Полный текст (1 349 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.
стр. 1191
شرح الحمدلة
قال: [أحمده جل كما ابتداني بنعم ما لي بها يدان] أثنى على الله وحمده وبين أن هذا الحمد ينقسم إلى قسمين: حمد لكونه يستحق الحمد وهذا قوله: أحمده جل، وحمد ثان في مقابل نعمته.
والحمد كله ينقسم إلى هذين القسمين: حمد مستحق لأن الله يستحق الحمد في ذاته، وحمد في جزاء نعمته؛ ففي مقابل النعمة يستحق حمداً آخر، فلذلك قال: (كما ابتداني)، معناه: قبل أن أسأله وقبل أن أدعوه أنعم علي بنعم (ما لي بها يدان) معناه: لا أستطيع أن أصل إليها بعملي ولا بغيره، فالنعم لا يمكن أن يقابلها الإنسان بشكر ولا بعمل؛ لأن شكره وعمله نعمة أخرى، فلذلك لا يمكن أن يقابل الإنسان نعمة الله تعالى بأي شيء، فكلمة واحدة من ذكر الله نعمة عظيمة لا يزنها شيء وهكذا.
(كما ابتداني) معناه: ابتدأه بالنعم قبل أن يسأله، فالله يعطي قبل المسألة ويعطي إذا سئل، فما أعطاه قبل المسألة ابتدأ الإنسان به من معروفه، وهذا اللفظ قاله ابن أبي زيد في مقدمة الرسالة فقال: (وابتدأهم بنعمته) والشيخ أراد بذلك أن يجعل الإنسان الذي يدرس كتاباً من كتب العلم يرتبط ذهنه بالكتب الأخرى، كل كتاب يجد منه كلمة أو مصطلحاً فيتذكر ذلك.
(ما لي بها يدان) أي: ليس لي بها طاقة، ويقال: ما لفلان يدان بكذا وما له يد بكذا معناه: ليس له قدرة عليه.
стр. 1192
معنى الصلاة على النبي ﵊
[ثم أصلي وأسلم على محمد وآله ومن تلا] (ثم) أي: بعد حمد الله تعالى، وذكر (ثم) التي هي للعطف بانفصال؛ لأنه قال رسول الله ﷺ : (لا تقولوا ما شاء الله وفلان ولكن قولوا: ما شاء الله ثم ما شاء فلان)، وعندما قال الخطيب: (من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعصهما فقد غوى، أنكر عليه رسول الله ﷺ وقال: بئس خطيب القوم أنت)، فبين له أنه لابد من الفصل، فلهذا قال: ثم بعد حمدي لله وثنائي عليه بما هو أهله أصلي وأسلم، أي: أسأل الله أن يصلي وأن يسلم.
وصلاة المخلوق إنما هي مسألة الله أن يصلي؛ لأن الصلاة هي رحمة الله المقرونة بالتبجيل، وهذه لا تستطيع أنت أن تنزلها على محمد ﷺ ، وإنما تستطيع أن تسأل الله أن ينزلها عليه، فالله قد استجاب ذلك.
والصلاة هي الدعاء المجزوم بإجابته، ومعنى ما يذكره العلماء من أن الصلاة على النبي ﷺ عمل متقبل قطعاً، المقصود بذلك أنه دعاء مستجاب قطعاً؛ لأن الله أخبر عن نفسه بأنه يصلي عليه، قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٥٦].
(وأسلم على محمد) وسماه بهذا الاسم الذي سماه به عبد المطلب فقيل له في ذلك فقال: رجوت أن يحمده الأولون والآخرون، فحقق الله رجاءه.
وهذا الاسم فيه كثير من المزايا العظيمة فهو دليل على كثرة حمده على كل لسان فإنه يحمده الأولون والآخرون في المحشر في مقام الشفاعة الكبرى، ولذلك أخبر الرسول ﷺ أن الله يكيد له، فإن قريشاً حين أرادوا أن يذموه ذموا مذمماً، وهو محمد وليس مذمماً.
стр. 1193
معنى الآل في قوله: (وآله ومن تلا)
(وآله) معناه: الذين يئولون إليه ويرجعون إليه، وهم في الدعاء أتباعه مطلقاً ويدخل في ذلك المتقدم والمتأخر، فهم جميعاً من آله، فكل أتباعه من آله في مقام الدعاء، ولهذا قال عبد المطلب: فانصر على آل الصليـ ـب وعابديه اليوم آلك معناه: المضافون إليك وليس الذين يعبدونك، (آل الصليب) معناه: أتباع الصليب، وآل النبي ﷺ يختلف إطلاقها بحسب المقام، فإذا قصد بها تحريم الصدقة والأحكام المختصة بالآل فهم المؤمنون من بني هاشم وقال الشافعي وأحمد: والمؤمنون من بني المطلب أيضاً ومواليهم يدخلون معهم.
وإذا قصد بها الثناء المخصوص فهم أهل العباءة الذين أنزل الله فيهم: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب:٣٣]، وهم النبي ﷺ وعلي بن أبي طالب وفاطمة بنت رسول الله ﷺ والحسن والحسين ﵃.
(ومن تلا) معناه: ومن تبعهم إلى يوم الدين، ولم يصرح بلفظ الصحابة؛ لأنه لم يرد في الأحاديث التي علمنا رسول الله ﷺ فيها الصلاة ذكر الصحابة، إنما جاء فيها التصريح بآله فقط، وذكر الناس لأصحابه بعد ذلك إنما هو زيادة وإلا فإن آله يدخل فيهم أصحابه، فيدخلون في ذلك في مقام الدعاء.
أما ذكر أصحابه في الصلاة عليه فلم يكن معروفاً في الصدر الأول وإنما علمنا رسول الله ﷺ في حديث كعب بن عجرة الصلاة الإبراهيمية وفيها ذكر آله ولم يرد فيها ذكر أصحابه.
стр. 1194
معنى (أما بعد)
قال: [وبعد فالعبد الفقير نظما نظماً بفقه مالك يجلو الظما] (وبعد فالعبد الفقير نظما) كلمة: (بعد) أصل وضعها: (أما بعد) وهي التي تسمى فصل الخطاب، ويقصد بها التخلص من المقدمات إلى ما يريد الإنسان بيانه، وتوضع في الخطب وفي الكتب وفي مقدماتها، وهي من العناية بالكلام، فمن ذكرها فهذا عناية بكلامه وتنسيق له وترتيب، فلذلك يقول الشاعر: لقد علم الحي اليمانون أنني إذا قلت أما بعد أني خطيبها فهي تدل على العناية بالكلام، واختصرها الناس فصاروا يقولون: وبعد، اختصاراً معناه: وبعد ما ذكر.
стр. 1195
المعاني التي يطلق العبد فيها
(فالعبد الفقير): ويقصد نفسه بذلك.
والعبد: تطلق على أربعة أمور: تطلق على عبد الخلق، ومعناه: المخلوق لله ، فكل الناس عباد لله لأنه خلقهم أجمعين، ولهذا قال: ﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ [مريم:٩٥]، ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم:٩٣]، معناه: خلقهم كذلك.
والثاني: عبد الملك، فالمملوك أياً كان يسمى عبداً لأنه رقيق لسيده ومالكه.
والثالث: عبد النعمة، معناه: المنعم عليه فهو عبد للنعمة التي في عنقه.
الرابع: عبد المحبة، وهذا الأخير فيه يقول الشاعر: يا عمرو ناد عبد زهراء يعلمه السامع والرائي لا تدعني إلا بيا عبدها فإنه أشرف أسمائي ويقصد بذلك المحبة، وهذه الأقسام الأربعة كل إنسان مسلم ينبغي أن تكون متحققة في تعامله مع الله، فهو عبده بالخلق؛ لأنه خلقه، وهو عبده بالملك؛ لأنه يملكه، وهو عبده بالنعمة؛ لأنه أنعم عليه بنعمة الإيمان وما دونها من النعم، وهو عبده بالمحبة، فينبغي أن يحبه حباً لا يحب به شيئاً آخر: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة:١٦٥]، فتتحقق العبودية بهذه الأمور الأربعة.
(الفقير) أصل الفقير الذي بدت فقرات ظهره، ووزنها: فعيل، ولما كان من لا يملك مالاً لا يحسن التغذية فتضعف أعضاؤه وتظهر فقراته سمي من لا يملك -حتى لو كان سميناً- فقيراً، والمقصود بذلك الفقر إلى الله ، فالله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر:١٥].
(نظما) معناه: جمع.
(نظماً) معناه: كلاماً موزوناً.
(بفقه مالك يجلو الظما): أراد فيه أن يزيل العطش في فقه مالك، ولا يريد فيه التوسع أكثر من ذلك، فهذا تواضع وإلا فقد جمع فيه مائة ألف وعشرين ألف مسألة في فقه مالك.
стр. 1196
معنى قوله: (مما خليل قد وعى في المختصر)
رام به: رام بهذا النظم وطلب به (نعش ذماء المحتضر).
نعش إنعاشاً وتقوية، ذماء: بقية الروح، والمحتضر: الذي قد أشرف على الموت.
قوله: (مما خليل قد وعى في المختصر) معناه: مما جمع خليل في مختصره في الفقه المالكي، وهذا المختصر جمع فيه خليل فأوعى، ولذلك قال ابن القيم: لم تزل ألطاف الله بالمالكية حتى أخرج لهم غلاماً جمع لهم مذهبهم في كراريس يتأبطها الرجل ويخرج، يقصد بذلك خليلاً، أي: جمع المذهب كله في أوراق يتأبطها الرجل ويخرج.
فهذا معنى قوله: (مما خليل قد وعى في المختصر) وهو هنا يبين أن ما ذكر في المختصر أصبح محتضراً لقلة العناية به؛ ولأن الناس قد ابتعدوا عما كانوا عليه من قبل من العناية بهذا المختصر وحفظه وتداركه، فقد وضع عليه القبول وشرح ثلاثمائة وثمانين شرحاً، وطبع منها عدد كبير، وأصبح المرجع في الفتوى في مذهب مالك، وحتى في غيره فإنه مرجع نابليون في القانون الذي وضعه، وهو القانون الفرنسي، عندما قامت الثورة الفرنسية فقد صرح في مقدمة قانون نابليون أن من مراجعه مختصر خليل في الفقه المالكي.
