Полный текст (1 349 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
علم آداب العرب وأشعارها
العلم التاسع: علم آداب العرب وأشعارها: ولا يمكن أن يستدل لأي معنىً من معاني القرآن أو السنة إلا من خلال هذا العلم، فإن الاستدلال بدلالات الألفاظ إنما يكون على هذا الوجه، ومن أشعار العرب تؤخذ وتعرف، ولذلك أوصى عمر بحفظ ديوان العرب.
стр. 177
علم التاريخ
ومن العلوم اللغوية المهمة: علم التاريخ: وهو الذي يعرف به طريقة التاريخ لأية حادثة، فتاريخ العرب يبدأ بالليالي لسبقها على الأيام، ويعبر عنه بعبارة مناسبة، سواء كان في أول الشهر أو في آخره، ومن لم يتقن ذلك لم يستطع الاستدلال بالتاريخ.
والتاريخ ضرب من ضروب الاستدلال في القرآن، ولهذا رد الله تعالى على اليهود والنصارى حين زعموا أن إبراهيم كان يهودياً أو نصرانياً، فقال الله تعالى: ﴿وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالإِنجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ﴾ [آل عمران:٦٥].
فبداية اليهودية نزول التوراة، وبداية النصرانية نزول الإنجيل، وإبراهيم ما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده، فهذه الدعوى باطلة.
ومثل هذا ما استدل به الخطيب البغدادي حين جاء اليهود بوثيقةٍ يزعمون فيها أن النبي ﷺ أسقط عنهم الجزية، وهي وثيقة قد كتبوها في عصور سابقة، ووضعوا عليها الزيت، ووضعوها في الشمس أو سخنوها على النار حتى أصبحت قديمة، وأخرجوها في أيام أحد خلفاء بني العباس، فلما عرضت هذه الوثيقة على الخطيب البغدادي بصق عليها، وقال: هذه مزورة مكذوبة على رسول الله ﷺ .
فقيل: من أين لك ذلك؟ فقال: ذكر من شهودها سعد بن معاذ ومعاوية بن أبي سفيان، وما جمعهما الإسلام، فقد أسلم معاوية عام الفتح، ومات سعد أيام غزوة بني قريظة، وقد جرح بالأحزاب، وغزوة بني قريظة كانت في نهاية العام الخامس من الهجرة، والفتح كان في العام الثامن من الهجرة، فما جمعهما الإسلام، فكيف يستشهدان على شهادة واحدة؟! ومثل هذا ما حصل للحاكم أبي عبد الله أحمد بن البيع حين سمع شيخاً بنيسابور يحدث عن هشام بن عمار، فسأله فقال: متى دخلت مصر؟ قال: سنة ثمانين.
فقال: إن هذا الشيخ يحدث عن هشام بعد موته! لقد لقي هشام بعد موته بإحدى عشرة سنة! فهذا مما يحتاج الناس إليه في إثبات العلم، ولا يمكن الاستغناء عنه.
стр. 178
علم العروض والقوافي
ومن علوم العربية المفيدة: علم العروض وعلم القوافي: إذ بهما إقامة الشعرِ، والشعرُ أهميته واضحةٌ سواء كانت في التاريخ الماضي، ولذلك علقت المعلقات على الكعبة، أو كانت في صدر الإسلام، ولهذا أمر النبي ﷺ حسان أن يهجو قريشاً، وأخبره أن هجاءه أشد عليهم من وقع النبل، وأمر أبا بكر أن يعينه على ذلك، ولهذا حين وصل إليهم قول حسان ﵁: وإن كرام الأصل من آل هاشم بنو بنت مخزوم ووالدك العبد قالت قريش: هذا والله شعر ما غاب عنه ابن أبي قحافة، فإنه استله منهم كما تستل الشعرة من العجين: وإن كرام الأصل من آل هاشم بنو بنت مخزوم عبد الله وأبو طالب، وأمهما فاطمة بنت عمرو بن عائذ المخزومية، فهذا لا يعرفه إلا من كان من أهل الأنساب، فلذلك قالوا: شعر والله ما غاب عنه ابن أبي قحافة.
والعروض والقوافي بهما إقامة أوزان الشعر، ومعرفة قوافيه، والشعر من أوجه الإتقان في هذه اللغة والتميز فيها، فهو أمر يحتاج إليه، ولذلك نص شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ على أن الأهزاج المخالفة لأوزان الخليل بن أحمد بدعة، لا يحل الاشتغال بها، وهذا يقال في الشعر الحُر، فما كان منه غير جارٍ على التفعيلات المعروفة، أو كان خارقاً لها، فهو تغييرٌ وابتداعٌ يؤدي إلى نقض المألوف والمشهور بين الناس، ولذلك يعتبر منهياً عنه من هذا الوجه.
стр. 179
أهمية اللغة العربية بالنظر إلى المصلحة
هذه بعض علوم اللغة العربية التي هي فروض كفايات، وبهذا تعرف مزية هذه اللغة من ناحية الحكم، أما من ناحية المصلحة، فإن أعظم ما تحتاج إليه الشعوب والأمم هو ما يميزها حتى لا تذوب فيما سواها، وكل أمةٍ لها حضارة، ولها ميزات تميزها عن غيرها، وإذا زالت هذه الميزات وذابت في غيرها ذابت تلك الأمة في غيرها من الأمم، ومن هنا فإن الميزة التي تميز هذه الأمة عن غيرها من الأمم هي اللسان العربي.
وإذا تخلصت هذه الأمة من لسانها أصبحت ذنباً في ذيل غيرها من الأمم، وكانت تابعةً لغيرها، ولم يعد لها تاريخٌ، ولا ذكرٌ بين الأمم، ونظير هذا كثير جداً مما يقتضي منا المحافظة على مثل هذه القيم، وهذا التراث العريق الذي نحن بحاجة إليه، والأمة بحاجة إلى من يقوم بحفظه والعناية به.
إن الحفاظ على هذه اللغة العربية بالإضافة إلى أنه مما يتعبد الله به ويبتغى به وجهه، هو من التسنن بسنة النبي ﷺ وخلفائه الراشدين، وأصحابه المهديين، والتابعين وأتباعهم، وهو كذلك مما يرفع الله به الدرجات، ويزيد به المنازل، والناس محتاجون إليه، ولا يمكن أن يستغنى عنه، ولهذا يجب على الآباء أن يعلموا أولادهم هذه اللغة، وأن يعلموهم محبتها، ويجب على أساتذة اللغة العربية أن لا يكونوا من الفتانين، وأن يحببوا هذه اللغة إلى من يدرسها، وأن يحدثوا لديهم ذوقاً لغوياً يقتضي منهم محبةً لهذه اللغة وعناية بها وتركيزاً عليها، وكذلك على الأمهات أن يشاركن في تعليم الأولاد، وتحبيب هذه اللغة إليهم، وعلى الكبار كذلك أن يدرسوها، وأن يتدبروها، وأن يعلموا أنهم لا يمكن أن يفهموا القرآن ولا السنة إلا إذا كان لديهم رصيدٌ من هذه اللغة، وأن يفهموا أن قيمهم وتاريخهم ومجدهم مرتبط بهذه اللغة.
إن الحفاظ على هذه اللغة لا يمكن أن يكون من واجبات نظام أو دولة فقط، بل لابد أن يكون من واجبات الأفراد والأمة بكاملها، وأن تعتني بذلك، وأن يقع التعاون عليه، وأن لا يبقى أحدٌ يستطيع المشاركة إلا قدم مشاركته.
نسأل الله أن يوفقنا لما يحب ويرضى، وأن يزيدنا علماً، وأن يعلمنا ما ينفعنا، وأن يجعلنا هداةً مهتدين غير ضالين ولا مضلين.
اللهم وفقنا لما يرضيك عنا، وخذ بنواصينا إلى الخير أجمعين، اللهم استرنا بسترك الجميل، اللهم ألهمنا رشدنا وأعذنا من شرور أنفسنا.
стр. 180
الأسئلة
стр. 181
التوبة النصوح
السؤال
ما هي التوبة النصوح؟
الجواب
لقد أوجب الله على عباده التوبة النصوح في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا) [التحريم:٨]، وقد نص العلماء على أن التوبة النصوح هي الصادقة التي تمحو كل ما سبقها، ويكون الإنسان بها نادماً على ما فرط في جنب الله، وساعياً لإصلاح حاله في المستقبل، فإذا كان الإنسان قد ندم على ذنبه، وندم على ما فرط في جنب الله، وأراد إصلاح حاله في المستقبل، والعدول عن كل ما وقع فيه، ورد التبعات إلى ذويها ومستحقيها، فهو الذي تاب توبةً نصوحاً.
أما الذي يستغفر بلسانه، وقلبه مصر على العود والرجوع، أو لا ينوي الرجوع، لكنه حال بينه وبينه عجزٌ أو كبرٌ أو نحو ذلك، فهذا ليست توبته توبةً نصوحاً.
стр. 182
حكم إعادة الامتحان لنيل شهادة معينة
السؤال
هل تجوز إعادة شهادة للمشاركة بها في مسابقة ما؟
الجواب
لعل مقصود السائل: المشاركة في امتحانٍ لنيل شهادة معينة؛ ليشارك بها في ملف يشترط فيه أن تكون الشهادة ذات عهد حديث، والجواب: أن هذا من الأمور الجائزة ولا حرج فيه شرعاً؛ لأن الشهادات المقصود بها ما كان على أساس امتحانٍ نجح فيه الإنسان، ويحدد مستواه وصلاحيته للتخصص الذي يدرسه، ومن هنا فلا حرج في إعادة الامتحان، حتى لو كان الإنسان كبيراً، فإذا وجدت له فرصة في أي امتحان، فبإمكانه أن يشارك.
стр. 183
وجوب البراءة من القوانين الوضعية
السؤال
ما هو موقف المسلمين من القوانين الوضعية التي تتحكم في رقابهم؟
الجواب
القانون دينٌ، فالله يقول في كتابه: ﴿كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [يوسف:٧٦].
فالقانون الوضعي دينٌ غير دين الله، ومن هنا تجب البراءة منه، والكفر به، والعدول عنه، ولا يحل للإنسان التحاكم إليه، وهو من الطاغوت الذي نهينا عن التحاكم إليه، والله تعالى يقول في كتابه: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء:٦٥].
стр. 184
حرمة بيع الصور المجسمة
السؤال
هل يحرم بيع الصور المجسمة؟
الجواب
تلك الصور إذا كانت كاملة الخلقة، ذات ظل، فيحرم بيعها والاتجار بها، بل يجب كسرها وتغييرها؛ وذلك لأن الله إذا حرم شيئاً حرم ثمنه، وقد حرم النبي ﷺ هذا، وبين أن اليهود حين حرم الله عليهم الشحوم جملوها فأكلوا ثمنها فاستحقوا اللعنة بذلك.
стр. 185
غسل المريض رأسه
السؤال
رجل يجد آلاماً في رأسه، هل يكفيه تخليل رأسه بالغسل دون صب الماء على رأسه، أو ماذا يصنع؟
الجواب
من كان مريضاً فإنه لا يجب عليه أن يفعل إلا ما يطيقه وما لا يضر به، فإن جرب أن غسل رأسه وصب الماء عليه مضرٌ به، أو أخبره طبيب بذلك، فليس له أن يفعل ذلك، وإن جرب أنه لا يضر به، ولا يؤخر شفاء مرضه، أو أخبره الطبيب بأن غسل رأسه لا يضره، فلا يحل له تركه، فالعبرة هنا بالتجربة وإخبار الطبيب الناصح.
стр. 186
القضاء والكفارة في الصيام إنما تكون في حق المفرط
السؤال
إنسان أتى عليه رمضان وهو يشك في وجوب صيامه عليه، ثم إنه لم يصم ذلك الشهر، فهل عليه قضاء هذا الشهر، وهل عليه كفارته؟
الجواب
أن عليه القضاء، وليس عليه الكفارة على الراجح، هذا إذا كان مريضاً وأعمل وسائل التحقق، أما إذا كان شكه غير مبني على حجةٍ بأن كان صاحب مرض خفيف، فظن أن مجرد وجود الحرقة في معدته أو في مريئه يبيح له ترك الصيام، فهذا مفرط، وتجب عليه الكفارة فيما فرط فيه، ويجب عليه القضاء مع ذلك.
стр. 187
أهمية علو الهمة
السؤال
علو الهمة أمرٌ مهمٌ يجب على الشباب التحلي به، وكذلك الشيوخ، ما هي أهميته في فهم النصوص الشرعية؟
الجواب
هذا هو ما تعرض له الشيخ محمد يحيى في قصيدته في علو الهمة آنفاً، وعموماً فإن من لم يهتم بشيء لا يناله، والذي يريد فهم النصوص، ويريد أن يكون من أهل القرآن، ومن أهل السنة لابد أن يهتم بذلك، وأن يبذل في سبيله.
