Полный текст (1 349 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
الاختلاف والتفرق
لقد حذر الله ورسوله ﷺ من الفرقة والتحزب والتشيع، ودعا المؤمنين إلى الاعتصام بحبل الله جميعاً، وبين أسباب الفرقة والاختلاف والتناحر، وأنه يجب على المسلم نبذها واجتنابها.
وهناك أمور وقع الاختلاف فيها بين الصحابة فمن بعدهم، وهي اجتهادات ينبغي ألا تكون سبباً للفرقة، وأن يعذر المجتهد فيها باجتهاده كما عذره رسول الله ﷺ .
стр. 2
تحذير الله سبحانه ورسوله من الفرقة والاختلاف
الحمد لله رب العالمين وأصلي وأسلم على من بعث رحمة للعالمين، وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين، أما بعد: فإن الله حذر من الشقاق والفرقة في كتابه في عدد من الآيات، فجعله منافياً للرحمة في قوله تعالى: ﴿وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾ [هود:١١٨ - ١١٩].
وجعله ضرباً من ضروب العذاب، فقال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ [الأنعام:٦٥].
وجعله مظهراً من مظاهر الشرك فقال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ * مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ * مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [الروم:٣١ - ٣٢]؛ وبين براءة الرسول ﷺ من المختلفين في الدين فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [الأنعام:١٥٩].
وبين أن الخلاف سبب لزوال الريح وللفشل فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال:٤٥ - ٤٦].
وبين مقابله وهو الاعتصام بحبل الله وأمر به فقال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ * وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران:١٠٣ - ١٠٥].
وقد صح عن النبي ﷺ تحذيره من الفرقة والخلاف في عدد كثير من الأحاديث الصحيحة، فمنها ما قاله في خطبته في حجة الوداع، تلك الخطبة التي لم يعش بعدها رسول الله ﷺ فوق هذه الأرض إلا اثنين وثمانين يوماً، فكان ذلك وصيته إلى أمته فقال: (لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض)، وحذر من آثار الخلاف فقال: (سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر).
стр. 3
أسباب الفرقة والاختلاف وبيان ضررها
وقد بين الله أسباب الفرقة المذمومة فذكر منها ثلاثة عشر سبباً متوالياً في سورة الحجرات وحرمها جميعاً: السبب الأول: هو تجاوز الصلاحيات وتعدي الإنسان على حقوق غيره، وقد قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الحجرات:١].
السبب الثاني: هو سوء الأدب مع من يستحق الأدب، فهو سبب للفرقة والخلاف، ولذلك قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ * إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ * ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ * وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الحجرات:٢ - ٥].
السبب الثالث: هو عدم التثبت في نقل الأخبار، بأن يتكلم الإنسان بكل قول سمعه يتلقاه لسانه قبل أن تتلقاه أذنه وقبل أن يعرضه على قلبه، حتى يعلم هل هو صحيح أم باطل؛ فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات:٦] وفي القراءة السبعية الأخرى: (فتثبتوا أن تصيبوا قوماً بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين)، فلابد من التثبت والتبين في نقل الأخبار، وإلا حصل الشقاق والفرقة والخلاف.
السبب الرابع: هو عدم الرد إلى الله ورسوله ﷺ ، والسعي وراء الأهواء والآراء، فقال تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الأَمْرِ لَعَنِتُّمْ﴾ [الحجرات:٧]، ومن هنا ينبغي أن يعلم المسلمون أن الحكم لله في الأمور كلها ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [يوسف:٤٠]، ولذلك فلابد أن يعلموا أن آراء الرجال غير المعصومين هي عرضة للرد والأخذ، كما قال مالك ﵀: ما منا أحد إلا راد ومردود عليه إلا صاحب هذا القبر ﷺ .
وإذا كان للناس مرجع غير معصوم يتحاكمون إليه في أمرهم فذلك عرضة للفرقة والخلاف؛ لأن كل مصدر غير معصوم فلن تجتمع عليه القلوب، فلابد أن يكون سبباً للخلاف، فإذا تعصب له بعض ناس دون بعض أدى ذلك إلى الفرقة والشحناء.
ثم بعد هذا قال: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ * فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً﴾ [الحجرات:٧ - ٨].
السبب الخامس: هو الاعتداء والظلم، فكل ظلم للآخرين وأي اعتداء على حقوقهم هو سبب للفرقة والخلاف؛ لأن المظلوم لابد أن ينتصر يوماً ما، فإما أن ينتصر عاجلاً أو ينتصر آجلاً: (فدعوة المظلوم ليس بينها وبين الله حجاب) كما قال رسول الله ﷺ ، ولذلك قال تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الحجرات:٩ - ١٠].
السبب السادس: هو السخرية من المسلمين؛ فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ﴾ [الحجرات:١١].
وهذا السبب بين ما ينفر منه، في أن الساخر يمكن أن يكون أدنى عند الله منزلة من المسخور منه، فكم من ساخر هو رذيل عند الله ! وكم من مسخور منه هو كريم عند الله! فهذا نوح سخر منه قومه فكان جوابه لهم: ﴿إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ * فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ [هود:٣٨ - ٣٩].
ومن هنا عطف الله ذكر النساء على ذكر الرجال لبيان أن السخرية كثيرة في النساء، فكثير ما يسخر بعضهن من بعض، ولذلك قال: ﴿وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ﴾ [الحجرات:١١] مع أنها لو لم تعطف لدخل النساء في (قوم)؛ لأن القوم لفظ يشمل الرجال والنساء في الإطلاق الشائع، ومن ذلك قول الله تعالى: ﴿وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ﴾ [الأنعام:٦٦]، وفي ذكر الأنبياء جميعاً يذكر القوم ويقصد بهم الرجال والنساء، وقد يطلق القوم على الرجال فقط كما في هذه الآية وكما في قول زهير بن أبي سلمى: وما أدري وسوف أخال أدري.
أقوم آل حصن أم نساء السبب السابع: هو اللمز والغمز بالطعن في الناس قال: ﴿وَلا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ﴾ [الحجرات:١١] فهذا هو اعتراض على الله في خلقه، فالله هو الذي يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة، ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ [الانفطار:٨]، فيجعل الإنسان طويلاً ويجعله قصيراً ويجعله جميلاً ويجعله قبيحاً، ويجعله أبيض إذا شاء، ويجعله أسود إذا شاء، ويجعله ملوناً إذا شاء، ويجعله ذا شعر إذا شاء، ويجعله بخلاف ذلك إذا شاء.
ومن هنا فالغمز إنما هو طعن في خلقة الله الذي خلق هذا الخلق على هذه الصورة، وذلك اعتراض على الله في خلقه، وهو كثيراً ما يؤدي إلى الفرقة والخلاف، فينتصر بعض الناس للمطعون فيه والمغموز فيه ويكون ذلك سبباً للشحناء.
ومن العجائب في إعجاز القرآن أن الله قال: ﴿وَلا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ﴾ [الحجرات:١١] ولم يقل: (ولا تلمزوا إخوانكم)؛ لبيان أن الإنسان إذا لمز أخاه فقد لمز نفسه، لأن الصفة التي يلمز بها يمكن أن تكون فيه صفة مثلها أو أشد، فعندك عورات وللناس ألسن.
ومن هنا كان لابد أن يعرف الإنسان أن طعنه في أخيه هو طعن في نفسه، فلابد أن يحافظ على عرض أخيه كما يحافظ على عرض نفسه.
السبب الثامن: هو التنابز بالألقاب في التصنيفات، وأن يقال فلان من الفرقة الفلانية، أو من الطائفة الفلانية، ويكون هو غير معلن بذلك، فهذا من النبز والتصنيف الذي حذر منه، أي: فهو من التنابز بالألقاب، وهذه الألقاب سواء كانت شخصية كما يكره الناس أن يدعوا به من أسماء، أو كانت غير شخصية كأسماء الفرق والقبائل والمجموعات التي تكرهها، فلا يحل إطلاق اسم على شخص أو مجموعة أو قبيلة وهي تكرهه؛ لأن ذلك من التنابز بالألقاب المحرم.
وإذا كان الإنسان لا يعرف إلا بذلك الذي يكرهه، فهذه مشكلة تكلم عنها المحدثون قديماً، فقد ذكروا بعضَ المحدثين الذين كانت لهم ألقاب يكرهونها كـ ابن علية ومسلم البطين، ولبعضهم ألقاب سيئة أيضاً وإن كانوا لا يكرهونها كـ عارم وهو محمد بن الفضل شيخ البخاري ﵀ كان يلقب بـ عارم، وعارم معناه: المفسد، وهذا اللقب مسلوب الدلالة لا يقصد معناه، فهو من الصالحين المصلحين، لكن اشتهر بهذا اللقب بين الناس، ومثل ذلك إطلاق جزرة على الرجل بسبب أنه كان يقرأ فأخطأ في القراءة فسمي بالكلمة التي أخطأ فيها.
فهذا النوع استشكله الأوائل وجعلوه من دغل أهل الحديث، وذكره الذهبي في دغل أهل الحديث لما ذكر أن كل طائفة من الطوائف الإسلامية لديها دغل وأخطاء، فذكر أن القراء دغلهم في المبالغات في القلقلة وفي إخراج الحروف من مخارجها حتى تتجاوز محلها وفي تتبع الأوجه والروايات، وأن الفقهاء دغلهم في ترك النصوص والعدول عنها إلى آراء الرجال، وعدم التثبت في نقل تلك الآراء بنسبة الروايات المخرجة إلى المجتهدين الذين لم يقولوا بها وإنما خرجت على أقوالهم وفتاويهم، وأن أهل الحديث دغلهم في ذكر الألقاب التي يكرهها أصحابها كما ذكرنا من الألقاب.
وقد ذكر ابن الجوزي ﵀ أن هذا النوع اشتهر في علماء المسلمين، فعلماء المغاربة دخل عليهم الشيطان بسوء الأسماء وعلماء المشارقة بحسن الأسماء، فعلماء المغاربة يتلقبون بالألقاب القبيحة كالدباغ والفخار ونحو ذلك، وعلماء المشارقة يتلقبون بالألقاب الشريفة كشمس الدين وتقي الدين وسراج الدين إلى آخره، فقال: دخل الشيطان على علماء المشارقة بحسن الألقاب، ودخل الشيطان على علماء المغاربة بسوء الألقاب.
﴿وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ﴾ [الحجرات:١١] وقد حذر الله من هذا تحذيراً بليغاً إذ قال: ﴿بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ﴾ [الحجرات:١١] فجعل هذا فسوقاً وجعله خروجاً للإنسان عن طريق الإيمان، فبعد أن قطع الإنسان أشواطاً من الإيمان وصار في هذا الطريق كأنه التفت ذات اليمين أو ذات الشمال فسلك هذا الطريق، إذ تبع الشيطان في التصنيف والترقيم، ولذلك قال: ﴿بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الحجرات:١١]، وهذه فسحة كريمة أتاحها الرب الكري
стр. 4
الحث على اجتماع الكلمة ووحدة الصف
ثم إن علينا عباد الله أن نعلم أن اجتماع الكلمة ووحدة الصف مما أمر الله به، كما ذكرنا في الآيات، وأمر به رسوله ﷺ في عدد من الأحاديث الصحيحة عنه، وهو كذلك قوة للمسلمين.
فهذه الأمة تحف بها الأمم المعادية وتكيد لها بأنواع الكيد، ولا ترضى لها رفع راية ولا الوصول إلى غاية، فلذلك إذا بقيت هذه الأمة في تناحر وخلاف فيما بينها فمتى تنتصر على أعدائها؟ وإذا شغلنا كل وسائلنا في طعن بعضنا في بعض، وكان كل إنسان منا يعمل طاقته وقوته في تحطيم أخيه، فمتى نفرغ لقتال أعدائنا؟ ومتى يكون الانتصار عليهم؟! إن علينا أن نعلم أن أعداءنا يتربصون بنا الدوائر، وأنه إذا أحس الإنسان بتهديد كيانه فذلك سبب لنصرته لأخيه ولو كان مخالفاً له، كما قال الشاعر: لما أتاني عن عيينة أنه عان عليه تظاهر الأقياد بذلت له نفسي النصيحة إنه عند الشدائد تذهب الأحقاد أنتم اليوم في شدة عظيمة، فأمر الدين في تولٍ، وأمم الشر كلها تداعت كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها، فلذلك لابد أن توحدوا صفوفكم وأن تجتمعوا على كلمة سواء، وأن تعلموا أن ذلك لا يتم إلا بالبدء أولاً بنقاط الاتفاق والتنقيب عنها، فلابد أن نبحث عن النقاط التي تجمعنا قبل أن نبحث عن النقاط التي تفرقنا.
