← Джавами‘

Джавами‘ · id 7722

دروس للشيخ محمد الحسن الددو الشنقيطي

محمد الحسن الددو الشنقيطي

Полный текст (1 349 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.

стр. 1296

ما يجب على المرأة من الطاعة لزوجها السؤال هل طاعة الزوج واجبة في كل الخدمات أم تقتصر الزوجة على طاعته بنفسها؟ الجواب لا يلزم المرأة طاعة الزوج في كل الخدمات، بل يلزمها طاعته فيما يتعلق بالفراش، وعدم الخروج من البيت إلا بإذنه ونحو ذلك، أما الخدمة فهي راجعة إلى العرف والعادة، فإن اقتضت العادة خدمة معينة كانت من المعروف، لأن المعروف عرفاً كالمشروط شرطاً، وإن لم تكن العادة مقتضية لذلك بأن كانت المرأة من مستوى أهله يُخدَمون ولا يَخدِمون، فلا تجب عليها الخدمة، فإن فعلت فهو تطوع منها ومعاشرة بالتي هي أحسن، وذلك فيه خير لا شك، وعلى هذا فكل ما يقتضي أُلفةً بين الزوجين واستمراراً لهذه العلاقة فهو مطلوب شرعاً، وعلى الزوجين ألا يتحاقا بينهما في كل الحقوق، وعلى كل واحد منهما ألا يقتصر فقط على الحق الواجب عليه، وأن يسامح في حقوقه إذا استطاع أن يؤدي ما زاد على الحقوق الواجبة؛ ليكون ذلك أدعى لاستمرار هذه العلاقة الشرعية.

стр. 1297

الجمع بين النهي عن إسبال الثوب والأمر بعدم كف الشعر والثوب في الصلاة السؤال أريد التوضيح في الجمع بين النهي عن إسبال الثوب، و (أمرنا ألا نكف شعراً ولا ثوباً في الصلاة)؟ الجواب الإسبال جاء النهي عنه مطلقاً، والنهي عن كف الكم والشعر في الصلاة؛ المقصود به: أن يحذر الإنسان في وقت سجوده من أن يسجد وثوبه أو شعره يلامس الأرض، فإنه بذلك سينصرف باله وقلبه عن الصلاة وينشغل بالحذر على ثوبه أو شعره من أن يمس التراب، والشعر والثوب يسجدان لله ، فإذا سجدت فكل خيط من خيوط ملابسك وكل شعرة من شعرك تسجد معك لله ، وأنت تثاب على كل ذلك بسجدة كاملة، وعلى هذا فالإنسان أمر أن لا يكف. أما الإسبال في حال القيام، فقد جاء فيه بعض النصوص، منها ما أخرجه أبو داود في سننه من حديث ابن جريج عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ نهى أن يصلي الرجل سادلاً، والمقصود بالسدل الإسبال في الصلاة، وعقب أبو داود هذا الحديث بما يقتضي تضعيفه، فقال: جاء عن ابن جريج أنه قال: كنت كثيراً ما أرى عطاء بن أبي رباح سادلاً في الصلاة. قال أبو داود وهذا مما يضعف هذا الحديث. لكن جاء في حديث آخر أن النبي ﷺ رأى رجلاً في الحرم يصلي مسبلاً، فأمره أن يعيد الوضوء والصلاة، ولكن لا يقاس على هذا؛ لأنه راجع إلى الوحي، فقد يكون النبي ﷺ عرف عن طريق الوحي أن هذا الرجل فعل ذلك خيلاء، لذلك أمره بإعادة الوضوء، ولكن الإسبال غير ناقض للوضوء، والنبي ﷺ أمر هذا الرجل بخصوصه أن يعيد الوضوء والصلاة. والأرجح في هذه المسألة أن الإنسان في حال القيام ليس له أن يسبل مطلقاً، أما في السجود فليس له أن يكف شيئاً من ثوبه ولا من شعره عن الأرض.

стр. 1298

النوافل أوقاتها وعدد ركعاتها السؤال أريد تفصيلاً حول النوافل الراتبة وما يقرأ في كل منها، والقول الأرجح في عددها وعدد ركعاتها؟ الجواب الرواتب هي سي الفرائضِ. والسيّ هو ما يظهر في الضرع قبل أن ينزل فيه اللبن، فالذي ينزل على فم الفصيل عندما يرضع قبل أن تدر أمه هو الذي يسمى بالسي. ويسمى بالسيء أيضاً، وقد جاء في حديث ضعيف سيوا صلاتكم أو سيئوا صلاتكم فإن كثرة السي تدل على قوة الحشك، أي: تمام الدرار. فإذا كانت الفريضة محوطة بسياج من النوافل قبلها وبعدها إذا كان ما بعدها وقت إباحة، أو كان ما قبلها وقت إباحة فإن ذلك مما يكمل الفريضة ويقتضي من الإنسان إقبالاً عليها، لأن الإنسان يتطهر بالصلاة، ولذا جعلها النبي ﷺ بمثابة (النهر الجاري على باب أحدكم ينغمس فيه في اليوم والليلة خمس مرات، فهل ترون يبقى من درنه شيء) فكذلك النافلة يتطهر بها الإنسان للفريضة. ولذلك فالنوافل الراتبة هي: ركعتان قبل صلاة الفجر خفيفتان، ولم يرد تعيين شيء في السور التي يقرأ بها في هاتين الركعتين، لكن ورد الحض عليهما في قول النبي ﷺ (ركعتا الفجر؛ خير من الدنيا وما فيها). وأخرج أبو داود في السنن بإسناد ضعيف، أن رسول الله ﷺ قال: (صلوهما ولو طردتكم الخيل) وبالغ في الأمر بهما والحض عليهما ولذلك سميا بالرغيبة، أي رغب فيهما الشارع ترغيباً شديداً، فأما بعد الفجر فلا نافلة؛ لأن النبي ﷺ نهى عن الصلاة بعد الفجر حتى تطلع الشمس، وبعد العصر حتى تغرب. ثم بعد هذا من الرواتب: أربع قبل الظهر، واثنتان بعدها أو أربع، وكل ذلك وارد، وراتبه الظهر سواء كانت قبلية أو بعديه تسن في المسجد كما كان رسول الله ﷺ يصليها، أما ركعتا الفجر فكان يصليهما في بيته، ولم يكن يصليهما في المسجد، وكذلك قبل العصر ورد ركعتان كما في حديث ابن عمر في الصحيحين وفي حديث ميمونة كذلك، وقد واظب رسول الله ﷺ عليهما في المسجد. وورد أربع ركعات في حديث أخرجه الترمذي في السنن أن رسول الله ﷺ قال: (رحم الله امرأ صلى قبل العصر أربعاً) وهذا الحديث فيه لين، لكن مع ذلك عمل به كثير من أهل العلم وحتى الترمذي وغيره، ثم بعد هذا لا راتبة بعد العصر، لأن الوقت وقت نهي كما بينا. أما المغرب فقد صح عن رسول الله ﷺ أنه قال: (صلوا قبل المغرب ركعتين، صلوا قبل المغرب ركعتين، صلوا قبل المغرب ركعتين ثم قال في الثالثة: لمن شاء)، فاختلف العلماء في حكم هاتين الركعتين، فذهب الشافعي إلى ندبهما؛ لأن النبي ﷺ أمر هذا الأمر، والأمر ليس للوجوب بل هو مقتضٍ للندب، وذهب مالك ﵀ إلى الكراهة فيهما، لأنه قال: إن قول النبي ﷺ : (صلوا قبل المغرب ركعتين) في البداية ليس للوجوب لأنه قال: (خمس صلوات فرضهن الله على العباد في اليوم والليلة)، ولأن الله قال له ليلة المعراج: (هن خمس وهن خمسون ما يبدل القول لدي). وعلى هذا فلن تزيد الفرائض على الخمس، فلما قال: (صلوا قبل المغرب ركعتين) كان للندب فقط، ثم قال بعده: (لمن شاء) فنزل عن الندب، وإذا نزلت الصلاة عن الندب، فإنها لا تصل إلى الإباحة المستوية الطرفين؛ لأن العبادة لا تكون مباحه، فلن يبقى إلا أن تصل إلى الكراهة فقط، ومع ذلك فقد صلاهما مالك ﵀ ذات يوم، فقد كان واقفاً في المسجد فجاء طفل صغير فقال: يا أبا عبد الله! ألا تركع، فأحرم مالك وركع، فلما سلم اجتمع الناس عليه وقالوا: يا أبا عبد الله! لقد ركعت هاتين الركعتين، وما رأيناك ولا أحداً من ولدك يركعهما، فقال: خشيت أن أكون من الذين إذا قيل لهم اركعوا لا يركعون. لقد أمره هذا الصبي الصغير أن يركعهما. كذلك فإن أحمد بن حنبل ﵀ كره المواظبة عليهما، وقد صلاهما مرة حين روى الحديث. ثم بعد المغرب ركعتان وهما من آكد الرواتب، وكان رسول الله ﷺ يصليهما في بيته كما في حديث ابن عمر، وقد ذهب الشافعية إلى كراهة صلاتهما في المسجد، بل ذهب بعضهم إلى أن صلاتهما في المسجد معصية، لمواظبة النبي ﷺ على صلاتهما في بيته. وكذلك ركعتان خفيفتان بعد العشاء إذا رجع الإنسان إلى بيته بعد صلاة العشاء، فقد كان النبي ﷺ يركع ركعتين خفيفتين، وربما أخرهما فافتتح بهما صلاة الليل، فقد كان يفتتح صلاة الليل بركعتين خفيفتين قبل أن يصلي أربعاً طوالاً، لذلك جاء في حديث عائشة في وصف قيام النبي ﷺ قالت: (كان يصلي ركعتين خفيفتين، ثم يصلي أربعاً فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي أربعاً فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يركع)، وفي حديث ابن عمر: (صلاة الليل مثنى مثنى)، وفي رواية الموطأ: (صلاة الليل والنهار مثنى مثنى)، فهذا الأصل في النوافل، لكن مع ذلك فإن النبي ﷺ قد جمع تسعاً بسلام واحد، وجمع سبعاً بسلام واحد، وجمع خمساً بسلام واحد، وجمع ثلاثاً بسلام واحد، وهذا وتر النبي ﷺ ، أوتر بواحدة، وأوتر بثلاث، وأوتر بخمس، وأوتر بسبع، وأوتر بتسع، وكذلك جمع بين أربع بسلام واحد، وكل هذا على الجواز. فهذه هي الرواتب، ويضاف إليها غيرها من النوافل، وهي مثلاً: قيام الليل، وهو ما تيسر مطلقاً، وليس محدداً بعدد، فقد كان النبي ﷺ يصلي ثلاث عشرة ركعة من الليل أو إحدى عشرة ركعة، وكذلك صلاة الضحى التي حض عليها النبي ﷺ حضاً بالغاً، وأكثرها ثمان، وأقلها أربع أو اثنتان، وهما ركعتا الشروق، واثنتان وقت ارتفاع الشمس، وهي صلاة الأوابين حين ترمض الفصال فيكون الجميع أربعاً، وأوسطها ست، فهذه هي أهم النوافل. أما قضاء النافلة في غير وقتها فقد جاء فيه أن رجلاً من الأنصار صلى بعد صلاة الفجر فرآه رسول الله ﷺ فقال له: (يافلان: ماذا تصلي؟ فقال: ركعتا الفجر شغلت عنهما بالصلاة فسكت)، وهذا معارض لحديث ابن عباس في الصحيحين أنه قال: (شهد عندي رجال مرضيون وأرضاهم عندي عمر بن الخطاب: أن رسول الله ﷺ نهى عن الصلاة بعد الفجر حتى تطلع الشمس، وبعد العصر حتى تغرب) ولذلك فإن المالكية والحنفية تركوا حديث ابن عباس على إطلاقه حين عملوا بالترجيح قبل الجمع، وذهب الشافعي وأحمد إلى الجمع قبل الترجيح، فرأيا إخراج ذوات الأسباب من حديث ابن عباس قياساً على ركعتي الفجر، والاحتياط أن يؤخر الإنسان الصلاة حتى ترتفع الشمس؛ لأن في الباب أحاديث أخرى كحديث عمرو بن عبسة ﵁، وحديث ابن عمر في الساعات التي نهانا رسول الله ﷺ أن نصلي فيها، أو أن نقبر فيها أمواتنا. أما إذا جاء الإنسان بعد أن صلى الرغيبة فدخل المسجد فقد جاء في حديث أخرجه الدارقطني في السنن، أن رسول ﷺ قال: (لا صلاة بعد الفجر إلا ركعتيه -وفي رواية- إلا ركعتين) لكن الحديث فيه ضعف، ومع ذلك فقد عمل به بعض العلماء، فرأوا كراهة الصلاة بعد صلاة الرغيبة، لكن إذا جاء الإنسان قبل الصلاة ووجد الناس ينتظرون الصلاة، فلابد أن يحيي المسجد لحديث أبي هريرة: (إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين).

