلف.
يقول محمد جابر الأنصاري: إن هذا المجتمع العربي المتحضر اقتحمته الموجة الرعوية العثمانية القادمة من سهول آسيا الصغرى بالغزو المباشر، فقطعت استمراريته الحضارية ونموه الاقتصادي والإنتاجي، كما فعلت الموجة التركية الأولى في عهد المعتصم بالمجتمع العربي.
لذلك القضية التي ينبغي للمسلمين التنبه لها هي: أن حكم الخلافة وأن حكم التشريع الإسلامي كان نعمة وخيراً ووحدة للأمة، وهذه القضية المهمة تواجه هذا العداء لهذا الغرض! ولذلك هذا الكاتب يتعجب من المحاولات العجيبة التي تحاول إعادة الاعتبار للتاريخ العثماني ولتاريخ السلاطين الأتراك في العالم العربي الإسلامي؛ باعتبارهم رموزاً للجامعة الإسلامية وللكيان الإسلامي الواحد، وهذا المنحنى التاريخي الجديد للثقافة العربية الإسلامية المعاصرة مرده إلى إخفاق في الحركات القومية والتقدمية التي ثارت على الخلافة العثمانية.
وشاهد الحال أننا نجد أن أمثال هؤلاء يركزون على قضية مهمة، وهي: أن تطبيق الشريعة سيأتي بقضيتين خطيرتين لا وجود لهما في الواقع، والقضية الأولى ذكرناها وهي: إقامة الحدود، والقضية الثانية ما يسمونه بإقامة النعرات الدينية أو الفتنة الطائفية بين المسلمين وغير المسلمين.
وعلى هاتين النقطتين يقوم أساس حديثهم، والكلام الذي يخوضون فيه في هذا الجانب.
وخلاصة القول: أنهم يريدون من هذه القضية أن يبعدوا الإسلام عن التطبيق؛ وذلك من خلال جوانب ثلاثة: الأول: أن قضية التشريع ليست محددة المعالم، وليست مطلوبة بشكل ديني.
الثاني: أن هذه الشريعة فيها من الأمور التي كانت تناسب العصر في وقت مضى، ولكنها لا تناسب في عصور أخرى.
الثالث: أن تطبيقها يؤدي إلى سلبيات وإلى مخاطر يصورونها للناس في هذا الجانب.
стр. 929
تخوف أعداء الله من الجهاد في سبيل الله
الجانب الثالث: جانب الجهاد، وهو أحد معالم هذا الدين، بل عده بعض العلماء الركن السادس من أركان الإسلام تأكيداً على أهميته.
ونظراً لاقتران الحياة الإسلامية التي بدأت تعود إلى المجتمعات المسلمة بشمول هذا الدين وبقواه الفاعلة كان لها ارتباط بهذا المبدأ وبهذا الفرض الكفائي الذي ينتقل أحياناً إلى أن يكون عينياً، فلذلك كان التركيز على هذا الأمر وتشويهه والالتفاف حول قضاياه بشكل أو بآخر، فتجد أن هذا المبدأ الذي قام أو يقوم على أساس ديني وعلى أساس فيه حماية لهذا الدين ونشر له يحور في حس هؤلاء بطريقة ملتفة أحياناً وواضحة أحياناً أخرى.
فأحدهم يقول: فلا الحرب التي سميت بحرب الردة كانت دينية، ولا حرب علي ﵁ مع خصومه كانت دينية؛ لأنها كانت حروباً في سبيل الأمر -أي: الرئاسة والخلافة والإمامة- وهذه تعتبر طبيعة سياسية ومدنية، ومن ثمَّ كانت الحرب التي نشبت لأجلها سياسية ومدنية هي الأخرى، وليس لها أي مبدأ من مبادئ الإسلام.
ويصور هذا الكاتب التحليل التاريخي للجهاد أنه لم يستقر على مبدأ ديني ثابت ومطلق، وإنما يقول: إن النبي ﷺ نشأ في بيئة قريش، وكفار قريش كانوا متطرفين في العداء ضد الإسلام، وأمر النبي ﷺ بأن يصبر، وأن يتلافى الصدام مع قريش في ذلك الوقت، ثم لما انتقل النبي ﵊ إلى المدينة نزل قول الله : ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ * الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾ [الحج:٣٩ - ٤٠]، فيأتي هذا المحلل لمثل هذه الآية ويقول: الجهاد على مقتضى هاتين الآيتين ليس حرباً مقدسة مطلقة غير مشروطة، وإنما هي حرب مقيدة مشروطة، فهي تحدد السبب، وتشير إلى الأعداء، وتضع ضوابط، وتسن الأخلاقيات! ثم ينطلق ليحلل باقي الفترات التاريخية والجهاد الإسلامي فيقول: من الخطأ أن نعتبر أن قتال الدولة الأموية التي توسعت بعد الخلافة الراشدة كان جهاداً إسلامياً، بل كان عبارة عن توسع سياسي وسيطرة في ظل وجود قوة داخلية، إذا ما كان هناك استثمار لها في الحروب يمكن أن تبدل مشاكل داخلية! ويقول: الدولة الأموية كان فيها معارضة سياسية، وكان فيها نعرات تواجه القومية العربية -كما تسمى- وبالتالي كان من الحنكة السياسية التي تجمع بين أمرين تفريغ هذه المشكلات إلى الخارج، واكتشاف مناطق نفوذ أخرى.
إذاً: ستتوجه هذه الكوادر والتفاعلات إلى القتال باسم الجهاد، وباسم الدين؛ حتى يصرفوا هؤلاء الناس عن معارضة الدولة إذا صح التعبير! أي: أن هذا الجهاد الذي كان في الفترة الأموية لم يكن جهاداً إسلامياً، ولم يكن فيه شهداء، ولم يكن فيه أي شيء من هذه الأشياء التي تغرينا.
بل قاموا باستعراض بقية فترات التاريخ التي تتضح فيها هذه الناحية، وأظهر شيء يتحدثون عنه هو الخلافة العثمانية وما كان من شأنها وتوسعها.
ثم ليس هذا فحسب، بل حتى الجهاد والحرب ضد أهل الكتاب أيضاً يفسر تفسيرات أخرى، فنجد أن الآيات القرآنية الصريحة الواضحة في الأمر بالجهاد تحور لتكون ذات أهداف محدودة.
فهذا العشماوي يقول: الجهاد أو الحرب المقدسة بصريح نصوص القرآن وصحيح الواقع الإسلامي هو: دفاع عن النفس لرد عدوان أو صد أذى؛ فهو لا يكون على الإطلاق ابتداءً بالعدوان، كما لا يكون فقط مبادرة بالإيذاء، وإنما على قدر ما يكون العدوان يكون الرد، وعلى نحو ما يكون الإيذاء يكون الأذى.
أي: أنه يلتزم بضوابط الدفاع، فلا يزيد عما يكفي لرد العدوان، وبهذا المعنى يكون الجهاد أسلوباً كريماً وباعثاً قوياً ودافعاً سامياً للارتقاء بالذات، والسمو بالنفس، والعلو بالروح! أي: أنه جعل الجهاد المذكور في النصوص عبارة عن جهاد النفس، وأما النصوص الأخرى فإنما تعني فقط الحالات التي كان فيها عداء معين يقتضيه الواقع السياسي الذي كان في ذلك الجانب.
ثم يقول: إن المعنى السليم للجهاد فسر خطأً من جانب بعض الفقهاء، وحرف عمداً من جانب بعض السلطات في التاريخ الإسلامي؛ فبعض الفقهاء الذين أثروا على العقل الإسلامي يقولون: إن الصلة بين الإسلام وغيره من الدول والمجتمعات هي الحرب دائماً، وأن السلم ليس إلا هدنة مؤقتة ريثما يتهيأ المسلمون للحرب.
وزاد البعض أنه من غير الجائز لإمام المسلمين أن يتعاقد على سلم دائم مع بلد من بلاد الحرب؛ لأن في مثل هذا السلم إلغاء لفريضة الجهاد.
ولست أدري ماذا يريد بهذا البعض، ونحن نعلم أن كتب الفقه كلها بلا استثناء تشتمل على كتاب وباب كامل اسمه: الجهاد وأحكام الفيء والغنيمة، بل يقول الإمام النووي في المجموع: إن من واجبات الإمام: الغزو والجهاد في سبيل الله؛ قال: وأقله: أن يكون في العام مرة واحدة.
ونجد التفصيلات والتفريعات في أحكام الجهاد وفي أحكام الجزية في كتب الفقه وغيرها.
стр. 930
أهمية الوقوف أمام أعداء الله ودحر مخططاتهم
هذه القضايا الثلاث -كما أشرت- هي محور هذا الهجوم بشكل واضح وسافر؛ ولذلك ينبغي للمسلم أن يتنبه إلى هذه الظاهرة.
والذي يتأمل في هذه الدعاوى يجد أنها ساقطة، وسقوطها سهل التوضيح لمن كان متربياً وعارفاً بالقرآن والسنة؛ لأنها أمور بدهية في هذا الدين، فحينما نقول مثلاً: إن هذا الدين بالنسبة لشموليته لهذه الحياة ينتظم جميع الجوانب حتى الجوانب السياسية نجد أن هناك معالم كاملة وشاملة تدل على هذا الأمر، وليس مجرد إطلاقات عامة؛ فإننا نجد -على سبيل المثال- في سورة التوبة أنظمة متكاملة في السلم والحرب، والمعاهدات والمعاقدات بين الدول، وهكذا قضية التعامل مع الأنظمة الأخرى.
وكذلك نجد أن قضية ارتباط الحكم بالدين واضحة في كثير من النصوص القرآنية التي تؤيد ذلك، سواء مما يذكره القرآن من قصص الرسل والأنبياء، كقصة داود ﵇ أو مما يقرره القرآن بذاته؛ فإننا نجد أن هناك صورة متكاملة لا تخفى على الإنسان حينما يتلو آيات القرآن.
وأما جعل نصوص القرآن تتعلق فقط بالحوادث التي وقعت في عهد النبي ﷺ وأنها فقط جاءت في ظل الظروف التي كانت للمسلمين فهو نوع من إلغاء استمرارية القرآن الذي قال الله عنه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩]، وكذلك في هذا إبطال لقول الله : ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام:٣٨]، وكذلك ما أخبر به النبي ﷺ من ختمه الرسالات، وأن هذا الدين وهذا القرآن هو الخالد الباقي إلى قيام الساعة.
وكذلك القضية الثانية نجد أن الواقع التاريخي فضلاً عن النصوص المتكاثرة القرآنية وأكثر منها نصوص السنة؛ تؤكد جانب تطبيق الشريعة الإسلامية، وأن الإسلام جاء بتفصيل كثير من الأحكام في جوانب الحياة كلها، سواءً الجوانب الاقتصادية أو غيرها؛ فنجد النصوص في كتب الفقه تستشهد بالآيات القرآنية في تحريم الربا وفي الأمور الأخرى المتعلقة بالبيع وبالشراء والمداينة وغير ذلك، وتأتي نصوص السنة لتبين الأمور الأخرى التفصيلية، مثل: الرهن، والشفعة وغيرها من الأحكام، ففيها تدقيق وتفصيل كامل.
ثم نجد أيضاً أن القرآن جاء بتفصيلات دقيقة فيما يتصل بالعلاقات الاجتماعية من الزواج والطلاق والرجعة والنفقة ونحو ذلك، وهكذا فصلتها سنة النبي ﷺ .
ونجد كذلك أن الجوانب الأخرى المتعلقة بجانب العقوبات أيضاً جاءت فيها الحدود، مثل: حد السرقة، وحد الزنا، ففيها تفصيلات دقيقة لا تحتمل المغالطة أو المواربة.
فهذه التفصيلات مذكورة في كتب الفقه التي هي من أعظم الكتب وأكثرها؛ فإن أغزر ما كتب المسلمون هو في الفقه وفي الفروع الفقهية التي ضبطت في ظل النصوص الإسلامية القرآنية والنبوية الصريحة، أو في ظل الاجتهادات وفق قواعد وأصول معينة تستند إلى كتاب الله وإلى سنة رسول الله ﷺ .
فما تجد حكماً ولا قضية إلا وتجد في الكتب الفقهية الموسعة تعريجاً عليها، وتفصيلاً لها، ووضع ضوابط لفروعها في ظل هذه النصوص من القرآن والسنة.
ثم كذلك نجد أن التطبيق العملي في التاريخ الإسلامي كله يبرهن على هذه القضية، وأن النبي ﵊ طبق شريعة الله في شتى المجالات.
стр. 931
حقيقة الجهاد في الإسلام
قضية الجهاد في سبيل الله على الصورة التي ذكرها هؤلاء غير واردة ولا متطابقة مع منهج هذا الدين في نصوص القرآن وفي نصوص السنة وفي تطبيقات الواقع العملي؛ فالله يقول في نداء المؤمنين: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً﴾ [التوبة:١٢٣]، ونداءات القرآن في شأن الجهاد قوية وواضحة، كقوله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [التوبة:٣٨].
وقد جعل الله مرتبة المجاهد أعلى وأسمى من غير المجاهد، وجعل في كل حركة وسكنة في طريق المجاهد أجراً يتضاعف له، كما قال الله : ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلا نَصَبٌ وَلا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ﴾ [التوبة:١٢٠].
وهذه النصوص تدلنا على أن القضية أصيلة ومطلقة، وليست محدودة، وإنما هي لتثبيت هذا الدين ونشره ومنع من يحولون بين الناس وبين معرفته على حقيقته؛ لأن الله بين شأن الكافرين بأنهم: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [الصف:٨].
