← Джавами‘

Джавами‘ · id 7722

دروس للشيخ محمد الحسن الددو الشنقيطي

محمد الحسن الددو الشنقيطي

Полный текст (1 349 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

الكفر والفجور لا يمنع صلة الرحم فالأرحام لابد أن تبل ببلالها، ولا يقطعها الكفر، لما ثبت في الصحيحين من حديث أسماء بنت أبي بكر ﵄ قالت: (أتتني أمي بالمدة التي ماد فيها رسول الله ﷺ كفار قريش، وكانت على دين أهل مكة، فجاءت راغبة، فأتيت رسول الله ﷺ أشاوره فيها فقلت: إن أمي جاءت راغبة وهي مشركة، فقال: صلي أمك)، فأمرها رسول الله ﷺ أن تصل أمها وهي مشركة. ولذلك فسر ابن العربي وغيره قول الله تعالى: ﴿لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الممتحنة:٨] قالوا: تقسطوا إليهم، أي: تؤدوا إليهم قسطاً من أموالكم، فالإقساط في هذه الآية مشتق من قسط المال الذي هو جزؤه، على تفسير ابن العربي وغيره، وسبب نزول هذه الآية قصة أسماء مع أمها. وكذلك الفجور فإنه لا يقطع صلة الرحم، حتى لو كان الإنسان مبتدعاً أو مضيعاً لما أمر الله بالحفاظ عليه، فإن ذلك لا يمنع صلة رحمه، بل يجب على الإنسان أن يصل رحمه، وأولى ما يصل به رحمه أن ينصح له، وأن يرشده إلى عدم تضييع ما أمر الله بالحفاظ عليه. ولذلك فإن حق المضيع المبتلى في دينه هو النصح؛ ليرجع إلى دينه الذي ضيعه، فقد أخرج مالك في الموطأ أنه بلغه أن عيسى بن مريم كان يقول: (لا تكثروا الكلام في غير ذكر الله فتقسو قلوبكم، فإن القلب القاسي بعيد من الله ولكن لا تعلمون، ولا تنظروا في ذنوب الناس كأنكم أرباب، وانظروا في ذنوبكم كأنكم عبيد، وإنما الناس مبتلى ومعافى، فارحموا أهل البلاء واحمدوا الله على العافية). إن أعظم البلاء البلاء في الدين، فالإنسان المفرط المضيع الذي يقبل ويدبر في معصية الله مبتلى بلاءً عظيماً، وبلاؤه في الدين، وشر البلية البلاء في الدين، ورحمته إنما هي بنصيحته والاقتراب منه؛ لعل المقترب يحول بينه وبين الشيطان. فالابتعاد منه لا يزيده إلا تمادياً في أمره، ولا يزيد الشيطان إلا عوناً عليه، وقد نهى رسول الله ﷺ الصحابة عن أن يعينوا الشيطان على أخيهم، فلابد أن يحاول الإنسان القرب من ذوي رحمه، وصلتهم بما يستطيع، إن هذه الصلة التي بينا نحتاج إلى تعريفها، وبالأخص في مثل زماننا هذا الذي كثرت فيه الوسائل وانتشرت.

стр. 457

الآثار الدالة على صلة الأرحام وكذلك ثبت عن عمر بن الخطاب ﵁ في تفسير ابن جرير بإسناد صحيح أن عمر كان يقول: أيها الناس! تعلموا أنسابكم لتصلوا بها أرحاكم، وفي رواية: تعلموا من أنسابكم ما تصلوا به أرحامكم، فإن الرحم لا توصل إلا بالمعرفة؛ فلذلك لابد أن يتعلم الإنسان رحمه. وهذا الحق المؤكد الذي يترتب عليه صلة الله لمن وصله، ويترتب عليه قطيعة الله لمن قطعه، لابد أن يتعلمه الإنسان وأن يقوم به؛ لأن الإنسان لا يستغني عن صلة الله ولا يستطيع أن يقاطعه. إن من تذكر نعمة الإيمان ثم بعدها نعمة الوجود ونعمة الجوارح ونعمة التثبيت على دين الله، عرف أنه لا يستطيع مقاطعة الله ، فإن الهواء الذي يتنفسه أثر واحد من آثار رحمة الله، والجوارح التي ينعم بها أثر واحد من آثار رحمة الله ﴿وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [القصص:٧٣] وقال تعالى: ﴿فَانظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَةِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الروم:٥٠]. إن الاتصال بالله لا يستغني عنه الإنسان في حال من الأحوال، فأعظم عقوبة يعاقب الله بها العبد أن يلعنه أو أن يطرده عن رحمة الله، والملعون المطرود عن رحمة الله لا يمكن أن يتقبل الله منه أيّ عمل، ولا يمكن أن ينعم عليه بأية نعمة، نعم يمكن أن يرزقه، لكن يكون ذلك الرزق وبالاً عليه وحسرة يوم القيامة وندامة، لا ينعم عليه بنعمه؛ لأن النعم تشريف ولا يستحق التشريف إلا من اتصل بالله ، أما من قاطع الله فقاطعه الله، فأولئك هم الذين نسوا الله فنسيهم، وهم المقطوعون الذين لا يطمعون في مغفرة الله ولا في رحمته، يطردون عن رحمة الله ومغفرته، نسأل الله السلامة والعافية، ومن هؤلاء القاطعون: الذين يقطعون أرحامهم في هذه الحياة الدنيا. إن أمراً كهذا نحتاج إلى تعلمه وإلى البحث عنه؛ لأن خطاب الشارع فيه صريح، ولأن الحض النبوي فيه واضح، فما أحوجنا إلى أن نتعلم هذه الشعيرة من شعائر ديننا، وبالأخص أن كثيراً من الناس اليوم قد سرت إليهم عادات الغربيين التي يزعمونها من الحضارة، ويزعمونها من الرقي والتقدم، فأخذوا بها، فقطعوا أنسابهم وهجروا أقاربهم. بل إن من المؤسف جداً أن تجد الرجل ينعم بأنواع النعم في المدينة ويكون أبوه وأمه في غاية ما يكونان من البؤس والشقاء، وهو لا يشعر بحال أبويه اللذين ربياه صغيراً وحملاه، وهما أمن الناس عليه، وأعظمهم نعمة عليه. ونتذكر قول أمية بن الأسكر ﵁ وهو من أصحاب رسول الله ﷺ ، وكان شيخاً كبيراً قد كف بصره، وكان يسكن الطائف، وكان له ولدان رباهما أحسن تربية فصحبا رسول الله ﷺ ، ثم خرجا في الغزو إلى القادسية وتركاه، فأرسل بقصائده يستقدمهما، يقول في إحدى هذه القصائد: يا ابني أمية إني عنكما غاني وما الغنى غير أني مرعش فاني يا ابني أمية إلا تشهدا كبري فإن نأيكما والثكل مثلان إذ يحمل الفرس الأحوى ثلاثتنا وإذ فراقكما والنأي سيان أمسيت هزءاً لراعي الضأن أعجبه ماذا يريبك مني راعي الضان انعق بضأنك في نجم تحفره من البواضع واحبسها بجمدان إن ترع ضأناً فإن قد رعبتهم بيض الوجوه بني عمي وإخواني يا أم هيثم ماذا قلت أبلاني ريب المنون وهذان الجديدان إما تري حجري قد رك جانبه فقد يسرك صلباً غير كذان أوما تريني لا أمضي إلى سفر إلا معي واحد منكم أو اثنان ولست أهدي بلاداً كنت أسكنها قد كنت أهدي بها نفسي وصحباني فلما بلغت هذه القصيدة عمر بن الخطاب ﵁ كتب إلى سعد بن أبي وقاص أن يرسل إليه كلاب بن أمية بن الأسكر في أسرع وقت، فأرسله سعد إلى عمر بن الخطاب، فلما أتاه سأله: بم كنت تبر أباك؟ فقال: كنت أختار خير نياقنا، فأغسل ضرعها، وأغسل الإناء وأحتلبها فيه، وأمسكها عليها حتى يشرب منها ما شاء، فدعا عمر بـ أمية فأجلسه بين يديه، وأمر كلاباً أن يحتلب الناقة دون أن يخبره به، فاحتلب تلك الناقة فأمسكها عمر على أمية، فلما ذاق طعم اللبن قال: حلب كلاب ورب الكعبة، فأمره عمر أن يلزم أباه، وألا يكون منه أبعد من سجر الكلب حتى يلقى الله، ففعل ذلك. وهذا التنبيه العظيم من أمير المؤمنين ﵁ ينبه به الأبناء على أهمية الوالدين، فإنهما إذا خرجا من هذه الدنيا وماتا لم يستطع الإنسان برهما، ولم يمكنه أن يستغني عما كانا يقدمان له، أتذكر أن أحد الدعاة المشاهير كانت له أم هو بها بر، وكانت امرأة صالحة كثيرة الدعاء والصدقة، وقيام الليل، وقراءة القرآن، فلما ماتت، قال لإخوانه: إنه كانت لي أم كنت أترك بسبب دعائها، وكنت أمهل بسبب صدقتها، وإن الله قد أخذها إليه، فدعوني أتعبد لله وأتحصن؛ فإنني كنت أترك في مقابل ما كانت تلك الأم تقدمه. كذلك ما زاد على هذا من الأرحام الذين بين الله ولايتهم في قوله تعالى: ﴿وَأُوْلُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا﴾ [الأحزاب:٦]. فالذين هم أولياء بعض ينبغي أن يتعرف بعضهم على بعض، وأن يقوموا بحقهم وألا يهملوه، وينبغي ألا يغتر أحد بالحفاوة الدنيوية؛ فإن الإنسان يمكن أن يسامح قريبه في هذه الدنيا في حقه، لكنه إذا جاء يوم القيامة حافياً عارياً أغرل ليس مع أحد حينئذٍ إلا عمله لا ترجى منه المسامحة. فإذا جاء في ذلك الوقت، ورأى الحق بعيني رأسه، وزالت عنه الغمرة، وكان بصره يومئذ حديداً لا يمكن أن يسامح في حقوقه، فالأنساب قد انقطعت كما قال تعالى: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ * فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ * تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ﴾ [المؤمنون:١٠١ - ١٠٤]. إن هذه الصلة لابد أن تبل ببلالها، وقد أخرج البخاري في الصحيح من حديث عمرو بن العاص ﵁ أن النبي ﷺ قال: (إن آل أبي فلان ليسوا لي بأولياء، إنما وليي الله وصالحو المؤمنين، لكن لهم رحم أبلها ببلالها).

