Полный текст (1 349 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.
стр. 1016
الكتب العلمية وفضلها
стр. 1017
كتابة الحديث
أما العنصر الثالث: ما يتعلق بالكتب العلمية وفضلها.
فإن النبي ﷺ كان قد نهى أن يكتب عنه غير القرآن فقال: (لا تكتبوا عني غير القرآن، ومن كتب عني غير القرآن فليمحه) وكان ذلك خشية أن يجعل في القرآن ما ليس منه من كلام النبي ﷺ كما فعل النصارى حين أدرجوا كلام المسيح بن مريم وكلام الحواريين في الأناجيل.
وبعد هذا أذن النبي ﷺ في الكتابة عنه فقد أذن لـ عبد الله بن عمرو بن العاص أن يكتب ما يسمع منه، وأذن لـ أبي هريرة -كذلك- في كتابة الصادقة، وهي صحيفة كانت عنده، كتبها من في رسول الله ﷺ ، وكان ابن عمرو يسمي صحفه أيضًا بالصادقة، وقال: (لولا الصادقة والوهط والوفيط ما حرصت على شيء من هذه الدنيا) والوهط والوفيط: أرضان لـ عمرو بن العاص وقفهما على الفقراء وجعل نظارتهما إلى ابنه عبد الله، وهما بجنوب الطائف، والصادقة التي كتب فيها من في رسول الله ﷺ هذا العلم.
وكذلك فإن النبي صلى لله عليه وسلم قال: (اكتبوا لـ أبي شاه) وهو رجل من أهل اليمن، حضر حجة الوداع فسمع خطبة النبي صلى لله عليه وسلم وتعليمه للناس فلم يحفظ ذلك، فسأله أن يأمر أصحابه أن يكتبوا له، فأمرهم أن يكتبوا له.
ومن معجزات النبي صلى لله عليه وسلم أن أصحابه لما نهاهم عن الكتابة عوضهم الله بالحفظ العجيب فكان أحدهم يسمع الخطبة بطولها فيحفظها كما هي، ويحفظ الحديث الطويل بألفاظه دون أن يحرف شيئًا من ذلك، وقد كان رسول الله ﷺ يعينهم على الحفظ بالتَّرَسُل في الكلام، وقد كان لا يهذُّ الكلام هذًّا، وإنما قوله الفصل، فلو أراد إنسان أن يعد كلماته لفعل، وكان أيضًا في خطبه يرفع صوته، فقد كانت خطبه تسمع من البلاط، والبلاط خمسمائة متر من المسجد.
وفي الحديث: (كان إذا خطب علا صوته، واحمرت عيناه، واشتد غضبه كأنه منذر جيش يقول: صبحكم ومساكم) وذلك أبلغ لاستقرار ذلك في النفس.
ومثل هذا في تغييره للمنكر ففي الصحيحين من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: تخلف عنا رسول الله ﷺ في سفرة سافرناها بين مكة والمدينة فأدركنا وقد أرهقتنا الصلاة ونحن نتوضأ، فجعلنا نمسح أقدامنا، وجعلت أعقابنا تلوح؛ فنادى بأعلى صوته مرتين أو ثلاثًا: (ويل للأعقاب من النار، ويل للأعقاب من النار)، وكذلك في حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (ويل للأعقاب من النار) ورفع بها صوته.
وفي حديث عائشة ﵂ أنها يوم مات سعد بن أبي وقاص دخل عليها أخوها عبد الرحمن يتوضأ في حجرتها فقالت: يا عبد الرحمن! أسبغ الوضوء فإني رسول الله ﷺ يقول: (ويل للأعقاب من النار).
فكان رسول الله ﷺ يكرر الكلام حتى يفهم عنه كما في حديث أنس أن النبي ﷺ (كان إذا سلم على قوم سلم عليهم ثلاثًا، وإذا تكلم بالكلمة أعادها ثلاثًا؛ لتفهم) أي: لتحفظ.
وكان أصحابه يراجعون بعض محفوظاتهم عليه كما ثبت في الصحيح من حديث البراء بن عازب ﵁ أن النبي ﷺ علمه دعاء النوم، وأن يجعل آخر كلامه قبل أن ينام هذا الدعاء وهو: (اللهم! أسلمت نفسي إليك، ووجهت وجهي إليك، وفوضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك؛ رغبة ورهبة إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك، آمنت بكتابك الذي أنزلت، وبنبيك الذي أرسلت) قال البراء: فأعدت عليه فقلت: وبرسولك الذي أرسلت.
فقال: (لا.
وبنبيك الذي أرسلت).
стр. 1018
تاريخ تدوين الحديث
أول ما بدأ تدوين الحديث أن أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز أمر بذلك عندما زالت العلة التي من أجلها كان النهي، فقد دونت المصاحف، وكثر حملة القرآن، وأمن أن يخلط بغيره؛ فأمر عمر بن عبد العزيز بتدوين السنة وكتابتها، وتجرد لذلك عدد من الرجال منهم: محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، وكان من أحفظ هذه الأمة، وكان لا يرى كتابة الحديث في البداية، ولكنه اقتنع أخيرًا بكتابته، ويقال: إنه لم يقتنع بكتابته في أيام عمر بن عبد العزيز وإنما اقتنع في أيام هشام بن عبد الملك؛ وذلك أن هشامًا دعاه فجلس معه على فراشه، وجعل رجالاً من وراء الستر، وأمرهم أن يكتبوا كل حديث يحدثه به الزهري، فقال له هشام: إني أريد أن تحدثني بأربعمائة حديث عن النبي ﷺ بإسنادك فيها، فأمسك بيده فحدثه بأربعمائة حديث يعدها، وكتبها أولئك الرجال، فتركه سنة ثم دعاه إلى مجلسه وخلا به، فقال: أريد أن تعيد علي ما حدثتني به العام الماضي فإني قد نسيته، وأمر رجالاً أن يكتبوا أيضًا من وراء الستر، فحدثه بالأحاديث كما هي بترتيبها، ولم يقدم واحدًا ولم يؤخره ولم يغير منها شيئًا، فقارن أمير المؤمنين هشام بين ما كتبه الرجال في العام الماضي وما كتبه هذا العام فلم يجد أي فرق، فعرض ذلك على الزهري، ومن هنا اقتنع الزهري بكتابة الحديث.
بدأ تدوين وكتابة الكتب من ذلك العصر، ولكن إنما ألفت بأسماء وتصانيف وبوبت في أيام أتباع التابعين، واختلف في أول من ألف، لكن اشتهر في كل مدينة بعض المؤلفين، ففي مكة عبد الملك بن جريج، وفي المدينة مالك بن أنس، وفي العراق هشيم الواسطي، وعبد الملك بن صبيح، ويزيد بن هارون، وسفيان الثوري وأضرابهم، واشتهر بالشام الأوزاعي، وبمصر الليث بن سعد.
هؤلاء أوائل من ألفوا، ولم يصل إلينا من مؤلفاتهم إلاّ موطأ مالك.
стр. 1019
أهمية الكتابة للعلم
الكتب أصبحت شرطًا في العلم ومرجعًا له؛ ولذلك قال عبد الله بن المبارك: العلم صيد والكتابة قيده فلا يمكن أن يحصل على العلم إلاّ بذلك.
وقال ابن المبارك أيضًا: أيها الطالب علمًا ائت حماد بن زيدِ فاطلبن العلم منه ثمّ قيّدهُ بقيدِ لا كثور وكجهم وكعمرو بن عبيد وقد كان خلفاء هذه الأمة ووزراؤها وقادتها يبالغون في الاهتمام بالكتب، وتشجيع أهلها على تأليفها، واشتهر عمل الوراقين في هذه الأمة، وأصبحت الكتب داخلة في كيان هذه الأمة، وأمرًا من حياتها لا يستغنى عنه أبدًا، ولولا ما قيض الله لهذه الأمة من المؤلفين الجهابذة الذين جمعوا العلم في الكتب لضاع علم هذه الأمة، وقد أثنى كثير من الناس على الكتب بسبب أنها حفظت هذا العلم حتى إن أحد الفقهاء يقول: لنا جلساء لا يمل حديثهم ألباء مأمونون غيباً ومشهدا يفيدوننا من علمهم علم ما مضى وعقلاً وتأديباً ورأياً مسددا فلا فتنة نخشى ولا سوء عشرة ولا نتقي منهم لساناً ولا يدا فإن قلت أموات فلست بكاذب وإن قلت أحياء فلست مفندا
стр. 1020
شروط العلم
العنصر الرابع: شروط تحصيل العلم؛ فقد ذكر أهل العلم لتحصيل العلم سبعة شروط هي:
стр. 1021
الغربة والرحلة
الشرط الأول: الغربة والرحلة.
فما دام الإنسان بين أهله وذويه مشغولاً بهموم دنياه، فقلما يصفو ذهنه، أو يخلص له وقت لطلب العلم، فإذا رحل واغترب وجد وقتًا للطلب؛ ولذلك يقول أحد العلماء: سأطلب علمًا أو أموت ببلدة يقلّ بها سكب الدموع على قبرِي وموسى كليم الله لم ينل العلم الذي طلبه حتى قال: ﴿حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا﴾ [الكهف:٦٠].