وكذلك نجد أن النبي ﷺ ما ذكر شيئاً من الأعمال وبالغ في تفضيله مثلما ذكر في شأن الجهاد؛ فقد سئل النبي ﵊ عن فضل الجهاد فقال للسائل: (هل تستطيع حينما يخرج المجاهد أن تقوم فلا تنام، وأن تصوم فلا تفطر؟ قال: ومن يطيق ذلك؟! قال: لو فعلت ذلك ما بلغت أجر المجاهد) أو كما قال ﷺ ، بل إنه ﵊ بين تعلق المؤمن بهذه الفريضة وبهذا الأمر في هذا الدين بأنه هو الأمر الوحيد الذي يتمنى المؤمن لأجله أن يعود إلى الدنيا ليقتل في سبيل الله لما يرى من الكرامة والأجر العظيم عند الله .
ثم إن النبي ﷺ حينما قارع الكفر والشرك لم يكن ينطلق قطعاً من الضرورة المدنية لدولته أو من الضرورة الاقتصادية لمجتمعه، وإنما كان الأمر واضحاً وجلياً في قوله سبحانه: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ [الحج:٣٩]، وأيضاً كان واضحاً أن القضية كانت باسم هذا الدين، ولأجل نشر راية هذا الدين، وكذلك سار أصحابه من بعده.
وكل انحراف عن هذا المعنى إنما هو مغالطة للتاريخ وتفريغ لمحتواه، أما المغالطة فظاهرة، وأما التفريغ فكيف يمكن أن يفسر الإنسان أن هؤلاء المسلمين الذين لم تكن لهم قوة ضاربة خرجوا من جزيرتهم وقوضوا الممالك الكبرى والعظمى؟! وكيف فتحوا الديار شرقاً وغرباً؟! وكيف كانوا مع جهادهم وقتالهم يمثلون الحضارة والتعامل الإنساني الرائع؟! وكيف كانوا يمثلون الحرية الدينية في ظل قول الله : ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الغَيِّ﴾ [البقرة:٢٥٦]؟! حتى اعترف كل أعدائهم بأنهم مثلوا هذا الجانب تمثيلاً صادقاً وواقعاً.
وخلاصة القول: أن هذا التخوف الذي يظهر من الأعداء ومن بعض الأبناء إنما يبين حقيقةً واضحة، وهي: أن هذا الدين بحقيقته الكاملة وشموليته الواقعة وتفاعله الكامل مع هذه الحياة هو الأمر الذي يخشى منه أعداء الله ، وبالتالي فإنهم يلتمسون لحربه كل طريق.
والطرق في ذلك متنوعة وكثيرة ربما يأتي لها مجال حديث، لكنها تنصب أساساً في إجراءات وقائية وفي إجراءات عدائية.
أما الوقائية فهي: الضرب والطعن في المبادئ، والتشكيك في الحقائق، والتزوير في التاريخ؛ حتى لا يستطيع أحد أن يستفيد أو أن يستند إلى هذه الأمور بعد أن تكون قد عراها هذا الأمر، فيكون هناك وقاية من هذا الجانب، وهذه الوقاية غايتها أن يحال بين الناس وبين الفهم الصحيح للإسلام.
والإجراءات العدائية: تشمل ألواناً من الحرب الإعلامية، ومن الحرب المباشرة عسكرية كانت أو اقتصادية، وكذلك تتضمن التضييق في كل الجوانب، وخاصة من الناحية الاقتصادية.
وهذه الأمور كلها يمكن أن يجدها الإنسان، ولكن اليقين الذي يكون عند الإنسان المؤمن هو وعد الله : ﴿إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد:٧]، وهو وعد الله بأن هذا الدين هو المنتصر: ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ﴾ [يوسف:٢١].
وكذلك وعد النبي ﷺ وما ذكر مما يكون في مستقبل الزمان بالنسبة للمسلمين وانتصار دولتهم وارتفاع رايتهم.
فالمؤمن الذي يبقى على هذه الحقائق لا يحول بينه وبينها حائل، بل يمكن أن يكون هو اللبنة الصحيحة والصالحة لبناء المجتمع المسلم المتكامل، ولتطبيق شرع الله التطبيق الذي كان على عهد النبي ﵊ وعهد أصحابه من بعده.
وهو كذلك المؤهل لأن يكون المجاهد في سبيل الله الذي يحول بين القوى التي تمنع الناس من معرفة الدين وتحول بينهم وبين الدخول فيه أفواجاً.
وهذا يقتضي أموراً كثيرة، كقوة الإيمان، وصحة العلم، وصحة العبادة، ونشر العلم الصحيح، وكذلك العمل التطبيقي، وهذا هو الذي ينبغي أن يفهمه المسلمون في ظل هذه الصيحات التي تخوف منهم، والتي تتربص بهم، والتي تستعدي الجهود عليهم، والله غالب على أمره: ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ [ص:٨٨].
الله نسأل أن يوفق المسلمين لمعرفة حقيقة دينهم، وأن يجعلهم متبصرين بحقيقة أعدائهم، وأن يجعلهم متمسكين بما أمر الله وبما أرشد إليه الرسول ﷺ .
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
وصل اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 932
مدرسة التغيير
لقد جعل الله لنا في أيام دهره نفحات يفيض فيها علينا من الخيرات، وينزل الرحمات، ويضاعف الحسنات، ويحط عنا السيئات، ومن هذه المواسم موسم شهر رمضان الذي تتبدل فيه الأحوال والأقوال والأفعال، ويبادر الناس فيه للتغيير في سويداء القلوب وأعماق النفوس وخطرات العقول، ولاشك أن رمضان على مدى ثلاثين يوماً مدرسة عميقة الأثر في التغيير، وقوية فيما تعكسه على نفس الإنسان وقلبه.
стр. 933
رمضان مدرسة التغيير
الحمد لله خالق البريات، عالم الخفيات، رب الأرض والسماوات، جعل لنا في أيام دهره نفحات، يفيض فيها الخيرات، وينزل الرحمات، ويضاعف الحسنات ويمحو السيئات، فله الحمد جل وعلا ملء الأرض والسماوات، وملء ما شاء من شيء بعد، لا نحصي ثناءً عليه، هو كما أثنى على نفسه، فله الحمد في الأولى والآخرة، وله الحمد على كل حال وفي كل آن، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، نلقى به أجراً، ويمحو الله به عنا وزراً، ويجعله لنا عنده ذخراً.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيى ويميت وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن نبينا وقائدنا وقدوتنا وسيدنا وحبيبنا محمداًَ عبد الله ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، ختم به الأنبياء والمرسلين، وجعله سيد الأولين والآخرين، وبعثه إلى الناس كافة أجمعين، وجعله رحمة للعالمين، وأشهد أنه ﵊ قد بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده، وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، فجزاه الله خير ما جازى به نبياً عن أمته، ووفقنا لاتباع سنته، وحشرنا يوم القيامة في زمرته، وجعلنا من أهل شفاعته، وصلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين، وعلى من تبعهم واقتفى أثرهم ونهج نهجهم إلى يوم الدين، وعلينا وعلى عباد الله الصالحين.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:١٠٢]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧٠ - ٧١].
أما بعد: فحين يهل علينا هلال رمضان تتغير فيه أوقات طعامنا وشرابنا، وتتبدل فيه أوقات يقظتنا ومنامنا، وتختلف فيه أحوالنا وأقوالنا، ونرى صور التغيير لا تخطئها العيون في جانب المادة الملموسة، ولعلنا نبحث وراء ذلك عن التغيير في سويداء القلوب، وأعماق النفوس، وخطرات العقول، ولا شك أن مدرسة يمتد برنامجها الواسع من القول والفعل والتغير والتبدل على مدى ثلاثين يوماً لهي مدرسة عميقة الأثر في التغيير، وقوية فيما تعكسه على نفس الإنسان وقلبه، ولعلنا نشهد صوراً كثيرة تستحضرها أذهاننا ونتخيلها لهذا الشهر الكريم في كل ما مضى من أيامه ولياليه عبر سنوات وسنوات طوال، ذكر وقرآن، وبر وإحسان، إرادة وصبر، وإفادة وأجر، طاعة وتعبد، قيام وتهجد، زيادة إيمان وصحة أبدان.
صور كثيرة، انتقال من الغفلة إلى الذكر، انتقال من الاجتراء إلى الاتقاء، انتقال من الشح إلى البذل، تغير حتى في كلمات الألسن، بل في قسمات الوجوه، بل في كثير وكثير مما يخفى ولا يظهر مما لا يعلمه إلا الله ، انصراف عن الشهوات وإقبال على الطاعات، مباعدة من النيران ومقاربة إلى الجنان، تغير كبير نشهده ونلمسه، ونسأل الله أن يجعله خالصاً لوجهه الكريم، وأن يجعله صادقاً في ابتغاء مرضاته، وأن يتقبله فيما يمحو به من الآثام، وفيما يزيد به من الأجور والعطايا الجسام.
стр. 934
وقفات وصور في مدرسة التغيير
ونحن في هذه الوقفات نريد أن نلفت النظر مع صور التغيير الظاهرية إلى بعض ما ينقصها ويضعف قوتها ويبدد أثرها وقد يمحو أجرها وثوابها -ونسأل الله السلامة والعافية-.
стр. 935
الوقفة الأولى: الانتقال من الغفلة إلى الذكر
لدينا غفلة عن الأعمال وفضائلها، يفسرها انحسار الاقبال على بيوت الله وزيادتها في مقابل ذلك في رمضان، وكأننا لا نعرف أو لا نذكر، أو كأننا نغفل عن كثير وكثير وكثير من النصوص المحفوظة في فضائل الأجر، وثواب الصلاة، وشهود الجماعات وغير ذلك.
كل خطوة تسعى إلى بيت الله تحط خطيئة، وتكتب حسنة، وترفع درجة، وما تزال الملائكة تدعو وتستغفر للمصلي في مصلاه حتى ينصرف، وما تزال في صلاة ما دامت الصلاة تحبسك، ثم صلاة الجماعة تفضل صلاة الفرد بسبع وعشرين درجة.
غفلة كبيرة عن هذا لكثير ممن لا يشهدون الجماعات إلا في هذا الشهر الكريم، وكأنما هو سحابة صيف تمر ثم تنقشع، فإذا بهم عن المساجد يدبرون، وإذا بهم عن بيوت الله يفرون، وهذه صورة واضحة من صور التغيير.
وغفلة كذلك عن فضائل الزمان، وكأننا لا نعلم قول الله الذي مدح فيه عباده بأنهم يستغفرون بالأسحار، وحديث المصطفى ﷺ وهو يقول: (إذا بقي الثلث الأخير من الليل ينزل ربنا إلى السماء الدنيا فيقول: هل من تائب فأتوب عليه؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ هل من سائل فأعطيه) وذلك الدهر كله.
وكلنا أيضاً يعلم حديث المصطفى ﵊ فيمن يبقى بعد الفجر في مصلاه حتى تطلع الشمس وترتفع قيد رمح ثم يصلي ركعتين فله أجر حجة وعمرة تامة تامة تامة.
أين هذه الفضائل في واقع أيامنا المتتاليات؟ تكاد تكون من المنسيات، ويحيا ذكرها ويعود الاعتبار بها والاغتنام لها والحرص عليها في هذا الشهر الكريم.
غفلة حتى عن فضائل الأماكن فمكة لا تبعد عن بعض الناس إلا ساعة من الزمان، غير أن قلة قليلة هي التي تتعهد البيت بالزيارة بين فينة وأخرى، وتعتمر أو تطوف بين وقت وآخر، فإذا جاء الشهر تغير الحال، وزادت الأشواق، وتعلقت النفوس بالأجر، وذكرت فضيلة عمرة كحجة، وغير ذلك مما نعلمه.
كثيرة هي صور الغفلة التي نراها في واقعنا، وصور الذكر التي تهب علينا نسائمه مع حلول شهر رمضان، وتلك أمور محمودة مرغوبة تسر كل مؤمن، وتشرح الصدر، ولا شك في الوقت نفسه أن ثمة ما ينقضها أو يغيرها أو يؤثر فيها سلباً وللأسف الشديد.
نجد أن هذا الشهر الكريم هو واحد من أركان الإسلام، وفريضة من فرائضه، وشعيرة من شعائره التي جعل الله لها حكماً جليلة، وفوائد عظيمة، وجعل لها خصائص، كما رأينا في اختصاص رمضان بالقرآن، وسنرى كذلك اختصاصه بغيره من الأمور والأحوال، غير أنا نرى أمراً يحز في النفس ويؤلمها ويحزنها.
فإنه مع هذا القصد الواضح، والحكمة الظاهرة في مسألة الذكر والتذكر والتحفز لهذه الخيرات ثمة من يتفرغ ويعد ويجهز لكي يقضي على ذلك الذكر ويعمم الغفلة من جديد، ويوجد لها قوالب وبرامج تهدف إلى أن تغطي على العقول، وتطمس على القلوب، وتخمد نار الأشواق الإيمانية في النفوس.
إنها وسائل الإعلام، تأتينا بآلاف وآلاف من المسابقات التي في كثير منها ليس لها ارتباط بهذا الشهر وفضائله وأعماله ومآثره وتاريخه، وهي لا تأتي كمسابقات عادية كما يقال، بل تأتي ببهرجها وفتنتها، ونسائها وعريها، ورقصها وغنائها، بل مع ما فيها من الحرام الذي لا شك في حرمته من وسائل الاتصال التي تتصل بها، فتأخذ منك الأموال، وتأخذ من غيرك، ثم تقسم الجوائز من هذه الأموال في قمار معلن على الشاشات، وظاهر على الصفحات، مكتوب بالأرقام، يتسابق إليه كثير من الناس ليعودوا من بعد الذكر إلى الغفلة.
وهناك مسلسلات متتابعة مخصصة لهذا الشهر، لا تأتي إلا فيه ولا تعد إلا له، بل إنه -والعياذ بالله- قد نشر في الصحافة مسلسلات خاصة برمضان، وهي تهدف إلى انتقاد الدين والتدين، وتهدف إلى التحذير من الإقبال على الله والارتباط بطاعته.