стр. 458

الأحاديث التي تذكر بصلة الرحم كذلك فإن رسول الله ﷺ ورد عنه في صلة الرحم عدد كبير من الأحاديث الصحيحة، منها ما أخرجه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (إن الله خلق الخلق، فلما فرغ من خلقهم قامت الرحم فأمسكت بساق العرش، فقالت: يا رب! هذا مقام العائذ بك من القطيعة، فقال الله تعالى: أما ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك؟ فقالت: بلى. فقال: ذلك لكِ)، هذا ضمان من الله للرحم أن يصل من وصلها وأن يقطع من قطعها. وكذلك ما ثبت عنه ﷺ من حديث عائشة ﵂ أنه ﷺ قال: (من سره أن ينسأ له في أثره ويوسع عليه في رزقه فليصل رحمه). وكذلك ما صح عنه ﷺ في وصفه أنه كان وصولاً للرحم، فقد أخبرته خديجة بذلك عندما أرادت تثبيته عند أول نزول الوحي، فقالت له: (كلا والله لا يخزيك الله أبداً، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق). وكذلك قال ابن الدغنة لـ أبي بكر ﵁ حين لقيه مهاجراً إلى أرض الحبشة، حين آذاه قومه بمكة، فاستأذن رسول الله ﷺ في الهجرة إلى أرض الحبشة، فأذن له بذلك فخرج مسافراً فلقي ابن الدغنة وكان سيد القارة، فلما لقيه قال: إلى أين يا أبا بكر! فقال: أسيح في الأرض أعبد ربي، فإن قومي منعوني ذلك في دارهم، فقال: إن مثلك لا يخرج ولا يخرج، ولكن ارجع إلى دارك فكن فيها فاعبد ربك، فإنك جار لي، فرجع معه ابن الدغنة حتى أتى مجالس قريش من المشركين، فكان يقول: إن أبا بكر مثله لا يخرج ولا يخرج، فإنه ليصل الرحم، ويقري الضيف، ويكسب المعدوم، ويعين على نوائب الحق، وإنه جار لي، فأقرته قريش على ذلك، فكان أبو بكر يصلي بمكة لا يخاف أحداً. وكذلك فإن رسول الله ﷺ حض على تعلم الأنساب لصلة الأرحام، فقد أخرج الحاكم في المستدرك وابن حبان في الصحيح أن رسول الله ﷺ قال: (تعلموا أنسابكم تصلوا أرحامكم، فإن تعلم الأنساب معين على صلة الأرحام). ولذلك جاء في لفظ هذا الحديث عند الحاكم: (فإن الرحم إذا قربت كانت قريبة ولو بعدت، وإذا بعدت كانت بعيدة ولو قربت). والمقصود ببعدها وقربها في الجملة الأولى تعلمها، فإذا عرف الإنسان رحمه إلى إنسان معين، فإنه سيتخذ تلك الرحم قريبة حتى لو كانت بعيدة من ناحية النسب، وإذا لم يعرف النسب إليه كانت الرحم بعيدة حتى لو كان قريباً منه جداً كابن عمه أو ابن خاله، فلهذا أرشد النبي ﷺ هذا الإرشاد العظيم.

стр. 459

الآيات التي تذكر بصلة الرحم فقد قال الله تعالى في كتابه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. فقراءة الجمهور: (واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحامَ إن الله كان عليكم رقيباً) وتفسيرها: اتقوا الله، واتقوا الأرحام الذي تساءلون به، واتقوا الأرحام فلا تقطعوها وصلوها. وقراءة حمزة الكوفي: (واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحامِ إن الله كان عليكم رقيباً)، أي: الذي تساءلون به وتساءلون أيضاً بالأرحام، فإن الناس يقولون: أنشدكم الله والرحم، والمقصود بذلك: أذكركم الله وأذكركم الرحم، وذلك لما لها من المكانة والهيبة. وعرف ذلك من القراءتين معاً من قراءة النصب وقراءة الجر، فكلتاهما تدل على مكانة الرحم في الإسلام، سواءً كانت مما يتقى أو كانت مما يتساءل به، فكلا الأمرين ذو حرمة ومكانة عظيمة. ثم إن الله توعد في الجانب السلبي الذين يقطعون ما أمر الله به أن يوصل وعيداً شديداً، ومن أبلغ ذلك ما جاء في سورة محمد ﷺ ، حيث قال الله تعالى: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ﴾ [محمد:٢٢ - ٢٣]، فهذا وعيد شديد في حق قاطع الرحم. وقد أمر الله بصلاة الأرحام والإحسان إلى ذوي القربى في كتابه في آيات كثيرة، وعطف ذلك على الإيمان به فقال تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء:٣٦]. وقال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ [الإسراء:٢٣ - ٢٤] إلى أن قال: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾ [الإسراء:٢٦]. وبين الله دخول صلة الرحم في البر، فقال تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ﴾ [البقرة:١٧٧]، إن أمراً بدئ به قبل إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة في الإسلام لأمر عظيم. وكذلك فإن الله بين الوعد العظيم الذي وعد به من يصل ما أمر الله به أن يوصل، فقال في سورة الرعد: ﴿وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ﴾ [الرعد:٢١]، وبين كذلك في المقابل ما في قطيعة الرحم من النكس والرجوع إلى الأعقاب، فقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل:٩٠]، فبين موعظته للمؤمنين بما أمر به. ووعظ الله لعباده ينقسم إلى قسمين: إلى وعظ بالأوامر والنواهي. وإلى وعظ بالتذكير والتخويف. وقد جمعت هذه الآية بين الأمرين معاً، ففيها وعظ بالأوامر والنواهي في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ﴾ [النحل:٩٠]، وفيها كذلك الوعظ بالتخويف في قوله: ﴿يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل:٩٠]، فهذا بيان للتذكير ببأس الله الشديد، وبما عنده من المخوفات التي يخوف بها من خالف أمره. إن الآيات في صلة الأرحام والإحسان إلى ذوي القربى كثيرة في كتاب الله ، وهي متنوعة تنوعاً عظيماً؛ يدل على العناية بهذا الأمر الذي أنزل الله فيه عدداً كبيراً من آيات كتابه.

стр. 460

تعريف صلة الأرحام بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على من بعث رحمة للعالمين، وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهديه، واستن بسنته إلى يوم الدين. أما بعد: فإن الله شرع لعباده شرائع الدين، وأكدها وبينها رسوله ﷺ ، وألزم عباده باتباعها، وحظهم على الأخذ بها إيجاباً وسلباً، فالإيجاب بالترغيب في اتباعها، والسلب في الترهيب من مخالفتها، ومن هذه الشرائع التي شرعها الله لعباده وارتضاها لهم: شريعة صلة الأرحام، إنها شريعة عظيمة، ذات مكانة عظيمة في هذا الدين الذي جاء به الرسول ﷺ من عند الله تعالى.

стр. 461

معنى الصلة لغة وشرعاً إن الصلة في اللغة تشمل كل اقتراب، فتشمل الزيارة والحديث والكلام والإهداء والتلطف وغير ذلك، فكل هذا يدخل في الصلة في اللغة. وقد عرف البخاري صلة الرحم فقال: هي تشريك الإنسان قرابته فيما أوتي من أنواع الخيرات. تشريك الإنسان قرابته: أي الذين بينه وبينهم قرابة، وهذا يشمل ما كان من الرحم وما كان من المصاهرة، فإن الله جعل نسب الآدمي رحماً وصهراً. وقد بين النبي ﷺ ذلك أيضاً في قوله: (ستفتحون أرضاً اسمها مصر، وهي أرض يذكر فيها القيراط، فإذا فتحتموها فاستوصوا بأهلها خيراً، فإن لهم نسباً وصهراً)، وفي رواية: (رحماً وصهراً)، وهذا يقتضي تشريك الإنسان ذوي قرابته في كل ما أوتي من أنواع الخيرات. فإن كان الإنسان قد أوتي مالاً فتشريكه لذوي رحمه في ماله من صلة الرحم، وإن كان أوتي علماً فتشريكه لذوي قرابته فيما أوتي من العلم من صلة الرحم، وإن كان أوتي جاهاً فتشريكه ذوي قرابته في جاهه من صلة الرحم، وإن كان أوتي عقلاً فتشريكه لذوي قرابته في الرأي والتسديد والنصيحة هو من صلة الرحم، وهكذا فكل خير أوتيه الإنسان فإن تشريكه لذوي قرابته فيه هو من صلة الرحم التي أمر الله بها ورسوله ﷺ .

стр. 462

تحديد ذوي الأرحام يبقى بعد هذا تحديد الرحم، وتحديد الرحم لأهل العلم فيه أقوال كثيرة، فأشهر هذه الأقوال أن الرحم درجتان: الدرجة الأولى: ما يجب وصله؛ وهو الرحم الوارث الذي يرث، سواءً كان ذلك بالفرض أو بالتعصيب، فهذا الرحم تجب صلته قطعاً، فرضاً عينياً على كل إنسان، فيشمل ذلك الآباء والأبناء إلى منتهاهم: ارتفاعاً واستفالاً، ويشمل كذلك فروع هؤلاء إذا قربت، ويشمل كذلك الكلالة عند حصول الكلالة، أي إذا لم يكن للإنسان أصل ولا فرع وارث، ففروع أجداده إلى منتهاهم. فهذه إذن هي الرحم المؤكد صلتها، وهي الرحم التي يرث صاحبها. والمرتبة الثانية: هي ما عرفه الإنسان من نسبه مما يصله بغيره، فكل من عرفت النسب بينك وبينه فهو ذو رحم منك، حتى لو بعد ذلك النسب، ولكن القسم الأول آكد من القسم الثاني.

стр. 463

صلة المقاطع من الأقارب ولا يقطع هذه الصلة أن يكون ذو الرحم كاشحاً، أي: حاسداً مقاطعاً، بل ذلك مما يزيد الأجر، فقد صح عن النبي ﷺ من حديث ابن عمر ﵄ أنه قال: (ليس الواصل بالمكافئ إنما الواصل من يصل من يقطعه)، فالواصل هو الذي يصل من يقطعه من أرحامه، وليس الواصل المكافئ الذي إذا أحسن إليه ذو رحمه أحسن إليه في المقابل، فهذا مكافئ فقط وليس واصلاً. وقد صح عن النبي ﷺ أن رجلاً أتاه فقال: (إن لي أقارب أحسن إليهم فيسيئون إليّ، فقال: إن كنت صادقاً فيما تقول فإن الله تعالى سيورثك دارهم)، والمقصود بذلك أن ذا الرحم الكاشح إذا أساء إلى رحمه فإن صلته تقتضي استمرار نسله، وطول عمره، وقطيعتهم للرحم تقتضي قرب آجالهم، وانتقاص ذريتهم، فلذلك سيرثهم هو، قال الزبيري وهو من مشاهير النسابين من قريش: قد جربنا ذلك في أنساب قريش، فما من بيت كان أهله يصلون الرحم إلا استمرت ذريتهم، وطالت أعمارهم، وما من بيت اشتهر أهله بقطيعة الرحم وعدم الصلة، إلا قصرت أعمارهم وانتفت ذرياتهم. ومن القصص العجيبة في هذا الباب أن رجلاً من بني هاشم خرج مع رجل من بني جمح في عير له أجيراً عليه وعسيفاً، فلما كان في طريق الشام مر به قريب له، فسأله حبلاً فأعطاه إياه، وكان الحبل لصاحب العير، فسأله صاحب العير عن الحبل فقال: أعطيته قريباً لي! فضربه بعصاً على رأسه ففت بها دماغه، فتركه مسجاً بثوب على حافة الطريق وهو يجود بنفسه، فمر به ركب من أهل مكة، فقال: إذا أتيتم الحرم فاسألوا عن أبي طالب، فقولوا له: إن أخاك قد قتله فلان بعصاه في فضل حبل، فلما أبلغوه ذلك غضب أبو طالب وبنو هاشم لهذا الأمر، وقال أبو طالب فيه شعره المشهور الذي يقول فيه: أفي فضل حبل لا أبا لك ضربته بمنسأة قد جر حبلك أحبلا فلما رجع إليه سأله عن ذلك فأنكر، فتحاكموا إلى حكيم، فلم يرض أبو طالب إلا بالقسامة، وهي: أن يحلف له خمسون منهم خمسين يميناً عند الكعبة ما قتلوه، فأتى منهم خمسون ليحلفوا، فجاءت امرأة من بني هاشم وهي أميمة أخت أبي طالب، فافتدت ولدها طليباً بخمس أبعرة، فقالت: إن هذا منابه من الدية، فأنا أعطيك إياها فلا تحلفه، فلم يحلفه وحلف الآخرون، فلم تمض سنة حتى مات أولئك جميعاً، وورثوا بالقعدد، ولم ينج منهم إلا طليب وحده الذي لم يحلف. إن هذه الصلة من ناحية النسب كما ذكرنا تكون في هذين المقامين: في المقام المؤكد الذي هو الرحم الوارث، وفي المقام الذي دونه، وهو الرحم الذي يعرف الإنسان النسب بينه وبينه.

