← Джавами‘

Джавами‘ · id 7722

دروس للشيخ محمد الحسن الددو الشنقيطي

محمد الحسن الددو الشنقيطي

Полный текст (1 349 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.

стр. 1156

فائدة تعلم علم العقائد إن فائدة هذا العلم تحصيل محبة الله بمعرفة صفاته، وتحصيل محبة رسله بمعرفة ما يجب لهم وما يتصفون به، وزيادة الإيمان بتفصيل مسائل هذا العلم مثل مسائل القدر وغيرها، ورد الشبهات التي تثار في اعتقاد المسلمين، سواءً كانت من قبل المسلمين أو من قبل أعدائهم، فهذه الشبهات من إيحاء الشيطان، يلقيها فتكون وحياً يوحيه إلى أوليائه: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ﴾ [الأنعام:١٢١]، فيحتاج إلى من يرد هذا، إذ لو لم ترد لوجدت أنصاراً وأعواناً، وسمعت من يصيخ لها ويستقبلها، فحينئذ تشيع فلا يميز الناس بين الحق والباطل وتنتشر بنيات الطريق وينصرف الناس عن طريق الهداية. ومن هنا احتيج إلى معرفة هذه الشبهات والرد عليها وأن يتقوى ساعد الإنسان لكل شبهات محتملة؛ لأننا لا يمكن أن نحصر الشبهات الواردة في الاعتقاد فيما سندرسه هنا، وإنما نريد بدراستنا لهذه الأمثلة أن تتقوى سواعدنا وأذهاننا في المستقبل لأي شبهة جديدة، فإذا جاءت أية شبهة كنا لها بالمرصاد، وعرفنا كيف تزال هذه الشبهة، وكيف نتمسك بالدليل، وكيف نتمسك بالصواب الذي لا محيد عنه، وكيف نميزه ونزيل الإشكال فيه حتى لا يلتبس بغيره. فإذاً هذه فائدة هذا العلم.

стр. 1157

تسمية علم العقائد إن الناس يتفاوتون في تسمية هذا العلم: فمنهم من سماه بالتوحيد، وهذا من تسمية الشيء باسم بعضه، مثل تسمية الإنسان بالرقبة، فيقال: تحرير رقبة، ولا يقصد بها الرقبة وحدها بل الإنسان بكامله، وكذلك في الحيوان تقول: رأس من الغنم، رأس من البقر، ولا يقصد به الرأس وحده إنما يقصد به كامل البدن. والتوحيد هو رأس ما يدرس في هذا العلم؛ لأنه الإيمان بالله وهو الركن الأول من أركان الإيمان الستة، فتوحيد الله هو أحد هذه الأركان الستة وهو أهمها وأولها، فسمي هذا العلم بكامله باسم جزئه. التسمية الثانية: تسميته بعلم الاعتقاد، وهذه التسمية وإن كانت أشمل من سابقتها؛ لأنها تشمل ما يجب اعتقاده في حق الله وفي حق الرسل وفي حق الملائكة، وكذلك تفصيلات القدر واليوم الآخر والكتب المنزلة وغير ذلك، إلا أنها لا تتناول إلا القطعيات فقط، فإن الاعتقاد إنما يشمل ما هو قطعي، لأنه لا ينبغي أن يكون فيه شك، ويمكن أن تكون المسألة من الاعتقاد ومشكوك فيها أن الصواب كذا أو الصواب كذا، فيكون فيها خلاف، وعليه فإن مسائل هذا العلم ليست كلها قطعية، بل فيها كثير من الظنيات وفيها كثير من المسائل الخلافية التي سنتحير فيها ونتوقف، ومرجع ذلك إما إلى صحة دليل وعدم صحته أو تعارض أدلة، أو أن الأمر لم يرد فيه نص أصلاً وأحيل الاجتهاد فيه إلى العقول، وهذه المسائل تبع للمسائل القطعية الثوابت، فالمسائل القطعية هي التي حسمها الوحي، والمسائل الظنية هي التي لم يحسمها الوحي، فالمسائل القطعية هي الاعتقاد ويجب على كل المسلمين أن يتفقوا فيها وأن يعتقدوا هذا المعتقد ولا يحل المخالفة فيه. المسائل الأخرى التي هي ظنون وعليها أدلة لكل من الجانبين، ولا يمكن الحسم فيها؛ هذه ليست من الاعتقاد، إنما هي أمور فيها خلافات مثل مسائل الفقه. ففروع الأصول هي فروع علم الاعتقاد وهي كثيرة جداً، وسيتبين لنا أن كثيراً من المسائل التي ندرسها في هذا العلم ليست من الاعتقاد لأنها محل خلاف، وهذه من أمثلتها قضية التوسل بشخص النبي ﷺ ، فهي مسألة فيها خلاف وليس فيها حسم قاطع، فلذلك هي من المسائل التي هي ظنية فقط، ولذلك كان الأولى ألا تدخل في الاعتقاد، ولا يقال من المسائل العقدية؛ لأنها مسألة فقهية وهكذا. والتوسل به ﷺ يشمل التوسل به بعد موته أو في حياته، والخلاف في التوسل بشخصه وليس بدعائه، فالتوسل بشخصه في حياته وبعد موته كله محل خلاف؛ لأن التوسل به في حياته إنما هو توسل بدعائه، لكن التوسل به في حياته في غيبته مثلاً توسل بشخصه، وهو مثل التوسل به بعد موته؛ لأنه هو حي في قبره حياة برزخية، ولا يمكن أن يدعو هذا الدعاء، والمسألة سنذكر إن شاء الله بعض تفصيلاتها، وهي طويلة لأنها تدخل فيها تقريباً ست مسائل، وكل مسألة منها يمكن أن نذكر فيها خلافاً ونذكر فيها أدلة. إذاً تسميته بعلم الاعتقاد عليها هذا المأخذ. ويسميه بعض الناس أيضاً بعلم الكلام: والمقصود بذلك العلم المتعلق بكلام الله، وذلك أن مسألة كلام الله من أوليات المسائل التي حصل فيها الخلاف بين هذه الأمة، واشتهر فيها تفرق الفرق، فمن أجل ذلك كثرت الكتب المؤلفة فيها، وكثرت الفرق المختلفة على أساسها، فسمي هذا العلم باسمها، وهي تسمية للشيء باسم بعضه أيضاً، فالكلام صفة واحدة من صفات الله التي تدخل كلها في قسم واحد من أقسام التوحيد؛ لأن الأسماء والصفات قسم من أقسام التوحيد التي سنذكرها، وهذه صفة واحدة من الصفات، فسمي بها العلم كاملاً. كذلك من تسميات هذا العلم تسميته: بعلم الأصول، سواءً كانت بالإطلاق أو بالإضافة فيقال: أصول الدين ويقال: (الأصول) مطلقة، فهذه التسمية في الأصل للمعتزلة، وهم أول من فعلها؛ لأن لديهم أصولاً يمتحنون الناس على أساسها، وهي أصولهم المعروفة التي هي: التوحيد والعدل والمنزلة بين المنزلتين والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فهذه مسائلهم التي هي أصولهم، سموها بالأصول وسموا هذا العلم باسمه، لكن تبعهم كثير من المتكلمين في هذه التسمية وسموا هذا العلم أيضاً علم أصول الدين، ويقابلون به علم أصول الفقه، جعلوا الدين منقسماً إلى أصول وفروع، فالفروع هي أعمال البدن الظاهرة، والأصول هي أعمال القلب، وذلك أن أعمال البدن مبنية على أعمال القلب؛ لأن الدافع من وراء أي عمل هو دافع عقدي، وكل عمل ليس من ورائه دافع عقدي يقتضيه فإنه مبني على غير أساس، فالصلاة إذا لم تكن عن قناعة بصدق ما جاء به الرسول ﷺ لا فائدة فيها؛ لأنها مبنية على غير أساس، فأساس كل الأعمال التمييز بين الحلال والحرام، فتكون العبادة والمعاملة على أساس الاعتقاد، فإذا اختل هذا الأصل فإنه على شفا جرف هار حتى لو أحسن في الأعمال الأخرى وجاءت محكمة مائة بالمائة؛ لأنها ليس لها أصل، فمن أجل ذلك سموه بأصول الدين. هذه هي أهم تسميات هذا العلم.

стр. 1158

مسائل علم العقائد مسائل العلم هي التي تذكر فيه تفصيلاً، وقد ألف فيها كثير من الكتب، وهذا النظم الذي لدينا حاول صاحبه ذكر بعض المسائل المتعلقة بهذا العلم، وأحالها على النصوص الشرعية، على حسب ما جاء في الآيات والأحاديث، ولم يقسمها على تقسيم أصولها التي هي هذه الأركان الستة.

стр. 1159

الأسئلة

стр. 1160

هل الطحاوي واضع علم العقيدة ؟ السؤال لماذا لا يقال: إن الطحاوي هو واضع هذا العلم؛ لأن الذين سبقوه إنما ركزوا على جزئيات مخصوصة، وهو قد جمع أكثر جزئيات العلم في عقيدته؟ الجواب إن الطحاوي إنما ذكر عقيدة الأئمة فقط، وكثير من المسائل الأخرى التي حصل الخلاف فيها في الأمة لم يتعرض لها، وكثير من المسائل العقدية التي ضلت فيها فرق وكثرت تشعباتها لم يتعرض لها في الكتاب، وإنما أراد أن يفصل اعتقاد الأئمة عن عقائد الفرق، فلم يتعرض لكثير من المسائل التي هي مدروسة في زمانه ومعروفة ومألوفة. كثير من المسائل اشتهرت في زمانه أضرب عنها صفحاً مثل: المسألة اللفظية، وهذه حصل الخلاف فيها حتى بين كثير من أئمة أهل السنة من أئمة أهل الحديث، كما أنه ذكر بعض الأمور التي ليست من الاعتقاد، مثل المسح على الخفين لذلك إنما يقتضي تميز مذهب الأئمة عن مذهب الشيعة فقط.