في ضمن هذه الموجة الهوجاء العمياء الغبية التي يراد بها -كما يزعم بعض المتصدرين في تلك الوسائل الإعلامية- ردم أو تجفيف منابع الإرهاب، وما عرفوا أنهم بهذا يحاربون أصل الدين في أصله؛ لأننا نسمع وللأسف الشديد عن عناوين لهذه المسلسلات، وهي عناوين من كتاب الله ومن سنة رسول الله ﷺ ، حتى وإن كان المضمون في ذاته صحيحاً في بعض وجوه النقد فلِمَ نربطها بهذه الأسماء الشريفة؟ ولِمَ نسمي هذه المسلسلات بأسماء تلفظ بها رسول الله ﷺ وذكرها في أحاديثه، وجعلها من الأمور التي نؤمن ونصدق ونوقن بها وتتعلق بها قلوبنا ونفوسنا؟ والحديث ليس فيه مجال وسعة في هذه الأبواب، غير أنا نقول: إن رمضان يذكّر، وإن رمضان يحفز، وإن وسائل الإعلام كأنما تواجه وتعارض وتصد، فاختر لنفسك إن كنت تريد أن تكون مع الصائمين الذاكرين، أو مع الصائمين الغافلين اللاهين من قناة إلى أخرى، ومن مسلسل إلى ثان، ومن مسابقة إلى أخرى، وغير ذلك من الأمور التي يشغلون بها الناس، فلا تفرغ أوقاتهم لتلاوة كتاب ربهم ولا للمكوث في بيوت الله ، ولا لسماع الذكر والموعظة.
نحن في شهر ننتظر فيه أن نقطع كل أسباب الغفلة حتى نهيئ القلوب والنفوس لتقبل على الله لتحيا من بعد موات، ولتنشط من بعد ضعف، ولتتذكر من بعد غفلة، ولتشرق فيها الأنوار بعد أن ضرب عليها الران؛ لأننا في أيامنا وليالينا الماضيات، في أوقاتنا المتتاليات ليس لنا حظ ونصيب وزاد من هذه الخيرات.
كما هو في هذا الشهر، فلا يراد لنا أن نغتنم الخيرات، ولا أن نتزود بهذه الطاعات لنقاوم ما سلف من الغفلات، بل يراد لنا مرة أخرى أن نغرق في أوحال الشهوات، فالصباح تسمع القرآن يتلى في الإذاعات، وترى -إن رأيت- شاشة وهي من برنامج فتوى إلى برنامج موعظة إلى غير ذلك، فإذا غربت الشمس وإذا انتهى النهار رأيت الليل وما فيه.
أي تناقض هذا؟! وأي عبادة هذه؟! وأي استقبال لشهرنا ونحن نرى تلك الإعلانات تترى عن تلك البرامج فيما يستقبل من الأيام؟
стр. 936
الوقفة الثانية: الانتقال من الاجتراء إلى الاتقاء
كم نجترئ في أوقاتنا فلا نكاد نضبط ألسنتنا من كلام باطل ولغو هادر، أو شتم مقذع، أو غيبة محرمة، أو نميمة مؤججة للفتن والصراعات، فإذا جاء رمضان تذكرنا قول الحق جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:١٨٣]، تذكرنا حديث النبي ﷺ : (فإن سابه أحد أو شاتمه فليقل إني صائم).
نحن نرى في رمضان صورة التقوى وهي مشرقة، فالناس يحرصون على الاستجابة، ويجتنبون -خاصة في نهار رمضان- أقل القليل من المخالفات أو من المكروهات، حرصاً منهم على أداء العبادة على وجهها، والإتيان بالفريضة على كمالها، فتجد الناس وهم يحجمون ويضبطون أنفسهم، ويتقون مواطن الخلل والزلل، فلا تكاد تسمع تلك الكلمات، ولا تكاد ترى تلك المشاحنات، ولا تكاد تلمس النفوس المتساهلة في ارتكاب المحرمات، فهي صورة جميلة وضيئة، حتى إن السائلين يعبرون عن ذلك، فهذا يسأل ويقول: كنت أسير فأتى غبار فواجهني، فهل إن دخل غبار أفطرت؟ وذاك يسأل عن عطر أو بخور شمه: هل في ذلك ما يفسد الصوم؟ وثالث يسأل ورابع يسأل، يسألون عن دقائق الأمور؛ لأن النفوس ارتقت، والهمم نحو الطاعات سمت، ولأن الإنسان المؤمن إذا حيي قلبه فإنه يتقي الله في صغير الأمور كما يتقيه في جليلها، وترى العيون وقد غضت عن المحرمات، والآذان وقد صمت عن سماع تلك الأمور الآثمة الماجنة، ومع ذلك -كما قلت- يهون هذا في نفوس الناس، ويجرئهم مرة أخرى على أن لا يكونوا محترزين عن المحرمات تلك الوسائل الإعلامية بما فيها من هذه الأمور المؤلمة المحزنة، ويطول الحديث ولا ينقطع عن ذلك.
ولعلنا -ونحن في هذه الأوقات، وقبل دخول شهرنا- نعقد العزم على أن لا نجعل لهذه الوسائل سبيلاً لتغرقنا في بحار الغفلة بعد ذكر الله ، ولتجرنا إلى حياض المنكرات مشاهدة وسماعاً.
ونحن في موسم التقوى علينا أن نتقي عذاب الله بفعل المأمورات وترك المنهيات.
والتقوى هي غاية عظيمة من غايات الفريضة، فكيف نضيعها؟ كيف نرضى أن نخرج من غير أن نحصل عليها، ومن غير أن تعمر قلوبنا، ومن غير أن تغمر نفوسنا، ومن غير أن تشيع وتنتشر في مجتمعنا؟ لذلك احذر كل ما يناقض هذا التغيير؛ فإن التغيير جاءت به الشريعة، وجاءت به الفريضة، وجاءت به الفضائل، وجاءت به الخصائص، وجاء من لا أدري بم أسميهم، هؤلاء الذين يريدون أن يصرفوا الناس عن طريق الله، ويصدوهم عن طاعة الله، ويردوهم إلى ما هم عليه من غفلة، نسأل الله السلامة.
رمضان إن الأنفس الجرداء تزكو حين تقبل كالربيع وتورق أهلاً بيومك صائمين عن الأطا يب راغبين إلى الرضا نتشوق أهلاً بليلك قائمين لربنا وقلوبنا بالحب نشوى تخفق حسب الموفق فرحتان أجل من هذي الحياة وإن كساها رونق تلك المفاضلة، نشعر بأن لحظة في سحر في ليلة من ليالي رمضان تعدل الحياة كلها، تعدل كل تلك البهارج والزخارف، تعدل كل تلك العورات المكشوفة والمواقف المحمومة والكلمات الساقطة التي تواجهنا بها وسائل الإعلام.
لمرارة الحرمان فيك حلاوة ولزهمة الأرواح عطر يعبق قد ذاقها مستروحاً من أدركوا حكم الشريعة فاستجابوا واتقوا ليت الذين استثقلوك فأعرضوا وردوا ينابيع التقى وتذوقوا ما سرهم إذ ذاك أن ممالك الد نيا لهم من دون ذلك مرفق.
من ذاق عرف، عرف لذة التقوى، ولذة العبادة، ولذة الطاعة، ولذة الدموع المنسكبة، ولذة الدعوات المرتفعة، ولذة التسابيح المتوالية، ولذة كل هذه المعاني العظيمة، ولذة الصلة بالله والاستقامة على أمره.
هذه صورة نشهدها عندما نرى المساجد وهي تغص بالمصلين، عندما نرى الدعوات وهي ترفع، والدموع وهي تسكب، كل ذلك مشهد يراه المسلمون من خارج هذه البلاد من نقل صلاة التراويح من بيت الله الحرام تذرف دموعهم شوقاً لذلك، تخفق قلوبهم وأنفسهم لهفة لذلك، يرون أن كل ما هم فيه من بهرج الدنيا ونعيمها لا يساوي لحظة إذا أقبلوا إلى هذا البيت العتيق، أو إلى مسجد الرسول الكريم ﷺ .
فلماذا مرة أخرى يغزونا أولئك بفتنة الدنيا ليخرجونا من لذة الطاعات، ويفسدوا علينا حلاوة العبادة.
هم يفعلون فهل تستجيبون؟ هم يسعون إلى هذه الأهداف فهل أنتم موافقون؟ الأمر بيدك والحل عندك، والهزيمة بين جوانحك، والهمة في نفسك، والعزيمة أنت صاحبها، فلا ينبغي أن تصرعك هذه الفتن وتلك الشهوات الساقطة الضعيفة وأنت صاحب الإيمان القوي واليقين الراسخ والتقوى السامية المرتفعة عن كل هذه الترهات التي ينبغي أن تتنزه عنها.
стр. 937
الوقفة الثالثة: الانتقال من الشح إلى البذل
رمضان شهر الإنفاق، شهر العطاء، ليس عطاء المال وحده، بل عطاء في النفوس التي تنشرح، والابتسامات التي تظهر، والصلات التي تمتد، والزيارات التي تحصل، والألفة التي ترى، والاجتماع الذي يشهد.
صورة جميلة رائعة من بذل النفوس والقلوب والأرواح، وبذل الجيوب والأموال والدرهم والدينا.
لمه؟ لأسباب كثيرة، فضيلة الزمان، ومضاعفة الأجر، وكلنا يعرف ذلك في رمضان، ثم اختصاص للصدقة في شهر رمضان، كما ورد في سنن الترمذي من حديث المصطفى ﵊: (أفضل الصدقة صدقة رمضان).
ثم ماذا؟ اجتماع الصيام والصدقة في سياق واحد من الأعمال المفضية إلى دخول الجنة، كما روى علي بن أبي طالب فيما أخرجه الترمذي في سننه عن رسول الله ﷺ أنه قال فيما ذكر من الأمور التي تدخل الجنة في شأن عباد الله الصالحين، قال ﵊: (إن في الجنة غرفاً يرى ظهورها من بطونها، وبطونها من ظهورها، فلما سألوا: هي لمن يا رسول الله؟! قال: لمن أطعم الطعام، وأدام الصيام، وصلى بالليل والناس نيام)، والصدقة فيها في رمضان إطعام الطعام، وفي رمضان الصلاة والناس نيام، وفيه كذلك الصيام، فلما اجتمعت هذه أحب كل مؤمن أن يجمعها في شهره لعله يتعرض لنفحات الله فيستوجب رحمته ومغفرته، وينال بإذن الله يوم القيامة جنته.
وخصيصة أخرى كذلك، وهي في حديث المصطفى ﷺ : (الراحمون يرحمهم الرحمن)، فبقدر رحمتك بالخلق تفيض عليك رحمة الله، ونحن نعلم أن القلوب ترق في رمضان، وأن الرحمة تفيض فيه، وأن الإنسان يشارك الفقراء والأيتام والمحرومين مشاعرهم ويرحمهم، فيكون أكثر عرضة لرحمة الله .
وخصيصة أخيرة، وهي أن ثمة نوعاً من الصدقة خاصاً بهذا الشهر يأتينا في جانبين: (من فطّر صائماً فله مثل أجره دون أن ينقص ذلك من أجر الصائم شيئاً)، فلذلك نرى الناس وهم يسارعون إلى تفطير الصائمين ليبلغوا أجرهم ويتعرضوا لرحمة ربهم.
ومن جهة أخرى فإننا نعلم أن الكفارات تكفر الذنوب، وهي أنواع كثيرة، منها الصيام، ومنها إطعام الفقراء والمساكين، فاجتمعت الأسباب كلها ليعمد المسلمون إلى أن يخصوا هذا الشهر مع ارتباطهم بالقرآن، ومع كثرة الصلاة، ومع وجود الصيام بالإنفاق، فتجود به النفوس، وتسخو به، فلا يغالبها شح، بل تنتصر بإذن الله فيها إرادة الخير وابتغاء الأجر: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر:٩].
وتستحضر النفوس قول الله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة:٢٦١]، كم هو الأجر عظيم! وكم هو الثواب جزيل! وكم هي أعطيات الله التي لا يحدها حد ولا يحيط بها وصف! فعطاؤه غير مجذوذ.
стр. 938
معالم قرآنية في الحث على الإنفاق
صور كثيرة تجعلنا نتذكر ونهتم ونعتني بهذه الشعيرة في الإنفاق والبذل والعطاء الذي نبتغي به أجر الله ، ونجد لذلك بعضا ًمن المعالم والمعاني القرآنية المهمة التي يحسن الذكر لها، ولعلنا نستحضر حديث النبي ﷺ : (ما نقص مال من صدقة)، فهذه معادلة صادقة، وهي أصدق من المعادلات الرياضية، وهي أوضح وأصدق من قضية واحد يزاد عليه فيصبحان اثنين؛ لأن هذا خبر الصادق المصدوق ﷺ .
صحيح أنه قد يكون عندي الألف، فإذا أخرجت مائة أصبح تسعمائة، لكنه ﷺ قال في الحديث الآخر: (فيقبلها ربه بيمينه فيربيها له كما يربي أحدكم فلوه، حتى تكون عند الله مثل جبل أحد).
صدقة يسيرة تضاعف حتى تصبح مثل جبل أحد، وجبل أحد محيطه إذا سرت حوله بالسيارة يبلغ ستة كيلو مترات، وانظر إلى حجمه وضخامته، ولا تظن أن هذه مجرد أمثال، بل هي خبر حقيقي صادق ثابت عن رسول الله ﷺ ، فلماذا لا نعتقد يقيناً أنه لن ينقص هذا المال من الصدقة من حيث الأجر الأخروي، ومن حيث البركة الدنيوية؟ ومن حيث البركة فهي في وجهين: قليل يبارك فيه فينفع ويفيض، ونرى ذلك كثيراً، ترى من عنده راتب قليل وعيال كثير وهو مبتسم منشرح الصدر، ويأتي آخر شهره وقد قضى حوائجه بحمد الله، وآخر راتبه أضعافه وأبناؤه أقل منه، ومع ذلك يشكو من الويل والثبور وعظائم الأمور، ومن ضيق ذات اليد، وليس الأمر في الكثرة ولكنه في البركة، والبركة لا تحل إلا بطاعة الله والاستجابة لأمره والإنفاق في سبيله والتفقد لعباده.