стр. 464

صلة الأرحام من جهة المصاهرة أما الصلة من ناحية الصهارة فهي أقل من ذلك، فأصهار الإنسان أقارب الزوج أو أقارب الزوجة يدخلون في هذا الرحم؛ لأن الله جعل النكاح سبباً لحصول الرحمة والشفقة، فقال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم:٢١]، فهذه المودة والرحمة التي تحصل بسبب الصهارة مقتضية للصلة والإحسان. ولذلك صح في الصحيحين من حديث عائشة ﵂ (أن النبي ﷺ كان إذا ذبح شاة قال: أرسلوها إلى أصدقاء خديجة)، وكان ﷺ يحسن إلى أقارب خديجة، فقد كان ذات يوم مضطجعاً في فراشه يريد أن ينام، فدخلت امرأة فسمع سلامها فتهلل، وقام مرحباً بها، فسئل عن ذلك، فقال: (إنها كانت تأتينا في زمان خديجة). وفي حديث عروة بن الزبير ﵁ أن عائشة ﵂ حين هجرت عبد الله بن الزبير ابن أختها ذهب فأتاها بقوم من وجوه بني زهرة -وكانت عائشة ترحمهم وتحنو عليهم لمكانهم من النبي ﷺ ، فبنوا زهرة أخوال رسول الله ﷺ فرضيت عنه بشفاعتهم. وكذلك ما يتعلق بالبعد في المسافة، فإن الرحم إذا ابتعدت عن الإنسان فإن صلته لها ستكون بحسب الذكر والقدرة، وبحسب ما يتمكن للإنسان، ولذلك أخرج ابن هانئ في مسائله: أن رجلاً أتى الإمام أحمد بن حنبل، فقال: إن لي رحماً، وإني مرابط في الثغر، وإنه في مكان ناء قاص، أترى أن أذهب إليهم فأصلهم أم أرجع إلى الثغر الذي كنت فيه فأحمي ثغور المسلمين؟ فقال له أحمد: استخر -أي: صل الاستخارة- ثم قال له: اذهب إلى ذوي رحمك، فإن رسول الله ﷺ أرشد من استأمره في الجهاد، فقال: (ألك والدان؟ فقال: نعم، قال: فيهما فجاهد)، فدل هذا على تقديم صلة الرحم. وقال ﷺ للرجل الذي سأله عن أحب الأعمال إلى الله: (إيمان بالله، قال: ثم ماذا؟ أو قال: ثم مه يا رسول الله؟ قال: صلة الرحم)، فهي التي تلي الإيمان بالله في حبها إلى الله ، فإن أحب الأعمال إليه الإيمان به ثم صلة الرحم. والذين يصلون الرحم بالمال فقط دون أن يصلوهم بالسؤال أو الزيارة أو المحادثة أو التلطف، هؤلاء وصلهم ناقص، فإنهم لم يؤدوا الحق في كل ما افترض عليهم الحق فيه، ولذلك لابد من إشراك ذوي الرحم في جميع ما أوتي الإنسان من أنواع الخيرات، فيشمل ذلك الوقت والزيارة، وكثير من الأرحام صلتها ليست ببذل المال لها، فقد يكون ذو الرحم غنياً عنك، ولكن الصلة بالزيارة والسؤال عن الحال والاتصال، حتى يشعر بأن تلك الرحم مؤداة الحق وأنك لا تمل الاتصال بها، فإن شعور ذي الرحم بالملل مدعاة لخبث النفس، ولذلك يقول صخر بن عمر الشريدي: أرى أم عمر لا تمل عيادتي وملت سليمى مضجعي ومكاني وأيّ امرئ ساوى بأم حليلة فلا عاش إلا في شقا وهوان فعلينا أن نراجع أنفسنا، وأن نحاسبها في معاملة ذوي الأرحام، ففي واقعنا هذا نجد أن كثيراً من الناس يقطعون أرحامهم بالكلية، فيحبون أن لا ينسبوا إلى أحد، وأن لا ينتسب إليهم أحد، وأن لا تكون بينهم وبين أحد من أقاربهم علاقة، فيقطعون أشد الناس حقاً عليهم من الوالدين والإخوة والأخوات ويهجرونهم بالكلية! وما ذاك إلا خشية أن يشركوهم في شيء مما آتاهم الله، وهذا نظير الوأد الذي كان أهل الجاهلية يفعلونه.

стр. 465

حقوق ذوي الأرحام ومثل ذلك ما يفعله بعض الآباء والأمهات من التفريط في حقوق الأولاد، وعدم الاطلاع على ما في نفوسهم وما يدور في خلدهم، وعدم مشاورتهم في الأمر، واستصغارهم في كل الأمور، فهو من قطيعة الرحم. ولذلك فإن النبي ﷺ قال: (إن فاطمة بضعة مني، يريبني ما يريبها، ويريبها ما يريبني)، وفي حديث المسور بن مخرمة ﵄ في الصحيح، أن النبي ﷺ قال على المنبر: (ألا إن فاطمة بضعة مني، فمن أغضبها فقد أغضبني، ومن أغضبني فقد أغضبها)، فهذا يقتضي عناية الوالد بأولاده، والتقرب إليهم ومعرفته بأحوالهم وما يحبون ويبغضون، وقيامه بهذا الحق، وهذا الذي يقتضي من الأولاد كذلك الحرص على بر الوالدين.

стр. 466

صلة الرحم صدقة وصلة فالقريب أولى؛ لأن في ذلك صدقة وصلة، ولهذا جاءت زينب امرأة ابن مسعود ﵄ إلى رسول الله ﷺ ، وكانت امرأة من ثقيف وابن مسعود ليس قريباً لها فهو من هذيل، فجاءت هذه المرأة إلى رسول الله ﷺ تسأله عن صدقتها على زوجها ابن مسعود، وكان من فقراء المهاجرين الأولين الذين خرجوا من أموالهم لله ، ولم يصحب من ماله إلا سيفه الذي هاجر به من مكة. فجاءت امرأته تسأل رسول الله ﷺ عن صدقتها عليه أفيها أجر قال: (بل أجران، هي صدقة وصلة)، فلذلك فإن صدقة المرأة على زوجها هي صدقة وصلة. وكذلك ما يهديه الرجل لامرأته وما يدفعه إليها مما آتاه الله من المال إذا نوى به الأجر فهو عظيم الثواب عند الله، ولهذا أخرج الشيخان في الصحيحين عن سعد بن أبي وقاص ﵁ أن رسول الله ﷺ قال له: (إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت عليها، حتى ما تجعل في فيّ امرأتك، أي: في فمها، فهو صدقة كذلك) أي: يعتبر أجراً عند الله . ومثل ذلك إحسان الإنسان إلى أقاربه مطلقاً، حتى لو كان لديه من هو أقرب منهم، فقد صح عن النبي ﷺ أن مخرمة أتاه فسمع صوته والنبي ﷺ يقسم أثواباً أتته، فلما سمع صوت مخرمة أمسك ثوباً عنده، فلما دخل عليه رماه بين يديه فقال: (أرضي مخرمة؟ أرضي مخرمة؟)، فكان النبي ﷺ يداريه، أي: يسترضيه، وكان شيخاً كبيراً قد كف بصره، فخشي النبي ﷺ أن يغضب عليه إذا وزع الأثواب ولم يعطه ثوباً، وكان بينه وبينه رحم، فهو من بني نوفل بن عبد مناف والنبي ﷺ من بني هاشم بن عبد مناف. وكذلك فإن القريب إذا كان محتاجاً فإن الأجر في صلته مضاعف، كما إذا كان القريب مريضاً فقيراً يحتاج إلى خدمة، فإن زيارتك له تؤديها بنيات كثيرة تثاب على كل نية بثواب عمل كامل، فنية الصلة وحدها تأتي بعمل كامل، ونية عيادة المريض، ونية المواساة، ونية خدمة المحتاجين، ونية التوسعة على الفقراء، كل هذه النيات يثاب عليها الإنسان بثواب عمل كامل عند الله ، يضاعفه إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، والله يضاعف لمن يشاء. وكذلك إذا قصدت الصلة من بعيد، فإن الخطى التي تسيرها تكتب في ميزان حسناتك، ويشهد لك كل ما تمر به من ذرات الهواء والتراب، وقد جاء عن فاطمة ﵂ أن النبي ﷺ قال: (ما من خطوة بعد الجهاد في سبيل الله هي أحب إلى الله من خطوة في صلة الرحم)، فالخطوة أي: المسير الذي يسيره الإنسان. وإن كثيراً من الناس قد تعترضه المشاغل والمشكلات الكثيرة، فتحول بينه وبين زيارة أقاربه فعليه أن يجعل لذلك أمداً ووقتاً يزورهم فيه وأن لا يقطعهم بحال من الأحوال، فإن استطاع أن يجعل ذلك أسبوعياً فبها ونعمت، وإن لم يستطع فليجعلها في كل خمسة عشر يوماً، فإن لم يستطع ففي كل شهر، وعلى الأقارب أن يساعد بعضهم بعضاً في الزيارة. فلتكن زيارتهم متبادلة، فإذا كان هذا يزور في هذا الأسبوع، فالآخر يزور في الأسبوع الذي يليه وهكذا، حتى يقع التعاون على البر والتقوى ويقع التكامل، فلكل واحد منهما من الحق ما عليه. نعم لكبار السن من الحق ما ليس عليهم، وللعجزة من الحق ما ليس عليهم.

стр. 467

صلة الرحم لا يمنعها عدم المحرمية وصلة الرحم لا يمنعها عدم المحرمية، بل على الإنسان أن يزور قريباته، حتى لو لم يكن محارم له، فإن كان للإنسان بعض النساء اللواتي بينه وبينهن رحم لكنه ليس محرماً لهن فإن ذلك لا يمنع زيارته وصلته، بل عليه أن يزورهن وأن يتفقد أحوالهن وأن يقدم لهن بعض ما آتاه الله من أنواع الخيرات في أي مجال من المجالات. وقد كان أبو بكر وعمر ﵄ يذهبان إلى أم أيمن مولاة رسول الله ﷺ فيزورانها كما كان رسول الله ﷺ يزورها، فأتياها بعد موت النبي ﷺ ، فلما جلسا إليها وسلما بكت أم أيمن بكاءً شديداً، فقالا لها: وما يبكيك؟! أما علمت أن ما عند الله خير لرسول الله ﷺ من هذه الدنيا؟! فقالت: أما إني لا أبكي لأني لا أعلم أن ما عند الله خير لرسوله من هذه الدنيا، ولكني أبكي لانقطاع الوحي من السماء، فأبكتهما فبكيا بكاءً شديداً حتى قاما. فكذلك كان النبي ﷺ يزور مليكة أم سليم وكانت قريبة لـ عبد الله بن عبد المطلب والد رسول الله ﷺ ، فإن عبد الله بن عبد المطلب أبوه عبد المطلب وأمه سلمى بنت صخر بن عمر النجارية وهي ابنة عم مليكة أم سليم، فكان النبي ﷺ يزور تلك العجوز في بيتها ويصلي لها في بيتها ويدعو لها.