стр. 1161

اختلاف العلماء في واضع علم الكلام السؤال هل يتفق أهل مذهب على من وضع علم الكلام؟ الجواب بالنسبة لهذه الأقوال التي ذكرناها في الخلاف في واضع هذا العلم، لا تختص بمذهب من المذاهب المختلفة، فلا يتعصب مذهب من المذاهب للوضع إلا ما جاء عن الحنفية فيقولون: واضعه أبو حنيفة، لكن لا يتفق الشافعية على أن واضعه أبو الحسن الأشعري وإن كان شافعياً، بل إن بعض الشافعية ينكر أنه الواضع الحقيقي لهذا العلم؛ لأن الشافعي نفسه له كلام كثير في هذا العلم، وله مناظرات ومناقشات مع حفص الفرد ومع غيره، وكذلك المالكية لا يقولون إن واضعه الباقلاني مثلاً وإن كان مالكياً، لكن لـ مالك كلام في هذا الباب ولـ ابن وهب ولعدد من الأئمة وكذلك الحنابلة. فلا يتفق أهل مذهب من المذاهب على أن واضع هذا العلم هو فلان الفلاني، ومن هنا فإن كثيراً من المعتزلة حاولوا الإلمام ببعض جوانب هذا العلم قبل عدد من الذين ذكرناهم، فمثلاً النظام من المعتزلة ذكر بعض جوانب هذا العلم وجمعها، وكذلك أبو الهذيل العلاف وعدد من أئمة المعتزلة الكبار جمعوا في هذا العلم أشياء، لكن كثيراً منهم لم يؤلف مثل عمرو بن عبيد فإنه وإن كان ناقش في أكثر مسائل العقيدة وتخصص فيها لكن لم يكتب آراءه، إنما رويت عنه ونقلت، وحتى كان من تلامذته المنصور أمير المؤمنين فقد كان يزكيه ويقول: كلكم يطلب صيد كلكم يمشي رويد غير عمرو بن عبيد وبعد هذا اشتهر من المؤلفين منهم في هذا المجال: أبو علي الجبائي وابنه أبو هاشم والقاضي عبد الجبار، والقاضي أبو الحسين البصري من الأصوليين الذين اشتهروا في هذا العلم أيضاً وجمعوا فيه.

стр. 1162

الفرق بين الإيمان بالملائكة والإيمان بالجن السؤال لماذا كان الإيمان بالملائكة ركناً من أركان الإيمان ولم يكن الإيمان بالجن كذلك؟ الجواب ذكرنا أن أهم شيء ينفع العقل البشري فيما يتعلق بجنود الله الغيبية، هو الإيمان بالملائكة، ولهذا كان الإيمان بهم ركن من أركان الإيمان، لكن مع هذا نؤمن بالجن ووجودهم، ولكن فائدة ذلك للعقل محدودة، ولهذا لم يكن الإيمان بهم ركناً من أركان الإيمان وإنما كان جزئية من الإيمان بالكتب المنزلة؛ لأنه ثبت نزوله في الكتب المنزلة، لكن لو كان لنا في الجن مثل حسن لكان الإيمان بهم ركن من أركان الإيمان. فتبين أنه يجب الإيمان بالجن لكن ليس ركناً من أركان الإيمان، لأنه ليس لنا فيهم مثل حسن ولا أسوة حسنة، ولا نستفيد كثيراً من الإيمان بهم، لكن إيماننا بالملائكة كيف يؤثر علينا عقلياً وعاطفياً؟ وكيف يقتضي محبتنا لله ، ومنافستنا في عبادته؟ واضح جداً أن الإيمان بالملائكة مفيد لنا، وأن الإيمان بالجن فائدته محدودة.

стр. 1163

دخول الإيمان بالجن في الإيمان بالكتب المنزلة السؤال هل الإيمان بالجن يدخل في الإيمان بالقرآن؟ الجواب نعم الإيمان بالجن يدخل في الإيمان بالكتاب؛ لكنه لم يكن ركناً مستقلاً لنقص أهميته للعقل، وبالنسبة لمن أنكر وجود الجن فإنه يكفر لكن كفرانه بإنكاره لبعض ما جاء في الكتب المنزلة، لكن ليس لركن من أركان الإيمان المستقل، وهذا طبعاً لا يكفر قبل إقامة الحجة عليه، فإنه إذا كان يجهل أن الجن ورد لهم ذكر في القرآن فأنكر وجودهم لا يكفر؛ لأنه لا يجب تعلم آيات الجن من القرآن، لكن من بلغه أن هذا في القرآن فأنكره تكذيباً للقرآن فإنه كافر بركن من أركان الإيمان وهو الإيمان بالكتب المنزلة. لكن من جهل ذلك وما عرف أن القرآن فيه ذكر للجن، فأنكر وجودهم لا يكفر.

стр. 1164

فائدة الإيمان باليوم الآخر السؤال ما فائدة الإيمان باليوم الآخر؟ الجواب ذكرنا أن الإيمان باليوم الآخر مفيد لنا في حياتنا الدنيا وفي حياتنا الأخرى، فحياتنا الأخرى كلها مرتبطة بالإيمان باليوم الآخر؛ لأن من آمن بأنه سيحشر ويبعث سيعمل لئلا يكون من الأشقياء ولئلا يكون من أصحاب النار، لكن فوائده في الدنيا منها: استمراره في العمل الدنيوي ليبقي ذكراً حسناً وفائدة بعده؛ لأن اليوم الآخر عندنا يبدأ من الموت: (إذا مات ابن آدم فقد قامت قيامته)، والإنسان إذا علق كل أعماله على موته هو لا يدري متى يموت؛ فكل لحظة يمكن أن يموت فيها، فلو كان لا يعمل إلا لحياته الدنيا فقط، ولا يشعر بشيء في المستقبل لما أتى بالمشاريع النافعة التي تستمر مئات السنوات أو آلاف السنوات، ولا ألف كتاباً ولا بنى مبنىً ولا أجرى نهراً ولا زرع زراعة ولا أقام أي مشروع تستفيد منه البشرية في المستقبل. لكن نظراً لأنه يؤمن بأن حياته ليست مقتصرة على هذه الحياة الدنيا، وأن هذه الحياة الدنيا إنما تمثل جزءاً بسيطاً من حياته وهي وقت الامتحان فقط، أما الحياة الحقيقية فهي الحياة الأخروية؛ فمن هنا تعمل لذلك وتريد الاستمرار للجنس البشري وتريد -نظراً لمحبتك لله- أن يعبده الناس، حتى إذا عجزت أنت عن عبادته تحب أن يعبده جبريل وميكائيل، وتحب أن يعبده أقوام آخرون لم ترهم.

стр. 1165

تداخل عناصر الدين وترابطها في تغذية الروح والبدن السؤال عناصر الدين الثلاثة يلاحظ أن كلاً منها يفيد الروح والبدن، وأنتم خصصتم فائدتها، فكيف ذلك؟ الجواب ما يلاحظ من الارتباط أو التداخل بين هذه العناصر من أن الإيمان فإنه قد يفيد الروح أيضاً وقد يفيد البدن، والإسلام كذلك يفيد الروح ويفيد البدن، والإحسان يفيد الروح ويفيد البدن والعقل. فيجاب عن هذا: بأن هذا التداخل نظراً لترابطها ولأنها عناصر لشيء واحد وهو الدين، والعناصر لا يمكن إفراد كل واحد منها وحده؛ فلا ينفع الإيمان دون الإسلام، ولا ينفع الإسلام دون الإيمان، ولا ينفع واحد منهما دون الإحسان فلابد من جمع الجميع حتى يقع التوازن، وتوجد نقاط معينة لالتقاء هذه الجوانب يصعب تحديدها جداً، مثل الروح مع البدن، هل تستطيع أن تفصل روحك عن بدنك؟ وهل تستطيع أن تفصل عقلك عن بدنك وروحك؟ هذه مشتبكة، لكن أنت تفهم أن عناصرك الأساسية هي هذه الثلاثة، وتفهم أن عناصر الدين الأساسية هي هذه الثلاثة، لكن هناك مناطق تتداخل فيها، ويصعب عليك تحديدها بالضبط ولا تحتاج إلى ذلك، والعلم حاجتك إليه عقلية، فما ليس منه مفيداً نافعاً لك ولا يترتب عليه عمل لا ينبغي أن تشغل به وقتك، وما كان نافعاً لك مفيداً هو الذي تركز عليه، فالعلم الذي يترتب عليه العمل أهم من غيره؛ لأن غيره مجرد ترف في العلم.

стр. 1166

اعتقاد عدم فناء النار من الأمور الظنية في علم التوحيد السؤال هل اعتقاد عدم فناء النار من الأمور القطعية في الاعتقاد؟ الجواب بالنسبة للجنة لم يقل أحد من المسلمين بفنائها، لكن النار فيها خلاف، وهذا الخلاف يقتضي ألا تكون من الأمور القطعية، بل هي من الأمور الظنية في هذا العلم، وسنذكر ذلك إن شاء الله في موضعه.

стр. 1167

توحيد العبودية لقد أرسل الله الرسل يدعون إلى إفراد الله بالعبادة، وينهون عما يخل بذلك أو يؤدي إلى نقيضه من الشرك كتعبيد الأسماء لغير الله، والتبرك الممنوع، كما نهوا عن التمسح بالقبور والنذر لغير الله أو الذبح للأموات وغير ذلك.