стр. 1197
معنى قوله: وليدع بالتسهيل والتكميل لفقه متن سيدي خليل
قال: [وليدع بالتسهيل والتكميل لفقه متن سيدي خليل] (وليدع) معناه: هذا الكتاب وهذا النظم بـ (التسهيل والتكميل).
(بالتسهيل): هذا اسمه، والتسهيل معناه: التليين، والتكميل معناه: الإضافات.
(لفقه متن سيدي خليل) فـ خليل شهرته سيدي خليل، واسمه خليل بن إسحاق بن موسى الجندي المصري الذي توفي سنة سبعمائة وثمانية وعشرين للهجرة، وقد كان من الأئمة في زمانه في مختلف العلوم، وله في الفقه اليد الطولى، وكذلك في الحديث وفي الأصول، وله مؤلفات كثيرة غير المختصر، لكن أشهر مؤلفاته هذا المختصر الذي وضع الله له القبول.
وسماه التسهيل: لأنه سهله وشرح كثيراً من مسائله ورد كثيراً من إشكالاته.
والتكميل: لأنه أضاف عليه كثيراً من المسائل التي ليست فيه.
ومتن خليل هو هذا المختصر، وهذه التسمية مأخوذة من كتاب ابن مالك الذي سماه: تسهيل الفوائد وتكميل المقاصد، فالتسهيل في النحو من أهم كتب النحو عموماً، ولذلك قال فيه أبو حيان: ألا إن تسهيل الفوائد في النحو كتاب جليل كل فائدة يحوي فما الكتب إلا أنجم هو شمسها سناهن يمحى عنده أيما محو ابن مالك سماه: تسهيل الفوائد وتكميل المقاصد، والشيخ أخذ الفقرتين: تسهيل وتكميل فسمى بهما هذا الكتاب.
стр. 1198
مشروعية الاستعانة بالله في كل عمل
قال: [وأسأل الله تعالى النفعا لكل من فيه سعى والرفعا] من المناسب في خطبة أي كتاب وفي آخر أية خطبة الدعاء، فالخطب ينبغي أن تكون فيها رقة، والرقة لا تكون إلا بالضراعة إلى الله والتوجه إليه، ومن ذلك الدعاء فهو من أبلغ أحوال العبد عندما يبدي الضراعة والهوان بين يدي خالقه العزيز الجبار المتكبر، فهنا تتضح حاجة المخلوق إلى خالقه وفقره إليه وتواضعه بين يديه، وتذلله إليه، فلذلك يبدي الضراعة بالسؤال، والمسألة مذلة، فهو يتذلل إلى الله بالمسألة.
(وأسأل الله تعالى النفع لكل من فيه سعى) معناه: أن ينفع كل من سعى فيه سواء كان ذلك بدراسة أو علم أو تعلم، أو شرح أو نشر أو طبع أو غير ذلك.
(والرفع): معناه أن يرفعه الله بعد أن ينفعه بهذا الكتاب، لأن الله تعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انشُزُوا فَانشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة:١١]، وهذا الرفع بين الله أنه للمؤمنين ولأولي العلم، والشيخ أراد بذلك أن يبين أن من درسه وأحاط بمسائله فإنه عرف الإيمان ومسائله، ويكون بذلك من أهل العلم فيرفع الله منزلته في الدنيا والآخرة؛ لأنه قال: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة:١١]، ولهذا قال: (والرفع).
стр. 1199
دراسة أهل السنة والجماعة لمسائل العقيدة
قال: [والحفظ والتوفيق في القصود وقبل أن أشرع في المقصود أذكر جملة من العقائد على طريق السلف الأماجد] قوله: (والحفظ والتوفيق في القصود): يسأل الله له الحفظ أيضاً، ومعناه: أن يحفظه من غوائل الشيطان والنفس الأمارة بالسوء والعداء من الآخرين مطلقاً.
стр. 1200
معنى التوفيق
(والتوفيق في القصود) معناه: أن يوفقه الله في القصود، وهي جمع قصد، ومعناه: في أي شيء يقصده.
والتوفيق معناه: أن يهيئ له أسباب ما يرضيه ، وما يوافق ما أراده من عبده، وهذا التوفيق أن يكون هوى الإنسان تبعاً لما طلب منه شرعاً، فإذا كان الإنسان لا يرغب فيما حرم الله عليه ويرغب فيما أوجب عليه فهو موفق.
стр. 1201
طريقة الشيخ في نظم العقيدة
(وقبل أن أشرع في المقصود): معناه قبل أن يبدأ في الفقه وهو المقصود الكبير من هذا النظم الطويل.
(أذكر جملة) معناه مسائل، ولا يقصد بذلك التوسع، ولا استقصاء المسائل العقدية، وإنما يذكر مسائل، ولذلك سماها جملة.
والعقائد: جمع عقيدة وهي ما يعقد الإنسان قلبه عليه فيدين الله تعالى به ويجزم بصحته.
وقوله: (على طريق السلف الأماجد) أي: على مذهب السلف، والمقصود بهم أتباع التابعين، فإذا أطلق السلف إنما يقصد به رجال العقيدة أتباع التابعين، ولا يقصد به الصحابة ولا التابعين كما يتوهمه كثير من الناس.
فكثير من الناس يقول: مذهب السلف معناه مذهب الرسول ﷺ والصحابة والتابعين، وهذا غلط؛ لأن هؤلاء ما تكلموا في أكثر هذه المسائل التي سنعرض لها هنا، إنما تكلم فيها أتباع التابعين، فهم المقصودون بإطلاق السلف.
والأماجد جمع ماجد، وهذا ثناء عليهم وهم يستحقون الثناء؛ لأن الله قال في الذين جاءوا من بعدهم: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر:١٠]، وقد قال مالك ﵀: إن من يلعن السلف أو يتكلم فيهم ليس من أهل الفيء ولا يستحق شيئاً منه.
стр. 1202
ذكر المتفق عليه وترك الخلاف
قال: [ولست ذاكراً سوى المتفق عليه من قبل نشوء الفرق] أي: أنه لن يتعرض لأقوال الفرق والمذاهب المختلفة، وإنما سيقتصر على المذهب الحق الصواب الذي دليله واضح، ولن يتكلم على المذاهب الأخرى، وحتى الردود عليها لا يشتغل بها في هذا النظم.
ولذلك قال: ولست ذاكراً سوى المتفق عليه من قبل نشوء الفرق لأن هذه الأمور التي فيها نصوص قرآنية ونصوص من الحديث متفق عليها قبل أن تنشأ الفرق، فالفرق نشأت بعد ذلك، فهذه العقائد كانت موجودة لأنها نصوص قرآنية ونصوص من الوحي والسنة، وفهم الصحابة لها هو على حسب ما كان معروفاً في زمانهم، ومن هنا فإنه حفظه الله يقول فيما يتعلق بظاهر النصوص: [الظاهر الذي عليه نطقي موهم تشبيه لرب الخلق هو الذي أهل اللسان فهموا إذ نزل الوحي به عليهم فلا أبو بكر لخير الرسل يقول أشكل عليّ اشرحه لي ولا أبو جهل يقول اختلفا أثبت ما من التماثل نفى] فالذي فهمه أولئك الذين نزل عليهم الوحي سواء من كان منهم مسلماً أو من كان كافراً هو ظاهر النص الذي يترك عليه، وما لم يفهموه منه وجاء بالفلسفة واللزومات فهذا ليس ظاهر النص.
стр. 1203
عقيدة السلف التي رجع إليها الأشعري
قال: [مما إليه الأشعري قد رجع متبعاً أحمد نعم المتبع] هذه المسائل التي يذكرها هنا ذكرها أبو الحسن الأشعري وقد رجع إليها، وهو إمام من أئمة أهل السنة المشاهير، وبالأخص أن جمهور الأمة من بعد ظهوره إلى زمانه هذا ينتسبون إليه، فينتسب إليه الملايين في مختلف بلدان العالم منذ اشتهر في القرن الرابع الهجري إلى هذا الزمان، فهذه عشرة قرون ينتسب إليه فيها جمهور أمة محمد ﷺ في الاعتقاد، ويقصدون بذلك مخالفتهم للمعتزلة؛ لأنه هو عدو المعتزلة الأول، وهو أول من استطاع أن يرد مسائلهم.
(مما إليه الأشعري قد رجع): والأشعري قد رجع عن مذهب المعتزلة ورجع عن المذهب الأشعري الذي تحول إليه إلى مذهب أحمد وقد صرح بذلك، فصرح بأن طريقته في النصوص طريقة أحمد بن حنبل.
(متبعاً أحمد) هو الإمام أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني الربعي، من بني ربيعة من بني شيبان من بني بكر بن وائل بن ربيعة، وهو إمام أهل السنة في زمانه وأحد الأئمة الأربعة المتبوعين.
(نعم المتبع): أثنى على أحمد بأنه نعم المتبع، وقد وفق الأشعري حين اتبعه بذلك، لأنه مرضي عنه، فلا يختلف اثنان من أهل السنة في ذلك.
قال: [لا ما يقول من لذا أو ذا انتمى زعماً ولم يسر على ما رسما] يقول: إن ما ذكره هنا موافق لما كان عليه أحمد بن حنبل وما رجع إليه الأشعري متبعاً أحمد في ذلك، (لا ما يقول من لذا أو ذا انتمى) أي: أنه لا يأتي بما يقوله المنتسبون إلى الأشعرية أو المنتسبون إلى أحمد ممن لم يسر على طريقتهما، فكثير من أتباع الأشعرية أحدثوا كثيراً من المسائل التي لم يقل بها الأشعري، وكثير من أتباع أحمد أحدثوا كثيراً من المسائل التي لم يقل بها أحمد، فهو تجنب أقوال المحدثين من الطائفتين وأتى بلب المسألة.
لذلك قال: (لا من يقول من لذا) ويقصد به الأشعرية.
(أو ذا): ويقصد به أتباع أحمد بن حنبل.
(انتمى): معناها: انتسب.
(زعماً): أي: في زعمه.
(ولم يسر على ما رسما)؛ لأنه خالفهما فأتى بأشياء لم يقولا بها.
ثم بدأ في العقيدة بعد هذه المقدمة.
وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
стр. 1204
شهادة أن محمداً رسول الله
الرسل حق، وأفضلهم خاتمهم محمد بن عبد الله ﷺ ، الذي اختاره الله من العرب وخصه على من قبله بخصائص وميزات، وجعل دينه خير الأديان، ولذلك ينبغي على المسلم أن يتعرف على جوانب من حياة هذا النبي ونسبه وميزاته وما يتعلق بذلك.
стр. 1205
وجوب اتباع محمد ﷺ على جميع الخلق
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على من بعث رحمة للعالمين وعلى آله وأصحابه، ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين.
أما بعد: فيقول الشيخ حفظه الله: والرسل حق والنبي العربي خاتمهم أعلاهم في الرتب
стр. 1206
التكذيب بمحمد تكذيب بجميع الرسل
بعد أن ذكر الرسل عليهم الصلاة والسلام ووجوب الإيمان بهم على سبيل الإجمال، ذكر التعويل على شهادة أن محمداً رسول الله، وهي الشهادة الثانية من الشهادتين، وهما ركنا الاعتقاد: فالركن الأول: شهادة أن لا إله إلا الله، وكل ما سبق من التفصيلات داخل في هذه الشهادة.
والركن الثاني: شهادة أن محمداً رسول الله.
وإنما بدأنا قبل الكلام في هذه الشهادة بالكلام على الرسل لدخول تصديق الرسل في تصديق النبي ﷺ ، فمن كذب رسولاً واحداً فقد كذب كل الرسل، ومن صدق برسول الله ﷺ ، فقد صدق بكل الرسل؛ لأنه خاتمهم، ومصدق لما بين يديه كما وصفه الله بذلك.
ولهذا فإن الله إذا ذكر تكذيب قوم لنبيهم ينسب إليهم تكذيب جميع الرسل، كما في قوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء:١٠٥]، ﴿كَذَّبَ أَصْحَابُ الأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء:١٧٦]، ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء:١٦٠] وهكذا، فكلما ذكر نبياً كذبه قومه، يذكر أنهم كذبوا جميع المرسلين، وذلك أن مقصد الرسالة في الأصل واحد، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة:٥].
ولهذا قال النبي ﷺ : (إنا معاشر الأنبياء أبناء علات ديننا واحد)، وهذا تفسير قول الله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى:١٣].
стр. 1207
ميزة محمد ﷺ على غيره من الأنبياء
لكن شهادة أن محمداً رسول الله تقتضي تميزه عن غيره من الرسل، فلذلك ذكرها هنا، فالإيمان به مشروط على من سبقه ومن لحقه، فمن أتى قبله قد أخذ عليهم العهد بالإيمان به، لقول الله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ * فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [آل عمران:٨١ - ٨٢].
فإذاً: كل من سبق قد أخذ عليهم العهد بالإيمان به ﷺ ، ونصرته إذا بعث، ولهذا قال رسول الله ﷺ حين رأى ورقة من التوراة في يد عمر: (مه يا ابن الخطاب! فلو أن موسى بن عمران حي ما وسعه إلا اتباعي)، وفي حديث آخر أخرجه أحمد في المسند، أن رسول الله ﷺ قال: (لو أن موسى وعيسى شهدا مبعثي لما كان لهما إلا أن يتبعاني)؛ ولذلك فإن عيسى ﵇ إذا نزل حكماً عدلاً في آخر الزمان، سيكون من أتباع محمد ﷺ والعاملين بالملة والشريعة.
стр. 1208
قيام الحجة على من سمع بمحمد ﷺ
ثم إن من لحقه لا يقبل منه الإيمان قطعاً حتى ولو آمن بجميع الرسل ما لم يؤمن بمحمد ﷺ ؛ ولذلك صح عنه ﷺ : (والذي نفس محمد بيده، لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني، ثم لم يؤمن بي إلا كبه الله على وجهه في النار).
واختلف في معنى قوله ﷺ : (لا يسمع بي)، فكثير من الذين يسمعون الحديث من الذين يهتمون بالمجال الفكري يقولون: تقوم الحجة بمجرد أن يسمع الإنسان باسم محمد ﷺ وبرسالته وبالدين الذي جاء به، حتى لو سمع به مشوهاً، مثل أكثر المعاصرين من أهل الكتاب والكفرة، فإنهم لم يسمعوا به إلا مثل ما سمعوا بـ بوذا مثلاً.
وذهب آخرون إلى أن المقصود بالسماع السماع غير المشوه، فهو الذي تقوم به الحجة، ومعناه أن يعلموا أنه رسول، وأنه رسول آخر الزمان الذي تنسخ ملته كل ما سبق.
وهذا يؤخذ من وصف النبي ﷺ لنفسه؛ ففي حديث جبير بن مطعم الذي ختم به مالك الموطأ: (لي خمسة أسماء، فأنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر، وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمه، وأنا العاقب)، فهذا يقتضي أن من لم يسمع به على وصفه، ولم تبلغه دعوته كما هي لا تقوم عليه الحجة بمجرد السماع، ولكن دلالة هذا دلالة بعيدة، في مقابل التصريح بالسماع في الحديث السابق.
وعموماً يترتب على هذه المسألة كثير من الفروع: منها: لعن من مات من الكفرة ولم تبلغه الدعوة كما هي.
ومنها: استباحة دمائهم وأموالهم في حياتهم إذا سمعوا بالنبي ﷺ ، ولم تبلغهم الدعوة كما هي، كالكفرة في زماننا هذا، فكثير منهم لم تبلغهم الدعوة كما هي، فهل تستباح دماؤهم وأموالهم بمجرد هذا البلاغ والسماع الذي حصل أو لا؟ وأما تكفيرهم فلا شك ولا اختلاف فيه بين الناس، فهم كفار قطعاً، حتى لو سمعوا بهذه الشريعة سماعاً مشوهاً كما ذكرنا، ومن تساهل فلم يصفهم به على اعتبار أنهم بمثابة من لم تبلغه الدعوة، فقد تساهل تساهلاً زائداً؛ لأن الذي يستدلون به ويأخذون به هو بعض المفهومات من الآيات، وكلها من مفهومات المخالفة، مثل قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ [البينة:٦]، فـ (من) هنا يزعم بعض الناس أنها تبعيضية، وأنه ليس كل أهل الكتاب ولا المشركين كفرة.
ولكن هذا الوجه أبعد ما يكون عن الصواب، فـ (من) بيانية للذين كفروا، وبيانهم أنهم ينقسمون إلى قسمين: إما أن يكونوا أهل كتاب وإما أن يكونوا مشركين.
стр. 1209
عروبة النبي ﷺ
والنبي ﷺ ختم الله به رسالات الرسل، وجعله من هذا الجيل المعروف بالعرب، فلذلك وصفه بالعربي.
стр. 1210
أقسام العرب
والعرب ينقسمون إلى ثلاثة أقسام: إلى عرب بائدة، أي: قد انتهت ولم يبق لها بقية، وهؤلاء منهم طسم وجديس ووبار وجرهم.
فجرهم هم الذين تعرب فيهم إسماعيل ﵇، ولكنهم بادوا ولم تبق لهم بقية حين جاروا في الحرم فأهلكهم الله؛ ولذلك يقول أحدهم وهو عمرو بن مضاض الجرهمي: كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا أنيس ولم يسمر بمكة سامر بلى نحن كنا أهلها فأبادنا صروف الليالي والجدود العواثر ومن ذلك طسم وجديس فقد اقتتلا حتى تفانيا، وكذلك وبار، فقد هلكت ولم تبق لها بقية.
القسم الثاني: العرب العاربة: وهم ذرية قحطان، وقد نسب النبي ﷺ في الحديث الذي أخرجه الترمذي في السنن إلى سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان عشر قبائل، وهي: حمير والأزد ومذجح وأنمار والأشعريين، وكندة، وهذه القبائل الست من أهل اليمن، ثم القبائل الأربع الباقية هي: لخم وجذام وعاملة وغسان، فهذه أربع قبائل تشاءمت، أي: خرجت إلى شمال الجزيرة العربية.
فهذه القبائل العشر من ذرية قحطان قطعاً، وقحطان اختلف فيه هل هو هود ﵇ أو ابنه؟ فجمهور النسابين يعدونه ابن هود، ولذلك قال أبو الطيب المتنبي: إلى الثمر الحلو الذي طيء له فروع وقحطان بن هود له أصل إلى سيد لو بشر الله أمة بغير نبيٍ بشرتنا به الرسل ويدخل في عداد القحطانيين على الراجح قبائل قضاعة كلها، وإن كانوا سكنوا في العدنانيين واستوطنوا بلادهم؛ ولذلك انتحل لهم النسابون نسباً بـ عدنان لا يصح، وهو أن قضاعة من ذرية معد؛ لكن الراجح أن قضاعة هو ابن مالك بن حمير، فهم من حمير على كثرة أعدادهم، فمنهم بنو كلب بن غمرة الذين منهم زيد بن حارثة ودحية الكلبي، وهي قبائل ذات عدد، منهم: بنو عذرة، الذين اشتهروا بالعشق قديماً في الجاهلية، وكذلك بنو طيء.
أما القسم الثالث: فهو العرب المستعربة، وهم من ذرية إسماعيل بن إبراهيم ﵉، وهؤلاء هم الذين منهم رسول الله ﷺ .
ومعنى كونهم (مستعربة) أنهم لم يكونوا ناطقين بالعربية ثم تعلموها بسكناهم في العرب.
стр. 1211
اختيار الله لقريش
فالعرب من ذرية إبراهيم ﵇، وإبراهيم ﵇، بعث في البداية في أرض الفينيقيين بالعراق، ثم هاجر إلى الشام ولم يكن يتكلم بالعربية، وأتى بولده إسماعيل بأمر الله إلى مكة، وأول من جاوره بمكة العمالقة، ثم لما طغوا في الحرم أخرجهم منه مضاض الجرهمي، وساكن إسماعيل الجرهميين وصاهر فيهم، وهم أجداد أولاده، ثم أهلكهم الله وتغلب بعدهم على الحرم ذرية إسماعيل من معد بن عدنان، ثم بعدهم تغلبت خزاعة، حتى أخرجهم قصي بن كلاب، ومن ذلك التاريخ تغلبت قريش على مكة، وهؤلاء عداد نسبهم كله مرجعه إلى معد بن عدنان على الراجح، وقيل: كان مع معد أخ له اسم عك، وهو جد قبائل تنسب إلى عدنان، من ذرية عك بن عدنان، وليسوا من معد بن عدنان.