стр. 468

وجوب صلة ذي الرحم ولو كان مبتدعاً إن الذين يريدون سلوك هدي النبي ﷺ وطريقته عليهم أن يصلوا أرحامهم، والجفوة التي نشهدها بين كثير من الشباب الذين يتسننون ويأخذون بسنة النبي ﷺ وبين أرحامهم، دليل على نقص الفقه في السنة. فلو كان أولئك من المتضلعين بالسنة لوصلوا أرحامهم ولما قطعوها، حتى لو كان ذوو أرحامهم من المبتدعة، فإن ذلك لا يقتضي قطيعة الرحم، بل لابد أن يصلوا رحمهم حتى لو كان الرحم مبتدعاً؛ ليتخلقوا بخلق النبي ﷺ ، وليهتدوا بهديه. فقد صح عنه ﷺ (أنه عندما قفل من غزوة بدر نزل بفج الروحاء أو بالصفراء، فأمر علي بن أبي طالب أن يضرب عنق النضر بن الحارث وعقبة بن أبي معيط صبراً، ففعل، فأتاه كتاب من قتيلة أو نتيلة ابنة النضر أو أخته من مكة فيه هذه الأبيات: يا راكباً إن الأثيل مظنة من صبح خامسة وأنت موفق أبلغ به ميتاً بأن تحية ما إن تزال بها النجائب تخفق مني إليك وعبرة مسفوحة جادت بواكفها وأخرى تخنق هل يسمعنَّ النضر إن ناديته أم كيف يسمع ميت لا ينطق ظلت سيوف بني أبيه تنوشه لله أرحام هناك تشقق صبراً يقاد إلى المنية متعباً رسف المقيد وهو عان موثق أمحمد يا خير ضيء كريمة في قومها والفحل فحل معرق ما كان ضرك لو مننت فربما منَّ الفتى وهو المغيظ المحنق أو كنت قابل فدية فلنأتين بأعز ما يغلو لديك وينفق فالنضر أقرب من أسرت قرابة وأحقهم إن كان عتق يعتق فلما قرئت الأبيات على رسول الله ﷺ دمعت عيناه، وقال: لو أتتني هذه الأبيات لأرسلته إليها برمته)، أي: بحبله الذي فيه، فهو امرؤ مشرك كافر، وكان محارباً لله ورسوله، ومع ذلك رق له رسول الله ﷺ حين استنشد بالرحم. إن من أراد التسنن بسنة النبي ﷺ عليه أن يصل أرحامه، وأن يسعى لاستصلاحهم وانتصاحهم، وأن لا يقاطعهم، فليست مقاطعتهم بعلاج لما هم فيه من المخالفة للهدي النبوي، كذلك فإن على الذين أنعم الله عليهم بنعم لم تكن لدى من مضوا من أسلافهم، أن يعلموا أن قيد هذه النعم بشكرها، وإن من شكرها أن يصلوا أرحامهم بها، وعليهم أن يستشعروا نعمة الله عليهم، فليتذكروا حال أسلافهم وأجدادهم، وما كانوا فيه قبل أن يفتح الله عليهم ما فتح من أبواب الدنيا. وليتذكروا كذلك أن الدنيا لا تدوم على حال، وأنها عرض زائل، وأن كل ما فيها إلى زوال، فما أعجل انقطاعها وانصرامها، فعلى من أوتي بعضها أن لا يغتر به، وأن يعلم أنه امتحان امتحنه الله به، وأنه إذا جعل الله الدنيا تحت يد البخيل، فإنه سرعان ما يذهب الله بها، كحال التراب الذي على الصخر عندما يأتيه المطر الشديد فيذهب به، كما ضرب الله بذلك مثلاً لحال الغني البخيل بالصخرة الصماء التي يجتمع عليها التراب، فيأتي المطر فيذهب به، فتبقى خالية ليس عليها شيء من التراب. فعلى هؤلاء أن يتذكروا أن الله امتحنهم بما جعل تحت أيديهم، وبالنعمة التي آتاهم، فعليهم أن يشركوا فيها أقاربهم، وأن يعلموا أن الصدقة على القريب صدقة وصلة، قال علي بن أبي طالب ﵁: والله لدرهم أنفقه على قريب لي أحب إليّ من عشرة أتصدق بها على معدم، ولعشرة أعطيها قريباً لي أحب إليّ من مائة أتصدق بها على معدم.

стр. 469

البر بالوالدين والإحسان إليهما وكذلك على الولد أن يفعل ما أمر الله به من التأدب فيما يتعلق بحق الوالدين، من خفض جناح الذل لهما من الرحمة، فيكون بين يديهما مأموراً ينتظر الأمر، ويحب أن يؤمر بأيّ أمر حتى لو كان شاقاً؛ ليبادر إليه، فهذا هو سبب دخول الجنة، وهو الذي أرشد الله إليه، وبين في كتابه عظمه وأهميته، حيث عطفه على الإيمان به ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء:٢٣]، وفي الآية الأخرى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [النساء:٣٦]، وغير ذلك من الآيات الصريحة في هذا الأمر. فهذه كلها تقتضي أن يخفض الولد جناح الذل من الرحمة لوالديه، وأن لا يخاطبهما إلا بأبين عبارة، وأن لا يرفع عليهما الصوت، وأن يكون ذليلاً بين يديهما، يأمرانه بما يشاءا، فهذا الذي ينبغي للولد أن يكون عليه مع والديه. وإذا كان الأمر كذلك تحسس الولد ما يرضي والده، وبحث عنه حتى ولو لم يأمره به، وتحسس كذلك ما يغضب والده، فيفر منه ويجتنبه حتى ولو لم ينهه عنه، وإذا حصل ذلك حصل التآلف في الأسرة، واجتماع الكلمة، وحصل فيها من محبة بعض أفرادها لبعض الشيء الكثير. وقد رأينا عجباً من هذا، فقد رأيت رجلاً كان يسكن في هذه المدينة وكان من التجار، وكان أبوه شيخاً كبيراً هو سيد قبيلته، وكان الولد من أصغر أولاده، لكنه كان أبرهم به، فكان الولد يسارع إلى كل ما فيه بر لوالده، فيقول الوالد: إنه يسبقني إلى مرادي، فيأتي بالشيء الذي أريده قبل أن أفكر فيه؛ وهذا من شدة بره به. وكان الوالد بعد هذا إذا رأى أحداً من أصدقاء ذلك الولد قام بخدمته؛ من شدة محبته لذلك الولد، وكان الوالد كحال شيوخ أهل البادية، قد لا يفهمون أو لا يستوعبون كثيراً من أمور الدعوة أو كثيراً من تفاصيل الأمور، لكنه كان إذا قيل له: إن ابنك محمد محمود في هذا الأمر، قال: محمد محمود لن يكون إلا فيما هو خير في الدنيا والدين. وقد توفى الله هذا الرجل -نسأل الله أن يغفر له ويرحمه- فكان أبوه بعد ذلك إذا رأى أحداً من الذين كانت بينه وبينهم علاقة يقول: هذا من أصحاب محمد محمود، ومحمد محمود لا يصحب إلا الصالحين، كان أبوه يشهد له بهذا فيما بعد. وهذا يدلنا على أن الخلاف الذي يحصل بين الوالد وولده سببه نقصان البر، فإن كان الولد براً بوالده فسيحب له ما يحب، وسيبادر إلى مرضاته، والتأثير في عقلية الوالدين ميسورة سهلة، فقد جبلهما الله على الرحمة، لكن على الولد أن لا يتعجل، وأن لا يبادر إلى المخالفة، بل عليه أن يتقرب إلى الوالدين، وأن يجعل نفسه أشد أولادهم براً، وإذا حصل على ثقتهما فلن يخالفاه في أيّ شيء يريده بعد ذلك.

стр. 470

صلة الأرحام مما تتوارثه بعض الأسر والبر من الأمور التي تتوارث في الأسر، فإذا كان الإنسان براً بوالديه فسيبره أولاده، ويستمر ذلك البر متوارثاً في السلالات، ونسأل الله السلامة والعافية، ففي المقابل إذا كان الإنسان عاقاً لوالديه فسيعقه أولاده، وقد جرب ذلك وحصل. روي أن عمر بن الخطاب ﵁ رأى شاباً ملوي اليد، قد يبست على الالتواء، فسأله فقال: ما ليدك هذه؟ قال: دعوة أبي، فقال: ماذا قال؟ فأنشده أبياتاً لوالده يقول فيها: وربيته حتى إذا ما تركته أخا القوم واستغنى عن المسح شاربه وبالمحض حتى آض نهداً عنطنطاً إذا قام ساوى غارب الفحل غاربه فأخرجني منها لقىً ولوى يدي لوى يده الله الذي هو غالبه فتحققت فيه دعوة أبيه، ويبست يده ملوية، وكذلك فإن بعض السلالات اشتهرت بالبر، ومن ذلك البيت النبوي الشريف، فإن آل بيت النبي ﷺ اشتهر فيهم بر الوالدين واستمر ذلك فيهم، وكان من صفاتهم التي يعرفون بها، فقد كان كثير منهم يتخفى في أيام الفتن؛ لكثرة متابعات الناس لهم ومقاتلتهم لهم، لكن كان الناس يعرفونهم بالبر والازدياد فيه والمبالغة فيه. وقد ذكر ذلك عدد من الذين ذكروا صفات أهل البيت من المؤلفين، فقد اشتهر ذلك فيهم، حتى إن بعضهم كان يصرح به، فقد صح عن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵃ أجمعين وأرضاهم أن آل بيت رسول الله ﷺ كانوا يعرفون بالبر وصلة الرحم، فهي من صفاتهم المشهورة المعروفة، ولا غرابة في ذلك، فهم أهل بيت ليس عهدهم في ذلك بقديم، فهذه صفة النبي ﷺ التي وصفه بها كل من عرفه. ولذلك فإنها -أي: صلة الرحم- من أوائل ما كان النبي ﷺ يدعو إليه ويأمر به، فقد أخرج البخاري ومسلم في الصحيحين من حديث ابن عباس عن أبي سفيان بن حرب أنه كان في قوم من قريش، وكانوا تجاراً في الشام، في المدة التي ماد فيها رسول الله ﷺ أبا سفيان وكفار قريش، فبعث رسول الله ﷺ بكتابه فسلمه إلى صاحب بصرى ليسلمه إلى هرقل، فلما أتاه كتابه سأل: هل بالشام أحد من قريش؟ فدل على أولئك الركب، فأتي بهم، فجمع وجوه الروم في قصر له، وأمر بأبوابها فأغلقت، ثم سألهم فقال: أيكم ألصق نسباً بهذا الرجل؟ قال: أبو سفيان فقلت: أنا ألصقهم نسباً به، فقال: أدنوه عندي واجعلوا أصحابه وراء ظهره، ثم قال لترجمانه: قل لهم: إذا كذب فكذبوه، قال: فسألني اثني عشر سؤالاً عن أحوال النبي ﷺ ، وكان مما سأله عنه أن قال: فبم يأمركم؟ قال يأمرنا بالصدق والبر والصلة، وأن نعبد الله وحده ونترك ما يقول آباؤنا. فمن أول ما كان النبي ﷺ يدعو إليه الصلة، فهي إذاً كانت قديمة في دعوته ﷺ ، وكان المشركون يعرفون دعوته بأنها دعوة صلة.

стр. 471

صلة الرجل أهل ود أبيه وكذلك فإن رجلاً سأل النبي ﷺ : (هل بقي عليه بعد موت والديه شيء من برهما؟ فأخبره بخمس فقال: نعم، أن تصلي عليهما، وأن تستغفر لهما، وأن تنفذ عهودهما، وأن تصل أرحامهما، وأن تصل ذوي ودهما)، فهذه خمسة أمور تبقى بعد موت الوالدين من برهما. وقد صح في الصحيحين عن ابن عمر (أنه كان في طريقه بين مكة والمدينة، فأتاه أعرابي فأعطاه ابن عمر حماراً له كان يركبه، وعمامة له كان يستظل بها من الشمس، فقال ابن دينار وهو مولى ابن عمر راوي الحديث عنه: رحمك الله يا أبا عبد الرحمن! إنهم الأعراب وإنهم يرضون بأقل من هذا، فقال ابن عمر: إن أب هذا كان صديقاً لـ عمر بن الخطاب، وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن من أبر البر أن يصل الولد -وفي رواية: الرجل- ذوي ود أبيه)، أي الذين كان بينهم وبين أبيه ود، فمن أبر البر أن يصلهم ولده. وهذا لا يختص بالوالد الذكر، بل يشمل كل والد والأم داخلة في عموم الوالد؛ وهكذا آباؤها وأمهاتها. فالصلة أصلها للرحم، والرحم في الأصل مكان الولد من الأم، فالأرحام من جهة الأمهات في الأصل أكثر دخولاً في صلة الرحم من الأرحام من جهة الآباء، ولهذا كان العرب يفرقون في النسب بين الظهر والبطن، أو بين الظهر والرحم، فالأرحام قد تطلق على أقارب الأم فقط؛ لأن الولد خرج من رحم أمه، والرحم مشتق من ذلك.

