Полный текст (1 349 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
سيد الخلق محمد ﷺ
ومن خشية نبينا ﷺ لله ﵎: (أنه كان يقوم الليل فيطول القيام حتى تورمت قدماه، فيقال له: ألم يغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فيقول: أفلا أكون عبداً شكوراً).
وكان إذا رأى المطر خاف خوفاً شديداً، فكان يدخل ويخرج ويقبل ويدبر من خشية الله، فقيل له في ذلك، فقال: (خشيت أن تكون كقوم هود الذين قالوا: ﴿هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾ فقيل لهم: ﴿بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الأحقاف:٢٤])؛ وكذلك فإنه ﷺ لما كسفت الشمس -وهذا أمر يتكرر فتكسف الشمس، ويخسف القمر ولا نرى الفزع ولا الجزع في قلوب الناس!! وهما آيتان من آيات الله يخوف الله بهما قلوب عباده- فالنبي ﷺ لما كسفت الشمس خاف خوفاً شديداً، وقام فصلى فأطال الصلاة، ووعظ الناس وذكرهم.
وكذلك لما جاء القحط، فخاف وبدا التأثر عليه، وقام في الناس خطيباً في صلاة الاستسقاء، فقال فيما روت عنه عائشة ﵂: (إنكم شكوتم جدب دياركم، واستئخار المطر عن إبان زمانه، وقد أمركم الله أن تدعوه، ووعدكم أن يستجيب لكم، ثم قال: الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، لا إله إلا الله يفعل ما يريد، اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغني ونحن الفقراء إليك، أنزل علينا الغيث، واجعل ما أنزلت لنا قوةً وبلاغاً إلى حين، اللهم إن بالعباد والبلاد، والخلائق والبهائم من اللأواء والجهد والضنك ما لا نشكوه إلا إليك، اللهم إنا نستغفرك إنك كنت غفاراً، فأرسل السماء علينا مدراراً).
فهذا حال أنبياء الله، وحال أصحابهم من بعدهم، فجدير بنا أن نحرص على أن تزداد خشيتنا لله، وخوفنا منه، وبالأخص عندما يتعرض الله لنا بالأخذ، ففي هذه الأيام -مثلاً- يشكو الناس من ارتفاع في الأسعار، وتراجع في القوة الشرائية، وهذا من أمر الله ، لكن كثيراً من الناس يغفلون عنه، فيبحثون عن الأسباب الدنيوية المباشرة وينسون الذنوب التي هي سر ذلك كله، وقد قال الله تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الروم:٤١]، فما يصيب الناس من اللأواء والجهد والضنك، كله بسبب ذنوبهم، وقد أخرج ابن ماجة في السنن وأحمد في المسند، والحاكم في المستدرك، وابن خزيمة في صحيحه من حديث ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: (يا معشر المهاجرين! أعيذكم بالله أن تدركوا خمساً، فما ظهرت الفاحشة في قوم فأعلنوا بها، إلا ظهرت فيهم الأوجاع والأمراض التي لم تكن فيمن مضوا من أسلافهم)، ومصداق ما أخبر به الرسول ﷺ ، ما نشهده الآن من انتشار الإيدز.
فلذلك قال: (ولا نقص قوم المكيال والميزان إلا أخذوا بالسنين وجور السلطان ونقص المئونة، وما نقض قوم عهد الله وميثاقه إلا سلط الله عليهم عدواً من سواهم فأخذ بعض ما في أيديهم، ولا منع قوم زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء، ولولا البهائم لم يمطروا، وما حكمت أئمتهم بغير ما أنزل الله إلا جعل الله بأسهم بينهم).
فلذلك لا بد إذا تعرض الله لنا بشيء من أخذه أن نبادر إلى التوبة وأن نزداد خشية لله وخوفاً منه، وقد قال تعالى: ﴿فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام:٤٣].
نسأل الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلا أن يرزقنا خشيته في السر والعلانية، وأن يجعلنا من الذين يخافون الله ويخشونه، وأن يجعلنا من المخلِصين المخلَصين، وأن يزيدنا إيماناً ويقيناً، وأن يجعلنا أجمعين قرة عين للنبي ﷺ ، وأن يرزقنا التمسك بسنته عند فساد أمته، وأن يسقينا من حوضه شربة هنيئة لا نظمأ بعدها أبداً، وأن يبيض وجوهنا يوم تبيض وجوه وتسود وجوه، وأن يعطينا كتبنا بأيماننا تلقاء وجوهنا، وأن يجوزنا على الصراط كالبرق الخاطف، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين.
стр. 142
أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁
وكذلك من دونهم من أصحابهم وحوارييهم، فهذا عمر بن الخطاب ﵁ من السابقين الأولين من المهاجرين، وقد بذل نفسه لله تعالى وماله، وصحب رسول الله ﷺ في الحضر والسفر، ولم يتخلف عنه في غزوة من الغزوات، شهد بدراً والمشاهد كلها، وقد دخل في قول الله تعالى لأهل بدر: (اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم)، وبايع تحت الشجرة فدخل في قول الله تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [الفتح:١٨]، ودخل في قول النبي ﷺ : (والذي نفس محمد بيده لا يلج النار أحد بايع تحت الشجرة)، وشهد له رسول الله ﷺ بالتعيين بالجنة، وبين أنه رأى قصره في الجنة، وبعض نسائه في ذلك القصر.
وبين النبي ﷺ أنه سيكون من خلفائه بعده فقال: (رأيت في المنام كأنني على فم بئر وبيدي دلو بكرة فانتزعت بها ما شاء الله أن أنزع، ثم تناولها ابن أبي قحافة فانتزع ذنوباً أو ذنوبين وفي نزعه ضعف، والله يرحمه! ثم تناولها ابن الخطاب فاستحالت غربا، فلم أر عبقرياً يفري فريه، حتى ضرب الناس بعطن)، وكذلك فإن النبي ﷺ : (رأى الناس يعرضون عليه وعليهم قمص، فمنها ما يبلغ الثدي، ومنها دون ذلك، ورأى عمر بن الخطاب وعليه قميص يجره، قيل: فما أولتها يا رسول الله؟ قال: العلم).
وكذلك فإنه ﷺ : (أتي في المنام بقدح من لبن فشرب منه حتى رأى الرّي يخرج من تحت أظافره، ثم ناول فضلته عمر بن الخطاب، فقيل: ما أولت ذلك يا رسول الله؟ قال: الإيمان)، ومع هذا ينال الشهادة في سبيل الله في حرم رسول الله ﷺ ، بعد أن خلف رسول الله ﷺ في أمته عشر سنين وأشهراً وضاعف الرقعة وجاهد في الله، وعدل بين الرعية.
ومع هذا ينال الشهادة في سبيل الله فيبكي بكاءً شديداً ويقول لابنه وقد كان يجعل خده على فخذه: (آليت عليك لتضعن خدي على الأرض)، فيضع خده على الأرض وهو يبكي حتى تقطر دمعتاه على الأرض، فيقول له ابن عباس: (يا أمير المؤمنين! ألم يشهد لك رسول الله ﷺ بالجنة؟ ألم تشهد بدراً؟ ألم تبايع تحت الشجرة؟) فيقول: (لعل ذلك على شرط لم يقع، ليتني كنت حيضة حاضتها أمي، وددت أني خرجت من كل ذلك كفافاً لا عليّ ولا لي!)، هذا أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، ماذا نقول نحن إذاً؟! إذا كان عمر وهو بهذا المستوى يخاف أن لا يتقبل الله منه، ويخاف أن يكون كل ما شهد له به من الخير على شرط لم يتحقق، فماذا عسى أن نكون عليه من خشية الله وخوفه؟!
стр. 143
نبي الله موسى بن عمران ﵇
وإذا كان موسى بن عمران الذي اصطفاه الله بسماع كلامه كفاحاً دون ترجمان، وكتب الله له التوراة في الألواح بيمينه، ومع هذا يخاف الله بهذا الخوف الذي قص الله علينا، فقال: ﴿فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ * وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف:١٥٥ - ١٥٧].
إذا قرأ الإنسان تعامل هؤلاء الأنبياء المكرمين مع الله احتقر نفسه، وعرف أنه أولى بالخشية والخوف من الله ، فهم قد غفر الله لهم ما تقدم من ذنوبهم وما تأخر، وضمن لهم الجنة، وشفعهم في أممهم، وخاطبهم بالوحي وأعلى منزلتهم، واصطنع موسى على عينه -كما أخبر بذلك- وشرفه بكلامه، ومع هذا فهم يخافون الله هذا المستوى من الخوف، فكيف نحن لا نخاف الله ؟!
стр. 144
الأسئلة
стр. 145
علاج عدم البكاء من خشية الله
السؤال
أنا مسلمة من أسرة محافظة، أحضر بعض المحاضرات وأسمع بعض الأشرطة الدينية؛ لكنني وبكل أسف يصعب عليّ أن أبكي من خشية الله، فبماذا يفسر ذلك؟
الجواب
أن هذا من القسوة، وبالإمكان إزالته إذا شهدت هذه الأخت كثيراً من المواعظ واستمعت إليها، وفكرت في خاصة نفسها، وتدبرت في خلواتها، فجلست وحدها في غرفة ليس معها فيها أحد، وتذكرت وقت عرضها على الله، وتذكرت حالها في قبرها وانقطاعها عن هذه الدنيا، وتذكرت سؤال الله لها عما آتاها، فكل ذلك مما يعين على الزيادة من خشية الله.
اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد عبدك ونبيك ورسولك النبي الأمي، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً، اللهم لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك، لك الحمد بكل شيء تحب أن تحمد به، على كل شيء تحب أن تحمد عليه، لك الحمد في الأولى والآخرة، لك الحمد كثيراً كما تنعم كثيراً.