والنبي ﷺ ما أنزل إليه الوحي حتى (حبب إليه الخلاء، فكان يخلو في غار حراء يتحنث فيه وهو التعبد- الليالي ذوات العدد).
وقد كان كثير من أهل العلم يؤثر الغربة والرحلة في طلب العلم على ما سوى ذلك.
وقد اشتهرت الرحلة من أيام الصحابة إلى زماننا هذا: فقد رحل أنس بن مالك من البصرة إلى المدينة في طلب حديث واحد، ورحل عبد الله بن أنيس من المدينة إلى الشام في طلب حديث واحد، ورحل أبو أيوب الأنصاري من المدينة إلى مصر في طلب حديث واحد.
ثم اشتهرت رحلات التابعين بعد هذا وأتباعهم.
فهذا أمير المؤمنين في الحديث الإمام محمد بن إسماعيل بن إبراهيم البخاري دخل مدن الدنيا وقراها التي يذكر فيها الحديث على رجليه، وكان قد عمي وهو طفل في الرابعة من عمره فكف بصره، وكانت أمه امرأة صالحة؛ فكانت تتصدق وتجتهد في الدعاء -والناس نيام- أن يرد الله على ولدها بصره، فرد الله عليه بصره، واستيقظ من نومه فإذا هو مبصر، فقالت له: (إن الله رد عليك بصرك لتحفظ حديث رسول الله ﷺ وتخدمه) فنذر نفسه للاشتغال بهذا الحديث وحفظه، وقيظه الله لذلك، وقد رحل إلى الأمصار كلها في طلب الحديث، حتى إنه خرج من خراسان يقصد اليمن ليدرك عبد الرزاق بن همام الصنعاني، فلما وصل مكة قيل له: إن عبد الرزاق قد مات، فكر راجعًا إلى البصرة، فلما أتاها قيل: إن عبد الرزاق حي باليمن، فكر راجعًا إلى مكة، حتى لقي من شهد جنازة عبد الرزاق، وكل ذلك على رجليه! وكذلك أحمد بن حنبل ورفيقه يحيى بن معين ورفيقهما إسحاق بن راهويه، خاضوا مشارق الأرض ومغاربها في طلب الحديث وجمعه.
وكذلك المكي بن إبراهيم -وهو شيخ البخاري - قال: (كتبت بإصبعيّ هاتين عن ستين من التابعين، ولو علمت أنه كان يحتاج إليّ لزدت).
والبخاري ﵀ قد اختار صحيحه من سبعمائة ألف حديث يحفظها.
وقد ذُكر عن أحمد بن حنبل أنه كان يحفظ ألف ألف حديث بالمكرر.
وكذلك روي هذا عن أبي زرعة الرازي فقد كان يحفظ ألف ألف حديث.
وأهل العلم قديمًا يقولون: الأهل والجهل ساكنان في بلدٍ فاصبر عن الأهل أو فاصبر على الثاني
стр. 1022
التواضع
الشرط الثاني: التواضع لمن يأخذ الإنسان عنه.
فإن طالب العلم لابد أن يتواضع، والتواضع من صفات الكرماء: وإن كريم الأصل كالغصن كلما تزايد من خير تواضع وانحنى وقد أثنى الله به على خيرة خلقه فقال: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمْ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا﴾ [الفرقان:٦٣].
والنبي ﷺ يقول: (إن الله أوحى إلي أن تواضعوا؛ حتى لا يبغي أحد على أحد).
والذي أحرز العلم لا يمكن أن ينيله ولا أن يعطيه لمن لا يتواضع له؛ لأنه ما ناله إلا بشق الأنفس والتعب الشديد ولهذا قال أحد العلماء: ما ابيضّ وجه باكتساب كريمةٍ حتى يسوِّدَه شحوب المطلبِ ولذلك لا يمكن أن ينيله لمن لا يحترمه ويقدره، ولهذا فإن موسى ﵇ قال للخضر ﵇: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِي مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾ [الكهف:٦٦]، فقال: (هَلْ أَتَّبِعُكَ) بصيغة الاستفهام، ولم يقل: سأتبعك بصيغة القرار، وقال: (عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِي) فجعل نفسه طالبًا، وقال: (مِمَّا عُلِّمْتَ) أي: بعض ما علمت، ولم يقل: كل ما عندك، فكان ذلك غاية في التواضع، وهذا التواضع يقتضي الإقبال الكامل على العالم ليأخذ عنه الإنسان علمه، فهذا جبريل ﵇ لما جاء يعلمنا ديننا جلس إلى النبي ﷺ فأسند ركبتيه إلى ركبتيه ووضع كفيه على فخذيه؛ وكل ذلك لتمام الإقبال عليه، ليعلمنا أن على المتعلم أن يقبل بكل ذاته على المعلم، حتى يكون مستوعبًا لكل ما يقول، وهذا ما أرشد إليه كثير من أهل العلم، فقد قال أحد العلماء في نصيحته لولده: لـ (معي) الهمام اللوذعي الألمعي سِرْ واجمعن علومه في مجمعِ وكن الوعاء لما يفوه به (معي) لا تفلتنك كلمة من في (معي) (معي): لقب أحد العلماء في بلادنا.
حتى الكلمة الواحدة.
ولهذا قال سحنون لولده عندما أراد السفر إلى المشرق: (يا بنيّ! تقدم مصر وفيها ابن القاسم وأصحاب مالك، وتقدم المدينة وفيها أصحاب مالك؛ فإذا وجدت كلمة خرجت من دماغ مالك ليس عند أبيك أصلها فاعلم أن أباك قد قصر في الطلب).
стр. 1023
الورع
الشرط الثالث: الورع.
والورع: اتقاء الشبهات بعد اتقاء المكروهات والمحرمات.
وذلك أن العلم نور، ونور الله لا يمكن أن يوضع في المكان الموحش الخرِب، وإنما يختار للسراج الزجاج المضيء اللامع فيوضع فيه، ولهذا قال الشافعي: شكوتُ إلى وكيعٍ سوءَ حفظي فأرشَدَني إلى ترك المعاصي وأخبَرني بأنَّ العلمَ نورٌ ونور اللهِ لا يُهدى لعاصي وروي عنه أنه قال: لما أتيت مالكًا جلست في طرف الحلقة فلما انفضت دعاني فقال: (يا بنيّ! إني أرى أن الله قد قذف في قلبك شيئًا من نوره فلا تطفئه بظلمة المعصية).
وقال ابن عباس: (للمعصية وحشة في النفس، وظلمة في الوجه، وانكماش في القلب) وكل ذلك من آثار المعصية.
ولذلك لا يمكن أن ينبسط صاحبها مع العلم، وأن يدرك جزئياته.
стр. 1024
الجوع
الشرط الرابع: الجوع؛ فمن كان مشغولاً بالمآكل والمشارب لا يمكن أن يحرز ما ترفع إليه الرءوس من العلم، فإنهم يقولون: البِطنة تذهب الفِطنة.
والشافعي يقول: (ما رأيت سمينًا عاقلاً إلاّ محمد بن الحسن الشيباني).
والجوع مدعاة لصفاء القريحة، ولعدم الاشتغال عن العلم كذلك.
стр. 1025
المخاطرة في طلب العلم
الشرط الخامس: المخاطرة في طلبه، فلا ينال الإنسان هذا العلم حتى يخاطر في طلبه، ولذلك فإن موسى ﵇ ما نال مطلوبه من العلم حتى ركب البحر في سفينة مخروقة.
стр. 1026
مخالفة الهوى ومعصيته
الشرط السادس: مخالفة الهوى ومعصيته، قد رتب الله على ذلك الفوز بالجنة ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنْ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات:٤٠ - ٤١].
والمتبع لهواه لا يمكن أن يستغل وقته في طلب العلم؛ لانشغاله باتباع الهوى، وطلب العلم شاق على النفوس، فلذلك يدعو الهوى إلى النوم وإلى الكسل وإلى خلطة الناس، وهذه الأمور لا يُنال معها العلم، فمن كان نوّامًا أو كسولاً أو مخالطًا للناس فلا يمكن أن ينال من العلم الحظ الوافر، ولهذا قال أحد الشعراء: قالت مسائل سحنون لقارئها لن تدرك العلم حتى تلعق الصَبِرَا لا يدركُ العلم بطَّالٌ ولا كَسِلٌ ولا ملولٌ ولا من يألف البَشَرَا (مسائل سحنون) أي: المدونة.
стр. 1027
العمل بالعلم
الشرط السابع: الاتباع له والعمل به.
فإن العلم ينادي العمل، فإن أجابه وإلا ارتحل، والعلم كالشجرة والعمل كالثمرة، ولا ثمرة إلا بشجرة، ولا خير في شجرة لا ثمر لها.