стр. 472

اغتنام صلة الأرحام قبل الانقطاع عن الدنيا على الإنسان الذي يعلم أن مدة بقائه في هذه الحياة الدنيا قليلة، وأن انتقاله عنها سريع، أن يصل أرحامه قبل أن ينقطع عنهم انقطاعاً لا يجتمع معهم بعده، إلا في الجنة أو في النار، نسأل الله السلامة والعافية. وفي هذا يقول أحد الحكماء: وصل حبيبك ما التواصل ممكن فلأنت أو هو عن قريب ذاهب إما أن تذهب أنت وإما أن يذهب هو، فأنت أو هو عما قريب ذاهب. كذلك على الإنسان أن يعلم أن فرصه في صلة الرحم قليلة وستنقطع، فأنت الآن بالإمكان أن تذهب وتزور، وبالإمكان أن تجد فراغاً في الوقت لصلة الرحم، وبالإمكان أن تقدم جزءاً من مالك في صلة الرحم، لكن سيأتي وقت لا تجد فيه ذلك، فعليك أن تنتهز هذه الفرصة لهذا العمل الصالح المبارك، الذي يزيد في العمر ويبارك في الرزق ويعمر الديار، فقد جاء في حديث عائشة عن النبي ﷺ أن صلة الرحم تزيد في الأعمار وتعمر الديار وتكثر الأموال والأولاد، فهي سبب لكل هذه النعم العظيمة. فعلى الإنسان أن يبادر إليها قبل أن يفوت الأوان، وأن يعلم أنه ليس بالإمكان دائماً أن يفعل ذلك، فلهذا على الإنسان أن يتذكر أن الصنيعة قد لا تتأتى في كل الأوقات، فليس كل وقت يتأتى للإنسان فيها أن يصل رحمه أو أن يفعل معروفاً، فإذا وجد ذلك فليبادر إليه، وإذا وجد محتاجاً يمكن أن يقدم إليه خدمة فليبادر إلى ذلك، وليعلم أنها امتحان من الله تعالى، كما قال الحكيم: واشكر فضيلة صنع الله إذ جعلت إليك لا لك عند الناس حاجات فالإنسان إذا كانت الحاجات إليه لا له فقد أكرمه الله بنعمة عظيمة ينبغي أن يبادر لشكرها، وأن يعلم أنه ممتحن بها، كحال الثلاثة الذين امتحنهم الله بالملك الذي أرسله إليهم، وهم: الأقرع والأبرص والأعمى، وقصتهم مشهورة معروفة قد حدثنا بها أكثر من مرة.

стр. 473

من عواقب قطيعة الرحم علينا أن نصل أرحامنا، وأن نعلم أن كثيراً من الضيق في الرزق، ومن نقص البركة في العمر، ومن عدم الارتياح والطمأنينة في الوظائف والأعمال سببه عدم أداء حق الرحم، وقد سمعت من بعض العقلاء في هذا البلد أنه جرب تجربة، وهي أن كل موظف أنفق راتبه الأول في صلة أرحامه سيبارك في راتبه ولن يبتلى بالديون بعد ذلك، وأن كل من لم ينفق راتبه الأول في صلة أرحامه قل ما يبارك له في راتبه، وقد ذكر أمثلة كثيرة من ذلك في واقعه وفي الذين يعرفهم. فلا شك أن صلة الرحم سبب للبركة مطلقاً، فلذلك ينبغي للإنسان أن يعلم أن كثيراً مما يعانيه من عدم استجابة دعائه، أو من تأخر نجاحه في الامتحان، أو من التضييق عليه في الرزق، أو من عدم وجود الأولاد أو الزوج الصالح، أو غير ذلك من النعم، إنما تحبس بتأخره عن صلة رحمه، فليتعاهد رحمه وليبادر لصلته، فإن ذلك سبب لفتح الأغلاق. كان رجل من الأنصار عاقاً بأمه، فلما أدركه الموت عرضت عليها الشهادتان فامتنع ولم يستطع أن ينطق بهما، فاشتد ذلك على الناس، فأرسلوا إلى رسول الله ﷺ يخبروه بشأنه، فدعا أمه فسألها أن تغفر له وأن تسامحه، فامتنعت من ذلك، فأمر بنار فأوقدت، ثم قال: احملوه فارموه في النار، فلما رأته أمه يحمل إلى النار رحمته فسامحته وغفرت له، فحينئذٍ انطلق لسانه بالشهادتين، فما زال يكررهما حتى مات. إن أمراً يحول بين الإنسان وبين النطق بالشهادتين لأمر عظيم، وبالأخص عند الموت والاحتضار، كذلك فإن كثيراً من الذين يخالطهم الإنسان ويعايشهم قل ما يسلم من الحيف عليهم والجور، فعليه أن يحاول استرضاءهم قبل أن يخاصموه بين يدي الله. وقد حدثني رجل من العلماء والمعروفين بالصلاح في جزيرة العرب، أن أمه كانت امرأة صالحة قوامة صوامة، وكانت تخدمها جارية، فكانت ربما أساءت إليها، وهو لا يعلم إلا خيراً لا يعلم ذلك، فلما ماتت أمه رأتها جارة لهم من الصالحات في النوم، فقالت: اذهبي إلى ابني عبد الرحمن فأخبريه أني بخير وأني ما لقيت ضرراً إلا من فلانة، فقد كنت أسأت إليها فليسترضها عني، قال: فجاءتني المرأة تطرق عليّ الباب بعد صلاة الفجر فأخبرتني بما رأته في النوم، فذهبت إلى تلك الجارية أسترضيها، فقلت: هل لك حق على فلانة، فقالت: لا، وامتنعت في البداية أن تقر بشيء، فما زلت بها حتى أقرت أنها ماتت وهي تجد عليها في نفسها، قال: فاسترضيتها بمال حتى رضيت، ثم مكثت أسبوعاً فإذا المرأة تطرق عليَّ الباب بعد صلاة الفجر، فقالت: لقد رأيت أمك البارحة في حالة عجيبة من النعيم، فأخبرتني أنك سددت عنها باباً عظيماً كانت تجد منه أذى. فلذلك على الإنسان أن يسترضي الذين يمكن أن يكون أساء إليهم من الخدم أو الجيران أو الذين يعاشرهم، فهم خصوم يوم القيامة، فعلى الإنسان أن لا يدعهم يحملون الضغائن فيأتون بين يدي الحكم العدل فيشكون إليه ، وما دام الإنسان في هذه الدنيا يستطيع أن يسترضي خصومه فعليه أن يبادر لذلك. إن الكلام حتى لو طال وانتشر في صلة الأرحام لن يؤدي شيئاً منها، وإن ما ذكرناه إذا لم نعد به إلى واقعنا ونطبقه في أمور حياتنا فلا أثر له ولا فائدة، لكن علينا أن نذهب إلى بيوتنا ونحن عازمون على أداء هذا الحق الذي سمعناه وسمعنا أدلته من كلام الله وكلامه رسوله ﷺ . وأن نعزم على أداء الحقوق إلى ذويها، وعلى صلة الأرحام ما استطعنا، وأن نستسمحهم فيما مضى من التفريط، فإنها حقوق تحمل إلى الدار الآخرة. نسأل الله أن ينفعنا بما علمنا، وأن يعلمنا ما ينفعنا، وأن يزيدنا علماً، وأن يبارك لنا فيما سمعنا، وأن يجعله حجة لنا على علينا، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى وآله وأصحابه أجمعين.

стр. 474

المنهجية في طلب العلم العلم خير ما تفنى فيه الأعمار، وأفضل ما يتنافس فيه الأبرار، حتى جعل الله للعلماء منزلة سامقة، ومكانة عالية، وأكرمهم بما لم يكرم به غيرهم، ولطالب العلم آداب وأركان وأجنحة ينبغي له معرفتها ومراعاتها في حال طلبه وانشغاله بالعلم، كما أن عليه أن يهتم بترتيب الأولويات، وتقديم الأهم على المهم.

стр. 475

فضل العلم والعلماء بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على من بعث رحمة للعالمين، وعلى آله وأصحابه، ومن اهتدى بهديه، واستن بسنته إلى يوم الدين. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أما بعد: فإن الله عظم شأن العلم، فأشهد العلماء على أعظم شهادة بعد أن شهد بها وأشهد بها ملائكته، فقال تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ﴾ [آل عمران:١٨]. وحكم بفضلهم على من سواهم، فقال: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر:٩]. وأخبر أنهم وحدهم المؤهلون لفهم كلامه، فقال: ﴿وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ [العنكبوت:٤٣]. وأخبر أنه يرفع درجاتهم في الدنيا والآخرة، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انشُزُوا فَانشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة:١١]. وأخبر أنهم وحدهم الذين يخشون الله حق خشيته، فقال: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر:٢٨]. وبين أنه فضل الجنس البشري على غيره من الأجناس بالعلم، فقال: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ * قَالُوا سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ * قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ [البقرة:٣١ - ٣٣]. ولم يؤمر النبي ﷺ بالاستزادة بشيء من أمر الدنيا إلا من العلم، فقال: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه:١١٤]، وقد نوه النبي ﷺ بشأن العلم والعلماء، فقد أخرج البخاري في الصحيح من حديث معاوية بن أبي سفيان ﵄ أن النبي ﷺ قال: (من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين، فإنما أنا قاسم والله المعطي، ولا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خالفهم، حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك). وأخرج مسلم في الصحيح من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (ومن سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة، وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله، يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده، ومن أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه). وأخرج البخاري في الصحيح من حديث عثمان بن عفان ﵁ أن النبي ﷺ قال: (خيركم من تعلم القرآن وعلمه). وأخرج البخاري في الصحيح من حديث أبي موسى الأشعري ﵁ أن النبي ﷺ قال: (مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضاً، فكان بها طائفة نقية قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وأصاب بها طائفة أخرى أمسكت الماء على الناس، فسقوا ورعوا وزرعوا، وأصاب بها طائفة أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماءً ولا تنبت عشباً، فذلك مثل من نفعه الله بما جئت به فعلم وعلم، ومثل من لم يرفع بذلك رأساً ولم ينفعه هدى الله الذي أرسلت به).

стр. 476

اغتنام الأوقات قبل ضياعها لا شك أن الفضل العظيم للعلم الذي نوه الله به في كتابه ونوه به رسوله ﷺ ، مقتضٍ من ذوي الهمم العالية الراغبين في رفع الدرجات، أن يبادروا وأن يتنافسوا، وأن يستغلوا الأوقات -قبل ضياعها- للالتحاق بالرعيل الذي انطلق، وبالركب الذي سار. فهذه الدنيا مدتها ضئيلة يسيرة، وقيمتها هي الوقت الذي يمضيه الإنسان فيها، ومن لم يستغل هذا الوقت كان وبالاً عليه بين يدي الله؛ لأن الله يخاطب أهل النار يوم القيامة فيقول: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾ [فاطر:٣٧]. لابد أن يتفكر المسلم أنه جاء إلى الأرض وليس من سكانها الأصليين ولا من أهلها، وإنما أهبط إليها إهباطاً من الجنة، وجاء لمهمته العظيمة بتأشيرة مدتها محددة، فعليه أن يؤدي عمله قبل أن تنتهي تأشيرته ويرجع، فالذي ذهب بتأشيرة مدتها محدودة، وتكلف التكاليف، وقطع المسافات، ثم رجع خائباً ولم يؤد أي عمل مما خرج من أجله؛ لا يمكن أن يعد رابحاً بأي مقياس من مقاييس الدنيا؛ فلذلك علينا أن نتذكر أننا جئنا هنا من أجل مهمة محددة، حددها الله في كتابه فقال: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦]، وأن مدة بقائنا في هذه الدار محصورة، قال الله تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ [المؤمنون:١١٥ - ١١٦]. فنحن راجعون إلى الله لا محالة، ومسئولون عن هذه المهمة التي من أجلها أهبطنا إلى هذه الأرض، ولا يمكن أن يدعي أحد منا أنه لم يؤت الوسائل، فقد أتاح الله لنا من الوسائل، وسخر لنا من النعم ما لا يمكن أن نحصيه، سخر لنا الليل والنهار وما فيهما، وسخر لنا السماء والأرض والبحار والأنهار والجبال والسهول، وجميع ما في هذه الأرض جعله مسخراً لعبادته وطاعته؛ ولذلك يمكن أن يستفيد الإنسان في عبادته من كل شيء في الأرض، قال بعض أهل العلم: ما من شيء في الأرض إلا وهو معين لابن آدم على عبادة ربه، إن كان فيه نفع انتفع به في قوة بدنه أو عقله، وإن كان فيه ضرر كان امتحاناً له ليثبت ويصمد، وإن لم يكن فيه نفع ولا ضرر كان فيه اعتبار وتذكر، وفي الجميع منافسة؛ لأن جميعها مسبحة لله، وجميعها ساجدة لله: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء:٤٤]، فتستشعر أن ثوبك ينافسك في القرب من الله والسجود له والتسبيح بحمده، وأن شعرك ينافس لسانك، وأن كل عضلة من عضلاتك وكل ذرة من ذراتك هي منافسة لك في التقرب إلى الله بالعبادة، كما تستشعر المنافسة من إخوانك وبني جلدتك والبشر جميعاً، فالله تعالى يقول: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ [الإسراء:٥٧]، فالجميع يتنافسون في القرب منه وفي عبادته وطاعته، وإذا استشعر الإنسان ذلك أحس أن كل ما في الأرض مهيأ ومسخر ليعينه على طاعة الله وعبادته، وأبلغ الطاعات والعبادات هي ما أوجب الله ، كما قال: (وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه)، وما افترضه الله لا يمكن أن يعرف ويميز بينه وبين غيره إلا بالتعلم.

