Полный текст (1 349 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.
стр. 1261
علاقة السنة بالقرآن
وعند قوله: (وإن لم يأت في كتابه) تأتي علاقة السنة بالقرآن، وقد ذكر العلماء ستة أوجه في علاقة السنة بالقرآن: الوجه الأول: أن تكون السنة مفسرة للقرآن، أي: شارحة له، وذلك مثل قوله ﷺ في حديث حفصة: (ألا إن الورود العبور)، وذلك تفسير لقول الله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم:٧١]، فبين أن الورود المقصود به العبور على الصراط.
ومثل قوله: (المغضوب عليهم اليهود، والضالون النصارى).
الوجه الثاني: أن تكون مخصصة لعام القرآن، وذلك مثل قول الله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة:٣٨]، فهذا عام؛ لأن (أل) في السارق حسية تشمل كل سارق، وكذلك السارقة، وقد خصص ذلك رسول الله ﷺ بسارق النصاب، وبين أنه ليس فيما دون ثلاثة دراهم قطع، وأنه من أخذ بفيه غير متخذ خبنة فلا قطع عليه، فهذا كله تخصيص للعام.
الوجه الثالث: أن تكون السنة مقيدة لمطلق القرآن، مثل قول الله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة:١٩٦]، فإن الله أطلق الصيام والصدقة والنسك، ولكن قيد ذلك رسول الله ﷺ في حديث كعب بن عجرة فقيد الصيام بثلاثة أيام، والإطعام بستة مساكين لكل مسكين نصف صاع، والنسك بشاة.
الوجه الرابع: أن تكون السنة ناسخة للقرآن، وذلك مثل قوله ﷺ : (خذوا عني خذوا عني فقد جعل الله لهن سبيلاً، البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم)، كما في حديث عبادة بن الصامت.
وكذلك قوله ﷺ : (إن الله تعالى أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث).
فالحديث الأول ناسخ لآية النساء وهي قول الله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ [النساء:١٥] , فبين ذلك السبيل السنة.
والحديث الثاني ناسخ لقول الله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة:١٨٠].
وهذه وإن كانت محل خلاف لكن الراجح أنها منسوخة بالسنة فقط وليست بالكتاب؛ لأن السنة هي التي بينت أنه لا وصية لوارث، أما الكتاب فليس فيه تصريح أنه لا وصية لوارث.
الوجه الخامس: أن تكون السنة منسوخة بالكتاب، وذلك مثل صلاته ﷺ سبعة عشر شهراً إلى الشام بالمدينة فنسخ ذلك بقوله: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة:١٤٤]، فنسخت السنة بالكتاب.
الوجه السادس: أن تكون مضيفة حكماً ليس في الكتاب، وذلك مثل قوله ﷺ : (كل ذي مخلب من الطير فأكله حرام، وكل ذي ناب من السباع فأكله حرام).
ومثل حديث أبي هريرة ﵁ (نهى رسول الله ﷺ أن تنكح المرأة على عمتها وخالتها).
ومنه قوله ﷺ : (يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب)، فهذه إضافة أحكام ليست في القرآن، لكن الحكم الأخير وهو تحريم نشر الحرمة بالرضاع، أصله في القرآن وهو قوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [النساء:٢٣]، لكن لم يذكر الخالات من الرضاعة ولا العمات من الرضاعة ونحو ذلك، وقد ذكر ذلك في هذا الحديث.
أما الحديثان الأولان حديث النهي عن كل ذي مخلب من الطير، وكل ذي ناب من السباع، وحديث النهي عن أن تنكح المرأة على عمتها أو خالتها، فهذا قطعاً فيه إضافة حكم ليس في القرآن.
стр. 1262
معاني السنة لغة واصطلاحاً
قال: فإنه أوتي مثله معه من حكمة وسنة متبعة بين أن ما أوتيه النبي ﷺ يسمى سنة ويسمى حكمة، والسنة في اللغة: الطريقة خيراً كانت أو شراً.
فمن إطلاقها على طريقة الخير قول الله تعالى: ﴿سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا﴾ [الإسراء:٧٧]، ومن إطلاقها على الشر قول الله تعالى: ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ [آل عمران:١٣٧].
وتطلق كذلك على الصميم من كل شيء كقول غيلان: تريك سنة وجه غير مقرفة ملساء ليس بها خال ولا ندب وتطلق على الطريقة في الجبل.
واصطلاحاً: يختلف إطلاقها باختلاف العلم الذي هي فيه، ففي علم العقائد تطلق السنة على مقابل البدعة.
وقد تطلق على ما يقابل الشيعة بالخصوص فيكون ذلك إطلاقاً جزئياً يقال: أهل السنة والشيعة، تكون هنا غير مقابلة لكل بدعة، بل مقابلة لبدعة الشيعة فقط.
والسنة في اصطلاح أهل الحديث هي: ما أثر عن النبي ﷺ من قول أو فعل أو تقرير، أو وصف خلقي أو خلقي، سواء صلح دليلاً لحكم شرعي أو لم يصلح.
وعند الأصوليين هي: ما أثر عن النبي ﷺ من قول أو فعل أو تقرير مما يصلح دليلاً لحكم الشرع.
وعند الفقهاء هي: صفة المأمور به أمراً غير جازم.
وفي اصطلاح آخر لبعض الفقهاء أنها: ما فعله النبي ﷺ وأظهره في ملأ وواظب عليه ودل الدليل على عدم وجوبه، وهذا عند الذين يفرقون بين السنة والندب.
والسنة تسمى حكمة، والحكمة في الأصل جعل الشيء في موضعه، وتمام العقل وإتقان كل شيء، فهي من (أحكمه)، أي: أتقنه، والسنة تسمى حكمة، ولذلك عطفت على القرآن في عدد من الآيات كقول الله تعالى: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ [الأحزاب:٣٤]، وكقوله تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [آل عمران:١٦٤]، وكقوله تعالى في سورة الجمعة: ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [الجمعة:٢].
فالحكمة التي يعلمها والتي تتلى هي السنة، وهي بيان للقرآن، ولذلك قال: (من حكمة وسنة متبعه).
قوله: (متبعة) هذا تقييد للسنة، وهو تقييد مهم؛ لأن العمل مهم في مجال الاستنان؛ لأن الحديث إذا روي قولاً دون عمل، أي: لم يعمل به الصحابة ولم يعرف تطبيقه فإنه لا يكون العمل به سنة، وكذلك السنة الفعلية إذا لم يصحبها عمل فذلك دليل على نسخها، وأبلغ دليل في هذا الباب أن كثيراً من أحاديث النبي ﷺ لم تصل إلينا ولم تنقل، والكتب التي ذهبت ولم تنقل قد استغنت عنها الأمة بما نقل، فهو كاف، والله تعالى تعهد بحفظ الدين، والدين نصفه في السنة، فما بلغنا من السنن ونقلته الأمة وعملت به فهو الدين المحفوظ، وما سواه فهو الأمور الشاذة التي هي من المتشابهات التي لا ينبغي اتباعها.
ولهذا حذر عدد من أئمة السلف من الذي يأخذ الغرائب ويتتبعها ويشذ عن جمهور الأمة ويخالفها، ولهذا فإن كثيراً من الشواذ يبحثون عن أي حديث فإذا وجدوه حتى لو لم يفهموا معناه أو كان محتملاً لعدة أوجه؛ حملوه على المعنى الشاذ الغريب وعملوا به، وأرادوا بذلك إظهار الفتنة والفوضى بين الناس، وهذا مخالف للمقصود الشرعي، ولذلك قال: (وسنة متبعة).
وقد نص عدد من الأئمة على هذا الشرط، منهم ابن عون وهو من أئمة التابعين، وسفيان بن عيينة، وكذلك الثوري وفي كلام الزهري تصريح بذلك حيث قال: آية محكمة أو سنة متبعة.
стр. 1263
الأسئلة [١]
стр. 1264
ذكر بعض أشعار الجن ومدى صحتها
السؤال
يذكر العلماء أشعاراً للجن في كتبهم، فكيف رويت هذه الأشعار، وكيف اطلعوا على صحتها؟
الجواب
بالنسبة للأشعار والمقامات الواردة عن الجن والمروية في كتب السير، فإن كثيراً من هذه الكتب القديمة لا يظن بأهلها الكذب مثل محمد بن إسحاق فهو حديث عهد جداً؛ لأنه من كبار أتباع التابعين، فقد لقي عدداً كبيراً من التابعين وعهده قريب، فهي مروية عن الصحابة.
وقد صح من أشعارهم بعض ما روي في صحيح البخاري مثل بكائهم على عمر بن الخطاب، ومثل أشعارهم في وقت الهجرة، فقد كان بعضهم من المسلمين لم يعرفهم رسول الله ﷺ إذ ذاك، ومنهم الصارخ الذي سمعه أهل مكة ينوه بـ أم معبد: جزى الله عنا والجزاء بفضله رفيقين حلا خيمتي أم معبد هما نزلا بالحق وارتحلا به فيا سعد من أمسى رفيق محمد وكذلك قول الآخر: فإن يسلم السعدان يصبح محمدٌ بمكة لا يخشى خلاف المخالفِ فيا سعد سعد الأوس كن أنت ناصراً ويا سعد سعد الخزرجين الغطارفِ أجيبا إلى داعي الهدى وتمنيا على الله في الفردوس منية عارف وأشعارهم كثيرة، لكن بعض الأشعار تنسب إليهم ولم تثبت، مثل: نحن قتلنا سيد الخز رج سعد بن عباده رميناه بسهميـ ـن فلم تخط فؤاده ونحو هذا، فهذا لا يصح عنهم.
والمقصود بصحة ذلك أن يسمعه الناس ولا يعرفون له قائلاً، بل يسمعون هاتفاً يصيح فيسمع الناس الكلام ويحفظونه ولا يعرفون له قائلاً، ولا يرون أحداً، فهذا المقصود من صحة الرواية عنهم.