ولذلك قال جدي محمد علي ﵀: العلم من دون العبادة هبا لا يستقر فحريٌ أن يذهبا والعلم في التمثيل مثل الشجرة أما العبادة فمثل الثمرة ففضله من جهة وفضلها من جهة ثمرة وأصلها وهذه الشروط السبعة نظمها ابن هلال بقوله: له تَغَرَّبْ وتواضعْ واتَّرِعْ وَجُعْ وَهُنْ وَاعْصِ هَواك واتَّبِعْ
стр. 1028
وسائل الحصول على العلم
العنصر الخامس: وسائل الحصول على العلم، وهي سبعة كذلك:
стр. 1029
الإخلاص لله في الطلب
الوسيلة الأولى: الإخلاص لله في الطلب، فالله تعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾ [الأنفال:٢٩]، ويقول: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمْ اللَّهُ﴾ [البقرة:٢٨٢]، فإذا اتقى الإنسان ربه وأخلص له جعل الله له فرقانًا يميز به بين الحق والباطل، وهذا الفرقان هو بداية الحصول على العلم.
والإخلاص لله يزيد بركة الوقت والعمر، وهذا ما يحتاج إليه الطالب للعلم، وهو كذلك يزيد بركة العلم؛ فليس العلم عن كثرة الرواية، إنما العلم ما أدى إلى خشية الله.
стр. 1030
الذكاء
الوسيلة الثانية: الذكاء، فإن كثيرًا من المسائل لا يمكن أن يفهمها الأغبياء، بل اشتغالهم بها من العبث، والاشتغال بما لا يطاق، فإنما يشتغل بالطلب من كان أهلاً له، كما قال أبو العلاء المعري: أرى العنقاء تكبر أن تصادا فعاند من تطيق له عنادا وقديمًا قال أحد الفقهاء: تصدر للتدريس كل مهوّسِ بليد تسمى بالفقيه المدرسِ فحُقَّ لأهل العلم أن يتمثلوا ببيت قديم شاع في كل مجلسِ لقد هزلت حتى بدا من هزالها كُلاها وحتى سامها كل مفلسِ فمن لم يتأهل لذلك بذكائه فلا يمكن أن يزاحم أهل العلم عليه.
والذكاء قسمان: ١ - موهوب.
٢ - مكتسب.
فالموهوب منه: ما فطر الله الناس عليه، وقد جعلهم متفاوتين في الذكاء والإدراك.
والمكتسب منه: ما يحصل بالدعاء والعبادة، وقد كان شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ إذا استغلقت عليه مسألة وصعب عليه فهمها أقبل على الله بالدعاء، فيجتهد ويقول: (يا مفهم سليمان! فهمني، ويا معلم داود! علمني) ويجتهد بذلك حتى تفتح له المسألة.
والأذكياء من الطلبة هم الذين يستحقون ما يوقف على طلاب العلم وما يخصص لهم من بيت المال، وقد قال جدي محمد علي ﵀: من واجب الإسلام جمع مالِ تقضى به حقوق بيت المالِ إن لم يكن كحامل علومِ فرض الكفاية من الموسومِ بحسن إدراك مع السريرة والطيب في سجية والسيرة ومن خلا من هذه الأوصافِ منعه لفقد الاتصافِ بل طلب العلم بتلك المرتبة خالٍ من المصلحة المجتلبة بل هو من تكليف ما لم يطقِ وعبث في فعله والمنطقِ وكل ذين حجروه حجرا فكيف يأخذ عليه أجرا ذكره الموَّاق في الإيداعِ فانظر تجده (يوم يدع الداعي)
стр. 1031
علو الهمة
الوسيلة الثالثة: علو الهمة، فمن كانت همته متدنية اشتغل بما اشتغل به أبناء الدنيا من الحرص على جمعها والحصول على ملذاتها، ولم يكن ليتجرد لطلب العلم وللزوم المشاق، فإنما يصل إلى المشاق من كان من ذوي الهمم العالية، كما وصفت الخنساء أخاها صخر بن عمرو بن الشريد السلمي: أعينيَّ جودا ولا تجمدا ألا تبكيان لصخر الندى ألا تبكيان الحميد النبيل ألا تبكيان الفتى السيدا رفيع العماد طويل النجا د ساد عشيرته أمردا إذا القوم مدوا بأيديهم إلى المجد مد إليه اليدا فنال الذي فوق أيديهم من المجد ثم غدا مصعدا يكلفه القوم ما عالهم وإن كان أصغرهم مولدا وإن ذكر المجد ألفيته تأزر بالمجد ثم ارتدى وكما قال زياد بن حمل في وصف أحد أصدقائه: إلى المكارم يبنيها ويعمرها حتى ينال أمورًا دونها قحمُ فمن كانت همته عالية يتجشم الأمور حتى ينال أمورًا لا ينالها إلا المقتحمون.
وهذه الهمة العالية هي التي ميزت ابن عباس ﵄، فقد روي عنه أنه قال: (توفي رسول الله ﷺ ، وأنا في العاشرة من عمري، فذهبت إلى لدة لي من الأنصار فقلت: إن الله قد قبض نبيه ﷺ وإن علمه في أصحابه، فتعال بنا نجمع علم رسول الله ﷺ ؛ لعلنا نسد لهذه الأمة يومًا مسدًا تحتاج إليه، فقال: ومتى يحتاج إلينا؟ دعنا نلعب، فذهبت وتركته).
وما هي إلا سنوات يسيرة حتى أصبح ابن عباس عضوًا في مجلس شورى الأمة الإسلامية، وأصبح عمر يجلسه بين كبار أهل بدر، ويسميه: (فتى الكهول) و (ترجمان القرآن) ولذلك يقول فيه أحد الشعراء: بلغت لعشرٍ مضت من سنيِّـ ـكَ ما يبلغ السّيد الأشيب فهمُّك فيها جسام الأمور وهمُّ لداتك أن يلعبوا ويقول فيه حسان بن ثابت ﵁: إذا ما ابن عباس بدا لك وجهه رأيت له في كل محمدة فضلا إذا قال لم يترك مقالاً لقائلٍ بمنتظماتٍ لا ترى بينها فصلا كفى وشفى ما في النفوس فلم يدع لذي إربةٍ في القول جدًا ولا هزلا والهمة العالية هي التي تقتضي من الإنسان أن يحرص على معالي الأمور وعلى الازدياد من العلم.
وتكميل المطاف فيه.
стр. 1032
الحفظ
الوسيلة الرابعة: الحفظ؛ فإن العلم لا يناله إلا من حفظه، ولذلك كانوا يقولون: ليس بعلم ما حوى القِمَطْرُ ما العلم إلا ما حواه الصدرُ القمطر: وعاء الكتب، وما حواه ليس بعلم، إنما العلم ما حواه الصدر؛ ولهذا قال الشافعي ﵀: علمي معي حيثما يممت يتبعني قلبي وعاء له لا جوف صندوقِ إن كنت في البيت كان العلم فيه معي أو كنت في السوق كان العلم في السوقِ ويقول ابن حزم ﵀: فإن يحرقوا القرطاس لا يحرقوا الذي تضمنه القرطاس بل هو في صدري يسير معي حيث استقلت ركائبي ويمكث إن أمكث ويدفن في قبري
стр. 1033
الوقت
الوسيلة الخامسة: الوقت، فيحتاج في تحصيل العلم إلى وقت، ولا يمكن أن يحصله المستعجلون، فلا ينال هذا العلم إلا بأن يعطيه الإنسان وقتًا جزيلاً من وقته، ولا يرضى بهوامش الوقت كما قال ابن عيينة: (إن العلم لن يعطيك بعضه حتى تعطيه كلك).
ولذلك فإن الذين طلبوه قد تجردوا له، فوفروا له كثيرًا من الوقت، ليس لهم شغل إلا طلب هذا العلم والحرص عليه، يواصلون فيه الليل بالنهار, والنهار بالليل، ولذلك يقول جدي محمد علي ﵀ في وصف طلبة العلم: وأقصاص طلاب العلوم أمامهم موقرة من هيبة وجلالِ وأكثر طلاب المدارس همه بيان حرام أو بيان حلالِ يظلون لا يألون حتى كأنهم وليس بهم داء مراض سُلالِ وعمارها من كل ضنء كريمة كريم خلال من كريم خِلالِ أَغَرّ كمصباح الظلام بل انه كمثل تَلال العارض الْمُتَلالِ يقيمون فرض الخمس عند ندائها نداء للاعمى أو نداء بلالِ (يظلون لا يألون) أي: ليس لهم أية راحة، يجتهدون طيلة الوقت.
(وليس بهم داء مراض سُلال) أي: كأنهم مصابون بالسل الرئوي، وليس بهم داء.