فالإنسان يعلم أن له أعداء خارجيين، وهم الكفرة من اليهود والنصارى والمجوس وغيرهم من أنواع الكفر، والكفر ملة واحدة، ويعلم أن له أعداء داخليين من المنافقين المتربصين، ومن أصحاب النزعات الضالة! فلا يخلو مجتمع من هذه النزعات التي تغلغلت في المجتمعات، حتى بلغ سيلها الزبى، وانتشرت في مجتمعاتنا الإسلامية، فإذا أحس الإنسان بالتهديد من خارج الكيان ومن داخله، فلابد أن يبحث عن الأنصار إذا كان عاقلاً، ولا ينبغي أن يبحث عن التخذيل في مثل هذا الوقت، ألا ترون أن الإنسان الذي هو عرضة للابتزاز، وأعداؤه يتربصون به الدوائر، ينبغي هنا في مثل هذا الوقت أن يرتب الأولويات، وأن يبدأ بالأولى والأكثر عداوة والأقوى حتى يصل إلى غيره.
فإذا فتح عليه كل الجبهات في وقت واحد فإنه حينئذ غير عاقل وغير مدبر، فلذلك لابد أن يبدأ الإنسان بالجبهة العظمى، ولهذا فإن الرسول الكريم ﷺ وهو الأسوة الحسنة لما أراد بناء دولة الإسلام في المدينة بدأ أولاً فعقد هدنة مع اليهود الذين هم داخل المدينة؛ لأنهم أقرب الأعداء إليه، ثم لم يتعرض للمنافقين بسوء؛ خشية أن يقال: إن محمداً يقتل أصحابه، فلم يقتل أحداً منهم ولم يشهر به أمام الناس، وكان يعود مرضاهم، بل قد صلى على جنازة رأس من رءوسهم، حتى نهي عن ذلك، ثم بعد هذا ذهب إلى القبائل المجاورة للمدينة من الأعراب كبني ضمرة وبني مدلج، فعقد معهم الهدنة على أن لا يكثروا عليه سواداً، وأن لا يعينوا عليه مغيراً، ثم بعد هذا حارب العدو الألد وهم قريش، الذين إذا انتصر عليهم فذلك انتصار على العرب كلها كما حصل.
إن هذا من سياسة رسول الله ﷺ ، التي هي تابعة للوحي المنزل عليه من عند الله ، ولابد من الاقتداء به في ذلك، فإن مهادنته لليهود إذ ذاك ليست على أساس أنهم أقل كفراً من قريش أو أقل ضرراً منهم، ولكن إنما هي على أساس أنهم أضعف منهم، فاليهود إذ ذاك أقل شوكة وأضعف من مشركي قريش، فلذلك بدأ بالأقوى، ثم فاضل بين اليهود أنفسهم، فأكثرهم ضرراً وعداوة هم بنو قينقاع، فهم أول من أخرجهم الرسول ﷺ من المدينة، ثم بعدهم بنو النضير أخرجهم إلى خيبر، ثم بنو قريظة حيث قضى عليهم في المدينة.
стр. 5
سياسة فرق تسد ودور الأعداء في تطبيقها
فهذا التدريج في الإعداد من المهمات جداً، والأعداء يعرفون هذا، ومن أجل هذا فهم يسلطون بعضنا على بعض، وينطلقون من سياسة واضحة لديهم وهي: سياسة (فرق تسد)، فيريدون أن يفرقوا جمعنا، فإذا فرقوه حينئذ استطاعوا التغلب على كل مجموعة يسيرة، ومن أجل هذا عقد مؤتمر (سايكس بيكو) لتوزيع العالم الإسلامي -الذي يسمونه تركة الرجل المريض- إلى دويلات.
وعندما قسموا بلاد الإسلام جعلوا الحدود بين كل دويلتين متجاورتين على منطقة حيادية؛ لتكون بؤرة للخلاف وسبباً للحرب في كل وقت، فما من بلدين إسلاميين إلا وبينهما منطقة محايدة يمكن أن يثار فيها الخلاف وتقوم فيها الحرب، وتعرفون أن منطقة الصحراء الغربية تركت بين موريتانيا والمغرب والجزائر من أجل إقامة حرب فيها متى تيسر ذلك ومتى أراد المستعمر ذلك، وكذلك منطقة صغيرة بين تونس والجزائر، ومنطقة أخرى بين ليبيا والجزائر، ومنطقة بين موريتانيا ومالي، ومنطقة على شاطئ النهر كذلك بين موريتانيا والسنغال، ومثل هذا منطقة بين تشاد وليبيا وقامت فيها حرب ضروس، وكذلك منطقة بين مصر وليبيا، وكذلك الحال في الحدود بين السعودية واليمن، وبين السعودية وقطر والإمارات والكويت، والعراق أيضاً، ومثل هذا منطقة الرميلة بين الكويت والعراق التي قامت على أساسها الحرب.
وهكذا الحدود بين كل بلدين إسلاميين، تجدون أنها قابلة للانفجار في كل وقت، فمنطقة أنطاكية بين تركيا وسوريا ومنابع الأنهار، ومنطقة حلايب بين مصر والسودان، ومنطقة جنوب السودان وغير ذلك من المناطق، ما من منطقة بين دولتين إسلاميتين متجاورتين إلا وقد جعل فيها المستعمر منطقة لم يحسمها بالحدود؛ لتكون قابلة للانفجار في أي وقت أراد أن يحركها.
وكذلك قضية الأقليات التي يلعب على أوتارها المستعمر في كل مكان، فإنهم عندما أرادوا توزيع البلدان حرصوا على أن لا يكون بلد بعرق واحد خاص، بل كل بلد تجمع فيه أعراق وتدمج فيه أعراق ويكون بعضها غالباً وبعضها مغلوباً، حتى تكون فيه أكثرية وأقلية، هذه الأعراق إن استطاعوا أن تكون طوائف دينية فعلوا، وإلا جعلوها طوائف عرقية، وتعرفون التقسيم الحاصل للأكراد حين قسموهم بين أربع دول، الأكراد مجموعة صغيرة في شمال العراق قسمها المستعمر بين سوريا وتركيا والعراق وإيران، كل دولة فيها أقلية كردية، وهذه الأقلية تطالب بحقوق، وهكذا في البلدان التي يجتمع فيها العرب والبربر، أو العرب والأفارقة يجعلون فيها أقلية من أحد الجانبين وأكثرية من الجانب الآخر؛ حتى تكون بؤرة للخلاف في أي وقت يمكن أن يثار الخلاف بينها.
وما تسمعونه في الجزائر من تحريك القبائل البربرية، وما يحصل بين الفينة والأخرى هنا وفي المناطق الأخرى كله من هذا القبيل، ومن المؤامرات الدولية التي يقصد بها تفريق جمع المسلمين وشتات أمرهم، وأن يكون بأسهم فيما بينهم حتى يمنع ذلك وصول البأس إلى الأعداء، وما دام أهل الإسلام لا ينتبهون لمثل هذا الخطر فالأعداء في أمان؛ لأنهم إذا أحسوا بقوة لدى دولة من الدول صرفوها إلى جيرانها، لما أحسوا بقوة ضاربة لدى العراق وجهوها إلى الكويت البلد الصغير الضعيف المجاور، وهكذا فالقوة المصرية التي ضربت ليبيا، والقوة الليبية التي توغلت في تشاد ثم قضي عليها بالكلية، قتل منها ألف وخمسمائة مقاتل في عشية واحدة، وهكذا كل هذا قوة للإسلام، ومع ذلك يراد أن تكون مشغلة وسبباً لزوال هذه القوة.
ومنطقة كشمير بين الهند وباكستان الآن من المناطق الساخنة في العالم، وتعرفون الآن الحاصل فيها، وكذلك الأقلية الطاجيكية في أفغانستان، والأقلية الأوزبكية فيها أيضاً، فهما أقليتان في مقابل البشتون الذين عندهم الكثرة هنالك.
فالمستعمر أراد هذا التقسيم مع أن طاجكستان يمكن أن تضاف إليها القبائل الطاجيكية وأوزباكستان يمكن أن تضاف إليها القبائل الأوزبكية، لكن المستعمر أراد أن يأخذ جزءاً من هذه حتى تكون أقلية قابلة للقتال في أي وقت، وبذلك تشهدون مثل هذا في عصرنا هذا.
إن المسلمين عليهم أن ينتبهوا لكل سبب من أسباب الفرقة والخلاف وأن يحذروا منه قبل أن يثور، وإذا حصل فعليهم أن يكونوا معالجين له على الوجه الصحيح، كما بين الله في كتابه: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الحجرات:٩].
ومن العجائب في التفرقة ما حصل في لبنان، فإن النصارى فيه أقلية في الواقع، لكن المستعمر قسم المسلمين فيه إلى طوائف، فجعل منهم سنة وشيعة ودروزاً، وقسم أهل السنة إلى أقسام، وقسم كذلك الشيعة إلى أقسام، حتى أصبحت كل فرقة وحدها أقلية في مقابل المارونيين النصارى فأصبحت الرئاسة دائماً للمارونيين النصارى، وهذا النوع من المؤامرات لا يزال مستمراً، وعلينا أن ننتبه له في كل الأحيان، وأن نستشعر خطره وضرره.
ففي هذه الأيام تدور حرب ضروس في بعض الجمهوريات الإسلامية بين بعض الطوائف الصوفية فيما بينها، وما ذلك إلا بأيدي المستعمرين، فليس لهؤلاء المساكين مصلحة في التناحر والتقاتل فيما بينهم، ولكن المستعمر أراد أن يتقدم بعضهم على بعض حتى تذهب القوة فيما بينهم، وحتى يبيع هو سلاحه للطائفتين، ويكون بذلك قد حقق مصلحتين: فتح سوقاً للسلاح، فالمصانع تصنع السلاح يومياً تحتاج إلى سوق تفرغ فيه سلاحها، ورد كيد المسلمين في نحورهم، ورد قواهم إلى أنفسهم، ومن هنا يأمن هو الخطر.
وتعلمون أن أمريكا سعت لإقامة حرب في الجمهوريات الإسلامية عند تشتت الاتحاد السوفيتي؛ لأن هذه الجمهوريات تمتلك وسائل القوة، فلديها المفاعلات النووية، ولديها الخبرات العالمية الكبرى، فهذا لا يسر أمريكا أن يكون بأيدي المسلمين بحال من الأحوال، فلذلك كانت من وراء الحرب في الشيشان التي مازالت قائمة إلى الآن، ومن وراء الحرب بين جورجيا وأذربيجان، فهذا النوع من الحروب مقصود، وهو استراتيجي لابد من تحقيقه لئلا يكون للمسلمين قوة ضاربة، وفي هذه الأيام يريد الأمريكان كذلك ضرب بقية القوة في العراق لتحطيمها؛ لأنهم أحسوا أن العراقيين مازالت لديهم قوة ومال وخبرة، فيريدون تحطيم ذلك، ولا يمكن أن يغزوهم بالجيش الأمريكي، بل لابد أن تتحرك الجيوش الإسلامية أولاً، حتى تتحمل البأس العراقي عن الجيش الأمريكي، ومثل هذا ما يريدونه الآن وما يخططون له للحرب بين الهند وباكستان؛ ليكون ذلك قضاء على القوة النووية الباكستانية، التي هي ملك للمسلمين.
стр. 6
حقيقة الخلاف بين المسلمين وحجمه
إن أسباب الفرقة والخلاف في مجتمعاتنا كثيرة جداً، وأغلبها وأكثرها إنما هو في الأمور الدنيوية، فكثيراً ما يختلف الناس ويتفرقون على أساس مصالح مظنونة غير حقيقية، فالخلافات التي تدور دائماً في إبان تحرك السياسات وإن كانت خلافات مؤقتة إلا أنها ليس لها مبرر لا من الناحية الشرعية ولا من الناحية العقلية، فمن المعقول أن يختلف اثنان في السياسة فأحدهما يرى التوجه إلى كذا والآخر يرى التوجه إلى كذا، لكن أن يكون ذلك ذريعة للبغضاء والشحناء وإنفاق الأموال من أجل الضرر بإخوانك؛ فهذا لا يمكن أن يقبل بأي وجه من الوجوه.
стр. 7
ماهية الخلاف المقبول شرعاً
إن علينا أن نتفهم أن الخلاف المقبول شرعاً أحد أمرين: إما خلاف في أمور الدنيا وقد مر معنا، أو في أمور الدين وهذا لا يكون إلا في غير المحسوم بالدليل، أما ما حسمه الوحي القطعي الدلالة والورود فلا يمكن الخلاف فيه.
والأمور الظنية الاجتهادية تقبل الخلاف، ويمكن أن تتباين فيها المذاهب وأن تتعادل فيها الآراء، وحينئذ لا يحل التعصب لرأي من الآراء، بل ينظر إليها جميعاً على أنها من تراث هذه الأمة، ومن إنتاج عقولها، وأن هذه مأخوذة من الوحي معتمدة عليه، فما كان منها صواباً فمن توفيق الله، وما كان منها خطأً فخطؤه على صاحبه، وليس عليه إثم إذا كان أهلاً للاجتهاد، بل هو مثاب بأجر واحد، والمصيب مثاب بأجرين، ومن هنا فالمذاهب الفقهية المعتمدة على فهم المجتهدين في الأدلة الشرعية يقبل الخلاف بينها، وينبغي أن يأخذ طالب العلم بالراجح منها، وأن لا يحتقر المرجوح، بل يعلم أنه قول مقبول وأن له دليلاً، وأنه إن ترجح لديه هو خلافه فلم يحسم الخلاف، بل ازداد أحد القولين بصوت واحد، ومن هنا فلا يحسم هذا الخلاف، وستبقى المذاهب موجودة وتبقى المدارس موجودة.