لك الحمد أنت قيوم السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت نور السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد لك ملك السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت ملك السماوات والأرض، ولك الحمد أنت الحق ووعدك حق، وقولك حق، ولقاؤك حق، والجنة حق، والنار حق، والنبيّون حق، ومحمد ﷺ حق، والساعة حق.
لك الحمد أنت أحق من ذكر، وأحق من عبد، وأرأف من ملك، وأجود من سئل، وأوسع من أعطى، أنت الملك لا شريك لك، والفرد لا ند لك، كل شيء هالك إلى وجهك، لن تطاع إلا بإذنك، ولن تعصى إلا بعلمك، تطاع فتشكر، وتُعصى فتغفر، أقرب شهيد، وأدنى حفيظ، حلت دون النفوس، وأخذت بالنواصي، ونسخت الآثار، وكتبت الآجال، القلوب لك مفضية، والسر عندك علانية، الحلال ما أحللت، والحرام ما حرمت، والدين ما شرعت، والأمر ما قضيت، والخلق خلقك، والعبد عبدك، وأنت الله الرءوف الرحيم، نسألك بعزك الذي لا يرام، وبنورك الذي أشرقت له السماوات والأرض؛ أن تهدي قلوبنا، وأن تستر عيوبنا، وأن تكشف كروبنا، وأن تجعل التقى زادنا، وأن تحقق مرادنا، وأن تصلح أولادنا.
اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا بين معاصيك، اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معاصيك، اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معاصيك، ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا، ومتعنا بأسماعنا وأبصارنا وقوتنا ما أحييتنا، واجعله الوارث منا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادانا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا تسلط علينا من لا يرحمنا، ولا تجعل إلى النار مصيرنا، واجعل الجنة هي دارنا.
اللهم استعملنا في طاعتك، واجعلنا هداة مهديين غير ضالين ولا مضلين، اللهم لا تدع لنا في عشيتنا هذه ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا مبتلىً إلا عافيته، ولا ميتاً إلا رحمته، ولا ضالاً إلا هديته، ولا مجاهداً إلا أيدته ونصرته، ولا عدواً إلا كبته وخذلته وكفيته، ولا أسيراً إلا أطلقته، ولا جاهلاً إلا علمته، ولا فقيراً إلا أغنيته، ولا حاجة من حوائج الدنيا والآخرة هي لك رضاً وفيها لنا صلاح إلا قضيتها يا أرحم الراحمين.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، وأوهن كيد الكافرين، وانصرنا عليهم أجمعين، اللهم أظهر دينك وكتابك على الدين كله، ولو كره المشركون، اللهم أبرم لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف وينهى فيه عن المنكر، وتقام فيه حدودك يا سميع الدعاء.
اللهم حقق رجاءنا واستجب دعائنا، وأصلح أحوالنا وأحوال المسلمين أجمعين، اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها معادنا، واجعل الحياة زيادة لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر.
اللهم اجعل القبر خير بيت نعمره، اللهم نور قلوبنا وقبورنا ووجوهنا يا أرحم الراحمين، اللهم اغفر لنا في ساعتنا هذه أجمعين، وأهد المسيئين منا إلى المحسنين يا أرحم الراحمين.
اللهم هؤلاء عبادك وإماؤك قد اجتمعوا في بيت من بيوتك يرفعون إليك أيدي الضراعة فلا تردهم خائبين، ولا تجعلهم عن رحمتك من المطرودين، وأهد المسيئين منهم للمحسنين يا أرحم الراحمين.
اللهم حقق رجاءنا واستجب دعاءنا، وأصلح أولادنا، وحقق مرادنا، وأصلح مرادنا يا أرحم الراحمين.
اللهم إنا نسألك من كل خير سألك منه نبيك محمد ﷺ وعبادك الصالحون، ونعوذ بك من كل شر استعاذك منه نبيك محمد ﷺ وعبادك الصالحون، وأنت المستعان، عليك توكلنا وإليك المصير.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
стр. 146
الداعي إلى المعصية له قسط منها
السؤال
قال تعالى: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام:١٦٤]، والبعض يحكي قصصاً عن امرأة فعلت معصية فتكون سبباً في معصية غيرها، فما قولك في هذا؟
الجواب
أن المقصود هنا بقوله تعالى: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام:١٦٤]، أن الذنب الذي فعله الإنسان هو المسئول عنه، ولا يسأل عنه غيره، فلا يمكن أن يتحمل أحد وزر أحد، ولا يمكن أن يتحمل أحد ذنب أحد، لكن إذا فعل الإنسان ذنباً ودعا إليه، فمن استجاب لدعوته إلى ذلك الذنب، كتب عليه قسط من ذلك الذنب، وقد صح عن النبي ﷺ :: (أن ابن آدم الأول هو أول من سن القتل على الأرض، فما قتلت نفس بظلم بعد، إلا كان على ابن آدم الأول قسط من ذلك القتل)، وقال: (من دعا إلى ضلالة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة، لا ينقص ذلك من أوزارهم شيئاً)، ومن الدعوة إلى الفعل: إعلانه وإبرازه أمام الناس، فذلك دعوة إليه، وذلك أن كثرة المساس تثير الإحساس.
стр. 147
الأسباب المعينة على قيام الليل
السؤال
بماذا تنصحون من يحب قيام الليل ولكنه لم يستطع الدوام عليه، وإن قام ليلة نام الليلة الموالية؟
الجواب
إن ذلك إنما يكون بالإعداد له، فإذا نام الإنسان وقتاً من النهار ولو كان يسيراً، ونام أول الليل، وضبط الساعة أو الهاتف الجوال على الوقت الذي يريد القيام فيه، وأوصى أهل المنزل أن يقيموه، أو أوصى من جيرانه من يتصل عليه في ذلك الوقت، ويكون هذا من التعاون على البر والتقوى، ومما يعينه على قيام الليل، وكذلك مما يعين عليه: أن يقرأ الإنسان كل ليلة في صلاته ما راجعه في النهار من القرآن.
стр. 148
رعية النساء التي سيسألن عنها
السؤال
ما هي رعية النساء التي سيسألن عنها؟
الجواب
أن النساء قد استرعاهن الله أنفسهن وجوارحهن، واسترعى من لها زوج وأولاد وبيت، هذه الرعية أيضاً، فكل ذلك من الرعية التي تسأل عنها، وهي من الأمانة الداخلة في قوله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ﴾ [الأحزاب:٧٢]، فعليهن أن يتقين الله فيها، وأن يعلمن أنهن مسئولات عنها بين يدي الله.
стр. 149
علاج من يوسوس أن في أعماله رياء
السؤال
هذه تقول: أنا امرأة ملتزمة ويصيبني مرض، وهو أن لا أفعل فعلاً إلا وسوس لي في نفسي أن فيه رياء، ولو كنت وحدي؟
الجواب
أن هذا من اتباع خطوات الشيطان، وعلى هذه الأخت أن تنبذ عنها هذا النوع، وأن تعلم أن الله غني عنها وعن عبادتها، وأنها إذا لم تعبده فسيخلق الله من يعبده: ﴿فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ﴾ [الأنعام:٨٩]، وعليها أن تعلم أن الدين يسر: (ولا يشاد الدين أحد إلا غلبه)، وأنها عليها أن توغل في الدين برفق، وأن تفعل ما أمر به رسول الله ﷺ .
стр. 150
الأعمال الصالحة تنمي الإيمان
السؤال
ماذا أفعل مما يعينني على تنمية الإيمان؟
الجواب
أن منميات الإيمان هي الأعمال الصالحة، فيحرص الإنسان على أن لا يبقى عمل من الأعمال الصالحة، ومن أعمال البر، إلا كانت له فيه مشاركة؛ فإن ذلك مما يزيد إيمانه، ويقوي صلته بالله تعالى.
стр. 151
ما يلزم المسلمة نحو قرابتها من النصيحة في الدين
السؤال
بأية صفة أحدد علاقتي بقراباتي اللواتي يقعن في المعاصي؟
الجواب
إن تلك الصفة هي صفة النصيحة، وقد قال النبي ﷺ ، (الدين النصيحة، قلنا: لمن؟ قال: لله، ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم)، وقرابتها: تقتضي منها الحرص على نجاتهن من النار، وعلى حصولهن على رضوان الله ، وعليها أن تحرص على هدايتهن، والنصح لهن، وتبذل كل ما في وسعها من أجل نجاتهن من النار.
стр. 152
حكم الصبغ بالسواد
السؤال
هذا السؤال عن الصبغ بالسواد؟
الجواب
قد سبق أنه لا يجوز، لقول النبي ﷺ : (وجنبوه السواد).
стр. 153
تفسير حديث: (دعاة على أبواب جهنم)
السؤال
هذا السؤال عن تفسير قول النبي ﷺ : (دعاة على أبواب جهنم، من أجابهم إليها قذفوه فيها)؟
الجواب
أن أبواب جهنم، هي كبائر الإثم والفواحش، فلا بد أن يخرج في الدنيا دعاة إلى تلك الكبائر والفواحش، فمنهم من يدعو إلى الزنا، ومنهم من يدعو إلى شرب الخمر والمخدرات، ومنهم من يدعو إلى قذف المحصنات الغافلات المؤمنات، ومنهم من يدعو إلى عقوق الآباء والأمهات إلخ، فمن أجابهم إلى تلك الأبواب قذفوه فيها.
وفي مقابلهم أيضاً دعاة يدعون على أبواب الجنة: من يدعو إلى الصلاة، ومن يدعو إلى الصوم، ومن يدعو إلى الصدقة، ومن يدعو إلى الجهاد، ومن يدعو إلى الزكاة، وهم على أبواب الجنة من أجابهم إليها قدموه إليها.