стр. 1265
الصلاة على الأنبياء
السؤال
نرجو منكم الكلام على صيغة الصلاة على النبي، وهل تجوز الصلاة على غيره؟
الجواب
أما ما يتعلق بالصلاة على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فإن الله أخبرنا أنه يصلي على النبي ﷺ ، وأمرنا أن نصلي ونسلم عليه، وقد صح عن رسول الله ﷺ أن الله صلى على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في حديث كعب بن عجرة، وهذا يقتضي الصلاة عليهم أجمعين؛ لأن آل إبراهيم يدخل فيهم دخولاً أولياً الأنبياء والرسل.
لكن اختلف أهل العلم في مشروعية ذلك، وأجمعوا على أنه يجب الصلاة على النبي ﷺ مرةً في العمر وعند ذكره، وأن ما زاد على ذلك مندوب، إلا في التشهد فقد اختلف فيه في التشهد الأخير هل هو على الوجوب، أو على السنية؟ وكذلك في خطبة الجمعة، هل الصلاة على النبي ﷺ فيها ركن من أركانها كما لدى الحنابلة في المشهور عنهم؟ أو ليس كذلك فتكون سنةً فقط.
وأما من سواه من الرسل فلا تجب الصلاة عليهم، لكنها من السنن والمندوبات، وذكرهم بالصلاة والسلام هو المروي عن كثير من السلف، فقد كانوا يقولون: إبراهيم ﷺ ، وتجدون ذلك في صحيح البخاري في كثير من المواضع، وقالت طائفة من الناس: بل الأفضل أن يخصص ذلك بالنبي ﷺ الذي أخبر الله أنه يصلي عليه، وأمرنا أن نصلي ونسلم عليه، وأما من سواه فيقال: ﵇، وهذا اللفظ أيضاً لا يختص بالرسل بل تجدون في صحيح البخاري إطلاقه على علي بن أبي طالب مثلاً وغيره مثل فاطمة ﵍.
وصيغة الصلاة والسلام على النبي إذا كانت بالعطف فلا خلاف أيضاً في أنه يجوز أن يلحق به من سواه، ولهذا يصلى على النبي ﵌، وآله يشمل كل مؤمن به كما سبق بيان ذلك، وكذلك على عباد الله الصالحين كما في حديث كعب بن عجرة، لكن البحث في الصلاة والسلام على غير النبي منفرداً دون عطف.
وقد صح في الصحيح أن النبي ﷺ قال: (اللهم صل على آل أبي أوفى)، وأبو أوفى رجل من الأنصار، وهو والد عبد الله بن أبي أوفى، كان يأتي بصدقته قبل أن يأتيه الساعي، فدعا له رسول الله ﷺ بالبركة قال: (اللهم صل على آل أبي أوفى).
ولم يكن مستنكراً في الصدر الأول أن يقال: صلى الله عليك يا فلان! أو نحو هذا، أو إذا ذكر فلان فقيل: صلى الله عليه من باب الدعاء، فهذا لم يكن مستنكراً في الصدر الأول، لكنه اليوم مستبشع أن تذكر شخصاً من الناس فتقول: ﷺ مثلاً، ولهذا ينبغي أن يخصص في زماننا هذا بالنبي ﷺ وإذا أطلق على نبي من أنبياء الله فلا إشكال أيضاً، لكن لا ينبغي أن يطلق على من دونهم ولا من سواهم.
ومما كان في الصدر الأول قول جرير: صلى على عزة الرحمن وابنتها لبنى وصلى على جاراتها الأخرِ
стр. 1266
أنساب الأنبياء
السؤال
ذكرتم أن الأنبياء يكونون من أوسط قومهم نسباً، فهل ورد ذكر أنسابهم في الشرع؟
الجواب
بالنسبة لأنساب الأنبياء، لم تكن العناية بها قويةً في النصوص الشرعية، وإنما نسب بعضهم إلى آبائهم وبعضهم إلى أجدادهم، فإبراهيم سمى الله أباه آزر، وذكر نسبة بعض الأنبياء إلى آبائهم أو أجدادهم، ونسب عيسى إلى أمه، وقد قال النبي ﷺ : (إن الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم، يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم)، وهذا من أشرف الأنساب، حيث يجتمع فيه أربعة أنبياء في سرد واحد، وهو الذي يمثل به أهل البلاغة لنوع من أنواع البديع يسمى بالاطراد، وهو الذي يقول فيه السيوطي في عقود الجمان: الاطراد ذكرك اسم من علا فأبه فجده على الولا بلا تكلف على وجهٍ جلي مثل عليٍ بن الحسين بن علي فهو مثل هذا الذي صح عن النبي ﷺ في نسب يوسف ﵇، لكنه جاء في بعض الآثار عن الصحابة فرفعوا بعض الأنساب، وقد رفع النبي ﷺ نسب نفسه إلى عدنان ونسب بعض من سواه، فقد نسب لـ سبأ بن يشجب بن يعرب بن قطحان عشر قبائل في الحديث الذي أخرجه الترمذي في السنن، وكذلك عد نسبه إلى عدنان فقال: (أنا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان).
وجاء عنه أيضاً أنه قال: (إلى معد بن عدنان)، لكنه نسب معداً أيضاً إلى عدنان.
والمقصود هنا القبيلة والنسبة.
وكذلك قوله لقوم من كندة: (نحن بنو النضر بن كنانة لا نستنسب لغيره).
وقد عرفت خئولات النبي ﷺ وعموماته، فيذكر له أهل النسب: خمسمائة أُمٍّ معروفة، بعضها ثبت فيها أحاديث، مثل: (أنا ابن العواتك من سليم)، وعواتك سليم: أم وهب بن عبد مناف، وأم هاشم بن عبد مناف بن قصي، وأم عبد مناف بن زهرة، فهؤلاء هن عواتك النبي ﷺ ، وفيهن يقول البدوي ﵀: عواتك النبي أم وهب وأم هاشم وأم الندب عبد مناف وذهِ الأخيره عمة عمة الأولى الصغيره وهن بالترتيب ذا لذي الرجال الأوقص بن مرة بن هلال عاتكة بنت الأوقص، وعاتكة بنت مرة، وعاتكة بنت هلال والصغرى: عمتها التي تليها، والأخرى عمة الصغرى، فالصغرى منهن عاتكة بنت الأوقص بن مرة بن هلال، والتي تليها: عاتكة بنت مرة بن هلال، والكبرى: هي عاتكة بنت هلال مباشرة.
وكذلك في القبائل العشر: يقول البدوي ﵀ في الأنساب: لسبأ بن بشجب بن يعرب سليل قحطان قريع العرب نسب خير مرسل بيننا عشرة الأزد الاشعرينا وحميراً ومذحجاً وكنده أنمار سادس لهم في العده وقد تيامنوا ومن تشام له غسان لخم وجذام عامله هذه القبائل العشر.
وقد نص بعض الصحابة على نسب النبي ﷺ من جهة أبيه، فرفعوه أيضاً إلى إسماعيل، أما كونه من ذرية إسماعيل فهذا لا اختلاف فيه، لكن تسمية الرجال إلى إسماعيل محل خلاف، والراجح والمشتهر بين الناس أن عدنان: ابن أد بن أدد بن الهميسع بن قيدار بن نبت -أو نابت- بن حمل بن إسماعيل بن إبراهيم.
وبعضهم يعكس فيقول: عدنان بن أد بن أدد بن الهميسع بن قيدار بن حمل بن نابت بن إسماعيل، وخلاف قليل هنا؛ لكنهم يتفقون أن إسماعيل هو السابع لـ عدنان.
وعلى هذا فأنساب الأنبياء مثل أنساب الناس يرجع فيها لذوي النسب، وليست هي في حكم الشرع فيرجع فيها إلى النصوص الشرعية وحدها، وأهل الأنساب هم الذين يعتنون بهذا من حيث ضبطه وحفظه.
وكذلك ذكرنا أنهم ذكروا للنبي ﷺ خمسمائة أُمٍّ، ولم تبق قبيلة من العرب إلا وله فيها أُمٌ، إلا ما كان من بني تغلب وحدها.
وبالنسبة لما ورد عنه أنه قال: (كذب النسَّابون فيما فوق عدنان)، ما أظن أنه يصح، وإن كان مشتهراً أيضاً، وحمله كثير من النسابين على أن المقصود به: أنهم كذبوا في الأسماء حيث لم تكن من لغة كثير منهم، فحرفوا فيها، وأكثر هذه الأسماء محل خلاف في ضبطها، مثل: مهلائيل ومهلال؛ وكذلك لامك ولمك، وفالغ وفالج وعابر وعيبر.
السؤال: هل لفظة (إلياس) موجودة في كلام العرب؟ الجواب: (إلياس) غير موجودة، لكن هذه لغات أخرى، فلذلك كان الخلاف فيها إنما هو فيما يتعلق بالجزم بصيغة الاسم وضبطه؛ لأن أهل كل لغة إذا نطقوا باسم، فإن أهل اللغة الأخرى يحرفون فيه غالباً، لأنه يصعب عليهم النطق به على هيئته الحقيقية.
стр. 1267
معنى كون حسنات الأبرار سيئات المقربين
السؤال
ما المقصود بقولهم: (حسنات الأبرار سيئات المقربين)؟ المقولة التي فيها (إن حسنات الأبرار سيئات المقربين)، المقصود بها أن تفاوت الناس في التكليف على قدر تفاوتهم في التشريف، وهذا يشهد له كثير من النصوص الشرعية، وتفاوت درجات الناس بحسب ذلك من الموافق للحكم، وللمقتضى العقلي ومقتضى الفطرة؛ ولهذا أمر النبي ﷺ بإقالة العثرات، وقال: (أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم)، وأمر أن ينزل الناس منازلهم كما في حديث عائشة ﵂.
стр. 1268
حصر الرسل من الملائكة
السؤال
كم عدد الرسل من الملائكة؟
الجواب
الرسل من الملائكة لم يرد فيهم حصر مثل الرسل من البشر، ولكنه من المجمع عليه أن جبريل ﵇ من رسل الله من الملائكة، فهو أمين الله على الوحي إلى كل الرسل عليهم الصلاة والسلام؛ ولذلك فإن بني إسرائيل كانوا يعادون جبريل في زمان النبي ﷺ ، ويزعمون أنه عدوهم من الملائكة، كما أخبر الله بذلك في كتابه: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:٩٨].