стр. 1168

وجوب إفراد الله بالعبادة قال: [فأفردوه جل بالعباده لا تشركوا في نوعها عباده] الفاء هنا للترتيب على ما سبق، ومعناه: إذا اجتنبتم الشرك فأفردوا الله، أي: وحدوه بالعبادة، وهذا هو الذي يسميه أهل السلوك بالتخلي قبل التحلي. فالتخلي يقتضي التخلص من الشرك. والتحلي يقتضي التحلي والاتصاف بالتوحيد. فيجمع الإنسان بين النفي والإثبات فينفي الشرك أولاً ثم يثبت التوحيد ثانياً، وهذان الأمران تضمنتهما كلمة التوحيد: لا إله إلا الله، فـ (لا إله) نفي، و (إلا الله) إثبات، فلذلك بدأ أولاً بنفي الشرك ثم رتب عليه إثبات التوحيد في قوله: (فأفردوه جل بالعبادة)، هذا معنى التوحيد. فكثير من الناس يجهل معنى توحيد؛ لأن (وحد) تأتي في اللغة بمعنى: جعل الشيء واحداً، وأنت لا تستطيع الجعل فالجعل مستحيل في هذا الباب. وكثير من الناس يظن أن (فعَّل) هنا تدل على الاختصار مثل: سبَّح ونحو ذلك، أي: قال أحد أحد، فليس (وحد) بمعنى: قال أحد أحد، بل المقصود بالتوحيد هو الإفراد، وحده بمعنى: أفرده بالعبادة، أو: أفرد التوجه إليه بالعبادة. قوله: (جلّ) هذا ثناء عليه. (بالعبادة) أي: بجنسها الذي يشمل الأقوال والأفعال وأنواع العبادات والقربات، فيشمل ذلك الفرائض والسنن والمندوبات، ويدخل فيه كل ما يتقرب به إليه . ما معنى إفراده بالعبادة؟ المعنى: ألا يشرك العباد في جنس ما يسمى عبادة، بحال من الأحوال، فمن جنس العبادة مثلاً الصلاة والدعاء والذكر ونحو ذلك، فهذه لا يشرك فيها أحد مع الله بوجه من الوجوه. وأما شكر الناس فقد جاء فيه: (من لا يشكر الناس لا يشكر الله)، وجاء الأمر بالشكر للوالدين في قول الله تعالى: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ [لقمان:١٤]، فليس ذلك من الإشراك في جنس العبادة باختلاف النوعين، فالشكر لله سبحانه بصرف ما أنعم به عليه في طاعته، والشكر للوالدين أو لمن أحسن إليك بالدعاء له وبمدحه بما يستحق ومجازاته عليه. فإذاً هناك فرق بين شكر الله وشكر عباده، فشكر الله هو صرف العبد جميع ما أنعم الله عليه به في طاعته، وشكر العبد هو فعل ينبئ عن تعظيمه بسبب كونه منعماً أو بسبب كونه متفضلاً. وكذلك ما جاء في قول الرسول ﷺ للأنصاري حين سأله: كم أجعل لك من صلاتي؟ فالمقصود ما يجعل له من دعائه؛ لأن هذا الأنصاري كان يدعو لرسول الله ﷺ مع نفسه لمحبته لرسول الله ﷺ ، فيكثر من الدعاء لرسول الله ﷺ ، فأخبره رسول الله ﷺ أنه إذا جعل دعاءه له كله يُكفى ما أهمه. فاتضح من هذا أن المقصود بما يجعل له من دعائه ليس دعاء شخص، إنما هو أن يصلي عليه، فلو اقتصر في الدعاء على الصلاة والسلام على النبي ﷺ فقط ولم يدع بغير ذلك فإنه يحصل له ثواب الداعين، ويستجاب له في قضاء حوائجه الأخرى، ويكفى كل ما أهمه.

стр. 1169

النهي عن تعبيد الأسماء لغير الله قوله: (لا تشركوا في نوعها عبادة)، يعني: عبادة الله ، فلا تشركوا في نوع ما يسمى عبادة، فيدخل في هذا النذر والذبح ونحوهما، فلا يجوز النذر للمخلوق بل هو شرك بالله ، وكذلك التعبيد بالأسماء، وكذلك الذبح ولهذا قال: [فلا تسموا ولداً عبد علي أو تنذروا لصالح أو لولي] أي: فلا تسموا ولداً عبد علي أو عبد فلان من الناس؛ لأن هذا تعبيد فلا يجوز إلا لله ، فلا يطلق ذلك في التسمية، لكن إذا كان مملوكاً له يجوز أن تقول: أتاني عبد فلان فسألني عن كذا. وهنا يأتي التفريق بين ما يرد في الكلام على الحقيقة وما يرد على المجاز، فالرسول ﷺ قال: (لا يقول أحدكم عبدي أو أمتي بل يقول فتاي وفتاتي)، فالنهي هنا من باب الأدب، فلا ينبغي للإنسان أن ينطق بذلك؛ لأن فيه كسراً لخواطر الذين يخاطبهم بذلك. وإذا أراد الإنسان أن ينسب إلى غيره عبداً أو أمة فلا حرج أن يقول: هذا عبد فلان، أو أمة فلان، أو جارية فلان مثلاً، ولكن المحذور هو التسمية بذلك، وقد غير رسول الله ﷺ بعض أسماء الجاهلية التي فيها تعبيد لغير الله، حتى من مات على الكفر قد يغيره إكراماً لولده، فقد كان رجل من بني سليم يسمى غاوي بن عبد العزى فلما أسلم وحسن إسلامه أكرمه رسول الله ﷺ بتغيير اسمه واسم أبيه، فسماه راشد بن عبد ربه. فتغيير اسم أبيه هنا لا ينفع أباه بشيء ولكنه تكريم له هو، مع أن رسول الله ﷺ لم يغير اسم عبد المطلب، ولا عبد العزى، من أجداده ﷺ ، فالنبي ﷺ والدته آمنة بنت وهب أمها برة بنت عبد العزى بن قصي، فلم يغير النبي ﷺ اسمه. وحتى بعض أعمامه فإن أسماءهم كانت من أسماء الجاهلية، ولكنهم اشتهروا بكناهم كـ أبي طالب مثلاً، واسمه عبد الكعبة، مع أن الكعبة لم تكن تعبد في الجاهلية وقد خصها الله بهذا، لكن المقصود بذلك أنه سادنها وخادمها، وأبو لهب اسمه عبد العزى، ولكن اشتهرت كنيته فغطت على اسمه. قوله: (فلا تسموا ولداً عبد علي)، معناه أنه لا يجوز لوالد مولود أن يسميه بالتعبيد لغير الله، ولا يجوز لغيره إذا سماه هو بذلك أن يطلقه عليه، والتخلص من ذلك إما بتغيير اسمه بالكلية، أو إذا كان منسوباً لصالح أو لنبي فيجعل ذلك على تقدير مضاف، فإذا سمي عبد الرسول أو عبد النبي أو عبد علي، فإنه يقال: عبد رب النبي، وعبد رب الرسول، وعبد رب علي، وعبد رب الحسين، وهكذا. وهذه إنما اشتهرت في الشيعة فهم الذين يسمون هذه الأسماء، وتندر في أهل السنة، وإنما تقع في الفئات المخالطة للتشيع التي يقع فيها التعبيد لغير الله، ولا يقصدون بذلك حقيقة الأمر؛ إذ لو قصدوا ذلك لأشركوا، وإنما يقصدون به تشريف هؤلاء الذين يضاف إليهم الأولاد وينسبون إليهم.

стр. 1170

من الشرك النذر لغير الله قوله: (أو تنذروا لصالح أو لولي): كذلك من الشرك النذر لغير الله ، والنذر في الأصل عبادة يلتزمها الإنسان تقرباً إلى الله ، وقد شرعها الله تعالى لعباده فقال تعالى: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج:٢٩]، وقال تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ [الإنسان:٧]. وقد نهي عن أنواع من النذر، منها: النذر المعلق، وهو أن يعلق الإنسان نذراً على قضاء حاجة من حوائجه، كبرئه من سقم، أو قدوم مريض، أو أن يولد له ولد أو نحو ذلك، فيكره أن ينذر نذراً معلقاً على أمر، وقد نهى عنه رسول الله ﷺ ، وذكر أنه لا يردُّ من قدر الله شيئاً وإنما ينتزع الله به من يد البخيل، وما كتبه الله سيقع، فالذي ينذر النذر المعلق حكم على نفسه بأنه بخيل في تعامله مع الله، نسأل الله السلامة والعافية. كذلك النذر المكرر، كنذر صوم الإثنين أو الخميس أو نحو ذلك، فهذا النذر يكره لأنه قد يشق على الإنسان وقد يأتي وقت لا يستطيع أداءه فيه. وأيضاً: فإنه يشبه صورة التعبد بإيجاب شيء لم يوجبه الله، وهذا من أمر الجاهلية، ولهذا قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ [التوبة:٣٧] وفي قراءة أخرى: (إنما النسي زيادة في الكفر) ﴿يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ﴾ [التوبة:٣٧]، فهذا النسيء كان أهل الجاهلية ينسئون الشهور، فيجعلون الشهر الحلال حراماً، والحرام حلالاً، فإذا أرادوا الحرب في الأشهر الحُرم أخروها إلى الأشهر الحل، فيشرعون ما لم يأذن به الله، فيكون هذا تشريعاً لما لم يأذن به الله، وهذا ما يفخرون به، حيث يقول شاعرهم: ونحن الناسئون على معدٍّ شهور الحل نجعلها حراماًً فرد الله تعالى هذا النسيء، وقال رسول الله ﷺ في العام العاشر من الهجرة: (إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض)، ففي العام التاسع كانت الحجة في شهر محرم بدلاً من ذي القعدة. وفي العام العاشر حج النبي ﷺ ، ولم يحج حتى استدار الزمان ورجع النسيء وأبطل، وهذا هو سبب عدم حج النبي ﷺ في العام التاسع، وتوليته لـ أبي بكر على الحج في ذلك العام، فإن الحج لم يكن في وقته، وإلا لو كان في وقته لحج النبي ﷺ في العام التاسع. حتى في العام الثامن لم يحج مع أنه اعتمر في شهر ذي القعدة من العام الثامن بعد فتحه لمكة عندما رجع من الطائف، فإنه اعتمر من (الجعرانة) ولم يحج في تلك السنة، ولم يؤمر أميراً على الحج إلا عتاب بن أسيد الذي أمره على مكة، فأقام عتاب الحج للناس، وهي أول حجة في الإسلام، ثم في العام التاسع حج أبو بكر بالناس، ثم أردفه رسول الله ﷺ بـ علي بن أبي طالب ليبلغ سورة البراءة، فإنها أنزلت عليه بعد ذهاب أبي بكر وقال: (لا ينبغي أن يبلغها عني إلا رجل من أهل بيتي)، ثم في العام العاشر حج رسول الله ﷺ حجة الوداع. أما النذر للمخلوق للتقرب إليه، فإنما يحصل من اعتقاد أنه ينفع أو يضر، وهذا قد سبق أنه من أنواع الشرك؛ فلذلك لا يمكن أن يكون هذا مقبولاً شرعاً، ولو فعله الإنسان ووقع فيه لم يلزمه شيء. والفرق بين الصالح والولي: أن الصالح من صلحت المعاملة بينه وبين الله، وبينه وبين الناس على قدر الإمكان. والولي هو من اتخذه الله ولياً من أوليائه ولم يجعله عدواً من أعدائه. فبينهما عموم وخصوص، وقد اشتهرت هاتان الكلمتان على ألسنة العوام، يقولون: فلان صالح وفلان ولي؛ ولذلك صرح الشيخ بهما معاً ليرد هذه الأفكار الشائعة في عوام الناس.

стр. 1171

الكلام على التبرك الجائز والممنوع قال: [ولا تمسوا قبراً أو تَمَسَّحوا ولا تطوفوا حوله أو تذبحوا] ذكرنا أن النوع الرابع من أنواع الشرك الأكبر المخرج من الملة هو شرك الطاعة، وأنه يحصل عن طريق الغلو في الأشخاص، ويظن الإنسان أنهم يملكون له نفعاً وضراً، وهذا يحصل في الأحياء ويحصل في الأموات، فالأموات يظن الناس بهم النفع فيتقربون إليهم، وينسون أنهم لم يستطيعوا رفع الموت عن أنفسهم ولا المرض، وقد ماتوا وأكل عظامهم التراب، فكيف يملكون لغيرهم نفعاً أو ضراً؟! وهذا التمسح كان من عمل الجاهلية مثل الذبح على القبور، وقد أمر رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب ألا يدع قبراً مشرفاً إلا سواه، فأزال هذه البناءات التي كانت تبنى على القبور، ويُتمسح عليها، ويُذبح عليها ويُنحر، فرد ذلك رسول الله ﷺ وأبطله.