وينبغي أن نوقن بذلك، وأن نراه جزماً في واقع حياتنا، ومن البركة كذلك أنك تنفق ويزيد الله لك ويخلف عليك؛ لأنه وعد، ووعده صادق .
ومما ينبغي أن يحرص عليه المتصدق أمر الخفاء والسر والتجرد بالإخلاص في النفقة، كما قال جلا وعلا: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة:٢٧١].
وفي الحديث المشهور عنه ﷺ في شأن السبعة الذين يظلهم الله تحت ظله يوم لا ظل إلا ظله قال: (ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه)، ولعمري ما من بلاغة أحسن من هذا التعبير النبوي، حتى إن اليدين وهما في جسد واحد لا تعلم اليسرى ما أنفقت اليمنى، فغير ذلك من الخفاء أولى، وذلك هو معروف بصدقة السر التي لها عظيم الأجر وعظيم الأثر في الوقت نفسه.
وأعظم من هذا وذاك: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة:١٠٣]، أي: تسل سخائم النفوس، وتسل ضغائن القلوب، وتطهر النفس من الشح والبخل، وتطهر نفوس الفقراء من الحسد.
صور كثيرة أصبحنا نراها في مجتمعاتنا يوم ضعفت صلتنا بكتاب ربنا وبسنة نبينا وبديننا وإسلامنا.
ألسنا نرى هذا وهو يحسد ذاك، وهو يتمنى لو أنه أخذ ما عنده؟ وترى الآخر وهو يشح ويبخل ويرى غيره غير مستحق لنعمة الله .
كم هي هذه الصور التي لا يغيرها إلا منهج الله وإلا عبادة الله ، والله جل وعلا قد قال في وصف الإنسان: ﴿وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا﴾ [الفجر:٢٠]، وكثيرة هي الأمور المتصلة بهذا الشأن، ولعلنا ننتبه لها، وسنعرف كذلك من بعد ما يضادها.
نسأل الله أن يبلغنا رمضان، وأن يوفقنا فيه للصيام والقيام والذكر والتقوى، وأن يبعدنا ويجنبنا عن كل ما فيه غفلة ومعصية، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
стр. 939
العلاقة بين الصوم والإنفاق
أيها الأخ الحبيب! ونحن نستقبل موسم التقوى نؤكد على هذه الصلة الوطيدة بين الصيام والإنفاق والجود، ولقد كان المثل الأعلى سيد الخلق ﷺ ، فهو الذي يكشف لنا عن حقيقة هذا التلازم وهذا الترابط الوثيق بين رمضان والصيام وبين الإنفاق والصدقة، ففيما روى ابن عباس ﵄، (كان رسول الله ﷺ أجود الناس)، فهل هناك تعبير أبلغ من هذا؟ هو أجود الناس، أي: بلغ الرتبة العليا في الكرم والجود والسخاء.
ما قال لا قط إلا في تشهده لولا التشهد كانت لاؤه نعم (كان أجود الناس) هذه المرتبة العليا، فهل بعد ذلك من شيء؟ لا.
قال: (وكان أجود ما يكون في رمضان) أي: يزداد جوداً إلى جود، وكرماً إلى كرم، وعطاءً إلى عطاء، وسخاءً إلى سخاء.
(فلرسول الله ﷺ أجود بالخير من الريح المرسلة) تعبير بليغ.
(الريح المرسلة) أي: المطلقة.
فهل تتقسط؟ وهل تأتي شيئاً فشيئاً؟ إنها تأتي مندفعة قوية هادرة، وكذلك كان هذا الوصف لجود المصطفى ﷺ ، وللأسف الشديد كذلك نذكر المال الذي ينفق على عكس مراد الله، وعلى عكس هذه الصورة المشرقة لرسول الله ﷺ ، الإنفاق للصد عن الدين ولإغراق المسلمين في الغفلة والهوى والشهوة، كما أسلفت في ذلك، وينبغي أن ننتبه إلى قوله ﵊: (إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً)، وأخبرنا الحق جلا وعلا فقال: ﴿أَنفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ [البقرة:٢٦٧]، والكسب الخبيث الذي نرى صوره -كما قلت- معلنة محرم مقطوع بحرمته ليس فيه خلاف، وليس هناك تشدد بالقول بحرمته؛ لأن الآيات بذلك نطقت، والأحاديث بذلك شهدت، ومع ذلك نرى صوره كل عام تتكرر وتزداد، ولعلنا نستحضر أمراً وإن كان الفارق موجوداً، لكننا نقوله حتى نتعظ ونعتبر: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ﴾ [الأنفال:٣٦]، هذه صورة لأهل الكفر.
وللأسف أن بعض أهل الإسلام يوافقونهم في ذات العمل: ﴿يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ تكون العاقبة مشابهة ﴿فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال:٣٦]، نسأل الله السلامة.
وقال تعالى: ﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [آل عمران:١١٦]، هذه صور خطيرة نحذر منها كل من يشارك فيها، وكل من يسعى لها، حتى المتصل إذا اتصل بهذه القنوات الفاسدة التي تستخدم الطرائق المحرمة والتي فيها ما فيها، فهو يسهم كذلك بمال في جانب وعمل وميدان محرم فيكون مشاركاً في الإثم، نسأل الله السلامة: ﴿فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ [التوبة:٥٥]، وقد اشتكى وشكا موسى ﵇ من ذلك الحال الذي كان عليه فرعون قوة ومالاً، ثم دعا دعاءه الشهير: ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ﴾ [يونس:٨٨]، وهذه الدعوات التي نسأل الله أن تنصرف عن كل من يتذكر ويتعظ ينبغي أن يحذر منها الغافلون والسالكون في هذه المسالك الخطيرة ذات العواقب الوخيمة، نسأل الله السلامة.
والحق جل وعلا يقول: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ [البقرة:٢٧٦]، فلن يزداد الخير ولن يضاعف أجر، ولن تكون بركة إلا فيما هو في مرضاة الله، وأما كل ما هو زيادة فيما هو من الحرام فإنها زيادة سحت له عاقبة في الدنيا قبل الآخرة، وأظن الشواهد عند كل أحد كثيرة، ويكفينا في ذلك الوعيد الشديد الوارد في حديث النبي ﷺ المروي من طرق شتى: (كل جسم)، وفي رواية: (كل لحم نبت من سحت فالنار أولى به).
نسأل الله السلامة.
وتأمل كيف كان أصحاب النبي ﷺ ، كما في حديث ابن مسعود في البخاري قال: (لما نزل فضل الصدقة كنا نحامل) أي: ليس عندنا مال.
ومن ليس عنده مال فليس عليه زكاة، ولا تطلب منه الصدقة؛ لأن النبي ﷺ قال: (الصدقة ما كان عن ظهر غنى)، يعني: بعد أن تستغني تصدق بما يزيد.
لكن الصحابة المحبين للخير الراغبين في الأجر يقولون: (كنا نحامل) أي: يعمل أحدهم حاملاً، فيحمل حتى يأخذ أجراً.
لماذا يأخذ هذا الأجر؟ هل ليوسع على أهله وليدخر قرشه الأبيض ليومه الأسود؟ كلا.
إنما يريد أن يحصل على شيء من المال لكي ينفق فيكتب من المتصدقين ويكون من المنفقين، فإذا كان هذا فما حال الذين عندهم فائض ثم لا ينفقون ولا يكتبون في هذا الباب؟ وحديث أبي سعيد الخدري يدل على ذلك: (من كان له فضل ماء فليعد به على من لا ماء له، من كان له فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له، من كان له فضل طعام فليعد به على من لا طعام له، قال: حتى ظننا أن لا حق لأحد منا فيما فضل من ماله).
فهذه فرصة عظيمة، وينبغي أن لا نجعل إنفاقنا في شيء مما حرم الله، وأن نسارع إلى تلك الميادين، نسأل الله أن يوفقنا لطاعته ومرضاته.
اللهم! أنطق ألسنتنا بذكرك، وأملأ قلوبنا بحبك، واجعل أقدامنا ساعية لطاعتك، وأيدينا منفقة في سبيلك، وجباهنا ساجدة لعظمتك، وألسنتنا مسبحة بحمدك.
اللهم! سخر جوارحنا لطاعتك، واستخدمنا لنصرة دينك، واجعلنا -اللهم- ستاراً لقدرك في نصر الإسلام والمسلمين.
اللهم! وفقنا للصالحات، واصرف -اللهم- عنا الشرور والسيئات، واغفر لنا -اللهم- ما مضى وما هو آت.
اللهم! إنا نسألك العفو والعافية والمعافاة الدائمة في الدين والدنيا والآخرة.
اللهم! أحسن ختامنا وعاقبتنا في الأمور كلها، وأجرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة.
تول -اللهم- أمرنا، وارحم ضعفنا، واجبر كسرنا، واغفر ذنبنا، وبلغنا اللهم فيما يرضيك آمالنا.
اللهم! أنزل علينا الرحمات، وأفض علينا البركات، وضاعف لنا الحسنات، وامح عنا السيئات، وارفع لنا الدرجات، وبلغنا فيما يرضيك آمالنا يا رب الأرض والسماوات.
اللهم! إنا نسألك أن تجعل خير أعمالنا خواتيمها، وخير أيامنا يوم أن نلقاك وأنت راضٍ عنا يا أرحم الراحمين.
اللهم! اجعل آخر كلامنا من الدنيا شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، توفنا على الإسلام، وابعثنا على الإيمان، واجعلنا -اللهم- هادين مهديين، راضين مرضيين، واجعلنا -اللهم- من عبادك الصالحين، واكتبنا في أهل الجنة يا رب العالمين.
اللهم! بلغنا شهر رمضان، ووفقنا فيه للطاعات والصالحات، واصرف عنا فيه الشرور والسيئات يا رب العالمين.
اللهم! اجعل بلدنا آمنا رخاءً وسائر بلاد المسلمين، وأصلح -اللهم- أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك، واتبع رضاك يا رب العالمين.
ووفق -اللهم- ولي أمرنا لهداك، واجعل عمله في رضاك، وارزقه بطانة صالحة تدله على الخير وتحثه عليه يا سميع الدعاء.
اللهم! أبرم لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف وينهى فيه عن المنكر، يا سميع الدعاء.
مكن -اللهم- في الأمة لأهل الخير والرشاد، واقمع أهل الزيغ والفساد، وارفع في الأمة علم الجهاد، وانشر رحمتك على العباد، برحمتك يا أرحم الراحمين.
اللهم! أعز الإسلام والمسلمين، وارفع بفضلك كلمة الحق والدين، ونكس رايات الكفرة والملحدين، ومن أرادنا وأراد الإسلام والمسلمين بخير فوفقه إلى كل خير، ومن أرادنا وأراد الإسلام والمسلمين بسوء فاجعل دائرة السوء عليه، واجعل تدبيره تدميراً عليه يا سميع الدعاء.
اللهم! عليك بسائر أعداء الدين؛ فإنهم لا يعجزونك، أحصهم -اللهم- عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تغادر منهم أحداً، ورد كيدهم في نحرهم، واشغلهم بأنفسهم، واقذف الرعب في قلوبهم، واجعل الخلف في صفوفهم، وزلزل الأرض تحت أقدامهم، وخذهم أخذ عزيز مقتدر يا رب العالمين.
اللهم! لا ترفع لهم راية، واجعلهم لمن خلفهم آية، يا قوي يا عزيز.
يا منتقم يا جبار.
أنزل -اللهم- بهم بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين، واشف -اللهم- فيهم صدور قوم مؤمنين عاجلاً غير آجل يا رب العالمين! اللهم! رحمتك ولطفك بعبادك المؤمنين المضطهدين والمعذبين والمشردين والمبعدين والأسرى والمسجونين والجرحى والمرضى في كل مكان يا رب العالمين! فرج اللهم همهم، ونفس كربهم، وعجل فرجهم، وقرب نصرهم، وادحر عدوهم، وزد إيمانهم، وعظم يقينهم، واجعل ما قضيت عليهم زيادة في الإيمان واليقين، واجعل لنا ولهم من كل هم فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً، ومن كل فتنة عصمة، ومن كل بلاء عافية يا سميع الدعاء.
اللهم! احفظ بلاد الحرمين من كل سوء ومكروه، احفظ -اللهم- عليها أمنها وإيمانها، وسلمها وإسلامها، ووسع رزقها ورغد عيشها يا أرحم الراحمين.
اللهم! انصر عبادك وجندك المجاهدين في كل مكان يا رب العالمين.
اللهم صلِ وسلم وبارك على نبيك محمد، وعلى آله وصحابته أجمعين.
стр. 940
المجلات غثاء وبلاء
تُعد الجرائد والمجلات من أعظم وسائل الإعلام التي تؤثر على أفكار الناس ومعتقداتهم وعاداتهم وتقاليدهم، ولهذا حرص أعداء الإسلام وأعوانهم على بث سمومهم بين أوساط المسلمين من خلال هذه الوسائل، وللأسف الشديد فكثير من أبناء المسلمين يتلقفونها ويتأثرون بها! فيجب على كل مسلم مقاطعة الجرائد والمجلات الهابطة والمنحرفة، والوقوف أمامها، والتحذير منها.