وأشهر أولاد معد نزار بن معد وكان له أربعة أولاد: هم مضر وربيعة وإياد وأنمار ومن هؤلاء انتشرت قبائل عدنان.
ومن هذه القبائل قبائل مضر، ومنها: قريش، وهي أعظم قبائل مضر بالاختيار الرباني، لأنه صح عن رسول الله ﷺ أن الله اختار من ذرية إبراهيم كنانة، وفي رواية: (من ذرية إسماعيل الكنانة، واختار من ذرية كنانة قريشاً، واختار من قريش بني هاشم، وجعلني من بني هاشم في المحل الأسمى، فأنا خيار من خيار من خيار، ولا فخر).
وهذا الاختيار الرباني يترتب عليه عدة أحكام: منها: أنه لا يسترق سبيهم في الجاهلية ولا في الإسلام، ومنها: أنه لا يقتل أسيرهم صبراً بعد غزوة بدر؛ لأن النبي ﷺ قال: (لا يقتل قرشي بعد اليوم صبراً).
ومنها: اختصاصهم بالإمامة العظمى، وليس ذلك تبعاً لعصبية العرب عليهم؛ بل عصبية فارس وعصبية الروم أعظم من عصبية العرب، وأولئك أرسل إليهم رسول الله ﷺ أن يسلموا فهو مرسل للبشر كلهم، فالعبرة بالاختيار والاصطفاء الرباني فقط، ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون، فذلك الاختيار الرباني هو الذي شرفهم الله فيه للإمامة وشرفهم لما هو أعظم منها، وأن بعث منهم محمداً ﷺ ؛ ولذلك قال ابن الرومي: قالوا أبو الصقر من شيبان قلت لهم كلا لعمري ولكن منه شيبان تسمو الرجال بآباءٍ وآونة تسمو الرجال بأبناء وتزدان وكم أبٍ قد علا بابن ذرا شرف كما علا برسول الله عدنان
стр. 1212
نسب النبي ﷺ إلى عدنان
وقد نسب النبي ﷺ نفسه إلى عدنان، ولم يثبت عنه ما فوق ذلك، فقد ثبت عنه أنه قال: (أنا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان).
وتوقف رسول الله ﷺ في هذا الحديث الصحيح عند هذا الحد، ومع ذلك جاء في عدد من الأحاديث الأخرى وعدد من الآثار التي صحت عن عدد من الصحابة كـ ابن عباس وحكيم بن حزام، وغيرهم من الصحابة النسابين: أن عدنان بن أد بن أدد بن الهميسع بن قيدار بن نبت -أو نابت- بن حمل بن إسماعيل بن إبراهيم بن آزر بن ناحور بن عابر بن فالغ بن أرفخشد بن متوشلخ بن سام بن نوح بن لامك بن مهلائيل بن اليارد بن أخنوخ بن أنوش بن قينان بن شيث بن آدم.
وقد اختلف النسابون في ضبط بعض هذه الأسماء كاليارد، فقد جاء فيه: يرد فقط، وكذلك الهميسع والهميساع، كذلك قينان وقينن، كذلك لامك ولمك، وهذه اختلافات في ضبط الأسماء لأنها من لغات مختلفة، فينطق بها أهل كل لغة على ما يوافق نطقهم اللغوي.
وهذا نسب رسول الله ﷺ من جهة أبيه، وأما نسبه في العرب قد عرف لرسول الله ﷺ خمسمائة أم، أكثرهن من العرب، ولم تبق قبيلة من العرب إلا وله فيها خئولة ما عدا بني تغلب وحدها.
وقد اشتهرت خئولته في الأنصار وفي بني سليم لأنه صرح بذلك، ففي الأنصار سلمى بنت عمرو أم عبد المطلب جد رسول الله ﷺ ، وكذلك في سليم، فهو ابن العواتك من سليم، وعواتكه هن: أم هاشم، وأم عبد مناف بن زهرة، وأم عبد مناف بن قصي، فهن ثلاث، وهن عاتكة بنت الأوقص بن مرة بن هلال، وعاتكة بنت مرة بن هلال، وعاتكة بنت هلال، الصغرى وعمتها وعمة عمتها أيضاً على هذا الترتيب، وهذا الذي قال فيه البدوي ﵀ في الأنساب: عواتك النبي أم وهب وأم هاشم وأم الندب عبد مناف وذه الأخيره عمة عمة الاولى الصغيره وهن بالترتيب ذا لذي الرجال الأوقص بن مرة بن هلال وقد صح في صحيح البخاري أن وفد كندة حين أتوا رسول الله ﷺ قالوا: (يا رسول الله! أنت ابن آكل المرار ونحن بنوه، فقال: إنا بنو النضر بن كنانة لا ننتسب إلى غيره).
هو وإن كان من ناحية الخئولة له خئولة في كندة، لكنه لم يرد أن يتفاخر مع الناس بالأنساب الدنيوية، فمفاخر كندة إنما هي بالملك والغنى ونحو ذلك، والرسول ﷺ اختار الله له ما هو خير من ذلك.
стр. 1213
الحكمة من عروبة النبي ﷺ
واختلف في اشتقاق لفظ العرب، فقيل: من أعرب الكلام إذا أبانه، لفصاحتهم.
وقيل: من تعرب إذا سكن البادية؛ لأنهم الأمة التي لم تكن لها حضارة مستقرة قديماً.
وقيل: من أعرب الشيء بمعنى حسنه، لحسن صورهم ووجوههم، فهم من أحسن الأمم خلقة.
وقد شرفهم الله بنسبة النبي ﷺ إليهم، لكنه لم يرسل إليهم خاصة، بل أرسل إلى الناس كافة.
ومن الحكم في اختيار أن يكون النبي ﷺ خاتم الرسل من العرب أن لغة العرب من أطيب اللغات وأكثرها بياناً ووضوحاً؛ فلذلك اختير أن تكون لغة هذه الرسالة التي يراد عمومها وشمولها، فلو كان القرآن باللغة الإنجليزية أو باللغة الفرنسية، أو بأي لغة أخرى غير العربية فإنه سيتعداه تطورات في اللغة؛ ولذلك لو عرض شعر الشعراء الإنجليز قبل مائة سنة على الناس اليوم لوجدوا أكثر الكلمات التي فيه لم تعد مستعملة، وكثير من الكلمات التي استعملت فيه قد تغيرت دلالتها، وجاءت في معنى آخر، ولو أخذت شعر امرئ القيس الذي كان قبل ميلاد النبي ﷺ بمائة سنة وعرضته على صبيان العرب لفهموا مفرداته، كقوله: قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل وهذا الركود يقتضي استمرار دلالات الألفاظ ووضوحها على مدى الزمان، ولا يوجد في لغة من لغات العالم مثل هذا الركود إلا اللغات المتخلفة جداً مثل لغة الصين، التي ليس لها إعراب ولا تركيب، وإنما الكلام فيها كله مفردات، فجميع كلامهم مفردات فقط؛ ولذلك حروفها أكثر من ثلاثة آلاف حرف، بينما حروف العربية تسعة وعشرون حرفاً فقط.
стр. 1214
ذكر رسل العرب قبل سيدنا محمد ﷺ
وليس النبي ﷺ الرسول العربي الوحيد للعرب، بل كان فيهم رسل آخرون، فمن رسل العرب هود وصالح، وقد أرسلا في جزيرة العرب، أحدهما في شمالها، والآخر في جنوبها، فهود أرسل في الربع الخالي في أرض الأحقاف، وصالح أرسل في شمالها في الحجر.
وكذلك في العرب أنبياء آخرون على الراجح، وقد سمي منهم: حنظلة الذي يقال إنه رسول أصحاب الرس، ويزعم الناس أنه دفن في بير في صنعاء، وأنها عند مسجد صنعاء الكبير، وهذا المسجد إنما بني بأمر النبي ﷺ ولم يكن مكانه معروفاً قديماً حتى أرسل النبي ﷺ إلى فيروز بن باذان أن يبني لأهل صنعاء مسجداً، وأن يجعل قبلته بين نقم وعيبان، وأن يجعله بين الصخرة وبستان باذان، ففعل ذلك فيروز، وبنى المسجد وجعل فيه الأسطوانتين المشهورتين إحداهما تسمى بالمسمورة والأخرى تسمى بالمنقورة، وصلى فيه أصحاب رسول الله ﷺ كـ علي بن أبي طالب، وأبي موسى الأشعري، ومعاذ بن جبل وغيرهم من كبار الصحابة، وقد شهد توسيعات بعد ذلك، كتوسيعات عبيد الله بن العباس بن عبد المطلب حين ولاه علي بن أبي طالب ﵁ على اليمن.
ويزعم الناس أن حنظلة هذا دفن في مكان معروف في هذا المسجد، لكن لا يثبت مدفن أحد من الأنبياء مع عدا رسول الله ﷺ .
وكذلك منهم خالد بن سنان العبسي، فقد جاء في حديثٍ (أن ابنته أتت النبي ﷺ وسألها عن أبيها فذكرت بعض حكمه، فقال: ذلك نبي ضيعه قومه).
стр. 1215
الرسول الخاتم وما شرفه الله وميزه على من قبله
стр. 1216
ختم الرسالة بمحمد ﷺ
لكن إذا أطلق النبي العربي اختص ذلك بالنبي العربي ﷺ لمنزلته وجلالة قدره.
قال: (والنبي العربي خاتمهم)، أي: خاتم الرسل، فختمهم الله به، وحكمة ختم الرسل أن الله اختار للبشرية ديناً واحداً هو دين الإسلام؛ ولكنه علم أن هذه البشرية ستمر بكثير من المراحل في أطوار حياتها، كما في دعوة نوح: ﴿وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا﴾ [نوح:١٤]، فتمر البشرية بكثير من الأطوار: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ [الانشقاق:١٩].
ومن هنا فلو أنزل إليها الدين وأمرت به في الأطوار والأطباق الأولى في حياتها في الأرض، لكان فيه الكثير من العناء، فلو فرضت هذه الشريعة التي لدينا اليوم على أولاد آدم لحصل كثير من العناء مثل تحريم نكاح الأخوات، والبشر إذ ذاك أسرة واحدة هي ذرية آدم فقط وهكذا.