стр. 154
من لم يمرض مرضاً جسمياً فقد أنعم الله عليه فليشكره
السؤال
ما حكم من لم يمرض مرضاً جسمياً قط، هل هذا يعني أنه لن يكفر عنه؟
الجواب
لا، هذه نعمة من نعم الله، عليه أن يشكرها لله تعالى وإذا عاش فلا بد أن يصاب بمرض، لكن من نعمة الله أنه دفع عنه هذه الأمراض، ويمكن أن تكون مصائبه في أمور أخرى، فالأمراض قد تكون جسمية، وقد تكون نفسية، وقد تكون إيمانية، وقد تكون عقلية، فإذاً هي متنوعة، نسأل الله السلامة والعافية.
стр. 155
السائل الذي يخرج من المرأة باستمرار معفو عنه
السؤال
أنا فتاة أبلغ التاسعة عشرة، ولديّ مشكلة، وهي أنه يخرج مني سائل دائم يبلّ الملابس، فأريد الحكم فيه؟
الجواب
هذا هو من السلس المعفو عنه، فقد عفا الشارع عن مثل هذا النوع، وقد قال الله: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج:٧٨]، فالسائل المستمر معفو عنه، فلا يلزم منه وضوء ولا تطهير للثوب ولا غير ذلك إلا إذا تفاحش وكثر، فيمكن أن يغير الإنسان ذلك الثوب إذا أمكنه ذلك، فتخفيف النجاسة مطلوب شرعاً، ولكن الراجح أن مطلوبيته إنما هي على الندب لا على الوجوب.
стр. 156
الدليل على تحديد أول الحيض وآخره
السؤال
هذا السؤال عن تحديد أول الحيض بتسع سنين، وتحديد آخره بخمسين سنة، هل عليه دليل؟
الجواب
أن هذا لم يرد به نص، وإنما المرجع به إلى عادة النساء، وعادة كل أهل بلد هي المرأة.
стр. 157
الوسائل المعينة على دوام الخشية
السؤال
ما هي الوسائل المعينة على دوام خشية الله ؟
الجواب
مراقبة أمره ونهيه، والتزود من كتابه، وتعلم ما جاء به رسول الله ﷺ ، ومجالسة أهله.
стр. 158
حكم قبض اليدين في الصلاة عند مالك، ومتى يرجع إلى أقوال العلماء
السؤال
هل القبض على اليدين في الصلاة سنة أم مكروه عند مالك؟
الجواب
أن مالكاً لم يصل إلينا من مؤلفاته إلا الموطأ، وقد جاء فيه أحاديث القبض، ذكر هذه الأحاديث في سنن الصلاة، ولا بد أن نعلم أيضاً أن المذاهب ليست ديانات، وإنما هي طرق لفهم النصوص، فإذا جاء النص عن رسول الله ﷺ لم يبق لأحد كلام معه، فإنما يحتاج إلى الأئمة المجتهدين، وإلى المذاهب فيما لا نص فيه، أو فيما تعارضت فيه النصوص، أو فيما هو خفي الدلالة والمعنى، فهذا الذي نحتاج فيه إلى الأئمة المستفيدين، أما ما هو واضح الدلالة وما هو صريح وصحيح من أمر رسول الله ﷺ ، فلا يحتاج فيه إلى مشورة أحد، لا يمكن أن يقول أحد: أشاور فلاناً من الناس، هل أعمل بما أمرني به رسول الله ﷺ ؟ أو هل أعمل بما كان النبي ﷺ يعمل به؟ هذا غير معقول ولا يمكن أن يصدر عن مؤمن!
стр. 159
من قسا قلبه فليكثر من الطاعة
السؤال
ماذا تفعل من قسا قلبها، وجمد جفنها، وخشيت على نفسها النفاق؟
الجواب
أن عليها أن تواظب على الطاعة، وأن تجعل لنفسها أوقاتاً تخلو فيها بالله ، وتكثر فيها من تدبر القرآن، وعليها أن تكثر كذلك من مجالسة الصالحين، وإذا كانت تستطيع أيضاً عيادة المرضى والدخول على الموتى بتجهيزهم، فذلك مما يساعد على إزالة قسوة القلب.
стр. 160
حالة الشعور بالقرب من الله فرصة لابد من استغلالها
السؤال
ينتابني في بعض الأحيان شعور بالقرب من الله ، كيف تفسرون هذا الحال، ثم كيف يمكنني توظيف هذا الشعور أحسن توظيف؟
الجواب
أن هذا من أحوال الإيمان؛ وذلك يعتري المؤمن -أي: الشعور بالقرب من الله عندما يحسن في الطاعة، ويوفق للعبادة، وإذا أحس بذلك الشعور، فعليه أن يزداد خشية لله تعالى وقرباً، ولا يكون من الذين يأمنون مكر الله تعالى، وعليه أن يستغل الوقت في الإكثار من الدعاء، فذلك الوقت فتحت له فيه الأبواب، فعليه أن يجتهد في الدعاء فيه، لكيلا يفوت الأوان، وقد كان أصحاب النبي ﷺ يحسون بذلك فقالوا: (إذا كنا عندك نكون على ما ترى، فإذا انطلقنا من عندك عافسنا النساء والأولاد على الفرش فنسينا، فقال: لو تدومون على ما تكونون عليه عندي لصافحتكم الملائكة في الطرقات، ولكن ساعة وساعة).
стр. 161
الإحساس بالسعادة والطمأنينة بعد الطاعة من المبشرات
السؤال
قد تغمرني سعادة وطمأنينة نفسية رائعة بعد الدعاء والاستغفار من الذنوب، فهل ذلك دليل على قبول دعائي والتوبة؟
الجواب
إن شاء الله، لكن هذا النوع من المبشرات يسر ولا يغر (وقد سألت عائشة رسول الله ﷺ عن قول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ [المؤمنون:٦٠]، قالت: أهو الذي يسرق ويزني ويخاف الله، قال: لا، بل الذي يصلي ويصوم ويتصدق وهو يخاف أن لا يتقبل الله منه)، فهؤلاء هم الذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون.
стр. 162
اللغة العربية
من نعمة الله على الناس أن علمهم اللغات التي بها يتفاهمون، وقد اصطفى الله العربية من بين اللغات، فأنزل بها القرآن الذي تحفظ بحفظه إلى آخر الزمان.
ولغة القرآن تلقى اليوم هجمة منظمة من أعداء الإسلام، يساعدهم على ذلك أبناء المسلمين الذين أهملوا علومها وضيعوا دورها.
стр. 163
أهمية اللغات في التفاهم بين بني البشر
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على من بعث رحمة للعالمين، وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهديه، واستن بسنته إلى يوم الدين.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أما بعد: فإن من ألطاف الله تعالى ونعمته ورحمته أن جعل للناس لساناً يتفاهمون به، فإن الناس يحتاج بعضهم إلى بعضٍ، ولا يمكن أن يقوم أحدٌ منهم بحاجته دون بعض، ولا يمكن أن يستقل إنسان بقضاء أموره، ولا بأداء مهماته، إلا إذا وجد من يساعده على ذلك.
ومن هنا فيحتاج الناس إلى التفاهم فيما بينهم والتعارف، فجعل الله لهم وسائل للتعارف، ومن أعظمها الأنساب، حيث قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٣].
وجعل لهم وسائل للتفاهم، وأعظمها اللغات، ولهذا ربط الله بين الألوان واللغات، وبين خلق السماوات والأرض في قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ﴾ [الروم:٢٢].
стр. 164
وسائل التفاهم
البشر لا يمكن أن يتفاهموا إلا عن طريق وسائل الحس، وهي الحواس الخمس؛ لأن وسائل العلم لدى الإنسان ثلاث هي: العقل، والروح، والحس: والعقل لا يمكن أن يتفاهم عن طريقه؛ لأنه من الأمور المعنوية غير الحسية.
والأرواح يمكن أن تتعارف، لكن لا يمكن أن تتفاهم، ولهذا حصل التعارف بينها في عالم الذر، كما صح عن النبي ﷺ فيما أخرجه البخاري تعليقاً في الصحيح، وأخرجه مسلم مسنداً أن رسول الله ﷺ قال (الأرواح جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف).
لكن التفاهم إنما يتم عن طريق إحدى هذه الحواس، وهذه الحواس مدركاتها هي المسموعات والمبصرات، والملموسات، والمشمومات، والمذوقات.
وقد جعل الله تعالى أصناف الحيوان تتفاهم عن طريق هذه الوسائل، فمن الحيوانات ما يتفاهم عن طريق إفراز رائحةٍ يحصل بها التفاهم والتعارف بفطرة الله لها على ذلك، كالنحل وغيره من الحيوانات، ومنها ما يمكن تفاهمه عن طريق السمع، وما يمكن تفاهمه عن طريق البصر بالإشارات والحركات، ومنها ما يمكن تفاهمه عن طريق اللمس، لكن الذوق لا يمكن أن يحصل التفاهم عن طريقه؛ لأن الطعوم محصورة، وقد صرح العلماء بأن أنواع الطعوم خمسة هي: الحلاوة، والمرارة، والمزية، والملحية، والتفاهة، فهذه خمس هي أصل الطعوم كلها.
أما المرئيات المشاهدات، وكذلك المسموعات، فهي كثيرة جداً يمكن التفاهم عن طريقها، وبهذا تخلص لنا جارحتان للتفاهم فيما بين الإنسان فالتفاهم بين بني آدم لا يتم إلا عن طريق السمع، أو عن طريق البصر.