стр. 941
ظاهرة انتشار المجلات والجرائد
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، نحمده حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، ونصلي ونسلم على خاتم الأنبياء والمرسلين، سيد الأولين والآخرين نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى من تبعهم واقتفى أثرهم إلى يوم الدين، أما بعد: فالمجلات غثاء وبلاء وبادئ ذي بدء أشير إلى أن العموم الذي في العنوان قطعاً ليس مقصوداً، فالمراد بالمجلات ليس كلها وإنما كثير منها، وكذلك هذا الكثير الذي وصف بأنه غثاء وبلاء ليس كل ما فيه كذلك، بل الغالب عليه والمعظم فيه إذ قد يوجد بين هذا الركام والغثاء بعض الآيات أو بعض الأحاديث أو بعض الموضوعات، لكن الغالب هو المقصود في هذا العنوان.
وهذا الموضوع أيضاً من وجهة أخرى تكمن أهميته في أن هذه الظاهرة - أي ظاهرة المجلات- أصبح لها بروز كبير وأثر خطير إذ إنها من حيث الإعداد، ومن حيث ما تزخر به من الفتنة والمخالفات الشرعية أصبحت ذات أثر غير محمود يحتاج إلى التنبيه والكشف والبيان، ومن بعد ذلك إلى التحذير والمناوءة والمخالفة لهذه الصورة التي نحب ألا تكون في بيئتنا ولا في مجتمعنا.
إن المتأمل ليجد من خلال هذه الوقفات أننا بالفعل أمام مشكلة تستحق أن تعرض، وأن يفصل القول فيها، وأن تكون الحقائق واضحة من حيث الأحكام الشرعية والمفاسد الاجتماعية، ومن حيث الوقائع والتفاعلات المترتبة على مثل هذه الظاهرة.
فعلى سبيل المثال: أول وقفة لنا هي مع بعض الإحصاءات الرقمية التي تبين لنا أن المسألة جديرة بالاهتمام وفيها من الخطورة ما فيها، فإننا نجد أولاً من خلال هذه الإحصاءات أن كماً كبيراً من هذه المجلات يغزو المكتبات والمحطات والبقالات، وانتشارها كبير وبأعداد كبيرة.
وأذكر على سبيل المثال: أن إحدى شركات التوزيع فقط مكلفة بتوزيع تسعة وخمسين ومائة جريدة ومجلة، وهذه شركة واحدة من بين ما لا يقل عن عشر شركات تقريباً، والإحصاء يصل إلى نحو أربعمائة، ومن هذه الأعداد والمجلات ما هو يومي ومنها ما هو نصف أسبوعي، ومنها ما هو أسبوعي، ونصف شهري، وشهري.
وهذه الكثرة كلها سيتضح أيضاً أنها بحد ذاتها تلفت النظر، وهذا طبعاً جزء محدود وإلا فإن هناك أعداداً إضافية لمثل هذه المجلات مما لا يصدر أو لا يدخل إلى بلادنا وهو متوفر وموجود في ديار أخرى من ديار العالم الإسلامي.
وعلى سبيل الإحصاء -حتى تتضح الصورة من خلال هذا الرقم البسيط- نجد أن كثيراً من هذه المجلات متخصصة في موضوعات أقل ما يقال فيها: الأصل أنه ينبغي أن تكون في الدرجة الدنيا من الأهمية من حيث إنها ليست قضايا ينبغي أن تشغل الأمة، ولا تتعلق بانتصارها على أعدائها ونهوضها في علمها وتقدمها التكنولوجي والحضاري، أو قضايا تتعلق بدفاعها عن نفسها وحمايتها وثقافتها وتاريخها، وأغلب هذه المجلات لا تمس الجوانب الحيوية التي تتعلق بحياة الأمة.
ومن هذه الأرقام التسعة والخمسين ومائة نجد أن هناك ست عشرة مطبوعة خاصة بالرياضة، ومهما كان للرياضة -على أية تصور- من أهمية أو فائدة؛ إلا أن هذا العدد من المائة وتسعة وخمسين كثير جداً، وأعتقد أن المسألة فيها مبالغة حتى من ناحية التكرار، فاللاعبون متحدون والمباريات واحدة والمناسبات واحدة، وكل الصحف تكتب عن هذا.
والمتأمل يجد أن القضية تأخذ جهداً وتأخذ مساحات وأوقاتاً وأموالاً، فتجد أن المباراة الواحدة تكتب عنها عشرات الصحف والمجلات، وكل هذا في مباراة واحدة، والنتيجة واحدة، والأشخاص نفسهم، والحوادث هي هي.
وهذا يدل على أن هذا التكرار والزخم الذي تحظى به هذه القضية فيه نوع من التركيز على القضايا الهامشية وإعطائها الأولوية الأولى.
طبعاً: لو استعرضا الأسماء لهذه المجلات، نجد أن بعضها يدل على مزيد من الغثائية والسخافة، إذ إن هناك مجلات متخصصة في المصارعة الحرة.
وما يمكن أن يتخيل الإنسان في هذه المجلات؟ تصور المصارعين، وبدلاً أن يراهم جمهوراً متحركاً يراهم في صورة ثابتة، ويرى النتائج والمشادات التي حصلت، وكل المجلة من أولها إلى آخرها، ولا يستطيع الإنسان أن يخرج منها بفائدة مطلقاً، لا فائدة عقلية ولا فائدة علمية، ولا فائدة إيمانية ولا تطبيقية، ولا أية صورة من صور الفائدة.
فضلاً عن أن هناك مجلات متخصصة بكمال الأجسام، وهذه قطعاً فيها من المفاسد الشيء الكثير ككشف العورات، إلا أن فيها معنى لتجسيد القوة البشرية والعظمة، وكلها من أولها إلى آخرها نوع من الصور والتعليقات السخيفة عن تشكيل العضلات وإبراز القوى، والمنافسات والانتصارات التي تتم من خلال هذه الألعاب والمشاركات الرياضية.
وفي المقابل أيضاً: من خلال هذا العدد (تسعة وخمسين ومائة) نجد أن هناك ثلاث عشرة مجلة متخصصة في الفن، ومن أولها إلى آخرها وهي تتحدث عن الفن والفنانين والفنانات والمسرح وغير ذلك من أمور.
أما بقية ذلك مما سيأتي ذكره فالفن والرياضة لها في كل مجلة سياسية أو اجتماعية أو حتى علمية نصيب في كل الأعداد.
أيضاً: هناك مجلات متخصصة في المرأة، ونجد أن من هذا العدد ثماني مجلات متخصصة في المرأة فقط، ولا نقصد أنها متخصصة في المرأة أي أنها تعالج مشكلاتها، بل كلها تتحدث عن قضية المكياج والأزياء والمظاهر الاجتماعية التي أساسها مخالف للشرع، وكذا ما يتعلق به من العطور وما يتعلق به من التقاليد وما يسمونه الإتكيت والمظاهر الحضارية التي ينبغي أن تكون، وتسريحات الشعر وما إلى ذلك.
وأيضاً تجد هناك من السخافة والغثائية: أن هناك مجلات متخصصة في الرسوم المتحركة، وهذه سواء قد يظن البعض أنها خاصة بالأطفال والأمر خلاف ذلك، بل روادها وقراؤها من الصغار والكبار، والذي يشهد بذلك صفحات البريد، فتجد فيها أن من المراسلين من أعمارهم في السادسة عشرة والسابعة عشرة، ويسمونهم صغاراً، وقد كانوا في عصر مضى قواداً وفاتحين، وكانوا خلفاء، وكان منهم علماء، وكان منهم مفتون، والآن هم صغار في هذه الهوة السحيقة من السخافة وتلف الفكر وتسطيح العقل.
وأيضاً نجد من هذه الصور المتحركة مجلات للكبار، فبدلاً من القصة المكتوبة التي يتعب فيها يجد قصة فيها الرسوم المتحركة، لكنها بصور حقيقية، وهذه المجلات أيضاً موجودة.
стр. 942
سخافة الفكر في المجلات الهابطة
ومن هذا الغثاء في سخافة الفكر هناك بعض المجلات متخصصة في الألعاب، يعني: تكون مجلة من أولها إلى آخرها كلها في الكلمات المتقاطعة وأسماء الفنانين والفنانات وبعض الأسئلة السخيفة وبعض القضايا التي يعجب منها الإنسان، وكلها تصب في بوتقة واحدة، وهي تهميش العقل والفكر عند الإنسان المسلم؛ بحيث يبقى دائراً في هذه السخافات وهذه التفاهات ولا تشغله عظائم الأمور، ولا يدرك أن له في الحياة مهمة ورسالة.
وحتى لا يُقال: إن الدعاة أو أن الملتزمين فقط يريدون كل القضايا تدور حول الدين؟ نقول: دعوا حتى هذه القضية، فما هو حجم المجلات العلمية مقارنة بهذه؟ ولا نقول: الإسلامية أو الدينية، بل المجلات العلمية؟ وما هو حجم الكتب الدراسية التي تخدم المناهج التعليمية؟ وما هو حجم المطبوعات التي فيها ما يقوي كثيراً من الجوانب النافعة، حتى لو قلنا: بعيداً عن الصورة الإسلامية البحتة؟ فهؤلاء الذين يدورون في فلك هذه المجلات لا يضعفون فقط في الجانب الإسلامي والإلتزام بل هم ضعفاء في جانب الشخصية، وفي جانب البنية البدنية نفسها، وفي الناحية التعليمية، وفي الناحية الانضباطية والسلوكية؛ حيث تجد أن كل هؤلاء الذين يتأثرون بمثل هذه يصبحون لا قيمة لهم، وأحدهم لا يحسن التفكير، ولا يحسن التدبير ولا اتخاذ الرأي ولا القيام بمهمة، بل هو شيء أشبه بالكم الزائد على هذه الحياة، كما عبر الرافعي بقوله: إن نلتزم شيئاً على هذه الحياة كنت أنت معنىً زائداً عليه.
يعني لا قيمة لك.
وأذكر بعض هذه المسميات لهذه المجلات: هناك مجلة اسمها (كل الألعاب)، هذه من أولها إلى آخرها في هذا، وأخرى اسمها (عالم التسلية)، وكيف توصل النقاط ببعضها؟! وكيف كذا؟! وقد يقول قائل: إن هذه لها دائرة معينة من الاهتمام، أو إن بعض الناس يهتمون بها.
و
الجواب
أن الدائرة المهتمة بمثل هذه للأسف كبيرة على مستوى المجتمع، وهذا يظهر في كثير من الوقائع والأشياء المنشورة فيها، والتي أيضاً يرد ذكر بعضها، حتى إنك تجد كثيراً من الكبار بل ممن يُسمون أصحاب وظائف وأصحاب عقول تجد أنه في وقت الفراغ يتفرغ لساعة أو لساعتين ليقضي فراغه في الكلمات المتقاطعة أو في الشبكة المتخالفة أو اكتشاف الصورة أو اكتشاف الأشياء التي ترد في مثل هذه المجلات!
стр. 943
إحصائيات عن مضمون بعض المجلات الهابطة
فهذه الصورة عن هذه المجلات إنما هي إحصائية أولية من حيث الكثرة، ومن حيث تكرار المضمون، ومن حيث فساد أو هامشية هذا المضمون، ومن خلال استقراء إحصائي لبعض هذه المجلات.
وكل هذا العدد، وهذا التكرار في التخصصات ليس له أهمية في حياة المجتمع وفي تقدم الأمة.
وسنعرض بعض هذه الإحصاءات السريعة عن بعض هذه المجلات، ونذكر بعض ما هو صارخ في حقائق الأرقام: مثلاً: مجلة ما يسمونها (سيدتهم) في بعض أعدادها تبلغ مائة وستين صفحة، والذي يقرؤها أو الذي يطالعها كأنه قرأ كتاباً، لكن بماذا يخرج من هذا العدد الذي فيه مائة وستين صفحة؟! وهناك معدل الصور المتوسط للصفحة الواحدة خمس إلى ست صور في كل صفحة، وأيضاً هناك ستون صفحة إعلانات، وهذه الإعلانات أغلبها صور للنساء محرمة، لأن فيها فتنة وكشف للعورات وغير ذلك.
وأيضاً تجد فيها اثنتى عشرة صفحة خاصة بالأزياء، وفيها معدل خمس إلى ست صور في كل صفحة.
وأيضاً فيها الألعاب والتسالي المتقاطعة بمقدار صفحتين، وبالجملة تجد أن عدد الصفحات الموجودة التي فيها كتابة تقل عن عدد صفحات المجلة التي ليس فيها كتابة! ثم انظر إلى هذه الكتابة؛ ستجد أيضاً أن هذه الكتابة فيها من السخافة الشيء العجيب! وكأننا نتدرج من عدد هذه المجلات، ثم من تخصصها في مجالات ليست مهمة، ثم في مضمونها الفارغ، ثم في فراغ المضمون الذي يعتبر مضموناً مكتوباً.
وهذا يتضح في المجلات الأخرى، نذكر أيضاً منها: مجلة (زهرة الخليج)، فيها مائة وعشر صفحات، منها أربعة وأربعون صفحة إعلانات، ومعدل الصور في الصفحة الواحدة من ثلاث إلى أربع صور، وفيها صفحتان أيضاً للرشاقة والأزياء، وصفحة للتسالي، وصفحتان هنا وهناك متعلقة فقط بالصور، وصفحتان صور لأخبار الذين تزوجوا، والذين احتفلوا، والذين عملوا دعوة عشاء، والذين كان عندهم عيد ميلاد، وكل من هب ودب! وتجد هذه الإحصائية متقاربة في بعض المجلات الأخرى، فمجلة فيها ثمان وتسعون صفحة تجد أيضاً فيها نسبة عالية من صفحات الإعلان، وفيها معدل ثنتان إلى ثلاث صور في الصفحة، وأربع صفحات من صفحات الأزياء، وكذلك فيها عدة صفحات منوعات، وخمس صفحات في كل عدد تحت عنوان (أخبار ناعمة) وفيها صور لملكات الجمال وصور نساء إلى آخره! وكذلك الإحصائية تشمل عدداً لا بأس به من المجلات الأخرى مثل: نورا، وألوان، والصياد، والشراع، وصباح الخير، وفرح، وأسماء ربما لم يسمع بها كثيرون من قبل، ولعلهم من الأفضل لهم أنهم لم يسمعوا بها؛ لأنها إن لم تكن ضارة فقطعاً لن تكون نافعة؛ لأن هذه أحياناً تُسمى عند بعض الناس من الثقافة، وحقيقتها أنها من السخافة.