стр. 1172

جواز التبرك بشخصه ﷺ وأجزائه فلهذا لا تمس القبور لقصد التبرك بتربتها أو لقصد التقرب إلى أصحابها؛ لأن ذلك من جنس العبادة، وقد سبق أن العبادة لا بد أن تصرف كلها لله، وإن كان التبرك في نفسه ليس عبادة؛ ولهذا جاز التبرك برسول الله ﷺ ، ولو كان التبرك عبادة لما جاز بمخلوق. والتبرك بشخص رسول الله ﷺ من الأمور الجائزة التي ينتفع بها في مجال الدنيا، ولكنه لا ينفع في مجال الآخرة، وهنا الفرق: فإن التبرك إنما ينفع في مجال الدنيا؛ لأن البركة معناها النماء الدنيوي، فيمكن أن يحصل عن طريق البركة شفاء مرض أو نحو ذلك، لكن لا يمكن أن تغفر به الذنوب، أو أن يدخل به الإنسان الجنة مثلاً، فهي نافعة في المجال الدنيوي فقط. وقد كان أصحاب رسول الله ﷺ يتبركون به، فكانوا يتبركون بوضوئه وبريقه ومخاطه وبكل شيء مسه، حتى شربت بركة أم أيمن بول رسول الله ﷺ ، وشرب عبد الله بن الزبير بن العوام ﵄ دمه ﷺ فقال له: (ويل للناس منك، وويل لك من الناس)، معناه أنه سيكون شجاعاً، وسيكون بشربه للدم أيضاً محل عداوة؛ فسيعاديه الناس كما عادوا الأنبياء، فالأنبياء هم أشد الناس بلاءً، وقد حصل ذلك. وقد كانوا يتبركون بكل شيء من رسول الله ﷺ ، حتى إن عروة بن مسعود حينما رجع إلى قريش من الحديبية وصف حال الصحابة مع رسول الله ﷺ ، وقال: يا معشر قريش! لقد وفدت على كسرى في ملكه، وعلى قيصر في ملكه، وعلى النجاشي في ملكه، فما رأيت أحداً منهم يعظمه أصحابه كما يعظم أصحاب محمد محمداً، فوالله ما امتخط إلا وقع مخاطه في يد أحدهم فدلك به وجهه ورأسه، ولا توضأ إلا كادوا يقتتلون على وضوئه، ولا تكلم إلا أنصتوا حتى كأن على رءوسهم الطير. وكذلك فإن من التبرك به ﷺ تبركهم بوضع يده في الماء كما حصل في عدة غزوات، فإنهم عطشوا في غزوة فلم يبق معهم إلا ماء قليل في ركوة لرسول الله ﷺ ، فشكوا إليه ذلك، فأمر بقدح، وأمر أن يصب الماء فيه، وجعل يده فيه، فجعل الماء يفور من بين أصابعه، والناس يستقون حتى ملئوا ما معهم من الآنية والظروف، فشربوا، وسقوا نواضحهم ودوابهم، وهذا الماء هو أفضل ماء على وجه الأرض إذ ذاك؛ لأن خير المياه الماء الذي نبع من يد رسول الله ﷺ ، ولذلك يقول أحد الفقهاء: وأفضل المياه ماء قد نبعْ بين أصابع النبي المتبعْ يليه زمزم فماء الكوثرِ فنيل مصر ثم باقي الأنهُرِ

стр. 1173

تبركهم بجسده وشعره ﷺ ومسحه وكذلك فإنهم كانوا يتبركون بمس جسده ﷺ كما فعل سواد بن غزية ﵁، فإنه: (كان في الصف في حال المعركة، فتقدم قليلاً، فغمزه رسول الله ﷺ بمحجن كان في يده، وكان أمام الصف يسوي الصفوف، فقال: أوجعتني يا رسول الله فأقدني -أعطني القود- فكشف له رسول الله ﵌ عن خصره، فالتزمه، فقيل له في ذلك فقال: إني الآن مقبل على الموت، فأردت أن يكون آخر عهدي بالدنيا أن أمس جسد رسول الله ﷺ . وكذلك بمسح يده، فإنه ﷺ حين سالت عين قتادة إذ رماه المشركون بسهم فأصاب عينه، فوقعت على خده، فردها رسول الله ﷺ ، فكانت أحدَّ عينيه. وكذلك فإنه مسح على عاتق معاذ بن عمرو بن الجموح حين ضربه عكرمة بن أبي جهل بالسيف، فعاد عاتقه إلى مكانه والتأم. ومثل هذا مسحه على صبي أقرع من ولدان الأنصار، فنبت شعره ولم يشب بعد ذلك. فهذا من بركة رسول الله ﷺ . وكذلك التبرك ببعض ما بقي من شعره وأظافره بعد موته، ففي صحيح البخاري: أن أم سلمة ﵂ كان لها جلجل من فضة فيه شعرات من شعر رسول الله ﷺ ، فكان الناس إذا مرض مريض أرسل إليها بقدح من ماء فخضت فيه الجلجل فيشربه فيبرأ. وكذلك كان لـ معاوية بن أبي سفيان ﵁ شعرات من شعر رسول الله ﷺ وبعض أظافره، فأمر أن تجعل داخل عينيه في حنوطه يتقي النار بها، ولا يقصد اتقاء النار الأخروية بذلك، إنما يقصد اتقاءها بمحبته لرسول الله ﷺ ، فهي التي تتقى بها النار، وبركة النبي ﷺ يتقى بها الضرر الدنيوي والبرزخي ونحو ذلك. وكذلك كان لـ خالد بن الوليد شعرات من شعر النبي ﷺ فكان يجعلها في مغفره؛ يتقي بها السيوف.

стр. 1174

التبرك بآثار يده ﷺ وثيابه وكذلك فإن عائشة ﵂ كان لها جراب قد أدخل فيه رسول الله ﷺ يده، فأنفقت منه فترة طويلة حتى كان في خلافة عمر، فكالته لتعرف كم فيه، فزالت عنه تلك البركة. وكان لـ أبي هريرة جراب -أي: كنيف صغير- أدخل فيه رسول الله ﷺ يده فكان فيه شعير، فكان ينفق منه ويأكل، وإذا نال تمراً أو شعيراً جعله فيه، فأخذ يوم قتل عثمان، فرثاه بقوله: للناس همٌّ ولي في اليوم همان فقد الكنيف وفقد الشيخ عثمان وكذلك فإن علي بن أبي طالب ﵁ كان يتمسك بما آتاه رسول الله ﷺ ولا يفرط فيه، فقد أملى عليه ورقة كتبها فجعلها في قراب سيفه، وقد أهدى إليه رسول الله ﷺ السيف المشهور بذي الفقار، فبقي عنده وعند ذريته حتى وصل إلى خلفاء بني العباس فاشتروه، وهو الآن موجود في خزائن الخلافة العثمانية. وكان الخلفاء قديماً يتداولون خرقة من ثوب رسول الله ﷺ قد بقيت، واختلف في تاريخها لأنها لم يتداولها الخلفاء الراشدون وإنما أخرجها معاوية للناس، فاختلف الناس، فقيل: إنها كانت لـ أبي الجهم فأهداها إلى معاوية، ولا شك أن أبا الجهم أهدى إليه رسول الله ﷺ الثوب الذي صلى فيه فشغله علمه في الصلاة، فإن كانت من هذا الثوب فقد أهداها أبو الجهم لـ معاوية. وقيل: إنما كانت من بردة كساها رسول الله ﷺ كعب بن زهير فاشتراها معاوية من أولاده، فكانت عند معاوية، ثم تداولها الخلفاء بعده، واستمرت لديهم زماناً طويلاً، ولم يبق منها إلا خرقة قليلة وصلت إلى خلفاء بني عثمان (العثمانيين). ويزعم الناس أنها ما زال منها قطعة إلى الآن، والله أعلم. وكذلك فإن عائشة ﵂ كان لها جراب قد أدخل فيه رسول الله ﷺ يده، فأنفقت منه فترة طويلة حتى كان في خلافة عمر، فكالته لتعرف كم فيه، فزالت عنه تلك البركة. وكان لـ أبي هريرة جراب -أي: كنيف صغير، أدخل فيه رسول الله ﷺ يده- فكان فيه شعير، فكان ينفق منه ويأكل، وإذا نال تمراً أو شعيراً جعله فيه، فأخذ يوم قتل عثمان، فرثاه بقوله: للناس همٌّ ولي في اليوم همان فقد الكنيف وفقد الشيخ عثمان وكذلك فإن علي بن أبي طالب ﵁ كان يتمسك بما آتاه رسول الله ﷺ ولا يفرط فيه، فقد أملى عليه ورقة كتبها فجعلها في قراب سيفه، وقد أهدى إليه رسول الله ﷺ السيف المشهور بذي الفقار، فبقي عنده وعند ذريته حتى وصل إلى خلفاء بني العباس فاشتروه، وهو الآن موجود في خزائن الخلافة العثمانية إلى الآن. وكان الخلفاء قديماً يتداولون خرقة من ثوب رسول الله ﷺ قد بقيت، واختلف في تاريخها لأنها لم يتداولها الخلفاء الراشدون وإنما أخرجها معاوية للناس، فاختلف الناس، فقيل: إنها كانت لـ أبي الجهم فأهداها إلى معاوية، ولا شك أن أبا الجهم أهدى إليه رسول الله ﷺ الثوب الذي صلى فيه فشغله علمه في الصلاة، فإن كانت من هذا الثوب فقد أهداها أبو الجهم لـ معاوية. وقيل: إنما كانت من بردة كساها رسول الله ﷺ كعب بن زهير فاشتراها معاوية من أولاده، فكانت عند معاوية، ثم تداولها الخلفاء بعده، واستمرت لديهم زماناً طويلاً، ولم يبق منها إلا خرقة قليلة وصلت إلى خلفاء بني عثمان (العثمانيين). ويزعم الناس أنها ما زال منها قطعة إلى الآن، والله أعلم. وكذلك فإن عائشة ﵂ كان لها جراب قد أدخل فيه رسول الله ﷺ يده، فأنفقت منه فترة طويلة حتى كان في خلافة عمر، فكالته لتعرف كم فيه، فزالت عنه تلك البركة. وكان لـ أبي هريرة جراب -أي: كنيف صغير، أدخل فيه رسول الله ﷺ يده- فكان فيه شعير، فكان ينفق منه ويأكل، وإذا نال تمراً أو شعيراً جعله فيه، فأخذ يوم قتل عثمان، فرثاه بقوله: للناس همٌّ ولي في اليوم همان فقد الكنيف وفقد الشيخ عثمان وكذلك فإن علي بن أبي طالب ﵁ كان يتمسك بما آتاه رسول الله ﷺ ولا يفرط فيه، فقد أملى عليه ورقة كتبها فجعلها في قراب سيفه، وقد أهدى إليه رسول الله ﷺ السيف المشهور بذي الفقار، فبقي عنده وعند ذريته حتى وصل إلى خلفاء بني العباس فاشتروه، وهو الآن موجود في خزائن الخلافة العثمانية إلى الآن. وكان الخلفاء قديماً يتداولون خرقة من ثوب رسول الله ﷺ قد بقيت، واختلف في تاريخها لأنها لم يتداولها الخلفاء الراشدون وإنما أخرجها معاوية للناس، فاختلف الناس، فقيل: إنها كانت لـ أبي الجهم فأهداها إلى معاوية، ولا شك أن أبا الجهم أهدى إليه رسول الله ﷺ الثوب الذي صلى فيه فشغله علمه في الصلاة، فإن كانت من هذا الثوب فقد أهداها أبو الجهم لـ معاوية. وقيل: إنما كانت من بردة كساها رسول الله ﷺ كعب بن زهير فاشتراها معاوية من أولاده، فكانت عند معاوية، ثم تداولها الخلفاء بعده، واستمرت لديهم زماناً طويلاً، ولم يبق منها إلا خرقة قليلة وصلت إلى خلفاء بني عثمان (العثمانيين). ويزعم الناس أنها ما زال منها قطعة إلى الآن، والله أعلم.

