← Джавами‘

Джавами‘ · id 7722

دروس للشيخ محمد الحسن الددو الشنقيطي

محمد الحسن الددو الشنقيطي

Полный текст (1 349 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

أجنحة العلم المعينة على طلب العلم

стр. 492

الشيخ الناصح الجناح الخامس من أجنحة العلم التي يحتاج إليها الطالب: الشيخ الناصح الذي يرتب له الأولويات، ويختار له الكتب، ويفهمه ما يحتاج إلى تفهيم، ويؤدبه بأدب العلم، فهذا يحتاج إليه الإنسان كثيراً في الطلب، فكم من إنسان لديه كل المؤهلات للطلب، ولكن لم يجد شيخاً ناصحاً يمكن أن يسير معه إلى نهاية مشواره في الطلب، فتكون هذه ثغرة تعقيه عن الطلب، فتجده يجلس عند شيخ في مرحلة من الطريق، ثم يتركه ويبحث عن شيخ آخر وهكذا تجده منقطعاً بين الشيوخ، ولن يضل إلى مراده، ولو أنه وجد عالماً ناصحاً واستمر معه فإنه سيصل به؛ ولذلك فإن مالكاً ﵀ يقول: حفظنا من علم ابن شهاب، وتعلمنا من علم ربيعة، فابن شهاب حفظوا منه، حيث كانوا يروون عنه الحديث، لكن ربيعة هو الذي كان يسدده ويرشده، ويتابع دراسته ويعتني به، ويختار له الفنون، ويختار له المشايخ الذين يروي عنهم؛ فلذلك انتفع بعلم ربيعة أكثر من انتفاعه بعلم شيوخه في الرواية.

стр. 493

الطالب المنافس الجناح السادس من أجنحة العلم: الطالب المنافس: فالإنسان يحتاج إلى مذاكرة، والهمة تضعف، وعليه؛ يحتاج الإنسان إلى منافس له، وهذه المنافسة تارة تقع حتى من الأعداء، وقديماً قال الحكماء: عداي لهم فضل علي ومنة فلا أبعد الرحمن عني الأعاديا هم بحثوا عن زلتي فاتقيتها وهم نافسوني فاكتسبت المعاليا وقد تكون منافسته جارية من القرناء والأصدقاء، فيزداد الإنسان علماً بمنافستهم، ولاشك أن الإنسان بحاجة إليهم دائماً في الطلب؛ لأنه يكل ويتعب، وفي كثير من الأحيان يصاب بإحباط من المحيط الذي حوله، فإذا وجد ذوي الهمة العالية الذين يمشون معه في الطريق؛ زادوه نشاطاً واستمراراً وانتفع بمذاكرتهم.

стр. 494

البلغة الجناح السابع من أجنحة العلم: البلغة: أي: المال الذي يكون يسيراً، وليس كثيراً حتى يشغل الإنسان، ولا قليلاً أقل من حاجته، بل القدر الذي يكفيه لسداد أموره، كالحصول على الكتب ونحوها، فهذا مما يحتاج إليه الطالب، وهو من أجنحة العلم التي يوصل إليه بها.

стр. 495

التدريب الجناح الثامن من أجنحة العلم التي يحتاج إليها الطالب: التدرب على التعليم والتلقين في وقت الطلب، فكثير من الناس فرغوا طاقاتهم للطلب، ولم يتعودوا على التدريس، فلم يدرسوا مدة الطلب، فلما كبروا لم يكونوا صالحين للتدريس، والتدريس مهارة مختصة لا يتقنها إلا من تدرب عليها. فكثير هم أولئك المتقنون لكثير من العلوم لكن لا يستطيعون تقديم الدروس، ولا يستطيعون أن يشرحوا أي متن من المتون، وكثير هم أولئك الذين يعرفون كثيراً من المعلومات لكن لا يستطيعون توصيلها للناس، لأن تعبيرهم قاصر، أو ليست لديهم أساليب التفسير، وكثير هم أولئك الذين يعلمون المعلومات، ولكن لا يستطيعون الخطابة على المنابر، لضعفهم في شخصياتهم، فيحتاج الطالب في مدة الطلب أن يتعود على التدريس، وإذا وجد من يعلمه ذلك فبها ونعمت، ولو حتى مع زملائه في المذاكرة، وإن لم يجد فليبحث عن شيء يعلمه، كما كان الأعمش يتخذ تيساً فيحدثه ويشرح له ويقول: أفهمت؟ وهو تيس! فأراد أن يتعود على مهارة التعليم، حتى ولو لم يجد من يعلمه إلا هذا التيس. فينبغي للطالب أن يتأهب لمثل هذه الأمور، وأن يتهيأ للخطابة والتعليم، وتقديم الكلمات، وتلخيص الدروس في وقت الطلب حتى يفلح عند تقديمها، ورب شخص ليس لديه من العلم إلا اليسير، ولكن بارك الله فيه؛ لأنه يزكيه ويقدمه، فينتفع الناس بعلمه ولو كان شيئاً يسيراً، وكم تعرفون من الدعاة الذين هم في عداد العوام من الناحية العلمية ولكن نفع الله بهم؛ لأنهم يزكون ما لديهم، فيقدمون ما عندهم ولو باللهجة العامية، ولو بالمستوى الضعيف، لكن ينفع الله بهم!

стр. 496

الفهم الجناح الرابع من هذه الأجنحة هو: الفهم، وهذا الفهم قسمان: قسم فطري خلقي، فالقرائح يخلقها الله كما يخلق أبدان الناس، فيركب في كل إنسان منها ما شاء، والقسم الثاني: مكتسب، فالإنسان بربطه بين المعلومات بتسلسلها، ومجالسته للناس، وازدياده من العلم يزداد فهماً فيه؛ ولذلك فإن كثيراً من الذين كانوا من أهل العلم في المرويات إذا وصلوا إلى التطبيق يقعون في أخطاء، ما لم يشاهدوا أهل التطبيق، فـ أبو حنيفة ﵀ -وهو من هو في جلالة قدره في العلم، وكان سيد أهل العراق وإمامهم في عصره-ذهب إلى مكة يريد الحج، فجاءه طفل صغير من أهل مكة، فقال له: هل لك فيمن يدلك على مناسكك مقابل درهم أو شيء يسير جداً؟ قال: لا حاجة بي إليك، فجعل الطفل يتبعه، فلما دخل المسجد الحرام أراد أن يحيي المسجد بركعتين، فقال الطفل: ما أجهل هذا الشيخ بالسنة! ألا يعلم أن تحية مسجد مكة الطواف؟ فكانت واحدة. ثم بعد هذا أراد الطواف فما عرف من أي أركان البيت يبدأ، ما عرف ركن الحجر، فجاءه الصبي فقال: ما أجهل هذا الشيخ بالسنة! ألا تدري أن الطواف يبتدئ من ركن الحجر؟! ثم بعد أن أنهى الطواف أراد أن يذهب إلى الصفا فما عرف مكان الصفا، فإذا بالصبي هو الذي يدله على ذلك، ثم كان يظن أن السعي مثل الطواف، الشوطان شوط واحد، من الصفا إلى الصفا شوط واحد، فدله الصبي أن الشوط من الصفا إلى المروة، ومن المروة إلى الصفا شوط آخر. ثم بعد أن أنهى سعيه جاء إلى الحلاق، فجعل يساومه بكم يحلق له، فالصبي دله على أن هذا من الأمور التي لا تنبغي المساومة فيها، فهو نسك وعبادة، فكانت الأخرى. ثم ولاه جانبه الأيسر فقال له الصبي: وله جانبك الأيمن، ففعل، فأعطى الصبي المبلغ وأضعافه؛ لأنه دله على هذه الأمور التي كان يجهلها من ناحية التطبيق، مع أنه عالم بها وبتفاصيلها، لكنه من ناحية التطبيق خفيت عليه، فاستفاد من علم هذا الصبي الصغير. وجانب الفهم المكتسب يزيده التعبد لله ، فالإكثار من ذكر الله يزيد البصيرة نوراً، وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: إنه لتستغلق علي المسألة فأجلس وأذكر الله فتفتح لي، وكان يجلس فيكثر من الاستغفار إكثاراً شديداً ويقول: يا معلم داود! علمني، ويا مفهم سليمان! فهمني، فيسهل ما استغلق عليه من المسائل. فهذا الفهم المكتسب من أسبابه التعلم والمراجعة والمذاكرة ومجالسة أهل العلم، والتطبيق للمسائل العلمية.

стр. 497

الوقت الجناح الثاني من أجنحة العلم هو: الوقت، فالعلم يحتاج إلى أن يتفرغ له الإنسان، وقد قال ابن عيينة ﵀: إن العلم لن يعطيك بعضه حتى تعطيه كلك، وليس المقصود بكلك: جميع الوقت، بل المقصود الوقت الذي تخصصه للعلم اجعله للعلم خالصاً ليس فيه شيء آخر، فإذا كنت مشغولاً في وقت الطلب بإصلاح السيارة، أو مشغولاً بمتابعة الهاتف، أو مشغولاً بمتابعة وسائل الإعلام؛ فلا يمكن أن تفهم ما تطلبه ولا أن تحفظه، فإذاً لابد أن يكون الوقت المخصص للعلم، ليس فيه مشاريع أخرى، لابد أن يكون خالياً للعلم ليس فيه أي أهداف أخرى، ولا يطلب فيه تحقيق أي مآرب أخرى.

стр. 498

الحفظ الجناح الثالث من هذه الأجنحة هو: الحفظ: فالعلم لابد فيه من الحفظ لمتونه، فإذا كان الإنسان فاهماً لكل شيء ولكنه لا يحفظه فهو بذلك يكون آلة فقط، ليس معه رصيد ولا أساس، فهو مثل جهاز الهاتف الذي ليس له شريحة؛ فلذلك لابد أن يحفظ الإنسان متون العلم وكتبه، ولاحظوا أن الذين يحفظون القرآن يتميزون على من سواهم فهم أولى بالإمامة، (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله)، كما قال رسول الله ﷺ . وهم أولى كذلك بالتقدم في أمر الدين: (يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، وينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين)، والذين يحفظون السنن، ويحفظون كتب العلم، هم الذين يحفظونه على الأمة، وهم الذين مثل لهم رسول الله ﷺ بالبقعة التي أمسكت الماء على الناس فسقوا ورعوا وزرعوا، وهذه لاشك أنفع وأكثر فائدة من غيرها؛ ولذلك فإن الشافعي ﵀ يقول: علمي معي حيث ما يممت يتبعني قلبي وعاء له لا جوف صندوق إن كنت في البيت كان العلم فيه معي أو كنت في السوق كان العلم في السوق وابن حزم ﵀ يقول: فإن يحرقوا القرطاس لا يحرق الذي تضمنه القرطاس بل هو في صدري يسير معي حيث استقلت ركائبي ويمكث إن أمكث ويدفن في قبري فحفظ العلم والمذاكرة فيه حتى يرسخ في النفوس من أجنحة العلم التي يحتاج إليها الطالب حتى يصعد بها.