стр. 944
تهميش العقول والأفكار هدف رئيسي للمجلات الهابطة
وهذا هو المعنى الأول الذي نحب الوقوف عنده، وهو: أن الصورة الأساسية في هذه القضية هي تهميش العقل وتسطيح الفكر؛ ولذلك أيضاً مضمون يساعد على هذا سيأتي تفصيله.
وهذه المجلات الذين يدمنون عليها تهدف في مجملها إلى أن يكون القارئ لها المتعلق بها تشغله توافه الأمور، بل حتى فوق أنها تشغله بتوافه الأمور هي أيضاً تشكل لديه عقلية حالمة ليست عقلية عملية؛ لأنها كلها في مسائل الحب، وفي الاهتمام بشراء الكماليات، وكيف يختار الأشياء التي يشتريها، وكيف كذا! وبعض الأمور التي تؤيد هذا المعنى موجودة في مضمون هذه المجلات، وبهذا تصبح القضايا الهامشية هي الأساس.
ولذلك أيضاً في هذا المعنى أؤكد من خلال المضامين وأضرب أمثلة ربما أعتبرها أمثلة صارخة وقوية: في بعض الأعداد من مجلة (كل الناس) في العدد السنوي لها يأتي بدراسة خاصة بها يبلغ العدد مائتين وعشر صفحات، كلها من الأوراق الفاخرة الناعمة الصغيرة، وقيمتها خمسة عشر ريالاً، وقيمة المصحف هذا الذي يباع الآن خمسة عشر، وهذه المجلة قيمتها خمسة عشر ريال، ومع ذلك يشتريها بعض الناس كل شهر! وأضرب أمثلة للقضايا التي تطرح في هذا العدد؛ حيث شملت أكثر من حوالي أربعين صفحة لمضمون واحد وهو: مسألة شراء الأزياء والعطور ونحو ذلك، ومسألة الشراء جعلت في عدة تحقيقات في نفس هذا العدد في سبع صفحات تحت عنوان (الشراء من أول نظرة) كما يقولون: (الحب من أول نظرة) كذلك: الشراء من أول نظرة، فهل تشتري من أول نظرة أم أن المطلوب أن تعرف آراء الناس، ويحصل تحقيق صحفي، ويكون هناك مندوب في لندن يجري مقابلة، ومندوب في جدة يُجري مقابلات أخرى، ويذهبون إلى محلات الأزياء وما إلى ذلك؟!! ثم صفحتان (لماذا نشتري؟) يعني: ما هو دافع الشراء: هل هو حب الاقتناء؟ هل هو المنافسة للآخرين؟ هل هو الاحتياج؟ وبهذا تبلغ الصفحات تسعاً.
ثم أربع صفحات في: الإعلان هل يؤثر على الشراء وعلى المشتري أم لا؟ وصارت الصفحات ثلاث عشرة صفحة.
ثم تحت عنوان (كيف يفكر أكثر الناس في الشراء؟) أي: الذين هم في سن الشباب كيف يفكرون في الشراء؟ وهذا العنوان في ثلاث صفحات، فصارت ست عشرة صفحة.
وبعد ذلك تحت عنوان (أنا اشتريت) ثلاث صفحات، فأصبحت تسع عشرة صفحة.
ثم عنوان: (الإنسان والماركات)، وهل يشتري الماركة أو يشتري البضاعة؟ وهل يبحث عن الاسم؟ وما تأثير ذلك أيضاً؟ وهذا في ست صفحات، فصارت الصفحات خمساً وعشرين صفحة.
وبعد ذلك تحت عنوان: الفصال في المحلات، وكيف يفاصل الإنسان؟ وهل يفاصل النساء أكثر مفاصلة عن الرجال؟ وكيف رأي أصحاب المحلات في المفاصلة؟ وكيف يصنعون؟ وأيضاً هذه في ثلاث صفحات مع خمس وعشرين صارت ثماني وعشرين صفحة.
ثم: مستهلكون سوبر، يعني: الذين عندهم قوة شرائية من الأثرياء، وكيف يشترون؟ وكيف يدفعون هذه الأموال؟ وهذا في صفحتين، فصارت ثلاثين صفحة عن قضية الشراء! وأنا أتصور أن الإنسان يمكن أن يولد وأن يموت وهو لا يحتاج إلى هذا الموضوع قطعاً؛ فيشتري ما يحتاج، والقضية تنتهي، لكن انظر كيف تكون هذه القضية محوراً تحتوي ثلاثين صفحة كاملة في هذا الموضوع.
وهكذا فيها من الصفحات الإعلانية ما يصل إلى هذا العدد، وبهذا يصل العدد إلى نحو ستين صفحة، بما فيه من الإعلانات، وما يلحق بذلك.
فما هي هذه القضية الخطيرة في حياة الناس والتي يتوقف عليها مصيرهم والتي قد تكون بالنسبة لهم قاصمة الظهر أو التي هي نقطة تحول في الحياة؟
الجواب
هي لا شيء، لكنه نوع من إغراق الناس بالتوافه وشغلهم بالسخافات؛ حتى لا يبقى عند الناس قضايا مهمة يفكرون فيها، ولو تأمل الإنسان -لا نريد أيضاً أن نقول: القضايا الإسلامية -بل حتى القضايا التي يعيشها الناس، ألا يعيش الناس في كثير من البلاد العربية والإسلامية وهم ممحونون في المسائل الاقتصادية وممحونون في مسائل الحرية ومسائل الوظائف ومسائل البطالة؟! كل هذه القضايا تنتهي وتتلاشى لتبقى قضية الشراء ومن يشتري! فهل عند هؤلاء الناس أموال حتى يشتروا أو لا؟! وهل عندهم وقت وقد طحنتهم الحياة وسحقوا في كثير من الأوضاع وكثير من البلاد حتى يفكروا بالماركات وأنواع الماركات وكذا؟! لكن هي القضية التي يُراد لها أن تصرف أنظار الناس عن المشكلات الحقيقية في حياتهم.
وأضرب أمثلة سريعة: في بعض هذه المجلات مقال في صفحتين: كيف تصعد المرأة الدرج؟! وكيف تضع طرف الأصابع أو آخر الأصابع؟! وكيف إذا كانت حافية؟! وكيف إذا كانت تلبس حذاءً؟! وإذا كان نوع الحذاء كذا فكيف يكون الصعود مع الخطوات بالترقيم: واحد اثنين ثلاثة إلى آخره؟!! وهذه مجلة أخرى تكتب عن مشكلة مع صورة وتعليق أيضاً: مشكلة ربط الحذاء بالنسبة للأطفال! وكيف تواجه الأم مشكلة ربط الحذاء بالنسبة للطفل؟! وكيف أن بعض الأمهات تتخلى عن ذلك وتشتري حذاءً من غير رباط؟! ومتى يمكن أن يدرك الطفل أو يعرف كيف يربط الحذاء؟ المهم إيجاد شيء وهمي لشغل الناس بهذه السخافات.
وهكذا الكلمات المكتوبة في سؤال من الأسئلة، وكثير من المجلات تجعل صفحتين أو أكثر في السؤال والجواب السريع هذا، مجلات اسمها ويسأل فيها: (فرفوش) وآخر (خربوش) وثالث (العجوز الضاحك)، ومن الأسئلة أنه يقول له: كيف تقضي وقتك؟ فيقول: ربع الوقت أتسكع في الشوارع.
وهناك أيضاً نوع من صرف الناس، فهذه مجلة تنشر عن أبي الهول وعن مشكلة أبي الهول، وما حصل له من التصدع، وتاريخ أبي الهول، وأنه شاهد على الحضارات، وكذا، وبلد مثل مصر كثير من الناس لا يجدون قوت يومهم، ولكن القضية هي أنه يُراد أن يشغل الناس عما هو مهم، فدمروا أبا الهول، ويرتاح الناس، وما أحد خسر شيئاً.
وهكذا القضايا الهامشية التي تثار عن شخصيات كافرة وفارغة، مثلاً: طلاق الأميرة سارة أو كذا، وصفحات عن تاريخ: متى تمت الخطبة؟ ومتى تم العقد؟ ومتى تم الزواج؟ ومتى أول ولد؟ ومتى سافر؟ ومتى جاء؟ وتحقيق كامل عن هذه القضية وآثارها وأصدائها، وما الذي ينفع الناس من مثل هذا الأمر؟ ولكن تجد بعض الناس -للأسف- يدخلون في مثل هذه القضايا.
وهكذا قضايا أخرى مثل قضية ما يسمونه فستان الزواج، وهل تشتريه المرأة؟ وإذا كانت غير قادرة على الشراء فهل تستأجر؟! والآراء في ذلك؛ فالتي ترى أنها لا تستأجر، والتي ترى أن الاستئجار يضيع تخليد هذه الذكرى، وما إلى ذلك من هذه الأمور! وهكذا القضايا والأرقام التي يقولونها: فلان ضرب الرقم القياسي في السباحة، وأطول سندويش، وأكثر لا أعرف ماذا؟! وهذه القضايا كلها تدلنا على هذه النقطة الأولى، ولعلي قد أطلت فيها، لكنها هي جوهر الموضوع، وهي أن هذه المضامين بما فيها من المكتوبات ومن المصورات والموضوعات التي تخصصت فيها إنما غرضها أن تغتال العقل، وأن تميت القلب في حقيقة الأمر؛ وحتى لا يتأمل الإنسان سيرة السابقين وسيرة السلف الصالح، وحتى سير الناس الغربيين وهؤلاء الذين كانوا بالفعل خدموا وقدموا الاختراعات والذين قادوا المعارك والذين أسسوا دول رغم أنهم كانوا كافرين، لكن لماذا لا يذكر على أقل تقدير الجوانب الإيجابية في سيرهم؟ فلماذا فقط الجوانب السخيفة والتافهة هي التي يُراد أن تنقل بين الناس وتشاع بينهم؟! أعتقد أنها قضية واضحة.
стр. 945
هدف الأبواب المخصصة للمراسلات في كثير من المجلات
ومما نختم به هذه القضية: الأبواب المخصصة في كثير من المجلات للمراسلات والتعارف والهوايات.
تجد أنه من خلالها تتضح قضيتان: الأولى: أن لهذه المجلات جمهوراً عريضاً؛ ولذلك في كل عدد تجد خمسين أو ستين أو سبعين من هؤلاء الذين يرسلون أسماءهم وعناوينهم وصورهم.
إذاً: هم يشترون هذه المجلة، ويطالعون ما فيها، إضافة إلى صفحات البريد، وترى منهم من يقول: أنا معجب بهذه المجلة، وأنا كذا.
ويدور على أثر هذا التسطيح أغلب هذه الأشياء؛ إذ أغلب ما في هذه الأبواب هوايات! وكل هذه الأبواب فيها نسبة (٩٩.
٩%) من يعرضون أسماءهم وصورهم، وهم في سن الشباب؛ إذ تتراوح أعمارهم ما بين (١٨) أو (٣٥) سنة، وهذا هو السن الذي فيه فورة الشباب والقدرة على العطاء، ويا ترى ما هي هذه الهوايات؟ هذه الهوايات هي: المراسلة بين الجنسين، وتبادل الطوابع، وتبادل الصور، وتبادل الآراء، و (٩٩.
٩%) هي في المراسلة، فإذا كانت هذه هوايات الشباب التي يبدعون فيها ويتخصصون فيها، فكيف يرجى أن يكون هناك قوة يعتمد عليها في شباب الأمة؟! فالذين هم الآن في دراسة ضيعوا دراستهم، وإذا كانوا في أعمال كانوا على غير الصورة التي ينبغي أن تكون، وهذا كله يدلنا على الجانب الأول الذي ذكرناه في مثل هذه المجلات.
стр. 946
ترويج المجلات الهابطة للقدوات السيئة
الجانب الثاني -وهو أيضاً جانب خطير-: جانب القدوات.
لاشك أن الإنسان بفطرته ومدنيته يميل إلى الآخرين، كما يقول ابن خلدون: الإنسان مدني الطبع.
يعني: يعيش في مجتمعات مدنية، وغالباً ما يحتاج الناس إلى صور وإلى قدوات ينظرون إليهم، ويكونون موضع الاحترام أو موضع التقدير، وهم موضع التلقي، وهذا شيء فطري في المجتمعات: لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم ولا سراة إذا جهالهم سادوا وهذا البيت جمع بين صورتين: (لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم)، و (ولا سراة إذا جهالهم سادوا)، وهذه هي الصورة الثانية التي تحققها كثير من هذه المجلات.
فمن هي القدوات في مثل هذه المجلات؟ إنهم بلا استثناء الفنانون والفنانات، والرياضيون والرياضيات، وأقصد بالفن: أي شيء يُسمى فناً، كالذي يشخص بالأقلام، ويلعب بالألوان، ويعتبر فناناً وعنده تشكيل، وتُجرى معه مقالات إلى آخره! فالذي يضرب نحتاً في صخر ويعطينا شكلاً ليس له أول ولا آخر يُعد فناناً، ويحتاج إلى مقابلة وإلى إبراز المعاناة والجهد الذي بذله، والخدمة التي قدمها، والتاريخ الذي سطره، والجهود التي دخل بها التاريخ إلى آخر ذلك! وتجد أن هذه المجلات تكرس هذا الجانب أحياناً تكريساً عجيباً، مع أنه ليس قضية اجتماعية، ولا قضية في حياة الناس، بل يعتبر قضية تدميرية.