стр. 477

العلم قبل القول والعمل التعلم شرط لأداء الفرائض، وشرط لأداء السنن، وشرط لأداء المندوبات، وشرط لاجتناب المحرمات، وشرط لاجتناب المكروهات، وشرط لاستغلال الأوقات، لا يمكن أن تقدم على أي شيء إلا على أساس العلم، وإذا أقدمت على أي أمر دون أن تعرف حكمه فأنت عاصٍ قطعاً؛ لقول الله تعالى: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء:٣٦]، فأنت مأمور بالتعلم قبل العمل، وقد عقد البخاري في الصحيح باباً قال فيه: باب العلم قبل القول والعمل؛ لقول الله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [محمد:١٩]، فبدأ بالعلم أولاً قبل القول وهو: شهادة أن لا إله إلا الله، وقبل العمل بذلك وهو الاستغفار، فبدأ بالعلم قبل القول والعمل، وهذا يقتضي منا أن نعلم أن العلم هو المفتاح الأول في النجاح في حياتنا وفي مهمتنا التي أهبطنا من أجلها إلى هذه الأرض، وهذا العلم لا يمكن أن نطيع ربنا إلا به، وما عصي الله إلا عن جهل به أو بشرعه، فالجهل بالله سبب لمعصيته؛ لأن الإنسان إذا لم يعرف الله ونهي عن أمر من الأمور، وكان يخاف عقوبة تترتب على تلك المخالفة، فإنه سيحاول الاحتيال عليها أو إخفاءها، لكن إذا عرف الله، وعرف أنه هو الجليل الكريم الكبير، وأنه لا يمكن أن يخفي عنه الإنسان شيئاً من تصرفاته، وأنه أقرب إليه من حبل الوريد، وأنه يعلم السر وأخفى؛ حينئذ سيخافه ويقلع عن معصيته، كذلك قد يعصي شخص الله تعالى على أساس جهله بما يقدم عليه؛ لأنه يظن أنه عبادة وطاعة، فيفعله وهو في نفس الوقت معصية، فهذا جهل بشرعه لا به، فالجهل قسمان: جهل بالله وجهل بشرعه، وكلاهما سبب لمعصيته ومخالفته، ولا يمكن أن يتخلص الإنسان منهما إلا بطلبه للعلم. الإنسان الرشيد يعلم أن الفرص المتاحة نادرة، وأن الوقت ضيق جداً، ونحن نستشعر في أيامنا هذه سرعة الزمان، فعجلاته أصبحت تدور بسرعة غير طبيعية، وقد أخبر النبي ﷺ بذلك فقال: (إن بين يدي الساعة أياماً تكون السنة فيها كالشهر، والشهر كالجمعة، والجمعة كاليوم، واليوم كالساعة، والساعة كاشتعال السعفة)، وقت سريع جداً، ولا يزداد الزمان إلا إسراعاً، فلذلك نحتاج إلى استغلاله قبل فوات الأوان، فكل يوم نودع بعثاً إلى الدار الآخرة لا يرجعون إلا عند النشور، منهم من هو معاصر لنا في سننا، ومنهم من هو أصغر منا، يدفنون جميعاً في المقابر، ويقدمون إلى ما قدموا، وتزول عليهم الغشاوة، فيرون الأمر حق اليقين، ويبدو لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون، ولاشك أنهم سيندمون جميعاً، فالمحسن يندم على عدم الازدياد، والمسيء يندم على أصل إساءته، فما من أحد من أهل الآخرة إلا وهو في ندم، فالآخرة كلها دار ندم، المحسن يندم ألا يكون قدم زاداً أكثر لما يرى من تفاوت الناس، ولما يعلم من استحقاق الله للزيادة في الطاعة والعبادة، والمسيء يندم على أصل إساءته، لماذا فرط في جنب الله؟ ولماذا قصر في أداء حقوقه؟

стр. 478

أركان التخطيط لطلب العلم علينا أن نستغل أوقاتنا في طلب العلم والعمل به، وأولى ما تصرف فيه الأوقات أربعة أمور، هي خطة موضوعة لطلب العلم، فالناس مولعون بالتخطيط، ويبحثون عن استغلال الطاقات استغلالاً جيداً، ولا يكون ذلك إلا من خلال تخطيط محكم.

стр. 479

دراسة البيئة الخارجية الركن الثالث من أركان التخطيط: دراسة البيئة الخارجية، أي: المحيط الذي تعيش فيه، وهذا المحيط لاشك أنك ستجد فيه فرصاً تستطيع استغلالها في الوصول إلى أهدافك، وتجد فيه في المقابل أشياء فيها خطر عليك؛ لأنها ربما تقطعك عن بعض أهدافك، فالمحيط الذي من حولك لا يمكن أن تعيش بدونه، فأنت محاط به فتحتاج إلى دراسته، فتعرف ما فيه من نقاط إيجابية يمكن استغلالها وهي مثلاً: تعاون الناس في المجال العلمي. احترامهم لمن يشتغل بالعلم. الظروف المواتية للطلب. وجود كثير من المنافسين الذين يحثونك على الطلب؛ لأنهم ينافسونك فيه. فهذه فرص تزيدك في الطلب، وفي المقابل هناك مخاطر تقطعك عن الطلب، كالملهيات، والمشاغل الدنيوية، ومنها وسائل الإعلام، فرغم إيجابيتها ففيها بعض السلبيات وهي: أنها تقطع عن الطلب، وتنقص الوقت، وتنقص بركته مما يراه الإنسان من مظاهر، وما تنقل إليه من الأخبار المحزنة. وهكذا تبحث عن المخاطر التي من حولك فتحاول التقلل منها والابتعاد عنها، وتحاول الاستفادة من الفرص.

стр. 480

تزمين الخطط الركن الرابع من أركان التخطيط هو: تزمين الخطط، وهو أن يكون لك وقت معين تقيس فيه ما قطعته من أشواط، فلابد أن تعلم (أن المنبت لا أرضاً قطع، ولا ظهراً أبقى)، فأنت لا تستطيع أن تسهر الليل والنهار جميعاً في الطلب، وقد تقرأ في حياة بعض السلف كثرة الاشتغال في الليل والنهار، فمثلاً النووي ﵀ مكث في وقت الطلب في دمشق أربع سنين لم ينم مضطجعاً، كان ينام مسنداً ظهره إلى اسطوانة، ولم يكن يضطجع خلال هذه المدة، واجتنب بعض المآكل لشبهة فيها ومخالفة لما يهواه، فمثل هذه الأمور نحن لا نطلبها في طالب العلم اليوم، لأن فيها جلد وقوة لا تحصل إلا من الأفذاذ والنوابغ، لكن نريد منك فقط تزمين وتقسيم الأهداف على الوقت الذي لديك، وأن تخطط لمدة محددة، ولو مت قبلها فهي في ميزان حسناتك، وليس هذا من طول الأمل ولا من التسويف، فخطط لمدة محددة، فإذا بلغتها فالحمد لله تكون قد نجحت فيما تريد، وإن لم تبلغها فأنت سائر على الطريق، والإنسان يثاب على نيته وعزمه، وكما قال النبي ﷺ : (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى)، وقد حضنا ﵊ على الأيسر فالأيسر من الأسباب. أخرج البخاري في الصحيح قال: حدثنا عبد السلام بن مطهر قال: حدثنا عمر بن علي عن معن بن محمد الغفاري عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: (إن الدين يسر، ولن يشاد الدين إلا غلبه)، وفي رواية: (ولم يشاد الدين إلا غلبه)، وفي رواية: (ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه، فسددوا، وقاربوا، وأبشروا، واستعينوا بالغدوة والروحة، وشيء من الدلجة). فأنت محتاج إلى أن تجعل جزءاً من الوقت لراحتك، وجزءاً لدنياك، وجزءاً لأهلك، وجزءاً لمشاغلك الدنيوية، لكن ما دمت طالباً للعلم فلابد أن تخصص وقتاً للطلب، وهذا الوقت تستغله استغلالاً مبرمجاً، لابد من ذلك، وحينئذ تزمنه وتوزعه، فالعلم لا يؤخذ جزافاً، ولا يمكن أن يحيط به محيط، فلابد أن يوزع، وأن يبدأ بأولوياته ومفاتيحه، وأن تترك الفروع والتوسعات، فإن الوقت غير مناسب لها. فالوقت هو مثل وقت الناس الآن في الاستعداد لرمضان، فرمضان قد اقترب على الأبواب، وبدأ الناس يستعدون له؛ لأن شعبان سريع الذهاب، وكذلك مدة بقاء هذه الحياة الدنيا وسرعتها، وينبغي أن نتصور هذا التصور، وقديماً قال عبد الله بن المعتز أمير المؤمنين ﵀: إذا العشرون من شعبان ولت فواصل شرب ليلك بالنهار ولا تشرب بأقداح صغار فقد ضاق الزمان على الصغار وهكذا يضيق الزمان عن تتبع المسائل العلمية الدقيقة في كل فن من الفنون، ولم يعد الوقت مناسباً لها، وليس معنى هذا أننا نزهد فيها، لا، لكن نرى ترتيب الأوليات في طلب العلم، فلابد أن يبدأ الإنسان بالأولى ثم الذي يليه، فإذا أراد الإنسان أن يضع خطةً لطلبه للعلم، فعليه أن يبدأ أولاً بتحصيل شروط العلم، ثم يبدأ بعدها بالأجنحة التي تطير به، ثم يرتب أولويات العلوم التي يدرسها، وهذه ثلاثة أمور مهمة جداً في التخطيط للعلم.