فكانت الشرائع ينزل منها في كل زمن ما يصلح لذلك الزمن، وفي علم الله أنه لا يصلح للتطبيق المستمر، حتى إذا أتمت البشرية أطوار حياتها وبلغت نضجها أرسل إليها الله رسوله ﷺ بهذا الدين الذي كانت كل الأديان إعداداً له كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ﴾ [آل عمران:١٩]، فختم الديانات بهذا الدين، وأتمه وارتضاه للبشر كلهم؛ ولذلك خاطب البشر بقوله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة:٣].
ومع ذلك فما يجد من الظروف راعاه الله في التشريع؛ ولذلك قال بعد ختم الدين: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة:٣]، بيَّن الحلال والحرام لكن مع ذلك بعد إكماله للدين قال: (فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ)، أي: في جوع ونحوه مما يقتضي ضيق الحال: (غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ) غير منتهك له: (فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ).
ومثل هذا قوله: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام:١١٩]، ومن هنا جعل القواعد العامة والأسس الواقعة كفيلة بالتطور المستمر، فلا يمكن أن يتحجر التشريع ولا أن يقف عند حدّ معين، بل سيواكب مسيرة البشرية كلها، لعموم هذه القواعد وشمولها، ولله تعالى حكمة في كل جزئية منها.
وختم الرسالة بمحمد ﷺ من المعلوم بالدين بالضرورة، فكل من ادعى النبوة بعده فإنه يكفر بذلك ويستتاب، فإن تاب وإلا ضربت عنقه، والله يقول: ﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب:٤٠] وفي قراءة أخرى: (وخاتِم النبيين) ومعناهما واحد؛ لأن الخاتَم والخاتِم معناهما: المكمل.
стр. 1217
علو مرتبة النبي ﷺ على الرسل قبله
قال: (والنبي العربي خاتِمهم أعلاهم في الرتب)، أي: أعلاهم منزلة عند الله ، وذلك لسيادته عليهم أجمعين، فإنه قال: (أنا سيد ولد آدم ولا فخر)، وقد صلوا جميعاً خلفه ليلة الإسراء، وهو الشافع لهم أجمعين يوم القيامة، فيدخل في شفاعته الأولون والآخرون؛ ولذلك فإن عبد المطلب حين سماه محمداً، قيل له: أتسمي ولدك باسم لا يعتاد في آبائك ولا في قبيلتك فقال: رجوت أن يحمده الأولون والآخرون، فحقق الله رجاءه بالشفاعة الكبرى التي يحمده فيها الأولون والآخرون، فآدم ومن دونه يدخلون كلهم في شفاعته.
وأما ما جاء عنه ﷺ من قوله: (لا تفضلوني على يونس بن متى)، وكذلك ما جاء عنه ﷺ عندما قال له رجل: (يا خير خلق الله، فقال: ذلك إبراهيم)، فإن للعلماء محامل لذلك، فقد حملوا قوله: (لا تفضلوني على يونس بن متى)، على أنه لا ينبغي التفضيل المقتضي للإزراء، بل الرسل أجمعون يجب توقيرهم واحترامهم، وعدم الإزراء بأحد منهم ولا بمنزلته، فالإزراء بمنزلة أي واحد منهم كفر؛ ولهذا لا يحل أن يوصف أحدهم بوصف مستبشع ولا بما يقتضي نزول منزلته أو نقص درجته، وليس المقصود النهي عن ذكر فضله ﷺ ؛ لكن إذا ذكر فضل الرسل ثم ذكر فضل النبي ﷺ فهذا لا نهي فيه.
وكذلك قوله للرجل الذي قال له: (يا خير خلق الله، فقال: ذلك إبراهيم)، فإن هذا كان قبل أن يطلعه الله على اختياره للخلة، فقد أخبره الله أنه اختار إبراهيم خليلا: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء:١٢٥]؛ لكن إنما علمه هو باختياره ﷺ للخلة بعد هذا، ودليل ذلك إخباره به، فقد أخبر أن الله أطلعه على أنه اتخذه خليلا، وقال: (لو كنت متخذاً خليلا لاتخذت أبا بكر خليلاً، ولكن صاحبكم خليل الله).
والخلّة أعلى منزلة في البشر؛ لأنها تقتضي أن لا يبقى في قلب الإنسان مكان للمحبة إلا محبة الله، فلا يكون الإنسان خليلاً لله حتى لا يبقى في قلبه أي مكان لمحبة أي شيء غير الله؛ ولذلك اختص الله بها إبراهيم ومحمداً صلى الله عليهما وسلم.
ولذلك قال الشيخ هنا: (أعلاهم في الرتب)، وذكر أفعال التفضيل المقتضية للاشتراك؛ لأن أفعال التفضيل لا تفاضل إلا بين مشتركين في الوصف، فكل الرسل عليهم الصلاة والسلام عالي الرتبة؛ لكن أعلاهم رتبة محمد ﷺ ، ولهذا أخذ الله عليهم العهد أجمعين أن يؤمنوا به.
стр. 1218
تميز معجزة النبي ﷺ على معجزات الأنبياء
ثم قال: [وكلهم أوتي إذ جا بالبشر ما مثله عليه آمن البشر] وهو هنا ينظم الحديث الذي أخرجه البخاري في الصحيح: (ما من نبي بعثه الله قبلي إلا أوتي ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحياً أوحاه الله إليّ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعاً يوم القيامة).
قال: [وكلهم أوتي إذ جا بالبشر ما مثله عليه آمن البشر وإنما كان الذي الأواه أوتيه وحياً إليه الله أوحاه فهو أكثر الجماعه متبعا يوم تقوم الساعه كما رجا.
] أي: كما رجا ﷺ ، وهذا كله نظم لهذا الحديث، فقوله: (وكلهم أوتي إذ جا بالبشر)، أي: كل الرسل آتاه الله حين جاء (بالبشر) أي: مبشرات، والمقصود بذلك دعوته التي تشمل المبشرات والمنذرات، فكل الرسل بشير ونذير.
والبشر جمع بشرى، والمقصود بها تبشيرهم بالدين الذي أتوا به من عند الله.
(ما مثله عليه آمن البشر)، أي: أوتي من المعجزات ما لو رآه البشر لآمنوا به، فمعجزاتهم باهرة، فكل معجزة لو جمع لها البشر فرأوها لقامت عليهم الحجة، والدين الذين أتى به كل رسول منهم يصلح للوقت الذي هو فيه؛ ولهذا كانت معجزاتهم، مادية تقوم بها الحجة على عصر فقط، وهو العصر الذي رئيت فيه أو تواترت، ثم إذا انقطع التواتر زال الإعجاز منها، فمثلاً ناقة صالح، لا شك أن من رآها أو نقلت إليه تواتراً تقوم عليه الحجة بها؛ لكننا نحن اليوم لو لم ترد في القرآن لما صدقنا بها؛ لأننا ما رأيناها ولا نقلت إلينا أخبارها تواتراً.
لذلك فالمعجزات المادية إنما تكون مع الرسالات المؤقتة، وأما معجزة النبي ﷺ فنظراًَ لبقاء رسالته، كانت هذا القرآن الباقي الخالد، الذي تقوم به الحجة على الناس أجمعين؛ ولهذا قال: (وإنما كان الذي أوتيته وحياً أوحاه الله إلي)، فمعجزته هذا الوحي، وإن كانت له معجزات كثيرة؛ لكن تلك المعجزات لا تقوم بها الحجة على كل الناس، والذي تقوم به الحجة على كل من بلغ هو هذا القرآن، وهو المعجزة الكبرى لرسول الله ﷺ .
فقوله: (ما مثله عليه آمن البشر)، أي: ما تقوم الحجة بمثله على الناس أجمعين، و (البشر): هذا الجنس الآدمي.
وإنما كان الذي الأواه أوتيه وحياً إليه الله أوحاه.
معناه: إنما كانت معجزته الكبرى التي آتاه الله وحياً أوحاه الله إليه، وهو هذا القرآن، والأواه معناه: كثير التوبة والإنابة إلى الله ، وهذا ثناء على رسول الله ﷺ ، وقد أثنى الله به على إبراهيم ﵇: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ [التوبة:١١٤] منيب.
والمقصود: بالوحي الموحى؛ لأن المصدر يطلق على الحدث ويطلق على ما تعلق به الحدث، فالحدث هو ظاهرة الوحي نفسها، فهو نزول الوحي إليه، وهو القرآن الموحى، فالقرآن يسمى وحياً بمعنى موحى؛ لأنه أوحي إليه.
وقوله: فهو أكثر الجماعة متبعاً يوم تقوم الساعة أي: فبسبب كون معجزته هذا الوحي فهو أكثر جماعة الرسل عليهم الصلاة والسلام أتباعاً يوم تقوم الساعة.
قوله: (كما رجا)؛ هذا الذي ترجاه بقوله: (فأرجو أن أكون أكثرهم تابعاً يوم القيامة)، وقد صح عنه ﷺ ذلك: (فإنه حين عرضت عليه الأمم، رأى النبي وحده، والنبي ومعه الرجل والنبي ومعه الرجلان والثلاثة، والنبي ومعه الرهط، والنبي ومعه القبيلة، ثم رأى سواداً قد ملأ الأفق قال: فأقول: هذه أمتي؟ فيقال: هذا موسى وقومه، ولكن انظر إلى الأفق فرأى أمته أضعاف ذلك)، وهذا التزايد علو في المنزلة؛ لأنه يزداد أجره بعدد أتباعه، فكل فرد من الأفراد آمن به، فإن كل عبادة يعبدها وكل ذكر يذكره يكتب للنبي ﷺ مثل أجره على التتابع الذي لا ينقطع إلا بقيام الساعة.
ولذلك فإن أمته كانت مدتها أطول المدد.
стр. 1219
شهادة أمة محمد على غيرها من الأمم
ومن حكم ختم الأمم بهذه الأمة أن هذه الأمة هي شهود الله على الأمم يوم القيامة، والشهادة من شرطها العلم، لقول الله تعالى: ﴿وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ﴾ [يوسف:٨١]، ولقوله: ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف:٨٦]، وفي حديث ابن عباس الذي أخرجه البيهقي في السنن بإسناد ضعيف، أن رسول الله ﷺ قال: (أترى الشمس؟ قال: نعم، قال: على مثلها فاشهد أو دع).