وأيضاً فيها كثير من التجاوزات الشرعية والمخالفات العقدية، وهذا أمر واضح، فمثلاً: تجد مجلة مثل (حريتي) تنشر صفحات عن عبد الوهاب الفنان الراحل في ذكرى الأربعين، يعني: بعد موته بأربعين سنة، وفي كل سنة تأتي ذكراه لابد أن تفرد الصفحات الطويلة عما كان يأكل؛ ومن الحلاق الذي كان يحلق له؟ ومقابلة معه، وكيف كان يحب أن يسافر؟ هل في الطائرة أم في البر؟ وكيف سافر مرة بالطائرة ثم زال الخوف منه؟ وما هي آراؤه في الحياة؟ إلى آخره.
ثم تجد أيضاً صوراً بشعة وللأسف أنها تُكتب كما هي، على اعتبار أن هذا فنان، فتجد عدة صفحات في (النهضة) عن رشدي أباظة زعيم أو سيد السينما أو كذا، ومذكور في ضمنها: قصة زواجه ست زوجات؛ تزوج أولاً بمغنية فرنسية تعرف عليها في إحدى الزيارات في ملهى من الملاهي أو كذا، وبعد شهور طلقها، ثم تزوج ممثلة مصرية، وما أتم معها سنة حتى طلقها، ثم تزوج مضيفة أمريكية تعرف عليها في الطيارة، وأيضاً بعد فترة قصيرة طلقها، ثم تزوج راقصة أيضاً، وبعد عدة سنوات طلقها طلقة أولى، ثم عادت، ثم ثانية، ثم ثالثة، ثم بعد ذلك تزوج الممثلة الشهيرة صباح، وكان الزواج مدته ثلاثة أيام.
وبعد ذلك حينما كان مريضاً وعلى وشك الموت أراد السفر للعلاج فتزوج ابنة عمه؛ حتى تكون فقط مرافقة له، وبعد أن رجع إلى بلده طلقها، فهل يُعرض هذا ليكون نموذجاً للناس؟ أم لنقده؟ أم لأي شيء يُعرض؟ وهذه المعلومات معروضة ضمن ما قدم، وضمن جهوده المباركة، وجهاده ونضاله في الفن! وهذه الصورة في الحقيقة نلحظ أنها تكرس أو تعود الناس على مثل هذه الأمور، وهذه صورة سيئة وقبيحة، لكن من خلال العرض المتكرر ومن شخصيات متكررة يُراد للناس أن يألفوا هذه الأمور، وأن يعتبروها قضايا عادية، بل هي نوع من التحرر والانطلاق من القيود والاستمتاع بالدنيا، ونحو ذلك! وتجد في المقابلات مقابلة مع ممثلة: من هي قدوتكم في الحياة؟ أو من هي كذا؟ فتقول: فلانة الفلانية سيدة الشاشة العربية، هي التي تأثرت بها، وأتمنى لو استطعت إلى آخره! ثم تجد أيضاً الثناء والتركيز على الشخصيات التي ليس لها دور في المجتمع إلا أن تسلب قوت الناس المغفلين إذا صح التعبير، ثم بعد ذلك تمارس أعمالاً ضد هؤلاء، فتأخذ فلوسهم، ثم أيضاً تحاربهم في إيمانهم وفي شخصياتهم وفي معتقداتهم إلى آخر ذلك.
وتجد مثلاً مجلة مثل (صباح الخير) تنشر عن عارضة أزياء مصرية أنها فازت بجائزة سباق في حفل لعرض الأزياء، وأخذت الجائزة الأولى على أربعة وأربعين دولة، وأنها تعتبر سفيرة مصر في صناعة الأزياء، وأنها استطاعت أن تثبت كذا، وأنه ذهب الزمن الذي كنا فيه دائماً في المتأخرين، وأصبحنا الآن ننافس على المراتب العالية! وما سمعنا أن هناك من نافس وأخذ الأول في الصناعة أو الأول في الزراعة أو الأول فيما ينبغي أن يكون في مثل هذه البلاد المترامية الأطراف التي فيها أعداد غفيرة من الناس.
وهكذا تجد أن من خلال هذه القدوات تُوضع بعض المعاني التي فيها مخالفات شرعية، ففي مقابلة مع إحدى الفنانات سُئلت: لو عُرض عليك أن تشاركي في تمثيل فلم عن المحجبات؟ فقالت في الإجابة: لا بأس؛ كل شيء قابل للجدل وللأخذ والرد، وليست هناك مشكلة في المشاركة؛ لأن هذه القضايا تختلف حولها الآراء! وكأنه ليس فيها حكم في الشرع، وأن هذه الأمور شخصية، وأنه لا بأس ما دام هذه ظاهرة من الظواهر يمكن أن تناقش.
وسُئلت: كيف تقضي أوقات الفراغ؟ فقالت هذه الفنانة: إنها تذهب إلى البحر تستمتع وتقرأ وتتابع الحركة الفنية من خلال الفيديو! إذاً: نريد لأمهات المستقبل أن يكن على هذه الشاكلة أو على هذه الصورة! فهذه ناحية مهمة، وهي قضية التركيز على القدوات السيئة وإبرازها على أنها هي محطة الآمال ومهوى الأفئدة، وهي التي تحلم بها النساء والبنات في خدورهن، ويحلم بها الشباب الصاعد وجيل المستقبل، فكلهم يحلم في أن يكون -كما يقولون- يرى أن المجد ركلة قدم أو جرة قلم أو رنة نغم، فهذه الثلاث هي التي يُراد أن تكون فقط هي الآمال وهي الطموحات، ونحوها تتوجه الجهود، وهذا طبعاً لاشك أنه جريمة كبرى في حق المجتمع، وهذا في نفس الوقت بلاء، ويتحقق به كثير من المفاسد.
стр. 947
هدف المجلات الهابطة من إثارة قضية المرأة
القضية الثالثة -وإن كانت بعض القضايا متداخلة لكن نريد تفصيلها لأهميتها: قضية المرأة.
وإن كنا نقول: إن معظم ما سبق من الحديث وما سيأتي وأنواع هذه المجلات إنما يستهدف المرأة أساساً أو يستخدم المرأة، يعني: هو يستهدف المرأة؛ لأن استهدافها وفتنتها وفسادها يترتب عليه شر كبير.
ونحن نعلم أن كثيراً من المجلات يعتمد ترويجها على الصور التي تشكل نسبة كبيرة من صفحات هذه المجلات من صورة الغلاف التي يذهب أصحاب هذه المجلات أو الموزعون لها، ويحرصون على أن تكون الصورة لأجمل الفتيات، بل يسافرون لأجلها إلى عواصم أوروبا وأمريكا وإلى بلاد عربية وشرقية؛ ليأتوا بالصورة المناسبة، وبالتركيز المناسب، وبالأوضاع السيئة التي هي لهم مناسبة، ويستخدمون في ذلك شتى الوسائل.
وهذه القضية بالنسبة للمرأة تعتمد على ثلاثة أشياء: أولاً: حرق الحجاب وإبطاله في الواقع مباشرة، ولذا فإن الصور كلها بدون الحجاب، بل فيها عري، وفيها تهتك، وفيها إغراء.
وأيضاً إبداء قضية الحجاب من خلال الحوارات أنها قضية ليست لها صلة بدين، وأنه ينبغي أن تكون قضية مفروغاً منها.
ثانياً: قضية الاختلاط، وأيضاً تكريس المقالات والآراء والصور وكل خدمة في هذه المجالات لتكريس هذه النقطة.
ثالثاً: قضية المساواة والمزاحمة في العمل، وإبراز عمل المرأة، وأن أول امرأة تقود الطيارة هي فلانة، أول امرأة في بلد كذا تدخل قسم الشرطة، وأول امرأة كسرت حاجز الخوف ودخلت الدفاع المدني.
ويُكرس هذا الجانب بشكل ملفت للنظر ليؤثر في نفوس النساء وخاصة المراهقات، ويبقى التعلق بمثل هذه الصور والحرص عليها مع الفتن الأخرى التي تبثها الشاشات الفضائية، وتلتقطها الأقمار الصناعية، فتتكامل الصورة وإذا بنا في موجة تتوجه فيها النساء وتتوجه فيها المرأة إلى كل ما فيه هتك للحياة، وكل ما فيه فتنة وتعطيل لها عن مهمتها.
ومن هنا تظهر الجريمة، وتتكاثر، ويشكو الناس، والحقيقة أنهم لا يبحثون عن الأسباب، وسنعرض لبعض هذه الوقائع أيضاً من الجرائم.
وأذكر أمثلة أيضا لقضية المرأة في الصحافة: تجد تعليقاً يقول: المرأة روح السوق؛ إنها تضفي البهجة بألوان ملابسها الزاهية وشطارتها في الفصال والبيع والشراء، يعني: هي لابد أن تكون جسداً بلا روح لا قيمة له، والسوق بلا مرأة لا قيمة له، وهذا هو المعنى الحقيقي المتجسد في الواقع من خلال هذه الإثارة؛ إذ يريدون أن تكون المرأة في السوق؛ لتكون متبرجة؛ ولتكون مختلطة؛ ولتكون بعد ذلك أقرب إلى الوقوع في الفواحش وفي الجرائم، بل وقوع الجريمة عليها حينئذٍ أيسر وأسهل؛ لأنها خرجت وتجاوزت حدود الشرع والحصون المنيعة التي أحاطها بها هذا الدين وحماها بها، وكل ذلك يحصن من هذه المعاني التي تُزف وتُوضع -كما يقولون- مثل السم في الجسد.
وأيضاً تجد تعليقات على بعض القضايا المهمة في حياة المرأة، مثل: الزواج المبكر؛ فتُشن حرب شعواء على الزواج المبكر، وأنه لابد أولاً أن تنتهي من الدراسة، وأن تأخذ الشهادة، بل أن تأخذ الشهادات العليا؛ لأن الزمان غدار؛ ولأنها لا تأمن الأزواج؛ لأن الرجال ليس لهم أمان؛ ولأن الشهادة أمان من الفقر، وسلاح في مواجهة الحياة، وتُكرس هذه المعاني، حتى يتأخر سن الزواج عند النساء الذي هو في الأصل ينبغي أن يكون متقدماً.
يقول الشافعي ﵀: رأيت جدة في اليمن لها إحدى وعشرون سنة.
وهذا كما يقول الفقهاء: إن أقل سن تحيض فيه المرأة وتبلغ هو تسع سنوات؛ فهذه تزوجت وهي بنت تسع، ثم أنجبت وكان عمرها عشر سنوات، وابنتها بعد تسع سنوات تزوجت، فصارت بعد سنة قد أنجبت، فصار عمر الأولى إحدى وعشرين سنة، وهي جدة، وأما الآن فعمر الواحدة إحدى وعشرون سنة وهي عانس لم تصبح زوجة حتى تصبح أماً فضلاً عن أن تكون جدة! وأيضاً ارتفع مستوى الأعمار؛ ففي كثير من البلاد العربية والإسلامية معدل الزواج بالنسبة للرجال من خمس وثلاثين إلى خمس وأربعين، وبالنسبة للنساء -على تفاوت في بعض البيئات- من خمس وعشرين إلى خمس وثلاثين وإلى أربعين! ونحن نعلم أن الأربعين -كما يقولون- سن اليأس، وكثير من هؤلاء النساء لا يحببن أن يقعن في هذه القضايا بمثل هذه الصورة التي تُكرس في المجتمع.
ويتحدثن بأحاديث لا يقبلها العقل، وهن أنفسهن أول من يعلم أنها أحاديث كاذبة، ومن هذه الأحاديث: أنها تجد متعتها في العمل وفي الكفاح، وأن الزواج أمر عارض، وأن المرأة شخصيتها في ثقافتها وعلمها وكذا، لكن في حقيقة الأمر تظهر الاعترافات، كما ظهرت على صور شتىً، منها: ما نشر في اليمن قبل فترة لا بأس بها: قصة الطبيبة التي قالت: خذوا كل شهاداتي وكل مؤهلاتي وأعطوني طفلاً واحداً! فهذه سنة الحياة، وغير ذلك مغالطة.
وبعض المقالات تقول: الزواج المبكر في كثير من الأحيان يعني: الطلاق المبكر.
إذاً: معنى ذلك التنفير من مثل هذا الأمر.
وفي هذه المجلات أيضاً كلام على بعض قصص الأفلام وما يُعرض فيها، حتى تكون قضية المرأة قضية انحلال، ومن ذلك ما نشرت مجلة (صباح الخير) عن فلم اسمه (الجسد) يركز على أن المرأة في كل أحوالها ليست عقلاً، وليست ثقافة، إنما هي جسد للمتعة فقط! ويستطرد الكاتب في تفاصيل نفس الفلم، لكنه في نفس الوقت يروج لمثل هذه الأمور.
ومن أهم القضايا التي تُكرس في قضية المرأة: الحوارات والمقابلات وقضية المشكلات، وأغلب المجلات عندها عناوين: مشكلات، مشكلة وحل، الحل والمشكلة، وما إلى ذلك.
وطبعاً المشكلة هي في الحب والغرام! والحل غالباً ما يكون متلبساً بالطيش والحرام! ومن ذلك أنك تجد من تكتب وتقول: تعرفت وأنا عمري ثماني عشرة سنة على شاب أثناء رحلة إلى الخارج تقوم بها المدرسة للمتفوقين من الطلبة وتسرد القصة، والغرض هو أن الذي يقرأ القصة أو التي تقرأ القصة تعتبر أن هذه الأمور أصبحت قضية لا حرج فيها.
فكونها تعرفت على إنسان معناه: أنها سافرت من غير محرم، واختلطت بالرجال، وكأنه ليس هناك إشكال، ثم تذكر بعد ذلك كيف أصيبت، وأدخلت المستشفى، وكان هذا الشاب يزورها، ثم الخطابات التي كانت بينهم! وهي قد تكون قصة حقيقية، وقد تكون غير حقيقية، لكن يُراد من خلالها أن يتسرب الفساد؛ مثلما يكون الإنسان في غرفة فيها بعض الغبار أو الغازات، ثم يمشي في الغاز شيئاً فشيئاً حتى يُخدر وهو لا يشعر، وهذا هو المقصود من مثل هذه القضية.