стр. 1175

التبرك بماء المطر وبالكعبة هذا التبرك بشخص النبي ﷺ لا غبار عليه ولا إشكال فيه، ولا يختلف فيه اثنان من هذه الأمة، ومثله التبرك بماء المطر المنزل من السماء، فقد كان رسول الله ﷺ يكشف له عن كتفيه ورأسه، ففيه بركة لقول الله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا﴾ [ق:٩]. وهذه البركة يمكن أن تكون شفاء من بعض الأمراض، ويمكن أن تكون أيضاً نافعة للأمراض الجلدية كما يذكر بعض المجربين لذلك، وزعم بعض أهل العلم أنها نافعة للشيب أيضاً، فكانوا يتعرضون برءوسهم للمطر للبركة التي فيه؛ لأن الله وصفه بالبركة. وكذلك البيت الحرام، فإن الله يقول فيه: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران:٩٦]، ففيه بركة لا يمكن أن تنكر لإثبات الله لها في كتابه، وهذه البركة في الحجر دون خلاف؛ ولذلك قبَّله رسول الله ﷺ واستلمه، وفي الركن اليماني دون خلاف؛ لأن رسول الله ﷺ كان يمسحه بيده. واختلف في بقية الأركان هل تمسح أم لا؟ فذهب بعض الصحابة إلى أنها لا تمسح؛ لأن رسول الله ﷺ لم يمسحها، وذهب آخرون إلى أنه ليس شيء من الكعبة مهجوراً، فتمسح جميعاً، وحين بنى ابن الزبير الكعبة على قواعد إبراهيم اتفق هو وعدد من الصحابة على مسح الأركان الأربعة؛ لأنهم فهموا أن رسول الله ﷺ إنما ترك مسح الركنين الشاميين لأنهما ليسا على قواعد إبراهيم، فهما في داخل الكعبة. واليوم قد أعيدا إلى ما كانا عليه فهما في داخل الكعبة، ومع ذلك فالبيت مبارك في جميع أجزائه، ولا حرج في التبرك به من غير غلو، مع اعتقاد أنه لا ينفع ولا يضر لذاته كما قال عمر بن الخطاب في الحجر الأسود.

стр. 1176

حكم التبرك بغير ما ورد النص فيه أما سوى ما ذكر فإن البركة قد توجد، لكن لا يقطع بوجودها إلا بما جاء الوحي بأنها فيه، فالله ذكر بركة الماء المنزل من السماء، وذكر بركة البيت الحرام، وعرفنا بركة رسول الله ﷺ ، لكن ما سوى رسول الله ﷺ من الأشخاص لم يرد فيهم النص؛ فلذلك لم يتبرك بهم، وهذا في الأعم الأغلب. ولا ينكر أنه حصل في بعض الحكايات لبعض الصحابة بعض التبرك، لكنه لم يشتهر ولم ينتشر بينهم مثل انتشار تبركهم برسول الله ﷺ ، وبالأخص بأهل بيته، فقد أخرج مسلم في الصحيح من حديث جعفر بن محمد عن أبيه أنه دخل على جابر بن عبد الله، وكان شيخاً كبيراً قد عمي، فعرفه بنفسه فقال: يا ابن أخي! ادنُ مني. فأدناه، فحل زره الأعلى، ثم حل زره الأسفل، ثم وضع يده بين ثدييه. وما فعل هذا جابر بحفيد رسول الله ﷺ إلا تبركاً به، ولأنه يقصد بذلك إدناءه ومحبته لحبه لرسول الله ﷺ ولآل بيته، وليس في ذلك غلو ولا اعتقاد أنه ينفعه أو يضره، بل جابر أفضل من محمد بن علي بن الحسين ﵃ أجمعين. ومن فقه الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه أنه حين ذكر في (كتاب التوحيد)، التبرك المذموم، ذكر التبرك بالأشجار والأحجار ولم يذكر التبرك بالأشخاص؛ لأنه يفصل فيه، فلم يذكره أصلاً، وإنما ذكره الشُّرَّاح وبالغوا فيه لكن الشيخ ما ذكره. أما التبرك بالأحجار والأشجار والقبور ونحو ذلك، فهذا التماس للبركة في غير ما هي فيه، ومن ذلك قبور الصالحين والشهداء والصحابة، حتى الأنبياء فإن أجسادهم مستورة، والتربة التي يتبرك بها الناس ليست بأجسادهم المباركة، ولم تتحلل أجسادهم إلى التراب أصلاً؛ لأن الله حرَّم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء، فلذلك لا يتبرك بشيء من ذلك.

стр. 1177

وقوع البركة في شيء لا تقتضي تعالجاً به وأما قوله ﷺ في حديث ثابت بن قيس بن شماس: (تربة أرضنا، بريقة بعضنا، شفاء سقيمنا، بإذن ربنا)، فلا يقصد به التبرك بأصل التربة، ولهذا ذكر العلماء أن هذا الحديث من أحاديث الطب النبوي، فإن كل قوم يكون علاج ما ينبت بأجسادهم من الأمراض الجلدية موجوداً في تربتهم التي تربو عليها، والبيئة التي عاشوا فيها، فيمكن أن يكون من هذا الباب. ولو قصد به تربة بعينها فيها بركة لكان هذا معروفاً بالوحي فقط، ولا يقاس عليه غيره. وقد تأتي البركة في الأمر فلا تقتضي تعالجاً به ولا انتفاعاً به، وإنما تقتضي كثرة خيره ونمائه، مثل البركة في أرض الشام، حيث قال الله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ [الإسراء:١]، فالمقصود بالبركة حوله: كثرة الثمار والزروع ونحو ذلك، ولا يقصد بها أن تلتمس البركات في أرض الشام بالتعالج بها ونحو ذلك.

стр. 1178

حكم التبرك بالقبور مساً أو مسحاً قوله: (ولا تمسوا قبراً): جاء النهي عن الجلوس والمشي عليها؛ وذلك لأنه إزراء بأصحابها وازدراء لهم، وهي حبس عليهم، وقد نهى رسول الله ﷺ عن الجلوس على القبور فاختلف العلماء في معناه، فقيل: المقصود النهي عن الجلوس عليها للحاجة، أي جلسة قضاء الحاجة فقط، وأما مجرد الجلوس عليها فليس النهي وارداً فيه، ولكن عموماً التربة التي دفن فيها الإنسان هي وقف عليه، فلا ينبغي الجلوس عليها، ولا المرور من فوقها أي: المشي عليها. وكذلك الصلاة عليها، والصلاة إليها، فكل ذلك منهي عنه، والنهي عن الصلاة بالخصوص لأمور متعددة: الأمر الأول: سد ذريعة الشرك؛ لأن أهل الجاهلية كانوا إذا مات فيهم الرجل الصالح اتخذوا قبره وثناً، وقد رد رسول الله ﷺ ذلك، وسأل ربه ألا يتخذ الناس قبره وثناً. وكذلك أن المقابر فيها تحللات لأجزاء الموتى، وجثث الموتى فيها خلاف: هل هي طاهرة أو نجسة، حتى المسلمون منهم. فقد ذهب بعض أهل العلم إلى أن الميت نجس مطلقاً سواء كان مسلماً أو غير مسلم، ورأوا أن الحياة علة للطهارة، فالشاة ما دامت حية فهي طاهرة، وإذا ماتت فإنها تنجس. ورأى آخرون أن أجزاء الكفار نجس، وأن الأجزاء الداخلية من المسلمين نجس لمباشرتها للأنجاس كالدم والعذرة ونحو ذلك، وأن الأجزاء الظاهرة من أموات المسلمين طاهرة، ولذلك تغسل، ولو كانت نجسة لما غسلت؛ لأن النجس لا يتطهر، والذين يرون أنها نجس يقولون: الغسل تعبُّدٌ لا تطهير. والخلاف فيها مذهبي بين المذاهب لا يمكن أن نحسم نحن فيه، ولكن أقرب ذلك أن يقال: المؤمن طاهر كما قال رسول الله ﷺ لـ أبي هريرة (المؤمن لا ينجس)، ومع ذلك فهذا الحديث يمكن أن يحمل على النجاسة الحسية والنجاسة المعنوية، مثلما جاء ذلك في قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة:٢٨] فقد اختلف فيه: هل النجاسة حسية أو معنوية. قوله: (أو تمسَّحوا) كذلك التمسح، وهو أشد من مجرد المس، فالتمسح على القبور لالتماس بركة أصحابها أشد من مجرد مسها، و (تمسحوا) حذفت منها التاء الثانية، فهي بحذف إحدى التاءين، وأصلها: أو تتمسحوا، وهذا كثير في اللغة والقرآن والسنة.