وعلى هذا فلا يشهد الإنسان إلا على ما علم، ومع ذلك فهذه الأمة شهود الله على الناس، فلو كانت هذه الأمة سابقة لوقتها، لما جاز لها أن تشهد على من يأتي بعدها من الأمم؛ لأن ما يأتي بعدها سيكون مجهول الخبر، فتقدمتها الأمم حتى تشهد عليها؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة:١٤٣].
وما من نبي إلا يخاصمه قومه يوم القيامة فيقولون: ﴿مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ﴾ [المائدة:١٩]، فيقال: ومن يشهد لك؟ فيقول: محمد وأمته، حتى أن نوحاً يخاصمه قومه فيقولون: ما جاءنا من بشير ولا نذير، فيقال: ومن يشهد لك؟ فيقول: محمد وأمته، فيؤتى برسول الله ﷺ وأمته فيستشهدهم نوح فيقولون: بلى قد مكثت فيهم ألف سنة إلا خمسين عاماً، فيشهدون له.
ولا عبرة بكثيرة الانتساب إلى الديانات المحرفة، فملة عيسى وأتباع عيسى انتهت تبعيتهم لعيسى ببعثة محمد ﷺ ؛ لأن عيسى بريء منهم بعد أن أخذ عليهم العهد إذا جاء النبي ﷺ أن يتبعوه؛ وكذلك أتباع موسى فبمجرد بعثة النبي ﷺ انتهى أتباعه؛ لأنه أخذ عليهم العهد أن يتبعوا محمداً ﷺ ، فكل من بعد النبي ﷺ من اليهود والنصارى ليسوا من أتباع عيسى ولا من أتباع موسى؛ بل هم من أتباع الشيطان، فقد غيروا العهد الذي أخذ عليهم أجمعين.
ومن هنا فلا تغتر بكثرة الذين يزعمون أنهم نصارى اليوم، ويزعمون أن أكثر الأديان انتشاراً في العالم الدين النصراني، فهذا ليس دين عيسى الذي جاء به، بل دين عيسى الذي جاء به مقتض لاتباع محمد ﷺ إذا بعث، وترك ما كان معهم بالكلية.
стр. 1220
الأسئلة
стр. 1221
عدم اختيار النبي ﷺ من العرب العاربة
السؤال
لماذا كان النبي من العرب المستعربة لا من العاربة؟
الجواب
أما كون النبي ﷺ من العرب المستعربة وليس من العرب العاربة، فهذا يقتضي زيادة شرف، فإن العرب المستعربة أشرف وأفضل عند الله تعالى وعند الناس، حتى قبل بعثة النبي ﷺ ، فلا شك أن قبائل عدنان كانت لها المنزلة العظمى في جزيرة العرب، فلا يفخر عليها أحد من العرب العاربة، بل كانوا يتنافسون في التقرب إليهم.
стр. 1222
إباحة ذبائح أهل الكتاب ونسائهم مع أن دينهم غير مقبول
السؤال
إذا كان دين اليهود والنصارى باطلاً، فلماذا أبيحت نساؤهم وذبائحهم؟
الجواب
بالنسبة لإباحة نساء أهل الكتاب وذبائحهم وتسميتهم أهل كتاب ودينهم لا يقبل عند الله تعالى، فهذا ليس تشريفاً لهم، وإنما هو تشريف لأمة محمد ﷺ ، فمن تشريف الله للمسلمين أنه أباح لهم ذبائح أهل الكتاب ونساءهم، ووسع عليهم وما جعل عليهم في الدين من حرج، وقد كان أهل الكتاب يزعمون أن لهم شفوفاً على المشركين حتى أنزلت سورة البينة، فجاء فيها قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُوْلَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ﴾ [البينة:٦]، فقال أبو بكر: استوت أكتافهم ورب الكعبة، فليس لهم أي شفوف على المشركين، فهم جميعاً شر البرية عند الله، وهم جميعاً إلى النار.
لكن إنما أبيحت ذبائحهم وأحل نساؤهم تشريفاً للمسلمين، لا تشريفاً لهم، هم ما لهم أي مزية في ذلك، بالنسبة لتشريف المسلمين بإباحة هؤلاء؛ لأنه على الأقل يجمعهم وإياهم بعض الأخلاقيات، ولهم مرجع يرجعون إليه وهو مرجع الدين، فلهذا أبيح للمسلمين نكاح نسائهم وأكل ذبائحهم، وأما المشركون الآخرون فليس لهم مرجع، بل إنهم يغيرون دينهم متى شاءوا، وحتى نساؤهم لم يكن مؤتمنات في أي شيء، لأنه لا يحبسهن أي شيء؛ ولهذا قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: [كانت نساء الجاهلية على قسمين: من لا ترد يد لامس ومن لها خدن]، وفي حديث علي بن أبي طالب: أنه كان النكاح في الجاهلية على قسمين أيضاً، وهذا كله يقتضي عدم الوفاء، وعدم العفة والحصانة، وهذه القيم توجد في أهل الكتاب نظراً لما معهم من القيم الباقية من دياناتهم المحرفة.
ونحن لا ننكر بعض الميزات المختصة بأهل الكتاب من الأحكام مثل ما ذكرنا، ومثل أن الله جعل الذين آمنوا بعيسى من أهل الكتاب أقوى من جميع الكفرة، فهذه ميزة ضمنها الله لعيسى: ﴿وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران:٥٥]، فسيبقون أقوى من اليهود وأكثر منهم أعداداً وأكثر منهم قوّة دنيوية.
ومن هنا فقوله تعالى: ﴿وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران:٥٥]، يوجد خلاف للمفسرين في معنى قوله: (اتبعوك)، فمنهم من قال: المقصود بذلك الحواريون وأتباع عيسى ﵇ الذين سلكوا ملته قبل التحريف والتغيير، وهم من جاء قبل أن يغير بطرس النصرانية، فهؤلاء ضمن الله لهم هذه المكانة، و: (إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) ليس ضماناً لبقائهم إلى يوم القيامة، بل النهايات كلها إلى يوم القيامة.
ومنهم من قال: المقصود بذلك كل من انتسب إليه حتى لو كان الاتباع مجرد انتساب، وليس المقصود أن يتبع ملته، وعلى هذا يدخل فيه من عاصرنا ومن يأتي بعدنا من النصارى الذين يزعمون الانتساب إلى عيسى ﵇.
وبعض الميزات الأخرى التي اختصوا بها في الأحكام مثل ما يختص بدعوتهم، فدعوتهم ليست كدعوة أهل الشرك، بل تختلف عنها في بعض الأصول كما في قول الله تعالى: ﴿وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [العنكبوت:٤٦]، وكذلك إخبارهم بإيماننا برسلهم ونحو هذا، فدعوتنا أهل الكتاب متميزة عن دعوة ما سواهم.
ومما امتازوا به أن من آمن منهم برسول الله ﷺ في زمانه يؤتى أجره مرتين، فقد صح عن رسول الله ﷺ : (أن ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين: العبد إذا أدى حق الله وحق مواليه، ورجل كانت له أمة فعلمها وأدبها فأحسن تعليمها وأحسن تأديبها ثم أعتقها فتزوجها، ورجل من أهل الكتاب آمن بنبيه ثم آمن بي)، أي: كان على ملته قبل بعثة النبي ﷺ ثم لما بلغته الدعوة آمن بالنبي ﷺ ، فإنه يؤتى أجره مرتين.
فهذه ميزة لكنها بعد الإسلام، وهذه الميزة أيضاً هي نفسها المذكورة في قول الله تعالى: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [المائدة:٨٢]، فالمقصود بهم الذين آمنوا من النصارى، وليس المقصود النصارى على كفرهم؛ ولذلك قال: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ * وَمَا لَنَا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ * فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ [المائدة:٨٣ - ٨٥] فهؤلاء هم الذين آمنوا برسول الله ﷺ .
وقد أخبر النبي ﷺ بدخول عدد كبير من النصارى في الدين، وأخبر أن اليهود قوم بهت؛ ولذلك قال: (لو آمن بي من اليهود عشرة وفي رواية: عشرون، لآمنوا كلهم)، فلم يؤمن به من اليهود في زمانه -مع أنه عاشرهم وعاش بينهم- عشرون شخصاً، بل الصحابة الذين هم من أصل اليهود قلة جداً، ولهم مزية وفضل عظيم جداً، وأكثرهم مشهود له بالجنة مثل عبد الله بن سلام ومخيريق؛ لأنهما خرجا من هذا الشعب المتعصب المصاب بالحسد لرسول الله ﷺ ، فكان تصديقهم للنبي ﷺ وإيمانهم به واتباعهم له مزية عظيمة جداً، يضاعف لهم بها الأجر.
أما النصارى فقد أسلم منهم عدد كبير ودخلوا بعد ذلك في دين الله حين فتحت بلادهم.
وقد اختلف في مزية اليهود والنصارى من العرب: هل لهم مزية على اليهود والنصارى من غير العرب، فذهب قوم إلى دخولهم في المزية؛ لأن اصطفاء الله لهذا الجنس من الناس يقتضي اختياراً لهم، وعلى هذا يترتب بعض الأحكام، منها: أن عمر ﵁ لم يفرض عليهم الجزية كما فرضها على غيرهم، بل صالحهم على أن يدفعوا الزكاة كما يدفعها المسلمون، وكان ذلك سبباً لإسلام كثير منهم.
وهذه الميزة لم يجعلها رسول الله ﷺ ؛ بل فرض على نصارى نجران الجزية، وهي أربعة دراهم على كل حالم وأربعة آلاف حلة في السنة لكن لم يجعلها على أفرادهم إنما جعلها عليهم جميعاً، فكانت الجزية بمثابة الصلح، لأن الجزية تترتب على كل محتلم، والرسول ﷺ جعل عليهم أربعة آلاف حلة ولم يحصهم عدداً، وكذلك يهود اليمن، وكذلك يهود خيبر بعد الهزيمة، فإنه أقر معهم التعامل على أن يأخذوا نصف ثمار خيبر، وأن يردوا عليهم نصفها، على أن تؤخذ منهم الجزية، ثم أخرجهم عمر.
