← Джавами‘

Джавами‘ · id 7722

دروس للشيخ محمد الحسن الددو الشنقيطي

محمد الحسن الددو الشنقيطي

Полный текст (1 349 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.

стр. 1051

من أسباب استجابة الدعاء إذا أراد الإنسان أن يستجاب له فإن لذلك وسائل كثيرة من أعظمها أن يكون دعاؤه ذلك بغير إثم ولا قطيعة رحم لقول رسول الله ﷺ : (يستجاب لأحدكم ما لم يدع بإثم ولا قطيعة رحم). الثاني: أن يكون ذلك إثر عبادة يتقرب بها إلى الله، فإن الدعاء في إثر العبادة مستجاب؛ لأنه قد قدم شيئاً بين يدي نجواه، كما إذا قدم صدقة بين يدي نجواه فإنه يستجاب له بعد ذلك. ومن ذلك الدعاء في أدبار الصلوات، ويشمل هذا الفرائض والنوافل فلا فرق، بل أرشد الرسول ﷺ معاذ بن جبل إلى الدعاء في أدبار الفرائض، وكذلك دعاه ﷺ بقوله: (اللهم لا مانع لما أعطيت ولم معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد) وهذا دعاء المقصود به: أعطنا ولا تمنعنا، وأرشد معاذاً أن يدعو بهذا الدعاء: (اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك)، في أدبار الصلوات، والمقصود بأدبارها ما كان بعد السلام والانتهاء من الفريضة؛ لأنه ذكر التسبيح في أدبار الصلاة ولا فرق، وفي أدبار الصلاة تشمل الأمرين. وكذلك دعا ﷺ بعد أن رمى الجمرة الأولى، ودعا بعد أن رمى الجمرة الثانية، فهذا دعاء بعد نهاية العمل، وقد أخبر أن الليلة الأخيرة من ليالي رمضان يغفر فيها للمؤمنين الصائمين القائمين، وقيل له: (أليلة القدر هي؟ قال: لا، ولكن الأجرة عند تمام العمل)، وكذلك الدعاء ينبغي أن يكون بعد تمام العمل دائماً.

стр. 1052

مشروعية رفع اليدين في الدعاء وسواء رفع الإنسان يديه في الدعاء أو لا، فرفع اليدين يرشد له قوله ﷺ : (إن الله حيي كريم يستحي إذا مد العبد إليه يديه أن يردهما صفراً)، وقد رفع رسول الله ﷺ يديه بعد أن رمى الجمرة ودعا، وكذلك رفع يديه في المزدلفة وفي عرفات، وكان يرفع يديه حتى يرى بياض إبطيه في بعض الأدعية، وفعل ذلك في دعاء الاستسقاء على المنبر. وقد دعا عمر بن الخطاب ﵁ في قنوت الفجر فرفع يديه حتى تجاوز بهما رأسه يدعو على أهل الكتاب. وأما قنوت الوتر فلم أجد فيه دليلاً على الرفع، فلم أجد فيه حديثاً عن رسول الله ﷺ لا صحيحاً ولا حسناً ولا ضعيفاً، ولم أجد فيه أثراً صحيحاً عن أحد من أصحابه وإنما وجدت فيه أثراً ضعيفاً عن ابن مسعود، وفيه آثار عن بعض التابعين وأتباعهم لكنها ليست دليلاً. وقد دأب الناس على رفع أيديهم فيه من أيام ابن عيينة إلى زماننا هذا، سئل أحمد بن حنبل عن دليله فقال: رأيت ابن عيينة يفعله، وهذا ليس دليلاً لكن يستأنس به لرفع اليدين في الوتر.

стр. 1053

الثناء على الله والصلاة على رسوله في الدعاء وكذلك من أسباب استجابة الدعاء الصلاة على النبي ﷺ فيه، واستحسن بعض العلماء أن تكون قبله وبعده؛ لأن الصلاة على النبي ﷺ دعاء وهو مستجاب قطعاً، والله كريم فإذا استجاب لك بعض دعواتك فستكون الأخرى مستجابة تبعاً لها. وكذلك أن يكون بعد الثناء على الله وحده وتبجيله، فالله أرشدنا إلى ذلك بالفاتحة فبدأ فيها بحمد الله والثناء عليه ثم ختمها بالدعاء، وكذلك كان رسول الله ﷺ يفعل إذا أراد أن يدعو. ومن أسباب استجابة الدعاء أن يكون الإنسان خاشعاً وقت دعائه، وأن يتعلق قلبه بالله وحده. ومن أسباب استجابة الدعاء أن يكون في حال المناجاة كالدعاء في السجود ونحوه، فإن الله ذكر استجابته لبعض الأنبياء في صلواتهم، فذكر استجابته لزكريا وهو قائم يصلي في المحراب، ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ * فَنَادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى﴾ [آل عمران:٣٨ - ٣٩].

стр. 1054

وسائل استجابة الدعاء وهناك ثلاثة من أسباب استجابة الدعاء اشتهرت بالوسائل: السبب الأول: أن يتوسل الإنسان بأسماء الله الحسنى وصفاته العلا، فالتوسل بهذا بين يدي الدعاء مظنة الاستجابة، لقول الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف:١٨٠]، وفي الحديث أن رجلاً من الأنصار قال: (اللهم إني أسألك بأن لك الحمد لا إله إلا أنت ديان السماوات والأرض، فقال رسول الله ﷺ : لقد سأل هذا الله باسمه الأعظم الذي إذا سئل به أعطى وإذا دعي به أجاب). وكذلك أقر عائشة على الدعاء بالأسماء الحسنى، وثبت عنه قوله: (إن لله اسماً هو اسمه الأعظم الذي إذا سئل به أعطى وإذا دعي به أجاب)، فهذا يقتضي التوسل إلى الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلا عموماً. السبب الثاني: التوسل إلى الله بصالح الأعمال، ولا يكون العمل صالحاً إلا إذا كان موافقاً لما شرعه الله وكان الإنسان مخلصاً فيه لله ، فإذا كان كذلك فإنه بالإمكان أن يتوسل به إلى الله ولو كان يسيراً فيستجيب الله دعاءه، ودليل ذلك قول الله تعالى: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا﴾ [آل عمران:١٦]، وكذلك قول الرسول ﷺ في حديث أصحاب الرقيم أن الثلاثة توسلوا إلى الله بصالح أعمالهم، قالوا: إنه لا ينجيكم إلا أن تتوسلوا إلى الله بصالح أعمالكم. السبب الثالث: هي التوسل إلى الله بدعاء المؤمنين، والله جعل الشفاعة وسيلة، لكنه لا يستجيب إلا إذا أذن بالشفاعة، فالملائكة يشفعون ويدعون للمؤمنين، ولكنهم لا يدعون إلا لمن أذن لهم الله بالشفاعة فيه؛ لأنه قال: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة:٢٥٥]، وقال: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ [الأنبياء:٢٨]. وقد ذكر آيتين في دعاء الملائكة إحداهما في سورة الشورى وهي قوله: ﴿وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الأَرْضِ﴾ [الشورى:٥]، والأخرى في سورة المؤمن، وهي قوله: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ * رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُم وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ﴾ [غافر:٧ - ٩]، فالآية الأولى فيها الإطلاق: (لمن في الأرض)، والآية الثانية فسرت ذلك الإطلاق بأن المقصود به أهل الإيمان والتقوى والالتزام لأنه قال: (للذين تابوا واتبعوا سبيلك). وكذلك الاستشفاع بدعاء الرسل في حياتهم، وقد ذكرناه في دعاء رسول الله ﷺ ، وقد صح عنه ﷺ أنه قال: (إن هذه القبور مظلمة على أهلها، وإن الله ينورها عليهم بدعائي وصلاتي)، وقد أمره الله بالدعاء للمؤمنين في قوله: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ [التوبة:١٠٣]. وقد صح عنه ﷺ في صحيح مسلم أنه أمر عمر بن الخطاب إذا أتاهم أويس القرني أن يسألوه أن يستغفر لهم، فهذا دليل على مشروعية التماس الدعاء من كل عبد مؤمن تظن به خيراً. وقد سأل عمر أويساً القرني أن يستغفر له، وقد كان يستقبل أمداد اليمن، وكان إذا أتاه أحد من أهل اليمن سأله عن أويس ما حاله فيذكرون تقشفه وزهده، حتى قدم عليه في أمداد اليمن، فقال: أنت أويس بن عبد الله؟ قال: نعم. قال: القرني؟ قال: نعم. قال: لك أم أنت بها بر؟ قال: نعم. قال: كان بك وضح فشفاه الله إلا موضع أصبع؟ قال: نعم. قال: قد أمرنا رسول الله ﷺ أن نسألك أن تستغفر لنا. وكان خيره إلى أي اتجاه يريد أن يذهب فاختار العراق، فقال: أوصي عليك أمير الجيش؟ قال: لا، دعني أسير في غمار الناس. فكان لا يريد أن يكون له ذكر، لكنه اشتهر في العراق والتمس الناس منه الدعاء، وأكثروا عليه، فسار في سرية فلم يرجع ولم يعرف الناس أين ذهب، وقد لقب بسيد التابعين. وكل من رجي منه الخير فإنه يلتمس منه الدعاء. فقد كان عدد من التابعين يلتمسون الدعاء من أم المؤمنين عائشة ﵂، وكان الناس في زمان علي بن أبي طالب ﵁ إذا ولد لأحد منهم مولود أتاه به فيدعو له، كما ثبت أن ابن عباس أتاه بولده علي حين ولد له فدعا له علي وسماه علياً، فكان أبا خلفاء بني العباس. وقد كان رسول الله ﷺ يفعل هذه السنة من قبل، كان إذا أتي بمولود حنكه ودعا له، وكذلك كان ابن عمر ﵁ إذا ودعه من يريد السفر دعا له بما كان رسول الله ﷺ يودعهم به: (أستودع الله دينك وأمانتك وخواتم عملك)، وكذلك كان يقول: (زودك الله التقوى وغفر ذنبك، ويسر لك الخير حيثما توجهت).