أما عن طريق السمع فإنهم بالإمكان أن يسمعوا الكلام، وأما عن طريق البصر، فإنهم بالإمكان أن يقرءوا الكتابة، وأن يفهموا الإشارات، وهاتان الوسيلتان يمكن أن تفي بمقصود الإنسان، لكن جعل الله بعض بني آدم عمياً وجعل بعضهم صماً، فالعميان لا يمكن أن يتفاهموا عن طريق البصر مع غيرهم، والصم لا يمكن أن يتفاهموا عن طريق السمع مع غيرهم، فبقي التوازن بين هاتين الحاستين، لكنه جعل الزمن أيضاً مقسوماً بين ليل ونهار، وقد محا الله آية الليل وجعل آية النهار مبصرة، وبذلك ازدادت نسبة العميان في البشر بوجود الليل، فكان التفاهم عن طريق السمع أقوى وأوسع من التفاهم عن طريق البصر، ومن هنا جعل الله هذه اللغات هي أساس التفاهم بين الناس.
стр. 165
نشأة اللغات
وقد علم الله آدم الأسماء كلها كما أخبر بذلك في كتابه: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ [البقرة:٣١]، وهذا التعليم اختلف فيه الناس هل كان عن طريق الوحي والتوقيف، أو كان عن طريق الإلهام والإلقاء؟ وكل ذلك ممكن، والله لا يعجزه شيء، لكن اتفق الناس على أن ما يتجدد من دلالات الألفاظ، وما يطرأ من المجازات، إنما هو عن طريق الإلهام، ويضع الله القبول على بعض المصطلحات، فتشيع بين الناس.
ومن هنا فكل جديد يطلق الناس عليه عدة أسماء باعتبار أذواقهم، ولكنه سيثبت له اسم واحد يضع الله له القبول بين غيره من الأسماء، فمثلاً: عندما صنع أول جهاز (كمبيوتر) في الولايات المتحدة في جامعة (بنسلفانيا) سمي في البداية النظامة، ثم سمي الرتابة، ثم سمي الحاسوب، ثم سمي بالحاسب الآلي، ثم سمي بعد ذلك بالعقل الإلكتروني، وهذه الأسماء كلها لبعض وظائف هذه الآلة، لكن بتطور الزمان وبتطور الدلالات، لابد أن يثبت اسمٌ واحدٌ لهذه الآلة يكون اسماً عالمياً مشهوراً.
وكذلك لما طرأت آلة الفاكس للإرسال الكتابي عن طريق الاتصالات الهاتفية، إما عن طريق الكيبلات، أو عن طريق الأقمار الصناعية، أو عن طريق الألياف الزجاجية، سميت في البداية بـ (الناقل)، ثم سميت بـ (الهاتف الكاتب)، ثم سميت بعد ذلك بـ (الكاتوب)، وغيرها من المصطلحات، فبتطور الزمان سيختار اسمٌ واحدٌ يضع الله له القبول وينتشر بين الناس.
لا شك أن البشر متنوعون في الأذواق وفي البيئة، وفي أنماط الحياة، وبسبب ذلك تنوعت لغاتهم واختلفت، وقد نص العلماء على أن الله تعالى علم آدم اثنتين وسبعين لغة، وهي أصول لغات العالم، وهذه اللغات أصلها أربع فقط، ومنها تتشعب بقية اللغات كلها، حتى تصل إلى العدد الموجود اليوم.
ففي الهند وحدها أربعمائة وخمسون لغة! وهي دولة واحدة، وهذه اللغات بعضها يكون مشتقاً من بعض بالتداخل، كحال اللغة الفارسية مع اللغة البشتونية، واللغة الأوردية كذلك مع الفارسية ومع العربية، واللغة التركية كذلك مع اللغة العربية في التداخل في كثير من المفردات.
وكذلك فإن بعض اللغات يكون قابلاً للتطور بسرعة هائلة، فتتجدد دلالاته ومصطلحاته، ومن ذلك اللغة الإنجليزية، واللغة الفرنسية إلى حد ما فإن ألفاظها تتناقل وتتجدد، ومن هنا فنسبة (١٠%) من اللغة الفرنسية هو من الكلمات المنقولة، إما من اللغة الإغريقية أو من اللغة الرومانية، أو غيرها من اللغات، حتى من اللغة العربية.
لكن هذه اللغات، سواء كانت توقيفية أو كانت إلهامية، فإن كل ذلك يرجع إلى الاختيار الرباني، والاصطفاء الإلهي، والقبول الذي يضعه الله للكلمات حتى تتناسب مع الأذواق، فالحسن والقبح بمعنى ملائمة الطبع ومنافرته ووصف الكمال والنقص أمرٌ عقلي، وبمعنى ترتب الثواب والعقاب عاجلاً أو آجلاً أمر شرعي، ومن هنا حصل الخلاف بين أهل السنة والمعتزلة فيما يتعلق بالتحسين والتقبيح، والخلاف ينبغي أن يكون لفظياً؛ لأن الحسن والقبح بمعنى ملائمة الطبع ومنافرته، لا شك أن هذا راجع إلى العقل، أما الحسن والقبح بمعنى ترتب الثواب والعقاب، فهذا شرعيٌ قطعاً لا بد فيه من وحي، فالخلاف يمكن أن يرجع إلى خلاف لفظي ولا تترتب عليه أحكام كثيرة.
стр. 166
اصطفاء الله للغة العربية من بين اللغات
وإذا كان الأمر كذلك، وكان الأمر راجعاً إلى أن الله يضع القبول على بعض الكلمات، فتناسب أذواق أكبر عدد من البشر، فإن اللغة العربية قد اصطفاها الله على غيرها من اللغات، وشرفها على غيرها من اللغات، وتكلم بها بهذا القرآن الذي تحدى الثقلين الإنس والجن أن يأتوا بسورة من مثله، فأقصر سورة في كتاب الله هي سورة الكوثر، وهي ثلاث آيات، وقد تحدى الله الثقلين الإنس والجن على مر الدهور، أن يأتوا بسورة من مثلها، وقد وجدت كثير من المحاولات، وباءت كلها بالفشل؛ بل إن تلك المحاولات إذا سمع العقلاء بعضها ضحكوا واشتد هزؤهم منها، كمحاولات مسيلمة الكذاب، فهي غاية في السخافة، وعدم الانسجام، وذلك أنه اتجه إلى اتجاه واحد، وهو تركيب الألفاظ دون النظر إلى الإعجاز المعنوي، والإعجاز العلمي، والإعجاز التشريعي، وغيرها من أنواع الإعجاز التي جعلها الله في القرآن.
إذاً: اختيار هذه اللغة هو اختيار رباني بوحي من عند الله ، واصطفاء منه، لا معقب لحكمه، لا يسأل عما يفعل وهم يسألون، ولو جاء الناس فصوتوا وجاءت أغلبيتهم على رفض هذه اللغة؛ فإن ذلك لا يقلل نفوذها، ولا يقلل القبول الذي جعل الله لها؛ لأنه اصطفاء من عند الله لا يستطيع الناس رفضه ولا تجاهله، ومن هنا فإن الغربيين الذين يفخرون بلغاتهم، ويزعمونها اللغات العالمية المسايرة لتطور العالم، لا يزال فيهم من مثقفيهم وقادتهم وعلمائهم من يتخصص في دراسة اللغة العربية، ويخصص وقته لها.
وفي العصر الماضي اشتهر عدد كبير من هؤلاء، مثل بروكلمان، ومثل يوسف شخت من كبار المستشرقين الذين عنوا باللغة العربية، ونشروا كثيراً من مخطوطاتها، ودرسوها وحفظوا كثيراً من أشعار العرب، وصرح كثير منهم بأن هذه اللغة لا تعدلها أي لغة، وأذكر أننا في العام الماضي قابلنا أحد المستشرقين الكبار في جامعة في سكوتلاند في شمال بريطانيا، فذكر أنه قد خلد شهادته بأن اللغة العربية لا تعدلها لغة ولا تساويها في السمو والارتقاء، ولا في الذوق، ولا في الاتساع، وأنه كتب هذه الشهادة في جامعته وخلدها قبل ثلاثين سنة، وهذا كلام الأعداء، والحق ما شهدت به الأعداء.
стр. 167
أهمية تعلم اللغة العربية من حيث الحكم الشرعي
إننا في بحثنا في أهمية أي شيء ننظر فيه من ناحية الحكم الشرعي، ثم من ناحية الفائدة والمصلحة البشرية، فلنبدأ أولاً بحكم الشرع في لغة العرب، وتعلمها فنقول:
стр. 168
القدر الواجب تعلمه من اللغة على الأعيان
إن الله قد فرض على كل من آمن به تعلم جزء من العربية، وبهذا تكون العربية فرض عين على كل إنسان بقدر ما يقيم به ألفاظ الفاتحة، وبقدر ما يتقن به التكبير والتشهد والسلام في الصلاة، فهذا القدر من العربية فرض عين على كل مسلم، ولا يسع مسلماً جهله.
وهذا القدر اختلف الناس في تحديده؛ لأن الله تعالى يقول في كتابه: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ [المزمل:٢٠]، والناس تتباين رؤاهم في تحديد هذا القدر الذي هو أقل ما يخاطب به الإنسان من تعلم العربية، فقال قوم: لا بد أن يصل إلى مستوى يفهم به ألفاظ الفاتحة، وألفاظ التشهد، وألفاظ الدعاء المأمور به على سبيل الوجوب، وكذلك ألفاظ الأذكار التي تجب مرة في العمر بالتهليل والاستغفار، والتسبيح والتحميد وغير ذلك، فيجب عليه أن يتعلم معانيها بالعربية، وهذا القول هو الراجح، ومن القائلين به مالك والأوزاعي وسفيان الثوري، وغيرهم من كبار علماء السلف، فرأوا أنه يجب على الإنسان المسلم أن يتعلم معاني هذه الكلمات؛ لأنه لو قال: لا إله إلا الله دون أن يفقه معناها، فيمكن أن تلقن هذه الكلمة لأي إنسان، ولا يلزم بمقتضياتها، ولذلك فإن شهادة أن لا إله إلا الله لها أربع مقتضيات، من لم يحقق هذه المقتضيات الأربع فليس شاهداً أن لا إله إلا الله: فالمقتضى الأول: هو العلم بمعناها.