стр. 188
معنى استشراف المستقبل
السؤال
ما المراد باستشراف المستقبل، وهل معناه معنى التكهن؟
الجواب
أن التكهن مشتق من الكهانة، وهي خلطة الجن للاطلاع على الغيوب، وهي محرمة شرعاً، ومن الشرك بالله لقول الله تعالى: ﴿وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الإِنسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ [الأنعام:١٢٨]، ولكن التكهن مصطلح لدى أهل علم الإدارة يطلقونه على استشراف المستقبل بمعنى: عد الاحتمالات الواردة التي تعترض مشروعاً أو تساعده، ليتم على ذلك التنبؤ والتحكم، والتحكم هو إيجاد الحلول لما أدت إليه نتيجة التنبؤ، فيسمى هذا تنبؤاً وتكهناً اصطلاحاً فقط.
لكن ليس هو نبوةٌ ولا كهانة، وإنما هو مجرد استشراف للأحوال المستقبلية من قراءة السنن الإلهية وما أجرى الله عادته به، فالاحتمالات التي يمكن أن ترد أمام المشروع، أو أمام القرار الذي يريد الإنسان اتخاذه تُعد، ثم كل احتمال يمكن أن توضع له عدة حلول، وهذه الحلول هي التي يسمونها بالتحكم، واستشراف المستقبل هو الذي يسمونه بالتنبؤ، وهذه مصطلحات إدارية، ولا مشاحة في الاصطلاح، لكن على أهل علم الإدارة إذا نقلوها إلى العربية أن ينقلوها بألفاظ موافقة للشرع، فإنها لا تضرهم ولا تغير شيئاً، وهي مطلوبة ومما يرفع الإلباس والإشكال.
стр. 189
إدراك الركعة بإدراك الركوع
السؤال
هل تدرك الركعة بإدراك الركوع، وما الدليل على ذلك؟
الجواب
الراجح أن الركعة تدرك بالركوع، وهذه المسألة محل خلاف بين أهل العلم، وقد ثبت عن ثلاثة من أصحاب النبي ﷺ أنهم أفتوا بأن الركعة تدرك بالركوع، وهم زيد بن ثابت وأبو هريرة وعبد الله بن عمر، فكل هؤلاء قالوا: إذا فاتتك الركعة، فقد فاتتك السجدة، وإذا أدركت الركعة فقد أدركت السجدة.
وقالت طائفة من أهل العلم: لا تدرك الركعة بالركوع، ولكن هذا المذهب أهله أقل من السابقين، فبالمذهب الأول أخذ فقهاء المذاهب الأربعة، فقد اتفقوا على أن الركعة تدرك بالركوع، والذين ذهبوا إلى أن الركعة لا تدرك بالركوع استدلوا بقول النبي ﷺ (كل صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج).
ولكن يجاب عن هذا بأن الركعة ليست صلاةً كاملة، فإذا لم تقرأ الفاتحة في هذه الركعة فبالإمكان أن تقرأها بالركعة التي تليها، وبذلك لا تكون صلاتك خداجاً؛ لأنك قرأت فيها الفاتحة، وهذا الجواب واضحٌ جداً، فهو قاضٍ على الاستدلال بهذا الحديث في هذه المسألة.
стр. 190
صفة التيمم
السؤال
ما صفة التيمم؟ وهل من لم يراعِ ما غار من لحييه، وجانبي أنفه وما بدا من شفتيه وعنفقته تيممه صحيح؟
الجواب
أن التيمم في اللغة: القصد، يقال: يممه تيمماً إذا قصده، والله يقول في كتابه: ﴿وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ﴾ [البقرة:٢٦٧]، أي: لا تقصدوا الخبيث من أموالكم تنفقونه وتقصدون به المضاعفة عند الله.
والتيمم في الاصطلاح هو: الطهارة الترابية، التي هي مسحتان وضربتان، ضربة يمسح بها الوجه من منابت الشعر إلى الذقن طولاً، وما بين الأذنين عرضاً على الراجح، وقيل: ما بين العذارين، ويمسح بها ظاهره فقط، ولا يطلب تتبع غضونه، ولا تتبع تكاميش الجبهة، ولا تتبع ما حول الأنف وما حول العينين، ولا ما بدا من الشفتين، ولا تتبع الجرح الغائر، إذا برأ، ولا يلزم فيها تتبع الوترة التي بين المنخرين، ولا تتبع تجاعيد الأرنبة، أي طرف الأنف، فهذه الأمور لا يطلب تتبعها في مسحة التيمم، وإنما هي مسحة خفيفة، ثم مسحةٌ كذلك بيديه إلى الكوعين، وهذا وهو القدر الواجب.
وإذا مسح إلى مرفقيه، فهذا سنة وتكملة، ولكنه يكفيه أن يمسح وجهه مسحة واحدة، ويديه إلى الكوعين، مسحة أخرى، والضربة الثانية كذلك سنة على الراجح وليست بواجبة، فلو ضرب الإنسان ضربةً واحدةً، أي: وضع يديه مرةً واحدةً على الأرض، كان مجزئاً، وقد بين النبي ﷺ صورة التيمم، فوضع كفيه على الأرض ومسح بهما وجهه وكفيه إلى الكوعين وقال: (إنما كان يكفيك هكذا) كما في حديث عمار بن ياسر، وكذلك مسح الحائط بعصاه حتى ثار غباره فوضع يديه عليه فمسح بهما وجهه وكفيه لرد السلام، وهذان التيممان الواردان عن النبي ﷺ ، ولم يرو عنه أنه تيمم للصلاة.
واختلف فيما يحصل به التيمم؛ لأن الله يقول في كتابه: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ منه﴾ [النساء:٤٣].
ذهب الشافعي إلى أن الصعيد الطيب هو المنبت لقول الله تعالى: ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ) [الأعراف:٥٨].
فما ليس منبتاً لا يتيمم به، فلا يتيمم على الحجر، ولا على السبخة التي لا تنبت عند الشافعي، وبهذا أخذ أحمد بن حنبل، واستدلا أيضاً بأن الله قال: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ منه﴾ [النساء:٤٣].
و (من) هنا جعلاها تبعيضية، أي: ببعضه، والبعض الذي يمكن أن يمسح بالوجه والكفين منه إنما هو الغبار الذي يثور، واستدلا أيضاً بمسح النبي ﷺ بعصاه الحائط وحكه حتى ثار غباره.
وذهب مالك وأبو حنيفة إلى أن الطيب في الآية هو ما صعد على وجه الأرض من أجزائها، وأن المقصود بطيبه طهارته، فالطيب هنا بمعنى الطاهر، وقد جاء في القرآن إطلاق الطيب على الطاهر، وجاء ذلك في الحديث كقول النبي ﷺ (إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا).
فالمقصود بذلك الطاهر الحلال، وعلى هذا فكل ما صعد على الأرض من أجزائها يحل التيمم به كالصخر والسبخة وغير ذلك، واختلفوا في الحجارة المنقولة كالرحا إذا لم تنكسر هل يحل التيمم عليها أم لا؟ فمذهب أبي حنيفة جواز التيمم على كل ذلك، ومذهب مالك جاء فيه الخلاف في التيمم على الرحا ونحوها إذا لم تنكسر، أما إذا انكسرت فقد عادت حجرا ًكما كانت فيتيمم عليها عنده، وإذا كانت غير منكسرة فهي آلة، فالراجح من المذهب أن لا يتيمم عليها، ومثل ذلك الملح إذا جمد والخضخاض إذا خالطته التربة، وقيل: الخضخاض إذا نشفت اليدان فيه حتى بقي فيهما غبار جاز التيمم به.
ومسائل التيمم كثيرة ولعل في هذا بعض الإشارة إليها، والدليل على الضربة الثانية ما ثبت من فعل عدد من الصحابة منهم علي بن أبي طالب وعائشة وابن عباس، وهذا أمر توقيفي لا يمكن أن يفعلوه إلا إذا كان النبي ﷺ قد أراهم إياه.
стр. 191
الجمود الحرفي على النصوص جهل بالعربية
السؤال
ما علاقة الجمود والحرفية في الفهم بجهل اللغة العربية؟
الجواب
أن الحرفية والتقيد بدلالة اللفظ دون معرفة جوانبه الأخرى وما يدل عليه، إنما هو من الجهل باللغة العربية، وفهم صيغها المختلفة، ولذلك فإن الأصوليين قالوا: إن اللفظ يدل شرعاً أربع دلالات، فيدل بمنطوقه، ويدل بمفهومه، ويدل بضرورته واقتضائه، ويدل بمعقوله، وهو القياس عليه، وهذه يسميها الحنفية: دلالة العبارة ودلالة الإشارة، ودلالة المقتضى، ودلالة المعقول، وهي القياس عليه، ومن هنا يكون اللفظ الواحد نافعاً من أربعة أوجه ويمكن أن تؤخذ منه الأحكام من أربعة أوجه.
والذي يتحجر ويقف عند النص ولا يتعداه جهل مقصد اللغة، وجهل معناها، وكذلك عطل الحكم الشرعية التي من أجلها جاءت النصوص، فالذي يرى أن النبي ﷺ عندما قال: (لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري، ثم يغتسلَ فيه من الجنابة، أو: ثم يغتسلُ فيه من الجنابة، أو: ثم يغتسلْ فيه من الجنابة).
ثلاث رواياتٍ من لم يكن عارفاً باللغة العربية ولم يفهم دلالاتها، ولم يعرف الفرق بين قوله: (ثم يغتسلُ)، وبين قوله: (ثم يغتسلَ)، وبين قوله: (ثم يغتسلْ)، لم يفهم هذا وتحجر وتقيد، فأباح أن يبول الإنسان في إناء وأن يصبه في الماء الراكد، وهذا بسبب عدم التفريق بين الروايات.
فإن قوله ﷺ : (ثم يغتسلُ فيه) بيان لعلة النهي، أي: إنه سيغتسل فيه، فلذلك لا يحل له أن يصب فيه البول أو أن يبول فيه مطلقاً، وهذا نظير قول النبي ﷺ : (لا يجلدن أحدكم امرأته ثم يضاجعُها) بالرفع، معناه: ثم هو يضاجعها، وفي رواية: (لا يجلد أحدكم امرأته كما يجلد العبد، ثم يُضاجعُها) أي ثم: هو يضاجعها، فيكون هذا تعليلاً.
وأما رواية النصب فالمقصود بها النهي عن الجمع بينهما، (لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري، ثم يغتسلَ فيه)، معناه: أن النهي منصبٌ على الجمع بين الأمرين.
وأما رواية الجزم: (لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري ثم يغتسلْ فيه) فهي نهي عن الأمرين كل واحد منهما وحده، فهي نهي عن الاغتسال في الماء الدائم مطلقاً، سواء بول فيه أو لم يبل فيه، ونهي كذلك عن البول فيه مطلقاً، سواء اغتسل منه أو لم يغتسل، وهذه الرواية هي أرجح الروايات؛ لأنه جاء التصريح بالنهي فيها في رواية أبي داود بإسناد صحيح أن النبي ﷺ قال: (ولا يغتسل فيه من الجنابة)، فهذا تصريح بالنهي عن الاغتسال وحده، وعن البول وحده.
اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد، عبدك ونبيك ورسولك النبي الأمي، وعلى آله وصحبه وسلم تسليما.
اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا، ومتعنا بأبصارنا وقوتنا ما أحييتنا، واجعله الوارث منا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادانا ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا، ولا تسلط علينا من لا يرحمنا، ولا تجعل إلى النار مصيرنا واجعل الجنة هي دارنا.
اللهم استعملنا في طاعتك واجعلنا هداةً مهتدين غير ضالين ولا مضلين، اللهم لا تدع لنا في ساعتنا هذه ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا دينناً إلا قضيته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا مبتلىً إلا عافيته، ولا ميتاً إلا رحمته، ولا حاجة من حوائج الدنيا والآخرة هي لك رضاً وفيها لنا صلاح إلا قضيتها يا أرحم الراحمين.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين وادحر كيد الكافرين، وانصرنا عليهم أجمعين، اللهم علمنا أجمعين ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً يا أرحم الراحمين، اللهم اجعل ما نقوله ونسمعه حجة لنا لا علينا، اللهم اجعل ما نقوله ونسمعه حجة لنا لا علينا، اللهم اجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه.
اللهم اختم بالصالحات أعمالنا، واختم بالحسنات آجالنا، واجعلنا هداةً مهتدين، غير ضالين ولا مضلين، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد عبدك ونبيك ورسولك النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم تسليما.
سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
стр. 192
السياسة في الإسلام
أوجب الله على المسلمين إقامة دولة الإسلام، ونصب إمام لهم يحكم هذه الدولة، وبلاد الإسلام تعاني اليوم من الأنظمة السياسية المخالفة للإسلام، والخاضعة لهيمنة الغرب، إلا أن الحركات الإسلامية تحاول رد الناس إلى حكم الإسلام، وتسعى في إقامة دولة الإسلام التي تتميز عن بقية الأنظمة والحكومات المخالفة للإسلام.
ويحتاج المسلم المعاصر أن يعرف الفرق بين الشورى والديمقراطية، وبين ديمقراطية الغرب وديمقراطية العالم الثالث، وحكم المشاركة في الأنظمة الحالية، وما هي مقومات الدولة الإسلامية والحكم الإسلامي.