стр. 1299

جواز خروج المرأة للبيع والشراء في العدة السؤال هل يجوز للمرأة إذا كانت في العدة أن تمارس التجارة وتمارس الذهاب إلى السوق؟ وهل يجوز لها الكلام مع الأجانب؟ الجواب يجوز لها كل ذلك, ولكن يجب عليها أن تبيت في مكانها، ويحل لها الخروج لحاجاتها طرفي النهار لكن لا بد أن تسكن في مكانها، لقول الله تعالى: ﴿لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [الطلاق:١]. وأما الكلام مع الأجانب فيجوز لها منه ما كان يجوز لها قبل أن تكون في عدتها، ولم يحرم عليها بطلاقها أو بموت زوجها من الكلام مع الأجانب شيء إلا ما كان حراماً عليها من قبل، فخلطة الأجانب كانت محرمة عليها في كل ما كان فيه ريبة، لكن مخالطتهم بالبيع والشراء دون ريبة كانت تجوز لها في حياة زوجها، وهي زوجة قبل طلاقها، ولم يطرأ عليها شيء بعدتها.

стр. 1300

حكم مسح العين بالريق عند قول المؤذن: أشهد أن محمداً رسول الله السؤال عندما قال المؤذن: محمد رسول الله، رأيت رجلاً بل إبهامه وسبابته بالريق ومسح بهما على عينيه، ورأيته لما قال المؤذن: لا إله إلا الله، تفل في يده اليمنى ومسح على رأسه، فهل لهذا أصل أم هو بدعة؟ الجواب هذا لا أصل له، وإنما يعتمد فيه الناس على رؤيا رآها رجل في النوم، وهذه المرائي تسر ولا تغر، ولا يمكن أن تؤخذ منها الأحكام، ولا أن يعتمد عليها في مثل هذا، فعلى الناس أن يتركوا هذا، وأن لا يفعلوه، لأنه لو كان خيراً لجاءنا به محمد ﷺ ، ونحن قاعدتنا الشرعية: (لو كان خيراً لسبقونا إليه)، وهي ضد قاعدة الكفار الذين قالوا: ﴿لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ﴾ [الأحقاف:١١] فنحن نقول: (لو كان خيراً لسبقونا إليه)، وكل خير لم يسبقنا إليه أصحاب رسول الله ﷺ فليس خيراً، وكل عمل لم يسبقنا إليه أصحاب رسول الله ﷺ فليس خيراً، وكذلك الذي يبصق في يده ويمسح على رأسه، فلا دليل على هذا، ولا ينبغي أن يفعل.

стр. 1301

توجيه لمن أراد أن يكون عالماً السؤال كيف أكون عالماً، أريد التوجيه منكم والنصيحة، وأريد أن تدلوني على الطريق الذي أصير به عالماً من علماء السنة؟ الجواب لقد دل رسول الله ﷺ على طريق العلم، فيما أخرج عنه البخاري تعليقاً في الصحيح، وأخرجه ابن أبي عاصم النبيل في السنة متصلاً أن رسول الله ﷺ قال: (إنما العلم بالتعلم وإنما الحلم بالتحلم)، فمن أراد أن يكون عالماً؛ فلا بد أن يتعلم، ولذلك فالعلم خمس رتب: فالرتبة الأولى: إحسان الاستماع له؛ أن يملك الإنسان سمعه عند العلم حتى يستمع إليه. الثانية: الفهم لما يسمع. الثالثة: العمل بما سمعه وفهمه. المرتبة الرابعة: الحفظ لما سمعه وفهمه وعمل به. المرتبة الخامسة: النشر لذلك وتعليمه. فهذه خمس مراتب بها يكون الإنسان عالماً، فمن لم يعمل بواحدة منها لم ينل هذه المرتبة.

стр. 1302

حكم عيادة المرأة للمريض الأجنبي السؤال هل يجوز للمرأة عيادة المريض إذا كان أجنبياً؟ الجواب نعم، يجوز لها أن تعوده، وقد أخرج البخاري في الصحيح أن عائشة ﵂ عادت بلال بن رباح ﵁ في مرضه في الهجرة، وعقد البخاري على هذا باباً لعيادة المرأة للأجنبي، لكن عيادتها هي أن تقول له: كيف تجدك؟ كما قالت عائشة لـ بلال ﵄، فيجوز للمرأة عيادة الأجنبي، لكنها لا تمس جسده، وإنما تقول له كيف تجدك، وتدعو له، وهذه هي فائدة العيادة: أن يدعو الإنسان للمريض، وأن يخفف عنه، كما كان النبي ﷺ يفعل في عيادته، فيقول: (لا بأس طهور)، ويذكر الإنسان بأجر الصبر والبلاء، ويخفف عنه بذلك، وهذا لا خلاف فيه، ولا خلاف في جواز عيادة المرأة للمريض الأجنبي، وكذلك عيادة الرجل للأجنبية من الأمور الجائزة، فيعودها لكن لا يرى ما لا يجوز له رؤيته، ولا يسمع إلا ما يجوز له سماعه، بل يأتي ويسلم ويقول: كيف تيكم؟ أو كيف حالها؟ أو كيف أنت؟ ويدعو لها أيضاً، ويخفف عنها.

стр. 1303

قراءة الفاتحة للمأموم السؤال هل الأفضل بعد انتهاء الإمام من قراءة الفاتحة جهراً أن يقرأ المأموم أم الأفضل له أن يسكت؟ الجواب الأحوط للمأموم أن يقرأ الفاتحة في الصلاة؛ لأن النبي ﷺ يقول: (كل صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج) فالأحوط للمأموم أن يقرأ الفاتحة لكن عليه أن يقرأ بها في نفسه، كما أخرج مالك في الموطأ عن أبي هريرة ﵁ أنه قال (اقرأ بها في نفسك يا فارسي) فعلى الإنسان أن يقرأ بها احتياطاً، فإن سكت الإمام فبها ونعمت، وإذا لم يسكت فليبادر الإنسان ليقرأ الفاتحة، لذلك قال عروة بن الزبير ﵄: إن للإمام ثلاث سكتات فاجتهد أن تقرأ فيها الفاتحة، أو أن تكمل فيها الفاتحة، والسكتة الأولى بعد الإحرام قبل القراءة، والثانية بعد الفاتحة قبل السورة، والثالثة بعد السورة قبل الركوع. ولا إشكال بالنسبة للمأموم فإنه لا يقرأ السورة، وإنما يقرأ الفاتحة فقط، لكن يقرأ بها في نفسه، وهو بهذا لن يفوت الإنصات؛ لأنه أنصت للفاتحة، وأنصت لما أدرك من السورة أيضاً. أما بالنسبة لحكم هذه السكتات فإنها غير واجبة، بل السكتة بعد الفاتحة لا نعلم فيها شيئاً مرفوعاً عن النبي ﷺ وإنما هي من هدي الصحابة والخلفاء الراشدين، فقد كانوا يفعلونها.