ومثل هذا في المدارس الدعوية والجماعات الإسلامية، فالخلاف بينها مثل الخلاف بين الفقهاء المجتهدين، يختلفون في آراء غير محسومة من ناحية الدليل، ولكل منهم أن يجتهد فيها، فمن أصاب فله أجران ومن أخطأ فله أجر، ولكن لا يحل التعصب والمصادرة بوجه من الوجوه، ولابد إذا حصل ذلك الخلاف أن يكون حله بالرجوع إلى أهل العلم الراسخين فيه، وأن ينظر في الأدلة الشرعية، فمن كان أسعد بالدليل وأقوى حجة تنازل له الآخر عن رأيه، فهذا هو الوجه الصحيح المقبول! وإذا وجد أن لكل حجة ولكل دليلاً ولم يمكن الجزم بمصداقية أحد القولين، حينئذ لابد أن يعذر كل واحد منهما الآخر، وأن يتعاونوا فيما اتفقوا عليه، ولذلك قال عثمان بن عفان ﵁ حين أطل على الناس وهو محصور في الدار فقال له رجل: (يا أمير المؤمنين! أنت إمام سنة، وهؤلاء إمامهم إمام البدعة وهم يصلون، أفنصلي معهم؟ قال: إن الصلاة من أحسن ما يصنع الناس، فإذا أحسنوا فأحسن معهم، وإذا أساءوا فتجنب إساءتهم).
ومن هنا فعلينا أن نستحضر نقاط الاتفاق بيننا أولاً، وأن نعلم أن أهل السنة من المسلمين نقاط الاتفاق بينهم أعظم وأكبر من نقاط الاختلاف، فنقاط الاختلاف في المجال العقدي محصورة يسيرة جداً، والذين يروجون لكثرتها ويريدون أن تكون شرخاً عظيماً لم يستوعبوها ولم يفهموا معاقل العلماء فيها.
стр. 8
عقيدة أهل السنة في أركان الإيمان الستة إجمالاً
أنتم تعلمون أن أركان الإيمان ستة بينها النبي ﷺ لجبريل في قوله: (أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره)، هذه ست ثلاث منها ليس بين أهل السنة خلاف فيها أصلاً، لا في جزئياتها ولا في كلياتها، وهي: الإيمان بالملائكة فهو محل اتفاق بين أهل السنة جميعاً، والإيمان باليوم الآخر فهو محل اتفاق بين أهل السنة جميعاً، والإيمان برسل الله ﵈ فهو محل اتفاق بين أهل السنة جميعاً، هذه الثلاثة لا خلاف في جزئياتها ولا في تفصيلاتها بل كلها محل اتفاق.
стр. 9
الاختلاف في الإيمان بالقدر عند أهل السنة
الإيمان بقدر الله خيره وشره محل اتفاق في الجملة بين المسلمين، وبين أهل السنة والجماعة، فكلهم يؤمنون بالقدر خيره وشره حلوه ومره، وإنما حصل الخلاف في أمر واحد وهو: أفعال العباد واستطاعتهم وقدرتهم عند صدور الفعل منهم؛ هل أفعال العبد هي من فعل العبد أم من فعل الله خلقها الله وقربها إلى العبد فجعلها من كسبه فتحصل عند إرادة العبد لا بها؟ هذا محل خلاف، ومذهب جمهور أهل السنة وهو مذهب الحق: أن تلك الأفعال هي من أفعال المخلوقين لهم قدرة وإرادة، قدرة يفعلون بها أفعالهم وإرادة يريدون بها، ولكنها من خلق الله، فالله خالق كل شيء وأفعال العباد من خلق الله، قال سبحانه: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات:٩٦] ومشيئته أي العبد موجودة لكنها معلقة بمشيئة الله، قال سبحانه: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ * وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير:٢٨ - ٢٩].
ومع ذلك فمن قال من أهل السنة بنظرية الكسب وهو أبو الحسن الأشعري فإنه يعذر في اجتهاده؛ لأنه اجتهد فأخطأ، ومن هنا فهو مأجور على اجتهاده معذور في خطئه.
стр. 10
الإيمان بالكتب المنزلة عند أهل السنة
المسألة الثالثة: هي الإيمان بالكتب المنزلة، فقد أجمع أهل السنة جميعاً على أن الكتب المنزلة من عند الله هي من كلام الله، وأنها ليست من كلام المخلوقين، وأنها غير مخلوقة ولا صفة لمخلوق، وإنما اختلفوا فقط في الكلام اللفظي هل هو صفة الله أو الكلام النفسي هو صفته فقط؟ فالخلاف هنا نقطة يسيرة محصورة، وهي من الأمور الاجتهادية التي ما حسمها النص ولا تكلم بها النبي ﷺ ولا الصحابة ولا التابعون، فيمكن أن يعذر المخطئ فيها، فإذا عرفنا هذا عذر بعضنا بعضاً، وعرفنا أن الخلاف بين أهل السنة في العقائد في نقاط يسيرة محصورة وهي التي بيناها، وأن ما سواها من الأمور الخلاف فيه إنما هو بين أهل السنة وبين الفرق الضالة المبتدعة كالجبرية والقدرية وغيرهم.
стр. 11
عقيدة أهل السنة في الإيمان بالله وأسمائه وصفاته
أما الثلاثة الأخرى فأولاً: الإيمان بالله محل اتفاق في عمومه بين أهل السنة، بل بين المسلمين جميعاً، وإنما الخلاف في جزئيات يسيرة.
فالإيمان بالله ينقسم إلى ثلاثة أقسام: الأول: الإيمان بألوهيته، أي أنه خالق هذا الكون الذي يستحق العبادة والدعاء ويستحق أن يصمد إليه في الحوائج كلها.
الثاني: الإيمان بربوبيته: أي الإيمان بأنه لا خالق للكون سواه وأنه وحده المدبر لشئون هذا الكون كله، ولا يمكن أن يعطي أحد ما منعه، ولا يمنع أحد ما أعطى، ولا يشفع أحد عنده إلا بإذنه، فهذان محل اتفاق بين أهل السنة كلهم.
الثالث: الإيمان بأسمائه وصفاته: وهذا ينقسم إلى قسمين: الأول: الإيمان بأسمائه وهو محل اتفاق بين أهل السنة جميعاً.
الثاني: الإيمان بصفاته وهذا ينقسم إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: ما يدرك العقل كونه صفات لله، وهذا محل اتفاق بين أهل السنة جميعاً، فإنهم يؤمنون بكل ما يدرك العقل كونه صفة لله، والصفة إنما ينعت بها الموصوف.
ومن ذلك العلم، فالله عليم، والله عليم بذات الصدور، والإرادة كذلك، فيدرك العقل كونها صفة، فلذلك تقول: الله مريد، وكذلك القدرة يدرك العقل كونها صفة، وكذلك الحياة يدرك العقل كونها صفة، وكذلك القدم والبقاء يدرك العقل كونهما صفة، ولذلك يمكن أن يقال: الله باق، الله قديم إلى آخره، وكذلك الوحدانية يدرك العقل كونها صفة، وكذلك السمع والبصر والكلام يدرك العقل كونها صفات، ولذلك يوصف الله بها.
القسم الثاني: ما يدرك العقل كونه أفعالاً لله وهو أيضاً محل اتفاق بين أهل السنة جميعاً، إلا في جزئيات يسيرة من الأفعال سنذكر الخلاف فيها، فمثلاً: خلق السماوات والأرض وخلق الكون كله من أفعال الله ، وإنزال المطر وإنبات النبات والهداية والإغواء والإماتة والإحياء، كل ذلك من أفعال الله التي لا يخالف فيها أحد من أهل السنة، فهم يعلمون جميعاً أن هذه الأفعال من أفعال الله ويتفقون عليها لا ينكرها أحد منهم.
من الأفعال ما يتوهم منه بعض الناس تشبيهاً لله بخلقه، كتلك التي حصل الخلاف فيها بين أهل السنة وهو خلاف ضيق محصور.
فجمهور أهل السنة يعلمون أن كل ما أخبر الله به عن نفسه فهو حق وليس فيه نقص، فإن النقص محال عليه، ومن هنا أنه ينزل كل آخر ليلة، وأنه مستو على عرشه بائن من خلقه، والله يمد يده بالنهار ليتوب مسيء الليل وبالليل ليتوب مسيء النهار، ويداه سحاءان بالعطاء لا تغيضان، والله يقبل الصدقات من عباده، والله يجيء يوم القيامة لفصل الخصام، ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا * وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ﴾ [الفجر:٢٢ - ٢٣] والله تعالى يغضب ويرضى، والله يضحك ضحكاً يليق به.
فكل هذه أفعال تليق به تخالف أفعال المخلوقين، ولا يشابهها فعل المخلوق وإن اشترك معها في الاسم، فلا أحد من أهل السنة يشبه هذه الأفعال من أفعال الله بأفعال المخلوقين أبداً، بل يؤمنون بأن الله يفعل فعلاً يليق بجلاله وهو كمال في حقه، وأن المخلوق يفعل فعلاً يليق بقدره أيضاً، وأن أفعال المخلوقين التي تنسب إليهم هي من أمرهم، وأن أفعال الله التي تنسب إليه هي من أمره ، وأمر الله مباين لأمر المخلوقين.
ولا يشبه أحد من أهل السنة نزول الله أو استواءه أو تكلمه أو غضبه أو رضاه أو ضحكه بشيء من أفعال المخلوقين أبداً! بل يؤمنون جميعاً بأن ذلك لا يشبه شيئاً من أفعال المخلوقين، وأن الله متصف بذلك وأنها صفات كمال في حقه.
إذاً الخلاف في صفات الأفعال خلاف يسير محصور، فلابد أن نعلم أن الذين يروجون هذه الأفهام ما أرادوا بذلك تكذيب الله ولا الرد عليه ولا الرد على رسوله، بل أرادوا بذلك تنزيهه عن خلقه حينما فهموا أن ذلك نقص، والغلط من قبل الفهم فقط وليس الخطأ في النص!، لكننا نعذرهم في خطئهم؛ لأنهم أعملوا عقولهم في تنزيه الله عما لا يليق به وآمنوا به وأحبوه وعبدوه، فلذلك أخطئوا في الاجتهاد في أمر يسير جداً، ليس من الأمور التي فصلها الشرع تفصيلاً وتكلم بها النبي ﷺ والصحابة والتابعون، فإنما هو أمر محصور يسير.
القسم الثالث: ما لا يدرك العقل كونه صفة ولا فعلاً، فهذا قد اختلف فيه أهل السنة وهو فقط في أمور محصورة لا تتعدى تسعة: وهي الوجه والعين واليدان والأصابع والقدم والساق؛ فهذه أثبتها الله لنفسه وأثبتها رسوله ﷺ في الأحاديث الصحيحة عنه، وقد أجمع المسلمون جميعاً على أن ما قاله الله حق وأن ما قاله رسوله حق، وإنما اختلفوا فقط هل هي صفات لله تليق به لا تشبه صفات المخلوقين تقر كما جاءت ونؤمن بها كما هي، أم نؤولها بصفات أخرى من صفات الخالق، أو نحيل علمها إلى الله.
فهم إذاً جميعاً متفقون على أنها حق وأنها صدق وأنها من كلام الله ومن كلام رسوله ﷺ ، لكن من أصاب منهم علم أنها لله كما يليق به وأنها لا تشبه صفات المخلوقين وأنها وصف كمال في حق الله، فوجه الله كمال له، ويداه مبسوطتان كمال له، وعينه لا يغيب عنها شيء من خلقه، وكذلك قدمه وساقه وأصابعه كل ذلك ثابت له ، فكل هذا من صفات الكمال في حقه ، والذين يؤولون أو يحيلون العلم في ذلك إلى الله ويفوضونه إليه اجتهدوا فأخطئوا، لكن اجتهادهم مقبول؛ لأنهم في مثل هذا الموقف إنما طلبوا الإيمان بالله وتنزيهه عن النقص، وأرادوا تحقيق الإيمان به وتحقيق محبته، فنحن نعذرهم في خطئهم.
ومن هنا فلا يحل التعصب في مثل هذا النوع، وبالأخص في الأمور التي تؤدي إلى تكفير المسلمين بغير حق، أو تفسيقهم وتبديعهم بغير حق، فكل ذلك من الممقوت شرعاً المذموم، ولهذا فإن الشافعي ﵀ قال في الأم: كل الفرق تقبل شهادتهم وروايتهم إلا الخطابية فإنهم يستحلون الكذب لنصرة من وافقهم في المذهب، فجميع الفرق حتى وإن كانوا من القدرية أو من الشيعة أو من الخوارج من لم يصل منهم إلى درجة التكفير في بدعته تقبل شهادته وروايته، ولذلك فإن البخاري ﵀ أخرج في الصحيح عن عبيد الله بن موسى وهو من الشيعة، وعن هشام الدستوائي وقد قال بالقدر، وعن عمران بن حطان وهو من الخوارج.