وأيضاً تجد التكريس على التحرر من العادات والتقاليد، وأن المرأة لا بد أن تتحرر من عادات وتقاليد، ولا يقولون: إنهم يدعون إلى مخالفة دين، فتجد فتاة تقول: حقيقة أنني لم أعد أرى تلك المراهقة التي تتعلق بذراع هذا الشاب كما كنت في السابق، وذلك حينما خرجت عن كل التقاليد التي ألفتها في الوطن! وهذه كلها تُكرس في مثل هذه القضايا.
وطبعاً تكاد تكون معظم هذه المجلات التي تتعلق بالفن وبالمرأة تدخل في هذا الجانب.
стр. 948
ترويج المجلات الهابطة لنشر الفاحشة والجريمة
القضية الرابعة: الجريمة.
تعرض كثير من المجلات دائماً جريمة سواء جريمة واقعية من القضاء أو غيره، أو خيالية، وهذا العرض في حد ذاته هو نوع من التعليم والإغراء؛ لأنه يقص الجريمة، وكيف كانت خفية، وكيف عملت، والخطوات، وكذا، ثم أيضاً من خلالها يتعلق الناس بحب الفاحشة والجريمة؛ والله يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ﴾ [النور:١٩]، فالمعنى في هذه الآية: أن مجرد إشاعة الفاحشة أو قول: إنه حصل كذا وكذا، هذا في حد ذاته يكسر الحاجز في نفوس الناس؛ فلا يهابون مثل هذه الأمور، ولا يعتبرونها خطراً ولا خجلاً، وبالتالي يتعودون عليها شيئاً فشيئاً.
وهذا هو الذي يحصل؛ فإذا كثر ذكر الجريمة في المجتمع تأتي تقول لإنسان: حصل كذا وكذا، فيقول لك: هذا أضعاف أضعافه يحصل، وهذه بسيطة! وكلما كثر تناول هذه القضايا يجعل إحساس الناس يتبلد نحوها، وبالتالي تعظم جرأتهم فيها.
وأذكر أمثلة لذلك: هذه مجلة (حريتي) تعرض مسألة خطيرة، وهي للأسف أيضاً ظاهرة بدأت منذ فترة في مجتمعاتنا، وأرى أنها الآن تستشري، وهي: مسألة انتشار أشرطة الفيديو الجنسية.
وكتبت تحقيقاً عن هذه القضية، وكيف يتم تداولها؟ وكيف كذا؟ لكن الأسلوب كان تحت عنوان: الثقافة السوداء، وهذا هو المصطلح الذي يدور بين هؤلاء الشباب، فالشريط الذي يتداولونه يسمونه شريطاً ثقافياً، ويقول أحدهم للآخر: أنت اليوم مدعو لمشاهدة شريط ثقافي، وهذا مصطلح متداول بينهم لهذا النوع من الأشرطة، فيبين هذا المحقق أو الكاتب كيف يتقابلون؟ وكيف صورة اللقاء؟ وما هي الأسعار؟ حتى تسعيرة الفيلم تختلف؛ فإذا كان نوعه أمريكياً كان سعره كذا، والسعر يكون غالياً إذا كان إنتاجه محلياً إلى آخره!! وكل هذا نوع من التعذيب، وفي نفس الوقت نوع من الإغراء لهؤلاء الشباب الذين يطالعون مثل هذه التحقيقات، إضافة إلى الصور المرافقة لهذه التحقيقات، والحقيقة أن عرض هذه الجرائم إنما هو نوع من الإغراء بها، والتعليم عليها، وكذلك تجد هذه الصورة في كثير من العرض الصحفي أو عرض المجلات التي تعرض هذه القضايا.
стр. 949
نظرة هذه المجلات الهابطة إلى الدين الإسلامي، ودورها في الدعوة إلى التحلل منه
النقطة الخامسة هي: قضية النظر إلى الدين الإسلامي وقضايا الإسلام من خلال هذه المجلات: نجد أن هناك كثيراً من المخالفات والتجاوزات الصارخة التي يبلغ بعضها حد الكفر عند من يعتقده، فتجد قضايا في جعل الدين قضية قابلة للنقاش وللأخذ والرد، ولكل فيها قوله! يعني: كما أننا نختلف على الطعام والشراب أيهما أحب كذلك يجعلون قضية الدين قضية نسبية لك الخيار في أن تأخذها أو لا تأخذها، ويجعلون الدين عبارة عن رأي وفكرة قابلة للنقاش والجدل.
ومن ذلك بعض المقالات ترى أن هناك نسبية في كل قضية، وأن كل قضية لها وجهان مهما كانت هذه القضية، حتى لو كانت ديناً وإسلاماً وحكماً شرعياً! وحتى ننظر كيف تهمش قضية الدين والإسلام نشر تحقيق عن قضية من أخطر القضايا التي يُكرس فيها كل البلاء الذي ذكرت فيما مضى من الجريمة والمرأة ونحو ذلك، وهي قضية: استفتاء ومقابلات وتحقيق حول موقف الأسرة عندما تأتي البنت بصديقها إلى البيت، وموقف الأسرة عند يأتي الابن بصديقته إلى البيت! وطبعاً كأن قضية الصداقة الآن أصبحت حقيقة مسلمة، وكونه له صديقة أو ليست له صديقة ليس محل نظر حلال ولا حرام، لكن النظر هو هل يأتي بها إلى بيته أو لا يأتي بها! فماذا تجد الإجابات؟! بعض الأمهات، تقول: نعم أستقبله في البيت، ولا أرى في ذلك مانعاً؛ وهذا من الأفضل، حتى أكون قريبة، ولكن إذا كانت المشاعر ستتجاوز حد الزمالة فأوجه ابنتي إلى ما فيه صالحها! وكأنه ليس هناك قرآن ولا سنة ولا حديث للنبي ﵊: (ما خلا رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما)، (وما تركت بعدي فتنة أضر على النساء من الرجال).
هذه كل الحقائق التي يشهد بها الواقع، والتي تشهد بها الجرائم والوقائع التي تتكرر، ويأتي أيضاً أب يتفلسف في الإجابة فيقول: أنا أسمح لابنتي أن تحضر زملاءها وليس أصدقاءها! يعني: أنه فرق بين الزملاء والأصدقاء.
وطبعاً لك أن تجتهد وتفكر ويمكن أن تجمع مجمعاً حتى يعطوك الفرق بين الزملاء والأصدقاء! ثم أيضاً يقول: لا بأس أن يكون ذلك؛ حتى أكون على علم، ويعتمد على الصديق من هو، إذا كانت عائلته محترمة، وكما يقولون: عائلة متأدبة ومتدينة كما يحلو لهم أن يقولوا إلى آخره! وهناك أيضاً ثالث يقول: أسمح لابنتي أن تختلط بالشباب، وتذهب إلى الجامعة، وليس هناك عيب في ذلك، لكن لا أحب أن تستقبل الضيوف في بيتي! ورابع يقول: هذا أمر طبيعي! وأُجريت أيضاً الأسئلة على نفس الشباب والشابات.
فأحدهم يقول: زيارة صديقتي لي في المنزل وذهابي إليها أمر طبيعي للغاية، وليست هناك أية مشكلة، وليست هناك أية قضية! وآخر يقول: أستقبل صديقاتي في البيت بطريقة عادية؛ لأنني متعود على ذلك؛ فقد درست في مدرسة أجنبية فيها اختلاط منذ صغري، فالمسألة ما فيها شيء! ثم آخر المقال هو الذي يدلنا على أنه يُراد ألا يكون هناك شيء متعلق بالذكر في مثل هذه الأمور، يقول الكاتب أو المحقق: بعد أن أخذنا آراء الآباء والأمهات والأبناء والبنات فهل بقي في الموضوع كلمات تقال؟! وكأنه يقول: هل هناك شرع؟ وهل هناك دين؟ وهل هناك آيات أو أحاديث؟! هذا كأنه شيء ليس له موقع من الإعراب، وهذه مقاصد مرادة؛ إذ لا يعتبر أنه مجرد كلمات هكذا، وإنما هناك مغزىً مقصود هو: أن هذه الأمور خاضعة للعادات ولقبول الناس، وليس هناك شيء اسمه حكم أو شرع أو دين! وتأتي أيضاً مجلة (صباح الخير) وتنشر عن كتاب تدعي أن صاحبه يقول: إن الحجاب - بمعنى منع الاختلاط بين الرجال والنساء- إنما كان حكماً خاصاً لأزواج النبي ﷺ ! يعني: لا يكتفون بتهميش أو بعدم ذكر حكم الشرع، بل يقومون بالتزوير وتدليس وتغيير الأحكام الشرعية وإبداء هذه الصورة.
стр. 950
حرص كثير من المجلات الهابطة على جعل الأمور المحرمة في الدين غير ذات أهمية
وهناك أيضاً التلاعبات التي تريد أن تجعل الأمور المحرمة غير ذات حرج في الدين، ففي مقابلات عن الشخصيات يقابلون الشيخ سيد المكاوي المغني، ويسمونه شيخاً؛ لأنه يغني -كما يقولون- موالات دينية، أو يقرأ القرآن ويغني! فهو بذلك شيخ، وطبعاً يذكرون في المقابلة أنه يصوم ويصلي، وأنه كذا وكذا إلى آخره.
وهناك أيضاً تكريس المعاني في الطعن في الدين؛ فأحدهم يكتب مقالاً بعنوان: أرجوك لا تفهمني.
يقول: أنا أكتب وأنا صائم، وبالتالي أنا متعب وعقلي مشوش، والإنسان حينما يكون صائماً دائماً يكون غير قابل للتفكير، وغير قابل لكذا ويكتب مقالاً بالفعل سخيفاً من أوله إلى آخره، ويقول في آخر الأمر: إذا لم تفهمني فأرجوك ألا تسألني؛ لأني أنا لم أفهم ما كتبت، وإذا أردت أن أشرح لك فسأزيدك غموضاً إلى غموض! والغرض هو: أن القضية متعلقة بالصوم، وإبداء الصوم في صورة مشوهة، حتى إن هناك (كاريكاتير) منشور في إحدى المجلات يقول: كل شيء في رمضان زين، المسلسلات والتمثيليات وغيرها إلا الصيام فقط وحده هو الذي كان فيه تعب! وهذه الصور يُراد منها الطعن في الدين والاستهزاء والسخرية بالأحكام الشرعية، ومعتقد هذا يكفر؛ لأن اعتقاد هذه القضايا فيها كفر.
وأحدهم في (أكتوبر) وهو من أكثر الناس الذين يكتبون مقالات سيئة الدكتور عبد العظيم رمضان، كان يكتب مقالاً في شهر رمضان عن المسلسلات والتمثيليات التي أتحف التلفزيون بها الجمهور، والتي أنعشهم بها، وسلى بها صيامهم، ثم يقول: وبعض الناس من المتشددين يظنون أن مثل هذا يجرح الصوم، وهؤلاء ما فهموا حكمة الصوم؛ لأن من الصعب أن الإنسان يتخلى عن المتع؛ ولذلك جُعل الصوم فيما بين المغرب والعشاء، والحكمة من الصوم فقط التدرب على بعض هذه الأمور والمتع لوقت بسيط.
يقول: ولذلك لم يمنعنا الشرع أن نكثر من الطعام بعد الصيام؛ فإنه ليس هناك غاية بأن الإنسان مع الصيام يقلل الطعام، وإذا كان ليس هناك أمر بتقليل الطعام فليزد الإنسان من كل شيء بجانب الطعام.
وهكذا تجد أيضاً قضية التعدد تُثار في هذه المجلات بسخرية، وكأنه ليس فيها دين ولا حكم ولا شرع، فتجد مجلة مثل (كل الناس) تنشر في مقدمة افتتاحية مقال عام: التعدد، وتذكر أن جمعية نشأت في الكويت بعد أحداث الخليج من النساء وبعض الرجال، هذه الجمعية تدعو إلى التعدد، وتحاول أن تعرف أو تثقف النساء أو تبين للنساء أن التعدد فيه خير، وفيه أيضاً حلول للمشكلات، خاصة العوانس ومن توفي أزواجهن وكذا.
فهذه الكاتبة تسخر من هذه الجمعية وتقول ساخرة للمرأة: دللي زوجك، وتلطفي، وقولي له: لو سمحت اذهب وتزوج امرأة ثانية.
وهذا نوع من السخرية، ثم تقول: ولقد قبلت هؤلاء النساء هذا باستقبال حار وبإيجابية كبيرة.
والإيجابية الكبيرة اللائقة بهن هي من قبل النساء أنفسهن.
فكيف هذا الاستقبال؟ قالت: إذ ضُربن بالنعال وبالأحذية وشُتمن شتماً مقذعاً، يعني: أن هذا هو الاستقبال اللائق بهن في هذا الأمر.
ثم هناك بحث أو تحقيق طويل في نفس العدد عن هذه القضية، وفيه نصوص وكلام خطير، منه: أن واحدة توفي زوجها، وبينما هي مقيمة في العزاء جاءتها امرأة أخرى وقالت لها: إن زوجك هو زوجي، يعني: أنه تزوج عليها من غير أن تعرف الزوجة الأولى، وأن هذا عقد الزواج، وأن له مني ابنين، فتقول القصة أو الرواية أو التحقيق: إن الزوجة الأولى التي كانت حزينة ألغت الحزن، ولبست، وخرجت، وقالت: الحزن فيه خسارة! وهذا أيضاً تلاعب في الدين والأحكام الشرعية، وكثير من الأقوال تقول: إن له إما البقاء مع الزوجة الواحدة وإما الانفصال، أما أن يكون هذا الأمر فلا يمكن بحال من الأحوال.
следующие страницы →