стр. 499

الإخلاص والتقوى أجنحة العلم التي يحتاج إليها الطالب ليصل إلى المستوى المطلوب في دراسته كثيرة، وأول هذه الأجنحة: الإخلاص لله وتقواه؛ لأن العمل الذي يقرب إلى الله ويقصد به وجهه الكريم؛ إذا خلا من الإخلاص لم يتحقق فيه مقتضى شهادة أن لا إله إلا الله، فيكون مغايراً لقناعة الإنسان، فشهادة أن لا إله إلا الله تقتضي أن يكون العمل خالصاً لوجهه الكريم، وشهادة أن محمداً رسول الله تقتضي أن يتبع رسول الله ﷺ فيما جاء به من عند الله، وإذا خلا العمل من الإخلاص ومن الاتباع لرسول الله ﷺ كان عملاً مردوداً على صاحبه، لا يمكن أن يقبل بوجه من الوجوه، فقد أخرج مسلم في الصحيح من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال فيما يرويه عن ربه : (أنا أغنى الشركاء عن الشرك، فمن عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه)، فلذلك لابد من الإخلاص في الطلب، ولاشك أنه في كثير من الأحيان يغفل طلاب العلم عن الإخلاص، فيشعرون أنهم يدرسون من أجل النجاح في الامتحان، أو من أجل التفوق والتميز على قرنائهم، أو حتى من أجل بعض المآرب الدنيوية، وكل هذه الأمور تحصل للطلاب، لكن على الإنسان أن يحقق إخلاصه، وأن يراجع نيته في كل فترة، لابد أن يراجع نفسه عند بداية دراسته، وعند دخوله للقسم، وعند سماعه لأية محاضرة، وعند فتحه لأي شريط، وعند مطالعته لأي كتاب، فيراجع نيته ويجدد إخلاصه لله ، فقد قال ابن عيينة ﵀: طلبنا العلم لغير الله فأبى أن يكون إلا لله، والعلم النافع مذكر بالله حتى لو دخلته بنية أخرى ستذهب تلك النية، فلابد أن تراجع نيتك وأن تجددها في كل وقت، وهذا مما يبلغ به الإنسان الدرجات العلى؛ لأنه كلما ازداد تقىً لله كلما فتح الله له خزائن من خزائن العلم لا يمكن أن ينالها بطاقته وجهده، فالله تعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾ [الأنفال:٢٩]، وهذا الفرقان يميز الإنسان به بين الحق والباطل، وتظهر له الأمور على حقيقتها؛ ولذلك فالتقوى سبب لنيل الإنسان لعلوم لم يكن لينالها بجهده، ولا يصل إليها في عمره، وليس له شيخ يعلمه إياها، وليس فيها كتب ومؤلفات، وليس عنده الوسائل لنيلها، لكن بتقواه لله تفتح له تلك العلوم؛ ولذلك فإن الله آتى الخضر من لدنه علماً، وامتن على النبي ﷺ بهذا العلم اللدني فقال: ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ [النساء:١١٣]، والذين يلتمسون ما عند الله بتقواه والتقرب إليه عرفوا من أين تؤكل الكتف، وعرفوا الباب فدخلوا منه فاستقاموا. ولاشك أن هذا الإخلاص تشوبه الشوائب، وأن التقوى تقع فيها الخدوش بمخالطة الناس والأهواء وبغير ذلك، لكن لابد أن يعالج الإنسان ذلك، وأن يستمر على الطريق ولا يتراجع، فيحاول إصلاح نفسه مع طول الوقت.

стр. 500

ترتيب الأولويات بعد تحصيل الشروط والأجنحة يبدأ الإنسان في ترتيب أولوياته، ولاشك أن هذا الترتيب يحتاج إلى عناية كبيرة، وهو مما تختلف فيه مناهج المؤسسات، وتختلف فيه مناهج المشايخ، فليس لترتيب العلوم منهجية موحدة، بعض الناس يبدأ بعلوم الآلات ويترك علوم المقاصد؛ حتى يحرز من الآلات ما يستطيع به فهم المقاصد، ولكن هذا فيه خطر؛ لأنه قد ينقطع عن الطلب فيكون عارفاً فقط بالنحو والصرف والبلاغة، ولم يعرف شيئاً من الفقه ولا من الحديث! وهذه مشكلة. والعكس في منهجية أخرى يبدأ الطالب بعلوم المقاصد ثم بعد ذلك تأتي الآلات، لكن في كثير من الأحيان يمتلئ الطالب بالمقاصد، وتبقى ثغرة كبيرة جداً فقدها من الوسائل، فيحتاج إذاً إلى الاعتدال والموازنة، فيأخذ من كل علم طرفاً في البداية، وأهل العلم ألفوا في كل علم كتباً متفاوتة الحجم، كتب صغيرة للمبتدئين، وكتب متوسطة، وكتب كبيرة جامعة، فلابد أن يبدأ الإنسان من كل علم بكتاب من المختصرات أولاً؛ حتى يأتي ويغطي المساحة التي يريد دراستها، والعلوم الشرعية وآلاتها تصل إلى خمسة وأربعين علماً فقط، أي: خمسة وأربعين تخصصاً، فكل علم من هذه العلوم يأخذ الإنسان فيه كتيباً صغيراً أو مختصراً فيقرؤه، وإذا حفظه فهذا أفضل وأكمل، ثم بعد ذلك يأتي التوسع، وسيجد نفسه قادراً على المتابعة، وإذا استطاع أن يأخذ من كل علم عدداً من الكتب يحفظها فيه؛ فسيكون أهلاً حينئذ للازدياد حتى يصل إلى مستوى الاجتهاد، وإذا لم يستطع فعلى الأقل يكون لديه عدد من الكتب في العلوم السياسية، فهذا من الأمور التي لابد منها.

стр. 501

أهمية التأصيل الشرعي بالأدلة بعد اللغة والفقه يحتاج الطالب إلى التأصيل الشرعي بالأدلة، فاليوم كثرت الفتن والخلافات بين الناس، وهذه الخلافات ليس في الأمة معصوم يمكن أن يحسمها، فالذي يمكن أن يحسمها هو الدليل، ومن تمسك بالوحي فقد اعتمد على ركن ركين، فلذلك يحتاج الإنسان إلى تأصيل لجزئيات معلوماته الفقهية، وأن يكون معه حجج، وهذا التأسيس يكون بأن يأخذ الطالب كتاباً من كتب أدلة الأحكام من القرآن، ثم كتاباً من أدلة الأحكام من الحديث مختصراً فيبدأ به، فطالب العلم الذي يريد التأسيس البدائي في أدلة الأحكام من القرآن عليه أن يأخذ كتاب الإكليل للسيوطي مثلاً، واسمه: الإكليل في استنباطات التنزيل، وهو كتاب مختصر جداً، لكن فيه الاستنباطات من خمسمائة آية هي آيات الأحكام. وكذلك يأخذ كتاباً من أدلة الأحكام من الحديث مثل: منتقى الأخبار، أو بلوغ المرام، أو نحو ذلك من الكتب، فيكون محيطاً بهذه الأحاديث حافظاً لها، ويعرف ما فيها من العلل، ويعرف تخريجها، ويستطيع الاعتماد عليها في استنباطه، وإذا وجد من ينتقي له الأصح، ويسقط ما كان ضعيفاً منها، فهذا جيد، فأهل العلم عندما يؤلفون في أدلة الأحكام يجمعون ما صح وما لم يصح لديهم؛ لأنه من المعلوم أن قصدهم بالصحيح والضعيف الظن فقط، وهذا الغالب، ولذلك قال العراقي ﵀ في الألفية: وفي الصحيح والضعيف قصدوا في ظاهره لا القطع والمعتمد وإمساكنا عن حكمنا على سند بأنه أصح مطلقاً وقد خاض به قوم فقيل مالك عن نافع فيما رواه الناسك مولاه واختر حيث عنه بسند الشافعي قلت: وعنه أحمد فلذلك يقصدون بقولهم: هذا صحيح أو هذا ضعيف: الظاهر الذي ظهر لنا منه، وإلا فيمكن أن تكتشف فيه علة، ولو كان ظاهره الصحة، ويمكن أيضاً أن يكون ما عللناه به وضعفناه به لا يضر، فيكون صحيحاً من وجه لم نطلع نحن عليه، فلذلك يجمعون في كتبهم -في أدلة الأحكام- الصحيح والضعيف، ولكن في كثير من الأحيان يحكمون عليها، فالحافظ ابن حجر مثلاً في البلوغ في كثير من الأحاديث يحكم عليها، يقول: إسناده جيد أو ضعيف، فيحتاج الطالب إلى حسن الاختيار في هذا المجال.

стр. 502

أهمية تزكية النفس من الأولويات في حياتنا المعاصرة ما يتعلق بالتربية، فلابد أن يكون الإنسان لديه من الدوافع التربوية ما يدعوه للاستمرار، ويتعلم كيف يعالج نفسه؟ فالنفس مثل الدابة إذا أهملها الإنسان كانت حروراً شروداً، وإذا رباها انقادت له، فيحتاج الإنسان إلى تربية نفسه، ثم بعد ذلك يربي أهل بيته وطلابه ومن يؤثر فيهم، وهذه التربية تحتاج في الواقع إلى تأسيس قوي من الإيمانيات، والروحانيات، وإحسان التعامل مع الله، والدافع العقدي الذي يدفع الإنسان للعمل من خلال عقيدته، حتى يرتبط كل شيء بعقيدة الإنسان، فهذا الجانب التربوي مهم جداً في التأسيس لدى الإنسان، وهذا الجانب يجده الإنسان في كتب متخصصة، ولابد أن يكون لديه تأسيس منها، ولذلك قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في إحياء علوم الدين للغزالي ﵀: كتاب لا يستغني عنه طالب علم، ومع ذلك حذروا من مواضع؛ لأن فيه كثيراً من الأحاديث الضعيفة والموضوعة، وفيه أيضاً بعض الاصطلاحات والأمور التي لا يحتاج إليها طالب العلم، لكن مع ذلك فيه أمور من نكت الشريعة ومعانيها ما يحتاج إليها الإنسان في التربية، مثل: معاني الصلاة، وقضايا الطهارة، وقضايا الإخلاص لله، وقضايا معالجة النفس، وقضايا أمراض القلوب، مثل: الحسد والبخل، وغير هذه الأمور مما لا يستغني عنها الطالب. بعد أن يضع الإنسان لنفسه هذه المنهجية، ويختار المختصرات التي سيتقنها، يرتبها على حسب ما تيسر له، فإذا كان مثلاً في مكان ليس فيه من يعرف علماً من العلوم فإنه يؤخر ذلك العلم إلى وقت آخر، فاستغلال الباب المفتوح أولى من البحث في الباب المغلق.

стр. 503

أهمية الفقه من الأولويات التي لابد من العناية بها في هذا الزمان: الفقه الذي يحل مشكلات الناس، ويتدخل في كل جزئيات حياتهم، وهو من العلوم التي يعيشها الناس، فالناس بحاجة إلى ما يصلح طهارتهم وصلواتهم، وبحاجة إلى ما يصحح عقودهم وأنكحتهم وبيعاتهم، وهم بحاجة إلى متابعة دقيقة لواقعهم، ولا يكون ذلك إلا بالفقه، فكثير من طلاب العلم الآن إذا عرضت له مشكلة حتى في طهارة زوجته من حيضها ونفاسها لا يستطيع أن يحل لها المشكلة، ويظنون أن هذا من الأمور التي ليست مهمة في الدين، وبعض الناس يتندر على مسائل الحيض والنفاس، ويرى أن هذه المسائل لا يشتغل بها الناس كثيراً، لكن الواقع أن هذا ما يعيشه الناس، ومشكلاتهم اليومية هي هذه، فإذا لم يكن للناس حلول فيها، ولم تستطع أن تجد حلاً لأقرب الناس إليك، في أدنى مشكلة، فكيف تحل أمر الأمة بكاملها؟! إذاً: يحتاج الطالب إلى التأسيس في مجال الفقه، والفقه قد توسع كثيراً، فأصبح فيه عدد كبير من المذاهب، وفي كل مذهب عدد كثير من الكتب، ولا يستطيع الإنسان الإحاطة بذلك، لكن بحسبه في البداية أن يأخذ مختصراً واحداً من مذهب واحد، فإذا أتقنه يقرأ بعد ذلك من الكتب الفقهية شرحاً لذلك المختصر الذي لديه، وسيجد فيه توسيعاً لمادته، سواءً كان من مذهبه أو من مذهب آخر.