стр. 481

تحديد الأهداف وتحليلها التخطيط لطلب العلم له أربعة أركان: الركن الأول: تحديد الأهداف وتحليلها: تحدد الأهداف التي تطلبها ثم تحللها حتى تجعلها جزئيات صغيرة، لتتمكن من أدائها، فإذا لم تحدد هدفك ستعيش مثل حياة البهائم: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ [محمد:١٢]؛ لأنه ليس لهم هدف في الحياة، فهم يعيشون كما تعيش البهائم، لا يفكرون فيما بعد الموت. فمدة حياتهم في تصورهم هي هذه المدة اليسيرة القليلة، وحظهم من المعاش ما أخذوه من ملذات الحياة الدنيا الزائفة الزائلة، ثم لا خلاق لهم في الآخرة، وهذا لا يرضى المؤمن به بوجه من الوجوه، المؤمن لا بد أن يفكر في معاده ومستقبله، ولابد أن يخطط لذلك، ومن هنا لابد أن يكون لديه هدف كبير وهو: تحقيق رضوان الله، وأن يرضى الله عنه. فإذا رضي الله عنا لا يضرنا ما لم يتحقق لنا من أمور الدنيا، الذين قتلوا يوم أحد، وبقرت بطونهم، وأخرجت أكبادهم، وقطعت أنوفهم وآذانهم ﵃ هل ضرهم مما حصل شيء؟! والذين عاشوا بعدهم من الصحابة لحقوا بهم وماتوا جميعاً، إذاً: لم يفتهم شيء من هذه الحياة الدنيا، وأدركوا ما يريدون من رضوان الله. من ﵁ لا يضره ما فقد ولا يضره ما نقصه من هذه الحياة الدنيا، ومن لم يرض الله عنه -والله- لا ينفعه ما أحرز وما حقق من الأهداف، وما وصل إليه من المراتب، لا ينفعه ذلك شيئاً. إذاً: لابد أن يكون الهدف الأسمى والغاية التي نريدها: تحقيق رضوان الله، وأن نتقرب إليه بما يرضيه عنا. وإذا كان هذا الهدف واضحاً بين أعيننا فلابد أن نبحث عن تجزئته، وأن نحلل هذا الهدف، وتحليله سيجعله سهلاً؛ لأنك ستجعله مراتب، فمثلاً: تفسير الإمام البغوي تفسير كبير، وإذا كان من هدفك -مثلاً- قراءة هذا التفسير كاملاً، ولم تجزئه على الوقت، سيكون شاقاً وصعباً لديك، ويكون بمثابة جبل تحمله، لكن إذا جزأته وقرأت كل مقطع منه، فإنك تكون قد أنجزت هدفك إذا قرأت ذلك المقطع، فمثلاً إذا أردت قراءة سورة البقرة وآل عمران، وأنجزت ذلك، فأنت ناجح على كل حال، بخلاف الذي يريد قراءة الكتاب كاملاً ولم يكمله فهو فاشل، لأن الهدف الذي حدده لم يصل إليه، بخلاف الذي حلل الهدف وجعله أهدافاً صغيرة، فهو ناجح عندما يصل إلى كل هدف من الأهداف الصغيرة. إذاً: لابد من تحديد الأهداف أولاً، ثم تحليلها إلى جزئيات لنتمكن من الوصول إليها. كثير من الناس يعيش مع العموميات، فيقول مثلاً: نحن نريد إرجاع الأمة إلى الكتاب والسنة، هذه عموميات لا نختلف فيها، لكن كيف ذلك؟ ما لم يحلل الهدف ويحدد، لا يمكن أن تنجح أصلاً، كيف يقاس أن الأمة رجعت فعلاً إلى الكتاب والسنة؟! متى يكون لديك شهادة على أنها رجعت للكتاب والسنة؟! إذاً: هذا هدف غير محدد، وغير محلل، ولا يمكن قياسه، فلابد من تحديد الأهداف وتحليلها.

стр. 482

دراسة البيئة الداخلية الركن الثاني من أركان التخطيط هو: دراسة البيئة الداخلية: المقصود بالبيئة الداخلية: ما آتاك الله من الإمكانات، أن تعرف ما لديك من القوى، ما لديك من نقاط القوة وما فيك من نقاط الضعف لابد أن تدرسها تماماً. فإذا كان هدفك الكبير أن تكون مرضياً عند الله، وتعلم أن ذلك لا يتم إلا من خلال العلم بشرعه، وتطبيق ما علمت، والدعوة إليه، والصبر على طريق الحق. إذاً: أول الخطة: إحراز العلم، والعمل بكل جزئية تعلمتها، ثم بعد ذلك خطة الدعوة إلى ما تعلمته وعملت به، ثم بعد ذلك تربية نفسك وأطرها على الحق، والصبر حتى تصل إلى نهاية المشوار، وهو وقت الامتحان عند الموت. فتدرس بيئتك الداخلية: ما لديك من نقاط القوة وما لديك من نقاط الضعف، فتجد لديك من نقاط القوة مثلاً: الهمة العالية التي لا ترضى بالدون، تريد الفردوس الأعلى من الجنة، تريد مرافقة النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، تريد أن تسد لأمة محمد ﷺ مسداً كان يسده بعض أعلامها وعلمائها الكبار، تريد أن يكون لك أثر في تحمل هذه الرسالة، تريد أن تزيد عمر النبي ﷺ من عمرك، فتقدم شيئاً من عمرك إمداداً في مدة عمر رسول الله ﷺ ؛ لأن العمر المقصود به التبليغ، وقد توفاه الله بعد أن عاش مبلغاً ثلاثاً وعشرين سنة، بلغ فيها رسالات الله، وبقي بعد ذلك كل تبليغ يبلغه أحد من أمته امتداد في عمره؛ لأنه أداء لمهمته، فأنت تريد أن تقدم شيئاً من عمرك إمداداً وزيادة في عمر رسول الله ﷺ ، فتخطط لذلك. إذاً: من دراسة البيئة الداخلية عرفت منها نقطة قوة لديك وهي الهمة العالية، وكذلك من نقاط القوة لديك: الصبر والتحمل والجلد، وجدت أنك صاحب جلد وصبر وتحمل، وأنك لست من الذين إذا أصابتهم أية نكبة أو أخفقوا في أي مجال ينقطعون ويرجعون، فهذه نقطة قوة في طلب العلم لابد منها: التحمل والصبر. وكذلك من نقاط القوة: وجود الوسائل: وجود من تدرس عليه، ووجود المكان الذي تدرس فيه، ووجود الكتب التي تدرسها، ووجود الوقت الذي يمكن أن تستغله في الطلب، فهذه من نقاط القوة المهمة. ومنها: الذكاء، ومستوى الضبط والفهم الذي يؤهلك للطلب، فهذه قوة لديك تمتلكها. ثم بعد هذا تدرس نقاط الضعف، ولابد أن تبحث عنها في نفسك، فإذا كان لديك من نقاط الضعف مثلاً: عدم ترتيب الأولويات، أو عدم البرمجة، أو إقبال على الدنيا ونهم على جمعها، أو لديك تكاليف كثيرة وأعباء كبيرة، أو دخلت في انشغالات تأخذ حيزاًَ كبيراً من وقتك وتفكيرك، أو نحو ذلك من نقاط الضعف، فهذه نقاط لابد أن تخطط لسدها، فتستغل نقاط القوة لسد ثغرات الضعف.

стр. 483

شروط طالب العلم

стр. 484

معصية الهوى الشرط السادس: معصية الهوى: فالإنسان المتبع لهواه لا يمكن أن يكون طالب علم؛ لأن الهوى يدعوه إلى الراحة والنوم، والانشغال مع الناس فيما هم منشغلون فيه، وتلقي أخبار الناس، ومتابعة أحداث العالم، فهذه أمور يدعو إليها الهوى، فمن لا يستطيع التغلب على هواه لا يمكن أن يكون طالباً للعلم.

стр. 485

العمل بالعلم الشرط السابع: الاتباع أو العمل بما تعلمه الإنسان؛ لأن العلم حجة لك أو عليك، فهو سلاح ذو حدين، إذا لم يعمل به الإنسان كان حجة عليه، أخرج أبو عمر بن عبد البر عن أبي الدرداء ﵁ قال: إن أخوف ما أخافه يوم القيامة أن يقال لي: أعلمت أم جهلت؟ فأقول: بل علمت، فيقال: ففيم عملت فيما علمت؟ وأخرج الدارقطني وغيره عنه أنه قال ﵁: إن أخوف ما أخافه يوم القيامة كتاب الله، ألا تبقى آية آمرة إلا جاءتني فقالت: يا أبا الدرداء! قد أتيتك آمرة فلم تأتمر بي، ولا آية زاجرة إلا جاءتني فقالت: يا أبا الدرداء! قد أتيتك زاجرة فلم تزدجر بي. هذه هي حياة القلوب، أصحاب رسول الله ﷺ كانوا يخافون من هذا القرآن أن يكون خصماً لهم يوم القيامة، كل آية مرت على الإنسان أو سمعها أو قرأها ينبغي أن يخاف أن تلعنه وهو يقرؤها، فرب قارئ للقرآن والقرآن يلعنه! وكذلك العلم كله، رب سامع للعلم! والعلم يلعنه؛ لأنه لم يعمل به، وقامت عليه الحجة به، ومن الأسئلة الأربعة: (لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: عن شبابه فيما أبلاه، وعن عمره فيما أفناه، وعن علمه ماذا عمل به؛ وعن ماله: من أين اكتسبه، وفيما أنفقه؟). وهذه الشروط السبعة نظمها ابن هلال في بيت واحد: فقال له: تغرب وتواضع واترع وجع وهم واعص هواك واتبع (تغرب) هذا الشرط الأول وهو الغربة، (وتواضع): هذا الشرط الثاني، (واترع): أي: تكلف الورع، افتعل من الورع، (وجع، وهم، واعص هواك، واتبع). وبعد تحصيل هذه الشروط وهي غير شاقة يحرص الإنسان على أجنحة العلم التي تعينه على الطلب.

стр. 486

المخاطرة الشرط الخامس من هذه الشروط هو: المخاطرة: والمقصود بها أن تهون على الإنسان نفسه في طلب العلم، حتى يسترخص حياته، ويسترخص ماله، ويسترخص علاقاته في سبيل الحصول على العلم، فموسى ﵇ ما نال العلم حتى ركب في سفينة مخروقة في عمق البحر، وهذه من المخاطرة، وأهل العلم من هذه الأمة خاطروا في طلبه بالأسفار الشاقة والطويلة، أحمد بن حنبل ﵀ يقول: ما بقيت قرية ولا مدينة من مدن الدنيا يذكر فيها حديث إلا سافرت إليها على رجلي هاتين. والبخاري ﵀ سافر من العراق قاصداً عبد الرزاق بن همام الصنعاني بصنعاء، فلما وصل إلى مكة قيل له: مات عبد الرزاق، فرجع من مكة إلى البصرة، فقيل له: إن عبد الرزاق حي يرزق فرجع إلى مكة على رجليه حتى جاءه الخبر اليقين بأن عبد الرزاق قد مات، وكل أحاديث عبد الرزاق عند البخاري بواسطة، لكن أراد أن يسمع منه مباشرة، أراد علو الإسناد، فسافر سفرين: من العراق إلى مكة مع الرجوع من أجل علو الإسناد فقط! مخاطرات كبيرة، وأسفار شاقة جداً. وسافر أنس بن مالك من البصرة إلى المدينة في طلب حديث واحد، وسافر جابر بن عبد الله من المدينة إلى الشام في طلب حديث واحد، وسافر أبو أيوب الأنصاري من المدينة إلى مصر في طلب حديث واحد. ويقول المكي بن إبراهيم -وهو شيخ البخاري الذي يروي عنه ثلاثياته التي هي أعلى شيء في صحيحه-: كتبت بأصبعي هاتين عن ستين من التابعين، ولو علمت أنه يحتاج إلي لكتبت عن أكثر. فهؤلاء الأئمة خاطروا مخاطرات كبيرة جداً في طلب العلم، وتعبوا ونصبوا في جمعه، فأحرزوا منه ما أحرزوا، فلذلك لابد أن تهون على الإنسان نفسه في طلبه، فـ زكريا الأنصاري ﵀ فقد بصره في طلب العلم، كان يقرأ الليل كله ولم يكن ذا مال، وكان سراجه ضعيف الضوء، ففقد بصره بسبب ذلك، وعدد كبير من العلماء فقدوا بعض أطرافهم أو أجزائهم بالمخاطرة في طلب العلم. إذاً: لابد أن تهون على الإنسان نفسه في الطلب، وهذا شرط للحصول عليه، فالدر والحجارة الكريمة لا ينالها من لم يخاطر في طلبها، ومن لم ينغمس في البحر ويخاطر لا يمكنه أن يصل إلى هذه اللآلئ.