стр. 1304

من أدرك الثانية والإمام في القنوت السؤال من أدرك الركعة الثانية من الصبح ووجد الإمام يقرأ القنوت فهل يقرؤه معه أم يقرأ الفاتحة؟ أم ماذا يفعل؟ الجواب يجب عليه أن يقرأ الفاتحة؛ لأن الإمام حينئذ لا يقرأ القرآن وإنما أمر المأموم بالإنصات للقرآن فقط، لقوله تعالى: ﴿إِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف:٢٠٤]، وقد أجمع أهل التفسير أن المقصود بذلك ما كان في الصلاة. وبالنسبة للقنوت نفسه فليس واجباً والحمد لله، وإنما اختلف في حكمه، فيرى الشافعي سنيته، وأن من تركه لزمه السجود، ويرى المالكية سنيته، وأن من تركه لا يلزمه السجود، ويرى الحنابلة والحنفية مشروعيته عند الحاجة فقط وعدم مشروعيته في غير ذلك.

стр. 1305

حكم قول: ما شاءت الأقدار السؤال ما حكم الكلمات الشائعة، وهل لها أصل شرعي وهي: (ما شاءت الأقدار)، (فوافق القدر)؟ الجواب إن القدر لا يشاء، وإنما يشاء الله ، فالقدر صفة من صفات الله فينبغي للإنسان أن يتأدب بالأدب الشرعي، وأن يقول: ما شاء الله، لا قوة إلا بالله، كما أمر الله بذلك، وكما حكاه الله في كتابه، وكما أمر به رسوله ﷺ ، ومثل هذا ما يقوله بعض الناس: يقول القرآن، أو قال القرآن، فالقران قول وليس قائلاً، فعليه أن يقول: قال الله أو يقول الله، ولا يقول: قال القرآن، وأما القسم بالقرآن فجائز لأن القرآن كلام الله.

стр. 1306

حكم قول: سمحت الظروف ولم تسمح السؤال حكم قول: سمحت الظروف أو لم تسمح الظروف؟ الجواب قول: شاءت الظروف وسمحت الظروف مما لا ينبغي، لأن الظروف هي الأزمنة. والزمان كان أهل الجاهلية يطلقونه على قدر الله، ولهذا قال النبي ﷺ : (لا تسبوا الدهر) فنهى عن سب الدهر؛ لأن أهل الجاهلية كانوا يطلقونه على القدر، فلهذا لا ينبغي للإنسان أن يأخذ بعادة من عادات أهل الجاهلية.

стр. 1307

النهي عن سب الدهر السؤال لماذا نهى الشرع عن سب الدهر؟ الجواب النبي ﷺ يقول: (لا تسبوا الدهر) والمقصود به: القدر؛ لأن الناس إذا قالوا: هذا الدهر سيء، أو مكائد هذا الدهر عجيبة، وبدءوا يسبون الدهر، فإنهم يصلون بذلك إلى الاعتراض على قدر الله وقضائه.

стр. 1308

حكم قول: (صدق الله العظيم) بعد تلاوة القرآن السؤال ما حكم كلمة (صدق الله العظيم) بعد تلاوة القرآن؟ الجواب هذه الكلمة إذا كانت بعد خبر، فإنها مطلوبة من الإنسان، لقول الله تعالى: ﴿قُلْ صَدَقَ اللَّهُ﴾ [آل عمران:٩٥] أما إذا كانت بعد أمر، أو إنشاء فلا تطلب لأن الأمر لا يحتمل الصدق والكذب، فإذا كان القارئ يقرأ قصة من قصص القرآن، أو خبراً من أخبار الله التي أخبر بها، فله أن يقول بعدها: (صدق الله العظيم). أما إذا قرأ أمراً: ﴿لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾ [الطلاق:٧] فقال: (صدق الله العظيم)، فهذا ليس محتملاً للتصديق أصلاً. فإذاً لابد أن يفرق الإنسان بين المقروء، فإن كان خبراً صدقه وشرط عليه ذلك ولزمه. وإن كان إنشاء، فالإنشاء لا يحتمل التصديق والتكذيب أصلاً. فلا يشرع بعده أن يقول: صدق.

стр. 1309

الحكم بصحة مؤلفات رشيد رضا السؤال ما هي صحة الكتب التالية للشيخ رشيد رضا: محمد رسول الله، وأبو بكر الصديق، وسيرة عمر، وسيرة عثمان، وسيرة علي؟ الجواب بالنسبة لهذه الكتب كلها يؤخذ منها ويرد، ولا يمكن أن يحكم على كتاب بأن كل ما فيه خطأ وباطل، ولا أنه صواب؛ لأن الشافعي ﵀ حين ألف الرسالة سلمها إلى الربيع بن سليمان المرادي، فقال: يا ربيع خذ هذا الكتاب على خطأ كثير فيه، قال: قلت: يا أبا عبد الله! أصلحه لنا، قال: كيف وقد قال الله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء:٨٢] أبى الله العصمة إلا لكتابه، وكل الكتب غير كتاب الله لابد أن يكون فيها شيء من الأخطاء.

стр. 1310

حكم الأخذ بما في تفسير الصاوي وتفسير الخازن من شطحات وإسرائيليات السؤال ما حكم اعتماد ما في تفسير الصاوي والخازن من شطحات وإسرائيليات؟ الجواب الصاوي ليس له تفسير مستقل، إنما له حاشية على تفسير الجلالين، وهذه الحاشية إنما هي منطبعة بتخصصه هو، وقد كان ﵀ موغلاً في التصوف، وفي ثقافة أهل زمانه، ولذلك أتى بشطحات كثيرة، وبأمور مخالفه، حتى رد بعض الأحاديث الصحيحة بمجرد عادات، فلذلك لا يؤخذ بما خالف الشرع مما أتى به، ويلتمس له هو العذر، ويستغفر له مثل غيره من علماء المسلمين، ونسأل الله أن يغفر لهم أجمعين. كذلك بالنسبة لتفسير الخازن مثله، إلا أن الخازن ﵀، حاول جمع الكثير من قصص الإسرائيليات اعتماداً على أن النبي ﷺ ، قال: (حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج) فأتى بكثير من قصص بني إسرائيل، وبعضها مخالف قطعاً، ولا ينبغي الإتيان به، مثل: أن الشجرة كانت تأكل منها الملائكة، ونحو ذلك من الأمور التي يستنكرها العقل وتخالف الشرع بالكلية، فهذا النوع من الحكايات ينبغي أن تنزه عنه الكتب، ولذلك قال القرطبي ﵀ في مقدمة تفسيره: أنه خلص كتابه من الإسرائيليات التي تخالف الوحي والعقل.

стр. 1311

العمل الصالح طريق إلى الجنة السؤال ﴿ أنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف:٤٣] يقول الرسول ﷺ (لن يدخل أحدكم الجنة بعمله) السؤال: عن الجمع بين النصوص؟ الجواب أن النبي ﷺ قال: (لن يدخل أحد الجنة بعمله. قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته) والمقصود هنا بقوله: (بعمله) أي: في مقابل عمله، والنصوص الواردة في أن الجنة جزاء بما كانوا يعملون، ونحو ذلك في القرآن كثير، والمقصود: بسبب ما كانوا يعملون. فالباء في الآيات سببية، والباء في الحديث جزائية بدلية، فبينهما فرق كبير من ناحية المعنى، فالجنة لا يستحقها الإنسان بالعمل، لأن العمل مقابل للنعمة. وانظر هل تستطيع أن تعوض نعمة واحدة من نعم الله عليك بعملك؟! نعمة الإيمان وحدها نعمة الجوارح نعمة التوفيق للعبادة، فأنت لا يمكن أن تعبده إلا إذا أنعم عليك بالتوفيق لذلك، وإذا أعانك على تلك العبادة، فلن تستحق الجنة أبداً بعملك، لكن طريق الجنة وسبب دخولها هو هذا العمل: (اعملوا فكلٌ ميسر لما خلق له) فالعمل سبب لدخول الجنة وليس بدلاً للجنة؛ لأنه ناشئ من النعم.

стр. 1312

القول بدوران الأرض السؤال ما هو رأي أهل السنة في دوران الأرض، وما يترتب على ذلك من حساب للزمن وقياسات هندسية أرضية ومائية؟ الجواب هذه المسألة ليس فيها نص من كتاب ولا من سنة صريح، لا نص مثبت ولا نص معارض، وإنما يفهم من بعض النصوص دوران الأرض، كقول الله تعالى بعد أن ذكر الأرض وغيرها من الكواكب: ﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس:٤٠] وكذلك قال: ﴿أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ َ﴾ [النحل:١٥]، وقال: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ * وَجَعَلْنَا فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ﴾ [الأنبياء:٣٠ - ٣١] فمعناه: أن من طبعها الميدان، ,وأنها قابلة لذلك، لكن هذا من دلالات تفهم فقط وليس من النص، ومن هنا فلم يرد في القرآن نص على كروية الأرض ولا على دورانها ولا في السنة، بل هذا من الأمور العادية ينظر فيها إلى ما أثبتته العادة، فإن أثبتت شيئاً في ذلك أخذ به، ولا منافاة بينه وبين النص، وإن لم تثبته فلا حرج؛ لأنه ليس مما يجب الإيمان به وليس مما يتوقف عليه شيء يتعلق بالدين، ونفس الشيء بالنسبة للشمس، أخبر الله أنها تجري لمستقر لها.