стр. 1055

أهمية الدعاء وقد كان دأب سلف الأمة الصالح في مختلف العصور والقرون، أنهم كانوا يلتمسون الدعاء ممن يظنون بهم الخير والصلاح، ويوصون المسافرين والحجاج والعمار على الدعاء، ويوصون الخارجين للجهاد في سبيل الله أو المرابطين في الثغور بالدعاء. وهذا يقتضي أن يهتم الناس بالدعاء وأن يعلموا مكانته الشرعية، فضعفاء الناس يظنون أنهم لا دور لهم في الأمة ولا مشاركة لهم في الجهاد في سبيل الله، ومع ذلك إنما ينصر المسلمون بهم كما قال رسول الله ﷺ : (إنما تنصرون بضعفائكم)، فهؤلاء الضعفاء ينبغي أن تعظم وتفخم مكانتهم حتى لا يغفلوا عنها. ومع الأسف أن الأمة اليوم كلها ضعفاء وسلاحها هو الدعاء، وعليها أن لا تتركه بحال من الأحوال وأن تجتهد فيه لله ، ولعلها تنصر بدعاء المستضعفين منها، ولذلك بين الرسول ﷺ أن دعاء هؤلاء يرفع به البلاء، فقال: (لولا صبيان رضع، ومشايخ ركع، وبهائم رتع؛ لصب عليكم العذاب صباً)، هذه هي أهم الوسائل، وهذه الثلاث متفق عليها والدلالة عليها من النصوص من القرآن والسنة واضحة، ولا خلاف فيها بين أهل العلم إلا الخلافات التي لا تعتبر ولا يعتد بها. وقد حذر رسول الله ﷺ من الاستعجال في الدعاء، فقال: (يستجاب لأحدكم ما لم يتعجل يقول: قد دعوت ودعوت فلم يستجب لي)، فعلى الإنسان أن يجتهد في الدعاء وأن يتقرب بذلك لله ، وأن يعلم أنه لا يضيع، فإما أن يستجاب له عاجلاً، وإما أن يدخر له ذلك عند الله ، وإما أن يرفع به عنه البلاء، فالدعاء يصطرع مع البلاء في السماء ولا يرد القدر إلا الدعاء، وهذه مزيته، فهذا الدعاء من قدر الله، ويرد كثيراً من أقدار الله الواردة. كثير من الناس لا يظن أنه يستغفر استغفاراً فيرفع به عنه سرطان أو بلاء عظيم جداً، أو يرفع به عن الأمة بكاملها ضرر لاحق، سواء كان ضرراً في الدين أو ضرراً في الدنيا، فمثلاً: اللوثات الدينية التي تحصل في المجتمعات من الانحلال الخلقي أو الانحراف العقدي أو نحو ذلك، هي أوبئة وأمراض تنزل من السماء فتصيب الأمم لكنها ترفع بهذا الدعاء. وكذلك فإنه سبب من الأسباب التي لا ترد، فكثير من الناس ييأس إذا نفذت عليه أسباب الدنيا في الرزق أو في الدعوة أو في العلم وينقطع، ويظن أن الأمر قد أغلق أمامه وأن الطريق قد سد عليه، لكنه ينسى هذا الجانب المهم من سلاحه. وقد شاهدت أن بعض الناس يجتهد في محاولة هداية بعض الأشخاص والأخذ بزمامهم إلى الخير، فيعمل معهم جميع أنواع الحيل فلا يستجيبون لها، فإذا انقطعت أسبابه قيل له: بقي أمامك نصف الطريق وهو أن تجتهد لهم في الدعاء لعل الله يهديهم على يديك، فما جربت هذه إلا هدي بها ذلك الإنسان. كثير من الناس يظن أنه إذا بذل الأسباب فما نجحت انتهى الأمر، وينسى هذا الجانب الآخر حتى مع أولاده، ومع المدعوين الذين يريد هدايتهم، ومع جيرانه وغيرهم.

стр. 1056

الأسئلة

стр. 1057

شرك الطاعة السؤال يكثر شرك الطاعة في مجتمعنا، فهل كل أحواله تخرج من الملة؟ الجواب لا، إن بعض أحواله لا تخرج من الملة، فطاعة المخلوق في معصية الخالق إذا لم يعتقد للمخلوق نفعاً ولا ضراً وإنما اعتقد أنه لا ينفع ولا يضر إلا بإذن الخالق، ولكنه ضعف أمامه فأصبح يتقرب إليه بمعصية الله تعالى، فهذا لا يخرج من الملة، لكن صاحبه يكون فاسقاً ويكون كفره كفراً أصغر.

стр. 1058

بطلان العمل بالشرك الخفي السؤال الشرك الخفي هل يبطل العمل ولو كان بعد سنوات من زمن الطاعة؟ الجواب الرياء اختلف فيه هل يبطل العمل أم لا: فقالت طائفة من أهل العلم: يبطل العمل مطلقاً، فيبطل أجره ويبطل العمل نفسه. وقالت طائفة أخرى: بل يبطل الأجر دون العمل، فيسقط عنه التكليف بالعمل ولكنه لا يثاب عليه. لكن الإبطال متفق عليه بالجملة، يقول أحد العلماء: هل الرياء مبطل للعمل وأجره حتى كأن لم يحصل أو مبطل للأجر دون العمل فحج من راءى به لم يبطل محل خلاف على هذين القولين.

стр. 1059

كفارة الشرك الخفي السؤال هل في الشرك الخفي كفارة، فهو كثير في هذه الأمة؟ الجواب نعم كفارته الإخلاص فيحاول الإنسان الإخلاص فيما بقي من عمره فإن عمراً ضيع أوله لجدير أن يحفظ آخره، ولذلك فإن العبرة بالخواتيم، فمهما أسرف الإنسان فيما مضى فإنه إذا أحسن فيما بقي من عمره سيكون مكفراً لكل ما سبق، يقول أحد العلماء: بقية العمر عندي ما لها ثمن ولو غدا غير محبوب من الزمن يستدرك المرء فيه كل فائتة من الزمان ويمحو السوء بالحسن (اتبع السيئة الحسنة تمحها).

стр. 1060

قوة الأمم السابقة بالنسبة لما بعدها السؤال هل كانت الأمم السابقة مثل قوم نوح وصالح وهود يعتبرون أقوى من الأمم التي بعدهم إلى قيام الساعة؟ الجواب لا، هذا ليس مطرداً على التسلسل، فالله أخبر عن عاد أنه زادهم بسطة على قوم نوح كقوله: ﴿وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً﴾ [الأعراف:٦٩]، فقد تكون الأمة اللاحقة أقوى من الأمة السابقة، وهذا باعتبار حالهم وحال من تحت يدهم من الناس، مثلاً: قوة عاد إنما هي باعتبار تجبرهم على الناس وضعف الناس في زمانهم، فلم يبق أحد على وجه الأرض يستطيع معالجتهم ولا الوقوف في وجههم، فأهلكهم الله بالريح وسخرها عليهم ثمانية أيام حسوماً. وكذلك فرعون الذي قال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٤]، ولم يستطع أحد منهم أن يستنكر ذلك، ولم يرض بسلطان الأرض فقط حتى أمر هامان أن يبني له صرحاً ليصعد إلى السماء، فهذا باعتبار زمانهم وحال الناس في ذاك. وكذلك اليوم، فالأمم الكافرة الموجودة اليوم وإن كانت لها من وسائل التكنولوجيا والتقدم ما ليس لدى أولئك، لكن هذا مشترك موجود لدى غيرهم بخلاف السابقين، فأمريكا اليوم مثلاً يمكن أن تعارضها الصين، ويمكن أن تعارضها غيرها، فهزمتها فيتنام وهزمها المجاهدون في الصومال، وهزمها إلى حد كبير المكسيكيون حين كانت الحروب بينهم سجلاً في جنوب أمريكا.

стр. 1061

حكم الطواف بالقبور السؤال الطائفون بالقبور مثلما يفعله كثير من الناس، هل يعتبرون مشركين أو أن عملهم فقط شرك؟ الجواب الطواف بالقبور والتمسح بها سيأتي إن شاء قريباً في درس لاحق، وسنبين أنه ليس درجة واحدة، فمنه ما هو شرك ومنه ما ليس كذلك، لكن الجميع يدخل في المحرمات المنهي عنها.

стр. 1062

معنى قولهم: (كفر دون كفر) السؤال ما تفسير قول بعض العلماء: (كفر دون كفر)؟ وهل ترك الصلاة مع الجماعة من كذلك؟ الجواب الكفر ينقسم إلى: كفر أكبر مخرج من الملة. وإلى كفر أصغر وهو كفر دون كفر، والمقصود أنه يسمى كفراً تنفيراً منه، وهو الفسق الشديد، وقد بين ذلك رسول الله ﷺ في قوله: (سباب المسلم فسوق وقتاله كفر) وفي قوله ﷺ في صحيح البخاري: (لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض)، فهذا كفر دون كفر ولا يقصد به الكفر المخرج من الملة. واختلف العلماء في قوله ﷺ : (بين المرء والشرك والكفر ترك الصلاة)، وقوله ﷺ : (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر). فقالت طائفة: المقصود بذلك كفر دون كفر، وهذا مذهب الجمهور. وقالت طائفة أخرى: بل المقصود به الكفر المخرج من الملة، ومحل هذا في ترك الصلاة مطلقاً والامتناع عن أدائها، أما تركها في الجماعة ولكنه يصليها في بيته وحده ونحو ذلك فلم يقل أحد بكفر من فعل هذا، لكن اختلف في فسقه ونحو ذلك، فالذين أوجبوا الصلاة في الجماعة وهم قلة رأوا أنه إذا فعلها في بيته فقد فسق، والجمهور يرون أنه لا يعتبر ذلك واجباً لكنه سنة مؤكدة، ومن تركها في المسجد فقد حرم نفسه خيراً كثيراً وتعرض لسوء الخاتمة نسأل الله السلامة والعافية، لقول ابن مسعود فيما أخرج عنه مسلم وغيره: (من سره أن يلقى الله غداً مسلماً فليحافظ على هؤلاء الصلوات الخمس حيث ينادى بها).