стр. 504

أهمية علوم اللغة العربية من أهم ما يشتغل به الإنسان في العصر الذي نحن فيه في بداية الطلب: ما يتعلق بلغة العرب التي بها نزل القرآن، وبها تكلم رسول الله ﷺ ، فالإنسان الذي ليس لديه تأسيس لهذه اللغة لا يستطيع التلقي، ولا الفهم عن الله، ولا الفهم عن رسوله ﷺ ، فالناس الآن لم يعد أحد منهم عربياً بالسليقة، بل كلهم يدرسون أن الفاعل مرفوع، وأن المفعول منصوب، وأن المضاف إليه مجرور، كل الناس يدرسون هذا، ولا يستطيع أحد أن يتكل على سليقته في عالمنا المعاصر، فإذا كان الحال كذلك احتاج الإنسان إلى أن يأخذ من لغة العرب بعلومها المختلفة مبادئ تأسيسية، وهذه المبادئ لابد أن يبدأ فيها بمفردات اللغة، وقديماً كان الناس يحفظون في مفردات اللغة دواوين العرب، والوقت اليوم ضيق عن متابعتها، وفيها كثير من المضامين السيئة، نعم؛ فيها بعض الشعر الذي فيه مروءات، وفيه شهامة، يحض على الكرم والضيافة والشجاعة والأخلاق الحميدة، لكن منها أيضاً أشعار أخرى مضامينها سيئة، وكذلك بعض الدواوين الإسلامية، وقديماً كان بعض أهل العلم يذكرون أن ديوان غيلان بن عقبة المنقري التميمي فيه ثلث مفردات اللغة العربية، ولكن الواقع أن الديوان أيضاً فيه ما في أشعار الجاهليين، فيه كثير من الغزل، والمدح لأقوام قد لا يستحقون ذلك المدح كله، وفيه معاني كبيرة يحتاج إليها الإنسان في تأسيس لغته وتقويم لسانه، وفيه ألفاظ يحتاج إليها الإنسان كذلك في فهم الكتاب والسنة، وقد كان الأولون يحفظون أشعار الناس جميعاً، ف عبد الله بن العباس ﵄ كان لا يسمع شعراً إلا حفظه؛ ولذلك كان ترجمان القرآن، واشتهرت مسائل نافع بن الأزرق رئيس الخوارج لما أتاه في مكة يسأله عن تفسير كتاب الله، فكان كلما سأله عن كلمة بين له معناها، فيقول: هل تعرف العرب ذلك في أشعارها؟ فيقول: نعم، أما سمعت قول فلان فينشده، فمنها أنه سأله عن آية: ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود:١٠٨] ما معنى مجذوذ؟ قال: غير مقطوع، قال: هل تعرف العرب ذلك في أشعارها؟ قال: نعم، أما سمعت قول الحارث بن حلزة اليشكري: فترى خلفها من الرجع والوقع منيناً كأنه إهباء فكان يسأله عن المسائل ويسأله عن شواهدها من اللغة، وبينما هو معه إذ جاءه عمر بن أبي ربيعة المخزومي وهو شاب من قريش في حداثة سنه، فسأله ابن عباس عن آخر ما قال من الشعر، فأنشده قصيدته: أمن آل نعم أنت غادٍ فمبكر غداة غد أم رائح فمهجر بحاجة نفس لم تقل في جوابها فتبلغ عذراً والمقالة تعذر تهيم إلى نعم فلا الشمل جامع ولا الحبل موصول ولا أنت مقصر وهي ثمانية وستون بيتاً، فأنشدها كاملة فحفظها ابن عباس، فقال له نافع بن الأزرق: لله أنت يا ابن عباس! نضرب إليك آباط الإبل في طلب العلم فتعرض عنا، أو فتضجر بنا، ويأتيك شاب حدث من قريش ينشدك سفهاً فتسمعه! فقال ابن عباس: ما سمعت سفهاً، فقال: بلى أما سمعت قوله: رأت رجلاً أما إذا الشمس عارضت فيخزى وأما بالعشي فيحصر فقال: ما هكذا قال، إنما قال: رأت رجلاً أما إذا الشمس عارضت فيضحى وأما بالعشي فيخصر ولو شئت أن أعيدها عليك لفعلت، فلما كان من الغد سأله عن قول الله تعالى: ﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلا تَعْرَى * وَأَنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيهَا وَلا تَضْحَى﴾ [طه:١١٨ - ١١٩]، قال: ما معنى تضحى؟ قال: تبرز للشمس، أما سمعت قول المخزومي بالأمس: رأت رجلاً أما إذا الشمس عارضت فيضحى وأما بالعشي فيخصر فلابد من التأسيس في اللغة.

стр. 505

أهمية مطالعة الكتب مرحلة أخرى لطالب العلم، وهي ما يستفيده الإنسان مطالعةً، فالإنسان بعد التأسيس أصبح مشاركاً في بناء نفسه، وليس كل العلوم يجد الإنسان وقتاً لقراءتها على الشيوخ، والكتب هي شيوخ موجودة معنا، لكن شيوخ من جنس آخر كما قال الحكيم: لنا جلساء لا يمل حديثهم ألباء مأمونون غيباً ومشهدا يفيدوننا من علمهم علم من مضى وعقلاً وتأديباً ورأياً مسددا فلا فتنة تخشى ولا سوء عشرة ولا نتقي منهم لساناً ولا يدا فإن قلت أحياء فلست بكاذب وإن قلت أموات فلست مفندا فهذه الكتب هي في الواقع شيوخ تأخذ عنها، وإن كان فيها بعض الخطأ، فإنه لا تخلو الكتب من الخطأ، فقد قال البويطي ﵀: لما أكمل الشافعي كتابه ناولينه فقال: خذ هذا الكتاب على خطأ كثير فيه، قلت: يا أبا عبد الله! أصلحه لنا، قال: كيف وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [النساء:٨٢]، أبى الله العصمة إلا لكتابه؟ الكتاب المعصوم الوحيد الذي ليس فيه أي خطأ هو كتاب الله، وما سواه من كتب لابد أن يوجد فيها أخطاء، لكن مع هذا التأسيس يجد الإنسان ما يصحح به الخطأ، ولا ينبغي أن يعتمد على الكتب الأصلية دون رواية، وأما الشروح فقد لا يحتاج فيها إلى رواية، لكن متون الكتب وأصولها لابد من روايتها، أي: سماعها على شيخ، وذلك الشيخ أيضاً لابد أن يكون له رواية فيها، فتبحث هل لديه رواية في الكتاب الفلاني؟ هل سمعه من شيخ؟ هل قرأه على شيخ؟ لأن كثيراً من الشيوخ يخطئون في قراءة بعض الكتب التي لم يرووها ولم يسمعوها عن شيخ، فيقعون في أخطاء كبيرة جداً، ولذلك قال أبو حيان ﵀: يظن الغمر أن الكتب تهدي أخا فهم لإدراك العلوم وما يدري الجهول بأن فيها مزالق حيرت ذهن الفهيم إذا رمت العلوم بغير شيخ ضللت عن الصراط المستقيم وتلتمس الأمور عليك حتى تصير أضل من توما الحكيم فيحتاج الإنسان إذاً إلى رواية لها، وتقويم لسانه في قراءتها.

стр. 506

آداب المطالعة يحتاج الطالب إلى منهجية في المطالعة، ومنهجية المطالعة هي ألا يشوش الإنسان فكره إذا أراد قراءة كتاب ما، وإذا بدأ المطالعة في كتاب لابد أن يكمله، ولابد أيضاً أن تكون هذه المطالعة مطالعة علمية، فالمطالعة غير العلمية هي أن تقرأ في كتاب وليس لديك قلم ولا ورقة، ولا تحفظه، بل تقرأه فقط، فلا تحرز منه فائدة، والمطالعة العلمية هي أن تجعل لك دفتراً لكل كتاب تطالعه، وتضع فيه اسم الكتاب، وتبدأ الصفحة الأولى بتاريخ، وتكتب: بدأت القراءة الساعة كذا لليوم الفلاني من الشهر الفلاني من العام الفلاني في الكتاب الفلاني من الصفحة كذا، حتى تكمل ما تطالعه منه، وتقسم الدفتر إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: للزوائد النادرة، والأشياء العجيبة التي استفدتها من الكتاب، ولا تكتب الأشياء المكررة والموجودة في الكتب كلها؛ لأنها موجودة في الكتب، ولا فائدة من نسخك لكتاب مطبوع، لكن تكتب الفوائد النادرة، والأشياء الغريبة جداً. القسم الثاني: لما فهمته أنت من الكتاب مما ليس فيه، وهو ما يسمى: قراءة ما بين السطور، فتستفيد معلومات بفهمك وربطك للمعلومات بمعلومات سابقة لديك، فتكون بذلك استفدت من هذا الكتاب فهماً ومقارنة، فتكتب المعلومات التي استفدتها حتى لا تضيع منك، وستبقى مادة لديك في المستقبل لكتبك ودروسك التي أنت فهمتها من الكتب، ولو لم تكن مخصوصة ولا موجودة فيها. القسم الثالث: للإشكالات: كل كتاب قرأته لابد أن يعرض لك فيه كثير من الإشكالات، بعضها ناشئ عن أخطاء مطبعية، وبعضها ناشئ عن أخطاء من المؤلف نفسه، وبعضها ناشئ عن عدم فهم منك أنت، وبعضها ناشئ عن اختلاف في الدلالة، فدلالة اللفظ الواحد قد يكون مشتركاً، وقد يكون مجازاً، وقد يكون مستعملاً في وقت المؤلف استعمالاً شائعاً، وفي وقتك غير ذلك. فتحتاج إلى تقييد هذه الإشكالات للرجوع إليها في مراجع أوسع، أو لسؤال من تلقاه من أهل العلم عنها، فالاستشكال علم كما قال أهل العلم، فإذا استشكلت شيئاً فقد ازددت علماً؛ لأنك ستبحث عنه، وسيقتضي ذلك منك اطلاعاً على ما لم تكن لتصل إليه لولا ذلك الإشكال، وكم من شوارد علمية نالها الإنسان ولم يكن يبحث عنها، وإنما بحث عن مسألة أخرى دونها، ففتح الكتاب وقرأ فاستفاد علماً آخر أكثر مما كان يبحث عنه! فإذاً: ستقسم دفتر المطالعة لكل كتاب إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: تقييد النوادر التي هي مخصوصة في الكتاب. القسم الثاني: تقييد ما فهمته أنت ولم يكن مدوناً في الكتاب. القسم الثالث: للإشكالات التي عرضت لك أثناء قراءتك للكتاب. وتستمر على هذه المنهجية حتى تكمل ذلك الكتاب، وتحتفظ بالدفتر، ثم تأتي إلى كتاب آخر. ومن المهم جداً في المطالعة العلمية: أن تكون لديك مقارنة بين الكتب المتقاربة، مثلاً إذا كنت تدرس سورة يونس، فتريد مطالعة كتب التفسير في هذه السورة، والمقطع الذي لديك هو من الآية رقم واحد إلى الآية رقم عشرة مثلاً، فستأخذ من كل مدرسة من مدارس التفسير تفسيراً أو اثنين أو ثلاثة، فتتطلع على ما فيها، فيغنيك بعضها عن بعض، كما هي قاعدة أهل الفرائض: تكتفي بأحد المثلين، وبأكبر المتداخلين، وبحاصل ضرب أحد المتباينين في الآخر، وعندها يتباين الرءوس والسهام بحاصل ضرب أحدهما في الآخر، فتنظر بهذه الأنظار إلى الكتب، فمثلاً: إذا قرأت في كتب التفسير بالأثر، ستجد أنهم ينقلون مثلاً عن ابن عباس كذا، وعن مجاهد كذا، وعن عكرمة كذا، وعن سعيد بن جبير كذا، وعن الضحاك كذا، وعن مقاتل كذا، وعن زيد بن أسلم كذا، وعن عبد الرحمن بن زيد كذا، وعن محمد بن كعب القرظي كذا، وعن أبي العالية كذا، وعن قتادة بن دعامة السدوسي كذا. وهذه الآراء غالباً تكون متداخلة، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية: إن تفسير السلف إنما يقصد به المثال، كما لو سألت عن الخبز: ما هو؟ فرفعت خبزةً فقلت: هذا الخبز، فليس معناه أنك تزعم أن الخبز محصور فيما رفعت، بل المقصود أن تبين له فرداً من أفراد الماهية ليفهم به الماهية، وإذا سألك إنسان عن تفسير قول الله تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ﴾ [العلق:١ - ٤]، قال: ما هو القلم؟ فرفعت قلماً وقلت: هذا القلم. ليس معناه أنك تزعم أن القلم الذي علم الله به هو هذا، بل المقصود أنك تريد شيئاً يفهم به المقصود، ويفهم به ما يطلب فهمه، وهكذا كان تفسير السلف، ومن هنا لم تتبع الروايات، ولم تتعب في تتبعها، ثم تأخذ بعض التفاسير التي تعتني بالرأي، ثم تأخذ بعض التفاسير الفقهية، ثم تأخذ بعض التفاسير اللغوية، وتأخذ بعض تفاسير المتأخرين، فتجمع نتيجة الجميع، فتكون ملخصة لديك تستطيع تقديمها في درس في تفسير الآيات العشر الأول من سورة يونس، ثم تذهب للمقطع الثاني وهكذا. وإذا كنت مدرساً فستكون لديك مادة جاهزة لكتاب أو لمقرر علمي، وستختصر بها على الطالب كثيراً من المتابعات، وبالأخص إذا كنت صاحب توثيق، فكل قول تنقله من كتاب توثيقه بالصفحة والجزء، حتى يرجع إليه إذا وقع فيه إشكال في الطباعة أو في الخط، فإذا كنت صاحب توثيق فستنفع الطلاب، وستختصر عليهم المسافات والوقت. وبالإمكان أن يرجع الطالب إلى بعض الورقات التي أعدت في منهجية الطلب، وفيها بعض الكتب المقترحة لطلاب العلم في التأسيس في كل علم من هذه العلوم، وأقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.