والمقتضى الثاني: هو مقتضى القول: أن ينطق بذلك؛ لأنها مشروطة على القادرين، فلا يدخل الإنسان الإيمان وهو قادر على النطق إلا إذا نطق بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله.
المقتضى الثالث: هو أن يلتزم بحقوقها التي يقاتل عليها من تركها: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، فإذا قالوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها).
المقتضى الرابع: هو الإلزام بها، وهو أن يسعى الإنسان لنشر لا إله إلا الله، وتوسيع دائرة القائلين بها، وإلزام الناس بها.
فهذه المقتضيات الأربع هي مقتضيات شهادة أن لا إله إلا الله، وقد توسع بعض المتأخرين من المتكلمين في هذا الباب، فقد ذكر عليش في شرحه لأم البراهين في العقائد الأشعرية للسنوسي: أن من لم يفهم ما تتناوله شهادة أن لا إله إلا الله من العقائد، وهو خمسٌ وستون عقيدة على مقتضى عد المتكلمين؛ فإنه لم يؤد مقتضياتها.
وهذا تشدد ومبالغة لا محالة، ولكنه يدلنا على أهمية فهم شهادة أن لا إله إلا الله، فإذا كان بعض أهل العلم يرون أنك إذا لم تحقق مقتضياتها جميعاً وهي خمسٌ وستون عقيدة، فمعنى ذلك أنك لم تفهمها؛ فهذا يدلنا على أهمية تعلم اللغة التي يفهم بها معنى شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله.
وإن الذي يدعو وهو لا يفهم ما يدعو به، أو يثني على الله وهو لا يفهم معنى ما يثني به، لا يمكن أن ينال أجر ما يقول؛ لأن الصلاة قال فيها النبي ﷺ : (إن الرجل ليصلي الصلاة وما كتب له نصفها ثلثها ربعها)، حتى انتهى إلى العشر؛ لأنه لا يكتب له منها إلا ما عقل ووعى، ومن هنا فإن على الإنسان أن يتفهم ويتدبر ما يقول، ولهذا قال الله تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ [ص:٢٩]، وقال تعالى: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد:٢٤]، وهذا الخطاب ليس للعرب وحدهم، بل لجميع من آمن بهذا القرآن.
ونحن مع القول الأول المسهل الذي يقتضي أقل نسبة، وهي ما يكون الإنسان به فاهماً لمقتضى ما يقول من شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، ومحباً لما سوى ذلك، وعالماً أنه كلام الله، ومصدقاً به على سبيل الإجمال، لا على سبيل التفصيل.
فهذا القول لاشك أنه أسهل وأيسر، وهو الراجح من ناحية الاستدلال، لكن مع هذا لا نهمل الأقوال الأخرى، ولا نعتدي على أقوال أهل العلم، فلهذا لا بد أن يعلم كل إنسان أن من واجباته العينية أن يتعلم جزءاً من العربية، يفهم به معنى شهادة أن لا إله إلا الله، ويقيم به حروف الفاتحة ويفهم معاني ألفاظها، ويقيم به حروف ألفاظ التعبدات في الصلاة، وغيرها من الواجبات العينية، فهذا القدر لا خلاف في وجوبه.
стр. 169
ما يتعلق بفرض الكفاية من تعلم اللغة
المرتبة الثانية: هي ما يتعلق بفروض الكفايات من العربية، فقد افترض الله على المسلمين تعلم علوم العربية على سبيل الكفاية، فإذا قام به من تحصل به إقامة الحجة على الناس كفى ذلك، وهذا داخل في عموم قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ﴾ [النساء:١٣٥].
فلا يمكن أن يكون الإنسان شاهداً لله إذا لم يكن فاهماً لما يشهد به؛ لأن العلم شرط في الشهادة؛ لقول الله تعالى: (وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ﴾ [يوسف:٨١]، ولقوله تعالى: (إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف:٨٦].
وفي حديث ابن عباس الذي أخرجه البيهقي في السنن بإسناد فيه ضعف أن رسول الله ﷺ قال: (أترى الشمس إذا طلعت؟ قال: نعم.
قال: على مثلها فاشهد أو دع).
ومن هنا فلا يمكن أن يشهد الشاهد بما لا يعلمه ولا يفهمه، ولا بد أن يكون الإنسان فاهماً لما يشهد به حتى تقبل شهادته على ذلك، والله تعالى جعل هذه الأمة شاهدة على الناس، كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة:١٤٣].
ولا يمكن أن تتم الشهادة على الناس إذا كنت لا تفهم ما تشهد به، وليس هناك وسيلة للاطلاع من خلالها على أحوال الناس، وما كذبوا به أنبياءهم إلا القرآن، والقرآن بلسان عربي مبين، فإذا لم تفهم هذا فلا يمكن أن تكون شاهداً على الناس، فإذا جاء نوح يوم القيامة يخاصمه قومه، فقالوا: ما جاءنا من بشير ولا نذير، فقال: بلى، قد مكثت فيكم ألف سنة إلا خمسين عاماً، فيقال: من يشهد لك؟ فيقول: محمد وأمته، فإذا كنت لا تفهم الآيات التي جاءت في قصة نوح، فلا يمكن أن تكون من الشهداء على هذا؛ لأن الشهادة من شرطها العلم.
وفروض الكفاية في اللغة العربية هي بتعلم علومها الأساسية، وعلومها الأساسية هي أربعة عشر علماً، وهي كلها داخلة في فروض الكفاية، وإذا لم يكن في الأمة من يعلمها حصل الإثم على أفرادها جميعاً، وإذا كان فيها في كل بلدٍ من يعلم هذه العلوم بقدر رد الشبهات، وإجابة الأسئلة المتعلقة بالقرآن والسنة، سقط الإثم عن الجميع.
وفرض الكفاية قد اختلف العلماء: هل هو أفضل أم فرض العين؟ ولذلك قال السيوطي ﵀ في الكوكب الساطع: فرض الكفاية مهم يقصد ونظر عن فاعل يجرد وذهب الأستاذ والجويني ونجله يفضلُ فرض العين وهو على كل رأى الجمهور والقول بالبعض هو المنصور فقيل مبهم وقيل عُيِّنَ وقيل من قام به فعلى هذا: هذه العلوم الأربعة عشر لابد أن يكون في كل حاضرة من حواضر المسلمين من يعرف منها ما يرد به الشبهات، ويجيب به الاختلافات التي يوردها الناس على الكتاب والسنة.
стр. 170
ذكر علوم العربية التي تعلمها فرض كفاية وأهميتها
وهذه العلوم هي:
стр. 171
علم النحو
علم النحو: وهو أقدمها وأشرفها، ومرجعه إلى علي بن أبي طالب ﵁، فهو واضعه حيث كتب لـ أبي الأسود الدؤلي ﵀ كتابه، وكان منطلق هذا العلم.
وهذا العلم به إقامة الكلم ومعرفة التركيب، كما قال ابن مالك ﵀ في كافيته: وبعد فالنحو صلاح الألسنه والنفس إن تعدم سناه في سنه فمن لم يعرفه لا يمكن أن يفهم: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:٢]، ولا أن يفهم (لا إله إلا الله)، ولذلك من لا يعرف جزئياته ولا يستطيع إجابة مسائله؛ لا يمكن أن يفتي الناس في كثير من مسائلهم الفقهية.
ولذلك حصلت مسألة عجيبة في تاريخ هذه الأمة عرضت على عدد من كبار أهل العلم، فأحجم عنها معظمهم، حتى جاء أهل اللغة، وهم الذين استطاعوا أن يحلوا إشكالها، وذلك في قول الشاعر: فأنت طلاق والطلاق عزيمةً ثلاثٌ ومن يخرق أعق وألأم أو: وأشأم فهذا البيت يمكن أن يقرأ على أوجه متعددة: فأنت طلاق والطلاق عزيمةً ثلاثٌ أو: فأنت طلاق والطلاق عزيمةٌ ثلاثاً ويختلف المعنى والحكم الفقهي باختلاف الشكل، فإذا قال: فأنت طلاقٌ والطلاق عزيمةٌ ثلاثاً فإنه لا يلزم إلا طلقة واحدة، وإذا قال: فأنت طلاقٌ والطلاق عزيمةً ثلاث فإن ذلك ملزم لثلاث طلقات.
ومثل هذا كثير.
وقد حصل للقرافي ﵀ في قول الشاعر: ما يقول الفقيه أيده اللـ ـه ولا زال شأنه يزدان في فتىً علق الطلاق بشهر قبل ما قبل قبله رمضان أو: بعدما بعد بعده رمضان.
فقال: في هذين البيتين مائتان وخمسون مسألة علمية! وكل ذلك راجع ٌ إلى شكل هذين البيتين، وما يتعلق بهما وما يؤخذ منهما من دلالات الألفاظ.
وقد حصل للشاطبي ﵀ قصة أخرى مع شيخه ابن الفخار أثبتها في كتابه "الإفادات الإنشادات" فيقول: إن الشيخ ابن الفخار اجتمع عليه أهل الحديث ذات ليلة فحدثهم، ثم أراد أن يحمض لهم، والإحماض لدى أهل الحديث: أن يشهدهم قصة أو أدباً أو شعراً يزيل عنهم الملل، فسألهم عن معنى قول الشاعر: رأت قمر السماء فأذكرتني ليالي وصلنا بالرقمتين كلانا ناظرٌ قمراً ولكن رأيت بعينها ورأت بعيني فلم يستطع أحد منهم أن يحل هذا الإشكال، ومنهم أبو إسحاق الشاطبي، فسألوا الإمام ابن الفخار أن يشرح لهم البيت، فشرحه، وبين لهم أن القمر قمران: قمرٌ حقيقي وقمرٌ مجازي، فالقمر الحقيقي هو قمر السماء، والقمر المجازي هو الوجه، وهو المذكور هنا، وأن النظر كذلك إما أن يكون نظراً حقيقياً، أو يكون نظراً مجازياً، فعين البصيرة وعين البصر: وأن الرجل أراد ادعاءً أن يجعل الحقيقة مجازاً وأن يجعل المجاز حقيقة، فقال: رأت قمر السماء فأذكرتني ليالي وصلنا بالرقمتين كلانا ناظرٌ قمراً ولكن رأيت بعينها ورأت بعيني فعينها عين الحقيقة، وقد انقلبت إلي فكنت أنا ناظراً بعين الحقيقة وهي التي تنظر بعين المجاز.