стр. 1063

ترك العمل خوفاً من الرياء السؤال ألا ترى أننا لو تحدثنا عن الشرك الخفي قد يؤدي ذلك إلى أن البعض قد يترك بعض الأعمال الظاهرة كالدعوة إلى الله بحجة أنه يخشى الوقوع في هذا الشرك؟ الجواب من تركها فقد جمع الخطتين: الترك والشرك؛ لأنه أشرك أيضاً في الترك، أي: اتبع هواه وخوفه في مقابل ما أمره الله به، ومن عمل ولكنه أشرك شركاً خفياً فعلى الأقل أنه نجا من إحدى الخصلتين ووقع في الأخرى. وقد نص أهل العلم في الذين يتعاقرون الخمر أنه يجب أن ينكر بعضهم على بعض وأن ينهاه؛ لأن لا يجمع بين الخصلتين؛ لأنه إذا لم ينهه فقد ترك واجباً، وإذا شرب الخمر فقد فعل محرماً، فجمع بين ترك الواجب وفعل المحرم. ولهذا فقد نص العلماء في قول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة:١٠٥]، على أن المقصود بقوله: (إذا اهتديتم) إذا أديتم الواجبات وتركتم المحرمات، فيدخل في ذلك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة، فلا يكون الإنسان مهتدياً وهو لا يأمر بمعروف ولا ينهى عن المنكر، ولذلك يرد على من استدل بهذه الآية على ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بذلك. بل بين ذلك أبو بكر ﵁ في قوله: أيها الناس إنكم تقرءون هذه الآية، وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب منه).

стр. 1064

الحكمة من استغفار أويس لسيدنا عمر السؤال ما الحكمة من أمر النبي ﷺ عمر بن الخطاب أن يطلب من أويس أن يستغفر له، مع أن عمر خير من ملء الأرض من أمثال أويس؟ الجواب هذا من التنويه ببعض رجال هذه الأمة، ومن البيان أن المزية لا تقتضي التفضيل، فهذه الأمة جاءت فيها أحاديث متعددة، جاء فيها أحاديث: (مثل أمتي كالمطر لا يدرى أوله خير أم آخره)، وجاء تفضيل سلفها في قوله: (خير القرون القرن الذين بعثت فيهم، ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم)، وكذلك قوله ﷺ في صحيح البخاري: (يغزو فئام من الناس فيقال: هل فيكم من رأى محمداً؟ فيقولون: نعم، فيفتح لهم، ثم يغزو فئام من الناس فيقال: هل فيكم من رأى من رأى محمداً؟ فيفتح لهم، ثم يغزو فئام من الناس فيقال: هل فيكم من رأى من رأى من رأى محمداً؟ فيقولون: نعم، فيفتح لهم). وجاء في مقابل ذلك قوله ﷺ : (وددت لو رأيت إخواننا، قالوا: أولسنا إخوانك يا رسول الله؟ قال: بل أنتم أصحابي، وإخواني قوم آمنوا بي ولم يروني للواحد منهم أجر خمسين، قالوا: يا رسول الله منا أو منهم؟ قال: بل منكم، إنكم تجدون على الحق أعواناً ولا يجدون على الحق أعواناً)، فهذه مزية، وهي لا تعني التفضيل. بل أفضل الأمة أصحاب رسول الله ﷺ وأفضلهم الخلفاء الراشدون، ثم بقية العشرة، وأهل بدر، ثم أهل بيعة الرضوان، فهذا التفضيل المعروف، لكن من دونهم فيهم خير كثير أيضاً، وربما يكون لبعضهم مزايا ليست لبعض الصحابة، فبعض الصحابة غير مستجاب الدعاء في كل شيء وبعضهم مستجاب الدعاء في كل شيء بحيث لا يدعو إلا استجيب له في الحال مثل سعد بن أبي وقاص وليس أفضل من علي وعثمان، وهما قد لا يستجاب لهما في بعض دعواتهما، فالمزية لا تقبل التفضيل. وكذلك أويس القرني بيَّن الرسول ﷺ مزيته، وبعث بذلك الأمل والمنافسة في أمته، ولهذا اختلف العلماء في تفسير قول الرسول ﷺ : (لا يأتي على الناس زمان إلا والذي بعده شر منه)، فقالت طائفة: المقصود بزمان الصحابة فقط، وهذا رأي الحافظ ابن حجر وغيره؛ لأن زمان أبي بكر خير من زمان من بعده، ثم زمان عمر، ثم زمان عثمان، ثم زمان علي، ثم كل زمان يكون الذي بعده شراً منه إلى أن انتهى عصر الصحابة، فجاء بعدهم عمر بن عبد العزيز فكان زمانه خيراً من زمان الذين سبقوه من أمراء بني أمية. وقالت طائفة: المقصود بذلك في بعض جوانب هذه الأمة في العلم والإيمان ونحو ذلك على الجملة، فالزمان الأول زمان النبي صلى عليه وسلم ما عرف فيه كثير من الفواحش التي ظهرت فيما بعد، وكذلك زمان الخلفاء الراشدين ما عرف أن أحدهم ارتد عن الإسلام في زمن الخلفاء الراشدين وأقيم عليه حد الردة إلا شخص أو شخصان في العراق قتلهم ابن مسعود، وكذلك ظهور البدع ونحو هذا، وهذه لا تزال تكثر حتى في أيام عمر بن عبد العزيز، وفي أيام من دونه من الخلفاء. فعلى هذا يكون المقصود أن الزمان السابق نفسه له فضله، والزمان اللاحق شر منه باعتبار فضل الزمن نفسه لا بفضل أهله، ولا باعتبار ما يحصل فيه من العافية أو الخير أو انتشار الإسلام أو انحساره، فالعبرة بنفس الزمان، فالقرن الأول أفضل من القرن الثاني، والقرن الثاني أفضل من القرن الثالث، وهكذا. لكن العبرة بالقرن نفسه أو بالسنة نفسها. وقيل: المقصود البركة، فالزمان الأول كانت الأعمار مباركاً فيها بركة عجيبة جداً، بحيث يقطع الرجل الأشواط على أرجله من مسافات شاسعة في الفترات القليلة التي لو قسناها اليوم بعملنا لوجدنا فرقاً شاسعاً، وهذا سيأتي ما هو شر منه في آخر الزمان فتكون السنة كالشهر، والشهر كالجمعة، والجمعة كاليوم، واليوم كالساعة، والساعة كاشتعال السعفة من سرعتها، إلا في أيام الدجال فاليوم الأول كسنة، واليوم الذي يليه كشهر، واليوم الذي يليه كجمعة، وسائر أيامه كأيامكم.

стр. 1065

الإيمان بالرسل لما خلق الله البشر لم يتركهم عبثاً ولا أهملهم سدى، بل أرسل إليهم رسله ليخرجوهم من الظلمات إلى النور، وللأنبياء خصائص وصفات يجب أن تتوفر فيهم؛ تشريفاً من الله، وصيانة للرسالة، وإقامة للحجة.

стр. 1066

الرسالة اجتباء لا اكتساب بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. قال الشيخ حفظه الله: [والرسل حق والنبي العربي خاتمهم أعلاهم في الرتب] يريد بهذا بيان ركن آخر من أركان الإيمان وهو الإيمان برسل الله. والرسل جمع رسول، وهو من أوحي إليه بشرع وأمره بتبليغه، والرسول يختاره الله من الملائكة أو من الناس، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾ [الحج:٧٥]، لكن الرسل من الملائكة هم رسل إلى الرسل من البشر، وهذا نوع من أنواع الوحي، وقد سبق ذكر أنواع الوحي. والرسل من الملائكة كذلك يبلغون بعض الملائكة، ولهذا ذكر الله سبحان وتعالى أن الملائكة يسألون بعد أن يفزع عن قلوبهم إذا سمعوا كلام الله : ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [سبأ:٢٣]. والرسالة لا تكون إلا على أساس اختيار رباني ولا يمكن أن تكتسب بأي وسيلة من الوسائل، وقد بين الله سبحانه ذلك في كتابه، فقال: ﴿الله أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام:١٢٤]، وقال في موضع آخر: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ﴾ [القصص:٦٨]، وقال في موضع آخر: ﴿وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا﴾ [الكهف:٥١]. وفي سورة الأنعام بين عدم اكتساب الرسالة في قوله: ﴿فإِنِ استَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأنعام:٣٥] فبين أن هذا لا يمكن. وآدم ﵇ هو أول الرسل من البشر، ودليل ذلك ما صح عن رسول الله ﷺ أنه قال: (خير أيامكم يوم الجمعة فيه خلق آدم، وفيه أرسل إليه، وفيه مات، وفيه تقوم الساعة)، فهذا دليل على أن آدم قد أرسل إليه. وقد ذكر الله في كتابه خطابه لآدم على صورة المحاورة وهي لا تكون إلا للرسل، وكذلك ذكره بالاجتباء في قوله: ﴿ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى﴾ [طه:١٢٢] والاجتباء في القرآن للرسل وحدهم.

стр. 1067

ترتيب الرسل فضلاً وزمناً ونوح هو أول الرسل إلى أهل الأرض، وقد ذكر في القرآن من أولي العزم الذين ذكرهم الله بقوله: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ [الأحزاب:٧]، فهؤلاء هم أولو العزم من الرسل، وهم أفضلهم.

стр. 1068

عدد الرسل وأسماؤهم ولم يسم الله لرسوله ﷺ أسماء رسله لا من الملائكة ولا من الناس، ولم يحصرهم في عدد محدد، بل قال تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾ [البقرة:٢٥٣]، وقال تعالى: ﴿وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء:١٦٤]. وكل هذا يقتضي أنه لم يبين أعدادهم ولم يذكر أسماءهم للنبي ﷺ . وقد جاء في بعض الآثار: التي لا تثبت بيان عددهم، فقد جاء في بعضها أن الرسل ثلاثمائة وثلاثة عشر، ولكن هذا لا يصح، وقد سمي في القرآن من أنبياء الله واحد وعشرون، ثمانية عشر منهم في سياق واحد في سورة الأنعام، وذكر ثلاثة عشر أيضاً في سياق واحد في سورة النساء، وهؤلاء الذين ذكرت أسماؤهم اختلف في تفصيلها، فمن الناس من يرى أن بعض الأسماء متداخلة؛ لأن بعض الأنبياء يذكر بأسماء متعددة في القرآن مثل يونس فقد سمي (ذا النون) في الآية الأخرى. وكذلك بعض هؤلاء من أنبياء بني إسرائيل الذين اختلف ذكرهم في كتب بني إسرائيل فسموهم بهذه الأسماء كاليسع وذي الكفل، فإن اليسع يزعم أهل الكتاب أنه يوشع بن نون الذي هو فتى موسى، وقد صح عن ابن عباس أن فتى موسى هو يوشع بن نون الذي ذكر في سورة الكهف. (وذو الكفل) في كتب بني إسرائيل أنه ابن سليمان بن داود ﵈.