فأصحاب الفرق إذا لم يصلوا إلى حد التكفير في بدعتهم، ولم يكن مطعوناً عليهم في دينهم بالصدق، فإنه تقبل روايتهم وشهادتهم، ولذلك فإن في المذهب المالكي أن الاقتداء بهم في الصلاة يجوز، وأن الحرورية وهم من أوائل الخوارج الذين خرجوا على علي ﵁ تصح الصلاة خلفهم، وذلك أن علياً ﵁ قال: حين سئل عنهم: (أكفار هم؟ قال: من الكفر فروا، قيل: فما هم؟ قال: إخواننا بغوا علينا)، وقال لهم: (إن لكم علينا ثلاثاً: ألا نبدأكم بقتال ما لم تقاتلونا، وألا نمنعكم مساجد الله ما صليتم إلى قبلتنا، وألا نمنعكم نصيبكم من الفيء ما دامت أيديكم مع أيدينا).
والتعصبات في مثل هذا النوع غير مقبولة.
стр. 12
الخلاف بين أهل السنة في المسائل الفقهية الاجتهادية
стр. 13
موقف الأئمة الأربعة من النصوص
إن هذا هو من التعصب البين المقيت، وعلينا أن نعلم أن المذاهب ليست ديانات منزلة، وإنما هي اجتهادات أئمة في الدين، سخرهم الله تعالى لحفظ الشريعة، فاجتهدوا في تغطية النوافذ والوقائع التي لم يجدوا فيها نصوصاً، فبينوا فيها ما أداهم إليه اجتهادهم، وهم جميعاً يقولون: إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ، كما كان مالك ﵀ يقول: ما منا من أحد إلا راد ومردود عليه إلا صاحب هذا القبر ﷺ .
وكان أبو حنيفة ﵀ يقول: إذا وجدت قول النبي ﷺ لم أعده، فإن لم أجده فوجدت قول أحد من أصحابه لم أعده، فإن لم أجده ووجدت قول عبيدة السلماني وزر بن حبيش وقيس بن أبي حازم وأضرابهم لم أعده، فإن تجاوزت أولئك فهم رجال ونحن رجال.
وكذلك قال الشافعي ﵀: إذا صح الحديث فهو مذهبي، وإذا وجدتم قولي يعارض قول رسول الله ﷺ فاضربوا بقولي عرض الحائط.
وكذلك قال أحمد بن حنبل ﵀: لا ينبغي لأحد أن يعارض السنن بقياس ولا رأي.
وهذا الذي نص عليه خليل ﵀ في الجامع إذ قال: ولا يحل أن تعارض السنن بقياس ولا رأي، ولا يعرف عن أحد من أهل المدينة رواية خبرين اختلفا، فإنما يحدث بالذي عليه العمل، فلذلك لا يمكن أن تعارض أقوال النبي ﷺ بأقوال أحد من الناس، إذا وجد القول عن النبي ﷺ وفهمناه واتفقنا على فهمه فهو حاسم للخلاف بيننا جميعاً، وإذا لم نجده ووجدنا خلافاً بين المجتهدين وكل منهم له وجه ومأخذ شرعي، فلا يمكن أن نتعصب لأحد، ومن ترجح لدينا قوله أخذنا به مع احترامنا للآخر المقابل له غاية الاحترام، ونعلم أن من أخطأ منهم فهو معذور في خطئه مأجور على اجتهاده، وأن من أصاب له أجران.
стр. 14
موقف المعاصرين من المسائل الاجتهادية
ومثل هذا في اجتهادات المعاصرين والمتأخرين الذين يخالفهم كثير من الناس، فيشنون عليهم حرباً ضروساً، فتسمعون الآن كثيراً من علماء الإسلام الذين اشتهروا في العالم ونفع الله بهم كثيراً وانتشرت أقوالهم، يجتهدون في بعض المسائل فيخالفهم من سواهم، كالشيخ يوسف بن عبد الله القرضاوي حفظه الله، فله اجتهادات كثيرة جداً، وهو من عمالقة هذا العصر في المجال الفقهي، ومع ذلك فيخالفه كثير من الناس في اجتهاداته، ونحن نخالفه في كثير من اجتهاداته، لكن ليس معنى ذلك أننا نطعن فيه إذا خالفناه في الاجتهاد، بل نرى أننا إذا خالفنا مالكاً وهو أكبر فكيف لا نخالف القرضاوي! فمن هنا نعلم أن الجميع يخطئون ويصيبون، وأن ما أصابوا فيه لهم فيه أجران، وما أخطئوا فيه لهم فيه أجر، وهم معذورون في الخطأ الذي حصل منهم فيه، ولا نطعن في أحد منهم.
وقد قال ابن القيم ﵀: زلات العلماء أقذار وهم بحار، وإذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث.
ومن هنا فكثير من فقهائنا في هذه البلاد يفتون بعض الفتاوى التي لا نوافقهم عليها، لكنها لا تنقص احترامنا لهم بوجه من الوجوه، فنحن نقدرهم تقديراً عظيماً ونعلم أنهم أهل للتقدير؛ لأن الله ائتمنهم على وحيه وجعلهم يفتون الناس في دينهم، فكيف يأتمنهم الله على الوحي وهو لا يأتمن المفلسين على دينه أبداً، ونطعن نحن فيهم؟! فنحن نحترمهم ونقدرهم ونقدر العلم الذي يحملونه ونخدمهم بما نستطيع، لكن نعلم أنهم غير معصومين ولا نوافقهم في أخطائهم، ونعلم أننا نحن أيضاً نخطئ وأنهم يخالفوننا في أخطائنا ولا نلومهم إذا خالفونا.
ولذلك قال البويطي ﵀: لما ألف الشافعي كتابه سلمه إلي فقال: خذ هذا الكتاب على خطأ كثير فيه، قال: قلت: يا أبا عبد الله أصلحه لنا، قال: كيف وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء:٨٢] أبى الله العصمة إلا لكتابه.
ومن هنا فكل الكتب المؤلفة فيها أخطاء، والكتاب الوحيد الذي ليس فيه خطأ هو القرآن الكريم المنزل من عند الله، أما ما عداه من الكتب حتى لو كان صحيح البخاري الذي تجاوز القنطرة، فلابد أن تلقى مسائل فيه هي محل إشكال، يختلف فيها الناس في فهمها وفي معناها، مثلاً في قوله: (وأجاز عمر بن الخطاب الشهادة على الشهادة في الحدود أو في الجارودي)، روايتان في صحيح البخاري، وكلتاهما روايتان صحيحتان عن البخاري ﵀ أدرجهما في صحيحه؟! ومثل ذلك: (أن عمر بن عبد العزيز أجاز الكتاب في السن)، وكذلك: أن عمر قال: (إن من الربا أبواباً لا تخفى ومنها السلم في السن).
ما معنى السن في الموضعين؟ محل خلاف، كل شراح صحيح البخاري اختلفوا فيها وما عرفوا وجه الصواب فيها؛ فإذا كنت لا تأخذ كتاباً إلا إذا كان صواباً مائة في المائة فلن تأخذ إلا القرآن وستنبذ كل ما سواه.
ومن هنا فإن من يقرأ هذه الكتب لابد أن يكون غير متعصب، فإذا رأى فيها صواباً أخذ به، وإذا رأى فيها خطأً نقله من غير أن يأخذ به وبين خطأه، ومن هنا فالذين يسألون كثيراً اليوم عن دراسة الفروع الفقهية غير مقرونة بالأدلة وعن الحكم بذلك، إنما حصل الخطأ في فهمهم من هذا الوجه، حيث ظنوا أن هذه الفروع عزلت عن الكتاب والسنة وجعلت نداً لهما، والواقع أن هذا حاصل لدى بعض الناس، فبعض البلهاء قرءوا تلك الفروع مجردة؛ فتوهموا أنها هي زبدة الكتاب والسنة، وأن الكتاب والسنة قد مخضا فلم تبق فيهما فائدة نسأل الله السلامة والعافية.
وهذا خطأ في الفهم وابتعاد عن الشرع، وإذا راجع الإنسان نفسه عرف أنه خطأ كبير، وأنه لا يمكن أن يقول به أحد من المسلمين، ولذلك تجدون كثيراً من الناس يقولون: إنه لا يجوز العمل اليوم بالكتاب والسنة، من قال هذا؟ هل أرسل أحد بعد النبي ﷺ من عند الله؟! هل نزل كتاب بعد القرآن؟! كيف يقال: لا يجوز العمل بالقرآن؟! القرآن يأمرنا بالعمل به، الله يأمرنا بالعمل به، والسنة هي آخر ما جاء من عند الله من الوحي منزلاً على محمد ﷺ ، ولذلك حصلت لي قضية مع إمام من الأئمة، كانت لدي محاضرة في مسجده، وسئلت فيها عن حكم الاحتفال بالمولد النبوي الشريف؟ فذكرت أن هذا الأمر لم يقع في عصر الصحابة ولا في عصر التابعين ولا في عصر أتباع التابعين، وأن قاعدة أهل السنة: لو كان خيراً لسبقونا إليه، وهي مخالفة لقاعدة المشركين الذين يقولون: لو كان خيراً ما سبقونا إليه، ونحن نقول: لو كان خيراً لسبقونا إليه، وأنها إنما عرفت في القرن الرابع الهجري في بدايته في أيام العبيديين، فالشيخ هذا تقدم للتعقيب فقال: فعلاً هي سنة، ولكنها تأخرت مشروعيتها فشرعت في القرن الرابع من الهجرة، فقلت: الإمام يحدث عن جبريل لأنه نزل في القرن الرابع الهجري، وتعرفون أن الحكم في الشرع خطاب ربنا، وكل طلاب العلم درسوا في منظومة ابن عاشر الحكم الشرعي خطاب ربنا، فإذاً كيف تكون المشروعية في القرن الرابع الهجري؟! إن هذا من الأمور المضحكة التي يعجب لها الإنسان.
ومثل ذلك ما يحصل في المقابل أيضاً من أن بعض الناس يتعصب ضد هذه الفروع الفقهية التي جمعت ويسرت وسهلت وهي خدمة للكتاب والسنة، وفي المقابل لا يستطيع هو أن يوجد بديلاً عنها، إذا سألته عن تصحيح صلاة أو عقد نكاح أو عقد بيع أو أي عقد من العقود ليس لديه حل؛ لأنه لم يقرأ من الشرع إلا أحاديث محصورة فقط، ليكن في أحسن الأحوال قرأ العمدة وهي أربعمائة حديث في الأحكام، لكن يا أخي! بقي الكثير، فأحاديث النبي ﷺ التي وصلت إلينا أكثر من ثلاثمائة ألف حديث تقريباً، وأحاديث الأحكام منها أحد عشر ألف حديث تقريباً، وأنت ما درستها كلها ولا أحطت بها، فلذلك لو لم تطلع على دليل فرع من الفروع فليس معنى ذلك أنه لا وجود له، ومن القواعد المسلمة في الفقه: أن عدم العلم بالشيء ليس علماً بعدمه، أي: إذا لم تعلم أنت بهذا الشيء فليس معنى ذلك أنك تعلم عكسه، ومن هنا فيمكن أن تقول: لم أطلع على دليل الفرع الفلاني، لكن لا يمكن أن تقول: الفرع الفلاني ليس عليه دليل، وهذا ما يتجاسر عليه كثير من صغار الطلبة يقولون: المسألة الفلانية قالها خليل في المختصر، أو ابن أبي زيد في الرسالة وليس عليها دليل، أقول: يا أخي! من أين لك أنها ليس عليها دليل؟! حسناً نحن عرفنا أنك لا تعرف دليلها، ولكن ما يدريك أنها ليس عليها دليل؟! هل أحطت بكل الأدلة؟! إن مثل هذا النوع هو من الجسارة والشناعة في الدين التي تؤدي إلى التطرف والتعصب، وهذا النوع هو الذي ينبغي أن يسمى بالتزمت في زماننا هذا، إذا كان التزمت موجوداً فالتزمت مقصود به نبذ الاجتهاد في محل الاجتهاد، أو محاربة الدليل في محل الدليل، والطعن في الدليل عند وجوده هو من التزمت والبقاء مع تقليد آخرين، وأنا أضرب مثلاً للتقريب هو: أن الصبي الصغير إذا مر من حوله إنسان تعلق بثيابه يريد أن يحمله؛ لأنه ضعيف عن المشي عاجز عنه فيريد من يحمله للمسافة، كذلك الجاهل يقلد غيره ويتعلق به؛ لأنه عاجز عن أن يأخذ الحكم من الدليل فيتعلق بغيره فيمسك ثيابه يريد أن يحمله، فهي عادة صبيانية مازالت موجودة ينشأ عليها بعض الصبيان وتستمر معهم طيلة حياتهم، ولا ننكر أن بعض الناس عليهم أن يسألوا أهل الذكر إن كانوا لا يعلمون، لكن مع هذا ينبغي لمن سأل أهل الذكر في مسألة أن يسأل عن دليلها حتى يأخذ على بينة ويترك على بينة.