فمن لم يكن عارفاً بما يفهم به مثل هذا من اللغة العربية، سيقع في إشكالات لا نهاية لها.
وكذلك فإن لسان الدين بن الخطيب ﵀ في كتابه: "الإحاطة في أخبار غرناطة" ذكر الإشكالات التي يقع فيها الموثِّقُون والقضاة عندما يكتبون الأحكام ويوثقونها، فكثيراً ما يكتبون ألفاظاً لا تفهم أو لا تؤدي المعنى، أو تكون أوسع مما قاله القائل، وبذلك يقولون على القائل ما لم يقله، ويكتبون عليه ما لم يشهد به، فيقعون في شهادة الزور من حيث لا يشعرون، وذلك لنقص فهمهم للعربية.
ومثل هذا في رواية الحديث، فإن كثيراً من أهل الحديث يروون الحديث بالمعنى، وهي مسألة خلافيةٌ الخلاف فيها مشهور قديم، لكن المشكلة أن بعضهم يلحن في روايته، وقد قال أحمد بن حنبل ﵀: إن اللاحن في الحديث أحد الكاذبين على رسول الله ﷺ ؛ لأن النبي ﷺ قال: (من يقل عليّ ما لم أقل فليتبوأ مقعده من النار)، وهو لا يلحن قطعاً، فمن قال عليه باللحن فقد قال عليه ما لم يقل، وبهذا يكون أحد الكاذبين على رسول الله ﷺ ، وبهذا يُعلم خطر التكلم في العلم إذا لم يكن الإنسان صاحب لسان يمكن أن يعبر به أو أن يروي به.
ومثل هذا في القراءة، فإن إقامة قراءة القرآن إنما تكون بما وافق وجها نحوياً، ولذلك قال ابن الجزري ﵀: وكل ما وافق وجه النحو وكان للرسم احتمالاً يحوي وصح إسناداً هو القرآن فهذه الثلاثة الأركان ولذلك فالذين يلحنون في القراءة أو في الحديث كان ذلك جرحاً فيهم لدى كثير ممن سواهم؛ بل اقتضى نبذ روايتهم لدى أكثر أهل العلم، ومن هنا فعدد من الذين تكلم فيهم ما دفعوا عن ثقة ولا عن ضبط، وإنما تكلم فيهم من جهة اللحن؛ كـ أبي عبد الله بن عدي الحافظ صاحب الكامل، فقد كان يلحن، فتكلم كثير من أهل العلم في روايته بسبب اللحن، مع أنه إمام ضابط حافظ عدل ثقة، لكن تُكلم فيه من جهة اللحن فقط.
ومثل هذا ما حصل لليث بن أبي سليم، مع أنه عدل، لكنه كان يلحن، ولذلك يقول فيه أحد الشعراء: ينادي ربه باللحن ليثٌ لذلك إن دعاه لا يجيب فتكلم فيه بعض الناس من قبل اللحن الذي يقع فيه فقالوا: لا يوثق بروايته للحنه فيها.
واللحن يقلب المعنى كثيراً، ولذلك فإن أبا الأسود حين كلمته ابنته فقالت: ما أشدُّ الحر؟ قال: أيام ناجر.
قالت: أنا متعجبةٌ لا مستفهمة.
قال: ما هكذا تقول العرب، هي أرادت: ما أشدَّ الحرَّ! فقالت: ما أشدُّ الحر.
ومثل هذا ما حصل للوليد بن عبد الملك أمير المؤمنين عندما أتاه أعرابي فسأله فقال: ما شانك؟ فقال: فدعٌ في رصفي وعورٌ في عيني، فقال له عمر بن عبد العزيز: الأمير يريد ما شأنُك؟ فقال: جئت ممتاراً لأهلي.
فسأله عمن معه ولحن في ذلك، ثم سأله حين أخبره أن معه ختنه فقال: ومن خَتَنَك؟ يقصد: ومن ختْنُك؟ فقال: حجام كان معنا في البادية.
فقال له عمر بن عبد العزيز: الأمير يريد: ومن ختْنُك؟ ومثل هذا في اللحن كثير.
ويقال: إن عمر بن عبد العزيز حين كان بالمسجد والوليد يخطب فقال الوليد: (يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةُ)، بالرفع، فقال عمر: وددتها والله.
ود لو مات عندما قرأها هكذا! ولذلك فإن سبب قراءة سيبويه للنحو: أنه في البداية اشتغل برواية الحديث، ولكنه قرأ: (ما من أصحابي إلا من شئت لأخذت عليه ليس أبا الدرداء)، فقرأها هو: ليس أبو الدرداء، فلحنه أصحابه وهزءوا به، فعدل عن قراءة الحديث وذهب حتى تمرس باللغة، وألف الكتاب، ثم بعد ذلك روى الحديث.
ولذلك فإن مالكاً ﵀ قد درس النحو على الخليل بن أحمد، فجلس عنده أسبوعاً يلازمه حتى أتقن النحو فيه.
والشافعي ﵀ لم يشتغل بدراسة العلم حتى جلس في قبيلة هذيل، وحتى حفظ عشرين ألفاً من أشعارهم، ونحو هذا كثيرٌ جداً في حال سلفنا، فمن لم يكن ذا سلاح من علم النحو لا يمكن أن يفهم، ولا أن يُفتي في كثير من المسائل.
стр. 172
علم مفردات اللغة
ثم بعد النحو علم مفردات اللغة: وهو العلم الثاني في الأهمية، فهذه اللغة العربية ليست مثل غيرها من اللغات، بل لها كثير من المفردات المتداخلة، بعضها يجمعها جذر واحد، وبعضها تختلف في الجذر، وبعضها يعرف في بعض المناطق دون بعض، والقرآن الكريم قد اختير من خير هذه الكلمات والمفردات، واختار الله له أفضل التعبيرات، ولذلك يأتي التعبير تارة بلغة حمير لغة أهل اليمن، وتارة بلغة أهل نجد، وتارة بلغة أهل الحجاز، فيختار من كل لغة أفصحها وأدقها معنىً وأحسنها ذوقاً، حتى يتكامل ذلك ويكون جميعاً من اللغة العربية المختارة.
والذين يزعمون أن القرآن جاء بلغة قبيلة واحدة من العرب يغلطون في هذا، ويرد عليهم الاعتراض، وقد جاء أحد النحويين من أهل اليمن فكان في مجلس الخليفة هارون الرشيد، فأخبره أن القرآن نزل بلغتهم، وبدأ يسرد بعض الكلمات التي لا تعرفها قريش وهي في القرآن من لغة أهل اليمن، ويذكر شواهدها، فلما أطال كان بحضرته أحد القرشيين، فقال: أسمعت ما يقول هذا اليماني؟! قال: لا أدري ما يقول، غير أن الله تعالى يقول في كتابه: ﴿جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ﴾ [نوح:٧]، ولم يقل: جعلوا شناترهم في صناراتهم! وهذه لغة أهل اليمن، الشناتر: الأصابع، والصنارات: الآذان.
فالله تعالى يختار من الكلمات ألطفها وأقربها للذوق الصحيح السليم، سواء كانت من لغة أهل اليمن، أو من لغة أهل الحجاز، أو من لغة أهل نجدٍ أو غيرهم.
ومن لم يعرف مفردات اللغة لم يحل له الكلام في التفسير ولا التفهم فيه ولا التدبر في كثير من الكلمات، بل إن كثيراً من الصحابة رضوان الله عليهم كانوا يتورعون من الكلام في بعض الكلمات التي جاءت في القرآن إذا لم تكن من لغتهم ولم يعرفوا دلالاتها ومدلولاتها، حتى إن أبا بكر ﵁ قال: (أي سماء تظلني، وأي أرض تقلني، إذا قلت في القرآن ما لا أعلم!).
وعمر بن الخطاب ﵁ كان في مجلسه فأتته امرأة من أهل اليمن تستعديه على زوجها، فقالت: يا أمير المؤمنين! إن بعلي عبد حقي، وترك الوصيد رهواً، ولي عليه مهيمنٌ، فهل لي عليه من مسيطر؟ فقال: لم أفهم ما تقولين.
فقال ابن عباس: كلمات كلهن في كتاب الله، إن بعلي، أي: زوجي قال تعالى: ﴿وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا﴾ [هود:٧٢]، عبد حقي، أي: تركه وضيعه، قال تعالى: ﴿إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ [الزخرف:٨١] أي: التاركين لعبادة ذلك الولد، وترك الوصيد رهواً، الوصيد: الباب، ﴿وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ﴾ [الكهف:١٨]، رهواً، أي: مفتوحاً، قال تعالى: ﴿وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا إِنَّهُمْ جُندٌ مُغْرَقُونَ﴾ [الدخان:٢٤]، ولي عليه مهيمنٌ، أي: شاهدٌ قال تعالى: ﴿وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ [المائدة:٤٨]، فهل لي عليه من مسيطر؟ أي: حاكم، قال تعالى: ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية:٢٢].
فاستشهد ابن عباس على أن الكلمات التي أطلقتها هذه المرأة كلها في القرآن، ففهم عمر دلالاتها وأعداها على زوجها.