стр. 1269
عدم امتناع القتل في حق الرسل
السؤال
لماذا لا يمتنع القتل في حق الرسل؟
الجواب
ليس مما يمنع في حق الرسل أن يقتلوا؛ لأن الموت كتبه الله على البشر: ومن لم يمت بالسيف مات بغيره تعددت الأسباب والموت واحد ولذلك لا يستحيل في حقهم القتل؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِينْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمران:١٤٤]، وقد قتل بنو إسرائيل عدداً كبيراً من أنبياء الله، ونص على ذلك في القرآن، وهؤلاء جمعوا المقامات المختلفة، فجمعوا النبوة والرسالة والشهادة في سبيل الله، وهي أعلى درجات البشر، ومن هؤلاء زكريا ويحيى ﵉، فقد صح أن بني إسرائيل قتلوهما، وكذلك حاولوا قتل عيسى بن مريم فرفعه الله، وشبه لهم بشخص فقتلوا ذلك الشخص وصلبوه.
وكذلك قتلوا رسول الله ﷺ بالسم الذي وضعوا له بشاة خيبر، قال: (ما زالت أكلة خيبر تعادوني والآن حان انقطاع أبهري).
فهؤلاء من الرسل الذين قتلوا في سبيل الله، والآيات مصرحة بكثرتهم، لقول الله تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ * وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران:١٤٦ - ١٤٧].
و (كأين) من الألفاظ التي تدل على التكثير والمبالغة، وهذا مبني على الاختلاف في القراءة في قوله: ﴿قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ [آل عمران:١٤٦]، ففي قراءة: (قتل معه ربيون كثير)، وهو اختلاف لا يغير هذا الحكم؛ لأن القراءتين كالآيتين، فيثبت حكماهما لتواترهما معاً.
وعلى هذا: فالشهادة في سبيل الله منزلة عظيمة، ودرجة عالية، وقد صح في صحيح البخاري أن النبي ﷺ قال: (لوددت أني أقاتل في سبيل الله فأقتل، ثم أحيا فأقاتل فأقتل، ثم أحيا فأقاتل فأقتل!) تمنى رسول الله هذا على الله .
стр. 1270
امتناع الخسائس على الأنبياء
السؤال
هل تعتبر المهن الخسيسة ممتنعة في حق الأنبياء؛ وكذلك غيرها من الخسائس؟
الجواب
أما الأعمال غير الخسيسة وغير الممتهنة فتجوز في حقهم؛ فقد كانوا يخصفون نعالهم، ويزرعون ويغرسون، ويشاركون الناس في أعمالهم كلها.
وكذلك يصابون بالأمراض غير المنفرة، بل يوعك أحدهم كما يوعك رجلان من الناس، كما قال النبي ﷺ ؛ وذلك لزيادة ثوابهم، وعلو منزلتهم، ولهذا قال النبي ﷺ : (أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل)؛ وليكونوا أسوة حسنة يتسلى بهم من سواهم، فإذا أصيب أحدنا بمصيبة تأسى بأولئك الرسل الذين هم خيرة الخلق وأشرفهم، وأكرمهم على الله، فقد ابتلاهم الله بذلك فصبروا وصمدوا، فنتسلى بما أصابهم، ونتأسى بهم ونتعزى.
والمهن التي لا تؤثر في المروءة كرعاية الغنم لا تمنع في حقهم، بل صح عن النبي ﷺ : (أنه ما من نبي إلا وقد رعى الغنم، فقيل: وأنت يا رسول الله؟ فقال: وأنا، كنت أرعى غنماً لقريش على قراريط).
وعلى هذا فرعي الغنم مهنة غير خسيسة بل هي تعويد على القيادة والنصح والصبر، وتعويد على الخلوة بالنفس؛ لأن راعي الغنم لا يستطيع أن يجلس مع الناس؛ لأنه يخاف عليها من الذئب وكل عادية، فيكون دائماً خالياً بنفسه، فيقتضي ذلك جرأته وشجاعته، ويقتضي نباهته وقوة عقله؛ لأنه يخادعه الذئب وغيره من الحيوانات المفترسة عن غنمه، فراعي الغنم لا بد أن يكون نبيهاً ولا بد أن يكون صاحب فطنة وذكاء لكيد الأعداء.
وكذلك فإنها رياضة بدنية وروحية لما فيها من الخلوة والحركة الدائمة، ومثل هذا ما يتعلق بالتجارة والزراعة وغير ذلك.
فموسى ﵇ رعى الغنم أيضاً كما صرح بذلك في سورة القصص، والنبي ﷺ خرج بتجارة خديجة إلى الشام، وكذلك في الزراعة شارك في غرس النخل الذي كان سلمان كاتب عليها مواليه؛ وكذلك في البناء، فقد شارك في بناء المسجد وفي حفر الخندق وحتى بناء بيوت الناس فقد كان يشارك فيها، كما صح في صحيح البخاري أن عمر بن الخطاب ﵁ انتزع ميزاباً للعباس بن عبد المطلب كان في داره يصب في المسجد، فلما انتزعه، قال العباس: والله لقد وضعه رسول الله ﷺ بيده، فبكى عمر بكاءً شديداً ثم أقسم على العباس أن يركب ظهر عمر حتى يعيد الميزاب إلى مكانه، وعمر خليفة إذ ذاك، فركب العباس مع ضخامة العباس وجسامته، حتى أعاد الميزاب إلى مكانه.
ونظير هذا من الأعمال كخياطة ثياب ونحوها، كل ذلك من الأعمال التي لا تزري بدين ولا مروءة ولا تنفر، فيحل أن يشتغل بها.
لكن يحرم في حق النبي ما يكون منفراً أو مقتضياً لعدم الاستجابة لدعوته، ومن هذا أخذ العلماء أن على من يدعو إلى الله ، ويسلك طريق الأنبياء؛ أن يتزين للناس حتى لا ينفرهم بنفسه.
وما يطلب من الزهادة والتقشف في أمور الدنيا لا يطالب به الذين يدعون إلى الله ويخالطون الناس لهدايتهم؛ لأن ذلك ربما نفر كثيراً من الناس فلم يصلوا إلى تأثير في مستويات معينة من المجتمع، لكن ينبغي أن يكون ذلك في أيديهم وأن لا يكون في قلوبهم، وأن لا يغتروا بزخارف هذه الدنيا وما فيها، فليسوا أكرم على الله ممن سواهم، ولا ينبغي لهم أن يأمنوا مكر الله ﴿فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف:٩٩]؛ لذلك ذكر أهل العلم في اللباس أنه يندب فيه للعلماء والدعاة وخطباء المساجد تحسينه، وأن يكون من أرقى الأنواع وأثمنها، ليؤثروا بذلك في قلوب من لا يعتبرون إلا بمثل هؤلاء الذين ينظرون إلى المظاهر ويعنون بها.
стр. 1271
الحكمة في أن الرسل من أهل القرى
السؤال
لماذا ذكر الله أنه ما أرسل رسولاً إلا من أهل القرى؟
الجواب
أما كون الأنبياء جميعاً من سكان القرى كما أخبر الله بذلك في كتابه، فإن ذلك مقتض منهم لحصول الرفعة، وأهل البوادي دائماً أشد عنجهية وأسوأ أخلاقاً، وأقل نظافةً ممن سواهم؛ ولذلك قال الله تعالى في كتابه: ﴿الأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ [التوبة:٩٧]، وليس التحضر نسباً، حتى يقال: فلان بدوي، معناه: أن أباه كان كذلك، بل المقصود هو في نفسه، فلو سكن شخص من أهل البادية في الحاضرة، فإنه ليس من الأعراب ولا يدخل في ذلك؛ بل المقصود به من يتصف بهذه الصفة بنفسه لا بنسبه.
الرسل عليهم الصلاة والسلام يراد بهم أن يسوسوا البشرية وأن يقودوها، فلا بد أن يعرفوا طرق تدبير المعاش، وهذه لا يعرفها أهل البوادي، ولا يعتنون بها، فأهل البوادي إنما يعيشون من الصيد -مثلاً- أو اتباع البهائم، ويعيشون مع الأحلام والأوهام كثيراً، وقد أخرج أحمد في المسند أن النبي ﷺ قال: (من طلب الصيد غفل، ومن بدا جفا)، ومعناه: من سكن البادية غلظ طبعه، (ومن طلب الصيد غفل)، أي: نقص عقله بقدر ذلك؛ فلهذا اختير الرسل من أهل القرى.
стр. 1272
معنى أمر الله لرسوله باتباع إبراهيم ونهيه عن التشبه بيونس ﵈
السؤال
لماذا أمر الله رسوله باتباع ملة إبراهيم ونهاه عن التشبه بيونس ﵈؟
الجواب
أما أمر الله لرسوله ﷺ باتباع ملة إبراهيم، ونهيه عن أن يكون كصاحب الحوت الذي هو يونس ﵇، في قوله: ﴿وَلا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ﴾ [القلم:٤٨]، فنهيه عن أن يكون كصاحب الحوت مقيد؛ لأنه قال: ﴿إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ﴾ [القلم:٤٨]، فالمنهي عنه اتباعه في حال واحد وهو تعجله في الدعاء، وأمره باتباع ملة إبراهيم يقتضي منه صبراً وأناة وحلماً وعدم استعجال في الدعاء على قومه.
فيونس تعجل عقوبة قومه فدعا عليهم كثيراً، وتأخرت الاستجابة، فاستعجل في الإجابة فغاضب الله بأن سافر في البحر، وكادت السفينة أن تغرق، فاستهموا على من يلقوه في البحر فكان من المدحضين، فرموه في البحر فالتقمه الحوت، ثم بعد ذلك أنجاه الله، فعاد إلى قومه بعد فترة طويلة، فدعاهم فأسلموا أجمعين، فتحقق الوعد، وارتفع عنهم العذاب، وكانت خاصة لأمته أن الله رفع عنهم العقوبة بعد أن رأوها، ولم ير قط قوم الآيات إلا نزلت بهم العقوبة، وقد استثناهم الله من ذلك فقال: ﴿إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ [يونس:٩٨].