أما الذين هم من العرب فقد أقرهم عمر ولم يخرجهم من جزيرة العرب، فقد أقر نصارى نجران، ويهود اليمن، وبني تغلب، فلم يخرجهم من جزيرة العرب مع أنهم أهل دين، وأخرج اليهود والنصارى الذين هم من غير العرب.
وعموماً هذه المسألة محل خلاف، ويترتب على هذا الخلاف أحكام فيما يتعلق بأخذ الجزية منهم ومعاملتهم معاملة مختصة.
стр. 1223
مسمى أهل الكتاب
السؤال
هل يطلق مسمى أهل الكتاب على غير اليهود والنصارى؟
الجواب
مسمى أهل الكتاب، إنما يطلق على اليهود والنصارى، وأطلق في سورة المائدة على فئة ثالثة هي فئة الصابئين، وقد اختلف في الصابئين، فذهب بعض الناس إلى أنهم صابئة أهل العراق وأهل حروراء، وهؤلاء طائفة من النصارى قد حرفوا ملتهم مثل السامرية من اليهود.
وقالت طائفة أخرى: بل هم أتباع يحيى بن زكريا ﵉.
ولكن الراجح أن يحيى لم يكن له أتباع يختصون به، بل كان مجدداً لملل الأنبياء من قبله ومعاصراً لعيسى ﵇، ومصدقاً به كما أخبر الله بذلك في وعده لزكريا ﵇: ﴿أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [آل عمران:٣٩]، فهو مصدق بعيسى بن مريم.
وذهب آخرون إلى أن الصابئين هم أتباع إبراهيم ﵇، وقد أثبت الله في كتابه أن إبراهيم اتبعه قومه؛ ولذلك قال: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:٦٨]، فقوله: (الذين اتبعوه) يقتضي جمعاً، وهو لم يؤمن به من قومه إلا لوط وسارة، لذلك قال: ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾ [العنكبوت:٢٦]، وعلى هذا فقد اتبعه قومه، ولا ندري أين استقروا، ولكن أرجح الأقوال في تفسير الصابئين أن الذين أطلق عليهم هذا الاسم في القرآن هم من أتباع ملة إبراهيم، وقد بقي في ذريته بعض ملته، كما بقي في ذرية إسماعيل من ملته الحج وعقد النكاح وغسل الجنابة، والضيافة، وخصال الفطرة.
وعموماً فالصابئة الموجودون اليوم في العراق الراجح فيهم أنهم ليسوا أهل كتاب أصلاً وإن سموا أنفسهم صابئة؛ ولذلك فإن ملتهم أو ما يسلكونه من الطقوس يشبه إلى حد كبير ديانة البوذيين، ويزعم بعض الناس أن أحد فلاسفة المسلمين هو الذي سماهم صابئة؛ كما سيأتي.
ومذهب الجمهور أن الجزية لا تؤخذ إلا من اليهود والنصارى فقط، لقول الله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة:٢٩].
وذهب مالك إلى جواز أخذها من الكفرة جميعاً، وقال: إن الأصل في إباحة أخذ الجزية من الكافر أنه سيكون من رعايا الدولة الإسلامية، وأن الشعوب بكاملها إذا أذعنت لا يمكن أن تعرض على السيف، فليس لها حل إلا أن أخذ الجزية؛ ولذلك رأى أن الشعوب إذا دعيت فلم تستجب إلى الإسلام، ولكن قبلت الدخول تحت حكمه فإنها تؤخذ منها الجزية بغض النظر عن ديانتها، هذا مذهب مالك.
لكن مذهب الجمهور أن الجزية تختص بأهل الكتاب من اليهود والنصارى، ويلحق بهم المجوس لحديث عبد الرحمن بن عوف: (سنوا بهم سنة أهل الكتاب غير آكلي ذبائحهم ولا محلي نسائهم)، وفي رواية: (ولا ناكحي نسائهم)، ولم يبق من سنة أهل الكتاب إلا أخذ الجزية منهم.
ويقال: إن المأمون أراد أن يعرض هؤلاء القوم وهم بالعراق على السيف أو يسلموا؛ لأنهم ليسوا أهل كتاب ولم يرد أن يأخذ جزيتهم، فشكوا إلى أحد فلاسفة المسلمين، فقال: ادعوا أنكم الصابئة، فادعوا ذلك، فلما أراد المأمون محاكمتهم جاء هذا الفيلسوف فجادل عنهم، وقال: إن أهل الكتاب لا ينحصرون في اليهود والنصارى فقط، بل الصابئون كذلك بنص القرآن -وقرأ عليه الآيات الواردة في ذلك- وهؤلاء هم الصابئون فتركهم، ومن ذلك الوقت سموا أنفسهم بالصابئين.
ويترتب على الخلاف السابق قضية أخرى، هي قضية استباحة دماء الكفار دون دعوة، فمذهب الجمهور: أنه لا يحل استباحة دمائهم وأموالهم إلا بعد دعوتهم، وقال أحمد بن حنبل ﵀: يجوز أن تهاجم الكافر فتقتله ولو لم تنذره، واستدل على ذلك بقول الله تعالى: ﴿فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ [التوبة:٥]، فيقول: الذي يقعد في المرصد لن ينادي من يترصده ويقول: يا فلان أسلم أو أقتلك، لأنه إنما اختفى يريد أن يقتله.
ولعل مذهب الجمهور في هذا أولى؛ لأن سبب النزول يقيد، وبالأخص انتهاء الأشهر الأربعة التي أعطى الله تعالى مهلة للمشركين بعد منعهم من دخول المسجد الحرام بسورة براءة في العام التاسع من الهجرة.
وعلى كل ينبغي عدم التسرع في الحكم في مسألة السماع وقيام الحجة، فإنه مما لا خلاف فيه بين الأمة أن بلوغ الدعوة شرط من شروط وجوب الأحكام.
وبلوغ الدعوة لا يكون إلا عن طريق المسلمين، أما بلوغها عن طريق وسائل الإعلام المشوهة، فقد لا يتحقق به بلوغ الدعوة تماماً.
стр. 1224
كيد الأعداء لهذه الأمة
إن الكفر لم يزل يحارب الإسلام في كل مجال، ويحاول مسخ هوية المسلمين بكل ما يقدر عليه، ومن ذلك مهاجمة القيم والأخلاق، وفرض السياسات الغربية والعادات الجاهلية على المسلمين، وإن دين الله محفوظ، لكن يجب على المسلمين العمل لنصرته، وسبيل ذلك هو الاهتمام بعلوم الدين والمحافظة على لغته وتعاليمه، وصيانتها من غزو الكفار.
стр. 1225
مشروع العولمة ومهاجمته للإسلام
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
стр. 1226
العولمة وفرض اللباس الغربي على المسلمين
إن من الخطوات التي تدخل في إطار العولمة ما يتعلق بالقيم الأخلاقية والالتزام العادي؛ فإن الملابس مما تتميز به الشعوب، وكل شعب له ملابس تميزه، وهذه الملابس لها ضوابط شرعية، فلباس الرجل تعتريه أحكام الشرع كما قال محمد مولود ﵀: ثم لباس الشرع تعتريه الـ أحكام حتمٌ منه ما يقيه إلى أن يقول: لباس موسرٍ لباس معسرٍ شُحٌ وضده ثوب السري على الدني خيلا والضد مهانةٌ والمستجاد القصد والعلما يندب حسن الزي لهم ليعظموا لكف الغي وحسنه يندب للمصلي وللمؤذن وذات البعل فإذا جاءت الخطوة اللاحقة من العولمة فسيفرض لباس الغربيين على الناس، وقد سبقت تجربة هنا في هذا البلد، حيث فرضت الملابس الغربية فيما يتعلق بالعمل المكتبي كله، وقد فرضت من قديم هذه الملابس على الجيوش في العالم كله، فالجيوش والشرط وغيرهم فرض عليهم اللباس الغربي من زمان، وسيأتي هذا تباعاً، حتى أن النساء سيفرض عليهن الزي الغربي من الملابس، وسيكون ذلك متدرجاً، فسيأتي في البداية بالدعاية في برامج مصورة وأشرطة للفيديو، ثم يؤتى بجس النبضِ بالمباشرة في الحفلات الخليعة الماجنة، ثم بعد ذلك فرضاً، وتكون هذه القيم مما يعاقب عليه، وقديماً كنا ندرس في القانون أن من خصائص القاعدة القانونية أنها مُلزمة؛ وأن قواعد القانون الدولي العام غير ملزمة، وبهذا فليست قواعد قانونيةً في الواقع لأنها غير ملزمة.
لكنه بعد حرب الخليج الثانية، أصبحت قواعد القانون الدولي ملزمة، لأن أية دولة خالفت هذه القواعد سيفرض عليها الحصار، أو تضرب كالحال الآن في ليبيا وفي السودان وفي العراق وبعض الدول الإسلامية الأخرى، فباكستان الآن تهدد بهذا الحصار، وبذلك ستفرض القيم بالقوة، وهذا الأمر إذا لم تحس به الأمة ولم تستعد له، فسيأتي بالتدريج: كالموت مستعجلاً يأتي على مهلِ يأتي بالتدريج والتقسيط حتى يترسخ، وحينئذٍ من وقف في وجهه كان كمن يضرب في حديد بارد.
أما إذا انتشر الوعي بين الناس فعرفوا أن الهجوم الذي يشن على اللغة العربية ليس على وسيلة للتفاهم، أو على لغة من لغات العالم فقط، وإنما هو هجوم على الإسلام في قيمه وعقيدته ووحيه المنزل، وأخلاقه، وكل ما فيه، وأن الهجوم الذي يشن على التعليم ليس هجوماً على المؤسسات التعليمية أو تغييراً أو رُقياً في هذا المجال فقط، بل هو هجومٌ شرسٌ على الإسلام لاقتلاعه من جذوره، وأن الهجوم الذي يشن في الإعلام إنما يقصد به الوصول إلى من لا تصل إليه مؤسسات التعليم من الناس حتى يشارك في بناء عقليته وتصوره، ومن هنا فإن الإعلام لا يخرج فيه من الأخبار غالباً والتحاليل إلا ما كان مضللاً مبنياً على كذب ومجازفة متعمدة.