ويقول أيضًا: لي جيرة كنجوم الصحو غُرَّانُ شمٌّ طهارى ثيابًا أينما كانوا من كل قطر تواخي بينهم كرمًا هماتهم وأروم القوم شُذَّانُ يزدان بالعلم أهل العلم كلهم والعلم من جيرتي يسمو ويزدانُ لا أستلذ مقامًا بينهم فرقًا من الفراق ولا آسى إذا بانوا
стр. 1034
الشيخ
الوسيلة السادسة: الشيخ؛ فيحتاج المتعلم إلى شيخ ناصح يعلمه ويرشده وينتخب له، ويتعلم من أدبه وسلوكه، وأثر العلم عليه قبل أن يتعلم من علمه، كما قالت العالية أم مالك ﵀: (اذهب إلى ربيعة فتعلم من أدبه قبل أن تتعلم من علمه)، وقديمًا قال أبو حيان ﵀: يظن الغمر أن الكتب تهدي أخا فهم لإدراك العلومِ وما يدري الجهول بأن فيها غوامض حيرت ذهن الفهيمِ إذا رمت العلوم بغير شيخ ضللت عن الصراط المستقيمِ وتلتبس الأمور عليك حتى تصير أضل من توما الحكيمِ وأهل الحديث يجرحون الراوي بسرقة الحديث، أي: بتحديثه من غير سماع من الشيخ، فإذا كان يأخذ من الكتاب فإنه مجروح بذلك لديهم.
стр. 1035
الزميل المرافق
الوسيلة السابعة: الزميل المرافق الذي يعين الإنسان على الطلب، ويزيل عنه النكد، ويساعده في الفهم والحفظ، وينافسه في الازدياد من هذا العلم، وهذا الزميل يستفيد منه الإنسان أكثر مما يستفيد من الشيخ نفسه؛ لكثرة الملازمة والمنافسة، ولذلك يقول أحد العلماء: وليس كل فتى يدري حقيقة ذا إن التناوة تطفي ذهن كل فتى والتناوة: عدم المذاكرة مع الزميل والقرين، بل طالب العلم عرضة للنكد والتأثر بغربته وعزلته، ولا يزيل ذلك عنه إلا معاشرته للأصدقاء الأوفياء والأذكياء الذين يحرص على منافستهم، والزميل المقارن للإنسان الذي ينافسه في الطلب معين له على الحفظ وعلى الاستمرار، ولذلك فإن الإمام سليمان بن مهران الأعمش ﵀ بحث عن زميل في قوة ذهنه وعلو همته فلم يجده، فاشترى تيسًا فربطه عنده، وكان يقرأ عليه العلم ويقول: أفهمت؟! فاشتهر تيس الأعمش بالذكر بين الناس لذلك.
ويتدرب الإنسان مع زميله على التدريس، والبحث والمناظرة، وكل ذلك يحتاج إليه الطالب في تحصيل العلم.
стр. 1036
أنواع العلوم
ينقسم العلم إلى قسمين: - علوم دنيوية.
- علوم دينية.
стр. 1037
العلوم الدنيوية
القسم الأول: العلوم الدنيوية هي ما ينفع في تحصيل درهم المعاش، وهي داخلة في تحقيق الاستخلاف في الأرض؛ ولهذا فهي -من هذا الوجه- فرض كفاية على المسلمين، وهي مثل العلوم الطبيعية التي يحتاج إليها الناس، وكذلك ما يحتاجون إليه من العلوم البحتة.
стр. 1038
العلوم الدينية
القسم الثاني: العلوم الدينية، وهي أهم، وهي التي ترجع إلى الدين وحفظه والعناية به، وهي التي ورد فيها الفضل السابق، وإنما تذكر الأخرى معها تبعًا لها، وتنال من فضلها بنية صاحبها إن أخلص، وهذه تنقسم إلى قسمين: مقاصد ووسائل أو مبادئ ومتمات.
ويمكن تقسيمها -أيضًا- إلى سلالات، فمثلاً في علوم القرآن نجعل القرآن -مثلاً- قسمًا مستقلاً من أقسام العلوم الدينية، وفي هذا القسم خمسة علوم هي: ١ - علم التجويد: الذي هو أداء القرآن والنطق به، بصفات الحروف ومخارجها، وكيفية النطق بها.
٢ - القراءات: اختلاف الأحرف، وما اختلف فيه القراء.
٣ - التفسير: بيان معاني القرآن وما يستنبط منه.
٤ - الرسم والضبط: كتابة المصحف التي كتبها الصحابة, والضبط الذي ضبطه به التابعون، من النقط والشكل.
٥ - علوم القرآن: وهو يشمل أسباب النزول، والمكي والمدني، والمحكم منه والمتشابه، وإعجازه بأوجه الإعجاز المختلفة، وتاريخ المصاحف وكتابتها، وتراجم الرواة والقراء.
إذًا: هذه خمسة علوم، بعدها مجموعة أخرى هي الحديث، ويدخل فيه ستة علوم هي: ١ - علم المصطلح: مصطلحات أهل الحديث.
٢ - علم متون الحديث، وهو علم الحديث رواية.
٣ - علم شروح الحديث، وهو: ما يستنبط من الحديث وما يستخرج منه من العلم، وذلك في شروح الحديث المعروفة.
٤ - علم الرجال وعلم الجرح والتعديل، ويدخل فيه الطبقات -أيضًا- لنقلة الحديث.
٥ - العلل: بيان علل الحديث وبيان الفرق بين الصحيح والضعيف.
٦ - علم التخريج ودراسة الأسانيد، ببيان من أخرج الحديث ومواضعه منه، ودراسة الأسانيد حتى يحكم على الحديث.
ثم السلالة الأخرى: علوم الفقه، وهي عشرة: ١ - علم الفقه المذهبي في المذاهب، ومذاهب أهل السنة المشتهرة أربعة هي: المذهب الحنفي، والمذهب المالكي، والمذهب الشافعي، والمذهب الحنبلي، ويمكن أن يضاف إليها -أيضًا- المذهب الظاهري، أما المذاهب المندثرة لأهل السنة فهي كثيرة، وهذه المذاهب لابد من دراستها من كتبها المتخصصة فيها، وأخذها من الكتب التي تقارن لا يفي بها، ويكثر فيها الغلط.
٢ - علم الفقه المقارن، وهو: مقارنة هذه المذاهب بما يسمى بالخلاف العالي والخلافيات ونحو ذلك.
٣ - علم القضاء، وهو علم مستقل ألف فيه كثير من التآليف المستقلة، في أدب القاضي والبينات والإقرار والشهادات ونحو ذلك.
٤ - علم فقه النوازل، وما يتعلق به كالفتاوي، وقد ألف في كثير من الكتب.
٥ - علم الفرائض، وهو: ما يتعلق بالتركات وقسمتها.
٦ - علم الآداب الشرعية، وقد ألف فيه عدد من الكتب.
٧ - علم أصول الفقه.
٨ - علم تخريج الفروع على الأصول، وهو الذي تعرف به فائدة أصول الفقه.
٩ - علم القواعد الفقهية والأشباه والنظائر والفروق.
١٠ - علم تاريخ التشريع وبيان نشأة المذاهب وتدوينها.
ثم سلالة العلوم العقلية، وهي سلالة مستقلة، ومنها علم التوحيد، ويبحث عن حقوق الله ، وشرح الإيمان وأركانه وما يتعلق به، ويشمل ذلك مشاهد القيامة وغير ذلك.
ثم علم الكلام وهو المسائل النظرية في العقائد، والمناظرات فيها، وذكر الفرق والأقوال، ويمكن أن يقسم هذا إلى قسمين: ١ - علم الكلام النظري.
٢ - علم الفرق والمقالات وهو علم مستقل أيضًا.
ثم علم الجدل وهو يشمل قسمين: ١ - الجدل الفقهي.
٢ - الجدل العقدي.
ثم علم المنطق، وعلم آداب البحث والمناظرة، وآداب الخلاف، وأسباب الخلاف.
وعلم السير، وهي سلالة مستقلة، وتبحث في السير وما يتعلق بها مثل: ١ - علم المغازي والفتوح والأمصار.
٢ - علم الشمائل النبوية.
٣ - علم التاريخ الإسلامي.
٤ - علم الأنساب العرب والعجب.
علوم اللغة: وهي سلالة مستقلة وهي كثيرة منها: ١ - علم المفردات اللغوية.
٢ - علم النحو.
٣ - علم الصرف.
٤ - علم البلاغة.
٥ - علم الاشتقاق.
٦ - علم الشعر.
٧ - علم العروض والقوافي.
٨ - علم الإنشاء.
٩ - علم الأدب.
١٠ - علم الهجاء والخط وأنواع الخطوط.
١١ - علم الحساب الفلكي.
١٢ - علم الحساب الرقمي.
فهذه أهم تخصصات العلوم الإسلامية التي اشتغل بها العلماء، ومن جمعها جميعًا فوصل إلى حد متوسط من إدراكها، واستطاع تدريس كل واحد من هذه العلوم؛ فهو العالم، ومن تخصص في بعضها لم يستحق هذا اللقب -العالم- وإنما يستحق أن يدرج في حملة العلم والمتخصصين في بعض جوانبه دون بعض.