стр. 1069

إبراهيم أبو الأنبياء والرسل إبراهيم ﵇ كان في ذريته أكثر أنبياء الله ورسله، وقد ذكر العلماء لذلك حكماً: منها: أنه صفت الخلة له فاجتباه الله خليلاً ولم يبق في قلبه مكان لمحبة من سواه، فعوضه الله بأن جعل في ذريته قادة البشر. ومنها: أن الله امتحنه بذبح ولده حين أمر بذلك في النوم فاستجاب لرؤياه، ففداه الله بذبح عظيم، ومع ذلك فقد جعل الله النبوة والرسالة في ذريته كما أخبر بذلك في كتابه، حيث رزقه الله إسماعيل وإسحاق، وأخبر أنه جعل في ذريتهما النبوة والكتاب. فكل من بعدهما من الرسل والأنبياء فهو من ذريتهما، لأن الله أخبر بذلك في نص كتابه، والذرية تشمل أولاد البنات، ولذلك كان عيسى ﵇ من ذرية إبراهيم من قبل أمه فقط؛ لأن الله خلقه من غير أب. والأنبياء الذين ليسوا من ذرية إبراهيم ﵇ هم ممن سبقه وقليل ممن عاصره، فممن عاصره لوط ﵇، وقد أخبر الله أنه آمن له، وعند أهل النسب أنه ابن أخيه.

стр. 1070

ذكر من ليس من ذرية إبراهيم من الأنبياء أما نوح فليس من ذرية إبراهيم؛ لأنه جده وهو أبو البشر بعده، وقد أخبر الله أنه جعل ذريته هم الباقين، وأما قول الله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ﴾ [الصافات:٨٣] فإنها تصريحٌ بأنه من ذريته، وقيل معناه: من السالكين طريقه في النبوة والرسالة، والتضحية في الدعوة إلى الله . وكذلك إدريس ﵇ فليس من ذرية إبراهيم والراجح أنه جده أيضاً؛ لأن إدريس يسمى في كتب أهل الكتاب: (أخنوخ) وأخنوخ جد إبراهيم كما حسب في نسبه في كتب أهل الكتاب، وفي بعض الآثار عن بعض الصحابة، كـ ابن عباس، وأبي بن كعب وغيرهما، ولذلك يعدون نسب إبراهيم ﵇ أنه: إبراهيم بن آزر بن ناحور بن فالغ بن عابر أو عيبر بن شالخ بن سام بن نوح بن لمك أو لامك بن مهلائيل بن اليارد بن الأخنوخ بن يانوش بن قينان بن شيث بن آدم ﵇، وعلى هذا يكون إدريس جداً لنوح، لكن قد صرح في نوح بأنه أول الرسل إلى أهل الأرض. وإدريس رسول قطعاً، فلهذا اختلف في إدريس المذكور في القرآن، الذي رفعه الله مكاناً علياً، هل هو إدريس الأول أو هو إدريسٌ آخر. وإدريس من الذين شرفهم الله من رسله بأن لقيهم رسولنا ﷺ ليلة المعراج، فقد لقيه في السماء الرابعة، وقد صح أنه لقي آدم في السماء الدنيا وعيسى ويحيى في السماء الثانية، ويوسف في السماء الثالثة، وإدريس في السماء الرابعة، وهارون في السماء الخامسة، وموسى في السادسة، وإبراهيم في السابعة، وفي هذا يقول شيخي ﵀: آدم فابن الخالتين يوسف إدريس هارون فموسى الأعرف ثم الخليل هكذا ترتيب أولاء ليلة سرى الحبيب ﷺ . وممن ليس من ذرية إبراهيم من الرسل أيضاً: هود وصالح وهما من رُسل العرب، فقد بعث هود إلى عادٍ وكانوا يقطنون جزيرة العرب، وهم أهل الأحقاف الذين يسمى موضعهم اليوم بالربع الخالي؛ لأن الله سلط عليه ريحاً عقيماً: ﴿سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا﴾ [الحاقة:٧]. وكذلك صالح فإنه أرسل إلى ثمود وهم الذين جاءوا بعد عاد، وظاهر سياق القرآن أن عاداً كانوا بعد قوم نوح مباشرةً، وأن ثمود كانوا بعد عاد كما صرح بذلك الترتيب في سورة الأعراف، وعلى هذا فهم قبل إبراهيم ﵇. ويذكر أهل النسب أن الأنبياء المسمين في القرآن والسنة الذين ليسوا من ذرية إبراهيم ثمانية، فيعدون آدم وابنه شيثاً الذي ورد في بعض الأحاديث ذكره، ونوحاً وإدريس ولوطاً وهوداً، وكذلك يذكرون يونس بن متى الذي هو من أهل نينوى من المشرق، فيقولون: هؤلاء الثمانية ليسوا من ذرية إبراهيم ومن عداهم فهم من ذريته، ولذلك كان يلقب بشجرة الأنبياء؛ لأن الله جعل في ذريته النبوة والكتاب.

стр. 1071

صفات الأنبياء

стр. 1072

اشتراط العصمة للأنبياء وهؤلاء الرسل مختلفٌ فيما يشترط لهم، فقد اتفق العلماء على أن العصمة صفةٌ من صفات الرسل ويجب اعتقادها في حقهم، ولكن اختلفوا في تحديد العصمة، فحددها بعضهم بمنع الخطأ من الكفر والكبائر قبل الرسالة ومنع الخطأ مطلقاً بعد الرسالة. وحدد آخرون بأن المقصود بها: منع الخطأ بعد الرسالة فقط، وأما قبل الرسالة فلا مانع من الشرك والكفر والكبائر. وذهب جمهور أهل السنة إلى أن المقصود: العصمة من الوقوع في الخطأ في التبليغ عن الله، والعصمة من الإقرار على الخطأ فيما عدا ذلك، ففيما يبلغونه عن الله يجب لهم العصمة قطعاً؛ لأنهم لا يمكن أن يكون تبليغهم ما بلغوه عن الله خطأً وغلطاً، ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ * لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾ [الحاقة:٤٤ - ٤٦]، فلابد أن يكون ما بلغوه عن الله صدقاً. وعدم القول بعصمتهم في ذلك يقتضي نسبة الكذب لله ؛ لأن مصدق الكاذب كاذبٌ والله تعالى قد صدقهم بالمعجزات، فلو جاز في حقهم الوقوع في الكذب في التبليغ عن الله لكان هو قد صدقهم في كذبهم. فبعض العلماء يقسم هذه الصفة إلى قسمين فيفرق بين الصدق والعصمة، فيعد صفات الرسل يقول: منها الصدق والعصمة والأمانة والتبليغ والرفعة، فيعُد الصفات أكثر وينوعها. والمقصود بالصدق، الصدق في الأقوال والصدق في التعامل مع الله ، وفيما بلغوه عنه، ولا شك أن الحاجة داعية إلى عصمتهم بعد رسالتهم من الوقوع فيما لا يرضيه؛ لأن ذلك يقتضي تناقضاً، فنحن مأمورون باتباعهم فيما عملوه؛ لأن أعمالهم تشريع ما لم يرد الدليل بخصوصها بهم، وإذا كنا منهيين عنها مأمورين بها فهذا تناقض مستحيل شرعاً، فوجب أن يعصموا من الوقوع في الخطأ. والخطأ هنا مختلف فيه، فقيل: هو الشرك والكبائر، وقيل: يشمل الصغائر أيضاً، ويشكل على القول الأخير دعاء النبي ﷺ بالمغفرة، وقد كان يستغفر في المجلس الواحد أكثر من مائة مرة، وكذلك قول الله : ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا * لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح:١ - ٢]، وقد اختلف المفسرون في معنى هذه الآية، فقالت طائفة منهم: المقصود بذلك المغفرة السابقة على اجتبائه، حيث إنه ولد مغفوراً له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، ولله أن يفعل ذلك. وقالت طائفة: بل المقصود أنه يقع في الصغائر والأمور التي هي في حقه ذنوباً، لكن إذا قيس بها غيره كانت في بعض الأحيان طاعات؛ لأن حسنات الأبرار سيئات المقربين. وقد لامه الله في كتابه على بعض الأمور؛ وذلك دليل على صحة وقوع الاجتهاد منه، وأنه متعبد بالاجتهاد قبل نزول الوحي إليه، ولا يعارض ذلك إرجاؤه للبت في بعض الأمور انتظاراً للوحي كقصة الإفك التي انتظر فيها الوحي، وكقصة الثلاثة الذين خلفوا فقد أرجأ أمرهم خمسين ليلةً انتظاراً للوحي، وكإجابة اليهود حين سألوه عن الروح، وغير ذلك من الأسئلة التي يرجئ الجواب عنها حتى ينزل إليه الوحي. وقد اجتهد في أمور لامه الله فيها، فمنها ما ذكره الله في سورة التوبة كقوله: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ﴾ [التوبة:٤٣]، وكذلك قوله تعالى في قصة أسرى بدر: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ﴾ [الأنفال:٦٧]، وكذلك قوله تعالى في قصة الإيلاء: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم:١ - ١]، وكذلك في قصة ابن أم مكتوم: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى * وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى * أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى﴾ [عبس:١ - ٤]، وكذلك في قصة زيد بن حارثة بن شراحيل وزينب بنت جحش بن ذئاب أنزل الله : ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ [الأحزاب:٣٧] ونحو هذا. فهذا عتاب من الله لرسوله ﷺ قُرن بالمغفرة والعفو، بل بدئ بالعفو في قوله: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ﴾ [التوبة:٤٣]، وعلى هذا فالأمور التي اجتهد فيها وليست مما أمر بتبليغه يمكن أن يقع منه الخطأ فيها، لكن لا يُقر على ذلك الخطأ ولابد أن يبين له ما أخطأ فيه، هذا معنى الصدق والعصمة.