стр. 193
مميزات الدولة في الإسلام
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على من بعث رحمة للعالمين، وعلى آله وأصحابه، ومن اهتدى بهديه، واستن بسنته إلى يوم الدين.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أما بعد: فإن الله تعالى أوجب على عباده المؤمنين رعاية دينه وحمايته، وجعله مسئوليتهم يسألون عنه يوم العرض على الله ، فإذا كانوا قد اقتنعوا بدين الله وبصدق ما جاء به الرسول الكريم ﷺ ، فليعلموا أنهم سيسألون عما قدموا في سبيل قناعتهم هذه، وإن الدين لا يمكن أن يقام إلا بدولة، وإن كثيراً من الواجبات لا يمكن أن يقوم بقها الأفراد، وذلك مثل جهاد العدو، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإقامة الحدود، وإعانة المظلوم على الظالم، واستصلاح الأرض، واستخراج ما فيها من الخيرات، والعدل في توزيع ذلك بين الناس، فهذه أمور لا يمكن أن تتم من خلال أفراد ولا من خلال جماعة، وإنما تقوم بها دولة، ومن أجل هذا وجب أن تقوم دولة للإسلام، لكن هذه الدولة يميزها عما سواها من الدول كثير من المميزات، منها:
стр. 194
ليست الدولة دولة فرد ولا قبيلة
أنها دولة الإسلام، فليست دولة فرد يريد بها إشباع رغباته واتباع شهواته، وأن يجعل مال الله دولاً، وأن يجعل عباد الله خولاً، وليست دولة قبيلة ولا حزب ولا بلد مخصوص وإنما هي دولة الدين.
فإذاً: تميزها هذه العقيدة التي تجعلها متصلة بالله ، ومنطلقة من أمره ، وساعية لإعلاء كلمته وإعزاز دينه، وليست ساعية لإعزاز فرد ولا لإشباع رغباته، ولا لإعزاز مجموعة مخصوصة، ولا لتهيئة حاجياتها وما تطلبه، بل هي دولة للإسلام.
وافترض الله ذلك على رسوله ﷺ وأصحابه، فقاموا به أفضل قيام، سعى رسول الله ﷺ لإقامة دولة للإسلام ولم يردها لنفسه ولا لقبيلته ولا لآل بيته، بل جعلها دولة لدين الله، ألا تلاحظون أن الله عرض عليه أن يكون نبياً ملكاً أو أن يكون نبياً عبداً فاختار أن يكون نبياً عبداً، وعندما جاءه الأعرابي الذي عرف خدمة الملوك فانحنى بين يديه وارتعشت بوادره، قال له: (أربع على نفسك، فإنني لست ملكاً، إنما أنا عبد الله ورسوله).
وكذلك كان يقول لأمته على الملأ: (ما يكون عندي من خير فلن أدخره عنكم، ليس لي مما أوتيتم إلا الخمس وهو مردود عليكم)، فلم يتخذ شيئاً من مال الله مختصاً به لنفسه، بل كان يعيش في حجرات، يقول الحسن البصري عنها: لو مد الرجل يده للامست سقف حجرة النبي ﷺ ، وكان ينام على حصير فيؤثر في جنبه ويبقى أثره عليه، ويقول جابر بن عبد الله: لو دخلت أبيات النبي ﷺ ما رأيت شيئاً يرد البصر، يعني: ما رأيت شيئاً تتعلق به النفس وتهواه، فكل ما فيها من وسط متاع الناس، أو من أدناه.
كذلك ﷺ لم يجعل مميزات في بني هاشم، بل كان لهم من الحقوق ما لغيرهم، ولم يختصهم بأي شيء، ولذلك لم يكن من خلقه رجلاً من بني هاشم، وإنما هو رجل من بني تيم بن مرة، وقال: (يأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر) وأبو بكر رجل من بني تيم بن مرة بن كعب بن لؤي وليس من بني هاشم ولا من بني عبد مناف.
وكذلك لم يجعلها دولة مختصة بقريش أو بالتمكين لهم في الأرض وإن كانت الإمامة مختصة بهم، لكن الوظائف والقيام بالمصالح لا يختص بهم، بل قال: (إنا لا نولي عملنا من سأله) وقال: (من ولى على عمل رجلاً وهو يجد أصلح منه لقي الله خائناً)، فلذلك لم يختص قريشاً بالوظائف وإنما أعطى اللواء يوم فتح مكة لـ سعد بن عبادة بن دليم وهو رجل من الخزرج، ثم حين شكي إليه، انتزعه منه وأعطاه ولده قيس بن سعد بن عبادة بن دليم.
وكذلك إذا نظرتم إلى من يعقد له الرسول ﷺ اللواء في الغزوات المختلفة، أو يستعمله في الأعمال، ستجدون قريشاً مثل سواهم، ليس لهم ما يميزهم إلا قضية الإمامة فقط، وهذه حكمة ربانية، وهي أن العرب لا تدين إلا لهذا الحي من قريش، كما قال أبو بكر في خطبته يوم السقيفة، وقال رسول الله ﷺ : (الأئمة من قريش)، وقال أبو بكر للأنصار: نحن الأمراء وأنتم الوزراء، والأمر إذ ذاك شورى بين الجميع.
وكل قوم إنما يختار منهم الأعدل والأكفأ، فيستعمل رسول الله ﷺ من يصلح للعمل دون النظر إلى سنه أو علمه أو قبيلته أو تخصصه، بل اختار لإمارة مكة وإمامة المسجد الحرام والقضاء بين الناس بمكة شاباً هو عتاب بن أسيد وكان في السابعة عشرة من عمره.
واختار لقيادة جيش أراد أن يبعثه في حياته أسامة بن زيد بن حارثة بن شراحيل وهو شاب من بني كلب بن وبرة بن الحاف بن قضاعة ولم يتجاوز عمره سبع عشرة سنة، وفي الجيش أبو بكر وعمر وأبو عبيدة بن الجراح ومن سواهم من كبار المهاجرين، وكذلك أمر على البحرين العلاء بن الحضرمي، وأمر الضحاك بن سفيان كذلك على عمان، وأمره على كتيبة بني سليم يوم الفتح.
كل هذا يدلنا على أن هذه الدولة التي أقامها رسول الله ﷺ لم تكن دولة فرد ولا دولة قبيلة ولا دولة جهة ولا دولة حزب وإنما كانت دولة الإسلام، فالعزيز فيها هو هذا الدين، والذي يقصد إعزازه والتمكين له هو هذا الدين، وسار على هذا النهج الخلفاء الراشدون المهديون.
فهذا أبو بكر ﵁ يعهد بالخلافة من بعده لـ عمر بن الخطاب، وهو ليس من بني تيم بن مرة الذين منهم أبو بكر، مع أن أولاده يصلحون للخلافة، ولكنه نحاها عنهم، ومع أن من بني عمه طلحة بن عبيد الله الذي قال فيه رسول الله ﷺ : (من سره أن ينظر إلى شهيد يمشي على وجه الأرض فلينظر إلى طلحة بن عبيد الله)، وأنزل الله فيه: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب:٢٣]، وشهد له رسول الله ﷺ بالجنة، فلا يضره ما صنع أبداً، ومع ذلك عدل عنه أبو بكر ولم يعهد إليه بالخلافة، وإنما عهد بها إلى عمر.
وكذلك عمر بن الخطاب عندما جعلها في الستة الذين توفي رسول الله ﷺ وهو عنهم راض، أخرج منهم سعيد بن زيد وهو ابن عمه وزوج أخته، وهو من العشرة المبشرين بالجنة، وممن شهد بدراً والمشاهد كلها مع رسول الله ﷺ ، وشهد له الرسول ﷺ بعينه بالجنة، فلا يضره ما فعله أبداً، لكن عمر أبعده؛ حتى لا تكون الخلافة دولة يتداولها بنو عدي بن كعب فقط.
وكذلك فإن علياً ﵁ حين طعن جاءه أهل العراق يطلبون منه أن يولي عليهم الحسن بن علي فقال: لا والله لا أفعل، فلا يكون كبر هذا الأمر علي حياً وميتاً، إنما توليته بتكليف الله ما دمت حياً، فإذا أنا مت فقد انقطع التكليف، فلا أتحمله في حياتي وبعد موتي.
وكذلك فإن أبا بكر ﵁ حين تولى الخلافة مكث سنة يدير أمور هذه الدولة، ولم يأخذ أي راتب من بيت المال، فلما نفدت تجارته كلم الناس في المسجد فقال: أيها المؤمنون! إني كنت امرأً تاجراً، وإنكم شغلتموني بأموركم عن أمور تجارتي، فلو تجعلون لي رزقاً من بيت مالكم، فجلس أهل المسجد يتفاوضون كم يجعلون لـ أبي بكر؟ كم الراتب الذي يستحقه على العمل الذي يقوم به؟ وعينوا له راتباً، ثم لما تولى عمر أخذ ذلك الراتب ولم يزد فيه مع أن أعماله قد ازدادت على أعمال أبي بكر، اتسعت الخلافة واتسعت الأرض واتسع التدبير، واحتاج الناس إلى كثير من المال لم يكونوا محتاجين إليه في زمان أبي بكر، لكنه لم يزد في راتبه شيئاً، وحين ازدادت الميزانية، واتسعت الأموال، وكثر ما في بيت المال، لم يزد راتب الخليفة عما كان عليه في حال الضيق والمشقة.
وحين أدركه الموت دعا ولده عبد الله بن عمر فقال: إني كنت أخذت من بيت المال هذا الرزق الذي كان يأخذه أبو بكر، وإن المسلمين لم يعطوني إياه وإنما أعطوه أبا بكر، فلعلي أكون قصرت فلم أقم بما كان يقوم به أبو بكر، وقد كتبت كل ما أخذت من بيت المال فأرجعه إليه، وإن وجدت في مال آل عمر وفاءً فخذه، وإلا فخذ من مال بني عدي بن كعب، فلأن يكونوا خصومي يوم القيامة أحب إلي من أن يخاصمني المسلمون، فأرجع راتبه مدة عشر سنوات وأشهر، أرجعه إلى بيت المال، تورعاً منه؛ لأنه يخاف ألا يكون قام بهذا الحق الذي بايعه الناس عليه، فهو يعلم أن البيعة لابد فيها من طرفين، ولابد أن يقوم بالواجب الذي عليه، ولا يمكن أن يأخذ حقوق المسلمين دون أن يدفع لهم مقابلاً وأن يقدم لهم خدمة، فخشي ألا يكون قد قام بالواجب، فأرجع إليهم ما أخذ من بيت مالهم.
ولما تولى عثمان الخلافة خطب في الناس فأخبرهم أنه غني عن مالهم، وأنه لا يحتاج إلى أي شيء من بيت مال المسلمين، فأرجع عليهم الراتب، ووفره على بيت مال المسلمين.
وهكذا فإن هذه الدولة التي أقامها رسول الله ﷺ واتبعه عليها خلفاؤه الراشدون، كانت دولة الإسلام فعلاً، أما ما بعد ذلك فقد بدأت هذه الدولة تنحرف عن مداها وتسير في غير مرماها، فبدأ الناس يريدون هذه الدول لأفراد، ويريدون أن تكون ملكاً خاصاً لفرد أو لأسرة أو لقبيلة أو لبلدة أو نحو ذلك، ومن هنا فلم تكن دولة الإسلام تماماً، وهذا ما أوعد به الرسول ﷺ ، فقال فيما روى عنه حذيفة بن اليمان ﵁ في مسند أحمد وغيره: (تكون فيكم النبوة ما شاء الله لها أن تكون ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهج النبوة ما شاء الله لها أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكاً عاضاً ما شاء الله لها أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكاً جبرياً ما شاء الله لها أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهج النبوة وسكت).
стр. 195
الدولة في الإسلام دولة شورى لا استبداد
وإن دولة الإسلام مما يميزها أمور أخرى سأذكر بعضها ولا أحاول حصرها، فمن ذلك: أنها دولة شورى فليست دولة استبداد ولا مصادرة لآراء الأفراد، ولا اتخاذ للقرارات الفردية، إنما هي دولة شورى يتشاور فيها المسلمون فيما بينهم في أمرهم، ويتشاورون في اختيار حاكمهم، وتيشاورون في تحديد سياساتهم وفي ترتيب أولوياتهم، كل هذا يميز هذه الدولة عما سواها من الدول.
قد وصف الله هؤلاء المؤمنين بوصف الشورى في قوله جل ذكره: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى:٣٨]، وأُمِر النبي ﷺ بها في قوله تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ [آل عمران:١٥٩]، وأمر بها النبي ﷺ وحض عليها، وذكر أهل العلم أن فيها كثيراً من الفوائد منها: أولاً: أنها طاعة لأمر الله ، فمن لا ينتهج أسلوب الشورى فليس مطيعاً لأمر الله تعالى حيث قال: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ [آل عمران:١٥٩]، وقال: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى:٣٨].
ثانياً: أنها اتباع لسنة رسول الله ﷺ ولزوم لهديه ومنهجه.
ثالثاً: أنها مدعاة للتوصل إلى الصواب؛ فإذا تزاحمت العقول خرج الصواب.
رابعاً: أنها مدعاة لإزالة الضغائن والحقد، فمن يستشار في الأمر لا يمكن أن يجد في نفسه حرجاً ولا حسداً للقائم بالأمر، ومن هنا سيرضى به ويرضى عن تصرفاته؛ لأنه شاوره في الأمر.