стр. 1313

حكم مصافحة النساء الأجنبيات السؤال هل توجد رخصة لإخراج النساء المسئولات في الدولة عن دائرة الإثم المترتب على مصافحة الضيوف، وكذلك بالنسبة للمسئولين في مصافحة الضيوف من النساء؟ الجواب إن الله يقول في كتابه: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ [النور:٣٠] ويقول: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ﴾ [النور:٣١] فمخالطة الأجانب أعظمها مخالطة الفروج، وأدناها مخالطة البصر، وقد حرم الله الطرفين، فدل هذا على تحريم ما بينهما. وهذا ليس من القياس وإنما هو من مفهوم الموافقة، ومفهوم الموافقة هو أن يكون المسكوت عنه موافقاً للحكم، وأن يكون أولى بالحكم منه، فالمصافحة أولى بالتحريم من مجرد النظر، فإذا كان النهي عن النظر نصياً في القرآن، فالمصافحة أولى منه بذلك، ولذلك قال: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [النور:٣٠] وهذا أدنى شيء في مخالطة النساء: ﴿وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ [النور:٣٠] وهذا أعلى شيء في مخالطة النساء، فذكر الحدين وذكرهما مقتض لتحريم ما بينهما، فلذلك تحرم المصافحة مطلقاً، وهذا نص بين، ولا يحل استباحته بالوظيفة، لأن الوظيفة ليست إلجاء ولا ضرورة، بل ليس الإنسان مضطراً لأن يعمل في هذه الوظيفة أصلاً، فيمكن أن يعيش بالاحتطاب، ويمكن أن يعيش بالبيع والشراء، ويمكن أن يكتسب مما جعل الله في الأرض من أنواع المعايش التي يعيش منها الناس. والشيطان هو الذي يخيل للإنسان أنه مضطر لمثل هذا، وأعرف أحد العلماء كان وزيراً فكان إذا اضطر لمصافحة الكفار الرجال لا يصافحهم إلا بشماله، وفي لقاءات مع بعض الرؤساء الكبار، كان يظهر كأنه يأخذ شيئاً في فمه بيمينه ثم يصافحهم بشماله، فكان أصحاب التشريفات يسألون: هل هو محب للشيكولاته، أو (للعلكة)، لأنه يمسك بيمينه شيئاً كأنه يخرجه من فمه، ويصافح الرئيس بشماله، وذلك أن الشمال هي التي جعلها الله تعالى للقذر، والكفار قذر، فلا يصافحهم إلا بشماله، ومع ذلك مكث في الوظيفة فترة طويلة حتى تركها ولم يصافح قط كافراً بيمينه، ولم يصافح امرأة قط ولا اقترب من ذلك، وما اضطر إلى شيء ولا نقصه أي شيء في هذا.

стр. 1314

الاختلاف في القبض والسدل في الصلاة السؤال ما قول المالكية في القبض -الضم- والسدل في الصلاة، وما هي أدلتهم في هذا؟ الجواب قبض اليدين هو جعل اليد اليسرى على الصدر وإمساكها باليمين، وجعلها فوقها، وهذا من سنة النبي ﷺ الثابتة في الصلاة، وقد وردت فيه ثمانية أحاديث صحيحة عن النبي ﷺ . أما السدل فهو إرسال اليدين إلى الجنبين، وهذا لم يرد فيه شيء عن النبي ﷺ مرفوعاً، لكنه ثبت عن عبد الله بن الزبير ﵄ فيما أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف بإسناد صحيح، وثبت كذلك عن عدد من التابعين منهم: سعيد بن المسيب، وعكرمة عن ابن عباس، وأبو العالية، وقتادة بن دعامة، ومحمد بن كعب القرظي. ولذلك اختلفت الرواية عن مالك ﵀، فقد وجد كثيراً من علماء المدينة على السدل، لأن سعيد بن المسيب وهو إمام التابعين في المدينة، كان يسدل يديه، وكذلك عكرمة، ومحمد بن كعب القرظي، وأبو العالية، وكذلك ما ثبت عن رجل من أصحاب النبي ﷺ وهو عبد الله بن الزبير بن العوام. الرواية المشهورة عن مالك، التي رواها أصحابه جميعاً، هي رواية القبض، وهي التي ذكرها في الموطأ، وهي الأقوى دليلاً لأنها يعضدها ثمانية أحاديث عن النبي ﷺ . أما الرواية الأخرى وهي السدل، فقد رواها عنه ابن القاسم في المدونة، واشتهرت لأن المدونة أشهر كتب المالكية، ومع ذلك فلم يكن ابن القاسم في حكايتها صريحاً بل أتى بها في باب الاعتماد والاتكاء في الصلاة، قال: وسألته عن الرجل يجعل يمينه على شماله على صدره أو على نحره في الصلاة، فقال: لا أعرفه، وهذا في باب الاعتماد والاتكاء في الصلاة، ولذلك اختلف المتأخرون في تأويل ما ذكره ابن القاسم في المدونة، لأن ابن القاسم روى في الموطأ عن مالك القبض، وكذلك كل أصحاب مالك، وقد روى عنه الموطأ تسعمائة رجل، وكلهم رووا عنه القبض. فالذي يريد أن يتجاهل السدل بالكلية، يقول: ما قصد ابن القاسم هنا سدل اليدين في مقام القبض، وإنما أتى به في باب الاعتماد والاتكاء في الصلاة، وهذا في الواقع غلط، لأنه لا شك في أن بعض أهل المدينة كانوا يسدلون قبل مالك، ولا شك أن السدل كان معروفاً في المدينة في أيام التابعين، فلهذا أرى أن الأمر اختلفت فيه الرواية عن مالك بسبب الاختلاف الوارد عن السلف، وقد كان مالك ﵀ يحب العمل، فيعرض النصوص على العمل لأن العمل هو معيار النسخ، ولذلك تردد مرة فرأى السدل، ورواه عنه ابن القاسم. وأما ما أخرجه مالك في كتابه الذي لم يضع فيه شيئاً حتى يستخير الله فيه، وكان كلما شك في شيء أنقصه، فهو القبض، فقد أخرجه في موطئه وقال: ماكان لله فسيبقى، ولهذا فهو أقدم كتاب لدى المسلمين اليوم، وقد اعتنى به مالك عناية شديدة، وكل ما شك فيه حذفه منه، وقد بقي فيه القبض إلى زماننا هذا يحفظه الناس. وحديث أبي حميد الساعدي ﵁ فيه القبض، وكذلك حديث مالك بن الحويرث وكذلك حديث جابر، وحديث أبي وائل، وكذلك حديث ابن مسعود في جعل يده اليسرى على يده اليمنى فنزعها رسول الله ﷺ ، والأحاديث في هذا ثمانية صحيحة. أما رواية مالك لحديث القبض فإنما أخرجه من رواية أبي أمية عبد الكريم بن أبي المخارق، وهو رجل ضعيف، لكنه غر مالكاً بحسن صلاته، ولم يرو مالك في الموطأ عن ضعيف إلا هذا الرجل، وجميع أحاديث القبض صحيحة ليس فيها كلام، وإنما تُكلم فقط في الحديث الذي أخرجه مالك في الموطأ من طريق عبد الكريم بن أبي المخارق وقد روي من غير طريقه وهو صحيح من غير هذا الوجه.

стр. 1315

الضمان على سائق السيارة دون مالكها والتأمين حرام السؤال رجل له سيارة نقل وسلمها إلى سائق أجير يعمل فيها، واصطدمت بسيارة أخرى ومات السائق، أو انقلبت به فمات السائق، فعلى من تكون الجناية؟ وهل دية السائق تلزم مالك السيارة أو لا؟ وهل هناك ما يتعلق بالتأمين؟ الجواب هذا السائق جنى على نفسه فديته على عاقلته هو وبني عمه، وليست على مالك السيارة ولا على عاقلة مالك السيارة، وإنما مات هذا الرجل خطأً، ولا هدر في الإسلام؛ فديته على عاقلته. وأما صاحب السيارة فليس عليه ضمان في شيء مما يحصل؛ سواء بموت الأشخاص أو بما أتلفته من غير ذلك، فهو غير مسئول عن شيء من ذلك أصلاً، لأنه ليس هو المتصرف إنما المتصرف السائق، فكل ما أتلف فجنايته خطأ على عاقلة السائق. أما التأمين فقد سبق السؤال عنه على هذا المنبر، وذكرنا حرمته وأنه لا يتوقف عليه أي شيء شرعاً، وأن الله بين أقدس المبادئ القانونية وأقدمها في قوله: ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى * وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى * أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى * وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى * وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى * ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الأَوْفَى﴾ [النجم:٣٦ - ٤١] وأن التأمين ظلم سافر، لقول الله تعالى حكاية عن يوسف ﵇: ﴿قالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ﴾ [يوسف:٧٩]. فلذلك هو ظلم بنص القرآن، وهو مخالف لهذه القاعدة التي هي: شخصية الجريمة، والتي هي أقدس المبادئ القانونية وأقدمها شرعاً، وهي منزلة على إبراهيم وموسى. كذلك هو مقتض لجراءة الناس على الإتلاف والتعدي، فلهذا إذا اضطر الإنسان إليه فليجعله من باب الإكراه ولا يتوقف عليه أي شيء، ولا يأخذ شيئاً من شركة التأمين، ولا بينه وبينها أي علاقة، والرجل إذا جنى هو فجنايته على نفسه إذا كان متعمداً، أو على عاقلته إذا كانت جنايته خطأ. وكذلك إذا حصلت حوادث وأصيب أناس فعلاجهم إذا كانت الجناية واقعة بالخطأ من السائق على عاقلته وليس على مالك السيارة منها شيء.

стр. 1316

حكم الخروج بالعباءات المزركشة للنساء السؤال ما حكم العباءات النسوية المزركشة المزخرفة والخروج بها، وهل ذلك من التبرج؟ الجواب لقد أمر الرسول ﷺ النساء إذا خرجن إلى المساجد أو خرجن لحوائجهن أن يخرجن غير متعطرات ولا متزينات، بل قال (وليخرجن إذا خرجن تفلات)، وقال: (أيما امرأة تعطرت وخرجت من بيتها فهي زانية) وعلى هذا فلا يحل للمرأة أن تلبس لباس الزينة فتخرج به، والعباءات المزركشة المزينة إذا كانت زينة واضحة بارزة فهي داخلة في قول الله تعالى: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ [النور:٣١] فلا يحل لها إظهارها، إلا إذا كانت الزركشة والزخرفة شيئاً يسيراً لا يؤبه له، أو كان مما جرت به العادة فلم يعد زينة لدى الناس، أما إذا كان ذلك مما يتزين به فلا يحل لها الخروج به.