стр. 507

كم ترك الأول للآخر الغريب أن هذه الكتب جميعاً فيها أماكن تبقى مصونة، وأرزاق تبقى مدخرة لبعض المتأخرين، فيفتح الله لهم فيها ما كان مسدوداً على من سواهم؛ ولذلك قال ابن مالك ﵀ في مقدمة التسهيل: وإذا كانت العلوم منحاً إلهية، ومواهب اختصاصية، فغير مستبعد أن يدخر لبعض المتأخرين ما عسر على كثير من المتقدمين. ويقول أحد علمائنا ﵀: وقسمة الحظوظ فيها وادخلوا فهم المسائل التي تنعقل فيحرم الذكي بالفهم الجلي إن لم يكن من حظه في الأزلي فالقضية كلها أرزاق، ومن هنا فقد يرزق المتأخر فهماً لم ينله المتقدم، وأنتم إذا دخلتم أية مكتبة ستجدون فيها كثيراً من كتب التفسير، فيعجب الإنسان لماذا لا يستغني الناس بتفسير فلان عن بقية التفاسير؟! و الجواب أن بعضها لا يغني عن بعض؛ لأن الله أنزل إلينا هذا القرآن بأساليب متنوعة مختلفة، وجعل فيه رزقاً لكل جيل من أجيال هذه الأمة، كل جيل يفهم منه ما لم يفهمه من قبله، فلذلك لو أردت أن تستغني فقط بتفسير ابن جرير الطبري المتوفى سنة ثلاثمائة وعشر من الهجرة، أو أن تكتفي فقط بتفسير أبي عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي المتوفى سنة ثلاثمائة وثلاثة، أو أن تكتفي فقط بتفسير عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي المتوفى سنة ثلاثمائة وسبعة وعشرين؛ فإنك حينئذ ستقتصر على ما كان لدى السلف، وقد تجدد بعدهم الكثير من الفهم الذي لم يصلوا إليه في القرآن، وهي أرزاق، ولو كان السابقون لخصوا وأخرجوا الزبدة من الكتب لما بقي للمتأخرين أثر وفائدة، بل لأمكن الاستغناء بتآليف المتقدمين عن المتأخرين، وهذا لا يقول به أحد، فلذلك احتيج في كل عصر من العصور إلى مؤلفات جديدة، ولا يزال الوقت دافعاً إلى ذلك، وبعض الناس اليوم إذا رأى من يؤلف أي كتاب يزهده فيه فيقول: لماذا تؤلف في هذا وقد ألف فيه السابقون؟ ولكن الواقع أن لكل أهل عصر مفاهيمهم، وهذا يقتضي منهم أن يفهموا كثيراً مما كان غامضاً، ومما يكون متشابهاً من متشابهات القرآن، فالقرآن ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ [آل عمران:٧]، وهذا التشابه يزول مع الزمان، قال تعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ﴾ [يونس:٣٩]، فـ (لما): هي في الماضي المنقطع، معناه: أنهم سيأتيهم تأويله، وهذا يقتضي بالضرورة أنه سيشرح لهم، وتأويله: هو بروزه للأيام ومشاهدة معانيه، كما قال ابن رواحة ﵁: خلوا بني الكفار عن سبيله نحن ضربناكم على تنزيله واليوم نضربكم على تأويله أي: بروزه للأيام، ولذلك نفهم اليوم في كثير من آيات القرآن ما لم يفهمه السابقون والسلف الصالح، وليس ذلك تفضيلاً للمتأخرين على المتقدمين، بل هو رزق الله، كما رزقنا آلات ووسائل لم تكن لديهم، مثل آلات رفع الصوت، وآلات التسجيل، وآلات الطباعة، وآلات معرفة الوقت، فهذه وسائل لم تكن لدى المتقدمين، وفتح الله لنا فيها، فكذلك الفهم والأشياء المعنوية يفتح الله فيها أيضاً للمتأخرين بحسب. ما يرزق الله به الناس.

стр. 508

الأسئلة

стр. 509

طريقة الحفظ السؤال كيف يحفظ الطالب المتون العلمية (أي: ما هي آلية الحفظ)؟ الجواب بالنسبة لآلية الحفظ يحتاج فيها الإنسان إلى ما يلي: أولاً: تقويم ما يريد أن يحفظه الطالب، فالإنسان إذا حفظ شيئاً على وجه الخطأ، فلا فائدة من حفظه له، مثل كثير من الذين يقرءون القرآن، ويتقدمون أئمة للناس وهم يخطئون ويكسرون في كل كلمة، فما فائدة حفظ هؤلاء؟! لو حفظوا آية واحدة متقنة لكانت خيراً لهم من حفظ القرآن كله على وجه الخطأ، فلذلك لابد من التصحيح أولاً. إذاً: أول خطوة في الحفظ هي: تصحيح ما تريد حفظه. ثانياً: أن يأخذ الإنسان الشيء الذي يستطيع حفظه، فتجد بعض الطلاب يريد مسابقة الزمن، فهو يريد أن يحفظ صفحات في وقت واحد، هذا غير صحيح، خذ أسطراً يسيرة، فإذا أحكمت حفظها وأتقنتها فأنت رابح، لا تتعب نفسك بصفحة كاملة أو صفحتين في وقت واحد، فهذا متعب للذهن، خذ الشيء اليسير، ثم الشيء اليسير بعده، ثم الشيء اليسير بعده، وكلما كان التجزيء ممكناً يكون أفضل في الحفظ وأقوى. ثالثاً: الوقت المختار للحفظ، وهو إما آخر الليل وإما أول النهار، هذا أحسن وقت للحفظ، السدس الأخير من الليل أو الصباح الباكر، بعد صلاة الفجر، فهذا أحسن وقت للحفظ؛ لأنه أصفى للذهن؛ ولأن الإنسان في هذا الوقت في الغالب لا يسمع كثيراً من الأصوات المزعجة، ولا يشم كثيراً من الروائح المزعجة، ولا ينشغل بكثير من الانشغالات، وأي وقت آخر ليس فيه انشغالات، ويجد فيه الإنسان راحة جسمية وقلبية، فهو أيسر للحفظ. رابعاً: كثرة التكرار، فإذا أردت حفظ حديث واحد مثلاً، أو أربعة أسطر من كتاب، أو خمسة أبيات؛ فاجلس وكررها كثيراً حتى ترسخ ويتقوم بها لسانك، ثم احفظها عن ظهر قلب من غير نظر إليها، ثم اتركها فترة لتتخمر في ذهنك، ثم عد إليها واقرأها وأكثر من التكرار؛ لأن التكرار الأول لابد بعده من فترة تخمير، وهو عبارة عن امتحان للنفس، ثم تعود إلى هذا التكرار مرة أخرى ولو كانت محفوظة لديك، فلابد أن تكررها، ويمكن أن تضع لنفسك عدداً معيناً من التكرار، ويوجد شيخ من العلماء المشاهير كان متقناً لكثير من الكتب ويحفظها مع كبر سنه، فسئل: ما السبب؟ فقال: كنت أكررها ألف مرة، أكرر النص أو المتن ألف مرة، وأكرر الشرح مائة مرة! فلذلك لابد أن يفرغ الإنسان وقتاً للحفظ، فإذا كانت أربعة أبيات أو خمسة أبيات، أو حديثاً واحداً، وتأتي بهذا العدد من التكرار، فسيرسخ المحفوظ رسوخاً بيناً، وبالأخص إذا كان التكرار متقطعاً، مثلاً: تكررها مائة مرة الآن وتنقطع عنها في الصباح، ثم مائة مرة في وقت الظهيرة، ثم مائة مرة في المساء، ثم مائة مرة في الليل، فيكمل لك ألف تكرار في مدة قصيرة، وسترسخ لديك رسوخاً بيناً، ومع تقدم سنك لا يضعف حفظك لها ولا إتقانك لها، بينما الأمور التي قرأتها فقط أو كررتها أربعين مرة أو عشرين مرة فإنه إذا تقدم بك العمر فستنساها. خامساً: المراجعة الدائمة، فالنبي ﷺ قال في حفظ القرآن: (تعاهدوا القرآن فلهو أشد تفلتاً من صدور الرجال من الإبل في عقلها)، ومثله المحفوظات كلها، فإذا كان القرآن الذي هو نور ووحي يتفلت من الصدور، فكيف بما سواه من كلام البشر؟! فلذلك تحتاج إلى مراجعة مبرمجة، كل أسبوع يكون عندك يومان للمراجعة، ليس فيهما استزادة، لا تحفظ فيهما، عطل الحفظ يومين من الأسبوع لمراجعة ما حفظته طيلة الأسبوع. وهكذا الذي يريد حفظ القرآن، فما حفظه في النهار من القرآن يصلي به في الليل حتى يرسخه في ذهنه. ولابد أن تأخذ يوماً كاملاً من الشهر تعتزل الناس فيه، وتراجع كل محفوظاتك التي حفظتها خلال الشهر. وبعض الكتب قد تحفظها في ستة أشهر مثلاً، فإذا حفظتها حفظاً متقناً في ستة أشهر، فينبغي عليك أن تعطي كل شهر يوماً لتراجعها فيه، وبذلك يرسخ ما حفظته، ولا تحتاج بعد هذا للرجوع إليه. إذاً: هذه بعض وسائل الحفظ وثباته، ونسأل الله أن يوفق الجميع لما يحبه ويرضاه.

стр. 510

العلم سراجنا العلم نور يستضيء به السائرون إلى الله ، ولهذا كان العلماء هم أهل الخشية والخوف والمراقبة لله ، وكما قيل: من كان بالله أعرف كان لله أخوف. فيجب على كل مسلم ومسلمة أن يتعلم ما يهمه من أمر دينه، وما يستطيع أن يعبد الله به على بصيرة.