خامساً: أن فيها إشراكاً في الأجر، فمن تستشيره فإنك تشركه في أجر القرار الذي ستتخذه.
سادساً: أن فيها تسلية عند إخفاق القرار، فمن اتخذ قراراً بعد استشارة، وفشل قراره ذلك، فإن له في ذلك تسلية، بأن هذا ليس من تدبيره وحده وإنما استشار الناس فيه.
سابعاً: أنها مدعاة للطاعة والتنفيذ، وأن من استشير عند اتخاذ القرار لا يمكن أن يخالف رأيه الذي أشار به، فهذا سيلزمه بالعمل على أساسه.
ثامناً: أنها تعويد لمن تقوده على الشورى، حتى لا يكون مستبداً إذا تولى هو القيادة.
تاسعاً: أنها أيضاً مدعاة لانقطاع الندم، فما خاب من استشار ولا ندم من استخار.
عاشراً: أن الشورى كذلك مدعاة لاستغلال كل الجهود؛ لأن كثيراً من الناس لا يشعر بمكانه ولا بأثره ومشاركته إلا إذا استشير.
الحادي عشر: أنها تغلب على النفس؛ لأن النفس البشرية تسعى لاتباع الحظوظ وتريد الكمال وتدعيه، فإذا كان الإنسان يقهر نفسه بالشورى ويريها أنها ناقصة وأنها محتاجة إلى عقل غيرها وعلمه؛ فهذا تغلب على النفس وقهر لها، هذه من فوائد الشورى ولا تقتصر على هذه.
وينبغي على القائم بأمر المسلمين أن يستشير في أموره، لكن لا يلزمه أن يستشير كل أحد، ويلزمه أن يشاور الناس في أمرهم العام ولا يلزمه الاستشارة في أموره الخاصة، لكنها مندوبة له، وهي أفضل، ولا يلزمه أن يستشير في الأمور المستعجلة، التي قد تأتيه وليس بحضرته أهل الاختصاص الذين يستشيرهم في ذلك الأمر.
وأيضاً: فإن إشارة بعض الأفراد غير ملزمة للقائم بالأمر ما لم يكونوا مرتبين لذلك، فإن كانوا مرتبين لذلك كأهل بدر وأهل الشورى في الأمة الإسلامية، الذين لا يحل للخليفة أن يتخذ قراراً حاسماً في أمور الأمة إلا بعد مشورتهم، فهؤلاء شوراهم ملزمة، فإذا اتخذوا رأياً معيناً ورجحوه لا يحل له أن يخالفه، أما ما سوى ذلك من الشورى فهو غير ملزم، بل هو معلم للصواب فقط.
ويجب على من تولى الأمر أين كان أن يحاول أن يستشير أهل الاختصاص في أي أمر سيتخذ فيه القرار، فلو كان الذي يتولى الأمر قاضياً مثلاً يجب عليه أن يشاور العلماء وأن يحضرهم مجلسه، وهذا محل اتفاق بين المذاهب، وتعرفون في مختصر خليل رحمه الله تعالى في باب القضاء: وأحضر العلماء وشاورهم.
فيجب على القاضي أن يحضر العلماء مجلس حكمه، وأن يشاورهم فيما يتخذه من الأقضية والصلح وغير ذلك.
وكذلك إذا كان الأمر يتعلق بالاقتصاد فلابد أن يستشار فيه الاقتصاديون، وإذا كان يتعلق بأمر السياسة فلابد أن يستشار فيه الساسة، وإذا كان يتعلق بأمر الاجتماع فلابد أن يستشار فيه أهل هذا التخصص، فهذه التخصصات معتبرة شرعاً، ولابد من اعتبارها حتى لا يستبد الأفراد، فإن الاستبداد من مظاهر الجبرية والملك العاض، وليس من مظاهر دولة الإسلام التي أنشأها رسول الله ﷺ وخلفاؤه الراشدون.
كذلك هي وسيلة اختيار حاكم المسلمين؛ لأن الحكم لله وحده، وهو قد عين أنبياءه قادة لخلقه، وجعل ذلك جائزة على الامتحان الشديد الذي لقوه في ذاته، وجعل إبراهيم للناس إماماً فقال : ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة:١٢٤]، فالظالمون أي: الذين يظلمون الناس ولا يؤدون حق الله لا يمكن أن يكونوا أئمة للمسلمين؛ لأن الله شرط هذا الشرط على إبراهيم.
وتوفي رسول الله ﷺ ولم يعين أحداً بعينه أنه هو الذي يلي الأمر من بعده، فاختار المسلمون أبا بكر وبايعوه بيعتين، أولاهما البيعة المبدئية وكانت بسقيفة بني ساعدة، والأخرى البيعة العامة وكانت بمسجد النبي ﷺ على منبره.
وكذلك حين عهد إلى عمر، فكانت بيعة عمر جزءاً من بيعة أبي بكر، ومع هذا فقد بايعه الناس في المسجد، وعندما عهد بها عمر إلى الستة الذين توفي رسول الله ﷺ وهو عنهم راض -تنازل ثلاثة منهم لثلاثة- فتنازل الزبير بن العوام لـ علي بن أبي طالب، وتنازل طلحة بن عبيد الله لـ عثمان بن عفان، وتنازل سعد بن أبي وقاص لـ عبد الرحمن بن عوف، فانحصر أمر الأمة حينئذٍ في ثلاثة وهم: عبد الرحمن بن عوف، وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، ثم تنازل عبد الرحمن لصالح عثمان وعلي بشرط أن يختار هو السابق منهما، فانحصر الأمر في عثمان وعلي وكان السبق لـ عثمان ثم من بعده علي، فعندما اختاره عبد الرحمن وبايعه بايعته الأمة في مسجد رسول الله ﷺ ، ثم لما قتل عثمان مظلوماً بايعت الأمة علي بن أبي طالب ﵁.
стр. 196
شروط الخليفة في الدولة المسلمة
فهذه الشورى إذاً هي وسيلة اختيار حكام المسلمين، فهم يختارون وفق ضوابط شرعية لابد منها، وهي شروط الخليفة، وهذه الشروط عشرة: أولها: أن يكون مسلماً، فإن كان كافراً أو منافقاً أو مشكوكاً في عقيدته، فإنه لا يصلح لهذه الإمامة.
ثانياً: أن يكون ذكراً، فلا تصح إمامة أنثى لقول الرسول ﷺ : (لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة).
ثالثاً: أن يكون حراً؛ لأنه هو الذي يتصرف في أمور نفسه وسيتصرف في أمور غيره.
رابعاً: أن يكون بالغاً؛ لأن الصبي محجور عليه فلابد من البلوغ.
خامساً: أن يكون مجتهداً في دين الله، فإن كان جاهلاً أو عالماً مقلداً لم تصح إمامته، وقد حكى ابن حزم وابن تيمية وابن عبد البر الإجماع على أن المقلد والجاهل لا تنعقد إمامته، وإنما يشترط في الإمامة أن يكون مجتهداً في دين الله.
سادساً: أن يكون عدلاً، فإن كان فاسقاً لم تنعقد إمامته؛ لأن الله شرط على إبراهيم أن الظالمين لا ينالهم عهده بالإمامة.
سابعاً: أن يكون كافياً؛ لأن هذه الخلافة ليست مقصداً وإنما هي وسيلة، ويضمن بها الوصول إلى أهداف محددة هي إعلاء كلمة الله تعالى وإعزاز دينه، وإظهار الحق، ونصرة المظلوم، وإقامة الحدود، وجهاد أهل الكفر، فإذا لم يستطع القيام بذلك لم يكن خليفة قطعاً، فلابد أن يكون كافياً للقيام بمهمته، ولهذا قال ابن بدران ﵀: إن الحاكم المسلم الذي هو تحت إدارة المشركين لا يكون إماماً للمسلمين؛ لأنه غير قادر على إنصاف المظلوم من الظالم، وغير قادر على جهاد العدو، وغير قادر على إقامة الحدود ولا على غير ذلك.
ومن هنا فإن الذين يمارسون السلطة في كثير من بلاد الإسلام عاجزون عن اتخاذ القرارات في كثير من الأمور، وإذا سئلوا عن السبب في تعطيلهم لأحكام الله واستبدالهم لها بأحكام الطاغوت، قالوا: نحن ليس لنا من الأمر شيء، فمن ليس له من الأمر شيء لا يكون إماماً قطعاً ولا يكون خليفة، من هو تحت الضغط المطلق كيف يكون إماماً وخليفة على غيره؟! الشرط الثامن: أن يكون سميعاً بصيراً متكلماً، فإن كان ناقص القوى لم تنعقد إمامته؛ لأنه لا يستطيع القيام بمصالح نفسه، فكيف توكل إليه مصالح أمة محمد ﷺ ومصالح الدين بكامله.
تاسعاً: أن يكون شجاعاً؛ لأنه إذا كان جباناً لم يستطع القيام بمهمته، ولابد لمن يتولى الخلافة أن يستشعر مسئوليته، وأن يعلم أنه النائب عن رسول الله ﷺ ، ولهذا فإن الخلافة تعريفها الفقهي: هي النيابة عن صاحب الشرع في إقامة الدين وسياسة الدنيا به.
النيابة عن صاحب الشرع، يعني: الرسول ﷺ .
في إقامة الدين وسياسة الدنيا به، أي: بالدين، فمن لا يستطيع ذلك ولا يجرؤ عليه لا يمكن أن يكون خليفة، ومن هنا تذكرون قول عمر بن الخطاب ﵁ في رجوعه من الحجة عندما وقف على ضجنان، فقال: لا إله إلا الله كنت أرعى إبلاً للخطاب على ضجنان، فكنت إذا أبطأت ضربني وقال: ضيعت، وإذا عجلت ضربني وقال: لم تعش، ولقد أصبحت وأمسيت وليس بيني وبين الله أحد أخشاه -فهذا هو مقام الخلافة-، ثم أنشأ يقول: لا شيء مما ترى تبقى بشاشته يبقى الإله ويفنى المال والولد لم تغن عن قيصر يوماً خزائنه والخلد قد حاولت عاد فما خلدوا ولا سيلمان إذ تجري الرياح له والجن والإنس فيما بينها تفد أين الملوك التي كانت لعزتها من كل صوب إليها وافد يفد حوض هنالك مورود بلا كذب لابد من ورده يوماً كما وردوا الشرط العاشر من هذه الشروط: أن يكون قرشياً، معناه أن يكون من ذرية فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة، وهذا الشرط المقصود به تحقيق هذه العصبية لدين الله ؛ وقريش اختار الله منهم النبي ﷺ ، واختارهم اختيار اصطفاء من عموم الناس، كما ثبت عن رسول الله ﷺ أنه قال: (إن الله اصطفى إبراهيم من ذرية آدم، واصطفى من ذرية إبراهيم إسماعيل، واصطفى من إسماعيل قريشاً، واصطفى من قريش بني هاشم، وجعلني من بني هاشم في المحل الأسمى، فأنا خيار من خيار من خيار ولا فخر)، فهذا الاصطفاء يقتضي اختياراً ربانياً قد لا نستشعره نحن ولا ندركه لكنه موجود، اصطفاء رباني في قريش، وهذا الاصطفاء يقتضي منهم حرصاً على الدين واستعداداً لبذل الأنفس والأموال في سبيله بخلاف من سواهم.
هذه الشروط يلزم من عدمها العدم مثل كل الشروط الشرعية؛ لأن الشرط ما يلزم من عدمه العدم ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم لذاته كالطهارة للصلاة، فإذا اختلت هذه الشروط فانتصب أي إنسان وقال: أنا خليفة، فهو بمثابة من يصلي بدون طهارة، فخلافته باطلة كما أن صلاته لو صلى بدون طهارة باطلة.
стр. 197
حق التشريع لمجلس الشورى
وهذه الدولة أسلوبها في الحكم هو الذي ذكرناه، وهو أسلوب الشورى، ومن هنا فاتخاذ القرارات بعد تعيين الخليفة وبيعته تعتمد كذلك على هذا الأسلوب، ولا يكون هذا تشريعاً لما لم يأذن به الله ولا مخالفة لشرع الله، وإنما هو اختيار لبعض الجائزات وتقديم لبعض المصالح على بعض، ولذلك فإن من يظن أن مجلس الشورى بالدولة الإسلامية ليس له حق في التشريع مخطئ في تصوره، لكن التشريع الذي أذن له فيه ليس تشريعاً بمعنى تقدير وحي أو تغييره، وإنما هو اختيار في مجالات الدنيا ومجالات الاجتهاد ومجالات الرأي، فيمكن أن يقدم ساسة الدولة مثلاً: الزراعة على الصناعة أو الصناعة على الزراعة، أو أن يوافقوا على اتفاقية معينة، أو أن يقدموا مشروعاً معيناً في الوقت والتمويل على غيره وهكذا، فهذا هو معنى ما لمجلس الشورى من الحق في التشريع.