وجمع هذه العلوم سهل، والجامعون لها في تاريخ الأمة كثير، ولكن اليوم بسبب غزو الحضارة الغربية ركن الناس إلى التخصص في جوانب هذه العلوم؛ فاقتضى ذلك أن يقل المهتمون بجمعها كلها، وأن يندروا، وذلك من رفع العلم الذي أخبر به النبي ﷺ ، فقد صح عنه -في الصحيحين من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص - أنه ﷺ قال: (إن الله لا يقبض هذا العلم انتزاعًا ينتزعه من الناس، ولكن يقبضه بموت أهله، حتى إذا لم يبقِ عالمًا اتخذ الناس رؤساء جهالاً فاستفتوا فأفتوا بغير علم؛ فضلوا وأضلوا).
فمن رفع هذا العلم إقبال الناس على التخصصات وترك الإحاطة بها.
نسأل الله أن يرزقنا العلم النافع والعمل الصالح والإخلاص في القول والعمل.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.
стр. 1039
الدعاء والتوسل والاستغاثة
أمر الله عباده أن يدعوه ووعدهم بالإجابة، وعلمهم الأسباب التي تجعل دعاءهم مستجاباً، ومنها التوسل إليه بأسمائه وصفاته وبالأعمال الصالحة ودعاء الصالحين، ولكن أدخل الناس في ذلك أموراً في التوسل بالأشخاص ونحو ذلك مما فيه خلاف، وأولى للمسلم اجتنابه لأنه قد يكون وسيلة إلى الشرك.
стр. 1040
ذكر معنى الربوبية
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على من بعث رحمة للعالمين، وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين.
أما بعد: فيقول الشيخ حفظه الله تعالى: (وبالربوبية وحدوه فهو الذي تعنو له الوجوه)
стр. 1041
تعريف الربوبية عند العرب
هذا شروع في ذكر توحيد الربوبية، وهو على التقسيم الذي ذكرناه يُعَدُّ القسم الثالث من أقسام التوحيد، والمقصود به: إثبات الربوبية لله تعالى ونفيها عن كل ما عداه.
والربوبية: مصدر صناعي من رَبَّ الشيء يَرُبُّهُ إذا كان مهيمناً عليه مسيطراً.
والعرب تشتق من هذه المادة أربعة أفعال، فيقال: رَبَّهُ يَرُبُّهُ إذا استولى عليه، ومنه قول صفوان بن أمية يوم حنين: فلأن يربّني رجل من قريش خير من أن يربّني رجل من هوازن.
ويقال: رباهُ يربِّيه لنفس المعنى؛ لكنها تشير إلى إيصاله إلى كماله بالتدريج شيئاً فشيئاً، ومنه قول الشاعر: وربيته حتى إذا تم واستوى كمخة ساق أو كمتن إمام قرنت بحقويه ثلاثاً فلم يزغ عن القصد حتى بصرت بدمام ويقال: رببه يرببه لنفس المعنى أيضاً، ومنه قول أمية بن أبي الصلت: بيضاً مرازبة غلباً أساورة أسداً ترببن في الغيضات أشبالاً ويقال: ربته يربته.
بإبدال إحدى الباءين تاءً مثناة، وهو الفعل الرابع، ومنه قول الشاعر: ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة بجمهور حزوى حيث ربتني أهلي بلاد بها نيطت عليَّ تمائمي ومزقن عني حين تم بها عقلي (حيث ربتني أهلي) بمعنى: رباني أهلي.
стр. 1042
تعريف الربوبية في الاصطلاح
والربوبية في الاصطلاح معناها: الخلق والتدبير، فنسبة الربوبية إلى الله معناها: نسبة كل الخلق إليه وتدبير ذلك الخلق، فلا خالق لشيء سواه، ولا مدبر له، ولا مالك له غيره، فلهذا قال: (وبالربوبية وحّدوه)؛ فهذا يقتضي إثبات الربوبية له، ونفي الربوبية عن كل ما سواه.
ويطلق الرب على المهيمن والمسيطر مطلقاً في اللغة وفي الاصطلاح، ومنه يقال: رب البيت، وكذلك يطلق على الشهيد الذي يحفظ ولا يفوته شيء، ومنه قول الحارث بن حلزة اليشكري: وهو الرب والشهيد عليهم أي: الحافظ الذي يحفظ عليهم أعمالهم ولا يفوته شيء منها, وكل هذا من صفات الربوبية؛ لأن الربوبية تقتضي عدداً من الصفات منها: القِدم والبقاء والقيومية والتدبير والملك والجبروت والعظمة، وكذلك تقتضي الربوبية من الصفات السالبة المنفية: الوحدانية والغنى المطلق والمخالفة للحوادث، وأنه لا تأخذ سنة ولا نوم، فكل هذا تقتضيه الربوبية.
стр. 1043
العلاقة بين توحيد الربوبية وغيره من أنواع التوحيد
والإيمان بالله بأنواع توحيده الثلاثة مترابطة بعضها يكمل بعضاً، فالربوبية من لوازمها توحيد العبودية الذي سبق، وكذلك توحيد الأسماء والصفات الذي سبق؛ لأن الربوبية تستلزم هذه المعاني التي ذكرناها، فلا يمكن أن يكون رباً لما سواه إلا إذا كان قديما باقياً موجوداً متصفاً بالصفات التي ذكرناها.
(بالربوبية وحدوه) أي: أثبتوها له وانفوها عما سواه، فهذا يجمع بين النفي والإثبات.
(فهو الذي تعنو له الوجوه) معناه: فهو وحده الذي تعنو له الوجوه، أي: يحشر الناس إليه يوم القيامة، فهو وحده الذي يقبض السماوات والأرضين بيمينه ويهزُّهن ويقول: أنا الملك، أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟ ولذلك قال الله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر:٦٧]، وهذا هو غاية الربوبية، إذ غايتها إذعان الناس جميعاً إليه يوم القيامة بحيث لا يخالف أمره أي أحد، ولا يستطيع أحد أن يتأخر ولا أن يغيب ولا أن يعتذر بأي عذر من الأعذار، وهو سبحانه قبض السماوات والأرضين بيمينه وهزهن؛ فلذلك قال هنا: (فهو الذي تعنو له الوجوه).
ولذلك حين ذكر الله مشاهد القيامة قال: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا﴾ [طه:١١١]، وهذا يقتضي مذلة الوجوه لوجهه الكريم، ففي الدنيا إنما تذل له وجوه عباده الموحدين، فهم الذين يسجدون له، وأما يوم القيامة فتعنو له جميع الوجوه وتذل، فكل وجه يذل لوجه الله .
وهذا دليل على تمام ربوبيته، لكنه كذلك مثبت لأمر آخر، ومشهد من مشاهد القيامة، وهو أن تعنو جميع الوجوه لله ، وهو المذكور في قوله: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا﴾ [طه:١١١]، وقد رتب الشيخ ذلك على الربوبية بقوله: (فهو الذي تعنو له الوجوه).
والوجوه جمع وجه، وهو ما يقابلك ممن واجهته، فيشمل ذلك وجوه الخلائق كلها بهائمها والجمادات والأموات، ولهذا تقول: هذا وجه الجبل، وهذا وجه الكتاب، وهذا وجه فلان.
فالمقصود به ما يواجهك أياً كان؛ ولذلك فهذا يشمل وجوه الكائنات الحية والجمادات وغيرها، فكل تلك الوجوه تعنو له.
стр. 1044
الكلام على اتخاذ الوسطاء في الدعاء
ثم ذكر مسألة تتعلق بتوحيد العبادة فقال: [لا تجعلوا إذا دعوتم وسطا بينكم وبينه فهو خطأ] فهذا نهي عن نوع من أنواع الشرك، وهو شرك الدعوة، فالشرك في الدعاء هو أن يدعو الإنسان أو يستغيث بغير الله ، وهذا شرك قد سبق ذكره، لكن بعض الناس يزعم أنه لا يدعو أولئك لأنفسهم، وإنما يتقرب بهم إلى الله فيتوجه بهم إليه، وهذا يشمل أمرين:
стр. 1045
حكم الاستغاثة بالمخلوق
الأمر الأول: وهو الاستغاثة بالمخلوق: وذلك كدعاء الأنبياء أو الملائكة أو الأولياء أو غير ذلك، فهذا قطعاً شرك صريح لقول الله تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ * إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر:١٣ - ١٤]، ومثله قوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ [الإسراء:٥٧]، ومثله قوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ [الزمر:٣٦] وقوله تعالى: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ * إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ * أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ * لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ [الزمر:١ - ٤].
فرد على هؤلاء، وجعل شركهم مثل شرك النصارى الذين يزعمون له ولداً؛ لأن هؤلاء يزعمون أنهم يتوسطون إليه بأولئك الذين يدعونهم.
стр. 1046
التوسل بالأشخاص
أما النوع الثاني: فهو التوسل: والتوسل بالأشخاص بذكرهم في الدعاء معناه التوسط بهم إلى الله، كأن يقول الإنسان: أتوجه إليك بفلان أو بعمل فلان -مثلاً- فهذا لا خلاف في تحريمه، وأنه من الكبائر، وأنه إذا قصد به إضفاء صفة من صفات التأثير عليه يكون شركاً أيضاً.