وقد جاء عن رسول الله ﷺ في الحديث الصحيح: (لا تفضلوني على يونس بن متى).
والوجه المعروف لدى المحدثين عموماً: أنه لا ينبغي الجزم بالتفضيل الذي يقتضي تنقصاً، فلو فضلته بوجه لا يقتضي تنقصاً فلا إشكال فيه؛ لأن النبي ﷺ أفضل الخلق؛ لكن إذا كان ذلك على وجه به تنقص مثل أن تتنقص نبياً من الأنبياء بسبب قصة حصلت له أو نحو ذلك، فهذا هو المنهي عنه شرعاً.
لكن ابن سيد الناس ذكر وجهاً آخر بعيد المنال؛ ولذلك اشتهر به بين الناس، فقال: إن النبي ﷺ أسري به وعرج به فوق سبع سماوات حتى أعلا الله منزلته هذا الإعلاء العظيم، ويونس كان في قعر البحر في جوف الحوت؛ لكنه ليس أقرب إلى الله منه، فالله تعالى قريب في علوه علي في دنوه، فهذا معنى التفضيل هنا، وهذا وجه استحسنه العلماء ورضوه، واشتهر به الرجل بين الناس.
стр. 1273
خلو الأنبياء من المنفرات
السؤال
ذكرتم اشتراط خلو النبي عن منفر طبعاً، فما تقولون فيما يذكره المفسرون عن أيوب من أنه تساقط أعضاؤه من المرض؟
الجواب
ما يذكر في بعض كتب التفسير التي تذكر الإسرائيليات عن نبي الله أيوب ﵇: أن النصب الذي أصابه به الشيطان كان مرضاً منفراً في بدنه، وأنه تساقط بعض أعضائه ونحو هذا؛ فهذا لا يصح، ولا يمكن أن يعتمد عليه بوجه من الوجوه؛ بل هو كما أخبر الله عنه أنه أصابه الشيطان بنصب وعذاب، وقد أزال الله أذاه ورفع منزلته وأعاد إليه عافيته، فكان من أدبه مع الله أنه لم يقل: (أصبتني)، إنما قال: (مسني الشيطان بنصب وعذاب)، ولذلك أثنى الله عليه بأنه كان عبداً أوّاباً.
стр. 1274
تعدد الزوجات للأنبياء
السؤال
هل يدل قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً﴾ [الرعد:٣٨] على تعدد زوجات الأنبياء؟
الجواب
ما يذكر من أن جميع الأنبياء قد عددوا زوجاتهم أخذاً من قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً﴾ [الرعد:٣٨]، فهذا مأخذ بعيد جداً وفهم لا يستقيم مع الآية؛ لأن الآية قوبل فيها الجمع بجمع، والأصل أن الجمع إذا قوبل بجمع فكل واحد يقابله واحد، مثل قوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة:١٨٤]، ولا تقتضي الآية إثباتاً لذلك ولا نفياً له؛ لكن منهم من ثبت له تعديد الزوجات كنبينا ﷺ ، وكسليمان ﵇، ومنهم من لم يتزوج أصلاً وثبت له ذلك كيحيى ﵇، إذ قال الله فيه: ﴿وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [آل عمران:٣٩]، فلم يتزوج أصلاً حتى يعدد، ومنهم ما سكت عنه، فلا يخالف في مثل هذا.
فالآية المذكورة بينت أن من الرسل الذين أرسلهم الله قبل النبي ﷺ من آتاهم الله أزواجاً وذرية، أي: فليس وجود الأزواج والذرية طعناً في النبي ﷺ ولا عيباً فيه؛ لأن أعداءه قالوا: كيف تزعم أنك نبي يأتيك الوحي، وأنت تتزوج النساء ويأتيك الأولاد، فرد الله دعواهم بأن من سبقه من الرسل كذلك، فالمقصود أنها سيقت لرد هذه الشبهة والدعوى فقط.
стр. 1275
قوة الأنبياء
السؤال
هل كان الأنبياء جميعاً يتميزون بالقوة على غيرهم، وما الحكمة من ذلك؟
الجواب
أما ما يذكر في قوة أبدانهم فالظاهر أنهم جميعاً كانوا كذلك، لأنهم يكلفون بأعمال هائلة جداً، ويضحون تضحيات جسيمة، فيؤيدهم الله تعالى على ذلك، وبالأخص كلام الملائكة واجتماعهم، فإن زيد بن ثابت ﵁ قد ذكر أن النبي ﷺ كان مسنداً ركبته إلى فخذه، فنزل عليه الوحي فرضت فخذه حتى كاد يموت من شدة وطئه؛ وذلك من شدة الوحي، فمن لم يقو غاية القوة لا يمكن أن يتحمل الوحي؛ لذلك قواهم الله، وقد كان النبي ﷺ أفضلهم، حتى فيما يتعلق بالقوة، فقد ذكر عنه قوة عجيبة، وكان الناس يشاهدونها في كل الأمور، فكانت فيه قوة العقل وقوة الروح، وقوة البدن، حتى قوة الجماع، وقد عقد لها القاضي عياض ﵀ باباً مستقلاً.
стр. 1276
إرسال يحيى وعيسى في زمن واحد
السؤال
هل أرسل يحيى وعيسى في زمن واحد لبني إسرائيل، ولماذا؟
الجواب
بالنسبة لقصة عيسى وزكريا والوحي المنزل إليهما وأنهما أمرا بتبليغه، فهذا يقتضي أن بني إسرائيل يشكون في خبر الواحد، حتى لو عرفوا أنه نبي فإنهم يؤذونه ويكذبونه ويشكون بخبره؛ لكن إذا جاءهم من ليس معه في مكان بنفس الخبر صدقوه، فهذا من باب أن بني إسرائيل قوم بهت، لا يصدقون خبراً حتى لو كان من نبي مرسل يعرفون صدقه، لذلك قال موسى فيما حكى الله عنه في بني إسرائيل: ﴿يَا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ﴾ [الصف:٥].
стр. 1277
حياة الأنبياء في قبورهم
السؤال
هل يصح ما يقوله بعض الناس أن الأنبياء لا زالوا في قبورهم أحياء؟
الجواب
ورد ستة عشر حديثاً عن النبي ﷺ أن الأنبياء أحياء في قبورهم يصلون وقد حرم الله على الأرض أن تأكل أجسادهم، لكن حياتهم حياة برزخية ليست كحياة الدنيا على الأرض، وإذا قبضهم الله إليه، فمنهم من يبقى في مدفنه الذي دفن فيه، ويعرف مكانه، ومنهم من ينقله حتى بجسده إلى حيث شاء، ولا يعرف اليوم قبر نبي من الأنبياء بالجزم غير نبينا محمد ﷺ ؛ لكن يعرف أن بمكة قبر إسماعيل ﵇، وكذلك آدم ﵇ وعدد من الأنبياء، قال بعض الصحابة: إن حول الكعبة سبعين نبياً، وبالشام دفن عدد كبير منهم، وقد صح عن النبي ﷺ في وصف قبر موسى أنه عند الكثيب الأحمر في طريق الشام، وأنه لو كان عنده لأراهم إياه.
أما بالنسبة لقبر إبراهيم ﵇ فيقال إنه في المكان الذي سمي بمدينة الخليل، لكن لا يعرف القبر بعينه، إنما يتلقى عن خبر بني إسرائيل وليس لهم إسناد متصل ولا تواتر، والإسناد من خصائص هذه الأمة، فلذلك انقطع الخبر، فلا يعتمد عليه، لكن يظن ذلك.
بنو إسرائيل يقولون: هذا مكان قبر إبراهيم، وهناك قبور عندهم واضحة كقبر إبراهيم وقبر زوجته، وقبر إسحاق ويعقوب، ولكن الله أعلم بحال ذلك، والذي يبدو أن يعقوب توفي بمصر؛ لأنه هاجر إليها.
стр. 1278
زوجات الأنبياء
السؤال
نريد الكلام على زوجات الأنبياء وهل يختارهن الله اختياراً، وما هي خيانة زوجة نوح وزوجة لوط؟
الجواب
بالنسبة لزوجات الأنبياء: أكثرهن يختارهن الله لذلك اختياراً، كما قال تعالى: ﴿وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُوْلَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ﴾ [النور:٢٦]؛ وبذلك فأكثر زوجات الأنبياء زوجات لهم في الدنيا وفي الآخرة، ومنهن أزواج النبي ﷺ اللواتي أنزل الله فيهن القرآن وأعلى منزلتهن، وشرف درجتهن؛ فهن زوجات النبي ﷺ في الدنيا، وزوجاته في الدار الآخرة، وهن أمهات كل المؤمنين به، ويجزم بأنهن جميعاً من أهل الجنة، ويلزم الإيمان بذلك.
وأما زوجة نوح وزوجة لوط فقد جعلهما الله مثلاً للكافرين، وذكر أنهما خانتاهما، ونص العلماء على أن هذه الخيانة ليست خيانة فيما يتعلق بالزنا أو نحو ذلك، وإنما هي خيانة فيما يتعلق بما اؤتمنتا عليه من الأسرار، فكانتا تنقلان أخبارهما وأسرارهما إلى أعدائهما؛ ولذلك لم ينجهما الله، فأهلك امرأة نوح مع قومه، وأهلك امرأة لوط مع قومها، أي قريباً منهم: ﴿وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ [هود:٨٣].
فليست هاتان المرأتان من أهل هذين النبيين، بل عوضهما الله خيراً منهما، فليستا زوجتين لهما في الآخرة، وإنما هما زوجتان في الدنيا، وانقطع ذلك بكفرهما، ثم زوجهما الله خيراً منهما، ولا شك أن هذا من ابتلاء هذين النبيين الذي هو إعلاء لمنزلتهما، ورفع لدرجتهما.