стр. 1179

حكم الطواف حول القبور قوله: (ولا تطوفوا حوله أو تذبحوا): كذلك الطواف حول القبور يعتبر من الغلو فيها، والمقصود بالطواف حولها: ما كان طقساً يشبه عبادة، كأن يطوف الإنسان بها بقصد أمر يطلبه، أو لدعاء صاحب القبر أو نحو ذلك. وأما التطواف عليها بمعنى المرور حولها للاتعاظ بها، وتذكر أن هذا الذي قد مات، وسفا عليه السافي، وأقصاه أهله، وانقطعت أخباره؛ قد كان يوماً من الأيام يحب الناسُ قربه ويتقربون إليه، وهو الآن قدم إلى ما قدم، وأصبح جدثاً تسفي عليه السوافي لا يسأله أحد شيئاً، ولا يسأل عن خبر، ولا يصل خبر عنه؛ فغير مراد هنا. والتطواف بالقبور لقصد عبادة أهلها شرك أكبر مخرج من الملة، وكذلك تشريع الطواف بها، كمن شرع ذلك أو اعتقده فجعله مثل الطواف بالكعبة. وأما اتخاذ ذلك عادة لغير عبادة ولا تشريع فهو محرم، ولكنه لا يصل إلى درجة الشرك، وأما المرور عليها للموعظة فهو من فضائل الأعمال الجائزة، ولكن لا ينبغي للإنسان أن يدور حولها؛ سداً لذريعة التشبه بالطواف.

стр. 1180

حكم الذبح للقبر قوله: (أو تذبحوا): كذلك لا تذبحوا على القبور أو حولها، فالذبح عليها أو حولها من أعمال الجاهلية، فقد كانوا يذبحون وينحرون على القبور وينضحونها بالدماء، ويظنون أن تلك الدماء هي حظ الأموات من الذبائح، فيظنون أن الدم يصل إليهم في قبورهم، وقد كان أهل الجاهلية يبالغون في هذا، فينحرون ويتركون ما نحروه عند القبر لا يتعرضون له، وقد ذكرنا قول زياد بن الأعجم: إن السماحة والمروءة ضمنا قبراً بمرو على الطريق الواضح فإذا مررت بقبره فانحر به كوم الهجان وكل طرف سابح وانضح جوانب قبره بدمائها فلقد يكون أخا دم وذبائح فهذا على عادة الجاهلية وعملهم، والذبح لغير الله ملعون من فعله على لسان رسول الله ﷺ ، كما في بطاقة علي بن أبي طالب التي أخرجها من قراب سيفه، ورواها عنه وهب بن عبد الله السوائي ﵁؛ فإن فيها لعن من ذبح لغير الله. واختلف في المذبوح لغير الله وبالأخص عند القبور ونحوها، فقال جمهور العلماء: هو جيفة ميتة لا يحل أكله؛ لأن فيه إهلالاً لغير الله؛ والله تعالى حرم ما أهل به لغيره: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [المائدة:٣]. وعن أحمد فيه روايتان، إحداهما بإجازته (بإباحته)، والأخرى بتحريمه. والقول بإجازته لا يقصد به إطلاق ذلك، وإنما يقصد أن من عادة الناس أن يذبحوا ذلك فيفعلونه تقليداً لا شركاً، فمن فعل ذلك تقليداً وذكر اسم الله عليه فلا تكون ذبيحته محرمة ولا يكون مما أهل به لغير الله. ومثل هذا التقرب إلى القبور والمشاهد بالأموال غير الذبائح، كوضع النقود عندها أو وضع الملابس أو نحو ذلك، فهذا مثل الذبح سواء بسواء، فيكون صاحبه ملعوناً، وهو من عمل الجاهلية، نسأل الله السلامة والعافية.

стр. 1181

دراسة علم العقائد من أعظم المتون في مذهب مالك ﵀ مختصر خليل بن إسحاق، وقد نظمه أحد العلماء نظماً بديعاً جعل أوله في علم العقائد السلفية مما رجع إليه الإمام الأشعري ﵀، وبين يديك شرح مقدمة النظم.

стр. 1182

فضل علم التوحيد بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، ثم أما بعد: فقد سبق أن قلنا: إن علم التوحيد هو من أفضل العلوم ولم نقل هو أفضل العلوم، مع أن كثيراً من الذين ألفوا فيه يقولون: هو أفضل العلوم كما قال المقري: وأفضل العلوم بالإطلاق علم به معرفة الخلاق لكن يجاب عن هذا: بأن هذا العلم ليس وحده هو الذي به معرفة الخلاق، بل علم التفسير كذلك، وعلم القراءات كذلك، وعلم الحديث كذلك، فمعرفة الخلاق لا تكون إلا بهذه العلوم مجتمعة، كما ذكرنا سابقاً في قضية القرآن وتناوله لكل هذه العلوم، فلذلك لا نجزم بأنه أفضل العلوم على الإطلاق؛ لأن هذه العلوم تكليفياً في مرتبة واحدة، ما يجب منها عيناً يجب في الجميع وما يجب كفاية يجب في الجميع، ويصعب علينا أن نضع مسطرة لها بحسب التفاوت في الفضل، بل نقول: هو من أفضل العلوم، ويكفينا هذا، حتى لا نجازف ونقول على الله بغير علم، فمعرفة الله ليست فقط بهذا العلم، بل تدخل في التفسير، وفي القراءات، وفي الحديث، وفي شرح الحديث، وفي كثير من العلوم الأخرى التي سنذكرها.

стр. 1183

نشأة علم التوحيد وتطوره

стр. 1184

علم التوحيد في عصر الصحابة بالنسبة لتاريخ هذا العلم ونشأته وتطوره، أقول: إن الصحابة رضوان الله عليهم جاءهم هذا الوحي الذي جاء به رسول الله ﷺ في الكتاب والسنة، فأخذوا ذلك بتربيتهم؛ لأن المقصود بالعلم -كما ذكرنا- هو التوصيل إلى حصول الإيمان وخشية الله، وهم حصلوا على ذلك بتربية الرسول ﷺ لهم. فكثير منهم لم يكن من العلماء الكبار، ولم يستوعب كثيراً من المسائل العلمية، لكن مقصود العلم حصل لهم، وهو تحصيل خشية الله: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر:٢٨]، وقد حصل أقل الصحابة مستوى في العلم على مستوىً من الخشية أكبر من مستوى من وراءهم من العلماء بتربية الرسول ﷺ له. فإذاً حصلوا على فائدة العلم، وتجاوزوا كثيراً من المراحل، وقطعوا كثيراً من المسافات في فترة وجيزة، فقد مكث عتاب بن أسيد مع رسول الله ﷺ أربعة عشر يوماً فقط، وهو في الرابعة عشرة من عمره. كم مكث معه ابن عباس؟ كم مكث معه أسامة بن زيد؟ كم مكثت معه عائشة؟ سنوات محصورة يقطعون فيها مراحل عجيبة لا تقطع إلا في الأعمار الطويلة جداً. مالك بن الحويرث كم مكث معه هو وأصحابه؟ فترة وجيزة جداً قطعوا خلالها مراحل عجيبة.

стр. 1185

استغناء الصحابة عن تعلم التوحيد رواية ودراية برؤية النبي وسماعه وهذا من معجزاته ﷺ ، يقول أحد العلماء في معجزاته: نور به عن تهج صحبه غني وغير أصحابه مما وحى وهجا (نور به عن تهج صحبه غني): أصحابه استغنوا عن التهجي والقراءة والكتابة، (وغير أصحابه مما وحى وهجا) أي: مما كتب وقرأ، فنحن اشتغلنا بالقراءة والكتابة لأننا محتاجون إلى ذلك، ولكن النور الذي كان فيه هو أغناهم عن هذا. ومن هنا فإن أتباع الصحابة أيضاً لم تكن حاجتهم إلى تفصيل هذه العلوم مثل حاجة أتباع التابعين، وبدأت الحاجة من عصر أتباع التابعين، فهو وليد الحاجة، ولا يقال: إن هذا العلم لم يكن موجوداً في عصر الصحابة ولم يهتموا به، بل كان موجوداً، لكن كان في ثنايا القرآن وفي ثنايا السنة مثل غيره من العلوم الأخرى، كذلك الفقه وكذلك الأصول وكذلك الحديث دراية وكذلك التفسير، كلها كانت مجتمعة مع الكتاب والسنة، وقد بينا من قبل أن الوحي يبحث فيه من جهتين: جهة الورود وجهة الدلالة. وكل العلوم الشرعية راجعة إلى هذين البحثين: بحث الوحي من جهة الرواية وبحث الوحي من جهة الدراية، فالصحابة رضوان الله عليهم لم يحتاجوا إلى البحث في الجهتين معاً. أما جهة الرواية فلسماعهم من الرسول المعصوم ﷺ : ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:٣ - ٤]، فهو الصادق المصدوق، ولسماع بعضهم من بعض وهم جميعاً عدول؛ لأن الله تعالى عدلهم في كتابه فقال: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ لا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة:٩٦]، وقال: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة:١٠٠]، وقال: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح:١٨]، فأثبت لهم الرضا، وإذا ثبت لهم الرضا انتفى عنهم الفسق؛ لأنه لا يرضى عن القوم الفاسقين. وإذا انتفى عنهم الفسق ثبت لهم ضده وهو العدالة؛ لأن المحل القابل للصفة لا يخلو منها أو من ضدها، فإما أن يكونوا عدولاً وإما أن يكونوا فساقاً، ولا يمكن أن يثبت لهم العدالة والفسق في وقت واحد، ولا يمكن أن يرتفعا عنهم في وقت واحد، إذا ارتفع عنهم الفسق وجبت لهم العدالة، فلما ثبت لهم الرضا، الذي لا يكون عن القوم الفاسقين ثبتت كذلك لهم العدالة، فإذاً هم عدول، فهذا المجال مجال الرواية. أما مجال الدراية فلم يحتاجوا إلى البحث فيه كثيراً؛ لأن نور رسول الله ﷺ وتربيته، وإزالة الشبهة وطرد الشيطان بمجرد وجوده كافٍ لتجاوزهم كل العقبات، فقد يشك الإنسان كثيراً من الشكوك، وتأتيه كثير من الوساوس والأوهام، وبمجرد أن يرى الرسول ﷺ يذهب عنه الشيطان فيزول عنه كل ذلك. فنحن اليوم مشكلتنا هذا الصراع الشديد المستعصي مع الشيطان، فيأتينا بالشبهات ويأتينا بالشهوات ونغرق في هذه الأمور، لكن هم بطرد الرسول ﷺ للشيطان تنتفي عنهم هذه الأمور كلها وتزول، بعلاجه بكلمة واحدة أو بنظرة واحدة. كذلك فإنهم عاشوا في البيئة التي نزل فيها الوحي، فحضروا نزول الآيات، وحضروا ورود الأحاديث، وفهموا لغة العرب على وجه السليقة، لأنها كانت لغتهم، ولم تختلط الحضارات بعد، ولم تتغير الدلالات، فلم يحتاجوا إلى البحث في مجال الدراية.