وإذا لم يقصد به إضفاء صفة إليه وإنما هو لضعف علاقة الإنسان بالله، ولضعف ثقته بإيمانه، فهو أيضاً نقص في الإيمان ونقص حتى في العقل؛ ولذلك لم يختلف في تحريم التوسل بالأشخاص إلا بالنبي ﷺ وحده، فقد سبق أنه اختلف في جواز التوسل بشخصه ﷺ ، وهو خلاف فقهي ذكرنا أن الراجح فيه هو المنع، وأن الحديث الوارد في ذلك وإن صححه كثير من أهل الحديث إلا أن الراجح أنه لا يصح، أعني حديث الضرير، وذكرنا علله الأربع فيما سبق، فلذلك قال: (لا تجعلوا إذا دعوتم)، أي: إذا سألتموه، (وسطا).
قوله: (وسطا) جمع وسيط، والوسيط هو الذي يشفع، فهذا يشمل أمرين: يشمل تحريم دعاء من دونه، وهذا شرك قطعاً، وهو شرك الدعوة، ويشمل كذلك تحريم التوسط والتوجه إليه بخلقه، فإنه لم يشرع ذلك ولم يعلمنا إياه، وهذا وإن كان يمكن ألا يصل إلى درجة الشرك -كما ذكرنا- لكنه نقص في الإيمان، ونقص في ثقة الإنسان وعلاقته بالله، ونقص في عقله أيضاً.
ومن يجعل بينه وبين الله واسطة ليشفع له ألا يعلم أن هذا الشافع محتاج إلى أن يتقرب إلى الله بالعمل بنفسه، فكيف يتقرب غيره بعمله؟! ولهذا رد الله تعالى هذا بقوله: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾ [الإسراء:٥٧]، فهم أنفسهم يبتغون إلى الله الوسيلة، ويتقربون إليه فكيف يتقرب بهم.
قوله: (وسطا بينكم وبينه) أي: في الدعاء.
قوله: (فهو خطأ) أي: فهو إثم، والخطأ والخطء كلاهما اسم للإثم، والله يطلق الخطأ والخطء على الإثم مطلقاً حتى الشامل للشرك، فالشرك إحدى الكبائر، والخطأ بمعنى الذنب وهو يشمل الكبائر والصغائر.
والمقصود أنه قد يكون شركاً أكبر، كما إذا كان دعاء لمخلوق واستغاثة به، وقد يكون دون ذلك -أي: شركاً دون شرك- مثل التوسل به.
والضمير هنا في قوله: (فهو خطا) يعود على الجعل المفهوم من الجملة السابقة، فإن قوله: (لا تجعلوا) يُفهم منها المصدر الذي هو الجعل، فلذلك قال: (فهو) أي: جعل وسيط من دونه، بينكم وبينه خطأ.
стр. 1047
الكلام على حديث الضرير في التوسل
وحديث الضرير الذي يستدل به مجيزو التوسل فيه علل: وأول هذه العلل: أن شعبة يرويه عن أبي جعفر غير منسوب وغير مسمى وإنما ذكر بكنيته، وأبو جعفر هذا قال الترمذي: (وليس الخطمي، فـ أبو جعفر الخطمي ثقة مدني معروف، ولكن أبو جعفر هذا لا يدرى من هو، والذين صححوا الحديث اعتمدوا على أن أبا جعفر هذا هو الخطمي.
العلة الثانية: أن النسائي أخرج هذا الحديث من وجه آخر في السنن فقال فيه: عن أبي جعفر عن عمارة بن زيد بن ثابت، بدل عمارة بن خزيمة بن ثابت، وهذه العلة ما وجدت من نبه عليها من الذين تكلموا على هذا الحديث، وقد بحثت عن عمارة بن زيد بن ثابت هذا فما وجدت له ذكراً في كتب الرجال، إلا ذكراً لا يبشر بخير، وهو أن مالكاً ذكر في موطئه أن فتية من العطار تعاطوا الخمر في أيام مروان حين كان أميراً على المدينة لـ معاوية فقتلوا أحدهم بالسكاكين، فكتب مروان إلى معاوية فيهم فأمره أن يقتاد منهم، ولم يسم مالك القتيل لكن ابن حزم ذكر هذا الأثر في المحلى فسمى القتيل عمارة بن زيد بن ثابت، فقد قتل في معاقرة الخمر، قتله أصحابه فلا يصلح للاحتجاج به.
وعلى هذا فإن إسناد الحديث فيه اختلاف على الراوي أبي جعفر هذا، هل شيخه فيه عمارة بن زيد بن ثابت أو عمارة بن خزيمة بن ثابت؟ عمارة بن خزيمة بن ثابت لا إشكال فيه؛ لأنه ثقة من التابعين، وعمارة بن زيد بن ثابت هو الذي ذكرناه، ولا نعرف له ترجمة ولا ذكراً إلا في هذه الواقعة.
والعلة الثالثة: أن فيه أن عثمان احتجب عنه، وما عرف عن أحد من الخلفاء الراشدين أنه احتجب، بل كان يأذن لكل من طرق إلا في أوقات الانشغال، وكان -كما في الصحيحين- يعلم الناس الوضوء على أبواب المسجد قبل الصلوات، وكان يصلي بالناس الصلوات الخمس وغيرها، وكما في الموطأ كان يأتي المسجد آخر الليل فيجلس في مؤخرة المسجد يعلم الناس القرآن، ومن هذا حاله كيف يكون محتجباً عن الناس وهو يعلم أن رسول الله ﷺ قال: (من ولي من أمر أمتي شيئاً فاحتجب عنهم احتجب الله عنه يوم القيامة)، فلا يمكن أن يحتجب عن ذوي الحاجات من المسلمين.
العلة الرابعة: أن في هذا الحديث: (اللهم شفعني فيه وشفعه في)، كيف تشفع في رسول الله ﷺ ؟ فقد فسرها العلماء بأن معنى: (اللهم شفعني فيه): اللهم تقبل دعائي له بالإجابة، (وشفعه في) معناها: تقبل دعاءه لي بالشفاء، وهذا يقتضي أن رسول الله ﷺ دعا له فيكون التوسل بدعائه لا بشخصه، فيخرج الحديث عن محل الخلاف أصلاً.
فهذه أربع علل، ومع هذا فقد صححه شيخ الإسلام ابن تيمية ولكنه أجاب عنه بإجابات لا تقوى على رده؛ لأنه لم يتكلم عنه من ناحية الصناعة الحديثية، فضعف رده عليه، وقال: عن الإمام أحمد في هذا روايتان إحداهما بجواز التوسل بشخص رسول الله ﷺ والأخرى بعدمه، والأخرى هي الموافقة لقول الجمهور كما نقله شيخ الإسلام ابن تيمية.
стр. 1048
التوسل بدعائه ﷺ
وعموماً فإن المسألة مسألة خلاف فقهي، ولكن الأحوط فيها والأقرب للحق أن لا يفعل الإنسان هذا وإن كان السلف قد اختلفوا فيه، وليجتنبه بالكلية.
وقد تركه الصحابة رضوان الله عليهم، فقد كانوا يتوسلون بدعاء الرسول ﷺ في حياته كما ثبت في كثير من الأحاديث، كما في حديث أنس وغيره أن أعرابياً أتاه وهو على المنبر فقال: (يا رسول الله! هلكت المواشي وتقطعت السبل فادع الله لنا، فرفع يديه ودعا، فظهرت سحابة صغيرة من قبل سلع، فأبرقت وأرعدت ثم أمطرت أسبوعاً، فجاء ذلك الرجل ورسول الله ﷺ على المنبر فقال: يا رسول الله! هلكت البهائم وانقطعت السبل فادع الله أن يصرفه عنا، أو فاستصح، قال رسول الله ﷺ : اللهم على الجبال والآكام والضراب وبطون الأودية ومنابت الشجر)، فانجابت تلك السحابة حتى رأوا الشمس، فقال رسول الله ﷺ : (لو كان أبو طالب حياً لسره هذا)، ويقصد بذلك قول أبي طالب في مدحه ﷺ الله عليه وسلم: وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ثمال اليتامى عصمة للأرامل تلوذ به الهلاك من آل هاشم فهم عنده في نعمة وفواضل والمقصود بـ (يستسقى الغمام بوجهه): بدعائه وتوجهه إلى الله في ذلك، لا بشخصه.
وعندما جاء عام الرمادة في خلافة عمر ﵁، وصلى عمر بالناس الاستسقاء توسل بـ العباس بن عبد المطلب فتقدم فقال: اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا محمد ﷺ لتسقينا، وإذ قبضته إليك فإنا نتوسل إليك بعم نبينا، يا عباس قم فادع، فتقدم العباس فدعا وقال: اللهم إنه لم تنزل مصيبة إلا بذنب ولم ترفع إلا بتوبة، ودعا دعاءه البليغ المشهور، فرفع الله عنهم ما كانوا فيه.