ولذلك فالتشويه الحاصل اليوم للمسلمين في كل مكان مبناه على أن وسائل الإعلام المؤثرة إنما يمتلكها أعداء الدين وأعداء الحق، وهم يخرجون فيها ما شاءوا، ومن هنا فلا يتوقع من هؤلاء أن يخرجوا دعايةً للإسلام ولا إنصافاً له، بل هم أعداؤه ويريدون القضاء عليه، ويودون ذلك، والقرآن صريح في هذا: ﴿وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ﴾ [الممتحنة:٢].
فهم لا يرضون منكم إلا الكفر ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة:١٢٠]، ومن هنا لا يرضون أبداً عن أي إنسان إلا إذا تبع ملتهم، لكنهم يرضون منه بالتدريج خطوة خطوة، وهذه سياستهم.
كذلك الهجوم على ما يتعلق بالقيم، فنحن نشاهد في كثير من البلدان الإسلامية اليوم قوانين تفرض على النساء إذا درسن في المؤسسات التعليمية أن يمتنعن من ارتداء الحجاب أو ستر رءوسهن، وهذا موجود في البلدان الإسلامية المجاورة، وهو مفروض بقوة النظام ولكنه خطوة واحدة من خطوات هذا الغزو في مجال القيم.
стр. 1227
العولمة وفرض الديمقراطية لصالح الغرب
ومثل هذا في المجال الاقتصادي ومثله في المجال السياسي في فرض الديمقراطية وفرض الكلام في حقوق الإنسان وغيرها، فهذه إنما هي على مكيال الغرب، فالديمقراطية إذا أدّت إلى وصول الفاسدين المرضين للغرب فهي ديمقراطية صحيحة شفافة مقبولة، وإذا أدّت إلى خلاف ذلك فهي منبوذة، ومعناها أن الشعب لم يصل إلى الوعي الكافي، ولابد من انقلاب عسكري يغير ذلك.
وكذلك في حقوق الإنسان في فلسطين، فإن المقصود بالإنسان فيها هو اليهودي فقط.
وحقوق الإنسان في كل بلد من البلدان التي فيها أقليات غير مسلمة، المقصود بها الإنسان غير المسلم فقط، فحقوق الإنسان في مصر يقصد بها حقوق الأقباط فقط، حقوق الإنسان في السودان يقصد بها حقوق الجنوبيين فقط، وهكذا فهذه الدعايات البراقة الخلابة التي يخدع بها الناس لها مفاهيم عند الغربيين، وإن الشعوب غير واعيةٍ لهذه الدلالات، وغير واعيةٍ لهذه المصطلحات المقصودة، ومن هنا ينخدعون بهذه الدعايات وتؤثر فيهم.
إن المؤتمرات التي تقام لترسيخ (الفرانكفونية) والإنفاق الكبير الذي يبذل فيها، لم يأت من فضاء، ولم يقصد به مجرد التقاءٍ أو تحاورٍ بين الشمال والجنوب كما يسمون ذلك الحوار، وإنما يقصد بها التحاور بين الجانب القوي والجانب الضعيف، وهذا الحوار بين جانبين أحدهما قويٌ (١٠٠%) والآخر ضعيف (١٠٠%)، ولن يكون فيه عدل أبداً بل سيكون الجانب الضعيف هو المهضوم وهو المهزوم، وهو الذي تفرض عليه قيم الجانب الآخر، ومن هنا فإذا لم يعم الوعي في الشعوب الإسلامية، فستأتي هذه الخطوات متسارعة.
وقد شاهدنا في السنوات الأخيرة تسارعها، فعندما أصبح القطب العالمي واحداً، وأصبح النظام العالمي الجديد ليس له من يقف في وجهه، أصبحت هذه الخطوات سريعةً جداً، فيأتيك قرار بفرض الديمقراطية من غير مطالبة، ثم يأتيك قرار آخر بتغيير التعليم، ثم يأتيك قرار آخر بتغيير القيم، ثم يأتيك قرار آخر بترسيخ الربا، ثم يأتيك قرار آخر قاضٍ على الصناعات والإنتاج كمنظمة (الجات) وغيرها، وهكذا تتسارع الخطوات في ظل غياب الوعي في الشعوب.
стр. 1228
توظيف الغرب لحقوق الإنسان لصالح الكفر
أما إذا حصل الوعي فبالإمكان أن تمتنع هذه الشعوب عن الانجراف والمسارعة والهرولة إلى اليهود والنصارى، فالذين يسارعون إلى اليهود والتطبيع معهم يظنون أنهم بذلك سيكسبون شهرةً عالميةً وأموالاً طائلة، أو على الأقل ستجدول ديونهم، ويقضى عليها، ولكن الواقع خلاف ذلك، فاليهود أنفسهم كل ميزانيتهم مستوردة من الخارج، ودولتهم دولة فقيرة مازالت تُدعم إلى اليوم من الولايات المتحدة الأمريكية، ومن غيرها من البلدان الأوروبية، وهم يسعون كذلك للتعويض من البلدان الغربية في كل سنة، فيفتعلون قضايا ويرفعونها عند المحاكم لينالوا مالاً، ففي العام الماضي أخذوا تعويضاً كبيراً من الألمان عن المحرقة اليهودية، وهذا العام أخذوا تعويضاً كبيرا من الهولنديين، والعام القادم سيأخذونه من دولة أخرى وهكذا.
فإذا كانوا أصحاب هلع وطمع، ولم يكن لديهم ما يكفيهم لتوسعهم في مشروعهم الحضاري وكانوا دولةً تعيشُ على حساب الدول، فكيف يطمع فيها من أغناه الله عنها، وبالأخص إذا عرف أنهم أهل المكر والدهاء من قديم العهد، فقد شهد الله عليهم بذلك في كتابه، وشهد عليهم بالكذب وأكل السحت وأكل الربا، وأنواع الفجور، وتحريف الكلم عن مواضعه، وبالأخص أن عداوتهم لهذه الأمة هي أعظم العداوات: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ [المائدة:٨٢]، فعداوتهم لهذه الأمة هي أشد العداوات، حتى حاولوا التخلص من شخص النبي ﷺ برمي الحجر عليه، عندما أمروا عمرو بن جحاش أن يصعد فوق الدار، وأن يرمي الحجر على النبي ﷺ وهو جالس في الظل، وحاولوا وضع السم له في غزوة خيبر، وحاولوا كذلك التخلص من القرآن، وسحر النبي ﷺ على يد لبيد بن الأعصم وبناته.
هذه مؤامراتهم على شخص النبي ﷺ فقط، ثم مؤامراتهم بعد ذلك على الأمة لا حصر لها ولا نهاية، ومن هنا فلا يرجى منهم خير، ولا يمكن أن يطمع طامعٌ في خيرٍ يأتيه من قبل اليهود الذين شهد الله عليهم بهذه الشهادات المخزية، التي أخزاهم بها وبين بها حقيقتهم، وبين بها عوارهم وما هم فيه من أنواع المذلة والمهانة ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ﴾ [آل عمران:١١٢].
فماكان هكذا فكيف يريد الإنسان التعزز به؟!
стр. 1229
بيان ضلال اليهود والنصارى وأن العلم عند المسلمين
إن المؤمن ينبغي أن يتذكر قول الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون:٨]، ولا يمكن أن يطلب العزة لدى اليهود الأذلاء الذين كتب الله عليهم الذلة والمسكنة، وكذلك النصارى الضالين الذين لا علم لهم، كيف يطلب منهم العلم وقد شهد الله عليهم بذلك في كتابه، بل إن من ضل من علماءنا كان كاليهود، وجهالنا من ضل منهم كان كالنصارى، فاليهود هم المغضوب عليهم، والنصارى هم الضالون، فاليهود أضلهم الله على علمٍ، والنصارى ضلوا عن جهل، إن قوماً شهد الله عليهم بالجهل لا يمكن أن يطلب منهم العلم.
والذي يقول نحن نصلح التعليم لنحتذي بالنصارى ونريد منهم العلم، أول ردٍ عليه أن يقال: النصارى ليس لديهم علم، وقد حكم الله عليهم بذلك، وشهد عليهم به في كتابه، فكيف تطلب العلم من غير موضعه؟ إن هذا انتكاس في المفاهيم، وعدم وعي وإدراك للواقع، وهو من كيد هؤلاء الكائدين الماكرين، فيجب على الأمة أن تنتبه له، وأن لا تقبله بحال من الأحوال، ويجب على المسلمين أن يتعلموا لغة القرآن، وأن يهتموا بها وأن يعلموا أولادهم هذه اللغة، وأن يحافظوا عليها، وأن يعلموا أن المدارس النظامية التي هي من وضع الغربيين، لا يمكن أن تخرج العلماء، مادامت من وضع الغربيين.
هل رأيتم عالماً قط خريج جامعة لم يدرس في غيرها؟! لا يمكن أن يتم هذا، فلذلك لابد أن يعتني الناس بتعليم اللغة العربية، وأن يدرسوا أولادهم هذه اللغة، وقد أدركنا أسلافنا قبل سنوات، في بداية هذا الجفاف والناس ما زالوا يدرسون أولادهم ديوان الستة الجاهليين، والمعلقات السبع، وكان كل ناشئٍ بلغ عشرين سنة وهو لا يحفظ ألفية ابن مالك يعتبر ذلك سُبةً عليه، ومهانةً ومذلة بين الناس، واليوم شُغل الناس عن ذلك فأصبحت ترى الذين يراد منهم أن يكونوا قادة الأمة في المستقبل وحراس الدين، وهم لا يهتمون بشيء من هذا، ولا تعلق لهم بهذه اللغة ولا يعرفون شيئاً عنها، وهم بهذا يخادعون أنفسهم ويهملون ما فُرض عليهم، ونحن نعلم أن المكانة العالية التي تبوأها علماؤنا وقادتنا وخلفاؤنا عبر التاريخ إنما كانت في الأساس بهذا العلم.
стр. 1230
اعتناء المسلمين بعلم اللغة وذكر نماذج من ذلك
لاحظوا كلام الخلفاء الراشدين وقارنوه بكلام من دونهم، فستجدون مستواهم اللغوي وعنايتهم بهذه اللغة:
следующие страницы →