стр. 1186

علم التوحيد في عصور التابعين ومن بعدهم جاء بعدهم أتباعهم وهم التابعون فلم يحتاجوا كذلك حاجة ماسة إلى البحث في الجهتين: أما جهة الرواية فلسماعهم من الصحابة المعدلين بتعديل الله، وأما جهة الدراية؛ فلأن الأوضاع لم تختلف ولم تتغير كذلك، فاللغة لم تتغير دلالات مفرداتها، وأوضاع الناس لم تختلف، والحضارات لم تختلف، وبقي فقط نقص هذه الأمة بتربية الرسول ﷺ ، لكن أفضل جيل يمكن أن يوجد بعده هم الجيل الذين رباهم، فاستفادوا من هذا الجيل، وحتى ارتسم ذلك فيهم وتشكل، كما ذكرنا أن ابن مسعود رباه رسول الله ﷺ فكان يحكي هديه ودله، وربى ابن مسعود علقمة فكان يحكي هديه ودله، وربى علقمة إبراهيم النخعي فكان يحكي هديه ودله، وربى إبراهيم منصور بن المعتمر فكان يحكي هديه ودله، وربى منصور سفيان الثوري فكان يحكي هديه ودله، وربى سفيان وكيعاً فكان يحكي هديه ودله، وربى وكيع أحمد بن حنبل فكان يحكي هديه ودله، وربى أحمد بن حنبل أبا داود فكان يحكي هديه ودله، كل واحد ينقل صورة مما رأى فيكون مثالاً للآخر تماماً. ويقول الشيخ محمد سالم حفظه الله في ذلك: ربى ابن مسعود مقيم الملة فكان يحكي هديه ودله وكان علقمة لابن أم عبد كهذا للنبي الأمي وكان إبراهيم يحكي علقمة واه له من نسب ما أكرمه وكان منصور لإبراهيم كذاك يحكي هديه القويم وكان سفيان بلا قصور مشبهاً بشيخه منصور وهكذا أيضاً وكيع كان مشبهاً بشيخه سفيان وكان أحمد لدى الجميع مشبهاً بشيخه وكيع كذا أبو داود عند مشبه بأحمد بن حنبل فهذه التربية الموروثة التي تتسلسل، فيكون الإنسان إذا أدركته كأنما رأيت صحابياً بالتسلسل، لذلك يقول أحد العلماء عندنا في مرثية الشيخ ﵀: يمثل من هدي الصحابة صورة ويا حبذا هدي الصحابة مغنما كما تعكس المرآة وجهاً أمامها ويحكي الصدى الصوت الفخيم المرخما إذاً الحاجة إنما جاءت في عصر أتباع التابعين، فاحتاجوا إلى البحث في الجهتين معاً، جهة الرواية وجهة الدراية، ومن هنا بدأ نخل العلوم وتفصيلها على ما ذكرنا.

стр. 1187

تسمية علم العقيدة بالنسبة لهذه الأسماء التي ذكرناها لهذا العلم كلها اصطلاحات ولا مشاحة في الاصطلاح، والمهم من الاسم ما يميز المسمى ويعرف به، سواءً كانت تسمية له باسم يدل عليه أو تسمية له باسم لا معنى له؛ لأن الأعلام مسلوبة الدلالة، فلذلك لا اعتراض عليها في الجملة، وبما أنه لم يرد له اسم في الوحي، فإننا نبحث عن الأكمل في التسمية فقط. أما تسميته بالإيمان فلم يرد أن أحداً سماه بالإيمان، والذين ألفوا كتباً في الإيمان إنما ذكروا فيها الأعمال الداخلة في مسمى الإيمان الذي هو الدين، ولم يخصصوا ذلك بهذا العلم.

стр. 1188

الاستدلال بخبر الآحاد في علم العقيدة بالنسبة للاستدلال بخبر الآحاد في هذا العلم: فقد ذكرنا أن مستمده من الكتاب والسنة مطلقاً، والكتاب ليس فيه أخبار آحاد إلا شواذ الآيات، ولا يعرف في الشاذ من القراءات في القرآن ما يفيد بعض صفات الله، أو ما يفيد شيئاً من تفصيلات هذا العلم، إنما فيها ما يفيد في مجال الأحكام. وأما في الحديث فإن الراجح أن أخبار الآحاد إذا صحت يستدل بها في هذا العلم، لكن لا يستدل بها في القطعيات إلا إذا وصلت إلى درجة القطع، وقد ذكرنا أن هذا العلم منه قطعيات ومنه ظنيات، فإذا كانت أخبار الآحاد ظنية فإنها يستدل بها في ظنيات هذا العلم، وما كان قطعياً منها مثل ما احتف بالقرائن فإنه يستدل به في القطعيات، فأخبار الآحاد الراجح أنها إذا احتفت بالقرائن أفادت العلم القطعي، هذا الذي نص عليه أحمد بن حنبل وذكره من دونه. وبعض المحدثين يرى أن أخبار الآحاد إذا صحت صناعة أفادت العلم القطعي، وهذا يقوله كثير من المحدثين لكن لا معنى له، حتى إن العراقي ﵀ ذكر الرد على هذا في ألفيته في الحديث حيث قال: وبالصحيح والضعيف قصدوا في ظاهر لا القطع والمعتمد إمساكنا عن حكمنا على سند بأنه أصح مطلقاً وقد خاض به قوم إلى آخر ما قال. كذلك من المتكلمين من رأى أن أخبار الآحاد لا تفيد القطع مطلقاً، وعلى هذا رد الاستدلال بها في القطعيات مطلقاً، لكن هذا القول فيه شطط وغلو، ولهذا فإن معنى القطع: القناعة التي تجدها أنت في نفسك، ولاشك أن أهل السنة إذا بلغهم الحديث من طريق مالك عن نافع عن ابن عمر وصلوا إلى قناعة عقلية به، وهذه القناعة هي المطلوبة. فلذلك ما اختف بالقرائن يقتضي القطع، فإذا كان الحديث متفقاً عليه أخرجه البخاري في الصحيح ومسلم في الصحيح، فأهل السنة الذين ليسوا غالين فيها ولا جافين عنها فيكفيهم هذا، بحيث يصلون إلى قناعة عقلية بأن هذا صحيح، وهذا هو المطلوب وإن كانت القناعة متفاوتة. ونحن نعرف أن أهل الغلو يمكن أن يقولوا: هذا الحديث أخرجه البخاري في الصحيح لكنه غير صحيح، أو أخرجه مسلم في الصحيح لكنه غير صحيح، لكن هذا غلو في السنة. عامة المسلمين وعامة أهل السنة إذا كان الشيء في الصحيحين، وجدوا أنفسهم مسلمين به، وكذلك في الإسناد، مثلما قال العراقي: (وبالصحيح والضعيف قصدوا في ظاهر) فظاهره الصحة، أو ظاهره الضعف؟ لا القطع والمعتمد. إمساكنا عن حكمنا على سند بأنه أصح مطلقاً وقد خاض به قوم فقيل مالك عن نافع بما رواه الناسك مولاه واختر حيث عنه يسند الشافعي قلت وعنه أحمد

стр. 1189

شرح البسملة الواردة في أول المنظومة بسم الله الرحمن الرحيم. يقول الشيخ حفظه الله: [بالبدء باسم الله في التقديم والوصف بالرحمن والرحيم] ابتدأ البسملة فذكرها كاملة في هذا البيت، وذكر متعلق الباء في باسم الله وهو (البدء) ومعناه: أبتدئ بسم الله الرحمن الرحيم، ومتعلق الباء محذوف أصلاً؛ لأن بسم الله الرحمن الرحيم جار ومجرور، والجار والمجرور لا يمثل جملة وإنما يتعلق بشيء محذوف، وهذا المحذوف إما أن يكون اسماً وإما أن يكون فعلاً، فيمكن أن تقول: ابتدائي بسم الله الرحمن الرحيم، فتكون الجملة اسمية، ويمكن أن تقول: أبتدئ بسم الله الرحمن الرحيم فتكون الجملة فعلية، والفرق بينهما فرق بلاغي؛ لأن الجملة الاسمية تفيد الدوام والاستمرار، والجملة الفعلية تفيد التجدد والحدوث، ومقام الإنسان هو الذي يحدد ذلك. (بالبدء باسم الله في التقديم) معناه: في بداية هذا النظم وفي مقدمته، (والوصف بالرحمن والرحيم) معناه: الوصف لاسم الله بالرحمن والرحيم، وهذا تمام البسملة. و (قال) هي التي نصب بها قوله: بالبدء؛ لأن (بالبدء) هو محكي قوله، قال: (بالبدء باسم الله) أي: قال بادئاً باسم الله.