وكذلك ما جاء في جواب الله تعالى لنوح ﵇ عندما قال: ﴿رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ * قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ [هود:٤٥ - ٤٦]، فلا يقصد به أنه ليس من ذريته، بل المقصود أنه ليس من المؤمنين؛ لأن أهله الذين وعده الله بإنجائهم هم الذين آمنوا به؛ ولذلك قال: ﴿وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [هود:٤٠]، فأهله هم المؤمنون به، وهذا الولد كان يظنه من المؤمنين به، ولكن الله أخبره أنه ليس كذلك فقد كان منافقاً؛ ولهذا حين أمره أن يركب في السفينة امتنع عن ذلك، وقال: ﴿سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ﴾ [هود:٤٣].
وأما قوله: ﴿إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ [هود:٤٦]، فمعناه أن عمله غير صالح، هذا أرجح شيء في التفسير؛ ولذلك فالقراءة الأخرى: (إنه عَمِلَ غَيْرَ صالح فلا تسألن ما ليس لك به علم).
وقالت طائفة من أهل العلم: معنى (إنه عمل غير صالح) أنه كسب غير صالح، فكأنه هو لم يصلح، فالولد عمل من الأعمال من كسب أبيه؛ لكن هذا الولد غير صالح، حيث لم يكن من أهل الجنة.
انظر عتاب الله لنوح ﵇ لدعائه هذا؛ لأنه بين أن العتاب على مسألته، وأنه ظن أن الله أخلف الوعد، فأراد أن يذكره بالوعد، وأن ينجي هذا الولد لأنه من أهله؛ ولذلك اعتذر نوح من هذا فقال: ﴿رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [هود:٤٧]، فتاب الله عليه، فتوبته كانت من دعائه؛ لأنه دعا ما لم يأذن له به؛ ولذلك يعتذر بها يوم القيامة عندما تطلب منه الشفاعة كما سنذكر في حديث الشفاعة.
стр. 1279
رفع إدريس ورفع عيسى ﵉
السؤال
ذكر الله أنه رفع إدريس مكاناً علياً، فما الفرق بين رفعه ورفع عيسى؟
الجواب
رفع إدريس ليس كرفع عيسى، فإدريس لم يرد فيه أنه سينزل، بل أخبر الله أنه رفعه مكاناً علياً، وهذا الرفع يحتمل أن يكون رفعاً معنوياً ويمكن أن يكون رفعاً حسياً، ويمكن أن يكون لروحه وجسده، ويمكن أن يكون لجسده بعد موته، ويمكن أن يكون لروحه فقط؛ كل ذلك محتمل، ولم يرد فيه شيء يفسره؛ لكنه رفع بعد موته.
وأما عيسى فإن الله توفاه في الدنيا، بمعنى: أنهى رسالته وأنه قد أدى مهمته وانتهت رسالته، وهذا معنى: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران:٥٥]، وقد رفعه الله حياً بروحه وجسده؛ ولذلك سيعود كما رفع، فقد صح عن النبي ﷺ أنه سينزل حكماً عدلاً، وقت صلاة الفجر عند المنارة البيضاء شرقي دمشق، وسيحكم بشريعة محمد ﷺ ، فسيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، وهذا في الأحاديث المتواترة عن النبي ﷺ ، ويشهد له أيضاً قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ [النساء:١٥٩]، وسينزل بين ملكين يمنيه على أحدهما ويساره على الآخر، كأنما خرج من ديماس إذا رفع رأسه تحدر منه مثل الجمان، وإذا طأطأه تساقط منه، ولا يحل لكافر يجد ريح نفسه إلا مات من حينه، ونفسه يبلغ حيث يبلغ بصره، وهو الذي يقتل المسيح الدجال.
стр. 1280
الأسئلة [٢]
стр. 1281
الوسوسة طاعة للشيطان
السؤال
أجد وسوسة في الغسل فأمضي ثلاثين دقيقة أو خمساً وأربعين دقيقة وأنا في الغسل، فيضيع الكثير من الوقت وكلما غسلت عضواً يخيل إلي أنني لم أغسله، فأرجع إليه، وكذلك شعر الرأس أو اللحية، فيضيع فيه الكثير من الوقت؟
الجواب
هذا الإنسان مصاب بوسوسة، وهي من عمل الشيطان، فعليه أن يحذر أن يجعل للشيطان عليه سبيلاً، وعليه ألا يطيع الشيطان وهو يعلم أنه عدوه، بل عليه أن يطيع الله، وأن يجتنب عمل الشيطان، وإذا أخبره الشيطان بأنه لم يفعل، فليرغم أنف الشيطان وليترك ما ألقى عليه.
ومن هنا، فالذي يشعر بالوسوسة عليه أن يكثر من التعوذ بالله من الشيطان الرجيم، صادقاً بقلبه، وعليه ألا يتبع وساوس الشيطان، فإذا غسل عضواً تجاوزه وغسل غيره، وإذا خيل إليه الشيطان أنه لم ينته فلا يراجع نفسه في ذلك، ولا ينظر إليه، لأنه قد يريه الشيطان أنه لم يغسل بعد، فليس له أن ينظر إليه بعد ذلك، وعليه أن يتجاوزه بالكلية وأن يلقي ما ألقى إليه الشيطان وألا يصدقه بشيء، وسواء كان ذلك في الغسل أو غيره أو في الصلاة، وعليه أن يكثر التعوذ، وألا يتبع الشيطان فيما يلقيه عليه مطلقاً.
стр. 1282
حكم زيارة النساء للمقابر
السؤال
هل تجوز زيارة النساء للقبور؟
الجواب
جاء النهي عن رسول الله ﷺ عن زيارة النساء للقبور، وجاء عنه: (لعن زوارات القبور) ثم بعد ذلك جاء عنه ﷺ كما في حديث عائشة ﵂ أنها سألته: ماذا نقول إذا زرنا المقابر، فعلمها الدعاء الذي يدعى به عند زيارة القبور، وعلى هذا فإن جمهور أهل العلم على جواز زيارة النساء للقبور.
لكن ليس لهن أن يتخبطن بين الأجدر، بل المشروع لهن أن يقفن أمام المقبرة ويذكرن الدعاء الذي أمر به الرسول ﷺ عائشة، ويتذكرن الموت والآخرة، والزيارة التي فعلتها عائشة ﵂ مع النبي ﷺ هي هذه الزيارة: أن تقف أمام القبور وأن تدعو، وأما التخبط بين الأجدر فلم يفعله النبي ﷺ ولم يأمر به عائشة ولا غيرها من الناس، ورأي الجمهور من العلماء أنه غير مشروع مطلقاً، ويتأكد ذلك في حق النساء.
стр. 1283
الحكمة في زيارة القبور
السؤال
ما الهدف من زيارة القبور؟
الجواب
المقصود بالزيارة هي الموعظة وتذكر الآخرة، وإنما يحصل ذلك بثلاث رتب: الرتبة الأولى: أن يتذكر الإنسان أن هذا القبر الذي يراه، إما أن يكون روضة من رياض الجنة، أو حفرة من حفر النار، وأن القبر الواحد أو القبرين الملتصقين، قد يكون أحدهما في غاية النعيم، والآخر في غاية العذاب، ولا هذا يشعر بعذاب هذا ولا هذا يشعر بنعيم هذا، بل قد تختلط العظام، فهذا في غاية النعيم والآخر في غاية العذاب، ولا يصل شيء من نعيم هذا إلى هذا، ولا شيء من عذاب هذا إلى هذا.
المرتبة الثانية: أن يستحضر أن هذا الموت حاجز حصين، انتقل به الإنسان الذي كان أهله يثقون به، ويكلون إليه أمورهم، فانقطعوا عنه، وانقطع عنهم، ولم يعد مطلعاً على شيء من أخبارهم وأمورهم، وأصبح في هذه الأجداث، ومن عمار القبور الذين هم أسارى ذنوب لا ينفكون وأهل قرب لا يتزاورون، أخبارهم منقطعة، وأملاكهم قد خرجوا منها: ﴿وتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ﴾ [الأنعام:٩٤]؛ كل ما كان لديه من الأسرار والأمور التي يختص بها أصبحت بيد من سواه، فهذه موعظة عجيبة.
المرتبة الثالثة: أن يستحضر الإنسان أن هذا هو مصيره، وأحسن الأحوال أن يموت بين المسلمين فيدفن في مقابر المسلمين، فيتذكر نفسه محمولاً على الرقاب إلى المقابر، ويتذكر الساعة التي يسلم فيها نفسه إلى الله ، ويستسلم فيها وتنزع روحه من كل عرق من عروق جسده، ويذهب به إلى هذه المقابر ليس له مشاركة في الرأي ولا في الأمر ويوضع في هذا الحال، وهذه موعظة عجيبة.
وقد حصل لرجل في أيام معاوية ﵁، أن رأى جنازة تحمل إلى المقبرة في دمشق فخرج في تجهيزها، فلما دفن الميت، وقف على قبره وبكى، وأنشد قول الشاعر: ياقلب إنك من أسماء مغرور فاذكر فهل ينفعنك اليوم تذكير فبينما المرء في الأحياء مغتبط إذا هو الرمس تعصره الأعاصير يبكي عليه غريب ليس يعرفه وذو قرابته في الحي مسرور فلما أنشد الأبيات قال له أحد الحاضرين: أتدري لمن هذه الأبيات؟ قال: لا.
قال: إنها لهذا الميت الذي دفناه آنفاً، وأنت الغريب الذي يبكي عليه، وهذا ابن عمه ووارثه أقرب الناس إليه كان عدواً له وأصبح مسروراً بموته، فهذه موعظة عجيبة يتذكرها الإنسان في مثل هذه المواقف إذا رأى القبور، وانتقال الناس إلى الدار الآخرة.
стр. 1284
الأعمال التي يصل ثوابها للميت
السؤال
هل يصل ثواب القرآن إلى الميت؟ وعليه فهل يشرع ختم القرآن عند موت الميت؟
الجواب
أجمع العلماء على أن الميت يصل إليه في قبره مما يهدى إليه من الأعمال الصدقة والدعاء فقط، فالتصدق على الأموات يصل، وكذلك الدعاء لهم يصل، وأما الدليل على الصدقة فأمر النبي ﷺ سعد بن عبادة أن يتصدق عن أمه.