стр. 1317

حكم لبس المرأة للثياب الملونة السؤال ماحكم اللباس الملون للمرأة؟ وهل صحيح أنه ورد عن ابن عباس ﵁ أن اللباس الملون من التبرج؟ الجواب جاء عن ابن عباس ﵄ في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى﴾ [الأحزاب:٣٣]. قال: كن يلبسن الرقيق الملون من الثياب، فليس التلوين وحده منهي عنه وإنما هو منهي عنه إذا كان معه الرقة التي تشف عما تحتها، فإذا حصلت الرقة فهذا هو التبرج، سواء حصل التلوين أو لم يحصل. وقوله: (الملونة من الثياب)، هذا من باب حكاية الحال لما كان عليه نساء الجاهلية ولا يقتضي ذلك تحريم التلوين في حد ذاته، بل لباس المرأة يجوز في كل لون على الراجح، وقد ذهب ابن القيم ﵀ إلى حرمة لبس الحمرة بالنسبة للنساء، واعتمد في ذلك على أحاديث، لكن لا أرى هذا الذي ذهب إليه، فلا أرى تحريم التلوين في الثياب، لكن ما كان منها زينة لافتاً للانتباه مقتضياً لأن يتابعه الإنسان ببصره، فهذا يحرم على المرأة الخروج فيه من بيتها، وما كان معتاداً كالألوان المعتادة عند الناس التي لا تقتضي لفت انتباه أو متابعة نظر، فلا حرج في الخروج بها. وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه.

стр. 1318

الإنفاق في سبيل الله استخلفنا الله على الأموال التي بين أيدينا، وحثنا سبحانه على الإنفاق في سبيله، وبين لنا حقارة هذه الحياة الدنيا، حتى لا نغتر بزينتها، فمن يوق شح نفسه، وينفق مما آتاه الله؛ فهو من المفلحين.

стр. 1319

مسائل في الإنفاق في سبيل الله

стр. 1320

الحكمة من الأمر بالإنفاق في سبيل الله بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على من بعث رحمة للعالمين، وعلى آله وأصحابه، ومن اهتدى بهديه، واستن بسنته إلى يوم الدين. أما بعد: فإن الله جعل التكليف امتحاناً لبني آدم، وجعل رضاه فيما كان مخالفاً للهوى، فللإنسان هوىً يدعوه إلى الانسياق وراءه، فمن انساق وراءه لم ينجح في أي امتحان، ومن خالف هواه فإن الله وعده على ذلك بالجنة. وإن من أبلغ الامتحانات التي امتحن الله بها عباده مما يخالف الهوى: إنفاق المال في سبيل الله؛ وذلك أن الناس يقولون: المال شقيق النفس، ويظنون أن بقاءها مشروط ببقاء المال بأيديهم، ولا ينالونه في الغالب إلا بجهد ومشقة وعنت؛ فلذلك كان إنفاقهم امتحاناً شاقاً، قل من ينجح فيه من الناس؛ لكن الله بايع عباده المؤمنين على ما آتاهم من الأنفس والأموال بيعة أكدها في التوراة والإنجيل والقرآن، فقال : ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة:١١١]، ودعاهم إلى التجارة الرابحة معه فيما آتاهم من الأموال، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ﴾ [الصف:١٠ - ١١]، وبدأ هنا بالأموال قبل الأنفس. وكذلك فإنه عندما دعا الناس إلى الإنفاق في سبيله، علم مشقة ذلك على النفوس، ومخالفته للهوى، فرتب عليه من الأجور الشيء الكثير، فجعل النفقة مضاعفة إلى سبعمائة ضعف كما في سورة البقرة.

стр. 1321

نحن مستخلفون على الأموال وليست لنا حقيقة قال الله تعالى: ﴿وَلا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ * إِنْ يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ﴾ [محمد:٣٦ - ٣٧]. ثم أكد بعد ذلك على الإنفاق فقال: ﴿هَاأَنْتُمْ هَؤُلاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ [محمد:٣٨]، وقد عطف الله هذا الامتحان على الامتحان بالإيمان، فقال تعالى: ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ [الحديد:٧]. وهذه الآية فيها تلميح عجيب!! بيّن الله فيه: أن كل ما في هذه الدنيا من الأموال والمنافع هو من الخلق الذي خلقه الله في الأيام الأولى من خلق العالم، فإن الله يقول في كتابه: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ * وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ﴾ [فصلت:٩ - ١٠]، فكل أقوات الأرض وما فيها من الأموال والمنافع، كانت قد خلقت في الأيام الأولى من خلق العالم، فلم تنقص بعد ذلك، فما يأكله الناس منها راجع إلى الأرض، يخلفه الله فيما بقي في الأرض ﴿كِفَاتًا * أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا﴾ [المرسلات:٢٥ - ٢٦]؛ ولكنه دولة بين الناس، يخرج من يد هذا ليصل إلى يد هذا إما بالبيع وإما بالتفليس وإما بالسرقة وإما بالغصب، وإما بالميراث، كحال المساكن في هذه الأرض، فما من بيت معمور اليوم بالسكان إلا وقد سكنه سابقون، وسيسكنه لاحقون، وهكذا أمر الدنيا كلها، فإذا كان الأمر كذلك فعلينا أن نعلم أن ما تحت أيدينا ليس ملكاً لنا؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ [الحديد:٧]، فأنت مستخلف أي: خالف لمن سبقك، ومخلوف أيضاً فيما تحت يدك، وستسلمه لآخرين إما طوعاً وإما كرهاً، ومن هنا يعلم أن الله ما ملكنا الأموال: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنْفَالِ قُلِ الأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ [الأنفال:١]، فالله تعالى لم يملكنا الأموال، وإنما استخلفنا فيها، فجعلها تحت أيدينا أمانة عندنا، ووكالة فقط، والوكيل ينتظر العزل في كل حين؛ ولذلك فعزله إما بالموت، وإما بالحجر، وإما بالفقر، كل ذلك عزل للإنسان عن التصرف فيما تحت يده، ولا يدري الإنسان متى يقع ذلك: وما يدري الفقير متى غناه وما يدري الغني متى يعول

стр. 1322

اختلاف الناس في الأرزاق الأرزاق بقدر الله ، ووفق الحكمة البالغة: ﴿لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ﴾ [الرعد:٤١]، فلهذا: جعل الله الأسباب التي تجمع بها الأموال مقسومة إلى حلال وحرام، وجعل من الناس من يبذل الجهد الكثير فلا ينال إلا القليل مقابل ذلك، ومنهم من يبذل الجهد اليسير، فينال الكثير من الدنيا إذا أقبلت. وكم من إنسان أعطاها وقته، فلم يبق أي وسيلة يمكن أن يعملها في جمع المال إلا أعملها، ومع ذلك مات فقيراً، ولم ينل من الدنيا مراده! ولا حول ولا قوة إلا بالله، وكم من إنسان أعمل الحيل لجمعها، فلما بلغ المستوى الذي يطلبه كان على موعد مع ملك الموت، فبينما هو ينعم بزهرتها انتهت حياته. وكم من إنسان لم يعمل من الحيل إلا الشيء اليسير فاجتمع عنده أكثر من حاجته. كل ذلك نراه ونشاهده بين ظهرانينا من الذين يعملون للدنيا، فليس الغنى عن كثرة العرض، ولا عن إعمال الحيل، بل هو قدر يكتبه الله في الدنيا بحكمته، ولا مبدل لحكمه؛ ولهذا قال الحكيم: باتت تعيرني الإقتار والعدمَ لما رأت لأخيها المال والنعمَ تباً لرأيك ما الإقتار عن جلد ولا من الكسب بل مقسومة قسما فالدنيا كلها مقسومة قسماً، وكذلك إعمال الحيل ليس هو الموصل إلى الغنى، بل الموصل إليه هو القدر؛ ولذلك قال ابن زريق في عينيته: لا تعذليه فإن العذل يولعه قد قلت حقاً ولكن ليس يسمعه جاوزت في نصحه حداً أضر به من حيث قدرت أن النصح ينفعه فاستعملي الرفق في تأنيبه بدلاً من عذله فهو مضني القلب موزعه يكفيه من حزن الترويع أن له من النوى كل يوم ما يروعه ما آب من سفر إلا وأزعجه عزم على سفر بالبين يجمعه كأنما هو من حل ومرتحل موكل بفضاء الله يذرعه إذا الزمان أراه في الرحيل غنى ولو إلى السند أضحى وهو يزمعه وما مكابدة الإنسان واصلة رزقاً ولا دعة الإنسان تقطعه قد قسم الله رزق الناس بينهم ما يخلق الله من خلق يضيعه لكنهم كلفوا رزقاً فلست ترى مسترزقاً سوى الغايات يقنعه والدهر يعطي الفتى من حيث يمنعه أرباً ويمنعه من حيث يطمعه إذاً: على الإنسان أن يجمل في الطلب أولاً، ثم ليعلم أن ما جعل تحت يده ليس بالضرورة أنه سينتفع به، بل كثير من الناس يبتلى بكثرة العرض، وتجعل تحت يديه أملاك طائلة، ومع ذلك لا يرزق منها إلا الشيء اليسير، فيكون هو خادماً للدنيا، بعد أن كانت الدنيا خادمة له. إن كثيراً من الناس يعيش مهموماً مغموماً في مكابدة هذه الدنيا؛ فإذا اختل منها أي ركن من الأركان، أو أي لازم من اللوازم، ضاقت عليه الأرض بما رحبت، وظن أن الآخرة قد أقبلت، وقد أقبلت فعلاً؛ لكن ليس معنى ذلك أن ما اختل من الدنيا شيء لم يكن من قبل، بل هكذا حيل الدنيا كلها، وقد قال الحكيم: مثل الرزق الذي تطلبه مثل الظل الذي يمشي معك أنت لا تدركه متبعاً فإذا وليت عنه تبعك فلن تنال من الدنيا إلا حظك.