стр. 487

الجوع الشرط الرابع: الجوع: الإنسان ما دام شبعاناً، راغباً في الدنيا، مقبلاً عليها، لا يمكن أن ينال هذا العلم، وقديماً يقول الحكماء: البطنة تذهب الفطنة، العلم يحتاج إلى فطنة ونباهة، والبطنة تذهب الفطنة، والشافعي ﵀ يقول: ما رأيت سميناً عاقلاً إلا محمد بن الحسن الشيباني، فالغالب أن الإنسان إذا شغل أجهزته الداخلية بكثرة الأكل فإن ذلك سينقص تفكيره، وبالتالي لا يمكن أن يحرز المطلوب من العلم؛ ولذلك فإن موسى ﵇ لما نال من العلم ما نال قال لفتاه بعد ذلك: ﴿آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا﴾ [الكهف:٦٢]، فعندما جاع نال ما يريده من طلب العلم.

стр. 488

الورع الشرط الثالث من هذه الشروط: الورع: الورع هو اتقاء المحرمات والمكروهات والشبهات، والذين يعرفونه قديماً بأنه اتقاء المحرمات والشبهات، يرون أن المكروهات داخلة في الشبهات، في الصحيحين من حديث النعمان بن بشير قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن الحلال بين، وإن الحرام بين، وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس)، وقد اختلف أهل العلم في تفسير الشبهات على خمسة أقوال: القول الأول: أن المشتبهات هي ما سكت عنه الله فلم يرد فيه تشريع، فكل مسكوت عنه في الأصل يرونه شبهة، وهذا القول ضعيف؛ لأنه ورد في أحاديث أخرى أن ما سكت الله عنه فهو مما عفا عنه، ففي الحديث: (وسكت عن أشياء رحمة بكم غير نسيان فلا تبحثوا عنها). القول الثاني: أن المشتبهات هي المكروهات التي لم يرد فيها نهي جازم، ومع ذلك نهي عنها. القول الثالث: أن المشتبهات هي ما اختلط فيه الحلال والحرام، مثل المال الذي بعضه حلال وبعضه حرام. القول الرابع: أن المشتبهات هي ما تعارضت فيه النصوص، بعض الأدلة تحله، وبعض الأدلة تحرمه، وتعارضت لدى الإنسان. القول الخامس: أن المشتبهات هي ما اختلف أهل العلم في حكمه، فاشتبه عليهم، ولا يكون ذلك إلا على أساس الاختلاف في قوة الدليل أو في دلالته. فهذه هي الأقوال الخمسة، والذين يرون دخول المكروهات في المشتبهات لا يذكرونها في تعريف الورع، فلا يقولون: اتقاء المحرمات والمكروهات والمشتبهات، بل يقولون: الورع هو: اتقاء المحرمات والمشتبهات؛ لأنهم يدخلون المكروهات في المشتبهات، والورع شرط لطلب العلم؛ لأن طالب العلم إذا كان لا يتورع فلا يمكن أن ينال هذا النور؛ لأن العلم نور، والنور لا يمكن أن يبقى في المكان الموحش المظلم، النور يبحث له عن الألوان البيضاء الناصعة التي تزيده إضاءة، كما قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ﴾ [النور:٣٥]. وقد ورد عن الشافعي ﵀ أنه قال: شكوت إلى وكيع سوء حفظي فأرشدني إلى ترك المعاصي وأخبرني بأن العلم نور ونور الله لا يهدى لعاصي

стр. 489

الغربة ذكر أهل العلم سبعة شروط لطالب العلم: الشرط الأول: الغربة: فالإنسان ما دام في بيته وبيئته وبين أهله لا يجد وقتاً وفراغاً للطلب، وهذه الغربة يمكن أن تكون حقيقية، ويمكن أن تكون شعورية، قد يعتزل الإنسان أهل الدنيا في زاوية من بيته، فهو غريب ولو كان بين أهله. ودليل اشتراطها أن موسى ﵇ لم ينل العلم الذي رغب فيه حتى قال: ﴿حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا﴾ [الكهف:٦٠]. ومن أدلتها كذلك: أن النبي ﷺ لم ينزل الله عليه الوحي حتى حبب إليه الخلاء، فكان يخلو في غار حراء فيتحنث فيه -وهو التعبد- الليالي ذوات العدد، أخرج البخاري في الصحيح قال: حدثنا يحيى بن بكير قال: أخبرنا الليث عن عقيل عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة زوج النبي ﷺ أنها قالت: (أول ما بدئ به رسول الله ﷺ من الوحي: الرؤيا الصالحة فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء، فكان يخلو في غار حراء فيتحنث فيه -وهو التعبد- الليالي ذوات العدد)، فهذا التحبيب الذي حبب إليه الأنبياء أسوة وقدوة؛ ليحبب إلى طالب العلم الخلاء كذلك، ولهذا سئل يحيى بن معين ﵀ عن أحب شيء إليه في الدنيا، فقال: إسناد عالي وبيت خالي. يريد أن يعتزل الناس، ويريد إسناداً عالياً لا يتطلب كثيراً من البحث في الجرح والتعديل، ولا يتطلب كذلك تعباً في الحفظ (إسناد عالي وبيت خالي). فلابد من هذه الغربة، ويمكن أن يفعلها الإنسان في بيته -كما ذكرت- وبين أهله، فيتخذ وقتاً لطلب العلم، لا يدخل عليه فيه أحد، ولا يرى فيه وجه أحد، ولا ينشغل فيه بأي شيء من أمور الدنيا.

стр. 490

التواضع الشرط الثاني: التواضع: طالب العلم لا يمكن أن يكون متكبراً أبداً؛ لأن المتكبر لا يمكن أن يستفيد من أحد؛ لأنه يرى نفسه خيراً من غيره، فلا يمكنه أن يأخذ ما عند غيره، وكذلك الأستاذ لا يمكن أن يقدم ما جمعه بالتعب والنصب لمن لا يحترمه، فيحتاج إذاً إلى أن يتواضع له حتى يأخذ عنه، ودليل ذلك أن موسى ﵇ قال للخضر ﵇: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾ [الكهف:٦٦]، فلم يقل: سأتبعك، بصيغة القرار، وإنما قال: هل أتبعك؟ بصيغة الاستفهام (على أن تعلمن) فجعل نفسه طالباً وهو كليم الله، (مما علمت رشداً) بعض ما علمت فقط، وهذا غاية التواضع. وكذلك جبريل لما أتى النبي ﷺ : (أسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فخذيه، وقال: يا محمد! أخبرني عن الإسلام)، فبدأ يسأل بهذا السؤال المؤدب، ويسأل عن أولويات الدين وكبرياته، وأهم ما يسأل عنه، هو هذه الأمور الأربعة التي سأله عنها: سأل عن الإسلام؟ وعن الإيمان؟ وعن الإحسان؟ وعن الساعة؟ إذاً: من شروط العلم: أن يتواضع الإنسان لمن يأخذ منه، وهذا التواضع يقتضي منه قبول الحق دائماً، فالكبر ينافي الفطرة، لأن الإنسان في الأصل ولد على الفطرة، والفطرة تفسد بالمفسدات، ومفسدات الفطرة كثيرة، عد أهل العلم منها: التكبر، والعناد، والتقليد للأهل أو للأصحاب أو للمشايخ، ومنها كذلك: الانغماس في اتباع الهوى، فهذه مفسدات الفطرة التي تفسد على الإنسان فطرته الأصلية.

стр. 491

أجنحة العلم المعينة على طلب العلم

стр. 492

الشيخ الناصح الجناح الخامس من أجنحة العلم التي يحتاج إليها الطالب: الشيخ الناصح الذي يرتب له الأولويات، ويختار له الكتب، ويفهمه ما يحتاج إلى تفهيم، ويؤدبه بأدب العلم، فهذا يحتاج إليه الإنسان كثيراً في الطلب، فكم من إنسان لديه كل المؤهلات للطلب، ولكن لم يجد شيخاً ناصحاً يمكن أن يسير معه إلى نهاية مشواره في الطلب، فتكون هذه ثغرة تعقيه عن الطلب، فتجده يجلس عند شيخ في مرحلة من الطريق، ثم يتركه ويبحث عن شيخ آخر وهكذا تجده منقطعاً بين الشيوخ، ولن يضل إلى مراده، ولو أنه وجد عالماً ناصحاً واستمر معه فإنه سيصل به؛ ولذلك فإن مالكاً ﵀ يقول: حفظنا من علم ابن شهاب، وتعلمنا من علم ربيعة، فابن شهاب حفظوا منه، حيث كانوا يروون عنه الحديث، لكن ربيعة هو الذي كان يسدده ويرشده، ويتابع دراسته ويعتني به، ويختار له الفنون، ويختار له المشايخ الذين يروي عنهم؛ فلذلك انتفع بعلم ربيعة أكثر من انتفاعه بعلم شيوخه في الرواية.

стр. 493

الطالب المنافس الجناح السادس من أجنحة العلم: الطالب المنافس: فالإنسان يحتاج إلى مذاكرة، والهمة تضعف، وعليه؛ يحتاج الإنسان إلى منافس له، وهذه المنافسة تارة تقع حتى من الأعداء، وقديماً قال الحكماء: عداي لهم فضل علي ومنة فلا أبعد الرحمن عني الأعاديا هم بحثوا عن زلتي فاتقيتها وهم نافسوني فاكتسبت المعاليا وقد تكون منافسته جارية من القرناء والأصدقاء، فيزداد الإنسان علماً بمنافستهم، ولاشك أن الإنسان بحاجة إليهم دائماً في الطلب؛ لأنه يكل ويتعب، وفي كثير من الأحيان يصاب بإحباط من المحيط الذي حوله، فإذا وجد ذوي الهمة العالية الذين يمشون معه في الطريق؛ زادوه نشاطاً واستمراراً وانتفع بمذاكرتهم.

стр. 494

البلغة الجناح السابع من أجنحة العلم: البلغة: أي: المال الذي يكون يسيراً، وليس كثيراً حتى يشغل الإنسان، ولا قليلاً أقل من حاجته، بل القدر الذي يكفيه لسداد أموره، كالحصول على الكتب ونحوها، فهذا مما يحتاج إليه الطالب، وهو من أجنحة العلم التي يوصل إليه بها.

стр. 495

التدريب الجناح الثامن من أجنحة العلم التي يحتاج إليها الطالب: التدرب على التعليم والتلقين في وقت الطلب، فكثير من الناس فرغوا طاقاتهم للطلب، ولم يتعودوا على التدريس، فلم يدرسوا مدة الطلب، فلما كبروا لم يكونوا صالحين للتدريس، والتدريس مهارة مختصة لا يتقنها إلا من تدرب عليها. فكثير هم أولئك المتقنون لكثير من العلوم لكن لا يستطيعون تقديم الدروس، ولا يستطيعون أن يشرحوا أي متن من المتون، وكثير هم أولئك الذين يعرفون كثيراً من المعلومات لكن لا يستطيعون توصيلها للناس، لأن تعبيرهم قاصر، أو ليست لديهم أساليب التفسير، وكثير هم أولئك الذين يعلمون المعلومات، ولكن لا يستطيعون الخطابة على المنابر، لضعفهم في شخصياتهم، فيحتاج الطالب في مدة الطلب أن يتعود على التدريس، وإذا وجد من يعلمه ذلك فبها ونعمت، ولو حتى مع زملائه في المذاكرة، وإن لم يجد فليبحث عن شيء يعلمه، كما كان الأعمش يتخذ تيساً فيحدثه ويشرح له ويقول: أفهمت؟ وهو تيس! فأراد أن يتعود على مهارة التعليم، حتى ولو لم يجد من يعلمه إلا هذا التيس. فينبغي للطالب أن يتأهب لمثل هذه الأمور، وأن يتهيأ للخطابة والتعليم، وتقديم الكلمات، وتلخيص الدروس في وقت الطلب حتى يفلح عند تقديمها، ورب شخص ليس لديه من العلم إلا اليسير، ولكن بارك الله فيه؛ لأنه يزكيه ويقدمه، فينتفع الناس بعلمه ولو كان شيئاً يسيراً، وكم تعرفون من الدعاة الذين هم في عداد العوام من الناحية العلمية ولكن نفع الله بهم؛ لأنهم يزكون ما لديهم، فيقدمون ما عندهم ولو باللهجة العامية، ولو بالمستوى الضعيف، لكن ينفع الله بهم!
следующие страницы →