ودليل الدعاء قوله تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ [التوبة:١٠٣] وقول النبي ﷺ : (إن هذه القبور مظلمة على أهلها، وإن الله ينورها بصلاتي عليهم) وكذلك قول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر:١٠].
стр. 1285
الرد على من زعم أن ابن تيمية مات في السجن كافراً
السؤال
إمام كفر أحد أهل العلم، وقال إنه سجن ومات في السجن بسبب كفره وإلحاده، وقال بأنه كفره مائة عالم، هل هذه المقولة صحيحة، وهل الموت في السجن دليل على أن الإنسان كافر أو ملحد؟
الجواب
إن تكفير المسلم كقتله كما قال النبي ﷺ ، وقد حذر النبي ﷺ منه غاية التحذير، فقد صح عنه ﷺ أنه قال (إذا قال المؤمن لأخيه: يا كافر فقد باء بها أحدهما) وقال: (فإن كان كما قال وإلا رجعت عليه)، وفي رواية: (وإلا حارت عليه) قد جاء في ستة أحاديث في الصحيحين عن النبي ﷺ تحذيره من التكفير، كتكفير المسلمين، وبالأخص العلماء، الذين ائتمنهم الله على الوحي، وجعلهم من ورثة الأنبياء، والله يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة، وإذا اختار الله إنساناً ليأتمنه على وحيه، فهو غير مكره ولا عاجز، فاختياره لا بد أن يكون ذا دلالة.
ومن هنا فعلى الإنسان أن يحترم أهل العلم وأن يوقرهم ولا يكفرهم، وأن يعلم أن الله قد ائتمنهم على الوحي، فلذلك عليه أن يحترمهم من هذا الوجه.
والسائل هنا يسأل عن الإمام ابن تيمية ﵀، وليس معنى هذا أن أهل العلم معصومون، وأنهم لا يخطئون، بل يقعون في الخطأ كغيرهم، لكنهم أولى بالمغفرة، لما قدموه من الأعمال الصالحة، وما لهم من العلم والعمل.
وأيضاً فإن خطأهم إنما كان عن اجتهاد في وسائل ليس فيها قاطع من الشرع، ولذلك فهم مأجورون فيه، لقول النبي ﷺ : (إن اجتهد الحاكم فأصاب كان له أجران، وإن اجتهد وأخطأ كان له أجر).
وأما سجن العالم أو تعذيبه أو نحو ذلك في سبيل الحق فهو دليل على إخلاصه، وهو من سنة الأنبياء السابقين، فقد سجن يوسف ﵇ وقتل عدد كبير من الأنبياء، كما قال تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ * وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ * فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخِرَةِ﴾ [آل عمران:١٤٦ - ١٤٨].
و (استكانوا) بمعنى: ذلوا.
هو يسأل عن شيخ الإسلام ابن تيمية، وهو بعيد من الكفر، وهو أحد ورثة رسول الله ﷺ وأحد علماء هذه الأمة ومحدثيها، بل قال الذهبي ﵀: كل حديث لم يروه ابن تيمية فليس بحديث.
وهو من أعلم الناس بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، بل قل في زمانه من يستطيع مناورته أو القرب منه في هذا المجال، فقد كان يندر في زمانه من هو في مستواه في العلم بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، لكن ليس معنى هذا أنه معصوم، بل هو بشر يخطئ ويصيب مثل غيره، وما أخطأ فيه فإنما أخطأ فيه عن اجتهاد، وهو معروف بالورع والتقوى، وما أصاب فيه فمن توفيق الله وفضله، وليس من عند نفسه.
стр. 1286
التوبة من الطعن في أهل العلم
السؤال
هل تجب التوبة على من طعن في العلماء؟
الجواب
نعم، فالذي طعن في العلماء عليه أن يبادر بالتوبة، وأن يستغفر الله تعالى، وأن يعلم أنه قد تعرض لسخط الله -نسأل الله السلامة والعافية- وكثيراً ما يكون هذا سبباً لتعصبه ضد الحق، ولعدم قبوله له.
стр. 1287
الإمام الغزالي بشر يخطئ ويصيب
السؤال
إني أعيش مشكلة حيرتني، فأنا أرى الكثير من العلماء ينتقد الإمام الغزالي، وبعضهم يبالغ في مدحه، فما هو الرأي الحق فيه؟
الجواب
الإمام الغزالي هو أحد علماء المسلمين، كما أشرنا عن ابن تيمية، فهو عالم من علماء المسلمين يخطئ ويصيب، وصوابه بفضل الله، وخطؤه من نفسه ومن الشيطان، وما أصاب فيه أكثر مما أخطأ فيه، وما أخطأ فيه لم يكن خطؤه فيه باتباع للهوى، وإنما كان بطلب للحق واجتهاد فهو معذور فيه.
ومن هنا فعلينا أن نلتمس العذر للمسلمين، وبالأخص لخلفاء النبي ﷺ ، الذين حملوا هذا العلم وأوصلوه إلينا، وأن نلتمس لهم العذر فيما أخطئوا فيه، ونعلم أنهم بشر يخطئون ويصيبون، وطوبى لمن شغلته عيوب نفسه عن عيوب الناس.
стр. 1288
رؤية ابن بطوطة لشيخ الإسلام ابن تيمية
السؤال
قرأنا في رحلة ابن بطوطة قوله إنه رأى شيخ الإسلام ابن تيمية، يخطب يوم الجمعة في جامع دمشق إلخ القصة؟
الجواب
بالنسبة لهذه القصة كلها مكذوبة، لأن مجيء ابن بطوطة إلى دمشق كان بعد موت ابن تيمية بقرابة عشرين سنة، فإذا كان رآه فقد رآه في النوم بعد موته بعشرين سنة.
стр. 1289
حكم الزينة للمرأة
السؤال
هل يجوز للمرأة أن تشتري بعض الزينة من الأساور والخواتم لتتزين بها؟
الجواب
نعم ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الأعراف:٣٢]، وقد اشترى رسول الله ﷺ الزينة لبنات أبي أمامة أسعد بن زرارة ﵁.
لكن يجب عليهن أن يسترن ما أوجب الله ستره، والله تعالى لم يحرم عليهن الزينة ولكن قال: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي الإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور:٣١].
стр. 1290
حكم صبغ المرأة لشعرها
السؤال
هل يجوز للمرأة أن تصبغ رأسها وليس فيه شيب وإنما ذلك لزيادة شعرها وطوله؟
الجواب
إن الصبغ بالسواد قد نهى عنه رسول الله ﷺ ، كما في حديث جابر في صحيح مسلم، وقال: (جنبوه السواد) وعلى هذا فلا يحل الصبغ بالسواد مطلقاً لا للرجال ولا للنساء، سواء وجد الشيب أو لم يوجد.
أما الصبغ بغير السواد فإن كان ذلك لمصلحة راجحة ولم يكن فيه محاولة تغيير خلق الله، كما يفعله بعض الناس بصبغ بعض الشعر بألوان تكون خلقة في بعض الشعوب، كصفرة الشعر ونحو ذلك، فهذا النوع مثل الوشر والوشم وغيره من التغيير الذي قال فيه رسول الله ﷺ : (لعن الله الواشمات والمستوشمات، والواشرات والمستوشرات، المغيرات خلق الله) فهذا من تغيير خلق الله الذي يأمر به الشيطان كما أخبر الله بذلك في كتابه.
أما بالنسبة لجعل الحناء على الشعر فلا حرج فيه للرجال ولا للنساء، بل هو الخضاب الذي أمر به النبي ﷺ ، وفعله عدد كبير من أصحابه.
стр. 1291
حكم مسح الرأس للوضوء مع تلبيده بالحناء
السؤال
هل يجوز للمرأة أن تمسح على رأسها للوضوء وهو ملبد بالحناء، بدون أن تزيله؟
الجواب
إذا كان هذا الحناء بثمن غال، فيجوز لها أن تمسح عليه، لئلا تتلف هذا المال بإزالته، وإذا كان ثمنه رخيصاً، واضطرت إلى الوضوء بأن ضاق الوقت، فلا بد أن تزيله عن رأسها وأن تمسح على رأسها بالمباشرة.
стр. 1292
صلاة المنفرد خلف الصف
السؤال
ماذا يفعل من أتى إلى الصف ولم يجد فيه مكانا؟
الجواب
الإنسان مأمور بأن يصف مع المؤمنين كما تصف الملائكة عند ربها، فإذا وجد مكاناً في الصف فليصله (من وصل صفاً وصله الله، ومن قطع صفاً قطعه الله) فإن وجد طريقاً لأن يصف مع الإمام سواء كان عن يمينه أو عن شماله فله الحق في ذلك، لكن يكره أن يصف الناس مع الإمام فيكونون عن يمينه وشماله، وعند الحنابلة أن ذلك حرام.
أما الانفراد خلف الصف فقد اختلف فيه، فذهب الحنابلة إلى بطلان الصلاة؛ لأن النبي ﷺ نهى عنه، والأصل في النهي أنه يقتضي الفساد، وقالوا: يجذب أحداً من الصف وعلى المجذوب أن ينجذب لقول النبي ﷺ : (لينوا في أيدي إخوانكم) وهذا يكون من التعاون على البر والتقوى، ومحله إن لم يكن المجذوب سيقطع الصف ويجعله فيه فرجة، وقال آخرون: لا يجذب أحداً.
والمالكية ﵏ يرون أن النهي في الإنفراد خلف الصف على سبيل الكراهة لمن يستطيع أن يصف، أما من لا يستطيع أن يصف ووجد المسجد مغلقاً، ولا يستطيع أن يصل إلى الإمام ولم يجد إلا أن يصلي خلف الصف فليصل وراءه وصلاته صحيحة حينئذ إن شاء الله.
وهذا القول هو الأقوى لمن لم يستطع أن يصف مع الإمام ولم يجد من ينجذب له، فما له إلا أن يصلي حيث وجد.
стр. 1293
دخول وقت الصلاة
السؤال
هل لهذه المقولة أصل: (حتى لا يبقى شاك)؟!