стр. 198
الفرق بين الديمقراطية والشورى
وكثير من الناس يلتبس عليه هذا الأسلوب -الذي هو أسلوب الدولة الإسلامية في الحكم وهو الشورى- بأسلوب الديمقراطية، والديمقراطية كلمة يونانية في الأصل يقصد بها حكم الجمهور، أو أن يكون الحكم عاماً يشترك فيه كل الناس، وهذه الفكرة تقتضي أن يكون الناس جميعاً سواسية مشتركين في اختيار أسلوب الحكم، وفي اختيار من يحكمهم، وهذا مخالف للشرع؛ لأن الشرع حدد أسلوب الحكم كما ذكرنا وهو الشورى، وحدد كذلك شروط الحاكم، فإذا تغاضى الناس عن هذه الشروط لم يبحها ذلك.
وكذلك فإن الشرع لم يجعل لكل إنسان حق التصويت والاختيار في أمر المسلمين، وإنما قصر ذلك على الذين يمكن أن يقوموا بأمر عامة المسلمين، وهم الذين اتصفوا بثلاثة شروط: بالعلم.
والعدالة.
وجزالة الرأي.
فهذه الشروط الثلاثة لأهل الاختيار الذين لهم الحق في المشورة، وأن يختاروا من يقوم بأمر المسلمين، وقد قال مالك ﵀: لا أرى اليوم تجتمع في واحد، فإن لم تجتمع فورع عاقل، فبالعقل يسأل، وبالورع يكف أو يعف.
ويمكن أن يطبق هذا أيضاً على شروط الخلافة، فإذا عدم المتأهل والمتحقق والمتصف بكل الشروط، فلا يمكن أن تعدم دولة الإسلام ولا أن يعدم من يقوم بها، بل يختار الأمثل فالأمثل، ومثل هذا في القضاء، فإن القضاء يشترط لمن يقوم به عدة شروط وكذلك الإمامة.
لكنه عند فقد من تتحقق فيه هذه الشروط كلها يعدل إلى الأكفاء.
فالأكفاء، ولذلك يقول خليل ﵀ بعد ذكره لشروط القضاء: (مجتهد إن وجد وإلا فلأمثل مقلد، وزيد للإمام الأعظم قرشي)، وقوله: (فلأمثل مقلد) معناه: إذا لم يوجد مجتهد فحينئذٍ يعدل عنه إلى أمثل مقلد، ومعناه: أدراه بالأدلة وأدراه بالمذاهب وأحسنه بصيرة وأحسنه عقلاً وإن كان مقلداً، فالمقلد لا تتوفر فيه هذه الشروط، ولكنه أحسن من غيره إذا عدم من سواه.
стр. 199
الفرق بين الديمقراطية في الغرب والديمقراطية في العالم الثالث
ثم إن الديمقراطية بعد أن كانت فكرة يونانية في الأصل تداولتها الأمم والحضارات، واختلف تطبيق الناس لها من طور إلى طور، واختلفت تأليفاتهم لها من وقت إلى وقت، وفي زماننا هذا ليست الديمقراطية ديمقراطية واحدة بل هي ديمقراطيتان: ديمقراطية غربية.
وديمقراطية في بلدان العالم الثالث.
أما الديمقراطية الغربية فإنها تقوم على أساس العدالة الاجتماعية في توزيع الفرص بين الناس، وعلى أساس أخذ الرأي المشترك، وعلى أساس التداول على السلطة عن طريق التصويت، وعلى أساس تحديد ركائز الحكم وأركانه، وتحديد الصلاحيات للحاكم في كل أمر يقوم به، وهي بهذا المعنى خير الأنظمة الفاسدة، ففيها مزايا تكون بها خيراً من الاستبداد، وخيراً من اغتصاب الحقوق من الناس، وخيراً من الظلم السافر، فهي خير أنظمة الحكم الفاسدة، فمن أجل هذا قد يضطر إليها المسلمون في حال من الأحوال، أو يضطرون إلى المشاركة فيها، فيكون هذا من باب ارتكاب أخف الضررين والحرامين، وهو جائز لقول الله تعالى: ﴿وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام:١٠٨]، ولقوله تعالى حكاية عن لوط ﵇: ﴿هَؤُلاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾ [هود:٧٨]، فإن تزويج الكافر بالمسلمة محرم ولكن الاعتداء على الملائكة أعظم منه وأشد حرمة، فلذلك بدأ بالحرام الذي هو أقل حرمة، وقدمه على الحرام الذي هو أشد منه.
وكذلك فإن رسول الله ﷺ عرض على بني غطفان عام الأحزاب أن يرجعوا عنه وأن يعطيهم ثلث ثمار المدينة، وإن كان محرم على المسلمين أن يدفعوا أموالهم لأعدائهم الكافرين ليستعينوا بها على قتالهم، لكنه من ارتكاب أخف الضررين والحرامين، فإذا اضطر إليها المسلمون وعجزوا عن إقامة الأسلوب الإسلامي للحكم فهي أحسن الأساليب الأخرى غير الإسلامية.
أما الديمقراطية لدى العالم الثالث فتختلف عن الديمقراطية الغربية، وسأبين بعض أوجه الاختلاف: فالديمقراطية في العالم الثالث هي عملية تجميل للاستبداد والغصب والغش والتزوير، وتظهر على أنها قائمة بأسلوب الديمقراطية وأنها مشاورة للناس، وأن كل الناس يشتركون فيها، ومن أجل هذا تطبل لها الطبول ويجتمع حولها الناس، ويظنون أنهم يتشبثون بشيء أو أن لهم شيئاً من الأمر، والواقع خلاف ذلك، وإنما يخدع بها ضعاف العقول وضعاف الثقافة، والذين لم يروا الديمقراطية على وجهها في البلدان التي طبقت فيها، ومن هنا فهذه العملية عملية التجميل لا تنطلي إلا على البلهاء البلداء، فهم الذين يظنونها ديمقراطية وينخدعون بها، وإلا فما هي إلا استبداد سافر وتزوير صارخ، وأخذ لأموال الناس وإهدار للطاقات في غير فائدة.
ونتائجها محسومة في البداية، وأسلوبها محدد من قبل، والإنسان فيها لا يصوت حسب قناعته، وإنما يصوت خوفاً أو طمعاً، وليس فيها أي عائد راجع إلى الأمة، فالذي يصوت لا يعتبر نفسه مؤدياً خدمة للأمة، ولا محققاً لهدف من أهدافها، ولا محافظاً على شيء من كرامتها أو كيانها، وإنما يعتبر نفسه مناصراً للشخص الفلاني ليكون هو الممسك بزمام الدولة الفلانية، أو الممسك بزمام ابادية الفلانية أو غير ذلك من الأمور.
ومن هنا تجدون الصراع الذي فيها يختلف تماماً عن الصراع في الديمقراطية الغربية، الصراع في الديمقراطية الغربية ليس على أساس البهرجية والأصوات والأغاريد والأغاني، وإنما هو على أساس البرنامج الذي يتعهد به المترشح، فالمترشح يشرح برنامجه ولا يبالغ ولا يعد الناس وعوداً كاذبة؛ لأنه يعلم أنه ستسجل عليه هذه الوعود وستناقش، فيسجل الوعود التي يستطيع الوفاء بها من خلال الصلاحيات الممنوحة له.
وأنتم تعلمون البرامج التي تشاع في العالم الثالث بالديمقراطية، فإن كل إنسان يأتي ويعد الناس بأنه سينقلهم من دار الفناء إلى دار البقاء، ويحملهم إلى الجنة، أو أنه سينتقل بهم نقلة حضارية عجيبة، لكن أين وسائلها؟ أين المال الذي سيوظف به الناس ويجعل لهم فرصاً للعمل؟ أين المال الذي سيبني به البنى التحتية؟ هذه أمور لا يفكرون فيها، وأين الرجال الذين سيقومون بهذه المصالح؟ المترشح فرد وهو المستفيد ولا ينظر إلى من حوله، وإنما يختار من ناصره فقط، يختار من يقول: نعم، ولا يدني من يقول: لا.
أما لدى الغربيين فإن الناس إنما يصوتون على أساس البرنامج الانتخابي المقدم، ليس على أساس معرفة ولا علاقة شخصية ولا مصالح شخصية، بل يقدمون مصالح بلادهم على مصالحهم الشخصية، ولذلك تجدون المهزوم يسلم مفاتيح القنابل الذرية للناجح الذي انتخب مكانه بكل رحابة صدر، وهو بيده مفتاح القنابل الذرية، وكان بالإمكان أن يفني خصومه في لحظة، ولكنه اقتنع بهذا الأسلوب واقتنع بمصلحة هذا البلد وبكيانه، ودخل ذلك في مخه وتفكيره، فيرجع هو ويأخذ سيارة التكسي، ويعمل في أي وجه من وجوه الاكتساب.
بخلاف الديمقراطية في بلدان العالم الثالث، فمن وصل إلى الحكم لا يمكن أن يتركه بوجه من الوجوه، سيستمر فيه إلى أن ينقل إلى قبره؛ لأنه يمسك مفاتيح الأبواب كلها، فيوصد الأبواب التي لا توصله هو إلى مقتضاه وما يبتغيه، ويفتح الأبواب التي توصله إلى مقصوده فقط، ولذلك قوانين الانتخابات، وتوزيع الدوائر، وتوزيع الأصوات، وشروط الناخبين، هذه كلها يتحكم فيها الذي يريد أن يجعلها وفق ما يضمن له النجاح.
أما في بلدان الغرب فهذه متفق عليها مسبقاً، ولا يمكن أن يقع فيه تبديل ولا تغيير إلا بموافقة الجميع.
وأيضاً حتى الحملة الانتخابية التي يقومون بها تكون منضبطة بأخلاق، ليس فيها تبذير ولا إتلاف أموال؛ لأن الذي يريد الترشح يعرف أنه لو وصل إلى الحكم، أو لو وصل إلى البلدية، أو لو وصل إلى أي وظيفة يراد التنافس عليها، فإن تلك الوظيفة لن تدر عليه مطراً من الذهب، وإنما له راتب محدد يعرفه، وهذا الراتب لا يمكن أن يفي بتمويل هذه الحملات المكلفة جداً، فلذلك يقتصر في الحملات على شرح برنامجه الانتخابي في أماكن وجود السكان، وفي مكان الكثافة السكانية وأماكن المثقفين، واستغلال وسائل الإعلام في ذلك.
لكن نظراً لأن وسائل الإعلام قد تكون مكلفة فإن الدول الغربية تدعم المترشحين بما يكفل لهم التغطية الإعلامية، وتتيح الفرص متساوية أمام كل المرشحين، بخلاف بلدان العالم الثالث فإن المنافس ستكتم أنفاسه ويكمم فمه، ولا تتاح له أي فرصة للتعبير عن برنامجه أو عن رأيه.
كذلك: الديمقراطية الغربية لا تقتضي حصول الشحناء والبغضاء، وإنما تقتضي التنافس النظيف الذي يقوم على أساس الوازع والضمير الوطني والضمير المهني، ومستعد لأن يكون تحت طائلة المساءلة، فإذا اكتشفت عليه أي فضيحة تجده مستعداً لأن يقدم استقالته وأن يتنازل عن الحكم، وإذا حصل عليه ضغط وعرف أن الناس لا يريدونه فإنه سيتنازل عن الحكم طائعاً، بخلاف بلدان العالم الثالث فلا يمكن أن يتخلى فيها عن الحكم، حتى لو علم أن الناس جميعاً يكرهونه غاية الكراهة، أو أنهم جميعاً مظلومون أو مضطهدون يشعرون بأنهم قد صودر منهم حكمهم، وصودرت منهم أرزاقهم، وصودرت منهم فرصهم ولم يعدل بينهم فيها.
إن أسلوب الديمقراطية مع الأسف ينخدع به كثير من الناس إذا قرءوا عنه في الكتب أو رأوه تطبيقاً في بلاد الغرب، فيظنونه هو نفس الديمقراطية التي تطبق في بلاد العالم الثالث، لكن الغربيين يعرفون الفرق بين الأمرين ويقولون: هذه الديمقراطية التي تصلح للغرب؛ لأنه على مستواها، وهذه التي تصلح للعالم الثالث؛ لأنه على مستواها، فهم يكيلون بمكيالين، المكيال الذي يكال به للفقراء والضعفاء غير المكيال الذي يكال به لشعب الله المختار من المثقفين والأغنياء.
ومن هنا يساعدون من يحمون مصالح الغرب في بلدان العالم الثالث بكل ما يحتاجون إليه، وتعرفون الانقلابات العسكرية التي يقوم بها الغربيون لصالح من يكفل لهم مصالحهم، ويقوم على رعاية مصالحهم في بلدان العالم الثالث، والسعي الحثيث الذي يسعونه للإطاحة بكل من بدر منه أي مخالفة أو أي عدول عن تحقيق المصالح الغربية.
وكذلك: الديمقراطية الغربية لا تقتضي حصول الشحناء بين الشعوب، فالشعوب المتنافسة لا يقع بينها حمل السلاح، ولا يقع بينها التهاجي والتقاذف بالكلام، بل يلقى هذا الشخص إنساناً آخر بكل ابتسامة وهو يعلم أنه سيصوت ضد من يختاره هو ومن يصوت له، بل قد تكون الأسرة الواحدة أبوها من أنصار أحد المرشحين، وأمها من أنصار أحد المرشحين الآخرين، وأحد أولادها من أنصار مرشح ثالث وهكذا، وكثير ما يقع هذا في البلدان الغربية.