стр. 511

فضل العلم والعلماء بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على من بعث رحمة للعالمين، وعلى آله وأصحابه، ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين. أما بعد: فإن الله قد وصف نفسه بالعلم، وأثنى على العلماء من عباده، واستشهد العلماء على أعظم شهادة بعد أن شهد بها وأشهد بها ملائكته، فقال تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران:١٨]، وأخبر أن العلماء وحدهم هم الذين يخشونه حق خشيته، فقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر:٢٨]، وأخبر أنه يرفع منزلتهم ويعلي درجتهم، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَا فْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انشُزُوا فَانشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة:١١]، وأخبر أنهم وحدهم هم الذين يصلحون للتلقي عن الله ، فقال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ [العنكبوت:٤٣]، وحكم لصالحهم في قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ [الزمر:٩]. وكذلك نوه الرسول ﷺ بمنزلتهم، فقد ثبت عنه ﷺ أنه قال: (العلماء ورثة الأنبياء)، وثبت عنه ﷺ أنه قال: (إنا -معاشر الأنبياء- لا نورث، ما تركناه صدقة، إنا لم نورث ديناراً ولا درهماً، وإنما ورثنا هذا العلم فمن أخذ به أخذ بحظٍ وافر)، وكذلك ثبت عنه ﷺ في صحيح البخاري من حديث عثمان بن عفان ﵁ أنه قال: (خيركم من تعلم القرآن وعلمه). وكذلك ثبت عنه ﷺ الحض على طلب العلم، فقد أمره الله بذلك في قوله: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه:١١٤]، وحض ﷺ على طلبه، فقد ثبت في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة ﵁ أنه قال: (من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً؛ سهل الله به طريقاً إلى الجنة، وما اجتمع قومٌ في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم؛ إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده، ومن أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه). وكذلك جاء عنه ﷺ في السنن أنه قال: (إن العالم يستغفر له كل شيء، حتى الحيتان في البحر). وكذلك جاء عنه ﷺ في السنن والمسند أنه قال: (الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه، وعالم أو متعلم).

стр. 512

ضرورة طلب العلم وكل هذا يستشعر به المؤمن المخلص ضرورة طلب العلم، ومنزلته ودرجته عند الله تعالى، ويعلم أنه لا يمكن أن يعبد الله تعالى إلا عن طريقه، فلا يمكن أن يعبد الله على جهل، وما عصي إلا عن جهالة، إما عن جهالة به أو عن جهالة بتشريعه، والذين يعصونه من الذين يعرفون أنهم خالفوه قد جهلوه؛ لأنهم لم يتصلوا بمعرفة الله؛ فلذلك عصوه، والذين يعصونه وهم لا يعلمون أنهم عصوه فقد جهلوا تشريعه وما أرسل به رسله؛ فإن الله لم يترك البرية سدى، وإنما أرسل إليها الرسل ليعلموها ما أنزل إليهم من ربهم، وليرشدوها إلى ما يرضيه ، ومن هنا ختم الرسل بمحمد ﷺ المقفي لما سبق والخاتم له، الذي جاء بهذه الآيات والأحاديث التي سقناها، وحض ﷺ على هذا العلم وعلى الاتصاف به، وجعل منزلة الناس إنما هي بحسب ما تعلموه وحملوه. ومن هنا فضّل الله المهاجرين والأنصار على الأعراب الذين انشغلوا عن طلب العلم.

стр. 513

أقسام الناس في العلم وقد أخبر الرسول ﷺ أن الناس حيال هذا العلم قد انقسموا إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: قومٌ تعلموا ما ينفعهم وينفع من سواهم، فعلموا الناس وأرشدوهم، وعملوا هم بما تعلموا، وهؤلاء في أعلى الدرجات. القسم الثاني: قومٌ تعلموا ما يعملون به وينجيهم من عذاب الله، ولكن لم يعلموا الناس، ولم يستطيعوا أن يصلوا إلى ذلك المستوى، وهؤلاء هم الدرجة التي تليها. القسم الثالث: قومُ لم يرفعوا بذلك رأساً، ولم ينتفعوا بهدى الله الذي أنزل على محمد ﷺ ، فأعرضوا عما جاء به، فلم يتعلموا ولم يعلموا. وقد ضرب الرسول ﷺ مثلاً لهذه الأقسام الثلاثة، فقد أخرج البخاري من حديث أبي موسى الأشعري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (إن مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضاً، فكان منها طائفة طيبة قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وأصاب منها طائفة أخرى أمسكت الماء على الناس فسقوا ورعوا وزرعوا، وأصاب منها طائفة أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت عشباً، فذلك مثل من نفعه ما بعثني الله به فعلم، وعلم، ومثل من لم يرفع بذلك رأساً ولم ينفعه هدى الله الذي أرسلت به)، فهنا بيَّن هذه الطبقات، وجعل المعرضين عن هذا التعلم الذين لا يرفعون به رأساً ولا ينتفعون به في أدنى الدرجات وأحطها وأبعدها عن الحق. ومن أجل هذا قال الله في وصف الأعراب: ﴿الأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ [التوبة:٩٧]، فليس وراء الجهل بحدود ما أنزل الله على رسوله عيب، ولذلك أخرهم الله تعالى بالمنزلة، وجعل ولاية المؤمنين لهم ناقصة. فالله تعالى جعل الولاء درجتين: الدرجة الأولى: الولاء العام بين عامة المسلمين وهذا الولاء هو المذكور في قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات:١٠]، وفي قوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بعض﴾ [التوبة:٧١]. الدرجة الثانية -وهي أقوى من سابقتها-: الولاء بين العاملين لنصرة الدين والساعين لإعلاء كلمة الله. وهذا الولاء أخص وأقوى من سابقه، وهذا الذي أكده بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوا وَنَصَرُوا أُوْلَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجَرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الأنفال:٧٢]. فجعل هؤلاء الذين آمنوا ولم يهاجروا ولم يشاركوا في إقامة دولة الإسلام ولم يتعلموا ما جاء به محمد ﷺ ، وإنما جلسوا في باديتهم وما كانوا عليه، مع أنهم يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة، ويشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، جعل ولاء المؤمنين لهم مختصاً بمن لم يكن بينه وبين المؤمنين عمل، فقال: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾ [الأنفال:٧٢]، فجعل هذا الولاء الخصوصي في أن يهاجروا، فالهجرة مشاركة في إقامة دولة الإسلام، ومشاركة كذلك في تعلم ما جاء به الرسول ﷺ .

стр. 514

تفضيل طلب العلم على العزلة ومن هنا لم يأذن الرسول ﷺ في التعرب بعد الهجرة إلا لأفراد قلائل، منهم: سلمة بن الأكوع، فقد أذن له الرسول ﷺ في التعرب لما علم أنه قد جمع من العلم ما يكفيه، وأنه لا يقدر على كثير من خطوط الخلطة، وكذلك أذن رسول الله ﷺ لـ أبي ذر ﵁ بالتعرب، بل أخبر أن ذلك سيقع فقال: (رحم الله أبا ذر، يعيش وحده، ويموت وحده، ويبعث وحده)، وذلك لما علم من حدته، وأنه لا يستطيع الصبر على كثير من الخلطة، فأذن له بالخروج بعد أن يجد أمارات يعرفها. وقد رأى هذه الأمارات حين ثارت الفتنة في خلافة عثمان بن عفان، فخرج من المدينة، وبقي بالربذة حتى مات. ولهذا فالاشتغال بتعلم ما جاء به رسول ﷺ هو أفضل ما يشتغل به الإنسان من عبادة الله، ومن أجل هذا سئل مالك رحمه الله تعالى عن المقرب للقتل الذي لم يبق من عمره إلا ساعة واحدة في أي عبادة يصرفها؟ فقال: علم يتعلمه. فقيل له: يا أبا عبد الله! إنه لا يعمل به؟ فقال: تعلمه أفضل من العمل به. وقد صرح الشافعي ﵀ بأن طلب العلم أفضل من صلاة النافلة، وذلك ما رواه السيوطي ﵀ في قوله: والعلم خير من صلاة نافلة فقد غدا الله برزق كافله وقد كان الشافعي ﵀ مثالاً في ذلك، فحين زار أحمد بن حنبل ﵀ خصص له بيتاً للضيافة، فنزل في تلك الغرفة وبقي وحده، وبقيت ابنة لـ أحمد بن حنبل تراقبه، فلما أصبح قالت لأبيها: عجبت لضيفك هذا الذي يشار إليه؛ فإنه أكل كثيراً ونام كثيراً وصلى بغير وضوء! فتعجب أحمد من ذلك، فسأله فقال: أما أني أكلت كثيراً فقد سمعت أن من طوى بطنه عن طعام أخيه وهو يشتهيه لم يحسن أدبه معه، وأما أني نمت كثيراً فلم أنم، وإنما سمعت حديثاً فأعملت ذهني في الاستنباط منه، وأخرجت منه أربع عشرة مسألة -وهو حديث أنس بن مالك في قصة تردي الشاة من سلع-، وأما أني صليت بغير وضوء فما انتقض وضوئي حتى أذن المؤذن، فالوضوء الذي صليت به العشاء هو الذي صليت به الفجر. ومن أجل هذا حرص كثير من سلفنا الصالح رحمهم الله تعالى على أن ينظموا وقتهم وأن يقسموه، وأن يجعلوا جزءاً لا بأس به من أوقاتهم لتعلم هذا العلم، وجعلوا ذلك رباطاً في سبيل الله، حتى إن أحمد بن حنبل ﵀ ذهب في تفسير قول الله تعالى في مصارف الزكاة: ﴿وفي سَبيلِ الله﴾ [التوبة:٦٠]-وهو المصرف السابع من مصارف الزكاة الثمانية- إلى أن المقصود بذلك المجاهدون في سبيل الله الغازون، وطلبة العلم الذين يدرسونه، والحجاج والمعتمرون، وجعل طلاب العلم بمثابة الغازين المجاهدين في سبيل الله يستحقون سهماً من الزكاة حتى لو كانوا أغنياء. وكذلك فإن المالكية رحمهم الله تعالى نصوا على أن المشتغلين بتعلم فروض الكفاية يتحملون فرض كفاية عن الأمة، فيستحقون الارتزاق على ذلك من بيت المال إذا كان بيت المال منتظماً، فإن لم يكن للمسلمين بيت مال كان لهم حقٌ في أموال الناس، وقد فصل العلماء في هذه المسألة، وشيخي ﵀ يقول: من واجب الإسلام جمع مال تقضى به حقوق بيت المال إن لم يكن كحاملي علوم فرض الكفاية من الموسوم بحسن إدراك مع السريرة والطيب في سجية وسيرة ومن خلا من هذه الأوصاف منعه لفقد الاتصاف بل طلب العلم بتلك المرتبة خالٍ من المصلحة المجتنبة من هو في التكليف ما لم يطق وعبث في فعله والمنطق وكل يوم حجروه حجرا فكيف يأخذ عليه أجرا ذكره البواق في الإبداع فانظر تجده يوم يدع الداع