ونظيرُ هذا ما حصل لـ ابن عباس ﵄ مع نافع بن الأزرق أمير الأزارقة من الخوارج، فإنه أتاه من العراق يسأله عن تفسير كلمات من مفردات اللغة العربية في القرآن، فأطال عليه وأكثر، واشتهرت هذه المسائل فيما بعد بمسائل ابن الأزرق، وهي تزيد على مائتي مسألة من المفردات القرآنية، منها مثلاً قوله: (عطاء غير ممنون) قال: ما معنى غير ممنون؟ قال: غير مقطوع، أما سمعت قول الحارث بن حلزة اليشكري: فترى خلفها من الرجع والـ ـوقع منيناً كأنه إهباءُ وسأله عن عدة كلمات من هذا القبيل، وهو يذكر له شواهدها في اللغة، فبينما هو كذلك إذ ضجر به، فجاء عمر بن أبي ربيعة المخزومي، فسأله ابن عباس عن آخر ما قال من الشعر فأنشده قصيدته التي مطلعها: أمن آل نعم أنت غادٍ فمُبكرُ غداة غدٍ أم رائحٌ فمهجّرُ بحاجة نفسٍ لم تقل في جوابها فتبلغ عذراً والمقالة تُعذرُ حتى أتى على آخر القصيدة وهي ثمانون بيتاً، فحفظها ابن عباس بهذه المرة الواحدة، فقال نافع: لله أنت يا ابن عباس! نضرب إليك أكباد الإبل في طلب العلم فتعرض عنا! ويأتيك شابٌ حدثٌ من قريش ينشدك سفهاً فتسمعه! فقال: ما سمعت سفهاً، فقال: بلى، أما سمعت قوله: رأت رجلاً أما إذا الشمس عارضت فيضحى وأما بالعشي فيخسرُ فقال: ما هكذا قال، وإنما قال: رأت رجلاً أما إذا الشمس عارضت فيضحى وأما بالعشي فيخصَرُ ثم سأله عن قول الله تعالى: ﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلا تَعْرَى * وَأَنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيهَا وَلا تَضْحَى﴾ [طه:١١٨ - ١١٩] فقال: ما معنى قوله: ﴿وَأَنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيهَا وَلا تَضْحَى﴾ [طه:١١٩] قال: تضحى: تبرز للشمس.
قال: هل تعرف العرب ذلك في أشعارها؟ قال: أما سمعت قول المخزومي بالأمس: رأت رجلاً أما إذا الشمس عارضت فيضحى وأما بالعشي فيخصَرُ ولذلك فإن عمر بن الخطاب ﵁ أوصى بديوان العرب وحفظه، وكان يتعهد أشعار العرب، ويستمع إليها، ولهذا فإن حسان بن ثابت كان ينشد بعض أشعاره في المسجد، فكان عمر إذا أنشد حسان شيئاً من شعره في هجاء المشركين أو في مدح الرسول ﷺ وأصحابه أذن له، فإذا ذكر شيئاً من أشعاره في الخمر وأمور الجاهلية خرج عمر، فمر به مرة وهو ينشد شعراً من أشعاره في أولاد جفنة من قصيدته اللامية التي يقول فيها: أبناء جفنة حول قبر أبيهمُ قبر ابن مارية الكريم المفضل يغشون حتى ما تهر كلابهم لا يسألون عن السواد المقبلِ يسقون من ورد البريص عليهمُ بردى يصفق بالرحيق السلسلِ بيض الوجوه كريمةٌ أحسابهم شم الأنوف من الطراز الأولِ حتى أتى على آخر القصيدة، فغضب عمر من إنشادها، وكان جبلة بن الأيهم إذ ذاك قد تنصر وهرب إلى الروم، وأرسل بهديةٍ إلى حسان، فامتدحه حسان بأبياتٍ يقول فيها: إن ابن جفنة من بقية معشرٍ لم يغذهم آباؤهم باللومِ لم ينسني بالشام إذ هو ربها كلا ولا متنصراً بالرومِ يعطي الجزيل ولا يجده عنده إلا كبعض عطية المذمومِ وأتيته يوماً فقرب مجلسي وسقى فروّاني من الخرطومِ فغضب عمر حين امتدح هذا الكافر، فقال له حسان: مه يا ابن الخطاب! فقد كنت أنشده وفيه من هو أفضل منك، فما تعداها عمر.
وكذلك فإن عمر كان يسأل الشعراء ويقيم بينهم المفاضلة، فأتاه رجل من ذرية هرم بن سنان، فسأله وقال: ما نحل جدك هرم زهير بن أبي سلمى؟ فقال: أعطاه أثواباً خلقت وأموالاً نفدت، قال: لكن ما كسا زهير أباك لا ينفد، فأنشده بعض مدحه فيه بقوله: يطلب شأو امرأين قدما حسناً نالا الملوك وبذا هذه السوقا هو الجواد فإن يلحق بشأوهما على تكاليفه فمثله لحقا أو يسبقاه على ما كان من مهلٍ فمثل ما قدما من صالح سبقا إلى أن يقول فيها: بل اذكرن خير قيسٍ كلها حسباً وخيرها نائلاً وخيرها خلقا القائد الخيل منكوباً دوابرها قد أحكمت حكمات القد والأبقا غزت سماناً فآبت ضُمّراً خُدُجاً من بعد ما جنبوها بُدَّناً عُققا فطرب عمر لهذه الأبيات، وأخبر أن ما كساه زهير ٌ هذا الرجل لا يخلق ولا يبلى.
وكذلك سأل عمر أحد الشعراء عن أشعر الناس، فجرى على عادة العرب أن يفضلوا من كان بينه وبينهم قرابةٌ ليفخروا بشعره، فقال: لا، بل أشعر العرب صاحب من ومن، يقصد به زهير بن أبي سلمى في حكمه التي قالها في آخر معلقته الميمية.
ومن لم يعرف مفردات هذه اللغة فكثيراً ما يلتبس عليه الكلام ولا يفهمه، وبالأخص في زماننا هذا الذي تداخلت فيه اللغات والحضارات.
ولا أزال أعجب من بعض المثقفين الذين يحاولون ترجمة القرآن إلى لغات أخرى، وهم لا يتقنون مفردات اللغة العربية فيقعون في أخطاء عجيبة! ترجم أحدهم القرآن بالفرنسية، وهو من المتبجحين بالمهارة في اللغات، لكنه في قول الله تعالى: ﴿وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ﴾ [الزمر:٧٥]، فسر (حافَّين) بحافِينَ! وأن معناها: بلا نعال! وكذلك حاول آخر ترجمة القرآن إلى الإنجليزية، فترجم قول الله تعالى: ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾ [الإسراء:٢٩] قال ما معناه: لا تجعل يدك مربوطةً إلى عنقك، ولا تبسطها بسطاً شديداً حتى تنخلع! فلم يفهم هذه المفردات، ومن هنا وقع في هذا الغلط البالغ، ونظيرُ هذا كثير جداً.
فكثيراً ما يقع الإنسان في إشكال وهو يتدبرُ آيةً من القرآن، أو يتفهم حديثاً، فيخطئ في فهمه خطأً بالغاً، ولهذا فإن الأولين لم يكن لديهم النقاط التي تميز الحروف، وإنما كانوا يميزونها بفطرتهم وذوقهم، فإذا قرأ الإنسان قرأ على السليقة فلم يخطئ، ولذلك يقال: إن الشافعي ﵀ عندما أراد أن يحفظ القرآن وقد سمعه مرة واحدة، فأراد أن يراجعه فأخطأ في كلماتٍ في نقاط الحروف فقط، فقرأ قول الله تعالى: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس:٣٧] قرأها: يعنيه.
وهذا مناسب للذوق، وهو نفس المعنى، لكنه غير موافق للرواية، فكان ذلك خطأً.
ونحن اليوم قد فسدت أذواقنا اللغوية، فلم يعد أحد منا يستطيع أن يتكل على أشكال الحر
стр. 173
علم التصريف
العلم الثالث: علم التصريف: وتعرف به أوجه الاشتقاق في الكلمات، وهو علمٌ لا غنى عنه في تفسير القرآن والسنة، ولا يمكن أن يكون الإنسان صاحب تدبر وتفهم إلا إذا كان متقناً لهذا العلم، ومن هنا فكثير من خلافات الفقهاء في الاستنباط أصلها الخلاف في مسائل صرفية، فمثلاً: قال ابن الأنباري ﵀: إن الخلاف بين المالكية والشافعية وغيرهم في العدة هل هي بالحيض أو بالأطهار، خلاف أصله راجع إلى التصريف، وذلك أن الله تعالى يقول في كتابه: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة:٢٢٨]، فقال: القرء الذي يجمع على قروءٍ هو الطهر، والقرء الذي يجمع على أقراءٍ هو الحيض، وذلك أن النبي ﷺ قال في حديث فاطمة بنت أبي حبيش: (دعي الصلاة في أيام أقرائك)، فقال: الأقراء هي الحيضُ، والقروء هي الأطهار.
واستدل على ذلك بقول الأعشى: أفي كل عام أنت جاشم غزوة تشد لأقصاها عزيم عزائكا مورثة مالاً وفي الحي رفعةً لما ضاع فيها من قروء نسائكا والذي يضيع هو الأطهار لا الحيض.
واستدل كذلك بقول الراجز: يا رب مولى حاسد مباغض علي ذي ضغن وضب فارض له قروء كقروء الحائض فالقروء هنا للحيض لا للأطهار.
ونظير هذا كثير جداً في الكلمات القرآنية أو كلمات السنة التي يكون الاختلاف في فهم دلالتها سبباً للاختلاف في مسائل فقهية، ويكون ذلك راجعاً إلى أحد علوم اللغة المذكورة.
стр. 174
علوم البلاغة
العلم الرابع من هذه العلوم: علم المعاني: وهو الذي يتم به التعبير على الوجه الصحيح، من التقديم والتأخير والحذف والإثبات، وغير ذلك مما يحتاج إليه المعبر في كلامه، ولا يمكن أن يفهم الإنسان سرد الكلام ولا تفصيل الجمل إلا إذا كان عارفاً بعلم المعاني.