стр. 15
الاختلاف الفقهي رحمة
ثم بعد هذا لابد أن نعلم أن الخلاف الفقهي الاجتهادي هو من توسعة الله على عباده ومن نعمه عليهم، وينبغي أن يحمدوا الله عليه، فلو كان في الدنيا مذهب واحد لما استطاع الإنسان أن يعمل به في كل الجزئيات.
ومن العجائب أني لقيت رجلاً إنجليزياً من الإنجليز المسلمين في أدنبرة شمال بريطانيا عنده دعوة يدعو إليها، وقد استجاب له كثير من المسلمين البريطانيين والإسبانيين، فسألته عن أساس دعوته فقال: إنه يريد أن يوحد العالم على أساس المذهب المالكي، فقلت له: يا أخي! أولاً وحد لنا المذهب المالكي فقط، المذهب المالكي عندنا فيه كثير من الأقوال، فـ مالك نفسه رجع عن مائة وخمسة وتسعين مسألة ما بين المدونة والموطأ، وله أقوال متنوعة ما بين المدونة والموطأ، وما روى عنه أصحابه فيه عدد من المسائل الكثيرة التي فيها خلافات في الرواية عن مالك نفسه، يروي عنه ابن القاسم شيئاً، ويروي عنه أشهب خلاف ذلك الاجتهاد؛ لأن اجتهاده متنوع، ومالك غير متعصب، ولم يكن أبداً يتعصب لرأيه، بل كان صاحب حق وصاحب دليل، فما وجد الدليل عليه أخذ به، ويعلم أنه غير محيط بكل الأدلة، فإذا جاءه دليل صحيح عنده تراجع عن قوله الأول وأمر بمحوه، والممحوات مشهورات عند المالكية، وهي ثمان مسائل أمر مالك بمحوها، وكانت من رأيه هو اجتهد فيها ورآها ثم رجع عنها، وقال: هذه عليها ظلمة فاطمسوها، رأى أنها لا دليل عليها وأن فيها ظلمة في الاجتهاد فأمر بمحوها واشتهرت بالممحوات، وهي دليل على ورع مالك ورسوخه في العلم وجلالة قدره ﵁ وأرضاه.
كذلك فإن أصحاب مالك خالفوه في مسائل كثيرة، فهذا ابن القاسم في المدونة كثيراً ما يقول: وكان مالك يوماً يقول فيها كذا وأنا أرى خلاف ذلك، وكثيراً ما يقول أيضاً بعد أن يروي عن مالك: سمعته يقول فيها كذا والذي عندي فيها غير ذلك، وقد ذكر خليل في المختصر مسائل اختلف فيها قول مالك وقول ابن القاسم منها مثلاً: إذا وصل الإنسان إلى سجود التلاوة في القراءة وهو قائم يقرأ فسها فركع بدل السجود هل يعتد بتلك الركعة أو لا؟ فاختلف قول مالك وابن القاسم، فـ مالك رأى أنه يعتد بهذا الركوع وأنه قد تجاوز السجدة فسقطت عنه، وابن القاسم رأى أن هذا الركوع سهو وأنه لا يعتد به وأنه يتجاوزه إلى السجود، ويلزمه سجود بعده.
وقد أشار إلى هذا خليل في المختصر قال: (وسهو اعتد به عند مالك لا ابن القاسم).
ونظير هذا مسائل كثيرة، ثم إن الخلافات في المذهب المالكي دون ذلك كثيرة جداً، فالخلاف بين ابن وهب وابن نافع، والخلاف بين أشهب وابن القاسم كثير جداً، حتى بعد هذا فمدارس المالكية أربع: المدرسة المدنية وشيخها عبد الملك بن الماجشون ثم مطرف ثم المغيرة، والمدرسة العراقية وشيخها القاضي إسماعيل، وأبو مصعب الزهري ثم بعدهما عدد من الأتباع، والمدرسة المصرية: وشيخها ابن القاسم ومعه أشهب وابن نافع وابن عبد الحكم وغيرهم، والمدرسة المغربية وهي تبدأ من القيروان وشيخها من أصحاب مالك علي بن زياد والبهلول بن راشد، وغيرهما من أصحاب مالك كـ ابن غانم، وعبد الله بن فروخ، ثم بعد ذلك سحنون وأتباعه.
فهذه أربع مدارس كلها داخل المذهب المالكي وكلها لها أبواب، وأنتم تعرفون أن خليلاً ﵀ كثيراً ما يقول في المختصر: (قولان)، وذلك إذا لم يترجح أحد القولين وكانت المسألة فيها قولان على حد سواء، فإذا أردت أن توحد الناس مثلاً على مذهب مالك فبأي القولين ستأخذ، وهما قولان متساويان في مذهب مالك، كذلك كثيراً ما يقول لفظ (خلاف) وهو يشير به إلى أن اثنين على الأقل من المتقدمين اختلفا في مسألة فرجح بعض المتأخرين واحداً من القولين ورجح بعضهم القول الآخر، فبأي القولين ستلزم الناس حتى تجمعهم على قول واحد.
стр. 16
التقاطع والتدابر بسبب الاختلاف
ثم إن من أسباب الخلاف السائدة المنتشرة بين الناس في هذا الزمان ما يحصل من التقاطع والتدابر؛ بسبب آراء يمكن أن يجلس لها الناس على سواء فيحلون الخلاف فيها، فتشتهر اليوم كتب الردود وأشرطة الردود، والمطابع تشتغل بطبع الردود التي شغلت المكتبات وشغلت الناس وبذل فيها المال والجهد والوقت، وكان بالإمكان ألا يكون لهذه المسألة وجود أصلاً، فالذي تخالفه وتريد أن ترد عليه لماذا لا تذهب إليه وتجلس معه على سواء وتناقشه في المسألة؟ حتى إذا اقتنع برأيك فالحمد لله وإن لم يقتنع به اقتنعت أنت؛ لأنك لا تستطيع إقناعه؛ لأنه هو متمسك بدليل أيضاً، ومن هنا فستعذره.
إذا اتسع علم الإنسان فهو مدعاة لسعة إنصافه للناس، وما من أحد يتسع علماً إلا اتسع صدره للخلاف، واستطاع أن يدرك أن الآخرين لهم متمسكات.
وقد أخبرني أحد الإخوة الأفاضل وهو الأستاذ محمد أنس اللُبّ حفظه الله وشفاه وعافاه أنه يرى أن قوة العلم تشبه قوة الجهل، يقول: من وصل إلى مستوى رفيع من العلم يصل إلى إنصاف مثل إنصاف الجاهل المطلق؛ لأن الجاهل المطلق الذي لا يعرف شيئاً وليس لديه دليل في أية مسألة، لا يتهجم على القائل بها، والعالم الذي يعرف كثيراً من المسائل لا يرى أحداً يأخذ بقول في مسألة إلا عرف مأخذه وعرف دليله فعرفه وسكت عنه أيضاً، فيقول: إن قوة العلم تشبه قوة الجهل وبينهما تناسق.
ولذلك إنما يقع التعصب من نقص العلم، أما إذا كان الإنسان صاحب اطلاع وسعة علم فإنه لابد أن ينصف الآخرين، وأن يعرف مآخذهم، وأن يعلم أنهم جميعاً لهم عقول قسمها الله بينهم، وهذه العقول هم متفاوتون فيها لا من خلقتهم ولا من تدبيرهم، بل بأمر الله الحي القيوم الذي لا يسأل عما يفعل وهم يسألون، وقد أعطى كل إنسان حظاً من الفهم والعقل لم يعطه الآخر، وما من أحد إلا وهو راض عن الله في عقله، وأقلهم عقلاً أرضاهم به، فأقل الناس عقلاً يرى أنه أعقل الناس، ومن هنا فيمكن أن يفهم فهماً، وهذا الذي يراه وهذا الذي أداه إليه اجتهاده فهو معذور فيه، ولو بعث يوم القيامة على ذلك الفهم وهو يعبد الله به لكان معذوراً، لأنه أقر بالكتاب والسنة في رأيه هو، وسلك طريق النجاة في رأيه فهو معذور، والآخر الذي يخالفه أيضاً أخذ بمقتضى عقله وفهمه ومستواه، ولكل حظه ونصيبه.
ثم إن علينا كذلك أن نعلم أن حصول الخلاف في مثل هذه الأمور الاجتهادية سواء كانت فقهية أو دعوية، ينبغي أن يعلم أن الشيطان يزيده، ويجعل من الحبة قبة، وينفخ فيه نفخاً؛ لأن الشيطان يحب البغضاء ويحب الشحناء بين الناس، فهو يسعى دائماً إذا حصل أي خلاف في أية مسألة أن ينفخ في ذلك الخلاف حتى تتأجج ناره؛ لأنه لا يرضى أن يكون المسلمون على قلب رجل واحد، وقد شعر بذلك مالك ﵀ حين كانت المكاتبة بينه وبين الليث بن سعد ﵀ في مسائل اختلفوا فيها، فكتب إليه مالك: أنه وجد عمل أهل المدينة على تلك المسائل، وأنه لن يعدل عن قولهم، فكتب إليه الليث: أن علم رسول الله ﷺ تفرق به أصحابه في الآفاق، وأن أصحابه لم يكونوا كلهم في المدينة، فكتب إليه مالك في الأخير: أن الخلاف في هذه الأمور لا يفسد للود قضية، فودنا كما هو موصول ورحم العلم موصول بيننا، وكلنا يقدر الآخر ويحترمه، وخلافنا في هذه المسائل لا يفسد للود قضية! وهذا من العقل والتدبير ولذلك ينبغي أن نلاحظه، وأن يستشعر كل إنسان منا أنه كثيراً ما يدخل الشيطان في القضية، يريده أن ينتصر لنفسه أو أن يتعصب لرأيه، وقد كان الشافعي ﵀ يقول: ما ناظرت أحداً إلا سألت الله أن يظهر الحق على لسانه، فإن ظهر على لساني خشيت أن أفتن، وإن ظهر على لسان خصمي عرفت الحق ولم أفتن.
فالمهم أن تعرف الحق وليس المهم أن تكون أنت منتصراً على الآخر، فهذا من الانتصار للنفس وهو من عمل الشيطان.
стр. 17
طرق حل الخلاف واجتناب الوقوع فيه
إن من الأمور التي تحل الخلاف: أن نعلم أن الناس جعلهم الله مراتب ودرجات في العلم، فإذا كنت يا أخي تستشعر أن أخاك لديه من العلم ما ليس لديك، وأنه ائتمنه الله على ما لم يأتمنك عليه، فلابد أن تقدر على الأقل ائتمان الله له، والله اختاره أميناً على الوحي فجعل ذلك تحت يده، فكيف تغبطه أنت على ذلك؟! ومن هنا فقد جاءني ذات يوم شاب صغير من طلبة العلم في كلية الشريعة، ينتقد أحد العلماء انتقاداً لاذعاً ويسب ويشتم، فقلت له: يا أخي! أيكم أعلم بكتاب الله؟ قال: هو أعلم بكتاب الله! قلت: فأيكم أعلم بسنة رسول الله ﷺ ؟ قال: هو أعلم بسنة رسول الله ﷺ ! قلت ما ظنك أيكم أخشى لله وأشد خوفاً منه؟ فسكت! فقلت: يا أخي! إذا كان أعلم منك بكتاب الله وأعلم منك بسنة رسول الله ﷺ وأخشى منك لله، فكيف تتجاسر عليه بمثل هذا الكلام؟! إن الإنصاف يقتضي أن يستشعر الإنسان أنه فوق كل ذي علم عليم، وأن كل إنسان لا ينبغي أن يتجاوز حده، وأنه لا يضره لو رجع إلى الحق، فقد كتب عمر ﵁ في كتابه إلى أبي موسى الأشعري في القضاء: (ولا يمنعنك قضاء قضيت فيه بالأمس فراجعت فيه نفسك فهديت فيه إلى رشدك أن ترجع إلى الحق، فإن الحق قديم لا ينقضه شيء، وإن الرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل).
وقد أخبرني جدي محمد بن علي ﵀ أنه كان يعجبه في العلامة أحمد بن أحمدي ﵀ سرعة رجوعه إلى الحق، فيقول: قد كان يخالفني في مسائل، ففي أول الأمر يمتنع فيها من المناقشة، ثم بعد يسير يقف ويقول: أشهدكم أني قد رجعت، وحينئذ لا يجد أية غضاضة وهو العلامة أحمد بن أحمدي يعلن على الناس أنه رجع، فالأمر ميسور، ولا يدعي العصمة، وإنما اجتهد بعقله الآن في هذه المسألة واجتهد بعدها اجتهاداً آخر فجاء اجتهاده الثاني ناقضاً لاجتهاده الأول فرجع.
إن الإنسان إذا أحس بالأمانة التي يتحملها، وأحس بجسامة التوقيع عن رب العالمين والإخبار عنه، أحس بعظم هذا الأمر، ولم يكن ليلقي الكلام على عواهنه، فإن الله تعالى يقول في كتابه: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف:٣٣]، فالقول على الله بغير علم من أعظم ما نهى الله عنه في كتابه.