стр. 1190

نسب مؤلف المنظومة [قال محمد بسالم شفع نجل محمد بعال قد تبع الهاشمي والمنتمي بالأس إلى المبارك الذي للخمس] (محمد بسالم شفع) هذا اسمه هو، وهو اسم مركب، فاسمه الحقيقي محمد وشفع بسالم معناه: أضيف إليه سالم وركب معه، (شفع) معناه: أضيف إليه ذلك فكان به شفعاً بعد أن كان وتراً. (نجل) معناه: ابن، (محمد بعال قد تبع) اسم أبيه أيضاً مركب وهو محمد عال، هكذا ينطق: عال! ولكن أصل التسمية: محمد علي، فـ (عال) وصف من علا يعلو فهو عال، وهذا الشيخ اسمه محمد عال، هكذا ينطقه العوام، فهو نطقه كما يعرف به ويشتهر، وهذا اللفظ صحيح في العربية، فالعالي معناه: المرتفع، وهو من الأسماء المنقوصة حذفت منها الياء إلى عالٍ بالتنوين مثل قاضٍ وداعٍ. (قد تبع) أي: بذلك. الهاشمي: هذا نسبه، وهو إلى بني هاشم، وهو من ذرية الحسين بن علي بن أبي طالب. (والمنتمي بالأس إلى المبارك). المنتمي معناها: المنتسب، بالأس معناها: بالنسب والأصل إلى المبارك وهو جده الأعلى وهو أبو قبيلته واسمه المبارك، قال: [ثم إلى يعقوب منها ينتمي بالله ربي أعتزي وأحتمي] (الذي للخمس ثم إلى يعقوب منها ينتمي) (الذي ينتمي) معناه: ينتسب بالحلف والمعاشرة والخئولة (للخمس) أي: إلى القبائل الخمس، وهي خمس قبائل كونت تحالفاً على نصرة دين الله، وحاولت إقامة دولة إسلامية ولكنها فشلت بعد حرب طويلة الأمد، فاشتهرت تلك الحرب التي أريد بها إقامة دين الله وإقامة دولة الإسلام وإقامة الجهاد في سبيل الله، وحاربها البرتغاليون والأسبانيون والفرنسيون، وأدى ذلك إلى اسقاط هذه الدولة بعد اثني عشر أميراً مبايعاً فيها، واشتهرت هذه القبائل باسم الخمس، وإحدى هذه القبائل هي بنو يعقوب، وهم من ذرية جعفر بن أبي طالب. (إلى يعقوب منها ينتمي) معناه: ينتسب. (بالله ربي أعتزي وأحتمي) يقول: إن هذا الانتساب لمجرد التعريف وليس للاعتزاء بعزاء الجاهلية، فقد قال رسول الله ﷺ : (من تعزى عليكم بعزاء الجاهلية فأعضوه بهن أبيه ولا تكنوا). فليس للفخر بالنسب ولا لعبية الجاهلية وإنما هو لمجرد التعريف، ولذلك قال: (بالله ربي أعتزي وأحتمي) أي: فلا أتعزز ولا أحتمي إلا بالله وحده، فلا عبرة بنسب ولا حسب إنما المعيار هو تقوى الله : ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٣].

стр. 1191

شرح الحمدلة قال: [أحمده جل كما ابتداني بنعم ما لي بها يدان] أثنى على الله وحمده وبين أن هذا الحمد ينقسم إلى قسمين: حمد لكونه يستحق الحمد وهذا قوله: أحمده جل، وحمد ثان في مقابل نعمته. والحمد كله ينقسم إلى هذين القسمين: حمد مستحق لأن الله يستحق الحمد في ذاته، وحمد في جزاء نعمته؛ ففي مقابل النعمة يستحق حمداً آخر، فلذلك قال: (كما ابتداني)، معناه: قبل أن أسأله وقبل أن أدعوه أنعم علي بنعم (ما لي بها يدان) معناه: لا أستطيع أن أصل إليها بعملي ولا بغيره، فالنعم لا يمكن أن يقابلها الإنسان بشكر ولا بعمل؛ لأن شكره وعمله نعمة أخرى، فلذلك لا يمكن أن يقابل الإنسان نعمة الله تعالى بأي شيء، فكلمة واحدة من ذكر الله نعمة عظيمة لا يزنها شيء وهكذا. (كما ابتداني) معناه: ابتدأه بالنعم قبل أن يسأله، فالله يعطي قبل المسألة ويعطي إذا سئل، فما أعطاه قبل المسألة ابتدأ الإنسان به من معروفه، وهذا اللفظ قاله ابن أبي زيد في مقدمة الرسالة فقال: (وابتدأهم بنعمته) والشيخ أراد بذلك أن يجعل الإنسان الذي يدرس كتاباً من كتب العلم يرتبط ذهنه بالكتب الأخرى، كل كتاب يجد منه كلمة أو مصطلحاً فيتذكر ذلك. (ما لي بها يدان) أي: ليس لي بها طاقة، ويقال: ما لفلان يدان بكذا وما له يد بكذا معناه: ليس له قدرة عليه.

стр. 1192

معنى الصلاة على النبي ﵊ [ثم أصلي وأسلم على محمد وآله ومن تلا] (ثم) أي: بعد حمد الله تعالى، وذكر (ثم) التي هي للعطف بانفصال؛ لأنه قال رسول الله ﷺ : (لا تقولوا ما شاء الله وفلان ولكن قولوا: ما شاء الله ثم ما شاء فلان)، وعندما قال الخطيب: (من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعصهما فقد غوى، أنكر عليه رسول الله ﷺ وقال: بئس خطيب القوم أنت)، فبين له أنه لابد من الفصل، فلهذا قال: ثم بعد حمدي لله وثنائي عليه بما هو أهله أصلي وأسلم، أي: أسأل الله أن يصلي وأن يسلم. وصلاة المخلوق إنما هي مسألة الله أن يصلي؛ لأن الصلاة هي رحمة الله المقرونة بالتبجيل، وهذه لا تستطيع أنت أن تنزلها على محمد ﷺ ، وإنما تستطيع أن تسأل الله أن ينزلها عليه، فالله قد استجاب ذلك. والصلاة هي الدعاء المجزوم بإجابته، ومعنى ما يذكره العلماء من أن الصلاة على النبي ﷺ عمل متقبل قطعاً، المقصود بذلك أنه دعاء مستجاب قطعاً؛ لأن الله أخبر عن نفسه بأنه يصلي عليه، قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٥٦]. (وأسلم على محمد) وسماه بهذا الاسم الذي سماه به عبد المطلب فقيل له في ذلك فقال: رجوت أن يحمده الأولون والآخرون، فحقق الله رجاءه. وهذا الاسم فيه كثير من المزايا العظيمة فهو دليل على كثرة حمده على كل لسان فإنه يحمده الأولون والآخرون في المحشر في مقام الشفاعة الكبرى، ولذلك أخبر الرسول ﷺ أن الله يكيد له، فإن قريشاً حين أرادوا أن يذموه ذموا مذمماً، وهو محمد وليس مذمماً.

стр. 1193

معنى الآل في قوله: (وآله ومن تلا) (وآله) معناه: الذين يئولون إليه ويرجعون إليه، وهم في الدعاء أتباعه مطلقاً ويدخل في ذلك المتقدم والمتأخر، فهم جميعاً من آله، فكل أتباعه من آله في مقام الدعاء، ولهذا قال عبد المطلب: فانصر على آل الصليـ ـب وعابديه اليوم آلك معناه: المضافون إليك وليس الذين يعبدونك، (آل الصليب) معناه: أتباع الصليب، وآل النبي ﷺ يختلف إطلاقها بحسب المقام، فإذا قصد بها تحريم الصدقة والأحكام المختصة بالآل فهم المؤمنون من بني هاشم وقال الشافعي وأحمد: والمؤمنون من بني المطلب أيضاً ومواليهم يدخلون معهم. وإذا قصد بها الثناء المخصوص فهم أهل العباءة الذين أنزل الله فيهم: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب:٣٣]، وهم النبي ﷺ وعلي بن أبي طالب وفاطمة بنت رسول الله ﷺ والحسن والحسين ﵃. (ومن تلا) معناه: ومن تبعهم إلى يوم الدين، ولم يصرح بلفظ الصحابة؛ لأنه لم يرد في الأحاديث التي علمنا رسول الله ﷺ فيها الصلاة ذكر الصحابة، إنما جاء فيها التصريح بآله فقط، وذكر الناس لأصحابه بعد ذلك إنما هو زيادة وإلا فإن آله يدخل فيهم أصحابه، فيدخلون في ذلك في مقام الدعاء. أما ذكر أصحابه في الصلاة عليه فلم يكن معروفاً في الصدر الأول وإنما علمنا رسول الله ﷺ في حديث كعب بن عجرة الصلاة الإبراهيمية وفيها ذكر آله ولم يرد فيها ذكر أصحابه.

стр. 1194

معنى (أما بعد) قال: [وبعد فالعبد الفقير نظما نظماً بفقه مالك يجلو الظما] (وبعد فالعبد الفقير نظما) كلمة: (بعد) أصل وضعها: (أما بعد) وهي التي تسمى فصل الخطاب، ويقصد بها التخلص من المقدمات إلى ما يريد الإنسان بيانه، وتوضع في الخطب وفي الكتب وفي مقدماتها، وهي من العناية بالكلام، فمن ذكرها فهذا عناية بكلامه وتنسيق له وترتيب، فلذلك يقول الشاعر: لقد علم الحي اليمانون أنني إذا قلت أما بعد أني خطيبها فهي تدل على العناية بالكلام، واختصرها الناس فصاروا يقولون: وبعد، اختصاراً معناه: وبعد ما ذكر.

стр. 1195

المعاني التي يطلق العبد فيها (فالعبد الفقير): ويقصد نفسه بذلك. والعبد: تطلق على أربعة أمور: تطلق على عبد الخلق، ومعناه: المخلوق لله ، فكل الناس عباد لله لأنه خلقهم أجمعين، ولهذا قال: ﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ [مريم:٩٥]، ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم:٩٣]، معناه: خلقهم كذلك. والثاني: عبد الملك، فالمملوك أياً كان يسمى عبداً لأنه رقيق لسيده ومالكه. والثالث: عبد النعمة، معناه: المنعم عليه فهو عبد للنعمة التي في عنقه. الرابع: عبد المحبة، وهذا الأخير فيه يقول الشاعر: يا عمرو ناد عبد زهراء يعلمه السامع والرائي لا تدعني إلا بيا عبدها فإنه أشرف أسمائي ويقصد بذلك المحبة، وهذه الأقسام الأربعة كل إنسان مسلم ينبغي أن تكون متحققة في تعامله مع الله، فهو عبده بالخلق؛ لأنه خلقه، وهو عبده بالملك؛ لأنه يملكه، وهو عبده بالنعمة؛ لأنه أنعم عليه بنعمة الإيمان وما دونها من النعم، وهو عبده بالمحبة، فينبغي أن يحبه حباً لا يحب به شيئاً آخر: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٦٥]، فتتحقق العبودية بهذه الأمور الأربعة. (الفقير) أصل الفقير الذي بدت فقرات ظهره، ووزنها: فعيل، ولما كان من لا يملك مالاً لا يحسن التغذية فتضعف أعضاؤه وتظهر فقراته سمي من لا يملك -حتى لو كان سميناً- فقيراً، والمقصود بذلك الفقر إلى الله ، فالله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر:١٥]. (نظما) معناه: جمع. (نظماً) معناه: كلاماً موزوناً. (بفقه مالك يجلو الظما): أراد فيه أن يزيل العطش في فقه مالك، ولا يريد فيه التوسع أكثر من ذلك، فهذا تواضع وإلا فقد جمع فيه مائة ألف وعشرين ألف مسألة في فقه مالك.
следующие страницы →