стр. 515

أقسام العلم الذي ينتفع به وكذلك فإنهم نصوا في قول الرسول ﷺ : (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث -وفي رواية: إلا من ثلاثة-: علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له، أو صدقة جارية) على أن العلم الذي ينتفع به ينقسم إلى قسمين: إما علم بثه في صدور الرجال وأوصله إليهم، فيتناقله الناس وما يزال ينمو له، ويزداد أجره بحسب من استفاد منه. وإما أن يكون المقصود أن يقف أوقافاً على طلبة العلم، كما فعل ذلك الخلفاء الراشدون، وفعله كثير من أئمة الإسلام في مختلف العصور، ومن أجل ذلك قامت المدارس الوقفية في أكثر بلدان الإسلام، ففي دمشق وحدها وصل عدد المدارس الوقفية التي ليس للناس عليها سلطة وإنما يسيطر عليها العلماء وطلاب العلم في أيام النووي رحمه الله تعالى إلى قرابة السبعين في مدينة دمشق وحدها، وقد كانت دمشق من عواصم الإسلام، ومنها (دار الحديث) التي تعلم فيها النووي وابن الصلاح، وغيرهما من كبار الأئمة، وكذلك منها (الصالحية) التي تعلم فيها آل قدامة وابن تيمية وغيرهم، ومدارس أخرى كثيرة جداً اشتهرت في ذلك الوقت، وكذلك في مصر اشتهر عدد كثير من المدارس الوقفية التي كانت مستقلة تمام الاستقلال، فلا يتأثر فيها العلماء ولا طلاب العلم بأية مواقف أخرى، وإنما كانوا ينفردون لطلب العلم ويجدون ارتزاقهم من هذه الأوقاف، فيعلمون الغرباء ويرجع هؤلاء الغرباء وافدين إلى بلادهم بما حملوه من هذا العلم؛ تحقيقاً لقول الله تعالى: ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة:١٢٢]. ولاشك أن العلم الذي يبث في صدور الرجال ذو منزلة عالية؛ لأنه لا ينتفع به أحد مدة هذه الدنيا إلا كتب لمن نقله أجراً، ومن أجل هذا ازداد فضل السلف على الخلف، فكلما ازداد خلف هذه الأمة ازداد أجر وشرف سلفها؛ لأن أجورهم تتضاعف فتضرب في أعداد اللاحقين إلى يوم القيامة؛ فأجور هذه الأمة كلها في ميزان حسنات رسول الله ﷺ ، ثم دون ذلك في ميزان حسنات أصحابه الذين بلغوا هذا العلم، ونقلوه عنه، ثم دون ذلك في ميزان حسنات التابعين، وهكذا طبقة طبقة حتى يصل ذلك إلينا، ثم إلى ما شاء الله بعدنا، وفي هذا يقول شيخي ﵀: وكل أجرٍ حاصلٍ للشهدا أو غيرهم كالعلماء والزهدا حصل للنبي مثله على أجور ما كان النبي فعلا مع مزيد عدد ليس يحد وليس يحصي عده إلا الأحد إذ كل مهتدٍ وعامل إلى يوم الجزاء شيخه قد حصل له من الأجر كأجر العامل وضعف ذا من ناقص وكامل وشيخ شيخه له مثلاه وأربعٌ لثالث تلاه وهكذا تضعيف كل مرتبة إلى رسول الله عالي المرتبة ومن هنا يعلم تفضيل السلف وسبقهم في فضلهم على الخلف فمن أجل هذا حرص الناس على أن يحملوا ويبلغوا ما حملوه؛ فإن من بلغه علم عن الرسول ﷺ فهو خليفة رسول الله ﷺ في ذلك الجزء الذي بلغه من الدين، ومن هنا يتشرف بخلافة الرسول ﷺ في ائتمانه على ما بلغه، ولو كان آية واحدة فعليه أن يسعى لتبليغها، وقد وعده الله على ذلك الأجر الكثير، فقد ثبت عن رسول الله ﷺ أنه قال: (بلغوا عني ولوا آية)، وثبت عنه أنه قال: (ليبلغ الشاهد منكم الغائب؛ فرب مبلغٍ أوعى من سامع)، وثبت عنه ﷺ متواتراً أنه قال: (نضر الله امرأً سمع مقالتي فوعاها، فأداها كما سمعها، فربّ حامل علم ليس بفقيه، وربّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه).

стр. 516

العلم أمانة إن الذي اؤتمن على هذه الأمانة فلم يؤدها قد تعرض لوعيد شديد، ققد ثبت في الصحيحين عن رسول الله ﷺ أنه قال: (ما بال أقوام لا يعلمون جيرانهم ولا يفقهونهم؟! فوالذي نفس محمد بيده ليعلمن قوم جيرانهم وليذكرنهم أو ليعاجلن لهم العقوبة)، فقد شدد على أولئك الذين حملوا بعض ما جاء به محمد ﷺ فلم يؤدوه حق أدائه؛ لأن ما جاء به قد سلمه وأداه إليهم، وهذا من تمام رسالته، فهو رسولٌ إلينا جميعاً ولم يلقنا؛ لأن الله تعالى شاء أن يقبضه عند عمره المحدد، لكن بقيت رسالته ودعوته في أعناق الذين تحملوها أمانة لديهم، فتبليغهم لها من تبليغ الرسول ﷺ لها، فيجب عليه أن يبلغ من تقوم به الحجة، ويسقط عنه بعد ذلك، كما قال تعالى: ﴿مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ [النور:٥٤]، وقال تعالى: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ﴾ [الذاريات:٥٤]، فإنما يلزمه أن يبلغ من تقوم بهم الحجة على الناس، وقد فعل ذلك، ثم بقي أن كل من بلغه شيء عنه يجب عليه أن يبلغه، وتبليغه من تبليغ الرسول ﷺ في دعوته ورسالته، فيقوم بالخلافة عن الرسول ﷺ بأداء ما تحمل على الوجه الصحيح، ويكون كالوصية التي لا يحل فيها التغيير ولا التبديل، كما قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ * فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ﴾ [البقرة:١٨٠ - ١٨١]. فلذلك من بلغه شيء عن رسول الله ﷺ فهو وصية من رسول الله ﷺ إليه، فيجب ألا يغير فيه وألا يبدل، وأن يؤديه ويبذله لمن طلبه، ومن أجل هذا حض الرسول ﷺ على أقوامٍ سيأتون في آخر الزمان يلتمسون علمه وما جاء به، وأخبر أنهم وصيته، فقال: (ليأتينكم أقوام يطلبون هذا العلم، فاستوصوا بهم خيراً)، فجعلهم وصية يجب الرفق بهم والتلطف إليهم؛ لأنهم جاؤوا بوصية سابقة من الرسول الكريم ﷺ . وكذلك فإن حصول الشرف للإنسان يوم القيامة إنما يكونُ بحسب علمه؛ لأنه لا يمكن أن يكون عاملاً إلا بما تعلم، وما لم يتعلمه من هذا الدين فإن قدر على تعلمه حسب عليه وحوسب عليه حينئذ، وما قدر على تعلُمِه وتعلَمَه وعمل به نال ثوابه، وما قدر على تعلمه فتعلمه ولم يعمل به كان حجة عليه، وكان أيضاً في ميزان سيئاته، فلذلك يلزم أن يقبل الناس على طلب هذا العلم، وأن يخصصوا له جزءاً من أوقاتهم، وليس المقصود أن يعطلوا أعمالهم وأن يلتحقوا بمدارس فيتركوا مصالح الأمة متعطلة، بل المقصود أن يتعلم كل شخص منهم ما تيسر، وأن يخصص جزءاً من وقته على حسب طاقته بما تيسر من هذا العلم، كما قال تعالى: ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ [المزمل:٢٠]. فلم يعذر أحداً من هؤلاء، لا التجار، ولا المجاهدون في سبيل الله، ولا المرضى، وهؤلاء كل فئة منهم تمثل فئة جليلة من فئات هذه الأمة، وتمثل طبقةً من طبقاتها، ولذا لم يعذر أحداً منهم في ترك التعلم، بل أمرهم أن يتعلموا ما تيسر وما يكفيهم بقيام هذه المهمة وهذا الواجب، كما قال تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ مَا آتَاهَا﴾ [الطلاق:٧]، وقال: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦]، ومن أجل هذا حض الله تعالى في كتابه أمهات المؤمنين ﵅ وأرضاهن على نقل هذا العلم الذي سمعن من رسول الله ﷺ ورأين، وكان خصوص أمرهن بذلك أنهن يشاهدن من أحوال رسول الله ﷺ ، ويشهدن منه ما لا يشهده كثير ممن سواهن، فلذلك قال: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ [الأحزاب:٣٤]، وهذا يشمل ما فعل وطبق عملياً وما سمعنه من رسول الله ﷺ قولياً، فأمرهن بتبليغ ذلك كله. ومن أجل هذا كان لأمهات المؤمنين أبرز حظ ونصيب في تبليغ هذه الرسالة ونقل الحديث عن رسول الله ﷺ ونقل ما أفتى به ونقل أحواله كلها إلى الأمة، وقد سعين لتبليغ ذلك وتعليمه، وهذا هو الذي ائِتسى بهن فيه من خلف من علماء هذه الأمة على مختلف العصور، فقد كان كثير منهم يقتدي بـ أبي هريرة ﵁ الذي قال: (والله لأرمين به بينكم)، وكذلك يقتدي بـ أبي ذر الذي قال: (والله لو جعلتم الصمصامة على هذه -وأشار إلى قفاه- وعلمت أني أنفذ خبراً واحداً مما سمعت من رسول الله ﷺ قبل أن تجهزوا علي لأنفذته). فلذلك سعى هؤلاء الأسلاف إلى تبليغ هذا العلم في مختلف الظروف، حتى إن بعضهم كان سجيناً فيجد النافذة في وقت من الليل يجتمع عليها أفراد من الناس فيملي عليهم العلم، ولا يجيبهم في شيء من السؤال عن أحواله هو؛ لأن الوقت ضيق، وهو أمانة لديه، فيملي عليهم شيئاً مما اؤتمن عليه فيكتبونه. والسرخسي ﵀ أملى كتابه (المبسوط) وهو سجين في السجن، يقال: إنه كان في بئر، وكان الطلاب يقفون حيث يسمعون صوته ويكتبون عنه من مكانه ذلك، حتى كتبوا هذا الكتاب الكبير -المبسوط- الذي يزيد على ثلاثين مجلداً. وكذلك كان عدد منهم إذا مرض قال: إنه ما يسره إلا أن يبلغ ما في هذا الكتاب، أو أن يبلغ هذا العلم الذي رواه. وعدد كبير منهم سعى في مرض موته بأن يبلغ أكبر حظ ممكن من العلم الذي معه، حتى كان الأطباء يتضجرون من ذلك، كحال ابن عرفة، وكحال عدد كثير من الذين مرضوا وعولجوا، فإن كثيراً منهم كان يُتعب نفسه في أيام المرض؛ لأنه يعلم أنه منتقلٌ عن هذه الدنيا وميت لا محالة، فيريد أن يبلغ شيئاً من العلم الذي حمله قبل أن يذهب وينتقل معه.

стр. 517

شروط طلب العلم

стр. 518

عدم إرادة الدنيا كذلك فإن من الشروط التي لابد من تحققها حتى يلتحق الإنسان بهذه الزمرة ألا يطلب على ذلك مثوبة في هذه الدنيا، فإن طلب المثوبة على تبليغ الرسالة مخالف لهدي جميع الأنبياء، ومخالف لشرع الله ، فإن الله قص علينا قصص جميع الأنبياء الذين قص قصصهم، وكلٌ منهم نجد في قصته: (لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا)، فلا يسألون أجراً عما يبلغونه عن الله ، فمن طلب بعلمه أجراً دنيوياً أو طلب عليه أي مثوبة دنيوية فإنه لا يمكن أن يستقر معه؛ لأنه لم يعمل بهدي الأنبياء ولم يلتزم قيد العلم.