نسأل الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يوفقنا لما يحب ويرضى، وأن يسددنا لأحسن الأقوال والأعمال، وأن يصرف عنا سيئها، لا يهدي لأحسنها ولا يصرف سيئها إلا هو، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 18
الأسئلة
стр. 19
حكم تعدد الجماعات الإسلامية
السؤال
هل تعدد الجماعات الإسلامية يعتبر تفرقاً؟
الجواب
إذا كان ذلك على أساس الاجتهاد فلا يعتبر تفرقاً، بل هو اجتهاد في أمر يسوغ فيه الاجتهاد، وهو تنوع لا تضاد، والتنوع كثيراً ما يؤدي إلى الإخصاب، فالله جعل للإنسان عينين وأذنين ويدين ورجلين، فهذا التنوع لا يقتضي تضاداً والجماعات التي تعمل للإسلام أولوياتها تتنوع ولا تتضاد، فما تقوم به كل جماعة تحتاج إليه الأمة.
ولكل جماعة ساحتها والمستمعون لها والصادرون عن أمرها والمقتدون بها، وهم محتاجون إليها، ولو لم توجد تلك الجماعات لما سد ذلك الفراغ، لكن لابد من التعاون فيما بينها والتآخي في ذات الله ونصرة بعضها بعضاً.
стр. 20
حقيقة الاختلاف المحمود والمذموم
السؤال
أريد أن تبين لنا بعض الاختلاف المحمود، وكذلك بعض الاختلاف المذموم، وهل تعتبر المذاهب الأربعة نوعاً من الاختلاف المحمود؟
الجواب
ذكرت أن الاختلاف في الأمور الاجتهادية هو من الاختلاف المحمود ومن التنوع لا من التضاد.
стр. 21
الحكم على حديث الافتراق وتخليد المبتدعة في النار
السؤال
هل الفرق التي ذكرها رسول الله ﷺ في الحديث تخلد في النار؟ وهل هناك وسيلة يمكن لأهل السنة أن يتحدوا معهم؟
الجواب
قول النبي ﷺ : (افترقت اليهود إلى إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى إلى اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق أمتي إلى ثلاث وسبعين فرقة) هذا جزء من الحديث الصحيح الذي أخرجه الحاكم وغيره وهو يصح برواياته المختلفة، أما الزيادة وهي: (كلها في النار إلا واحدة) أو (كلها في الجنة إلا واحدة) أو (من كان مثل ما أنا عليه وأصحابي) فكل هذه الزيادات لا تصح.
إذاً: الحديث الصحيح هو فقط إثبات الفرقة، وهو علم من أعلام النبوة ودليل من دلائلها، لكن كونها (في النار) أو (في الجنة)، (أو أنه مثل ما كان عليه وأصحابه)، هذا لا يصح منه شيء عن رسول الله ﷺ .
وأما الفرق في هذه الأمة فما كان منها ابتداعاً وضلالاً في الدين ولم يكن صاحبه كافراً به، فإن من مات وهو يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله لا يخلد في النار، ولو كان ضالاً مبتدعاً مهما بلغت معصيته، لكن الله إما أن يتجاوز عنه وإما أن يعذبه بقدر معصيته ثم يخرجه من النار: (وإن الله تعالى يخرج من النار أقواماً يوم القيامة قد احترقوا واسودوا وامتحشوا، فيلقون في نهر الحياة فتنبت أجسامهم كما تنبت الحبة في حميل السيل ثم يدخلون الجنة)، وأيضاً قد يعذبون في قبورهم، وعذاب القبر هو من المكفرات التي تخفف بها الذنوب، فإذا بعثوا يوم القيامة فإنهم يكونون قد نالوا جزاء ابتداعهم وخطئهم.
وأما الذين ابتدعوا بدعاً مكفرة فهم قلائل ولله الحمد، والأمة قد نبذتهم وقد حوكموا وحكم عليهم وقوتلوا وقُتِلوا وأولئك لا يزال لهم أتباع في كل عصر من العصور وفي كل زمان، لكن أغلبهم ولله الحمد لا ينتسب للسنة.
стр. 22
حقيقة الفرق الإسلامية وتقييم المستعمر لها
السؤال
هل الجماعات والفرق الإسلامية هي من صنيع المستعمر لتفرقة المسلمين أم لا؟
الجواب
لا، بل هي على ضد ما يريده المستعمر، فالمستعمر يريد تدجين الشعوب، ويريد أن تكون الشعوب المسلمة غير حية ولا متحركة، وألا يكون لها قابلية للدين ولا عناية بالمسلمين، وألا تعتني بمثل هذه الأمور أصلاً، ولذلك ففي تقرير (كسينجر) نشر في إحدى المجلات وترجم إلى العربية، يقول: إن الإسلام هو العدو الوحيد للنظام العالمي الجديد، فالنظام العالمي الجديد لا يمكن أن تقف في وجهه أي أيدلوجية إلا الإسلام، وإذا كان الإسلام عدونا المستقبلي فلابد من دراسته دراسة (استراتيجية)، وبالدراسة تبين لنا أن الإسلام حطب وشرارات -فالحطب يقصد بها الشعوب المسلمة، والشرارات الجماعات العاملة للإسلام- فمهمتنا الأولى: هي الحيلولة بين الحطب والشرارات، أي: تشويه كل الشرارات حتى لا تصل إلى الحطب لتشتعل النار، والقضاء على كل الشرارات.
ومهمتنا الثانية: هي وضع سطرة الخطورة للشرارات.
يقول: قد صنفنا هذه الشرارات فوجدناها أقساماً: القسم الأول: الذين يهتمون بالجانب الحضاري الفكري في الإسلام، يقصد الجانب العقدي، وهؤلاء فيهم خطورة لا محالة؛ لأن الجانب الذي يهتمون به يبنى عليه غيره، فكل عمل يقوم به إنسان إنما هو منطلق من عقيدته وقناعته، فالذي يؤمن بأنه إذا مات دخل الجنة فذلك دافع له للشهادة في سبيل الله، والذي يؤمن بأن النبي ﷺ يأمره بهذا الأمر صريحاً، وأنه خطاب موجه إليه هو فستدعوه قناعته هذه للعمل بمقتضى ما أمره به الرسول الكريم ﷺ .
لكنه يقول: هؤلاء يمكن الاستفادة منهم لقابليتهم للانقسام، ولأنهم يكفرون سواد المسلمين، وهذا يقصد به حالات شاذة وأفراداً نوادر، وهو غالط في تصوره إذا كان يظن أن كل المهتمين في الإصلاح العقدي هم من هذا النوع الذي يراه، فهذا الحمد لله تضليل كبير منه وانحراف عن طريق الحق، فالذين يعتنون بإصلاح العقائد وبإعادة الناس إلى المنهج الصحيح هم أشد الناس رحمة بالناس، وهم ألطفهم بهم وهم أحرصهم على هدايتهم ولله الحمد، ولا يكفرونهم بل يريدونهم أن يكونوا من أهل الفردوس الأعلى من الجنة، ويريدون مساعدتهم على ذلك.
القسم الثاني: الذين يهتمون بالجانب الخلقي والقيمي في الإسلام، وهو يقصد هنا مثل: جماعة الدعوة والتبليغ، والجماعات التي تعتني بالأخلاق والقيم مثل بعض الطرق الصوفية، ومثل بعض الدعوات الإصلاحية السابقة التي تعتني بالقيم والأخلاق والعمل.
يقول: هؤلاء لاشك فيهم خطر عظيم؛ لأن لديهم قيماً تعارفوا عليها، والنظام العالمي الجديد ليست لديه قيم، فالقيم الأمريكية تختلف عن القيم الألمانية، عن القيم البريطانية، عن القيم اليابانية.
فالنظام العالمي الجديد ليس له قيم، والإسلام له قيم موروثة من عهد النبي ﷺ إلى الآن، لكن يمكن الاستفادة منهم؛ لأنهم يأخذون القيادات الطبيعية للمجتمع كالقائد العسكري والتاجر والمهندس والطبيب فيحصرونهم في زاوية ضيقة من المسجد فيحيدونهم عن الخلاف.
هذا ظنه هو وتصوره هو، والواقع أن كثيراً من الذين خرجوا مع جماعة الدعوة والتبليغ من الذين ينصرون الله ويسعون لإعلاء كلمة الله، ومن الذين نفع الله بهم وأعز بهم الدين في كثير من الجهات وفي كثير من البلدان، لكن هذا تصوره هو وعداوته للمسلمين.
القسم الثالث: الذين يهتمون بالجانب العلمي في الإسلام.
وهو يقصد الجامعات الإسلامية، وينشرون الكتب ويحققونها، فيظن أنهم حركة مثل هذه الجماعات، هذا تصوره هو، وهو تصور خاطئ أيضاً.
يقول: هؤلاء ليست الخطورة في ذواتهم وإنما هي في طلابهم من بعدهم؛ لأنهم يذكرونهم بأن لهم أمة لها أمجاد، فيطالبون بأمجاد أمتهم الضائعة.
القسم الرابع: الذين يهتمون بالجانب الحربي في الإسلام.
يقصد بذلك الذين يهتمون بالجهاد.
ونكتفي بهذا القدر، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه.
стр. 23
الصبر عدة المؤمن
عمر الإنسان في هذه الدنيا قصير، فهو أيام معدودة وأنفاس محدودة، ثم ينتقل إلى ربه تعالى فيدخله الجنة أو النار، وقد جعل الله الحياة الدنيا داراً للابتلاء وساحة لمواجهة الأعداء، فأعداء الإنسان في هذه الحياة يحيطون به من كل جانب: النفس والشيطان والدنيا والهوى وإخوان السوء، ولا عدة للمؤمن في مجابهة جميع أعدائه إلا الصبر، وكفى به عدة وزاداً وسلاحاً.
стр. 24
أعمار الإنسان التي جعلها الله له
الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على من بعث رحمة للعالمين، وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أما بعد: فإن الله جعل للإنسان خمسة أعمار:
стр. 25
عمر الإنسان في عالم الذر
أولها: عمره في عالم الذر عندما: (مسح الله ظهر آدم ببطن نعمان، فأخرج منه ذريته، فناداهم فقال: ألست بربكم؟ قالوا: بلى شهدنا).
وفي ذلك الوقت دخل البشر جميعاً إلى حيز الوجود، فخاطبهم الله بهذا الخطاب الكريم، وأخذ عليهم العهد بعبادته، وأن لا يعبدوا الشيطان من دونه، قال تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ * وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [يس:٦٠ - ٦١].
стр. 26
عمر الإنسان في هذه الحياة
العمر الثاني: عمر الإنسان فوق الأرض في هذه الحياة الدنيا: وهو عمر التكليف، ومدته يسيرة لا يمكن أن تقارن بالعمر السابق، فأنت قد دخلت الوجود في حياة آدم ﵇، ومن ذلك الوقت وأنت موجود في عالم الذر حتى برزت للوجود فوق الأرض، فوجودك الحالي مدته يسيرة محصورة، قد تعيش أربعين سنة، وقد تعيش خمسين، وقد تعيش ستين، ومصير الأمر ومنتهاه إلى الموت.
فهذا العمر هو العمر الثاني، لكنه العمر المركزي من أعمال الإنسان، إذ فيه التكليف والابتلاء والامتحان؛ ولذلك يحتاج الإنسان فيه إلى عدة، وسنذكر بعض ما يعترضه من العوارض والآفات في هذا العمر القصير.
стр. 27
عمر الإنسان في البرزخ
العمر الثالث: عمر الإنسان تحت الأرض في البرزخ بعد الموت: وذلك العمر يبدأ من ضجعته في قبره، وأول ما يجد فيه ضمة القبر التي تختلف منها الأضلاع، وتزول منها الحمائل، ثم بعد ذلك سؤال الملكين منكر ونكير، ما ربك؟ وما دينك؟ وما كنت تقول في هذا الرجل؟ فأما المؤمن فيقول: ربي الله، وديني الإسلام، والرجل المبعوث فينا هو محمد ﷺ ، هو محمد هو محمد هو محمد ثلاثا، جاءنا بالبينات والهدى، فآمنا واتبعنا.
وأما المنافق أو المرتاب فيقول: هاه هاه لا أدري، سمعت الناس يقولون شيئاً فقلته.
فأما المؤمن فيقول له الملكان: صدقت وبررت، قد علمنا إن كنت لموقناً، نم نومة عروس، ويملآن عليه قبره خضراً ونوراً.
وأما المنافق أو المرتاب فيقولان له: لا دريت ولا تليت، ويضربانه بمشاقص أو بمرزبة معهما لو اجتمع عليها أهل منى ما أقلوها، فيصيح صيحة يسمعها من يليه إلا الإنس والجن.
وذلك العمر يكون الإنسان فيه إما منعم أو معذب، فالقبر إما روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار، لكن مدته كذلك محصورة يسيرة؛ لانتهائها إلى البعث.