بخلاف العالم الثالث فكثيراً ما يؤدي الاختلاف السياسي إلى إراقة دماء، وكثيراً ما يؤدي إلى السب والتهاجي، وكثيراً ما يؤدي إلى الضرب والشتم، ثم يؤدي إلى البغضاء الدائمة، مع أن هؤلاء الذين يتضاربون أو يتهاجون أو يتقاتلون ليس لهم من الأمر شيء، إنما باعوا آخرتهم بدنيا غيرهم.
стр. 200
تميز الدولة في الإسلام بأنها تهدف إلى تحقيق غاية
ومن ممزيات دولة الإسلام: أنها دولة تريد تحقيق غاية، والوصول إلى هدف، أما الدول الغير إسلامية فليس لها غاية ولا هدف، إنما تريد إشباع أكبر قدر ممكن من الرغبات والاتساع في اتباع الشهوات، دون أن يكون وراء ذلك أية محاسبة، فمن تولى الحكم في أي بلد من البلدان بغير حكم الله تعالى -كالحال في حكام المسلمين اليوم- فإنه لا ينظر إلى مصالح هذه الأمة، التي هي أمانة في عنقه وسيسأل عن كل أمورها، ولا يستحضر أنه هو المسئول شرعاً بين يدي الله سبحانه وتعالى عما يصيبها.
بخلاف الحاكم في دولة الإسلام، فإنه يستشعر هذه المسئولية، كما كان عمر بن الخطاب ﵁ يقول: والله إني لأخشى أن يحاسبني الله إذا عثرت البغلة في الليلة الظلماء في سواد العراق لماذا لم أعبد لها الطريق؟ وكذلك كان يحرس بنفسه ويتولى الأمور بنفسه.
وهكذا الخلفاء الراشدون ﵃ يقومون بهذه المصالح بأنفسهم، فـ عثمان بن عفان هو الذي يعلم الناس الوضوء على باب المسجد، وهو الذي يعلمهم القرآن في الثلث الأخير من الليل في المسجد، وهو الذي يخطبهم على المنبر، ويؤمهم في الصلوات ككل الخلفاء الراشدين.
وعلي بن أبي طالب رضي الله أيضاً هو الذي بيده مفاتيح المسجد، وهو الذي يقمه بردائه، وهو الذي يوزع بيت المال بنفسه، ويقود الغزو بنفسه، وكل الأمور يباشرها بنفسه؛ لأنه لا يريد من وراء هذه الدولة ولا هذا الحكم أن يصل إلى رغبات شخصية أو شهوات لنفسه، وإنما يريد الوصول إلى أهداف كبرى، هي خدمة دين الله تعالى وإعلاء كلمته، ووصول كل أحد إلى حقه ومستحقه مما خصه الله به.
كذلك: من خصائص دولة الإسلام أنها تسعى لاستغلال ما في هذه الأرض من الخيرات وإيصالها إلى الناس، وإلى جمع كلمتهم وعدم تفرقهم، وتتبنى مسائل المسلمين وقضاياهم المختلفة، وتناصرهم في أي مكان كانوا، ولا تقتصر على حدود يحددها أعداؤها، فهذه الحدود التي دخلت في كيان الناس وأصبحت محترمة لديهم معتبرة، ما هي إلا من اصطناع أعدائهم، وما قصدوا بها إلا تفريق كلمتهم وتشويه صورتهم، فما الفرق بين غامبيا وزجانشور مثلاً؟ ما الذي جعل زجانشور وهي في جنوب غامبيا تابعة للسنغال وأخرج غامبيا وهي شريط ضيق داخل أرض السنغال من هذه الدولة؟ إن المستعمر هو الذي يقطع هذه القطع، ولذلك لم يترك بين بلدين من بلاد الإسلام حدوداً واضحة، وإنما يرسل بعثات متتالية كل بعثة تخط خطاً، وتأتي البعثة التي بعدها فتخط خطاً مغايراً حتى تقع مشكلة، ويترك منطقة محايدة بين البلدان لتكون مشكلة في المستقبل مثل قضية الصحراء، ومثل قضية الحدود في الجنوب، ومثل قضية الشرق، ومثل المشكلات في أي مكان من أنحاء العالم الإسلامي.
стр. 201
تميز دولة الإسلام بقيامها على مشروع
كذلك من مميزات دولة الإسلام أنها دولة تقوم على مشروع، فلا يمكن أن تقام بمجرد قرار، ولا بمجرد انقلاب عسكري، ولا بمجرد تغيير خفيف؛ لأنها مشروع حضاري يحتاج إلى الإعداد واتخاذ قوة، يحتاج إلى ذلك في أصل نشأته، ويحتاج إليه بعد ذلك في الحفاظ عليه، كثير من الناس يتصور أن الدولة إنما هي مثل قصر، له حراس وله سجن وله أبواق إعلامية، ويظن أن هذه هي الدولة.
لكن التصور الإسلامي مختلف عن هذا، فالدولة لابد أن تكون قائمة على بُنى ثابتة، وأن يكون لها أهداف واضحة، وأن تكون لها ميزات تخصصها عن غيرها، ومن هنا فلا يمكن أن تقام دولة الإسلام إلا إذا أعد لها الإعداد الكامل في مختلف المجالات، إذا جاءت أجيال مستعدة لتحمل مسئولية هذه الدولة وللدفاع عنها حتى تقوم، ثم بعد ذلك يحافظ عليها بعد أن تقوم لأجل ألا تسقط، ولابد أن يشارك فيها أهل الاختصاصات المختلفة، ولابد أن ترعى مصالح المسلمين في مختلف الميادين، وأن تكون قائمة على فكرة واضحة، وألا تكون مجرد تخبط سياسي يتخبط فيه الساسة، فتارة مع هؤلاء وتارة مع هؤلاء، ينسلخون من هذا التحالف اليوم ليدخلوا في تحالف آخر، ثم ينسلخون من ذلك التحالف إلى تحالف ثالث، فهذا التذبذب غير مقبول في دولة الإسلام، ولابد أن تكون معالم سياستها بارزة واضحة للجميع، ولابد أن يتخذ لها كل الوسائل لقيامها ولاستمرارها بعد ذلك.
стр. 202
تميز الدولة الإسلامية بالبيعة
ومن ميزات دولة الإسلام -كذلك- في العلاقة بين الراعي والرعية: البيعة، وهذه البيعة هي في الأصل بيعة مع الله على نصرة دينه وبذل النفس والمال في سبيل ذلك، وهي التي بايع الله عليها كل المؤمنين في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة:١١١].
وهذه البيعة لابد أن يمثل الجانب الديني فيها طرف يأخذ الشروط الشرعية على من يبايعه، وقد نصب الله لذلك رسوله ﷺ ، وأمره ببيعة من يبايعه على الشروط التي حددها، لكنه أخبر أن تلك البيعة ليست مع الرسول ﷺ وإنما هي مع الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح:١٠]، فهي إذاً عهد على السمع والطاعة في المعروف وعلى نصرة الحق، وهي كذلك رباط روحي يجمع المرتبطين به على نصرة دين الله ، وتختلف أساليبها باختلاف ما يحقق المصلحة.
فقد بايع رسول الله ﷺ الأنصار بالعقبة بيعة النساء، التي حدد الله شروطها في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلا يَسْرِقْنَ وَلا يَزْنِينَ وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الممتحنة:١٢].
وبايع رسول الله ﷺ الأنصار أيضاً بعد الهجرة، ثم بايع أصحابه قبل الخروج إلى بدر على القتال، ثم بايع المؤمنين يوم الحديبية على الموت، وقد بايع أفراداً من أصحابه على شروط مخصوصة، مثل ما ثبت في الصحيحين عن جرير بن عبد الله البجلي ﵁ قال: (بايعت رسول الله ﷺ على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة فشرط علي: والنصح لكل مسلم)، وكذلك بايع عشرة من أصحابه على ألا يسألوا أحداً شيئاً، فنوع رسول الله ﷺ طرق البيعة، وجعل بيعته للرجال عن طريق المصافحة أو عن طريق الالتزام العام.
وبيعته للنساء قال فيها: (إني لا أصافح النساء وإنما مقالي لمائة امرأة كقولي لامرأة واحدة)، ونوعها أيضاً فقد كان يغمس يده في إناء فيه ماء فيغمس النساء أيديهن فيه بعد أن يرفع رسول الله ﷺ يده وذلك للتبرك؛ لأن النساء يغبطن الرجال على ملامسة يد النبي ﷺ لما فيها من البركة، فجعل لهن بديلاً وهو أن يغمس يده في الإناء الذي فيه الماء، ثم تغمس كل امرأة يدها فيه للتبرك من يد رسول الله ﷺ التي لامست ذلك الإناء.
ثم لما جاء أبو بكر ﵁ طور هذه البيعة فبايعه الناس بسقيفة بني ساعدة البيعة الخاصة، وبايعوه بالمسجد البيعة العامة، وطورها أيضاً تطويراً جديداً حين عهد بالخلافة إلى عمر، ثم طورها عمر تطويراً جديداً حين تركها في ستة توفي رسول الله ﷺ وهو عنهم راض، فدلنا هذا على أنها ليست مقصورة على أسلوب واحد، وإنما تتنوع بحسب ما تؤدي إليه المصلحة المقصودة، وما لم يخالف ذلك حكماً شرعياً فهو مقبول شرعاً.
وهذه البيعة ترفع الوعيد الثابت عن رسول الله ﷺ في قوله: (من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية) والحديث في صحيح مسلم، فإذا بايع الإنسان هذه البيعة منعه ذلك من النكث، ولا يحل له أن ينكث حتى يرى كفراً بواحاً له عليه من الله برهان، كما صرح بذلك رسول الله ﷺ .
وقد أجمعت الأمة على وجوب إقامة دولة الإسلام، ووجوب بيعة الخليفة، ونصبه، وفي ذلك يقول المقري ﵀: والنصب للإمام بالشروط حتم بشرع بالهدى منوط فهذا أمر حتم لابد من أدائه.
стр. 203
حال الدولة في المغرب مع الخلافة الإسلامية
وإن أهل هذه البلاد نظراً لظروفهم التي عاشوها، وتخلفهم الحضاري وانقطاعهم في هذه الصحراء، قد تساهلوا فيما يتعلق بأمر الدولة وقيامها، فلم يكن لهم اتصال بالخلافة العباسية التي كانت في المشرق، ولا بالخلافة الأموية التي كانت في الأندلس، وإنما فتحت هذه البلاد في أيام بني أمية عندما كانوا خلفاء المسلمين بدمشق، وقام بفتحها عقبة بن نافع ﵁، وبقيت تابعة للخلافة زماناً، مع أنها لا تجد أية صلة بها.
فلما كان في أواسط القرن الرابع الهجري قامت فيها زعامات قبلية، اتفقت بعض قبائلها على تداول السلطة بينها، فيحكم تلك القبائل قائد قبيلة معينة، ثم يسلمها في آخر عمره لقائد قبيلة أخرى، حتى وصلت إلى رجل اسمه تاشتا محمد فأسلمها لرجل فيه صلاح وورع وهو يحيى بن إبراهيم الإبدالي من قبيلة إبدالة، فخرج هذا إلى المشرق ليرى حال المسلمين ويريد الحج، ومر في طريقه ببعض البلدان التي فيها حضارات إسلامية ومنها القيروان، فأعجب بما عليه الناس، فسأل أبا عمران الفاسي أن يوجه معه من يعينه على حكم هذا البلد حكماً إسلامياً، فلم يجد عنده من يستعد لذلك، فكتب له رسالة إلى أحد تلامذته وهو وقاق بن زلو المنفي بالمغرب، فاختار له من بين تلامذته الإمام عبد الله بن ياسين لما وجد فيه من الإخلاص والحركة والنشاط، فجاء عبد الله بن ياسين وأقام الرباط، وأقام أول حركة إسلامية عرفت بالتجديد والإصلاح بعد سقوط الخلافة، فربى الناس تربية مخصوصة، وأقام دولة استطاعت أن تجاهد في سبيل الله، وأن تقيم حدود الله، وأن تعين المظلومين، وأن تعدل في تقسيم الغنائم وغير ذلك، وقامت على أساس دعوة عبد الله بن ياسين دولة المرابطين.
ولكنها بعد سقوطها رجع الناس إلى الفوضى وإلى الحكم القبلي العشائري، واستمروا على ذلك أزمنة طويلة، لكنهم في كل زمان يظهر فيهم من أهل العلم والصلاح من يدعو لإقامة دولة الإسلام، ومن يستنكر الوضع الذي يعيشونه، فهذا الشيخ محمد رحمه الله تعالى يستنكر ما فيه أهل زمانه من ترك إقامة دولة الإسلام وبيعة الخليفة فيقول: أزيلوا الغرب قبل قيام عيسى لعل الله ينعشه سنينا فيخرج قائم بالعدل منكم فلستم بعده تتقاتلونا وينفي ظلم بعضكم لبعض وبالحد المقام تطهرونا إلى أن يقول فيها: أما تدرون كل بني تميم من الصخر العظيمة يحملونا ويعجز بعضهم عنها وليسوا إذا اجتمعوا عليها يعجزونا كذلك أنتم حيث اجتمعتم على نصب الخليفة تقدرونا ويقول فيها: وقلتم لا جهاد بلا إمام نبايعه فهلا تنصبونا وقلتم لا إمام بلا جهاد يعززه فهلا تضربونا إذا جاء الدليل وفيه دور كفى ردعاً لقوم يعقلونا ويقول فيها: لتمتثلن أو لأكفرنكم كحسان العلى حين تكفرونا وكذلك.