فهذا دليل من فعل هؤلاء الصحابة رضوان الله عليهم، حيث لم يتوسل عمر برسول الله ﷺ بعد موته بشخصه؛ لأنه لو كان التوسل بشخصه فإن جاهه لم يتأثر بموته ﷺ ولم ينقص جاهه عند الله بعد أن مات، ولم تنقص كرامته على الله، بل ما زالت كرامته كما كانت، لكن إنما كانوا يتوسلون بدعائه في حياته، وأما بعد موته فإنما يتوسلون بدعاء الأحياء الذين يتضرعون إلى الله؛ لأن المقصود بالدعاء أصلاً الضراعة إلى الله وإبداء الذلة والمسكنة بين يديه، وهذا إنما يمكن من الأحياء.
هذا ما يتعلق بقوله: [واجتنبوا الشرك الجلي والخفي ولو بما فيه اختلاف السلف] فما فيه اختلاف السلف يشمل ثلاثة أمور من أنواع الشرك: فما يتعلق بشرك العبادة، ذكرنا أن بعضهم كان يدبر بعض الأمور فيلهى عن الصلاة، وأن بعضهم قال: طلبنا الإيمان أن يكون لغير الله فأبى أن يكون إلا لله، ونحو ذلك.
وما يتعلق بشرك الدعوة ذكرنا فيه قضية التوسل بشخص النبي ﷺ .
وما يتعلق بالشرك في التشريع طبعاً ليس لهم فيه اختلاف، وما يتعلق بشرك الطاعة قد يحصل من بعضهم شيء من هذا، ولكنه يرفعه ما عرف عنه من إيمان وضراعة إلى الله وتقرب إليه، فلا يمكن الاستدلال بحال بعض أولئك.
стр. 1049
ذكر التوسل المشروع
أما التوسل الجائز فإننا ينبغي أن نعلم أن التوسل إلى الله ينقسم إلى قسمين: توسل واجب.
وتوسل جائز.
فالتوسل الواجب هو التقرب إلى الله بالعبادة، دليل وجوبه قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ [المائدة:٣٥]، والوسيلة في اللغة تطلق على الحاجة، ومنه قول الشاعر: إن الرجال لهم إليك وسيلة أن يأخذوك تكحلي وتخضبي ويطلق على المحبة والعلاقة، ومنه قول الشاعر: إذا غفل الواشون عدنا لوصلنا وعاد التصافي بيننا والوسائل الوسائل جمع وسيلة، والوسيلة في الآية المقصود بها ما يتقرب به إلى الله من صالح الأعمال، فهذا التوسل الواجب الذي بينه الله فيما روى عنه رسوله ﷺ في قوله: (ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها) وقد قال قبله: (وما تقرب إلي عبد بشيء أحب إلي مما افترضته عليه).
النوع الثاني: التوسل الجائز: وهو التوسل في الدعاء، فالدعاء لا يجب منه أصلاً إلا قوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة:٦]، في الفاتحة، ولكنه من تمام العبودية لله، وهو مخ العبادة، أو هو العبادة أصلاً.
стр. 1050
ذكر آداب الدعاء
أما التوسل الجائز فإننا ينبغي أن نعلم أن التوسل إلى الله ينقسم إلى قسمين: توسل واجب.
وتوسل جائز.
فالتوسل الواجب هو التقرب إلى الله بالعبادة، دليل وجوبه قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ [المائدة:٣٥]، والوسيلة في اللغة تطلق على الحاجة، ومنه قول الشاعر: إن الرجال لهم إليك وسيلة أن يأخذوك تكحلي وتخضبي ويطلق على المحبة والعلاقة، ومنه قول الشاعر: إذا غفل الواشون عدنا لوصلنا وعاد التصافي بيننا والوسائل الوسائل جمع وسيلة، والوسيلة في الآية المقصود بها ما يتقرب به إلى الله من صالح الأعمال، فهذا التوسل الواجب الذي بينه الله فيما روى عنه رسوله ﷺ في قوله: (ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها) وقد قال قبله: (وما تقرب إلي عبد بشيء أحب إلي مما افترضته عليه).
النوع الثاني: التوسل الجائز: وهو التوسل في الدعاء، فالدعاء لا يجب منه أصلاً إلا قوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة:٦]، في الفاتحة، ولكنه من تمام العبودية لله، وهو مخ العبادة، أو هو العبادة أصلاً.
стр. 1051
من أسباب استجابة الدعاء
إذا أراد الإنسان أن يستجاب له فإن لذلك وسائل كثيرة من أعظمها أن يكون دعاؤه ذلك بغير إثم ولا قطيعة رحم لقول رسول الله ﷺ : (يستجاب لأحدكم ما لم يدع بإثم ولا قطيعة رحم).
الثاني: أن يكون ذلك إثر عبادة يتقرب بها إلى الله، فإن الدعاء في إثر العبادة مستجاب؛ لأنه قد قدم شيئاً بين يدي نجواه، كما إذا قدم صدقة بين يدي نجواه فإنه يستجاب له بعد ذلك.
ومن ذلك الدعاء في أدبار الصلوات، ويشمل هذا الفرائض والنوافل فلا فرق، بل أرشد الرسول ﷺ معاذ بن جبل إلى الدعاء في أدبار الفرائض، وكذلك دعاه ﷺ بقوله: (اللهم لا مانع لما أعطيت ولم معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد) وهذا دعاء المقصود به: أعطنا ولا تمنعنا، وأرشد معاذاً أن يدعو بهذا الدعاء: (اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك)، في أدبار الصلوات، والمقصود بأدبارها ما كان بعد السلام والانتهاء من الفريضة؛ لأنه ذكر التسبيح في أدبار الصلاة ولا فرق، وفي أدبار الصلاة تشمل الأمرين.
وكذلك دعا ﷺ بعد أن رمى الجمرة الأولى، ودعا بعد أن رمى الجمرة الثانية، فهذا دعاء بعد نهاية العمل، وقد أخبر أن الليلة الأخيرة من ليالي رمضان يغفر فيها للمؤمنين الصائمين القائمين، وقيل له: (أليلة القدر هي؟ قال: لا، ولكن الأجرة عند تمام العمل)، وكذلك الدعاء ينبغي أن يكون بعد تمام العمل دائماً.
стр. 1052
مشروعية رفع اليدين في الدعاء
وسواء رفع الإنسان يديه في الدعاء أو لا، فرفع اليدين يرشد له قوله ﷺ : (إن الله حيي كريم يستحي إذا مد العبد إليه يديه أن يردهما صفراً)، وقد رفع رسول الله ﷺ يديه بعد أن رمى الجمرة ودعا، وكذلك رفع يديه في المزدلفة وفي عرفات، وكان يرفع يديه حتى يرى بياض إبطيه في بعض الأدعية، وفعل ذلك في دعاء الاستسقاء على المنبر.
وقد دعا عمر بن الخطاب ﵁ في قنوت الفجر فرفع يديه حتى تجاوز بهما رأسه يدعو على أهل الكتاب.
وأما قنوت الوتر فلم أجد فيه دليلاً على الرفع، فلم أجد فيه حديثاً عن رسول الله ﷺ لا صحيحاً ولا حسناً ولا ضعيفاً، ولم أجد فيه أثراً صحيحاً عن أحد من أصحابه وإنما وجدت فيه أثراً ضعيفاً عن ابن مسعود، وفيه آثار عن بعض التابعين وأتباعهم لكنها ليست دليلاً.
وقد دأب الناس على رفع أيديهم فيه من أيام ابن عيينة إلى زماننا هذا، سئل أحمد بن حنبل عن دليله فقال: رأيت ابن عيينة يفعله، وهذا ليس دليلاً لكن يستأنس به لرفع اليدين في الوتر.
стр. 1053
الثناء على الله والصلاة على رسوله في الدعاء
وكذلك من أسباب استجابة الدعاء الصلاة على النبي ﷺ فيه، واستحسن بعض العلماء أن تكون قبله وبعده؛ لأن الصلاة على النبي ﷺ دعاء وهو مستجاب قطعاً، والله كريم فإذا استجاب لك بعض دعواتك فستكون الأخرى مستجابة تبعاً لها.
وكذلك أن يكون بعد الثناء على الله وحده وتبجيله، فالله أرشدنا إلى ذلك بالفاتحة فبدأ فيها بحمد الله والثناء عليه ثم ختمها بالدعاء، وكذلك كان رسول الله ﷺ يفعل إذا أراد أن يدعو.
ومن أسباب استجابة الدعاء أن يكون الإنسان خاشعاً وقت دعائه، وأن يتعلق قلبه بالله وحده.
ومن أسباب استجابة الدعاء أن يكون في حال المناجاة كالدعاء في السجود ونحوه، فإن الله ذكر استجابته لبعض الأنبياء في صلواتهم، فذكر استجابته لزكريا وهو قائم يصلي في المحراب، ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ * فَنَادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى﴾ [آل عمران:٣٨ - ٣٩].