стр. 519

الحفظ وكذلك من هذه الشروط المكملة أن يكون الإنسان حافظاً بذهنه ما يتعلمه، وألا يتكل على كتابه أو تسجيله؛ فإن العلم محله الصدر، والذي يملك مكتبة كبيرة ضخمة ولا يقرأ ما فيها لا يمكن أن يعد من العلماء، بل لا يكون عالماً حتى يحوي ذلك صدره، كما قال الراجز: ليس بعلم ما حوى القمطر ما العلم إلا ما حواه الصدر وقال الشافعي ﵀: علمي معي حيث ما يممت يتبعني قلبي وعاء له لا جوف صندوق إن كنت في البيت كان العلم فيه معي أو كنت في السوق كان العلم في السوق وكذلك قال أبو محمد علي بن حزم ﵀: إن تحرقوا القرطاس لا تحرقوا الذي تضمنه القرطاس بل هو في صدري يسير معي حيث استقلت ركائبي ويمكث إن أمكث ويدفن في قبري

стр. 520

العمل بالعلم ومن هذه الشروط: الاتباع. فلابد أن يتبع الإنسان ما علمه، وإلا قامت به الحجة عليه، ولذلك قال أبو الدرداء ﵀: (إن أخوف ما أخافه كتاب الله، ألا تبقى آية آمرة إلا جاءتني فقالت: يا أبا الدرداء! قد أتيتك آمرة فلم تأتمرني، ولا آية زاجرة إلا جاءتني فقالت: يـ أبا الدرداء! قد أتيتك زاجرة فلم تنزجر بي!) وكذلك قال: (إني أخاف أن يقال لي يوم القيامة: أعلمت أم جهلت؟ فأقول: بل علمت، فيقال: فما عملت فيما علمت؟!) فمن علم فقد قامت عليه الحجة، وانقطعت أعذاره بين يدي الله ، ولهذا من أعدت له العدة ليتعلم كذلك، فقد انقطعت حجته، كما قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ [فاطر:٣٧]. فإذا حصلت النعمة بالعمر والوقت، وهيئت الأسباب للعلم فلم يتعلم الإنسان فقد قامت عليه الحجة وكأنه قد علم، كما في قوله تعالى في هذه الآية: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾ [فاطر:٣٧].

стр. 521

معصية الإنسان لهواه ومن هذه الشروط: معصية الهوى. فلابد للإنسان أن يكون مخالفاً لهواه حتى يحصل على هذا العلم، فمن لم يخالف الهوى وتبعه فإن هواه أبعد ما يكون عن طلب العلم، فطلبه شاق على الأبدان شاق على الأذهان؛ لأن الإنسان يسهر فيه الليالي ذوات العدد، ويتأذى بأذى الناس، وينصرف عن جمع الدنيا والانشغال بها، فهذا شاق على النفوس مخالف للهوى، فلا يكون من لا يصبر على مخالفة هواه عالماً أبداً، والله حض على مخالفة الهوى، وجعل ذلك طريق الجنة في قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات:٤٠ - ٤١]. والعلم طريق الجنة، كما قال رسول الله ﷺ : (من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة).

стр. 522

هوان نفس طالب العلم عليه ومن هذه الشروط: أن تهون على الإنسان نفسه في طلب هذا العلم، وأن يضحي في سبيل ذلك، فإن لم يضح في سبيله وإنما أخذ منه ما تيسر ولم يوله قيمة، ولم يعتبره بأي اعتبار لم يكن ليناله، ولهذا فإن موسى ﵇ لم ينل هذا العلم حتى خاطر وركب البحر في سفينة مخروقة، وكذلك فإن علماء هذه الأمة رحلوا في طلب العلم لمسافات شاسعة، فقد سافر جابر بن عبد الله من البصرة إلى المدينة في طلب حديث واحد، وسافر عبد الله بن أنيس ﵁ من المدينة إلى الشام في طلب حديث واحد، وسافر أبو أيوب الأنصاري من المدينة إلى مصر في طلب حديث واحد، ومن أجل هذا فإن ركوب الخطر هو أصل التضحية، فالتضحية لا تكون إلا مع الخطر عندما تعارضها المصالح، وما دامت المصالح متفقة مع ما يبذله الإنسان فإن ذلك لا يُسمى تضحية، ولا يكون مجاهداً بسببه؛ لأنه لم يبذل جهداً، وإنما أنفق الزائد من جهده، ومن لم يضح فمعناه أنه: لم يبذل جهداً، وبهذا يفسد على نفسه بعض الأمور التي يهواها، ولا يُعد من المضحين المجاهدين، ومن أجل هذا قال أحد الحكماء في الأخوة: إن أخاك الحق من يسعى معك ومن يضر نفسه لينفعك ومن إذا ريب الزمان صدَّعك شتت فيك شمله ليجمعك فلا يكون الإنسان مضحياً إلا إذا بذل من الجهد ما يؤدي به إلى أن يفقد بعض ما يتمناه ويهواه.

стр. 523

الصبر على الجوع ومن هذه الشروط: الجوع. فإن البطنة تذهب الفطنة، والإنسان إذا اشتغل بالأمور المادية، وملأ بطنه فإن ذلك يشغله عن الأمور المعنوية، ومن هنا فإن موسى ﵇ لم ينل هذا العلم حتى قال: ﴿آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا﴾ [الكهف:٦٢]، والذين أحرزوا حظاً لا بأس به من هذا العلم ما نالوا ذلك إلا في فترات الجوع عليهم والقلة، وهم الذين أصبحوا مثلاً يؤتسى بهم في التاريخ كله.

стр. 524

الإخلاص في طلب العلم إن هذا العلم مهمة شاقة وأمانة عظيمة، فلذلك يقتضي كثيراً من الشروط قبل طلبه. فأهم هذه الشروط وأبلغها الإخلاص لله تعالى فيه؛ فإنه عبادة، فسماعه وكتابته وتلقيه كل ذلك عبادة عظيمة، والعبادة إذا كانت بغير إخلاص فهي مردودة على صاحبها، كما ثبت في صحيح مسلم عن رسول الله ﷺ فيما يرويه عن ربه أنه قال: (أنا أغنى الشركاء عن الشرك، فمن عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه)، فلذلك يجب على من أراد طلب العلم -ولو لحظة واحدة- أو أراد سماع شريط أو أراد قراءة أسطر كتاب أو قصد مكاناً لطلب العلم أياً كان ألا يضيع شيئاً من هذا الإخلاص حتى تحسب له خطاه، وحتى تشهد له الحصى، فلو مات في طريقه تلك كان كمن مات في هجرته إلى الله ورسوله، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [النساء:١٠٠]. فعلى من قصد هذا العلم من أي مكان أن يحتسب خطاه من أول خطوة، وألا يغفل شيئاً مما يمر به من الخطا أو غيره، حتى لو مات في طريقه فسيموت على هذه النية، ويكون كالمهاجر في سبيل الله، ولو وصل كتبت له الأجور كاملة لا ينقص منها شيء. وهذا الإخلاص شرط لقبول العمل وشطر لصحته؛ فإن العمل لا يكون صالحاً إلا بأمرين: الأول: الإخلاص لله سبحانه تعالى. والثاني: الموافقة لما شرعه. فلا يكون العمل صالحاً إلا إذا جمع هذين الركنين: الإخلاص والموافقة.

стр. 525

الغربة عن الأهل ثم بعد هذا الشرط الأول -الذي هو الإخلاص لله تأتي شروط أخرى يعد بها الإنسان نفسه ليلتحق بهذا الركب، وليكون من الذين يخلفون رسول الله ﷺ فيما يتعلمون، وقد ذكر العلماء منها عدة شروط كلها بتجربة من هدي الأنبياء والصالحين. فمن هذه الشروط: الغربة، فمن جلس في مكانه بين أهله قل ما يحصل على علم، ولذلك يقول الشاعر: الأهل والجهل ساكنان في بلد فاصبر عن الأهل أو فاصبر على الثاني حتى لو كان أبوه عالماً فأزهد الناس في العالم أهله، فيمكن أن يعيش الشخص في البيت مع عالم من العلماء الأجلاء لكنه يكون زاهداً فيه بقربه منه، ومن هنا رحل موسى ﵇ إلى الخضر، وقال: ﴿حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً﴾ [الكهف:٦٠]. ولم ينل رسول الله ﷺ الوحي حتى حبب إليه الخلاء، فكان يخلو في غار (حراء) فيتحنث فيه الليالي ذوات العدد ويتزود لذلك، ويرجع إلى خديجة فتزوده لمثلها حتى جاء الحق. وكذلك فإن الذين اشتهروا بالعلم من هذه الأمة إنما رحلوا في سبيله، وطلبوه في أماكن مختلفة، ولذلك فإن كثيراً منهم عندما يسألون عن منتهى آمالهم يقولون: إسنادٌ عالٍ -وبيتٌ خالٍ- كما كان أحمد بن حنبل ويحيى بن معين إذا سئُلا عن بغيتهما يقولان: إسنادٌ عالٍ وبيتٌ خالٍ. أي: أنهما يبحثان عن أعلى الناس إسناداً، كالذي ليس بينه وبين الرسول ﷺ إلا ثلاثة رجال في طبقة أحمد مثلاً، فهذه ثلاثية أحمد، وهي الأحاديث التي رواها عن أبي الزبير عن جابر، فأولها حديث: (من كذب عليَّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار)، فهذه الأحاديث تكون عالية الإسناد جداً، ولهذا كانوا يبحثون عنها لسهولة تصحيحها، ولأنها لم يتناقلها كثير من الناس. ثم بعد ذلك بيت خالٍ يتفرغ فيه الإنسان للعلم، ويستطيع فيه أن يراجع، وأن يحفظ، وأن يستذكر ويتدبر، ولذلك يقول آخر: قالت مسائل سحنون لقارئها لن تدرك العلم حتى تلعق الصَّبرا لا يدرك العلم بطالٌ ولا كسل ولا ملول ولا من يألف البشرا فلابد من هذه الغربة.

стр. 526

التواضع للمعلم ومن هذه الشروط: التواضع. فلا يمكن أن يكون الإنسان متعلماً حتى يتواضع لمن يعلمه ومن يأخذ عنه، فهذا موسى ﵇ وهو كليم الله وقد اجتباه الله برسالاته وبكلامه، ومع ذلك حين جاء إلى الخضر: ﴿قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾ [الكهف:٦٦] فلم يقل: إني (متبعك) بصيغة الجزم، بل قال: (هل أتبعك) بصيغة الاستفهام تواضعاً، ثم قال: (على أن تعلمني) فجعل نفسه طالباً، ولم يقل: على أن تذاكرني، أو أن أستفيد منك، فلم ينسب الفعل لنفسه، بل قال: (على أن تعلمني)، ثم قال: (مما عُلِمت) بصيغة (من) التبعيضية، ومعناه: بعض ما علمت، ولا أريد أن تعلمني كل ما عندك. ثم قال: (تعلمني مما علمت رشداً)، وذلك أن هذا العلم بضاعة غالية، ومن خصه الله به فإنه لا يمكن أن يدفع هذه البضاعة ويسلمها لمن لا يحترمه، ولمن لا يجد فيه تقدير العلم وأدبه، فأهم آداب العلم التواضع، ولذلك فإن من تكبر من العلماء أو من طلاب العلم فسيسلك طريق إبليس الذي تكبر بما علمه الله، فقال: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف:١٢]، فعلى من طلب العلم أو نال حظاً منه أن يتواضع بقدر ما تعلم، ومن هنا يقول الحكيم: وإن كريم الأصل كالغصن كلما تزايد من خير تواضع وانحنى فلذلك لابد أن يتواضع الإنسان حتى يحصل على ما كتب له من هذا العلم.