стр. 28
عمر الإنسان يوم البعث والنشور
العمر الرابع: عمر الإنسان فوق الساهرة عندما يبعث إلى ربه، فينادى الناس في قبورهم: هلموا إلى ربكم فيخرجون من الأجداث إلى ربهم ينسلون.
في ذلك الوقت تبدل الأرض غير الأرض، وتطوى السماء: ﴿فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ﴾ [الحاقة:١٦]، وفي ذلك الوقت يحشر الناس جميعاً إلى الساهرة، وهي أرض المحشر البيضاء، يقف الواقف على طرفها فيرى طرفها الآخر، تجمع الخلائق من لدن آدم إلى نهايتهم، يأتونها جميعاً حفاة عراة غرلاً، ليس مع أحد منهم إلا عمله، وتدنو الشمس من رءوسهم حتى تكون كالميل، ويؤتى بجهنم تقاد بسبعين ألف زمام في كل زمام سبعون ألف ملك، فمجموع ذلك: أربعة مليارات وتسعمائة مليون من الملائكة يجرون جهنم جراً وهم صفوف، حتى تحيط بالناس من كل جانب.
ولا يستظل الإنسان يومئذ إلا بظل صدقته فمن مستقل أو مستكثر، وذلك الوقت لاشك عمر طويل، ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [الحج:٤٧]، ولهذا فإنه ينسى ما سبقه من الأعمار، فإن الله يسألهم ﴿كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ * قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ [المؤمنون:١١٢ - ١١٦].
стр. 29
عمر الإنسان الأبدي إما في الجنة وإما في النار
العمر الخامس: عمر الإنسان الأبدي السرمدي إما في جنة أو في نار: وهو الذي لا انقطاع له ولا انتهاء، أما في الجنة فيجد الإنسان ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، وكلما ازداد فيها خلوداً وبقاء كلما ازداد تنعيماً، كل يوم هو في مسرة جديدة، فلا تنقطع ملذاتها، اللذة الأولى التي يجدها هي عندما يصل إليه شيء من روحها وريحانها تبقى معه طيلة بقائه في الجنة، ويأتي بعدها مليارات اللذات كل لذة تأتي على سابقتها دون انقطاع، فنعيم الجنة لا يزول، وكذلك لا يمل شيء مما فيها، ﴿كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾ [البقرة:٢٥].
وأبلغ ما فيها من أنواع النعيم: النظر إلى وجه الله الكريم، فبينما أهل الجنة في نعيمهم إذ سطع عليهم نور من فوقهم، فيرفعون أبصارهم فإذا الرب جل وعلا يناديهم من فوقهم ﴿سَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ [يس:٥٨]، فلا ينظرون إلى شيء مما هم فيه ما داموا ينظرون إلى وجهه الكريم ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢ - ٢٣])، (إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر لا تضامون في رؤيته).
وإما في نار فيها غاية المذلة والهوان، وأنواع الخزي والعار؛ ولذلك فإن الله وصف حالها عند أول دخولهم لها، قال: ﴿إِذَا رَأَتْهُم مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا * وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا * لا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا﴾ [الفرقان:١٢ - ١٤].
ووصف استقرارهم فيها فقال: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ [النساء:٥٦].
وأبلغ ما فيها من الهوان أنهم لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم، يمكثون فيها وهم ينادون: يا مالك نضجت منا الجلود، يا مالك أخرجنا منها فإنا لا نعود, فيمكثون أربعين حولاً وهم يكررون ذلك، فيجيبهم فيقول: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون:١٠٨].
﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ [الزخرف:٧٧]، فذلك العمر الطويل الذي لا انقطاع له، مرتب على هذا العمر القصير المنقطع المنتهي وهو عمر الإنسان في هذه الحياة.
стр. 30
من لطف الله بالإنسان أنه لم يكلفه في وقت ضعفه ونشأته
وعمر الإنسان في هذه الحياة بدايته من خروجه إلى الوجود، ومن لطف الله ورحمته أنه لم يكلفه بالتكاليف في وقت ضعفه ونشأته، فلم يكلفه إلا بعد البلوغ، عندما يبلغ يبدأ صاحب اليمين وصاحب الشمال يكتبان أعماله فلا يفوت شيء منها، ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَامًا كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [الانفطار:١٠ - ١٢]، ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق:١٨].
فتبدأ الكتابة من لدن التكليف، وتستمر إلى أن يدخل الإنسان في غيبوبة الموت، وهذا العمر الدنيوي، الذي يجد الإنسان يوم القيامة كل شيء عمله فيه ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران:٣٠].
﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه﴾ [الزلزلة:٧ - ٨].
стр. 31
حقيقة عمر الإنسان وما يعتريه من الأمل والأعراض والأقدار
فلذلك لابد أن يدرك الإنسان حقيقة هذا العمر وعدته فيه، والمخاطر التي تهدده وتحيط به: وقد صح في صحيح البخاري (أن النبي ﷺ خط خطاً مربعا، ثم خط خطاً بداخله، وخط خطاً خارجاً منه، وخط خطوطاً معترضة في جانبيه، ثم وضع إصبعه على الخط الداخلي فقال: هذا الإنسان، ووضع إصبعه على الخط الخارجي فقال: وهذا أمله، ووضع إصبعه على الخط المعترض وقال: وهذا أجله، ثم أشار إلى الخطوط الأخرى فقال: وهذه هي أعراض إن أخطأه هذا أصابه هذا).
فأمل الإنسان طويل، يكون الإنسان لم تغرب عليه شمس هذا اليوم إلا وقد قدم إلى ما قدم، وانتقل عن هذه الدار إلى الدار الآخرة، ومع ذلك هو الآن بعد العصر يفكر فيما سينجزه غداً وبعد غد، وفي الشهر القادم، ويفكر في مشاريعه المستقبلية.
стр. 32
من رحمة الله بالناس أن خلق الموت والمصائب لتتسع الأرض لساكنيها
فالأمل مستمر لا يقطعه إلا الموت، وذلك من لطف الله بالخلائق.
وقد ورد في حديث ضعيف: (أن الله لما خلق آدم أراه ذريته فقال: يا ربي! كيف تتسع الأرزاق لهؤلاء؟ وكيف تسعهم الأرض؟ فقال: إني خالق موتاً، فقال: إذاً لا يسعدون، فقال: إني خالق أملا).
فالموت به تسع الأرض الخلائق، فالأرض جعلها الله (كفاتاً أحياءً وأمواتاً)؛ فلذلك يعيش الأحياء على ظهرها، ويدفن الأموات في بطنها فتتسع لهم بالموت، والأرزاق كذلك إنما تعم الخلائق بالموت.
فلله حكمة في كل أمر، فما يأتي من الأوبئة والحروب والزلازل والبراكين وغير ذلك كله من أجل توسيع الرزق على أهل الأرض، فلو عاش الناس بأمان دون أمراض ودون حوادث ودون مشكلات لما اتسعت لهم الأرض، ولما وسعتهم الأرزاق، وجميع ما في الأرض من الأرزاق خلقه الله في اليوم الرابع من أيام خلق هذا الكون، ولذلك قال تعالى: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ * وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ﴾ [فصلت:٩ - ١٠].
كل ما في هذه الأرض من الأقوات قدر في ذلك اليوم الرابع، لكنه ينتقل من إنسان إلى آخر، فيأتي هذا الإنسان فيجمع من أنواع المال ما استطاع جمعه، ويموت فيفرقه أهله بعده يرثون ما كان عنده فيتفرق فيهم- وكل إنسان منهم يفرق أيضاً في ورثته ما ترك، فيتفرق المال بعد جمعه، ثم يجتمع لدى آخر يكلف بجمعه، وهكذا حتى تنتهي الدنيا.
стр. 33
الأرزاق باقية كما هي والخلائق يتعاقبون عليها
فالأرزاق هي هي لا تزاد، والخلائق ينتقصون بالموت؛ ليوسعوا على من سواهم؛ ولهذا فإن الناس لا يسكنون إلا في ديار السابقين، ولا يعيشون إلا على آثارهم: رب لحد قد صار لحداً مراراً ضاحك من تزاحم الأضداد ودفين على بقايا دفين في طويل الأزمان والآباد فاسأل الفرقدين عمن أحسا من قبيل وآنسا من بلاد كم أقاما على زوال نهار وأنارا لمدلج في سواد ثم بعد هذا عندما خاف آدم أن لا يسعدون إذا عرفوا الموت قال الله: (إني خالق أملا)، فالأمل به يسعدون؛ لأن كل إنسان منهم يؤمل العيش: والمرء قد يرجو الحيا ة مؤملاً والموت دونه تنفك تسمع ما حييـ ـت بهالك حتى تكونه
стр. 34
أنواع الأقدار التي تعترض الإنسان
والأعراض التي تحيط بالإنسان من كل جانب: منها ما ينفعه في دنياه ويضره في آخرته، أي: يخيل إليه أنه انتفع به في الدنيا لكنه مضرة عليه في الآخرة.
ومنها ما يضره في الدنيا، لكنه ينفعه في الآخرة، أي: يخيل إليه ضرره في الدنيا وهو نفع؛ لأنه ينفعه في الآخرة.
ومنها ما يكون نفعاً فيهما معاً، فيكون نفعاً للإنسان في الدنيا وفي الآخرة.
ومنها ما يكون ضرراً فيهما معاً.
وهذه هي أنواع القدر الأربع، فالقدر يجب الإيمان بخيره وشره، حلوه ومره، فهو أربعة أقسام: النوع الأول: القدر الخير الحلو: وهو ما يعجله الله لعباده المؤمنين مما يعينهم على طاعته ويزيدهم سعادة وإقبالاً على الله، فالنعم التي ينعم الله بها على المؤمنين، ويوفقهم إلى استغلالها في طاعته، ويعينهم على شكرها له ، هذه النعم هي من القدر الخير الحلو فهي خير لهم؛ لأنه أعانتهم على طاعة ربهم، وهي حلوة؛ لموافقتها لهواهم وما يحبونه.
والنوع الثاني: القدر الخير المر: وهو ما يصيب الله به عبده المؤمن من المصائب التي تكون تكفيراً لذنبه وتطهيراً له ورفعاً لدرجته، فهي خير له؛ لأنها زادته تقريباً من الله ، ولكنها مرة عنده؛ لأنه لا توافق مراده ومناه، وهذان القسمان يختصان بأهل الإيمان؛ لقول النبي ﷺ : (عجباً لأمر المؤمن كل أمر المؤمن له خير، إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن).
القسم الثالث: القدر الشر الحلو: وهو ما يصيب أعداء الله من الاستدراج والابتلاء بأنواع المسرات في هذه الحياة، وما يفتح الله لهم من التكنولوجيا والتقدم، مما يزيدهم طغياناً وبغياً وتجبراً وتكبراً على أهل الأرض، فهذا يزيدهم بعداً عن الله فهو شر لهم، ولكنه حلو؛ لأنه يوافق هواهم.
والنوع الرابع: القدر الشر المر: وهو صناديد القدر، وهو ما يسلطه الله على أعدائه من عاجل أخذه الوبيل من تحطم الطائرات والمركبات الفضائية والحروب والفتن وغير ذلك، فهذا النوع صناديد -وشر لهم في الآخرة، فهي من القدر الشر المر فهي شر لهم لأنها تعجلهم إلى النار، وهي مرة لأنها لا توافق هواهم ولا يحبونها.
فهذه الأعراض إذاً أنواع منوعة، فما يناله الإنسان من العافية والصحة إذا استغله في مرضاة الله كان من القدر الخير الحلو، وإذا استغله في معصيته كان من القدر الشر الحلو، وما يصيب الإنسان من المصائب إذا كان مؤمناً وصبر فهو من القدر الخير المر، وما يصيبه من المصائب إن لم يصبر أو لم يكن مؤمناً فهو من القدر الشر المر، نسأل الله السلامة والعافية.
وهذه الأعراض كذلك منها الأمراض التي قد ينجو الإنسان من مرض ويتماثل للشفاء ليتأهب لمرض آخر، وقد ينجو من حادث ليموت في حادث آخر، وقد لا يتحقق له مراده في سفر من أسفاره، ثم يتحقق له في سفر آخر، وقد لا ينجح في محاولة من المحاولات ثم ينجح في أخرى، كل ذلك بتدبير الله وتقديره.
فترون الإنسان يشترك في امتحان مثلاً: في امتحان البكالوريوس في هذا العام فلا ينجح ويعيد الكرة في العام القادم فينجح متفوقاً، والامتحان هو الامتحان، وهو لم يبذل من الجهد إلا ما بذل، لكن القضية كلها راجعة إلى قدر الله وما كتبه، فلم يكتب هذا الإنسان من الناجحين في هذا العام، وكتب من الناجحين في العام القادم وهكذا.