الجواب
هذا في الوقت ويقولها بعض الناس، ومعناها: أن على الناس أن ينتظروا حتى لا يبقى شاك في دخول الوقت، وهذه المقولة شيطانية، فهي من كلام الشيطان وليست من الوحي، وليست مما شرعه الله لعبادة، بل لا بد أن يبقى في الناس شاك أبداً، وإذا تتبعنا شك الشاكين والمرضى والموسوسين فلن نصلي الصلاة في وقتها أبداً.
لكن من لطف الله أن جعل التقليد ممكناً في دخول الوقت، فإذا أذن المؤذن وكان عارفاً بالوقت فلنقلده في الوقت والعهدة عليه، ولذلك فصلاتنا صحيحة حتى لو كانت خارج الوقت إذا قلدنا من هو عالم بالوقت يعرفه.
وكذلك صيامنا إذا قلدنا من يعرف الوقت فأفطرنا بأذانه، أو أمسكنا بأذانه، فصومنا صحيح ومجزئ قطعاً من الناحية الشرعية إلا إذا كان المقلد ليس محلاً لذلك؛ فليس من أهل العلم ولا يعرف الوقت، أو لم ينظر إليه، فهذا خطأ.
والأصل في المسلمين العدالة، ومن لا تعرفه فالأصل فيه الستر، فإذا كنت لا تعرفه بشر فالأصل فيه الستر.
стр. 1294
الرقية الشرعية
السؤال
في البادية يوجد بعض الناس لديهم ما يسمونه حكمة، لمن لدغته أفعى يقرؤها عليه ويمسحون مكان اللدغة حتى يذهب الألم، ويعود اللديغ كأنما نشط من عقال، وهم يعتبرونها سراً خاصاً بهم لا يجوز لهم أن يخبروا به غيرهم، ما مدى جواز ذلك؟
الجواب
إذا كان هذا بكتاب الله أو بسنة رسول الله ﷺ ، أو بالثناء على الله وذكر أسمائه وصفاته فهو من الرقى الجائزة، والناس فيها متفاوتون بحسب إيمانهم، وبحسب قوة يقينهم، وإذا كان هذا فيما لا يفهم معناه أو بالكلام الأعجمي؛ فهو محرم، وكثيراً ما يكون فيه الشرك، وإنما ينتفع به على يد أقذر الناس، وهو ضد الرقية الشرعية، فرقية الباطل إنما تجري على يد الفجرة الفسقة، لأنهم هم الذين يخدمهم الشياطين كما قال تعالى: ﴿قل هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ * تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾ [الشعراء:٢٢١ - ٢٢٢]، وغالباً ما يكون هذا الشخص الذي يجري على مثل هذا كذاباً، أما الرقية الشرعية، فهي ما كان بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وأسماء الله وصفاته والثناء عليه، ويتفاوت الناس فيها بحسب يقينهم وإيمانهم.
وأما بالنسبة لكتمان الرقية الشرعية، فليس بمشروع، لأنها من تعليم الحق، والنبي ﷺ أمر بتعليمها، فقال للمرأة التي كانت تعلم حفصة (هلا رقية النملة) وأمرهم أن يعرضوا عليه رقى الجاهلية، فما كان منها خالياً من الشرك وفيه ثناء على الله أقره، وما كان منها متضمناً شركاً رده ورفضه.
стр. 1295
السنة في تعليم القرآن
السؤال
ما معنى قوله ﷺ فيما أخرجه أحمد في مسنده أن رجلاً قال: (يا رسول الله! إني أقرأ القرآن؛ فلا أجد قلبي يعقل عليه، فقال: إن قلبك حشي القرآن وإن الإيمان يعطاه العبد قبل القرآن).
الجواب
معنى هذا أن هذا الإنسان إنما أشرب القرآن فقرأ الكثير منه قبل أن يعرف معناه، وهذا مخالف لسنة تعلم القرآن، فسنة تعلم القرآن أن لا يقرأ الإنسان شيئاً منه حتى يعرف معناه وحتى يعمل به، فإذا حفظ القرآن كاملاً دون معرفة شيء من معناه فقلما يخشع به وقلما يبكي عند سماعه، ولذلك فالصبيان الذين يُحَفَّظُون القرآن كاملاً ويحفظونه على أنه ألغاز لا يفهمون معناها ولا يتدبرون شيئاً منه، قلَّما يستطيع أحد منهم بعد ذلك الخشوع بالقرآن، أو التأثر به تأثراً بالغاً، ولهذا قال أبو عبد الرحمن السلمي: أخبرنا الذين كانوا يعلموننا القرآن من أصحاب الرسول ﷺ ، ومنهم عثمان، وعلي وابن مسعود، وأبو هريرة، وابن عباس، وأبي بن كعب.
قالوا: ما كنا نقرأ عشر آيات فنتجاوزها حتى نتعلم ما فيها من العلم والعمل قالوا: فتعلمنا القرآن والعلم والعمل.
فهذه سنة تعلم القرآن.
стр. 1296
ما يجب على المرأة من الطاعة لزوجها
السؤال
هل طاعة الزوج واجبة في كل الخدمات أم تقتصر الزوجة على طاعته بنفسها؟
الجواب
لا يلزم المرأة طاعة الزوج في كل الخدمات، بل يلزمها طاعته فيما يتعلق بالفراش، وعدم الخروج من البيت إلا بإذنه ونحو ذلك، أما الخدمة فهي راجعة إلى العرف والعادة، فإن اقتضت العادة خدمة معينة كانت من المعروف، لأن المعروف عرفاً كالمشروط شرطاً، وإن لم تكن العادة مقتضية لذلك بأن كانت المرأة من مستوى أهله يُخدَمون ولا يَخدِمون، فلا تجب عليها الخدمة، فإن فعلت فهو تطوع منها ومعاشرة بالتي هي أحسن، وذلك فيه خير لا شك، وعلى هذا فكل ما يقتضي أُلفةً بين الزوجين واستمراراً لهذه العلاقة فهو مطلوب شرعاً، وعلى الزوجين ألا يتحاقا بينهما في كل الحقوق، وعلى كل واحد منهما ألا يقتصر فقط على الحق الواجب عليه، وأن يسامح في حقوقه إذا استطاع أن يؤدي ما زاد على الحقوق الواجبة؛ ليكون ذلك أدعى لاستمرار هذه العلاقة الشرعية.
стр. 1297
الجمع بين النهي عن إسبال الثوب والأمر بعدم كف الشعر والثوب في الصلاة
السؤال
أريد التوضيح في الجمع بين النهي عن إسبال الثوب، و (أمرنا ألا نكف شعراً ولا ثوباً في الصلاة)؟
الجواب
الإسبال جاء النهي عنه مطلقاً، والنهي عن كف الكم والشعر في الصلاة؛ المقصود به: أن يحذر الإنسان في وقت سجوده من أن يسجد وثوبه أو شعره يلامس الأرض، فإنه بذلك سينصرف باله وقلبه عن الصلاة وينشغل بالحذر على ثوبه أو شعره من أن يمس التراب، والشعر والثوب يسجدان لله ، فإذا سجدت فكل خيط من خيوط ملابسك وكل شعرة من شعرك تسجد معك لله ، وأنت تثاب على كل ذلك بسجدة كاملة، وعلى هذا فالإنسان أمر أن لا يكف.
أما الإسبال في حال القيام، فقد جاء فيه بعض النصوص، منها ما أخرجه أبو داود في سننه من حديث ابن جريج عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ نهى أن يصلي الرجل سادلاً، والمقصود بالسدل الإسبال في الصلاة، وعقب أبو داود هذا الحديث بما يقتضي تضعيفه، فقال: جاء عن ابن جريج أنه قال: كنت كثيراً ما أرى عطاء بن أبي رباح سادلاً في الصلاة.
قال أبو داود وهذا مما يضعف هذا الحديث.
لكن جاء في حديث آخر أن النبي ﷺ رأى رجلاً في الحرم يصلي مسبلاً، فأمره أن يعيد الوضوء والصلاة، ولكن لا يقاس على هذا؛ لأنه راجع إلى الوحي، فقد يكون النبي ﷺ عرف عن طريق الوحي أن هذا الرجل فعل ذلك خيلاء، لذلك أمره بإعادة الوضوء، ولكن الإسبال غير ناقض للوضوء، والنبي ﷺ أمر هذا الرجل بخصوصه أن يعيد الوضوء والصلاة.
والأرجح في هذه المسألة أن الإنسان في حال القيام ليس له أن يسبل مطلقاً، أما في السجود فليس له أن يكف شيئاً من ثوبه ولا من شعره عن الأرض.
стр. 1298
النوافل أوقاتها وعدد ركعاتها
السؤال
أريد تفصيلاً حول النوافل الراتبة وما يقرأ في كل منها، والقول الأرجح في عددها وعدد ركعاتها؟
الجواب
الرواتب هي سي الفرائضِ.
والسيّ هو ما يظهر في الضرع قبل أن ينزل فيه اللبن، فالذي ينزل على فم الفصيل عندما يرضع قبل أن تدر أمه هو الذي يسمى بالسي.
ويسمى بالسيء أيضاً، وقد جاء في حديث ضعيف سيوا صلاتكم أو سيئوا صلاتكم فإن كثرة السي تدل على قوة الحشك، أي: تمام الدرار.
فإذا كانت الفريضة محوطة بسياج من النوافل قبلها وبعدها إذا كان ما بعدها وقت إباحة، أو كان ما قبلها وقت إباحة فإن ذلك مما يكمل الفريضة ويقتضي من الإنسان إقبالاً عليها، لأن الإنسان يتطهر بالصلاة، ولذا جعلها النبي ﷺ بمثابة (النهر الجاري على باب أحدكم ينغمس فيه في اليوم والليلة خمس مرات، فهل ترون يبقى من درنه شيء) فكذلك النافلة يتطهر بها الإنسان للفريضة.
ولذلك فالنوافل الراتبة هي: ركعتان قبل صلاة الفجر خفيفتان، ولم يرد تعيين شيء في السور التي يقرأ بها في هاتين الركعتين، لكن ورد الحض عليهما في قول النبي ﷺ (ركعتا الفجر؛ خير من الدنيا وما فيها).