العلم الخامس: علم البيان، الذي يقصد به التعبير بأساليب متنوعةٍ عن معنى واحد، كالحقيقة والمجاز، والكناية، والتصريح، وأنواع التشبيه، فهذا العلم من لم يتقنه لا يمكن أن يفهم كثيراً من دلالات الألفاظ من الكتاب والسنة.
العلم السادس: علم البديع: الذي يُدرك به الإعجاز في القرآن، فإن كثيراً من الناس يؤمنون بسبب إعجاز القرآن اللفظي، حتى إن أعرابياً قرأ عليه قارئٌ قول الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ﴾ [النور:٤٣]، فلما وصل إلى قوله: ﴿فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ﴾ [النور:٤٣] خر ساجداً لإعجاز هذه الألفاظ في ترتيبها ودقتها في وصف المطر، وتهيئته، وإنزال الغيث منه، وكذلك فإن كثيراً من الذين آمنوا برسول الله ﷺ في بداية عهده إنما كان لإعجابهم بإعجاز القرآن بالألفاظ نفسها والسياق، ولذلك قال عتبة بن ربيعة: والله لقد سمعت سجع الكهان، وشعر الشعراء، وخطب البلغاء، فما سمعت شيئاً كهذا القرآن.
وقد بين الله هذا النوع من الإعجاز فيه، وأرشد إليه في عدد كبير من الآيات.
стр. 175
علم الاشتقاق
العلم الثامن: علم الاشتقاق: وهو الذي تفهم به العلاقة بين ألفاظ اللغة، وتجعل به اللغة سلالات متقاربة.
وهذا العلم معينٌ على أوجه التدبر المختلفة، ومعينٌ على الاستنباط لكثير من الأحكام من الآيات ومن الأحاديث.
стр. 176
علم آداب العرب وأشعارها
العلم التاسع: علم آداب العرب وأشعارها: ولا يمكن أن يستدل لأي معنىً من معاني القرآن أو السنة إلا من خلال هذا العلم، فإن الاستدلال بدلالات الألفاظ إنما يكون على هذا الوجه، ومن أشعار العرب تؤخذ وتعرف، ولذلك أوصى عمر بحفظ ديوان العرب.
стр. 177
علم التاريخ
ومن العلوم اللغوية المهمة: علم التاريخ: وهو الذي يعرف به طريقة التاريخ لأية حادثة، فتاريخ العرب يبدأ بالليالي لسبقها على الأيام، ويعبر عنه بعبارة مناسبة، سواء كان في أول الشهر أو في آخره، ومن لم يتقن ذلك لم يستطع الاستدلال بالتاريخ.
والتاريخ ضرب من ضروب الاستدلال في القرآن، ولهذا رد الله تعالى على اليهود والنصارى حين زعموا أن إبراهيم كان يهودياً أو نصرانياً، فقال الله تعالى: ﴿وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالإِنجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ﴾ [آل عمران:٦٥].
فبداية اليهودية نزول التوراة، وبداية النصرانية نزول الإنجيل، وإبراهيم ما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده، فهذه الدعوى باطلة.
ومثل هذا ما استدل به الخطيب البغدادي حين جاء اليهود بوثيقةٍ يزعمون فيها أن النبي ﷺ أسقط عنهم الجزية، وهي وثيقة قد كتبوها في عصور سابقة، ووضعوا عليها الزيت، ووضعوها في الشمس أو سخنوها على النار حتى أصبحت قديمة، وأخرجوها في أيام أحد خلفاء بني العباس، فلما عرضت هذه الوثيقة على الخطيب البغدادي بصق عليها، وقال: هذه مزورة مكذوبة على رسول الله ﷺ .
فقيل: من أين لك ذلك؟ فقال: ذكر من شهودها سعد بن معاذ ومعاوية بن أبي سفيان، وما جمعهما الإسلام، فقد أسلم معاوية عام الفتح، ومات سعد أيام غزوة بني قريظة، وقد جرح بالأحزاب، وغزوة بني قريظة كانت في نهاية العام الخامس من الهجرة، والفتح كان في العام الثامن من الهجرة، فما جمعهما الإسلام، فكيف يستشهدان على شهادة واحدة؟! ومثل هذا ما حصل للحاكم أبي عبد الله أحمد بن البيع حين سمع شيخاً بنيسابور يحدث عن هشام بن عمار، فسأله فقال: متى دخلت مصر؟ قال: سنة ثمانين.
فقال: إن هذا الشيخ يحدث عن هشام بعد موته! لقد لقي هشام بعد موته بإحدى عشرة سنة! فهذا مما يحتاج الناس إليه في إثبات العلم، ولا يمكن الاستغناء عنه.
стр. 178
علم العروض والقوافي
ومن علوم العربية المفيدة: علم العروض وعلم القوافي: إذ بهما إقامة الشعرِ، والشعرُ أهميته واضحةٌ سواء كانت في التاريخ الماضي، ولذلك علقت المعلقات على الكعبة، أو كانت في صدر الإسلام، ولهذا أمر النبي ﷺ حسان أن يهجو قريشاً، وأخبره أن هجاءه أشد عليهم من وقع النبل، وأمر أبا بكر أن يعينه على ذلك، ولهذا حين وصل إليهم قول حسان ﵁: وإن كرام الأصل من آل هاشم بنو بنت مخزوم ووالدك العبد قالت قريش: هذا والله شعر ما غاب عنه ابن أبي قحافة، فإنه استله منهم كما تستل الشعرة من العجين: وإن كرام الأصل من آل هاشم بنو بنت مخزوم عبد الله وأبو طالب، وأمهما فاطمة بنت عمرو بن عائذ المخزومية، فهذا لا يعرفه إلا من كان من أهل الأنساب، فلذلك قالوا: شعر والله ما غاب عنه ابن أبي قحافة.
والعروض والقوافي بهما إقامة أوزان الشعر، ومعرفة قوافيه، والشعر من أوجه الإتقان في هذه اللغة والتميز فيها، فهو أمر يحتاج إليه، ولذلك نص شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ على أن الأهزاج المخالفة لأوزان الخليل بن أحمد بدعة، لا يحل الاشتغال بها، وهذا يقال في الشعر الحُر، فما كان منه غير جارٍ على التفعيلات المعروفة، أو كان خارقاً لها، فهو تغييرٌ وابتداعٌ يؤدي إلى نقض المألوف والمشهور بين الناس، ولذلك يعتبر منهياً عنه من هذا الوجه.
стр. 179
أهمية اللغة العربية بالنظر إلى المصلحة
هذه بعض علوم اللغة العربية التي هي فروض كفايات، وبهذا تعرف مزية هذه اللغة من ناحية الحكم، أما من ناحية المصلحة، فإن أعظم ما تحتاج إليه الشعوب والأمم هو ما يميزها حتى لا تذوب فيما سواها، وكل أمةٍ لها حضارة، ولها ميزات تميزها عن غيرها، وإذا زالت هذه الميزات وذابت في غيرها ذابت تلك الأمة في غيرها من الأمم، ومن هنا فإن الميزة التي تميز هذه الأمة عن غيرها من الأمم هي اللسان العربي.
وإذا تخلصت هذه الأمة من لسانها أصبحت ذنباً في ذيل غيرها من الأمم، وكانت تابعةً لغيرها، ولم يعد لها تاريخٌ، ولا ذكرٌ بين الأمم، ونظير هذا كثير جداً مما يقتضي منا المحافظة على مثل هذه القيم، وهذا التراث العريق الذي نحن بحاجة إليه، والأمة بحاجة إلى من يقوم بحفظه والعناية به.
إن الحفاظ على هذه اللغة العربية بالإضافة إلى أنه مما يتعبد الله به ويبتغى به وجهه، هو من التسنن بسنة النبي ﷺ وخلفائه الراشدين، وأصحابه المهديين، والتابعين وأتباعهم، وهو كذلك مما يرفع الله به الدرجات، ويزيد به المنازل، والناس محتاجون إليه، ولا يمكن أن يستغنى عنه، ولهذا يجب على الآباء أن يعلموا أولادهم هذه اللغة، وأن يعلموهم محبتها، ويجب على أساتذة اللغة العربية أن لا يكونوا من الفتانين، وأن يحببوا هذه اللغة إلى من يدرسها، وأن يحدثوا لديهم ذوقاً لغوياً يقتضي منهم محبةً لهذه اللغة وعناية بها وتركيزاً عليها، وكذلك على الأمهات أن يشاركن في تعليم الأولاد، وتحبيب هذه اللغة إليهم، وعلى الكبار كذلك أن يدرسوها، وأن يتدبروها، وأن يعلموا أنهم لا يمكن أن يفهموا القرآن ولا السنة إلا إذا كان لديهم رصيدٌ من هذه اللغة، وأن يفهموا أن قيمهم وتاريخهم ومجدهم مرتبط بهذه اللغة.
إن الحفاظ على هذه اللغة لا يمكن أن يكون من واجبات نظام أو دولة فقط، بل لابد أن يكون من واجبات الأفراد والأمة بكاملها، وأن تعتني بذلك، وأن يقع التعاون عليه، وأن لا يبقى أحدٌ يستطيع المشاركة إلا قدم مشاركته.
نسأل الله أن يوفقنا لما يحب ويرضى، وأن يزيدنا علماً، وأن يعلمنا ما ينفعنا، وأن يجعلنا هداةً مهتدين غير ضالين ولا مضلين.
اللهم وفقنا لما يرضيك عنا، وخذ بنواصينا إلى الخير أجمعين، اللهم استرنا بسترك الجميل، اللهم ألهمنا رشدنا وأعذنا من شرور أنفسنا.
стр. 180
الأسئلة
следующие страницы →