стр. 1323

حقارة الدنيا وما فيها من الأموال عليك أن تعلم قيمة هذا المال، وقيمة هذه الدنيا كلها، وأن تعلم أنها لا تساوي عند الله جناح بعوضة، ولو كانت تساوي عند الله جناح بعوضة ما سقى كافراً شربة ماء، فالله جعل الآخرة خيراً وأبقى؛ ولذلك خاطب رسوله ﷺ -وخطابه خطاب لأمته- بهذا الخطاب البليغ فقال: ﴿وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى * وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾ [طه:١٣١ - ١٣٢]، فالعاقبة للتقوى، وما في هذه الدنيا من الأعراض سيزول، وبقاء الحال من المحال، فأمرها إلى زوال، وعلى هذا، فإن على الإنسان التقليل من الدنيا ما استطاع، وهذا خير له؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾ [الحديد:٢٣]، فعلى الإنسان ألا ييئس على ما فاته من هذه الدنيا، وعليه ألا يفرح بما نال منها، فإن ذلك امتحان يمتحنه الله به، فإذا كان كذلك فليعلم المؤمن أن عليه في أموال الدنيا حقين: الحق الأول: أن يأخذها من حلها. والحق الثاني: أن يضعها في محلها. فأخذها من غير حلها محادة لله ورسوله، ووضعها في غير محلها غاية السفه والخسران، فعلى الإنسان حينئذ ألا يأخذها إلا من حلها، وألا يتبع نفسه ما ليس من حله؛ فإن الإنسان الذي يتبع نفسه هواها، ويريد الوصول إلى المال مطلقاً -سواء جاء من حله، أو من غير حله- مفتون بهذه الدنيا، والمفتون لا رأي له؛ لأن الهوى قد تملك قلبه فأصبح عابداً لهواه، وقد جعل الله عبدة الهوى أضل الناس: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ﴾ [القصص:٥٠]. فالذين يتبعون الهوى هم أضل الناس؛ ولهذا على الإنسان قبل الجمع أن يقدر الهدف.

стр. 1324

أصناف الناس تجاه أموالهم قال النبي ﷺ : (الخيل لثلاثة: هي لرجل أجر، ولرجل ستر، وعلى رجل وزر) قال أهل العلم: المال كله كذلك، وإنما مثل النبي ﷺ بالخيل؛ لأهميتها عند العرب، وإلا فالمال كله كذلك، وهذا على القاعدة في تفسير السلف للقرآن، فإن تفسير السلف للقرآن يقصد به ضرب الأمثلة للتفهيم، كمن سألك عن الخبز فقال: ما هو؟ فأخذت خبزة فقلت: هذا الخبز، فليس معنى ذلك أنك تزعم أنك ترفع له ما في أيدي الناس من الخبز، وإنما معنى ذلك: أنك تبين له ما يفيده مدلول هذه الكلمة في لغة العرب، فكذلك ضرب المثل بالخيل هو ضرب مثال للمال كله، فالمال كله على ثلاثة أنواع: هو النوع الأول: من له أجر، وهو: من لم يأخذه إلا من حله، ولم يضعه إلا في محله، وابتغى به وجه الله ، وأعده لما كلفه الله به، فكان في يده ولم يكن في قلبه، لا يحزن على ما فاته منه، ولا يفرح بما ناله منه، وما كان منه تحت يده فهو في يده فحسب، ولا يدخله داخل قلبه، فالمال محله اليد، وليس محله القلب. الثاني: من هو له ستر: وهو من أراد به التعفف عما في أيدي الناس والاستغناء عنهم، والحرية والاستقلال في الرأي، ولم يأخذه إلا من حله، وأراد أن يأخذ ما أحله الله له منه؛ لقول الله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الأعراف:٣٢]، فهذا النوع يستره من الزلل، فلا يذمه الناس بألسنتهم؛ لأنه جعله وقاية دون عرضه. النوع الثالث: من هو عليه وزر، وهو ما حصل عليه من غير حله، أو بعد أن جمعه -ولو من حله كمن ورثه- صرفه فيما لا يرضي الله ، فجعله إرصاداً لمن حارب الله ورسوله، وتجبر به على عباد الله، وطغى وبغى: ﴿كَلَّا إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ [العلق:٦ - ٧]، فهذا المال يكون عليه وزراً، يأتي ويحمله يوم القيامة: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [العنكبوت:١٣]، فسيأتي يحمله جميعاً؛ لأنه أخذه من غير حله، وهذا ما حذر منه النبي ﷺ في ذكره الغلول، فعظم من شأنه، والغلول: أخذ المال العام قبل القسمة أي: قبل أن يأخذ الإنسان نصيبه من الغنيمة، فعظم من شأنه، فقال: (لا ألفين أحدكم يأتي يوم القيامة وعلى رقبته فرس لها حمحمة، يقول: يا محمد! أغثني. لست له بمغيث. ألا لا ألفين أحدكم يأتي يوم القيامة وعلى رقبته بعير له رغاء، يقول: يا محمد! أغثني. لست له بمغيث!! ألا لا ألفين أحدكم يأتي يوم القيامة وعلى رقبته بقرة لها خوار، يقول: يا محمد! أغثني. لست له بمغيث!! ألا لا ألفين أحدكم يأتي يوم القيامة وعلى رقبته شاة تيعر، يقول: يا محمد! أغثني. لست له بمغيث!! ألا لا ألفين أحدكم يأتي يوم القيامة وعلى رقبته صامت يقول: يا محمد! أغثني. لست له بمغيث!! ألا لا ألفين أحدكم يأتي يوم القيامة وعلى رقبته رقاع تلوح، يقول: يا محمد! أغثني. لست له بمغيث!! ألا هل بلغت؟ ألا هل بلغت؟). إن رسول الله ﷺ حذر من هذا الخطر الداهم، الذي يتكالب عليه أقوام جهلوا أو تجاهلوا المصير الوارد، وقد ذكر النبي ﷺ كذلك خطراً في بعض أنواع المال خصوصاً، فقد صح عنه ﷺ أنه قال: (من اغتصب شبراً من الأرض طوقه الله يوم القيامة من سبع أرضين). طوقه: أي: جعل قلادة في عنقه يوم القيامة من سبع أرضين، فيقطع له من كل الأرض المغصوبة، فيجعل في عنقه يوم القيامة. إن هذا المال ذو خطر جسيم، وأمر عظيم، وهو مع ذلك وقاية للإنسان، ويمكن أن يفتدي به في الدنيا؛ فإن كل إنسان يوم القيامة يستظل بظل صدقته، والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار، والله بسط يده بالخير إلى عباده، وقال: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ﴾ [البقرة:٢٤٥]. إن الله : هو القابض الباسط الرزاق الوهاب، وهو الذي دعا عباده إلى أن يقرضوه قرضاً حسناً، مع غناه عما في أيديهم، وما قدموه إنما يقدمونه لأنفسهم، قال الله تعالى في الحديث القدسي: (يا عبادي! إنما هي أعمالكم أحصيها لكم، ثم أوفيكم إياها. فمن وجد خيراً فليحمد لله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه) هنا بين : أن من قدم له شيئاً فإنه يضاعفه له أضعافاً كثيرة، وقد بين النبي ﷺ ذلك على وجه التقريب، فصح عنه ﷺ أنه قال: (إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً، وما تصدق عبد بصدقة طيبة إلا أخذها الله بيمينه، فلا يزال ينميها له كما ينمي أحدكم فلوه أو فصيله حتى تكون كالجبل) والفلو: هو ولد الفرس، والفصيل: ولد الناقة، وتنميته: تربيته والإنفاق عليه حتى يتم ويصل إلى غاية الثمن. إن الثقل والضخامة التي في الجبال تحصل بما هو دونها من الإنفاق إذا تقبله الله؛ ولهذا قال النبي ﷺ في أصحابه: (لا تسبوا أصحابي؛ فلو أن أحدكم أنفق مثل جبل أحد ذهباً ما بلغ مُد أحدهم، ولا نصيفه) لو أن أحدكم أنفق مثل جبل أحد ذهباً، ما بلغ مد أحدهم أي: مد شعير تصدق به أحدهم، ولا نصيفه أي: نصفه، أو النصيف الذي تجعله المرأة على رأسها، وهو ثوب صغير.

стр. 1325

الإنفاق في وقت الرخاء وفي وقت الشدة إن الإنسان الذي أنفق في وقت الرخاء، لا يقاس بالذي أنفق في وقت الشدة؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [الحديد:١٠]، إن الذين أنفقوا في وقت الشدة يصدق فيهم قول النبي ﷺ : (سبق درهم مائة ألف درهم) , جاء قوم من الأعراب مجتابي النمار، عامتهم من مضر، فرآهم رسول الله ﷺ -وكان أرحم بالمؤمنين من أنفسهم- فتمعر وجهه رحمة بهم بأبي هو وأمي ﷺ ، ثم قال: (أنفق رجل من صاع تمره، من صاع بره، من صاع شعيره، من درهمه، من ديناره). جاء رجل من الأنصار وقدم درهماً واحداً فقال رسول الله ﷺ : (سبق درهم مائة ألف درهم) إن درهم ذلك الأنصاري عند الله أكبر وأربح من مائة ألف درهم ينفقها من سواه، لأنه كان من السابقين الذين يقتدى بهم، فكل من اقتفى أثره يكتب له من حسناته دون أن ينقص ذلك من أجر المنفق شيئاً.