стр. 35
أعداء الإنسان الذين يحتاج إلى مقاومتهم وصدهم
والإنسان في هذه الأعراض فتحت عليه جبهات أي: أعداء يحيطون به من كل جانب، وهو محتاج لمقارعة هذه الأعداء وصد هجومها، وهذه الأعداء أعظمها خمسة:
стр. 36
عداوة الشيطان للإنسان
العدو الأول: الشيطان طويل العمر الذي قال الله فيه: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ [فاطر:٦]، وهذه الآية جمعت بين الخبر الذي حقه التصديق وهو قوله: (إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ)، والأمر الذي حقه التطبيق وهو قوله: (فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا).
فالخبر يجب علينا تصديقه، فيجب علينا جميعاً أن نعتقد أن الشيطان عدو لنا، وهذا لا أرى أحداً يخالف فيه، والأمر وهو قوله: (فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا)، يوجب علينا أن نتخذه عدواً أي: أن نريه من أنفسنا عداوة، وهذه العداوة لابد أن نعرف أنه لا يمكن أن نقتله بها فهو من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم، ولا يمكن أن نضربه فهو يرانا هو وقبيله من حيث لا نراهم، ولا يضره شتمنا له وهجاؤنا له فقد لعنه الله.
ولا يمكن أن نتخذه عدواً إلا بأحد أمرين: الأمر الأول: عدم اتباع خطواته، أي: الانقطاع عن خطواته بالكلية، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [النور:٢١]، و (خطوات الشيطان) هي الفحشاء والمنكر، فإذا انقطع الإنسان عن الفحشاء والمنكر فقد عادى الشيطان؛ لأنه لم يتبع خطواته.
والأمر الثاني: نقص جنده، فأي ملك يقاتل ملكاً قد لا يبرز واحد منهما للقتال، ولا يتضرر بالمعركة تضرراً مباشراً؛ لكن انتقاص جنده بالقتل والأسر هو تحقيق عداوته له، وجند إبليس هم ﴿شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ [الأنعام:١١٢]، ونقصك لهم إنما هو بالسعي لهداية من استطعت التأثير عليه منهم، فإذا اهتدى على يدك شخص واحد، فقد حققت عداوتك لإبليس، وإذا اهتدى على يدك اثنان فقد زدت في العداوة له، وهكذا كلما ازداد عدد من اهتدى على يدك ازدادت عداوتك لإبليس؛ لأنك نقصت جنده بذلك.
فهذه الجبهة هي الجبهة الأولى وهي من أخطر الجبهات؛ لأنها تأتي من كل الجهات كما قال الله تعالى حكاية عن إبليس لعنه الله: ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ [الأعراف:١٧]، وقد أقسم بعزة الله يميناً أكدها على إغواء أكثر البشر، قال: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [ص:٨٢ - ٨٣]، وقد أخبر الله أن يمينه تحققت فيمينه ما بناها إلا على ظنه بالناس، فظنه بالناس أنهم يتبعون الشهوات؛ ومن لم يتبع الشهوات منهم تأثر بالشبهات.
فلذلك ظن عليهم هذا الظن، فأقسم فحقق ظنه فيهم، كما قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [سبأ:٢٠].
و (صدَّق، وصدَق) معناهما واحد، وهما قراءتان إحداهما تفسر الأخرى (صدق عليهم إبليس ظنه) أي: صدق عليهم ما في ظنه، (وصدَّق عليهم ظنه) أي: أوقعه فيهم باتباعهم للشهوات والشبهات فاتبعوه إلا فريقاً من المؤمنين.
стр. 37
عداوة إخوان السوء للإنسان
الجبهة الثانية: إخوان السوء: فالإنسان لابد أن يعيش في هذه الحياة الدنيا مع البشر، ولابد أن يخالطهم، ومن يخالطهم من الناس هم ثلاثة أنواع: النوع الأول: أخ كالغذاء لا يستغني عنه أبداً، وهو محتاج إليه في كل أحيانه، وهذا هو الذي يعينه على أمور الدين، فإذا جهل علمه، وإذا ضعف أعانه، وإذا نسي ذكره، وإذا وجده مقصراً نصحه، فهذا الأخ كالغذاء لا يستغني عنه الإنسان بحال من الأحوال.
النوع الثاني: أخ كالدواء، يحتاج إليه الإنسان في بعض الأحيان دون بعض، وهو الذي يعينه على أمور الدنيا، وهذا ينبغي أن يعده الإنسان دواء فيتقلل منه ما استطاع، فأنتم تعرفون الإعلان العالمي للصحة المكتوب على الأدوية كلها، إن هذا الدواء مستحضر مضر لصحتك فننصحك بالابتعاد عنه.
فكذلك الأخ الذي يعينه على أمور الدنيا: دواء مضر بصحتك فننصحك بالابتعاد عنه، والتقلل منه ما استطاع الإنسان؛ وهذا النوع من الإخوان هم الذين يرفع إليهم الإنسان حاجته عندما لا يستطيع عليها فيعينونه، فهم كالدواء الذي ينبغي أن يقتصر الإنسان منه على محل الضرورة، ولا يستعمله من غير مرض أصلاً.
والنوع الثالث: أخ كالداء، لا يعين الإنسان لا على دين ولا على دنيا، فهو داء مستشرٍ ومرض مزمن عضال يصاب به الإنسان فيشقى به في مدة من حياته، يفسد عليه وقته الثمين الذي كان بالإمكان أن يشتري به نفسه من عذاب الله، وتصل إليه عدواه بفيروسات الشبهات والشهوات والمضار العظيمة، فقد يكون الإنسان في نفسه في بيئة صالحة، وحصن أو قلعة من قلاع الإيمان، لا يصل إلى أهل الفجور، ولا يعلم ما هم فيه، ولكنه يخالط شخصاً من هذا النوع من الناس، فينقل إليه عدوى تلك البيئة الخبيثة، فيسمعه من الكلام ما يتأثر به، ويريه من الأفعال ما يتأثر به، ويزين له الأمور ويحببها إليه.
وهذا امتحان من امتحانات هذه الدنيا، فهو عرض من أعراضها؛ ولذلك أخرج البخاري في الصحيح أن النبي ﷺ قال: (ما بعث الله من نبي ولا ولَّى من ملك إلا كان له بطانتان: بطانة تأمره بالخير وتحضه عليه، وبطانة تأمره بالشر وتحضه عليه)، فإذا كان هذا في الأنبياء والملوك فكيف بمن دونهم، فما من أحد إلا وله هذا النوع من البطانات؛ ولذلك فإن الله جعل هذا النوع من الأخلاء عدواً للإنسان يوم القيامة، فقال تعالى: ﴿الأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف:٦٧]، وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا * يَا وَيْلَتَا لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلًا * لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلإِنسَانِ خَذُولًا﴾ [الفرقان:٢٧ - ٢٩].
стр. 38
عداوة نفس الإنسان له
الجبهة الثالثة: جبهة النفس التي هي أقرب الأعداء إلى الإنسان: وهي أمارة بالسوء إلا ما رحم ربي، فهي عدو للإنسان؛ لأنها لا ترضى منه إلا أن يكون مطففاً، والله تعالى يقول: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ * أَلا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ * لِيَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [المطففين:١ - ٥]، ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين:٦]، فالمطفف يريد أن تؤدى إليه حقوقه كلها من الآخرين ولا يريد أن يؤدي كل الحقوق التي عليه؛ فلذلك يحاول أن يأخذ حقه كاملاً وإذا لم يجد حقه غضب وأراد الانتصار لنفسه، والحقوق التي للآخرين لديه يحاول الانتقاص منها والاعتذار عنها ما استطاع.
والذي يريد أن ينظر إلى عداوة نفسه له فلينظر إلى تباطئها عن فعل الخير، وإسراعها إلى الشر، فسيجدها مسرعة في الباطل، فإذا حان وقت قيام الليل مثلاً أو حان وقت إجابة المنادي الذي نادى بالصلاة جاء الكسل والنعاس، وإذا حان وقت الذكر لم يجد نفسه مستعدة إلا لأقل القليل، وإذا جاء وقت التعلم وتدبر القرآن لم يجد نفسه مستعدة لذلك، وتذكر ما له من المشاغل الدنيوية، أما إذا أخلد إلى الراحة، وأراد الاستكثار من أمور هذه الدنيا والرغبة فيها، فالنفس طيعة لذلك منقادة إليه، فهذا دليل على عداوتها للإنسان.
стр. 39
عداوة نعم الله للناس وذكر انقسامهم في شكرها
الجبهة الرابعة: نعم الله السابغة على الإنسان: فالإنسان يحيط به من نعم الله ما لا يستطيع إحصاءه ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم:٣٤]، ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنِ اللَّهِ﴾ [النحل:٥٣]، نعمة الخلق والرزق والهداية والجوارح والعافية وغير ذلك من أنواع النعم التي لا يحصيها الإنسان، وهذه النعم الناس فيها على أربعة أقسام: القسم الأول: الذين لا يعرفونها بوجودها، وإنما يعرفونها بزوالها، فما دام أحدهم لا يشكو سرطاناً في كبده أو رئته، ولا يشكو قصوراً في عضلة القلب، ولا فشلاً في الكلى، ولا زمانة تعوقه عن الحركة، ولا ألماً في عضو من أعضائه، لا يستشعر هذه النعمة، فإذا زالت هذه النعمة تذكر ما كان فيه حين لا تنفع الذكرى، وما دام يجد غناه من أمور الدنيا، لا يتذكر نعمة الله عليه ولا يشكرها لله، ولا يدخر عند الله منها قرضاً حسناً، فإذا زايله ذلك وفارقه تذكره حيث يندم ولا ينفع الندم.
ومثل هذا إذا كان في وظيفة من الوظائف يمكن أن يقف فيها موقفاً مشرفاً يبيض الوجه يوم القيامة، ينصر به الله ورسوله، فلا يشعر بهذه الوظيفة ويقول: لابد من الهدوء حتى تذهب العاصفة، والعاصفة ستذهب به هو، فلو دامت لغيرك ما وصلت إليك، وجلوسه في كرسي الوظيفة كجلوسه على كرسي الحلاق يحلق له ثم يقوم ليترك مكانه لغيره ونحو ذلك، وهؤلاء هم الذين قال الله فيهم: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [النحل:٨٣]، حالهم حال قارون الذي قال: ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ القُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾ [القصص:٧٨].
لما ذكِّر بنعمة الله عليه قال: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي﴾ [القصص:٧٨]، عرف النعمة بوجودها فافتخر بها وتسور على عباد الله، وعرف أنه متميز فعلاً، لكن لم يعرف من أين جاءته هذه النعمة؛ فلذلك لم يشكرها لله ولم تنفعه بين يدي الله شيئاً، ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ المُنْتَصِرِينَ * وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ * تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص:٨١ - ٨٣].
النوع الثاني: الذين يعرفون النعمة بوجودها، ويعرفون أنها من عند الله لا من تلقاء أنفسهم، ولكنهم ينشغلون بالنعمة عن شكرها، فينشغلون بالأموال والأولاد والصحة والعافية والتمتع بملذات هذه الحياة، مع أنهم يعلمون أنها نعمة أنعم الله بها عليهم ولا يشكرونها لله، وهؤلاء حالهم حال الأعراب الذين حكى عنهم الله في قوله: ﴿سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾ [الفتح:١١].
وقد حذر الله من هذا الاغترار فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ * وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ * وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [المنافقون:٩ - ١١].
وقد بين الله عداوة ذلك إذ قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [التغابن:١٤ - ١٥].
والنوع الثالث: الذين يعرفون النعمة بوجودها، ويعرفون من أين أتت وأنها من عند الله، ولا ينشغلون بها عن شكرها، بل يستغلونها في مرضات الله وشكره: وهؤلاء هم الشاكرون وهم أقل عباد الله، ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ:١٣]، وهؤلاء هم المبشرون ببشارة الله لهم.
فهذه النعمة إذاً جبهة مفتوحة على الإنسان من حيث لا يشعر، ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ [الأنبياء:٣٥].
стр. 40
عداوة الدنيا للإنسان
الجبهة الخامسة: هذه الدنيا نفسها، فهي دار الغرور، وهي ضرة الآخرة، والإنسان مادام فيها يغر بها فيرى المباني الجديدة الجميلة، ويرى السيارات الفارهة، ويرى الطائرة العملاقة، ويرى الشوارع الزاهية، فيظن أن هذا مستمر، ولكنه لو فكر لوجد كل ذلك في القمامة، سيجد كل مبنى إنما أقيم على أنقاض آخر، كان أحسن الموجود في وقته ولكنه هدم ورمي في القمامة، وكل سيارة سيجد أنه كان قبلها من السيارات ما كان أحسن الموجود، وقد رميت بقاياه في القمامة، بل الإنسان نفسه أحسن ما في الدنيا من الخلائق صورة بكماله وحسنه، فإذا بحث عنه الإنسان سيجد بقاياه في القبر بعد أكل الأرض لأجزائه وانتقاصها لما تنتقص منه.
فلذلك هذه الدنيا نفسها عدو لهذا الجنس البشري؛ لأنها دار الغرور تغره بما فيها من الزخارف والشهوات؛ ولهذا حذر الله من النظر إلى ذلك منها فقال تعالى: ﴿وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى * وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾ [طه:١٣١ - ١٣٢].
следующие страницы →