﵀ فإنه أيضاً دعا لمثل هذا حين رأى الفساد الذي في زمانه، وخلد ذلك في قصائده المشهورة، ومنها قوله: حماة الدين إن الدين صارا أسيراً للصوص وللنصارى فإن بادرتموه تداركوه وإلا يسبق السيف البدارا ولكنه مع الأسف سبق السيف العذل، فجاء المستعمرون فأخذوا على الناس أزمة الأمر، دون أن تقام دولة إسلامية في هذا البلد مع أنه كان مهيئاً لذلك، فقامت فيه عدة محاولات بعد المرابطين كمحاولة الزوايا المشهورة بمحاولة ناصر الدين، لكن المستعمر كان لها بالمرصاد فأفشلها وأسقطها، وأيضاً من أسباب سقوطها عدم تثقيف الناس بها، وابتعادهم عن فهم معنى الدولة مما جعلها لا تعتمد على بناء تستطيع به الصمود والاستمرار، بل فهمها الناس فهماً خرافياً، فهموا الدولة كلها والتنظيم الذي قام والجهاد الذي أسس فهماً خرافياً، وحتى الذين كتبوا عن تاريخه لم يخل أكثرهم من هذا الفهم الخرافي.
ثم بعد هذا -عندما جاء المستعمر- وجد أهل هذه البلاد أنفسهم مضطرين للتعامل مع هذه المستعمر، حين فرض عليهم نفسه بالقوة، فلم يفهموا الدولة والنظام إلا عن طريق المستعمر، والمستعمر إنما كان يحكمهم بالحديد والنار، ولكنه مع ذلك كان ألطف وأرفق من كثير من الأحكام التي تعاقبت بعده، فهو على الأقل لم يتدخل في شئون الأفراد ولا في شئون الدين المختصة، وكان يرجع في كثير من الأمور إلى الفقهاء، وقد نصب بعضهم قضاة بين الناس حين تراضى الناس عليهم، بخلاف كثير من الأحكام الخالفة للاستعمار.
وهذا الحال أيضاً نجده في البلدان الإسلامية الأخرى، فلا فرق، فحالها واحد، لكن الأمة بكاملها تشعر بوجوب وضرورة إقامة دولة للإسلام تتميز بالميزات التي ذكرناها وبما سواها، وتتخلى عن هذه الصفات الذميمة المشوهة التي تجمع أنواع التشويه، ولا تتصف بصفة من صفات الاستقامة والعدل.
وهي تعلم أن طريقة ذلك لا تتم إلا بالإعداد الكامل وحشد كل القوى وتهيئتها، فلو أنها دعيت لأن تستلم بلداً من البلدان، وأن تقيم فيه دولة الإسلام، فإنه ينبغي أن تعلم أن ذلك لا يمكن أن يتم على هذا الوجه؛ لأن دولة الإسلام لا تقام حتى يعد لها كثير من الإعداد، وحتى يُهيأ لها حكام وولاة، وحتى يهيأ لها اقتصاديون وسياسيون واجتماعيون، كل مرتبط بالإسلام ومنطلق منه في ثقافته ووعيه، ومتشبع بالحضارة الإسلامية، ومتشبع بأصول الدولة الإسلامية التي قامت، ومنفصل عن تراث زمان الفوضى والتسيب، وعن تراث الاستعمار المقيت البغيض، فما لم يتم هذا لا يمكن أن تقام الدولة الإسلامية التي أوجب الله علينا إقامتها.
أقول قولي هذا، وأستقبل الآن بعض أسئلتكم.
стр. 204
الأسئلة
стр. 205
حكم إثبات العين والقدم والرجل لله تعالى
السؤال
إن بعض أهل العلم أثبتوا لله العين والقدم والرجل وبعض الصفات الأخرى، فما هو صواب هذا القول في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ؟
الجواب
أن الله لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير، وأنه لا يمكن أن يكون له مثل لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]، فلا يمكن أن يعرف إلا عن طريق الخبر، وقد أخبرنا عن نفسه بهذه الصفات، فنحن نؤمن بها كما أخبر الله ، وهذا واجب على كل مسلم، ومع هذا يجب عليه أن يؤمن بأنها لا تشبه صفات المخلوقين، وأن الله له ذات لا تشبه ذوات المخلوقين، فكما له ذات لا تشبه ذواتهم، فكذلك له صفات لا تشبه صفاتهم، والقول في الصفات كالقول في الذات، والقول في بعض الصفات كالقول في بعضها.
стр. 206
قول الصاوي بأن الأخذ بظواهر الكتاب والسنة أصل من أصول الكفر
السؤال
ما صحة قول الصاوي بأن الأخذ بظواهر الكتاب والسنة أصل من أصول الكفر؟
الجواب
أن هذا الكلام غير صحيح أصلاً، وهو أيضاً مع ذلك غير أديب؛ لأن الله لم يرسل إلينا الرسول ﷺ بالألغاز، وإنما أرسله إلينا بالوحي المبين الواضح الميسر للذكر، الذي قال فيه: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر:١٧]، ولم يكن ليسر إلينا بأمور لا نفهمها ولا تصل إليها عقولنا، والخلط والغلط يحصل فيما يتخيل الإنسان أنه ظاهر النص وليس كذلك، فمثلاً: كثير من الناس إذا سمع إثبات صفة من صفات الله انطبع في ذهنه اتصاف المخلوق بذلك، فدعاه هذا إلى التشبيه والتجسيم، وهذا ليس هو ظاهر الآية، وإنما هو التصور الذي في ذهنه هو فقط، فذلك الغلط من فهمه هو لا من النص، ومن أجل هذا يجب عليه أن يعلم أن الذي فهمه غير معنى الآية وغير ظاهرها، وفهمه اتصاف الخالق بصفة المخلوق على هيئة اتصاف المخلوق بذلك، مخالف لمعنى النص ومخالف لظاهره.
стр. 207
حكم قسم الداخلين في البرلمان على حماية الدستور والقانون
السؤال
الذين يدخلون البرلمان يقسمون على حماية الدستور والقانون، أليس ذلك تحاكماً إلى الطاغوت؟
الجواب
لا، هذا من باب الضرورات وقسمهم لا يلزمهم، بل هو مثل أيمان البيعة التي كانت في زمن بني أمية وبني العباس، وقد قال فيها مالك ﵀: ألا لا طلاق بإغلاق، ألا إن أيمان البيعة غير لازمة، وعندما أراد العباسيون تعزيره على ذلك أركبوه حماراً وطافوا به في المدينة وجلدوه سبعين سوطاً، فجعل إذا مر بملأ يقول: من كان يعرفني فقد عرفني ومن كان لا يعرفني فأنا مالك بن أنس: ألا لا طلاق بإغلاق، ألا إن أيمان البيعة غير لازمة.
стр. 208
حكم المشاركة في المجالس النيابية والبرلمانية
السؤال
في كلامكم عن الفرق بين الشورى والمجالس المؤسسة على ضوء الانتخابات الديمقراطية، هل يمكن أن نستنتج الفرق بينهما من خلال كون مجلس الشورى الحكم فيه ليس للأغلبية، بل على أساس ما رأى أمير المسلمين من المصلحة في الرأي الذي رجحه حتى ولو كان القائل به فرداً واحداً، بينما المجالس البرلمانية الحكم فيها للأغلبية، وهل دخول الإسلاميين المجالس البرلمانية جائز مادام الحكم فيه للأغلبية؟
الجواب
أن هذا الفرق الذي ذكر هنا ليس هو المقصود، وما قصدناه، بل ليس لأمير المؤمنين -الخليفة- أن يخالف رأي مجلس الشورى إذا اتخذ قراراً في أمر هو من تخصصه؛ لأنه يجب احترام التخصصات في هذا الباب، وليس قول أحدٍ ملزماً إلا قول رسول الله ﷺ وحده؛ لأنه هو المعصوم ومن خالفه خالف النص والوحي، لكن من سواه لابد أن تقيد صلاحياته حتى لا يقع الاستبداد المطلق، ومن هنا فإنه لو بويع خليفة للمسلمين لابد أن يكون بإزائه مجلس للشورى يتخذ القرارات الحاسمة، ويبت في الاقتراحات والتوصيات، ويحدد الأسلوب الذي تدار عليه الأمور، فيكون الخليفة حينئذٍ سلطة تنفيذية، ولا مانع من أن يشارك في السلطة التشريعية وأن يكون عضواً فيها، لكن لا يمكن أن يستبد بها.
وبالنسبة للأغلبية: فالعدول إليها شرعاً إنما هو في الأمور الدنيوية المحضة، إذا لم يستطع أحد الأفراد أن يقنع الآخرين برأيه لا من ناحية الدليل ولا من ناحية المصلحة، فحينئذٍ لا مانع من الأخذ بالأغلبية بأن ينظر إلى ما عليه أغلب الناس، ومن هنا فإن دولة الإسلام لا يرضى فيها بأن يكون الخليفة مسخوطاً لدى أغلب الناس، فإذا كان الخليفة لا يرضاه أغلب الناس خليفة، فإنه بذلك ينبغي أن يستقيل من الحكم وألا يأخذ به.
أما حكم المشاركة في المجالس النيابية والبرلمانية فإننا ذكرنا أنه من ارتكاب أخف الضررين والحرامين، وقد يتعين في بعض الأحيان فيكون واجباً إذا كان فيه مصلحة راجحة للمسلمين، وفيه رفع ضرر واضح عنهم.
стр. 209
واجب المسلم تجاه أنظمة الحكم الديمقراطية والانتخابات
السؤال
ما هو واجب المسلم اليوم تجاه الحكام الذين يحكمون البلاد الإسلامية وديمقراطيتهم، على ضوء ما ذكرتم في معرض حديثكم عن شروط من ولي أمر شعب من شعوب هذه الأمة، وهل يلزم المسلم أن يقاطع جميع أنواع الانتخابات، وهل لهؤلاء الحكام من طاعة على المسلمين، وكيف تكون المواجهة ضد الأنظمة؟
الجواب
هنا عدد من الأسئلة، السؤال الأول فيما يتعلق بموقف المسلم: فإن موقف المسلم واضح، وهو ما شرط الله عليه: أن يكون ولاؤه لله تعالى ونصرته له، وألا يعدل عن ذلك، وألا يختار به عرضاً من الدنيا، وإذا كان الحامل له على ترك مسئوليته الخوف فالله أحق أن يخشى: ﴿وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ [الأحزاب:٣٧]، والله تعالى يقول: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:١٧٥]، ويقول: ﴿فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [المائدة:٤٤].
وعلى هذا فإنه يجب عليه السعي من أجل التغيير، تغيير عقليات الناس وإصلاح الأحكام الموجودة، وهذا أيسر وأسهل، وإذا امتنعت عن الإصلاح فلا يمكن أن يستسلم لها، بل لابد من تغييرها هي أيضاً، لكن لابد أن يكون ذلك بوسائل شرعية، ولابد أن تكون الوسائل أيضاً مضمونة ليس فيها حيف ولا جور ولا ظلم، ولا تجاوز لحدود الله بأي وجه من الوجوه.
أما موقف المسلم من الديمقراطية: فإن الديمقراطية أمر واقعي يعيشه المسلمون، قد فرض عليهم في ديارهم لم يخرجوا للمطالبة به، ولو طالبوا به لم يعطوه، ولكنه أسلوب فرضه الغربيون على مستخلفيهم في ديار المسلمين، فأصبح واقعاً يعيشه الناس، فإما أن يعتزلوه ويتركوه فيكون هذا تمكيناً لأعدائهم من السلاح الذي يقتلونهم به، فيكونون حينئذٍ مهمشين لا دخل لهم في هذه الحياة، ولا يستشارون على أي شيء، ولا يشاركون في أي شيء، وتتمحض الكلمة للباغي، وهذا ممنوع شرعاً.
فلابد أن يحاولوا استصلاح الموجود والمشاركة فيه إذا كان يؤدي إلى نتيجة، أما إذا أيقنوا أنه تزوير وتزييف محض وليس فيه أي نتيجة مضمونة، وليس فيه أي مصلحة لدين الله ولا لرفع الظلم ولا لتقليله، فلا يحل لهم المشاركة فيه؛ لأن ذلك يعطي شرعية لهذا الحكم المخالف لحكم الله الذي تشريعه كفر؛ لأنه تشريع ما لم يأذن به الله.