стр. 1326

فوائد الإنفاق إن الإنفاق له فوائد أخرى غير الجوائز الأخروية التي فيها ثقل كفة الحسنات: فبه كذلك رفع الدرجات في الدنيا، فقد صح عن النبي ﷺ أنه قال: (اليد العليا خير من اليد السفلى)، فالمنفق خير من المنفَق عليه؛ وكذلك هو مدعاة للغنى، وقد صح عن النبي ﷺ أنه قال: (يقول الله تعالى: يا ابن آدم! أنفق أُنفق عليك)، وقال ﷺ : (ما من يوم تطلع فيه الشمس إلا وملكان ينزلان، يقول أحدهما: اللهم أعط منفقاً خلفاً، ويقول الآخر: أعط ممسكاً تلفاً) هذا في كل يوم تطلع فيه الشمس، ملكان ينزلان يرسلهما الله ، ولا يمكن أن يدعو الملك إلا بما عين له كالشفاعة لا تكون إلا بإذنه: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ [الأنبياء:٢٨]، فلا يمكن أن يدعو الملك إلا لمن أذن الله بالدعاء له. ثم إن من فوائد الإنفاق الدنيوية أنه يرد الله به البلاء، فإن الصدقة تصطرع مع البلاء في السماء، وترده عن أهل البيت؛ ولهذا رتب الله على ابن آدم ثلاثمائة وستين صدقة كل يوم تطلع فيه الشمس، مقابل ما فيه من المفاصل، كما قال النبي ﷺ : (كل سلامى من الناس عليه صدقة كل يوم تطلع فيه الشمس)، وفي صحيح مسلم من حديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: (إن الله خلق ابن آدم على ستين وثلاثمائة مفصل، وجعل على كل مفصل صدقة كل يوم تطلع فيه الشمس)، في كل مفصل من المفاصل، سواء كانت مما يعرفه الأطباء، ومما يدرك بالتشريح، أو كانت من المخفيات التي لا تعرف بالعين المجردة، فإن كل تلك المفاصل -عظيمها ودقيقها- رتب الله عليه صدقة كل يوم تطلع فيه الشمس، ويجزئ من ذلك أن يصلي المؤمن ركعتين وقت الضحى، فركعتان وقت الضحى تقومان مقام ثلاثمائة وستين صدقة؛ لكن لا شك أن هذا الترتيب هو إرشاد للعبد، ونفع له، وتقوية لهذه الجوارح، وسعي لتمتيعه بها، ودفع للضرر عنها، فما أحوجنا إلى مثل هذه الصدقات التي ترفع البلاء عن أهله في الدنيا، وترفع المنازل وتطفئ غضب الرب ، وهي مع ذلك تضمن للإنسان الزيادة؛ فالصدقة لا تنقص المال كما قال النبي ﷺ : (ما نقصت صدقة من مال)، فالصدقة لا تنقص المال، بل تزيده، وما يبذل الإنسان من المال؛ ابتغاء مرضات الله مخلوف عليه قطعاً، لا بد أن يناله في هذه الحياة الدنيا، فضلاً عن أجره يوم القيامة، والله غني عن دراهم الناس ودنانيرهم، وأعطياتهم وإمدادهم، وإنما امتحنهم ليعلم الذين يؤثرون الآخرة على الأولى، ويتقربون إليه بما آتاهم.

стр. 1327

وجوه الإنفاق في الخير إن المؤمنين في الصدر الأول أدركوا قيمة الإنفاق ومنزلته، فقد جاء فقراء المهاجرين إلى النبي ﷺ يوماً فقالوا: (يا رسول الله! ذهب أهل الدثور بالأجور، يصومون كما نصوم، ويصلون كما نصلي، ويتصدقون بفضول أموالهم، فقال: أوليس قد جعل الله لكم ما تصدقون به؟! إن بكل تسبيحة صدقة، وبكل تحميدة صدقة، وبكل خطوة تمشيها إلى الصلاة صدقة)، وبين لهم النبي ﷺ كثرة طرق الخير وأبوابه، ومما قال: (وإماطة الأذى عن الطريق صدقة، وفي بضع أحدكم صدقة، قالوا: يا رسول الله! هل يأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟! قال: أرأيت لو وضعها في حرام أكان عليه وزر؟ فكذلك إذا وضعها في حلال كان له أجر).

стр. 1328

مفهوم الصدقة الصدقة لها مفهومان: مفهوم عام واسع شامل لكل خير: (تعين الرجل على دابته فتحمله عليها أو ترفع له عليها متاعه صدقة، والكلمة الطيبة صدقة، وتبسمك في وجه أخيك صدقة)، فهذا من مفهوم الصدقة العامة الشاملة، وللصدقة نوع آخر أخص من سابقه، وهي الصدقة الجارية، التي لها أجر بالغ في إزالة الشح والبخل عن الإنسان، وهذا الأثر التربوي هو الذي نحتاج إليه؛ فإن كثيراً من الناس لا يشعر بأنه بخيل، بل يظن نفسه كريماً، لكنه إذا راجع نفسه لن يذكره الشيطان بما أنفق من ماله إلا ما كان في سبيل الله ليستكثره، ومن هنا لا يستشعر أنه بخيل في التعامل مع ربه الكريم الذي أنعم عليه بأنواع النعم، ولطف به بأنواع الألطاف، والله يقول في كتابه: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر:٩].

стр. 1329

اشتراك جمع في الأجر على عمل واحد الصدقة الواحدة يدخل الله بها الجنة عدداً من الناس، كما صح عن النبي ﷺ ، وهذا يدل على أهمية التعاون في الخير، فكل عمل جماعي يشترك فيه الناس يثابون فيه الثواب الجزيل العظيم، والصدقة التي تخرجها المرأة من بيت زوجها، يشترك معها في الأجر، لأنه هو الذي اكتسبها، والمرأة هي التي أنفقتها، وكذا الرسول الذي بلغها، والخازن الذي كان يحفظها، فكل هؤلاء شركاء في الأجر، ومثل هذا قوله ﷺ في شأن السهم: (إن السهم الواحد يدخل الله به الجنة ثلاثة: الذي اقتطعه، والذي براه، والذي رمى به) هؤلاء جميعاً يدخلون الجنة بالسهم الواحد الذي يرمى به في سبيل الله، وهذا يدلنا على غنى الله عن خلقه. الله لا يريد منكم شيئاً، وإنما يريد منكم أن تقدموا لأنفسكم؛ لذلك بين أن الاشتراك في الأجر يحصل بمجرد المساعدة على الخير، فقد صح عنه ﷺ أنه قال: (الدال على الخير كفاعله)، وقال: (من سن في الإسلام سنة حسنة، كان له أجرها، وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً، ومن سنّ في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة لا ينقص ذلك من أوزارهم شيئاً).

стр. 1330

وساوس الشيطان لسد باب الإنفاق إن المنفق إذا تذكر أنه عندما يدخل يده في جيبه، أو يأخذ قلمه ليوقع العطية التي سينفقها؛ أن الكريم الوهاب الرحيم الرزاق ينظر إليه في تلك الساعة، وأنه مطلع على ما في قلبه، فإن ذلك يقتضي منه الإسراع والمبادرة قبل أن يحول الشيطان بينه وبين ذلك، فالشيطان لا يعد الناس إلا الفقر، كما قال الله تعالى: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾ [البقرة:٢٦٨]، وهذا عكس ما أمر الله به: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل:٩٠]، فإذا علم الإنسان عداوة الشيطان له، حاول أن يبادر كيده الضعيف، حتى يفوته بما ينفق؛ ولهذا فإن كتمانه لذلك عن نفسه مما يضاعف الأجر: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [البقرة:٢٧١]، وقد صح عن النبي ﷺ في حديث أبي هريرة أنه قال: (سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمامٌ عادل، وشاب نشأ في عبادة الله، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، ورجلان تحابا في الله: اجتمعا عليه، وتفرقا عليه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله، ورجل قلبه معلق بالمساجد، ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه)، هؤلاء يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، فالصدقة من الأمور التي يفوّت بها الإنسان على الشيطان كيده، فالشيطان يحاول منع الإنسان من التصدق من ماله، ولو بالتأخير؛ ومن حيلة الشيطان على بعض الصالحين أنه يقول: لا تخرج هذا المال على غير أولادك؛ فهم بحاجة إليه. فينازعه، ويقول: لا بد أن نقدم شيئاً للآخرة. فيقول: افعله وصية بعد موتك، وقد بين النبي ﷺ أن ذلك ما هو إلا من البخل، فقال رسول الله ﷺ : (فيقول عندما يغرغر: كذا لفلان، وكذا لفلان، وقد كان لفلان) وقد كتب له ذلك بالقدر؛ لكن (خير الصدقة أن تتصدق وأنت صحيح شحيح) كما قال النبي ﷺ ، فإنك لن تتغلب على محاولة الشيطان إلا عندما تكون صحيحاً شحيحاً، وتخرج من مالك الذي تعبت في استخراجه، وأنفقت فيه الأوقات، ثم أنفقته ابتغاء مرضات الله . ثم إن من مكائد الشيطان ومجاهدته مع الإنسان أنه إذا أراد الإنفاق، وغلبه فلا ينفق إلا شرار ماله، فلا ينفق خيار ماله، وكرائم أمواله، بل يحاول أن يدخر الكرائم، وأن يستخرج المعيب، وهذا ما حذر الله منه في الصدقة الواجبة فقال: ﴿وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ﴾ [البقرة:٢٦٧] أي: لا تقصدوا السيئ من المال المعيب منه؛ لتنفقوه في سبيل الله: ﴿وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ [البقرة:٢٦٧] أي: لو كنتم تطالبون أحداً بدين، فقضاه بذلك الخبيث لم تكونوا تأخذوه، إلا أن تغمضوا فيه، فتتغاضوا عن بعض حقكم!! ومع هذا فإن النبي ﷺ قال لـ معاذ: (إياك وكرائم أموال الناس! واتق دعوة المظلوم؛ فإنه ليس بينها وبين الله حجاب)، لكن هذا في حق الذي سيأخذ من الناس صدقات أموالهم، وهذا لا ينبغي له؛ لأنه لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيبة نفس منه، لكن عليه هو أن تطيب نفسه بما يقدمه لنفسه. إن النبي ﷺ قال لأصحابه ذات يوم: (أيكم مال وارثه أحب إليه من ماله؟ قالوا: ما منا أحد إلا ماله أحب إليه، فقال: فإن ماله ما قدم، ومال وارثه ما أخر). وكذلك قال ﷺ : (يقول ابن آدم: مالي، مالي، وهل لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت؟!) إن مالك هو الذي سيصحبك، قال رسول الله ﷺ : (إذا مات ابن آدم تبعه أهله وماله وعمله، فيرجع اثنان ويبقى واحد، يرجع ماله وأهله، ويبقى عمله). إن الذين ينفقون هذه الأموال التي هي من حلال يتحدون الشيطان، ويخالفونه ويتغلبون عليه، ويفعلون ما أمروا به من عداوته، فإن الله جمع الخبر والأمر فيما يتعلق بالشيطان في آية واحدة فقال: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ﴾ [فاطر:٦]، هذا الخبر وهو صدق: ﴿فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ [فاطر:٦]، وهذا هو الأمر، فعلينا تصديق الخبر وامتثال الأمر؛ لكن لا يمكن أن نتخذ الشيطان عدواً إلا إذا جاهدناه، والذي يطيعه فيما يأمره به ليس ولياً لله قطعاً، بل هو صديق وولي من أولياء الشيطان، والذي يفوت الشيطان بالخير، ويجاهده، ويراغمه، فينفق دون أن يحول الشيطان بينه وبين ذلك، ليس هو من أولياء الشيطان قطعاً، بل هو من أعدائه ومن أولياء الله؛ ولهذا فإن المنفق المخلص هو الذي يوفقه الله ، بخلاف المنفق غير المخلص، وقد ضرب الله له مثلاً عجيباً بالصخرة التي يجتمع فوقها التراب، فيأتي المطر فيذهب به؛ فتبقى صلداً ليس فوقها شيء؛ فكذلك غير المخلص يجتمع حوله المال كالتراب الذي يجتمع على الصخرة، ثم يأتي المطر فيذهب به فتبقى الصخرة وليس عليها ما يرد ويدفع عنها عوامل النحت والتعرية.