стр. 1073

اشتراط الأمانة في الأنبياء أما الأمانة فالمقصود بها: حفظ جوارحهم الظاهرة والباطنة من التعدي على ما اؤتمنوا عليه من وحي الله سواء كان تبليغاً أو كتماناً، فقد يؤمرون بتبليغ شيء مثل الرسائل التي أمروا بتبليغها: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة:٦٧]، وقد يأمرون بكتمان شيءٍ مما يدخل في الإخبار عن المستقبل والغيوب، وقد يكون فتنةً على الناس. وكذلك التبليغ فهو صفةٌ من صفاتهم وإن كان من الصفات الداخلة في الأمانة؛ لأن من الأمانة أن تبلغ الرسالة، والتبليغ الذي يجب على الرسل هو أن يبلغوا عن الله ما تقوم به الحجة، فلو لم يبلغ النبي ﷺ حكماً إلا إلى شخص واحد، لكنه ظن به أنه يمكن أن يبلغه لغيره أو أنه سيبلغه لغيره، فذلك كافٍ في تبليغه، ولهذا فإن النبي ﷺ اعتمد في تبليغ بعض رسالات ربه على الأفراد، ككتبه التي أرسلها إلى الملوك بواسطة رسل من الأفراد كـ عبد الله بن حذافة بن قيس إلى هرقل وكـ دحية الكلبي إلى عظيم مصر، وكـ عمرو بن العاص إلى ابني الجلندا وهكذا. ونحو هذا ما رواه عنه الآحاد مما حدثهم به، فإنهم بلغوه ونُقل إلى الأمة، ولهذا فإن ما يبلغه عن الله من الرسالة محفوظ كحفظ القرآن. والذين يستشكلون ضياع كثير من كتب السنة وفواتها، وأنها معدومة اليوم أو نادرة أو غير مروية، يرد على استشكالهم أنها ليس فيها ما تحتاج إليه الأمة؛ لأن ما تحتاج إليه الأمة من رسالة النبي ﷺ لابد أن يكون قد بلغها، ولذلك تكفي دواوين الإسلام المشهورة وما ليس مروياً فيها مما يعتمد عليه كثير من الناس، هو من تتبع الشواذ ومن التكلف المنهي عنه، فلهذا يفرح الواحد اليوم من طلبة العلم عندما يجد صحيفة منسوبة إلى عصرٍ مضى فيها بعض الأحاديث غير المشهورة وغير الموجودة، أو يؤخذ منها بعض الأحكام الشاذة النادرة، ومثل هذا من اتباع المتشابهات الذي وصف الله به الذين في قلوبهم زيغ. فالذي تحتاجه الأمة من سنة رسول الله ﷺ حفظه الله عليها ولم يكن ليضيعها، ولهذا فإن محمد بن سعيد المصلوب وهو من مشاهير الذين وضعوا الحديث على النبي ﷺ عندما دعاه الخليفة ليقتله، قال: لئن صلبتموني فلقد تركت فيكم أربعة آلاف حديث مكذوب عن النبي ﷺ أحل فيها الحرام وأحرم فيها الحلال، فقال له الخليفة: أين أنت من عبد الرحمن بن مهدي وعبد الله بن المبارك ينقران عنها حتى يخرجانها، فدعاهما فسألهما عن هذا الرجل هل يعرفانه؟ فقالا: نعم. قد حدث عن فلان بالحديث الفلاني وكان كاذباً في ذلك، حتى عدا أربعة آلاف حديث يتتبعانها، ولذلك يقول أهل الحديث: لو هم الرجل بالصين ذات ليلة أن يكذب على النبي ﷺ لأصبح الناس في بغداد يقولون: فلان كذاب وضّاع، ولذلك لما قيل لـ يحيى بن سعيد القطان: قد كثرت الموضوعات، قال: يعيش لها الجهابذة.

стр. 1074

صفة الرفعة في الأنبياء وأما صفة الرفعة التي تجب للرسل فهي أنهم يرسلون من نسب قومهم، وقد أخبر بذلك هرقل أبا سفيان في حديث ابن عباس في الصحيحين: (كذلك الرسل ترسل في نسب قومهم) والحكمة من ذلك: حتى لا يكون اختيارهم في الطبقات الدنيا من المجتمع فتنةً على الناس. وكذلك ما يتعلق بأبدانهم وصورهم فيجب أن لا يكون فيهم مُنفر، فيستحيل في حقهم كل مُنفرٍ سواء كان من العيوب الخلقية، أو من الأمراض أو نقص العقل، أو العته أو غير ذلك، فهذا من المستحيل في حقهم ولا يمكن أن يقع.

стр. 1075

صفات لا تشترط في الأنبياء وأما ما يتتبعه بعض المتكلمين من الصفات كما يذكر بعضهم أنه يستحيل في حق الرسل السواد ونحو ذلك؛ فهذا لا دليل عليه ولا يمكن اعتباره؛ لأن السواد ليس وصفاً منفراً، بل كثير من البشرية يتصفون بذلك، فاختلاف ألوانهم إنما هو من حكمة الله الراجعة إلى اختلاف البيئات والمعاش ونحو ذلك، ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ﴾ [الروم:٢٢]، فقد ذكر اختلاف الألسنة والألوان مع خلق السماوات والأرض مما يدل على تأثير البيئة في الألسنة والألوان، وقد أخبر الله أنه ما أرسل رسولاً إلا بلسان قومه. وكذلك امتن علينا معشر هذه الأمة بأن أرسل إلينا النبي ﷺ من أنفسنا، فقال: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ﴾ [التوبة:١٢٨]، ففي بعض القراءات: (من أنفَسِكُم) أي: من أعزكم نسباً، وقد بين النبي ﷺ ذلك في حديث الاصطفاء وقال: (إن الله اصطفى من ذرية إبراهيم كنانة، واصطفى من كنانة قريشاً، واصطفى من قريشٍ بني هاشم، وجعلني من بني هاشم في المحل الأسمى، فأنا خيار من خيار من خيار). فهذا حديث الاصطفاء فيه اختيار ربانيٌ من عند الله ، اصطفى فيه رسوله ﷺ مثل اصطفائه للرسل الآخرين كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ * ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [آل عمران:٣٣ - ٣٤]، وهذا الاصطفاء لا ينافي الكفر ولا ينافي دخول النار؛ لأنه إنما يصطفى الإنسان من بني جنسه وبني جلدته وأهل زمانه، فلهذا يمكن أن يكون فيهم من هو من الكفار، وقريش مصطفون على من سواهم من القبائل ومع ذلك فيهم الكفرة وفيهم أهل النار. والذين قرءوا حديث الاصطفاء وأخذوا منه أن أجداد النبي ﷺ جميعاً من أهل الجنة أخطئوا في الفهم؛ لأن الاصطفاء ليس لأجداده فقط بل لقريش كلها، ولذلك صح عنه ﷺ في الصحيحين أنه قال: (قريش قادة الناس في الخير والشر إلى يوم القيامة) ولهذا فإن استدلالهم أيضاً بتحريم أذاه وأن الله قد لعن الذين يؤذونه، وأن ذكر أجداده أو آبائه بالكفر أذىً له لا دليل فيه؛ لأنه ليس من أذاه، ولو كان من أذاه لما قاله، وقد صح في صحيح مسلم أنه قال: (إن أبي وأباك في النار). ومعنى الإيمان بالرسل، هذه المراتب المتعددة: أولاً: الإيمان بأن الله بعث إلى البشر رسلاً منهم لهدايتهم وإقامة الحجة عليهم للبشارة والنذارة. ثانياً: الإيمان بالذين سموا منهم تفصيلاً. ثالثاً: الإيمان باتصافهم بالصفات السابقة. رابعاً: الإيمان بأن محمداً ﷺ خاتمهم وأن رسالته ناسخة لجميع شرائعهم، والإيمان به بخصوصه مقتضٍ أيضاً لتصديقه في كل ما أخبر، وطاعته في كل ما أمر، وأن لا يُعبد الله إلا بما شرع بعد أن بعث، وما يتعلق برسالة النبي ﷺ بخصوصه أطول من هذا، فهذا ما يتعلق بالرسل عموماً.

стр. 1076

الصفات المختلف فيها في حق الرسل من الصفات المختلف فيها في حق الرسل الذكورة: فقد قال كثير من أهل العلم: إنها شرط في الرسالة. وقال آخرون: بعدم اشتراطها، والذين يرون عدم اشتراطها يرون نبوة مريم ابنة عمران وحواء ﵉، وقد جاء في كلامنا السابق فيما يتعلق بالوحي الوحي إلى أم موسى ونحو ذلك. دليل الذين يرون نبوة هؤلاء: أن الله سمى مريم في القرآن ثلاثين مرة، ولم تُذكر فيه انثى باسم صريح سواها، وأن الله ذكر أنه أرسل إليها الملك فكلمها برسالة من عند الله، وكذلك حواء فقد جاء الخطاب لها ولآدم في القرآن بضمير المثنى، وهذا يقتضي أن يكون الخطاب إليهما معاً مثل رسالة موسى وهارون. وكذلك اختلف في بعض الذين ذكروا في القرآن من غير الرسل كـ لقمان مثلاً وذي القرنين والخضر، فـ لقمان وذو القرنين ذكرا في القرآن بأسمائهما، والخضر إنما ذكرت قصته ولم يذكر باسمه، لكن الله أثنى عليه بأن جعله عبداً من عباده وأنه علمه من العلم ما لم يعلمه موسى، فاختلف في هؤلاء الثلاثة هل هم رسل أو أنبياء غير رسل؟ أو أنهم من عباد الله الصالحين فقط؟