وأخرج أبو داود في السنن بإسناد ضعيف، أن رسول الله ﷺ قال: (صلوهما ولو طردتكم الخيل) وبالغ في الأمر بهما والحض عليهما ولذلك سميا بالرغيبة، أي رغب فيهما الشارع ترغيباً شديداً، فأما بعد الفجر فلا نافلة؛ لأن النبي ﷺ نهى عن الصلاة بعد الفجر حتى تطلع الشمس، وبعد العصر حتى تغرب.
ثم بعد هذا من الرواتب: أربع قبل الظهر، واثنتان بعدها أو أربع، وكل ذلك وارد، وراتبه الظهر سواء كانت قبلية أو بعديه تسن في المسجد كما كان رسول الله ﷺ يصليها، أما ركعتا الفجر فكان يصليهما في بيته، ولم يكن يصليهما في المسجد، وكذلك قبل العصر ورد ركعتان كما في حديث ابن عمر في الصحيحين وفي حديث ميمونة كذلك، وقد واظب رسول الله ﷺ عليهما في المسجد.
وورد أربع ركعات في حديث أخرجه الترمذي في السنن أن رسول الله ﷺ قال: (رحم الله امرأ صلى قبل العصر أربعاً) وهذا الحديث فيه لين، لكن مع ذلك عمل به كثير من أهل العلم وحتى الترمذي وغيره، ثم بعد هذا لا راتبة بعد العصر، لأن الوقت وقت نهي كما بينا.
أما المغرب فقد صح عن رسول الله ﷺ أنه قال: (صلوا قبل المغرب ركعتين، صلوا قبل المغرب ركعتين، صلوا قبل المغرب ركعتين ثم قال في الثالثة: لمن شاء)، فاختلف العلماء في حكم هاتين الركعتين، فذهب الشافعي إلى ندبهما؛ لأن النبي ﷺ أمر هذا الأمر، والأمر ليس للوجوب بل هو مقتضٍ للندب، وذهب مالك ﵀ إلى الكراهة فيهما، لأنه قال: إن قول النبي ﷺ : (صلوا قبل المغرب ركعتين) في البداية ليس للوجوب لأنه قال: (خمس صلوات فرضهن الله على العباد في اليوم والليلة)، ولأن الله قال له ليلة المعراج: (هن خمس وهن خمسون ما يبدل القول لدي).
وعلى هذا فلن تزيد الفرائض على الخمس، فلما قال: (صلوا قبل المغرب ركعتين) كان للندب فقط، ثم قال بعده: (لمن شاء) فنزل عن الندب، وإذا نزلت الصلاة عن الندب، فإنها لا تصل إلى الإباحة المستوية الطرفين؛ لأن العبادة لا تكون مباحه، فلن يبقى إلا أن تصل إلى الكراهة فقط، ومع ذلك فقد صلاهما مالك ﵀ ذات يوم، فقد كان واقفاً في المسجد فجاء طفل صغير فقال: يا أبا عبد الله! ألا تركع، فأحرم مالك وركع، فلما سلم اجتمع الناس عليه وقالوا: يا أبا عبد الله! لقد ركعت هاتين الركعتين، وما رأيناك ولا أحداً من ولدك يركعهما، فقال: خشيت أن أكون من الذين إذا قيل لهم اركعوا لا يركعون.
لقد أمره هذا الصبي الصغير أن يركعهما.
كذلك فإن أحمد بن حنبل ﵀ كره المواظبة عليهما، وقد صلاهما مرة حين روى الحديث.
ثم بعد المغرب ركعتان وهما من آكد الرواتب، وكان رسول الله ﷺ يصليهما في بيته كما في حديث ابن عمر، وقد ذهب الشافعية إلى كراهة صلاتهما في المسجد، بل ذهب بعضهم إلى أن صلاتهما في المسجد معصية، لمواظبة النبي ﷺ على صلاتهما في بيته.
وكذلك ركعتان خفيفتان بعد العشاء إذا رجع الإنسان إلى بيته بعد صلاة العشاء، فقد كان النبي ﷺ يركع ركعتين خفيفتين، وربما أخرهما فافتتح بهما صلاة الليل، فقد كان يفتتح صلاة الليل بركعتين خفيفتين قبل أن يصلي أربعاً طوالاً، لذلك جاء في حديث عائشة في وصف قيام النبي ﷺ قالت: (كان يصلي ركعتين خفيفتين، ثم يصلي أربعاً فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي أربعاً فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يركع)، وفي حديث ابن عمر: (صلاة الليل مثنى مثنى)، وفي رواية الموطأ: (صلاة الليل والنهار مثنى مثنى)، فهذا الأصل في النوافل، لكن مع ذلك فإن النبي ﷺ قد جمع تسعاً بسلام واحد، وجمع سبعاً بسلام واحد، وجمع خمساً بسلام واحد، وجمع ثلاثاً بسلام واحد، وهذا وتر النبي ﷺ ، أوتر بواحدة، وأوتر بثلاث، وأوتر بخمس، وأوتر بسبع، وأوتر بتسع، وكذلك جمع بين أربع بسلام واحد، وكل هذا على الجواز.
فهذه هي الرواتب، ويضاف إليها غيرها من النوافل، وهي مثلاً: قيام الليل، وهو ما تيسر مطلقاً، وليس محدداً بعدد، فقد كان النبي ﷺ يصلي ثلاث عشرة ركعة من الليل أو إحدى عشرة ركعة، وكذلك صلاة الضحى التي حض عليها النبي ﷺ حضاً بالغاً، وأكثرها ثمان، وأقلها أربع أو اثنتان، وهما ركعتا الشروق، واثنتان وقت ارتفاع الشمس، وهي صلاة الأوابين حين ترمض الفصال فيكون الجميع أربعاً، وأوسطها ست، فهذه هي أهم النوافل.
أما قضاء النافلة في غير وقتها فقد جاء فيه أن رجلاً من الأنصار صلى بعد صلاة الفجر فرآه رسول الله ﷺ فقال له: (يافلان: ماذا تصلي؟ فقال: ركعتا الفجر شغلت عنهما بالصلاة فسكت)، وهذا معارض لحديث ابن عباس في الصحيحين أنه قال: (شهد عندي رجال مرضيون وأرضاهم عندي عمر بن الخطاب: أن رسول الله ﷺ نهى عن الصلاة بعد الفجر حتى تطلع الشمس، وبعد العصر حتى تغرب) ولذلك فإن المالكية والحنفية تركوا حديث ابن عباس على إطلاقه حين عملوا بالترجيح قبل الجمع، وذهب الشافعي وأحمد إلى الجمع قبل الترجيح، فرأيا إخراج ذوات الأسباب من حديث ابن عباس قياساً على ركعتي الفجر، والاحتياط أن يؤخر الإنسان الصلاة حتى ترتفع الشمس؛ لأن في الباب أحاديث أخرى كحديث عمرو بن عبسة ﵁، وحديث ابن عمر في الساعات التي نهانا رسول الله ﷺ أن نصلي فيها، أو أن نقبر فيها أمواتنا.
أما إذا جاء الإنسان بعد أن صلى الرغيبة فدخل المسجد فقد جاء في حديث أخرجه الدارقطني في السنن، أن رسول ﷺ قال: (لا صلاة بعد الفجر إلا ركعتيه -وفي رواية- إلا ركعتين) لكن الحديث فيه ضعف، ومع ذلك فقد عمل به بعض العلماء، فرأوا كراهة الصلاة بعد صلاة الرغيبة، لكن إذا جاء الإنسان قبل الصلاة ووجد الناس ينتظرون الصلاة، فلابد أن يحيي المسجد لحديث أبي هريرة: (إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين).
стр. 1299
جواز خروج المرأة للبيع والشراء في العدة
السؤال
هل يجوز للمرأة إذا كانت في العدة أن تمارس التجارة وتمارس الذهاب إلى السوق؟ وهل يجوز لها الكلام مع الأجانب؟
الجواب
يجوز لها كل ذلك, ولكن يجب عليها أن تبيت في مكانها، ويحل لها الخروج لحاجاتها طرفي النهار لكن لا بد أن تسكن في مكانها، لقول الله تعالى: ﴿لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [الطلاق:١].
وأما الكلام مع الأجانب فيجوز لها منه ما كان يجوز لها قبل أن تكون في عدتها، ولم يحرم عليها بطلاقها أو بموت زوجها من الكلام مع الأجانب شيء إلا ما كان حراماً عليها من قبل، فخلطة الأجانب كانت محرمة عليها في كل ما كان فيه ريبة، لكن مخالطتهم بالبيع والشراء دون ريبة كانت تجوز لها في حياة زوجها، وهي زوجة قبل طلاقها، ولم يطرأ عليها شيء بعدتها.
стр. 1300
حكم مسح العين بالريق عند قول المؤذن: أشهد أن محمداً رسول الله
السؤال
عندما قال المؤذن: محمد رسول الله، رأيت رجلاً بل إبهامه وسبابته بالريق ومسح بهما على عينيه، ورأيته لما قال المؤذن: لا إله إلا الله، تفل في يده اليمنى ومسح على رأسه، فهل لهذا أصل أم هو بدعة؟
الجواب
هذا لا أصل له، وإنما يعتمد فيه الناس على رؤيا رآها رجل في النوم، وهذه المرائي تسر ولا تغر، ولا يمكن أن تؤخذ منها الأحكام، ولا أن يعتمد عليها في مثل هذا، فعلى الناس أن يتركوا هذا، وأن لا يفعلوه، لأنه لو كان خيراً لجاءنا به محمد ﷺ ، ونحن قاعدتنا الشرعية: (لو كان خيراً لسبقونا إليه)، وهي ضد قاعدة الكفار الذين قالوا: ﴿لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ﴾ [الأحقاف:١١] فنحن نقول: (لو كان خيراً لسبقونا إليه)، وكل خير لم يسبقنا إليه أصحاب رسول الله ﷺ فليس خيراً، وكل عمل لم يسبقنا إليه أصحاب رسول الله ﷺ فليس خيراً، وكذلك الذي يبصق في يده ويمسح على رأسه، فلا دليل على هذا، ولا ينبغي أن يفعل.
следующие страницы →