стр. 1331

الزكاة حق واجب إن الإنسان المخلص الصادق يعلم أن الله امتحنه بما جعل تحت يده، وأن عليه أن يقوم لله بالحق الذي فيه، فإن لله حقاً في هذا المال، وهذا الحق لا بد أن يعرفه الإنسان في ماله، وأن يؤديه، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ * لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [المعارج:٢٤ - ٢٥]، وقال الله تعالى: ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [الذاريات:١٩]، لا بد أن يعلم الإنسان هذا الحق أولاً ثم يؤديه بعد ذلك. فقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ﴾ [المعارج:٢٤] أي: يقدرونه في أنفسهم، ويعلمون الحق الذي عليهم؛ فلذلك يقوم الأغنياء بمسئوليتهم تجاه الفقراء، ولا يعفى الفقراء أيضاً من الإنفاق، بل الإنفاق خطاب عام يستوي فيه الغني والفقير، الجميع مخاطب، لكن كل ينفق على حسب طاقته، فالله يقول: ﴿لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ [الطلاق:٧]، وقد بين أنس ﵁ كما في الصحيح: أن الفقراء القراء من أصحاب النبي ﷺ كانوا يذهبون إلى الجبل فيحتطبون، فيبيعون الحطب، فيتصدقون بثمنه على الفقراء، وكانوا يقومون الليل، ويعلمون الناس القرآن، فيأخذ أحدهم حبله في الصباح ويذهب إلى الجبل، فيأتي بالحطب، فيبيعه، فينفق به على أسرة فقيرة، فيكون قد زكى نفسه وماله: زكى نفسه بإعمالها في مرضات الله، وتحركها في عمل الخير، والنفوس التي لا تتحرك ستبقى جامدة، ويركبها الشيطان عند ذلك، لكن الحركة في الخير بركة؛ فلذلك يتحرك هؤلاء للزكاة التي قال الله فيها: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ [الأعراف:١٥٦]. وقد قال تعالى عن الكافرين: ﴿الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ [فصلت:٧]، فبين أن المرحومين هم المؤمنون الذين يؤتون الزكاة، وأن المشركين -المسخوط عليهم، الذين لهم الويل- هم الذين لا يؤتون الزكاة، وهذه الزكاة تشمل الصدقة الواجبة وغيرها، وهي شاملة لزكاة البدن، وزكاة المال، وزكاة الوقت، وزكاة الجاه، وزكاة العلم، كل ذلك داخل فيما تجب زكاته.

стр. 1332

وصول المال إلى غير المستحقين إن الإنسان الذي ينفق ابتغاء مرضاة الله، ينفق ولو وصلت نفقته إلى من لا يستحقها، فإنه يثاب عليها، ويتقبلها الله منه، وقد قال النبي ﷺ : (إن رجلاً من بني إسرائيل، قال: لأتصدقن الليلة بصدقة -عاهد الله أن يتصدق بصدقة يخلص فيها- فجمع تلك الصدقة من ماله، والناس نيام فخرج بها، فوضعها في يد بغي، فأصبح الناس يتحدثون: تصدق الليلة على بغي! فقال: لك الحمد، على بغي. ثم قال: لأتصدقن الليلة بصدقة، فأخذ صدقته والناس نيام فخرج بها فوضعها في يد غني، فأصبح الناس يتحدثون: تصدق الليلة على غني! فقال: لك الحمد، على غني. ثم قال: لأتصدقن الليلة بصدقة، فأخذ صدقته، فجعلها في يد سارق، فأصبح الناس يتحدثون: تصدق الليلة على سارق، فقال: لك الحمد على سارق، فأتاه ملك في النوم فقال: إن الله تقبل صدقتك؛ فالبغي ما حملها على البغاء والزنا إلا الجوع، فقد أغنيتها عن ذلك، والغني: لم يكن يستشعر أن عليه حقاً، فلما تصدقت عليه عرف أنه ينبغي أن يتصدق، والسارق ما حمله على السرقة إلا الجوع، فقد أغنيته عن ذلك)، فتقبل الله منه هذا العمل الذي ظاهره أنه وقع في غير محله، ولكن صاحبه كان مخلصاً لله، فأثابه الله على ذلك. والإنفاق إذا وقع في محله كانت له فوائد عظيمة على المجتمع كافة، تخيل -يا أخي- عندما تأخذ المال الذي اكتسبته من حلال، وأخفيته عن نفسك، وعن حوائجك، وآثرت به الآخرة على الأولى، وجعلته في كمك، وخرجت به تلتمس الفقراء والمحرومين، وأحب الخلق إلى الله أنفعهم لعياله، فوجدت أسرة لا ترى فيها مواقد النار، وليس بها غنى، أهلها متعففون لا يتكففون الناس، كما قال رسول الله ﷺ : (ليس الفقير الذي يتردد على الأبواب، وترده اللقمة واللقمتان، والطعمة والطعمتان، إنما الفقير المتعفف)، فالفقير المتعفف إذا وصله خيرك -وهو في داره- كتب الله لك أجر ذلك، ووجدته أمامك يوم القيامة.

стр. 1333

من قصص وأخبار المنفقين والمتصدقين

стр. 1334

إنفاق النبي ﷺ لقد كان رسول الله ﷺ ينفق فيعطي عطاء من لا يخشى الفقر، كان الأعرابي إذا جاء أعطاه رسول الله ﷺ ، فيرجع إلى قومه فيرفع عقيرته فيقول: يا قوم! أسلموا؛ فإن محمداً يعطي عطاء من لا يخشى الفقر. ولذلك حين ألجأه الأعراب يوم أوطاس إلى شجرة فأمسكت رداءه قال: (ردوا عليّ ردائي، فلو كان عندي مثل شجر تهامة نعماً؛ لقسمته بينكم، ثم لن تجدوني جباناً، ولا بخيلاً، ولا كذاباً) وقال للأنصار حين أتوه وتوافدوا عليه في صلاة الفجر: (لعله بلغكم أن أبا عبيدة قدم من البحرين بمال، فما يكون عندي من خير فلن أدخره عنكم) وقال رسول الله ﷺ للناس في منصرفه من تبوك: (إنه ليس لي من هذا المال إلا الخمس، وهو مردود عليكم). كان ﷺ من أجود الناس وأسخاهم؛ ولذلك قال جابر بن عبد الله ﵁: (كان رسول الله ﷺ أجود الناس، ما سئل شيئاً قط فقال: لا) إن كان عنده أعطى، وإلا رد بميسور من القول. وهذا الأدب أدبه الله به في قوله: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا * ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا * وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا * وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾ [الإسراء:٢٦ - ٢٩]، هذا تأديب الله له، وقد تأدب به ﷺ ، كما قال: (أدبني ربي فأحسن تأديبي). وقد أخرج البخاري ومسلم في الصحيحين من حديث ابن عباس ﵄ قال: (كان رسول الله ﷺ أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل فيدارسه القرآن، وكان يدارسه القرآن في كل ليلة من ليالي رمضان، فلرسول الله ﷺ أجود بالخير من الريح المرسلة).

стр. 1335

إنفاق عائشة ﵂ كان الإنفاق من هدي الصحابة، وقد تعلموا ذلك منه ﷺ ، فهذه عائشة ﵂ تعلمت من إنفاق النبي ﷺ فقالت: (ذبح في بيتي شاة ذات يوم، فدخل عليّ رسول الله ﷺ فقال: ما بقي عندكم من الشاة؟ قلت: كتفها، فقال: بقيت كلها إلا كتفها)؛ لأنها كلها أنفقت في سبيل الله، تقول مولاة عائشة ﵂: جاء إلى عائشة عطاء وهي صائمة في شدة الحر، وكان العطاء عشرة آلاف درهم، فوزعته في مجلسها، فلم تمسك منه أي شيء، فلما انتهى قلت: رحمك الله! لو أمسكت لنا ما نفطر عليه، فقالت: لو ذكرتيني لفعلت! لم تتذكر أنها بحاجة إلى ما تفطر عليه فقط!!
следующие страницы →