стр. 1077

الفرق بين النبي والرسول وكذلك اختلف في الفرق بين النبي والرسول، ونحن إذا بينا هذا الفرق فسنذكر الفرق اللغوي أولاً ثم نعدل إلى الفرق الاصطلاحي. فرسولٌ: فعولٌ من الرسالة، ويطلق على الرسالة نفسها وعلى مبلغها، فهو في الأصل للرسالة نفسها؛ لقول الشاعر: لقد كذب الواشون ما بحت عندهم بليلى وما أرسلتهم برسولِ أي: وما أرسلتهم برسالتي، ثم أُطلق على حامل الرسالة الذي يؤديها فسمي رسولاً. وأما النبي: فهو فعيلٌ، فيمكن أن تكون بمعنى فاعلٍ ويمكن أن تكون بمعنى مفعولٍ، ويمكن أن تشتق من النبأ ويمكن أن تشتق من النبوة، فإذا كانت من النبأ فهو الخبر، فالنبي فعيلٌ من النبأ لأنه منبئ عن الله إذا كان فعيلاً بمعنى فاعلٍ، أو لأنه منبأ من الله، أي: مخبر منه إذا كان فعيل بمعنى مفعول، هذا إذا كان من النبأ. أما إذا كان من النبوة وهي الارتفاع، فهو لأن الله أعلى منزلته بالنبوة. أما في الاصطلاح: فإن كثيراً من العلماء يعرفون الرسول بأنه الذي أوحي إليه شرعٌ وأمر بتبليغه، وعرفوا النبي: بأنه الذي أوحي إليه شرعٌ وأمر بالتعبد به ولم يؤمر بتبليغه، وعلى هذا فكل رسولٍ نبي وليس كل نبي رسولا. وقالت طائفة أخرى من أهل العلم: بل الرسول هو الذي أوحي إليه شرعٌ وأمر بتبليغه، والنبي هو الذي أوحي إليه باتباع وتجديد شرع من قبله، فيكون النبي مجدداً والرسول هو الذي أنزلت عليه الرسالة بكاملها. ولكن يُجاب عن هذا بأن الله أمر النبي ﷺ باتباع ملة إبراهيم، والنبي ﷺ أتته شريعة جديدة. ولكن قد يُجاب عن هذا أيضاً بأن يقال: إن الملة لا يقصد بها الشريعة، وإنما يقصد بها ما يتعلق بالجانب الخُلقي والروحي فقط، وقد تبع النبي ﷺ ملة إبراهيم في هذا الجانب، فلذلك لم يدع على قومه واتصف بالحلم معهم، مع أنه ذكر دعاء غير إبراهيم من أولي العزم من الرسل في القرآن على قومهم وما أصاب قومهم، إلا عيسى ﵇ وحده، لكن دعاء نوح ودعاء موسى على قومهما معروف، قال موسى: ﴿وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الأَلِيمَ﴾ [يونس:٨٨]، وقال نوح: ﴿رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ [نوح:٢٦]، وأما إبراهيم فلم يدعُ على قومه مع ما آذوه به من الأذى، بل قال: (حسبي الله ونعم الوكيل) فقط، ووعد أباه بأن يستغفر له. وعموماً فإن الرسل فيهم مجددون يجددون شرع من قبلهم، فإسماعيل وإسحاق لا يمكن أن تكون شريعتاهما غير شريعة إبراهيم إذ لم يشهر ذلك ولم يعرف، بل هما مجددان لشريعة إبراهيم، وكذلك أنبياء بني إسرائيل فإن بعضهم يجدد شريعة من سبقه، وفي بعض الأحيان يباح له بعض ما حرم من قبله كعيسى ﵇ فإنه مجدد لشريعة موسى، لكنه يحل لبني إسرائيل بعض ما حرم عليهم، كما أخبر الله بذلك في كتابه: ﴿وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [آل عمران:٥٠]. والله يقول في وصف الأنبياء: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة:٤٨] فكل نبيٍ منهم له شرعة وله منهاجٌ، لكن لا منافاة بين أن يكون بعضهم مع بعض في شرعةٍ واحدة، ولذلك فسر ابن عباس: (شرعةً ومنهاجاً)، قال: سبيلاً وسنة، فـ (سبيلاً) تفسيرٌ لـ (منهاجاً) و (سنة) تفسير لـ (شرعة). ومن الرسل من يأتي لمكافحة داء ظهر في البشرية ومعصية كبيرةٍ اشتهرت فيها، كما كان لوط ﵇ مجدداً لشرع من قبله في تحريم اللواط ومنعه، وكذلك شعيب ﵇ في منع تطفيف المكاييل والموازين، ولذلك فالذي يذكر من نذارتهم في القرآن متعلق بهذه الأمور فقط.

стр. 1078

لا يكون الرسل إلا من الملائكة أو البشر الرسل كما ذكرنا لا يكونون إلا من الملائكة أو من البشر، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾ [الحج:٧٥]، وأما غير ذلك من الأصناف فيمكن أن تشملهم رسالة رسل البشر أو رسل الملائكة، فالجن مثلاً شملتهم رسالة محمد ﷺ وموسى ﵉، ولذلك ذكروا هذا في القرآن حين أرسل الله النبي ﷺ ليدعوهم إلى الله، وقد أتاه جن نصيبين ببطن نخلة فخرج إليهم وليس معه إلا ابن مسعود، وحدث ابن مسعود بما رأى وبما سمع، وأنزل الله ذكرهم في سورة الأحقاف وبين أنهم قالوا: ﴿يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى﴾ [الأحقاف:٣٠] فكأنهم لم يعلموا بشريعة عيسى ﵇. ويذكر بعض أهل التفسير أن ذلك ربما رجع إلى تعويذ أم مريم لها وذريتها من الشيطان، وقد قص الله علينا ذلك في كتابه: ﴿قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [آل عمران:٣٦]، فلم يتعبد إنسان لتبليغ الرسالة إليهم على هذا. وقد تبع النبي ﷺ عدد منهم وأسلموا، وكانوا سبباً في إسلام من سواهم، فبعض الإنس أسلم عن طريق الجن، ومنهم سواد بن قارب ﵁ وهو من أصحاب النبي ﷺ ، فقد كان كاهناً في الجاهلية، فأسلم رئيه من الجن فدعاه إلى الإسلام فأسلم بذلك، قال: أتاني رئيي بين نومٍ وهجعةٍ ولم يك فيما قد بلوت بكاذبٍ ثلاث ليال قوله كل ليلة أتاك رسول من لؤي بن غالب إلى أن يقول: وكن لي شفيعاً يوم لا ذو شفاعةٍ سواك بمغنٍ عن سواد بن قارب وكذلك رجل آخر اسمه خنافر كان له رئي من الجن اسمه ساصر فأسلم ساصر للنبي ﷺ فدعا خنافراً فأسلم وأتى النبي ﷺ وصحبه، وفي ذلك يقول أبياته المشهورة: ألم تر أن الله عاد بفضله فأنقذ من نفح الزخيخ خنافرا وكشف لي عن جحمتي عماهما وأوضح لي نهجاً من الحق داثرا وكان مضلي من هديت برشده فلله مغوٍ عاد بالرشد آمرا ومثل هذا راشد بن عبد ربه سيد بني سليم الذي كان يدعى في الجاهلية غاوي بن عبد العزى، فغير النبي ﷺ اسمه واسم أبيه وسماه راشد بن عبد ربه، فقد أسلم حين أتاه رجل من الجن يركب نعامة فدعاه إلى الإسلام، فأسلم برسول ﷺ وأتى بقومه، ومثل هذا حصل لعدد منهم كـ العباس بن مرداس ﵁. وكذلك من أهل اليمن عدد من الناس أسلموا على أيدي الجن. ومع هذا فإن للجن بعض الأحكام المختصة بهم، فلا يمكن أن يستوي الجن والإنس في الشرائع التي جاء بها النبي ﷺ ؛ لأنهم لا يتحملون كثيراً مما يتحمله الإنس، ولهم أيضاً من الطاقات في مجالات أخرى ما ليس للإنس، فلهم أحكام، وقد نُص في القرآن على تعذيب من مات منهم كافراً، ولم ينص في القرآن على دخول مسلميهم الجنة إلا بالعموم، لكن جاءت النصوص على أن كل من اهتدى مطلقاً فهو إلى الجنة كقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات:٤٠ - ٤١]، فهذا يشمل الإنس والجن. وعلى هذا فلا يجب عليهم جهاد الكفرة الإنس قطعاً، لكن اختلف هل يجب عليهم جهاد كفرة الجن أم لا؟ فقالت طائفة من أهل العلم: إن الجهاد ذروة سنام الإيمان، والخطاب به في القرآن عام يشمل الإنس والجن.

стр. 1079

الإيمان بالوحي والملائكة من أركان الإيمان الإيمان بالكتب والإيمان بالملائكة والإيمان بالرسل، فلا يصح إيمان مؤمن إلا بها، لكن الواجب هو الإيمان تفصيلاً بما ورد تفصيله في القرآن والسنة، وما لم يرد تفصيله فإننا نؤمن به إجمالاً.

стр. 1080

الإيمان بالوحي قال الشيخ حفظه الله: [والوحي حق ليس قولاً يختلق والكتب حق والملائكة حق] ذكر أن مما يجب الإيمان به الوحي.

стр. 1081

تعريف الوحي والوحي في اللغة يطلق على السرعة وعلى الإلهام وعلى الكتابة، فله ثلاث معان، يقال: وحى وأوحى بمعنى: كتب، وبمعنى: أسرع، وبمعنى: أذهب، ومثلها وخى -بالخاء- وكذلك توخى، ترد أيضاً بهذا المعنى. ومنه قول الشاعر: فلما رأى أن النجاة تعذرت رأى أن ذا الكربين لا يتعذر توخى بها مجرى سهيل ودونه من الشام أجبال تطول وتقصر وورود الوحي بمعنى الإلهام كثير في القرآن، كقول الله تعالى: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ﴾ [النحل:٦٨] فالمقصود بذلك إلهامها. ولذلك يطلق الوحي على ما يراه الرائي في النوم، فهو إلهام لقول الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا﴾ [الشورى:٥١]، أي: إلا رؤيا نوم، ﴿أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ﴾ [الشورى:٥١] وهذا هو الوحي الاصطلاحي وهو المرتبة الثالثة. والوحي في الاصطلاح: تنزيل الله ما شاء من كلامه على من شاء من خلقه، وقد سبق أن الكلام الذي يوحى به هو الكلام التشريعي لا الكلام الكوني، فالكلمات الكونية يخاطب بها كل خلقه، لكنها لا تسمى وحياً، فهو يكلم كل مخلوق من خلقه بكن فيكون، وهذه ليست وحياً؛ لأنه يخاطبك أنت بها، ولا تتحرك حركة ولا تسكن سكوناً إلا بخطاب الله، وهذه هي الكلمات الكونية. أما الكلمات التشريعية فهي التي يوحي بها إلى ما شاء من خلقه، وهم الذين اختارهم لذلك: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام:١٢٤] ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾ [الحج:٧٥]، ﴿يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ﴾ [القصص:٦٨]. وهو وحي الله إلى عباده، يجب الإيمان به، ويجب الإيمان أنه اختار من عباده خلقاً للوحي وأنه أوحى إليهم.