стр. 1054
وسائل استجابة الدعاء
وهناك ثلاثة من أسباب استجابة الدعاء اشتهرت بالوسائل: السبب الأول: أن يتوسل الإنسان بأسماء الله الحسنى وصفاته العلا، فالتوسل بهذا بين يدي الدعاء مظنة الاستجابة، لقول الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف:١٨٠]، وفي الحديث أن رجلاً من الأنصار قال: (اللهم إني أسألك بأن لك الحمد لا إله إلا أنت ديان السماوات والأرض، فقال رسول الله ﷺ : لقد سأل هذا الله باسمه الأعظم الذي إذا سئل به أعطى وإذا دعي به أجاب).
وكذلك أقر عائشة على الدعاء بالأسماء الحسنى، وثبت عنه قوله: (إن لله اسماً هو اسمه الأعظم الذي إذا سئل به أعطى وإذا دعي به أجاب)، فهذا يقتضي التوسل إلى الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلا عموماً.
السبب الثاني: التوسل إلى الله بصالح الأعمال، ولا يكون العمل صالحاً إلا إذا كان موافقاً لما شرعه الله وكان الإنسان مخلصاً فيه لله ، فإذا كان كذلك فإنه بالإمكان أن يتوسل به إلى الله ولو كان يسيراً فيستجيب الله دعاءه، ودليل ذلك قول الله تعالى: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا﴾ [آل عمران:١٦]، وكذلك قول الرسول ﷺ في حديث أصحاب الرقيم أن الثلاثة توسلوا إلى الله بصالح أعمالهم، قالوا: إنه لا ينجيكم إلا أن تتوسلوا إلى الله بصالح أعمالكم.
السبب الثالث: هي التوسل إلى الله بدعاء المؤمنين، والله جعل الشفاعة وسيلة، لكنه لا يستجيب إلا إذا أذن بالشفاعة، فالملائكة يشفعون ويدعون للمؤمنين، ولكنهم لا يدعون إلا لمن أذن لهم الله بالشفاعة فيه؛ لأنه قال: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة:٢٥٥]، وقال: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ [الأنبياء:٢٨].
وقد ذكر آيتين في دعاء الملائكة إحداهما في سورة الشورى وهي قوله: ﴿وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الأَرْضِ﴾ [الشورى:٥]، والأخرى في سورة المؤمن، وهي قوله: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ * رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُم وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ﴾ [غافر:٧ - ٩]، فالآية الأولى فيها الإطلاق: (لمن في الأرض)، والآية الثانية فسرت ذلك الإطلاق بأن المقصود به أهل الإيمان والتقوى والالتزام لأنه قال: (للذين تابوا واتبعوا سبيلك).
وكذلك الاستشفاع بدعاء الرسل في حياتهم، وقد ذكرناه في دعاء رسول الله ﷺ ، وقد صح عنه ﷺ أنه قال: (إن هذه القبور مظلمة على أهلها، وإن الله ينورها عليهم بدعائي وصلاتي)، وقد أمره الله بالدعاء للمؤمنين في قوله: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ [التوبة:١٠٣].
وقد صح عنه ﷺ في صحيح مسلم أنه أمر عمر بن الخطاب إذا أتاهم أويس القرني أن يسألوه أن يستغفر لهم، فهذا دليل على مشروعية التماس الدعاء من كل عبد مؤمن تظن به خيراً.
وقد سأل عمر أويساً القرني أن يستغفر له، وقد كان يستقبل أمداد اليمن، وكان إذا أتاه أحد من أهل اليمن سأله عن أويس ما حاله فيذكرون تقشفه وزهده، حتى قدم عليه في أمداد اليمن، فقال: أنت أويس بن عبد الله؟ قال: نعم.
قال: القرني؟ قال: نعم.
قال: لك أم أنت بها بر؟ قال: نعم.
قال: كان بك وضح فشفاه الله إلا موضع أصبع؟ قال: نعم.
قال: قد أمرنا رسول الله ﷺ أن نسألك أن تستغفر لنا.
وكان خيره إلى أي اتجاه يريد أن يذهب فاختار العراق، فقال: أوصي عليك أمير الجيش؟ قال: لا، دعني أسير في غمار الناس.
فكان لا يريد أن يكون له ذكر، لكنه اشتهر في العراق والتمس الناس منه الدعاء، وأكثروا عليه، فسار في سرية فلم يرجع ولم يعرف الناس أين ذهب، وقد لقب بسيد التابعين.
وكل من رجي منه الخير فإنه يلتمس منه الدعاء.
فقد كان عدد من التابعين يلتمسون الدعاء من أم المؤمنين عائشة ﵂، وكان الناس في زمان علي بن أبي طالب ﵁ إذا ولد لأحد منهم مولود أتاه به فيدعو له، كما ثبت أن ابن عباس أتاه بولده علي حين ولد له فدعا له علي وسماه علياً، فكان أبا خلفاء بني العباس.
وقد كان رسول الله ﷺ يفعل هذه السنة من قبل، كان إذا أتي بمولود حنكه ودعا له، وكذلك كان ابن عمر ﵁ إذا ودعه من يريد السفر دعا له بما كان رسول الله ﷺ يودعهم به: (أستودع الله دينك وأمانتك وخواتم عملك)، وكذلك كان يقول: (زودك الله التقوى وغفر ذنبك، ويسر لك الخير حيثما توجهت).
стр. 1055
أهمية الدعاء
وقد كان دأب سلف الأمة الصالح في مختلف العصور والقرون، أنهم كانوا يلتمسون الدعاء ممن يظنون بهم الخير والصلاح، ويوصون المسافرين والحجاج والعمار على الدعاء، ويوصون الخارجين للجهاد في سبيل الله أو المرابطين في الثغور بالدعاء.
وهذا يقتضي أن يهتم الناس بالدعاء وأن يعلموا مكانته الشرعية، فضعفاء الناس يظنون أنهم لا دور لهم في الأمة ولا مشاركة لهم في الجهاد في سبيل الله، ومع ذلك إنما ينصر المسلمون بهم كما قال رسول الله ﷺ : (إنما تنصرون بضعفائكم)، فهؤلاء الضعفاء ينبغي أن تعظم وتفخم مكانتهم حتى لا يغفلوا عنها.
ومع الأسف أن الأمة اليوم كلها ضعفاء وسلاحها هو الدعاء، وعليها أن لا تتركه بحال من الأحوال وأن تجتهد فيه لله ، ولعلها تنصر بدعاء المستضعفين منها، ولذلك بين الرسول ﷺ أن دعاء هؤلاء يرفع به البلاء، فقال: (لولا صبيان رضع، ومشايخ ركع، وبهائم رتع؛ لصب عليكم العذاب صباً)، هذه هي أهم الوسائل، وهذه الثلاث متفق عليها والدلالة عليها من النصوص من القرآن والسنة واضحة، ولا خلاف فيها بين أهل العلم إلا الخلافات التي لا تعتبر ولا يعتد بها.
وقد حذر رسول الله ﷺ من الاستعجال في الدعاء، فقال: (يستجاب لأحدكم ما لم يتعجل يقول: قد دعوت ودعوت فلم يستجب لي)، فعلى الإنسان أن يجتهد في الدعاء وأن يتقرب بذلك لله ، وأن يعلم أنه لا يضيع، فإما أن يستجاب له عاجلاً، وإما أن يدخر له ذلك عند الله ، وإما أن يرفع به عنه البلاء، فالدعاء يصطرع مع البلاء في السماء ولا يرد القدر إلا الدعاء، وهذه مزيته، فهذا الدعاء من قدر الله، ويرد كثيراً من أقدار الله الواردة.
كثير من الناس لا يظن أنه يستغفر استغفاراً فيرفع به عنه سرطان أو بلاء عظيم جداً، أو يرفع به عن الأمة بكاملها ضرر لاحق، سواء كان ضرراً في الدين أو ضرراً في الدنيا، فمثلاً: اللوثات الدينية التي تحصل في المجتمعات من الانحلال الخلقي أو الانحراف العقدي أو نحو ذلك، هي أوبئة وأمراض تنزل من السماء فتصيب الأمم لكنها ترفع بهذا الدعاء.
وكذلك فإنه سبب من الأسباب التي لا ترد، فكثير من الناس ييأس إذا نفذت عليه أسباب الدنيا في الرزق أو في الدعوة أو في العلم وينقطع، ويظن أن الأمر قد أغلق أمامه وأن الطريق قد سد عليه، لكنه ينسى هذا الجانب المهم من سلاحه.
وقد شاهدت أن بعض الناس يجتهد في محاولة هداية بعض الأشخاص والأخذ بزمامهم إلى الخير، فيعمل معهم جميع أنواع الحيل فلا يستجيبون لها، فإذا انقطعت أسبابه قيل له: بقي أمامك نصف الطريق وهو أن تجتهد لهم في الدعاء لعل الله يهديهم على يديك، فما جربت هذه إلا هدي بها ذلك الإنسان.
كثير من الناس يظن أنه إذا بذل الأسباب فما نجحت انتهى الأمر، وينسى هذا الجانب الآخر حتى مع أولاده، ومع المدعوين الذين يريد هدايتهم، ومع جيرانه وغيرهم.
следующие страницы →