أما المشاركة في انتخاب أي فرد من الأفراد فإن على من شارك في انتخابه أن يعلم أنه مسئول عن تصرفاته، فإن كانت تصرفاته آثمة خاطئة فإن عليه جزءاً من إثمها؛ لأنه ما وصل ذلك المرشح إلى السلطة إلا بتصويته هو، وإن كانت تصرفاته رشيدة حكيمة فليعلم أن له أيضاً قسطاً من أجرها؛ لأنه الذي شارك في إيصاله إلى مكانه، وعليه فعلى الإنسان قبل أن يشارك فيها أن يعلم أنه مسئول عن النتيجة، ومسئول عما يترتب عليها من أعمال، وما يترتب عليها من قرارات، وسيسأله الله عن كل ذلك.
وعليه؛ فإن الناس في هذا المجال يتفاوتون ودرجاتهم مختلفة، وقد قال مالك رحمه الله تعالى حين سئل عمن خرج على وال فاسق فأراد إزالته وانتزاع ما تحت يده، هل يجوز لنا نصرته؟ فقال: إن كان الوالي الذي يراد إزالته مثل عمر بن عبد العزيز فادفع عنه، وإن لم يكن مثله فدعه وما يريد منه، ينتصر الله من الظالم بالظالم ثم ينتصر من كليهما.
وقال سحنون رحمه الله تعالى: إذا كان القائم، أي: الثائر، عدلاً وجب القيام معه لينصر دين الله، وإن كان فاسقاً فدعه وما يطلب منه، ولا يحل لك دفعه عن الظالم.
وقال العز بن عبد السلام ﵀: فسق الأئمة يتفاوت، فمنهم من يكون فسقه في الدماء، ومنهم من يكون فسقه في الأبضاع، ومنهم من يكون فسقه في الأموال، فيقدم الذي يفسق في الأموال على الذي يفسق في الأبضاع، ويقدم الذي يفسق في الأبضاع على الذي يفسق في الدماء، لما بين المضرتين والمفسدتين من الفرق، فكل مفسدة تدفع بها التي هي أعظم منها.
وأما ما لهم من الطاعة فإنه لا يترتب على الانتخابات ولا على قيام الدول غير الإسلامية أي حكم شرعي يختص، فمن قام كمن لم يقم، ومن انتخب كمن لم ينتخب، فلا فرق شرعاً، ولا يترتب على هذا أي حكم شرعي؛ لأن منطلقه غير شرعي، فلذلك كان المعدوم شرعاً كالمعدوم في الواقع، لا يعتبره الشرع وجوداً وكأن شيئاً ما حصل.
أما المواجهة: فإن المواجهة لا يقدر عليها إلا من يطيقها ولا تجوز إلا لمن يستطيع ذلك، وإذا استطاعه فلا تجوز أيضاً إلا وفق ضوابط شرعية، لا يكون فيها الاعتداء على أرواح الناس ولا على ممتلكاتهم ولا على أعراضهم، ولا تؤدي إلى فتنة غير محسومة، ولهذا فإن ما يحصل في كثير من البلدان يؤدي إلى فوضى لا حصر لها، فلابد وأن تكون الأمور مدروسة النتائج والعواقب، وأن تكون وسائلها واضحة شرعاً وضوحاً لا يختلف فيه الناس، وبالأخص أن القرار الذي يتخذ في مثل هذا قرار على الأمة، فلا يمكن أن يصادر الإنسان قرارات الأمة ومصالحها حتى يستشيرها ويرى رأيها.
стр. 210
تصنيف حركة طالبان الأفغانية
السؤال
هل ترون في حركة طالبان الأفغانية مشروعاً إسلامياً حقيقياً، أم أنها مجرد أداة من الأدوات التي تخدع بها الشعوب الإسلامية؟
الجواب
وسط بين هذا وهذا، فحركة طالبان في الأصل لم تكن حركة سياسية، ولم تكن الدوافع لقيامها إقامة دولة الإسلام ولا الجهاد في سبيل الله، وإنما كانت حركة إصلاحية أراد بها عدد من الطلاب أن يغيروا بعض المنكرات وأن يمنعوا الظلم، وأن يحرقوا مزارع الحشيش، وأن يقوموا ببعض الإصلاحات الاجتماعية فقط، لكن أمريكا رأت أنه بالإمكان أن ينتزعوا البساط بهم من تحت أقدام المجاهدين، وأرادوا ألا تقوم دولة للإسلام في أفغانستان، فدعموا حركة طالبان دعماً غير مباشر حتى قضوا بها قضاءً جزئياً على الجماعات الجهادية القائمة في أفغانستان.
لكن المشكلة التي فاجأتهم بها طالبان أنها عندما طردت المجاهدين أرادت أيضاً أن تقوم بمثل ما كانوا يريدونه، أرادت أن تقيم دولة إسلامية، فحينئذٍ تخلت عنها أمريكا، وأرادت أن ترجعها إلى أصل نشأتها، وأن تكون حركة اجتماعية فقط لا سياسية، وهذا ما لم يتحقق.
وأيضاً: فلا ينبغي أن يؤمل الناس كثيراً من هذه الحركة التي لم تنشأ أصلاً نشأة سياسية، ولم تكون تكويناً كافياً، ولم تكن لها اهتمامات في هذه المجالات المختلفة، وإنما يحمد لها ما قدمت من الخير، ويسأل الله أن يوفقها.
стр. 211
معنى تطبيق الشريعة الإسلامية
السؤال
كثير من المسلمين يتصورون عندما ينادي الدعاة بتطبيق الشريعة الإسلامية أن معنى التطبيق هو قطع أيدي السارق وجلد الزاني، والحكم في المرأة ألا تخرج من بيتها إلا إلى قبرها، كما رأينا ذلك في أفغانستان عند طالب، فهل هذا تصور صحيح؟
الجواب
لا، هذا تصور غير صحيح، فهم لم يروا من التصورات المذكورة إلا الرءوس، الإسلام أكبر من هذا، ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ [الحج:٤١]، فإقامة الحدود علاج فقط لأمراض تريد دولة الإسلام ألا تقع أصلاً، وإذا قامت دولة الإسلام فستسعى لئلا توجد هذه الأمراض حتى تضطر إلى الحدود، فمثلاً: حد الردة، هذا حد من الحدود لم تعرف إقامته في عهد النبي ﷺ ولا في زمان أبي بكر ولا في زمان عمر ولا في زمان عثمان ولا في زمان علي، وهو حد من الحدود الثابتة المقررة في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، لكنه لم يعرف أن أحداً ارتد فاستتيب فلم يتب فقتل، بل كان يرتد الناس فيتوبون ويرجعون، أو لا يرتدون أصلاً.
стр. 212
المشاركة في الانتخابات هل هو رضا بالقوانين الوضعية
السؤال
ما هي الضوابط الشرعية للمشاركة في الأنظمة وفي اللعبة ومن ثم في الحكم، أليس من تلك الضوابط عدم مخالفة الشرع، وأن التزام هؤلاء المشاركين بتوجيه الدولة وبقوانينها الوضعية أكبر مخالفة؟
الجواب
أن هذا لا يلزم منه الأخذ بتلك القوانين المخالفة ولا التزامها، لكن الإنسان يصلح ما يستطيع، وإذا لم يشارك فإن تلك القوانين ستطبق عليه رضي أم أبى، فهو لا يخرجه عن تلك القوانين عدم مشاركته، بل إذا شارك فسيقلل الضرر، وإذا لم يشارك فالقوانين ستطبق عليه كما هي، فمن أجل هذا يعد هذا من ارتكاب أخف الضررين والحرامين، ولا يعد مما له عنه محيص ويمكن أن لا يشارك فيه.
стр. 213
نظام السودان هل يعد إسلامياً
السؤال
هل يعتبر النظام في السودان نظاماً إسلامياً؟
الجواب
أن النظام القائم في السودان لا يمثل الدولة الإسلامية، بمعنى: أنه ليس دولة متكاملة تقوم على أسسها الدولة، ويبايع فيها الخليفة على أساس ذلك، وإنما هو بلد إسلامي قام فيه حكم إسلامي، فالحكم القائم حكم إسلامي، والنظام القائم نظام إسلامي، ولو كان دولة إسلامية لكن المبايع فيه خليفة لكل المسلمين، وعليهم أن يبايعوه وأن يلتزموا طاعته، وليس الواقع كذلك، بل الذي يقوده إنما يدعي أنه قائد للسودان فقط، فلذلك لا يقال هي دولة إسلامية، لكن يقال: حكم إسلامي، فهو بمثابة أمير بلد من البلدان في عهد الخلافة مثلاً، ومع ذلك فهي أحسن الموجود، تعلى فيها كلمة الله بالمستطاع مع كل الضغوط القائمة عليها، ووجود الهجمة الشرسة التي تقوم بها أمريكا بتشويهها، حتى -مع الأسف- داخل المنظمات الإقليمية، ومنها الجامعة العربية والوحدة الأفريقية وغيرها.
стр. 214
إمكان وصول الحركات الإسلامية إلى السلطة عن طريق الديمقراطية
السؤال
هل يمكن للحركات الإسلامية الوصول إلى السلطة عن طريق الديمقراطية، رغم أن كل التجارب باءت بالفشل، إلا في حالات خاصة كبعض الدول ذات الحكم الملكي؟
الجواب
أن الحركات الإسلامية لا تريد الوصول إلى حكم هذه الدول عن طريق الديمقراطية، ولو أرادته فإنها لا يمكن أن تقيم بذلك دولة إسلامية، وإنما تريد تقليل بعض الشر، فبعض الشر أهون من بعض، أو تريد جلب بعض المصالح المؤقتة، لكنها لا تعلق آمالاً كبيرة على الديمقراطية، ومن هنا فما يحصل -مما يراه الناس فشلاً في كثير من البلدان- غير مفاجئ لكثير من الذين يعيشون الوضع ويرونه.
والحركات الإسلامية في العالم تنطلق من واقعها ورؤيتها الواضحة للبلد الذي هي فيه، فكثير من الحركات لا تريد إقامة دولة الإسلام في بلدها؛ لأنها تعلم أن هذا البلد ليس له مقومات الدولة الإسلامية، وإنما تريد وجود شعب إسلامي أو مجتمع إسلامي أو تقليل بعض الشر، ومن أجل هذا يمكن أن تتعايش مع بعض الحكام الذين هم أقل شراً إذا قبلوا رفع بعض الضرر عن المسلمين، وإذا قبلوا تطبيق حدود الله تعالى أو تطبيق بعض أوامره، وهم يعلمون أن الدولة لن تكون دولة إسلامية حينئذٍ، ولكن بعض الشر أهون من بعض.
بل أكثر الجماعات الإسلامية القائمة اليوم ترضى عن كثير من الحكام لتقليل الشر، ويمكن أن تتعاون معهم في إزالة كثير من مظاهر السوء والفساد، وأن تساعدهم على بعض ما يريدونه؛ لأنها تعلم أن الدولة لم تكن إسلامية في هذه الحقبة، وإنما يراد بها تقليل بعض الشر وإظهار بعض الخير، والقضاء على بعض الفساد المنتشر، وبالتدريج يمكن أن يزال هذا الفساد بالكلية.
стр. 215
التصالح مع الحكام ومناصحتهم
السؤال
هنا من يرى أن أفضل أسلوب وأسلمه مع حكام المسلمين اليوم، هو أن يتخذ الدعاة معهم أسلوب التصالح والنصح الكيس بما يضمن استيعابهم، وعلى الأقل يحقق الحماية والسند للدعوة الهادئة المتدرجة المتبصرة، وأنه لا مبرر لليأس من هداية هؤلاء الحكام والتأثير، عليهم، فما هي قيمة هذا الرأي شرعاً وواقعاً؟
الجواب
أن هذا الرأي منطلق من واقع المسلمين المنهزم، الذي ينطلق فيه الناس من تجارب فاشلة، قد خاضها أقوام دون أن يعدوا لها العدة في أماكن مختلفة، وفي حقب تاريخية متباينة، وهذا الأسلوب قد مر به من قبل الشيعة، فقد خرج كثير من آل البيت في ثورات متعددة لم يكتب لشيء منها النجاح، فأصيب شيعتهم باليأس، فأرادوا التسليم لأي قائم بالأمر ومناصحته، حتى لو كان كافراً فيكونون بجنبه على المسلمين، حتى غير ذلك الخميني بثورته الجديدة التي تسمى ولاية الفقيه، ولذلك فإن هذا الأسلوب إذا كان يقتضي التنازل عن نصرة دين الله تعالى والرضا بالواقع المرير، وعدم السعي لتغييره، فهو ترك لما أمر الله به جملة وتفصيلاً.
ونحن لا ننكر أنه على المسلمين أن يأخذوا بأسهل الأسباب وأيسرها، وما خير رسول الله ﷺ بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثماً ولا قطيعة رحم، وأن عليهم كذلك أن يأخذوا بأيسر المصالح وأكثرها تحقيقاً لما يطلبونه ويريدونه من الأهداف، وأن عليهم أن يوازنوا بين المصالح والمفاسد، فهذه أمور لا نختلف فيها، لكن هذا الطرح لا يمكن أن يؤدي إلى إقامة دولة للإسلام ترعاه وتقوم بمصالحه، بل سيتربى الناس على الاستسلام المطلق، فإذا حكم النظام العالمي الجديد أو هيمنت أمريكا أو هيمنت أية دولة كفر أخرى فسيسلمون لها وينقادون لها تمام الانقياد.
следующие страницы →