стр. 1082

مراتب الإيمان بالوحي وصوره والإيمان بالوحي مراتب: أولاً: الإيمان بوجوده؛ لأنه حق. ثانياً: الإيمان بما حصل منه تفصيلاً من الكتب المنزلة. ثالثاً: الإيمان بأنه من عند الله وحده. رابعاً: الإيمان بأنه غير مكتسب وإنما هو اختيار رباني. فمن أقر بوجود الوحي وأقر بأنه من عند الله، وأقر الموجود منه لكنه جوز اكتسابه فهو كافر، مثل بعض الفلاسفة الذين يجوزون اكتساب النبوة، فالنبوة ليست مكتسبة وإنما هي اختيار رباني يختار الله لها من شاء من عباده. ولهذا الوحي صور كثيرة أوصلها العلماء إلى ثلاث عشرة صورة، وأصلها الثلاث المذكورة في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا﴾ [الشورى:٥١] والمقصود بذلك رؤيا النوم، وقد صح عن النبي ﷺ أنه قال: (منامات الأنبياء وحي) والمقصود بذلك أحلامهم. ولهذا فإن منامات الناس عموماً فيها نسبة من ذلك، لقول النبي ﷺ : (الرؤيا الصادقة جزء من ستة وأربعين جزءًا من أجزاء النبوة) لأنها إلهام رباني يلهم الله به الإنسان أمراً. القسم الثاني: ﴿مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الشورى:٥١]، مثل كلامه لموسى ﵇، ومثل تكليمه للملائكة، فإنهم يسمعون كلامه من وراء حجاب، ولذلك إذا تكلم أخذت قلوبهم، ثم إذا كمل كلامه فزع عن قلوبهم: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [سبأ:٢٣]. وكذلك فإنه يكلم الناس أجمعين يوم القيامة، فأهل الإيمان يكلمهم كلام الرحمة: ﴿سَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ [يس:٥٨]، وفي حال الحساب كذلك: (ما منكم أحد إلا سيكلمه ربه كفاحاً ليس بينه وبينه ترجمان). وأهل الكفر لا يكلمهم كلام رحمة، ولذلك قال: ﴿وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ﴾ [آل عمران:٧٧] لكنه يكلمهم كلام عذاب، فيخاطبهم بالتقريع، ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾ [فاطر:٣٧] ﴿قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون:١٠٨]. القسم الثالث: هو قوله: ﴿أَوْ يُرْسِلُ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ﴾ [الشورى:٥١] وفي القراءة الأخرى: ﴿أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ﴾ [الشورى:٥١] وهذا الرسول من الملائكة، والوحي عن طريق الملك هو أكثرها. وهذا أيضاً أنواع: فمنه ما يكون على وجه التمثيل فيتمثل الملك رجلاً فيكلمه، ويأتي هذا على صور كثيرة، منها ما حصل للنبي ﷺ حين كان يأتيه جبريل في صورة دحية الكلبي، وقد يأتيه وهو لا يعرفه كحديث جبريل في سؤالاته، وقد يأتيه ملكان فيسأل أحدهما الآخر عن شيء مثل حديث السحر، ومثل حديث: (اضربوا له مثلاً) ومثل حديث الصعود به إلى السماء وما رأى من المعذبين من أصحاب الذنوب، وغير ذلك من الأحاديث، فهذه كلها أنواع من أنواع الوحي. وقد يكون أشد من ذلك مثل صلصلة الجرس، أخرج البخاري في صحيحه قال: حدثنا عبد الله بن يوسف، قال: أخبرنا مالك عن هشام بن عروة عن عائشة زوج النبي ﷺ أن الحارث بن هشام سأل رسول الله ﷺ فقال: (يا رسول الله! كيف يأتيك الوحي؟ قال: أحياناً يتمثل لي الملك رجلاً فيكلمني فأعي عنه ما يقول، وأحياناً يأتيني مثل صلصلة الجرس وهو أشده عليّ، فيفصم عني وقد وعيت ما قال، قالت عائشة: ولقد رأيته يفصم عنه في اليوم الشديد البرد وإن جبينه ليتفصد عرقا). ومن أنواع الوحي الكتابة: فإن الله يكتب صحفاً وألواحاً لبعض أنبيائه، فقد كتب التوراة بيمينه لموسى في الألواح، وكذلك أنزل الصحف على إبراهيم وموسى، وكذلك الإنجيل والزبور كلاهما نزل في صحف، فهذا نوع من أنواع الوحي.

стр. 1083

العلم بالوحي علم قطعي كل هذه الأنواع يجمعها جامع وهو أن العلم الحاصل بها علم قطعي لا يمكن أن يشكك فيه صاحبه، فكل من أوحي إليه لا يستطيع أن يجادل نفسه هل هذا صدق أو غير صدق، ويحصل له اليقين الجازم الذي لا يقبل الشك، وهو أشد من يقينك بالمرئيات والمسموعات، وأنه يصل إلى بشاشة القلوب، والمسموعات والمرئيات يمكن أن تشكك فيها؛ لأن البصر يتفاوت والسمع يتفاوت، فلذلك كان الوحي أبلغ وسائل العلم. قوله: (والوحي حق)، يجب الإيمان بأن ما أوحاه الله لا يمكن أن يكون إلا حقاً لأنه يقول: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ [النساء:٨٧] ويقول: ﴿قُلْ صَدَقَ اللَّهُ﴾ [آل عمران:٩٥] ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ [النساء:١٢٢]. والوحي قول الله فلذلك لابد أن يكون حقاً، فلهذا قال: (والوحي حق ليس قولاً يختلق)، وهذه مبالغة في تفسير كونه حقاً، وهو مأخوذ من القرآن؛ لأن الله يقول: ﴿مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [يوسف:١١١]، فلا يمكن أن يختلقه أي واحد. ولهذا قال: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ * لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ * فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ [الحاقة:٤٤ - ٤٧]، فلا يستطيع أحد أن يدافع عنه حينئذٍ. قوله: (ليس قولاً يختلق)، الاختلاق بمعنى الكذب ومنه قول الله تعالى: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلاقٌ﴾ [ص:٧] واشتقاقه مما يتكلف الإنسان خلقه، والإنسان لا يَخلُق لكنه يَختلِق، بمعنى يزعم فعل شيء غير صحيح، وهذا الذي يسمى بالاختلاق، والمختلَق هو الكلام المكذوب على صاحبه.

стр. 1084

الإيمان بالكتب

стр. 1085

معنى الإيمان بالكتب قوله: (والكتب حق والملائكة حق): الكتب: جمع كتاب، والكتاب في الأصل فعال اسم آلة من كتب الشعر بمعنى خاطه، ولما كانت الأوراق التي يكتب بها العلم تصير هكذا سمي الذي يجتمع فيه عدد من الأوراق وتخاط كتاباً، ثم انتقل هذا إلى الحرفة نفسها، فكان رسم الحروف يسمى كتابة، ويسمى خطاً، ولذلك يطلق على الصحفة الواحدة (كتاب)، ولذلك قال الله تعالى في قصة سليمان ﵇ حكاية عن ملكة سبأ: ﴿إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ * إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [النمل:٢٩ - ٣٠]، (كتاب كريم) ليس معناه أنه كثير من الأوراق المخيطة بل هو هذا اللفظ فقط: ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ [النمل:٣٠ - ٣١]، فهذا كتاب. ولهذا فإن ما يكتبه الإنسان إلى غيره من الرسائل يسمى كتباً يقال: أرسل فلاناً كتاباً، وقد أرسل رسول الله ﷺ كتاباً إلى هرقل وكتاباً إلى كسرى، وكتاباً إلى النجاشي، وكتاباً إلى صاحب دومة الجندل وهو أكيدر دومة وكتاباً إلى ابني جلندا وكتاباً إلى المنذر بن ساوى صاحب البحرين؛ هذه كتب رسول الله ﷺ إلى الملوك يدعوهم فيها إلى الله، كما في حديث أنس بن مالك ﵁ في صحيح مسلم. فالمقصود بذلك ورقة واحدة فيها الخطاب الذي يوجهه إليهم، وقد عرفنا أن هذا قد انتقل عدة انتقالات، فالأصل الخياط وهي كناية عن الأوراق التي تخاط، ثم انتقل ذلك إلى الورقة الواحدة التي كتب فيها فسميت كتاباً، ولهذا يقول العرب: (كتب الأحباب أحباب الكتب) أي: الكتب التي تأتيك من أحبتك هي أحب الكتب إليك. يقول الشاعر: إذا الإخوان فاتهم التلاقي فما صلة بأنفع من كتاب أي: أن يكتب بعضهم إلى بعض. والكتب اصطلاحاً: المقصود بها كتب الله، أي وحيه الذي أنزل على عباده سواء جاءت من عند الله مكتوبة كالتوراة والإنجيل والزبور وصحف إبراهيم وغيرها، أو جاءت منزلة على قلب الرسول الذي يوحى إليه كالقرآن، فالقرآن لم يأت من عند الله مكتوباً، بل لم يكتب كتابة جامعة له في مكان واحد في حياة النبي ﷺ ، إنما كان جمعه في أيام أبي بكر بعد وفاته ﷺ ، وقد كان يكتب في حياته لكن في صحف متفرقة وفي ألواح وفي جلود وغير ذلك. فلهذا قال الله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ * بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ [العنكبوت:٤٨ - ٤٩]، فهو الذي في الصدور. وجاء في الحديث: (إن أناجيل أمتي في صدورها)، وكذلك في حديث عياض بن حمار المجاشعي في صحيح مسلم: (إن الله تعالى قال لرسوله ﷺ : وإني أنزلت عليك كتاباً لا يغسله الماء تقرؤه نائماً ويقظان) فقوله: (لا يغسله الماء)، أي: ليس مثل الكتب التي تكتب على الألواح فتغسل، إنما هو مكتوب في الصدور، ولهذا قال: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ * بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ [العنكبوت:٤٨ - ٤٩].

стр. 1086

الإيمان بالكتب المنزلة جملة وتفصيلاً والكتب المنزلة يجب الإيمان إجمالاً أنها من كلام الله ووحيه، ويجب الإيمان تفصيلاً بما سمي منها، والكتب الأربعة المسماة هي: القرآن والتوراة والإنجيل والزبور، ومعها صحف إبراهيم التي ذكرت دون أن تسمى، قال تعالى: ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى * وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ [النجم:٣٦ - ٣٧]، ﴿إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الأُولَى * صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾ [الأعلى:١٨ - ١٩]. فهذه الصحف هي الكتب. ونحن لا نعلم عدد الكتب، وما كان ينبغي لنا ذلك، ومن حكمة الله أن ما لا يصلح منها وإنما يكون التشريع الذي فيه صالحاً لمدة زمنية محددة، قد جعله الله تعالى ينسى واستودعه خلقه واستحفظهم إياه، كما قال تعالى: ﴿يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ﴾ [المائدة:٤٤]. أما هذا القرآن الذي يصلح لكل ما بعده من الأزمنة فإنه بقي محفوظاً في الصدور، وقد حفظه الله وتولى حفظه بنفسه، ولم يكل حفظه إلى عباده، فقال سبحانه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩]، وقال: ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت:٤٢].

стр. 1087

مراتب الإيمان بالكتب لهذا قال: (والكتب حق)، الإيمان بكتب الله ركن من أركان الإيمان، وهذا الإيمان كما ذكرناه ثلاث مراتب: المرتبة الأولى: هي الإيمان بكتب الله إجمالاً. المرتبة الثانية: هي الإيمان بالكتب التي جاء ذكرها. المرتبة الثالثة: هي التصديق بكل ما جاء فيها من الأخبار، وبأن هذا القرآن مهيمن عليها وناسخ لجميعها، وبأن كل ما فيه فهو حق، وبأن كل ما أخبر به فهو صدق، وكل ما شُرع فيه فهو شرع الله، ويجب أن يعتقد الإنسان أن الكتاب كما أنزل، وأن الدين كما شرع، فيؤمن بذلك.

стр. 1088

الإيمان بالملائكة قوله: (والملائكة حق): كذلك من أركان الإيمان الإيمان بالملائكة، والملائكة جمع ملك بالفتح، وأصل الكلمة: (مألك) والمألك والمألكة الرسالة، ويقال فيه: المألَك والمألَكة والمألُك والمألُكة. ومنه قول عدي بن زيد: أبلغ النعمان عني مألكاً أنني قد طال حبسي وانتظاري لو بغير الماء حلقي شرق كنت كالغصان بالماء اعتصاري والمألكة والمألك والمألكة والمألُك كلها من معنى الرسالة، ثم انتقلت من ذلك إلى الدلالة على حامل الرسالة، فالذي يحمل الرسالة يسمى مألكاً ومألُكاً، وسمي عباد الله المكرمون الذين يبلغون رسالاته إلى أنبيائه بالملائكة اشتقاقاً من ذلك. وليس كلهم يبلغون هذه الرسائل، ولا كلهم مبلغين عن الله، بل منهم ملائكة السماوات وملائكة الأرضين الأخرى، وهم من أكثر جنود الله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ [المدثر:٣١] ولذلك عد العلماء أن مع الإنسان واحداً وعشرين ملكاً، منهم المعقبات التي مع الجوارح ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ﴾ [الرعد:١١]، ومنهم صاحب اليمين وصاحب الشمال اللذان يكتبان الحسنات والسيئات، ومنهم قرينه من الملائكة. ويتعلق به عدد سواهم مثل ملك الموت: (والملائكة الذين وجوههم كالشمس باسطو أيديهم أخرجوا أنفسكم)، يعني: أحضروا أنفسكم. ومنهم ملكا السؤال اللذان يأتيانه في قبره. فإذا جمع هؤلاء وصل العدد إلى واحد وعشرين ملكاً لكل إنسان. وهؤلاء منهم المثبتون ومنهم الكروبيون ومنهم أنواع أخرى، والمقربون أعلاهم منزلة. ويجب الإيمان بالملائكة إجمالاً، ويجب الإيمان تفصيلاً بمن سمي منهم، كجبريل وميكائيل وفيهما لغات كثيرة، فجبرائيل فيه تسعة وعشرون لغة. وكذلك ميكائيل فيه لغات متعددة، وكذلك مالك خازن النار، وكذلك إسرافيل الذي جاء ذكره في الأحاديث الصحيحة، وكذلك صاحب اليمين وصاحب الشمال اللذان يكتبان عمل الإنسان، فصاحب اليمين يكتب الحسنات وصاحب الشمال يكتب السيئات: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ * وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَامًا كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [الانفطار:٩ - ١٢]. المرتبة الثالثة من مراتب الإيمان بالملائكة: الإيمان بأنهم جميعاً عباد مكرمون لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، حتى لو كان الفعل الذي أمروا به بالنسبة للبشر معصية، فإنه بالنسبة لهم طاعة إذا أمروا به، مثل السجود لآدم، ومثل تعليم الناس السحر بالنسبة لهاروت وماروت، فالسحر نفسه كفر بالنسبة للبشر، لكنهم تعبدهم الله بأن يعلموهم، وهذا محنة للبشر مثلما امتحنهم بنزول الأوبئة والأمراض. وهؤلاء الملائكة وصفهم الله بأنهم عباد مكرمون لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، ووصفهم بأوصاف أخرى مثل قوله: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * ﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ * مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ﴾ [التكوير:١٩ - ٢١]، وكذلك قوله تعالى: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى * ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى﴾ [النجم:٥ - ٦] والمرة القوة، فهذا يقتضي تمام قوتهم وقوة خلقهم. وكذلك قول الله تعالى في وصفهم: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ﴾ [فاطر:١] وقد صح عن النبي ﷺ في وصف بعضهم بعض ذلك، مثل قوله في جبريل: (إن له ستمائة جناح ما بين كل جناحين كما بين المشرق والمغرب)، وكذلك جاء عنه في حديث حملة العرش -وإن كان الحديث قد تكلم فيه- أنهم مثل الأوعال بين شحمة أذن أحدهم وظلفه خمسمائة عام، وهذه المسافة كالمسافة ما بين كل سماء وسماء، وما بين السماء والأرض. فهذا معنى قوله: (والملائكة حق).

стр. 1089

الاختلاف في نبوة أم موسى ومريم وقوله: (والرسل حق): من أركان الإيمان الإيمان برسل الله. وقد اختلف في تكليم الله تعالى لـ أم موسى وكذلك كلامه لـ مريم ﵍؛ هل كان وحياً أم لا؛ بمعنى هل كانت نبية أم لا؟ فقال طائفة من أهل العلم: كل من ورد ذكره في ذلك فهو نبي مثل مريم وأم موسى وحواء وغيرهن. والذي يبدو أن الوحي إلى أم موسى إنما كان وحياً بمعنى الإلهام، مثل قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾ [النحل:٦٨] وإن كان فيه ما يقتضي التثبيت؛ لأن الإلهام قد يكون من الخواطر الربانية فيقتضي ذلك تثبيت الإنسان وتقويته، لأن كثيراً من الناس يضحي تضحيات جسمية هي قطعاً من إلهام الله وإيحائه، فتكون وحياً فعلاً، لكنها ليست بمعنى الوحي الذي يختص الله به رسله، إنما هي مثبتات تشبه ما يراه النائم في النوم أو مثل اللمة الملكية. وقد اختلف أهل السنة في هؤلاء النسوة هل هن من رسل الله وأنبيائه أم لا؟ والخلاف قوي في مريم ﵍، فإنه لم تذكر امرأة في القرآن باسمها الصريح إلا مريم، وقد جاء ذكرها في القرآن ثلاثين مرة. وكذلك حواء ﵍، فكثير من أهل السنة يرى أنها كانت من الأنبياء، وهذا الخلاف موجود فيهن، وقد ذكر السيوطي بعض من اختلف في نبوتهم في الكوكب الساطع، فقال: واختلفت في خضر أهل النقول قيل نبي أو ولي أو رسول لقمان ذي القرنين حوا مريم والوقف في الجميع رأي المعظم فلا شك أن مريم خاطبها الملك وأنه أخبرها بأنه من عند الله. وهنا يعلم أنه لا خلاف بأن الله خاطب هؤلاء وأنه شرفهن، وأنهن كملن، ولذلك قال النبي ﷺ : (كمل من الرجال كثير وكمل من النساء أربع)، لكن الخلاف: هل ذلك نبوة أم لا؟

стр. 1090

الغيب النسبي قال النبي ﷺ قال: (إنه كان فيمن قبلكم محدثون، فإن يكن في أمتي منهم أحد فـ عمر بن الخطاب)، فلاشك أن في هذه الأمة عدداً من المحدثين الذين يطلعهم الله تعالى على بعض الأمور التي ليست غيباً بالنسبة لهم لكنها غيب بالنسبة لمن سواهم، لكن هذا ليس من النبوة قطعاً. كثير من الناس يزعم أن كل من أخبر عن مغيب فإنه قد حاول الاطلاع على الغيب، وهذا خطأ لأن الله يكشف لبعض عباده بعض المغيبات فلا تكون غيباً بالنسبة إليهم وإنما تكون من عالم الشهادة، كما حصل لـ عمر مع سارية. وهذا النوع من الغيب يمثل له بالجزار قبل أن يفتح بطن الشاة، فما في بطنها غيب بالنسبة إليه، لكنه إذا فتحه واطلع عليه زال ذلك فلم يكن غيباً بالنسبة إليه، ومثل الغائب عنك، فإن من في بيتك الآن يرى ما لا تراه، فما في بيتك غيب بالنسبة إليك وشهادة بالنسبة للحاضر عندهم، فالغيب غيبان: غيب عن كل الناس، وهذا لا يطلع عليه أحد مثل ما يقع في غد، ومنه مفاتيح الغيب الخمسة. وغيب عن بعض الناس شهادة لبعضهم، مثل: ما يراه الطبيب بالتشخيص، فهذا بالنسبة لك أنت غيب وأنت واقف بجنبه، لكنه ليس غيباً بالنسبة إليه؛ لأنه يراه بالمرصد والمنظار ونحو ذلك. وكذلك المحدثون الذين أطلعهم الله على بعض هذه الأمور، فهي شهادة بالنسبة إليهم غيب بالنسبة إلى من سواهم، ولا يرفض هذا قاعدة الغيب.
следующие страницы →