стр. 527

الورع ومن هذه الشروط: الورع. فمن كان غير ورعٍ وغير متقٍ للشبهات وغير متقٍ للحرام والمكروهات فلا يمكن أن يحصل على علم؛ لأن هذا العلم نورٌ، والنور يفر من مكان الظلمة، فمن أراد أن يوقد نوراً في مكان فليختر أصقل مكان، وليختر الزجاج الصقيل المضيء، فهو الذي تحسن فيه الإنارة، وأما المكان المظلم الأسود الموحش فإنه لا يستقر فيه النور، ومن هنا فإن على الإنسان الذي يريد طلب العلم أن يجتهد في الورع، وأن يتقي الحرام، وأن يتقي المكروهات والمشتبهات، وبذلك لا يفر منه هذا العلم، بل يستقر في صدره. ويروى عن الشافعي ﵀ أنه قال: شكوت إلى وكيعٍ سوء حفظي فأرشدني إلى ترك المعاصي وأخبرني بأن العلم نور ونور الله لا يعطى لعاصي ويروى عنه ﵀ أنه قال: أتيت مالكاً فجلست إليه، فلما انفض المجلس دعاني فتبعته، فقال: يا بني! إني أرى أن الله قد قذف في قلبك بشيء من نوره فلا تطفئه بظلمة المعصية. فنصحه بهذه النصيحة البالغة، ومن هنا فإن صاحب المعصية ذليل، وصاحب العلم عزيز، فإذا اجتمعت الذلة والعزة اجتمع ضدان، وإذا اجتمع الضدان فإن النتيجة تتبع الأخس دائماً كما يقول المناطقة، فيكون الإنسان حينئذ متدنياً إلى أسفل الدرجات، ومن أجل هذا كان الذين يضلون الناس بالعلم أخطر عليهم وأكثر ضرراً من الذين يضلون عن جهل، ولهذا كان عبد الله بن المبارك رحمه الله تعالى كثيراً ما يقول: وهل أفسد الدين إلا الملوكُ وأحبار سوء ورهبانها فأحبار السوء والرهبان الذي ليس معهم ورع يبيعون ما معهم من العلم، فيفتون على مقتضى ما تملي عليهم سيادة أسيادهم، وبذلك يَضِلون ويُضلون.

стр. 528

آداب طلب العلم ومن أجل هذا فإن تفاوت الناس في العلم إنما هو بحسب ما بذلوه من الجهد والوقت حتى يحفظوا ويفهموا، وبعد ذلك عليهم أن يبلغوا، وقد ذكر العلماء آداب ذلك مرتبة: فأولها: الاستماع. لقول الله تعالى: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ [الزمر:١٧ - ١٨]. الثاني: الفهم. لأن ما استمع إليه فلم يُفهم لا يستفيد به الإنسان، بل يكون كما قال تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا﴾ [محمد:١٦]. الثالث: الحفظ لما سمعه وفهمه. فالحفظ هو القيد الثالث في ذلك. الرابع: العمل بما سمعه. وفهمه. وحفظه. الخامس: بث ذلك ونشره، ومعناه: تعليم ما سمعه وفهمه وحفظه وعمل به، ولابد أن يتأخر التعليم عن هذه القيود السابقة، فإذا كان يسمعه ويفهمه ثم ينقله إلى غيره دون أن يعمل هو به ودون أن يحفظه فإنه لابد أن يتخالف قوله، ولا يكون متقناً لما يحدث به، ثم إذا سمعه وفهمه وحفظه فأراد أن يُسمعه وأن ينقله إلى غيره قبل أن يعمل به كان كالداعي لما لم يعمل به، وهذا مخالف لهدي الأنبياء، فقد قال الله تعالى حكاية عن خطيب الأنبياء شعيب ﵇: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ﴾ [هود:٨٨]، فلذلك لابد أن يبدأ هو بتعلم ما يدعو إليه، ثم بعد ذلك يبلغه للناس حتى يعملوا به، ولهذا فإن ابن الجوزي ﵀ كان من الخطباء المؤثرين، وكان إذا خطب بكى وأبكى، فلا تقع نازلة ولا أمر، يهم الناس إلا قدم فيه خطبة يرجع الناس إليها، حتى ولو كان كثير منهم يخالفه في المذهب فإنه سيعدل عن مذهبه ويرجع لما قاله ابن الجوزي لحسن أسلوبه، ولما يربط به كلامه من الوعد والوعيد، والترغيب والترهيب، وهذا الأسلوب القرآني هو المؤثر. فكثير من الناس يدرسون كتب الفقه، فيدرس أحدهم -مثلاً- مختصر خليل، وفيه مائة وعشرون ألف فرع فقه، أو يدرس الرسالة، وفيها ثمانية عشر ألف فرع فقه، أو يدرس غير ذلك من الكتب الفرعية التي فيها كثير من الفروع، لكن لا نجد نور ذلك ولا ورعه في حياته وسلوكه. وسبب ذلك أنه لم يقترن ما تعلمه بالوعد والوعيد، ولم يقترن بالترغيب والترهيب، بل قرأ هذه الأحكام جافة كمواد القانون الوضعي، وإن كان أولئك العلماء ما قصدوا بهذا إلا خيراً، لكنهم علموا أنهم يضعون مناهج لمدارس فيها تخصصات مختلفة، وفيها كتب مساندة مساعدة، فـ خليل ﵀ ألف كتاباً آخر سماه (الجامع)، ذكر فيه آداب طلب العلم، وذكر فيه الأخلاق، وتهذيب النفوس، وربطه بهذا الجامع، وكذلك غيره، فـ ابن أبي زيد في رسالته وضع في مقدمتها المقدمة العقدية، وفي خاتمتها (الجامع) الذي فيه الآداب والأخلاق الشرعية. لكن كثيراً من الناس يقتصر على دراسة ما بينهما، فيهمل الطرف الأول الذي هو الأساس، ويهمل الطرف الثاني الذي هو ذروة السنام، ويبقى في الوسط فقط، ومن هنا حصل الخلل في تربية الناس من أجل إهمالهم لجانب حياة القلوب, والوعد والوعيد، والترغيب والترهيب، فذات يومٍ كان ابن الجوزي رحمه الله تعالى في مجلسه، وقد تهيأ للجمعة، فأتاه بعض الأرقاء يشكون إليه سوء معاملة ذويهم، وأرادوا أن يخطب خطبة عن العتق فوعدهم خيراً، فلما خطب حضروا فلم يذكر في خطبته شيئاً عن العتق، فجاؤوه فقالوا: ألم تعدنا بأنك ستتكلم عن العتق في خطبتك؟ فقال: حتى الآن لم يتيسر لي ذلك، فأتوه يذكرونه بعد ذلك فلم يفعل، فلما كانت الخطبة الثالثة خطب خطبة بليغة، فبادر الناس إلى عتق أرقائهم، فأتاه هؤلاء يشكرونه وسألوه عن سبب التأخير؟ فقال: إني لأستحيي من الله تعالى أن أخطب الناس وأندبهم إلى أمرٍ لم أفعله، ولم أكن أملك من أعتقه، فذهبت أجمع دريهمات أشتري بها رقبة وأعتقها حتى إذا أمرت الناس امتثلوا؛ لأنني قد انتهيت في نفسي. ويروى عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه كان إذا أراد أن يأمر الناس بأمرٍ جمع أهل بيته وآل الخطاب فقال: (إني متقدمٌ إلى الناس في هذا الأمر، وأنتم أول من أتقدم إليه فيه، فوالذي يحلف به عمر بن الخطاب لا ينقل إلي أن أحداً منكم خالف ذلك إلا جعلته نكالاً)، فيبدأ بآل بيته -وهم أول من ينهاهم ويعظهم- ثم بعد ذلك يوجه الكلام للناس، وسيمتثلون ما يأمر به بعد أن يمتثل به آل الخطاب ومن يتأثر بـ عمر ﵁.

стр. 529

مسئولية العلماء من شرط النفع بهذا العلم أن يدرك الإنسان مسئولية العلماء في هذه الأمة؛ لأنهم ورثة الأنبياء، وهم الذين يحملون ما جاء به الرسول ﷺ ، وهم الذين قامت عليهم الحجة بما تعلموه، وهم الذين امتلأت صدورهم بهذا الوحي، فلم يكن الله ليجعلهم بدار هوان، فعليهم أن يكونوا مثلاً حسناً في التضحية والبذل في سبيل الله، وأن يقدموا ما لم يقدمه سواهم، وأن يكونوا أسوة وقدوة صالحة للناس، فإذا لم يفعلوا ذلك فقد ضيعوا ما حملوه، وفرطوا في هذه الأمانة التي تلقوها، ولذلك فإن أصحاب رسول الله ﷺ كانت تعرف منزلتهم العلمية بتضحياتهم في سبيل الله، فقد ثبت أن يوم اليمامة أسرع فيه القتل في القراء، والمقصود بالقراء العلماء من أصحاب رسول الله ﷺ ، فقد كان من شهداء اليمامة خمسمائة ممن يحملون القرآن، وهؤلاء كانوا هم أول من يستقبل السلاح، وهم الصفوف الأمامية؛ لأن معهم ما يشجعهم ويتقدم بهم، فلذلك عرفوا بهذا، وكان المنافقون لا يكرهون أحداً مثل ما يكرهون هؤلاء القراء، ومن أجل ذلك قالوا فيهم: ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء أرغب بطوناً وأجبن عند اللقاء فأنزل الله فيهم (المقشقشة) سورة التوبة، ومازال يقول: (ومنهم ومنهم) حتى فضح كل أمورهم، كما قال ابن عباس ﵄. فمن أجل هذا كان على من يتعلم العلم ومن يعلمه أن يكون مثلاً حسناً، وأن يقدم التضحية اللائقة به لنصرة الله تعالى، وأن يلتزم بأخلاق هذا العلم وآدابه، فإنه لو كان فظاً غليظاً أو كان جافياً أو كان مخالفاً للسنن فقد رد وقطع الطريق على كثير من السالكين، فيكون من قطاع الطرق من حيث لا يشعر؛ لأنه قطع الطريق على أقوام كانوا سيلتزمون هذا المنهج ويسلكون هذا الطريق، وهو الذي فتنهم وردهم عن ذلك، والرسول ﷺ يقول: (إن منكم منفرين)، وحذر غاية التحذير من ذلك، ولذلك قال الصحابي: (فما رأيته غضب غضباً في موعظة كما غضب يومئذٍ)، فحذر الرسول ﷺ من التنفير غاية التحذير، وما غضب في موعظة مثلما غضب في موعظته هذه التي يحذر فيها من تنفير الناس عن اتباع سنته، وعن هذا العلم وعن عبادة الله . كذلك فإن على من يسلك هذا الطريق أن يعلم أن عليه للناس حقاً، وأن يبحث عن واقعهم وأمورهم، وأن يهتم بتلك الجوانب التي يعيشونها، فإن الجوانب التي يعيشها الناس أولى بالبحث والتنقيب من الجوانب التي لم يعد لها ذكرُ في حياة الناس، وقد كان مالك ﵀ إذا سُئل عن مسألة يسأل: هل وقعت أم لم تقع؟ فإن قيل: وقعت؛ استعان بالله عليها حتى يجيب فيها، وإن قيل: لم تقع قال: إن لها رجالاً سيشهدونها وهم أولى بها. وكان يقولُ: لست من الأرائكيين. والأرائكيون هم الذين يقولون: أرأيت لو كان كذا ماذا يكون الجواب؟! أي: أنهم هم الذين يتوقعون المشكلات التي لم تقع، فهؤلاء حذر منهم لأنهم يتكلفون، والتكلف منهي عنه، والله يقول لرسوله ﷺ : ﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص:٨٦]. وكذلك على هؤلاء الذين يشتغلون بهذا الجانب المهم من دين الله تعالى أن يعلموا أنهم شهود على الأمة، وعليهم بذلك أن يحافظوا على عدالتهم؛ لأن الشاهد إذا لم يكن عدلاً فهو مردود الشهادة، وقد أخرج أبو عمر في مقدمة (التمهيد)، والخطيب البغدادي في (شرف أصحاب الحديث) من حديث ابن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين)، فمن ليس عدلاً فليس من حمال هذا العلم، ولا يمكن أن يوثق به على هذه الأمانة الجسيمة، فلا يكون من الموقعين عن رب العالمين، ولا من خلفاء الأنبياء ولا ورثتهم.

стр. 530

العلماء وأبواب السلاطين كذلك فإن عليهم أن يقنعوا بما آتاهم الله تعالى، وأن لا يذهبوا إلى أبواب السلاطين، فقديماً قيل: إذا أراد الله فتنة العالم ألزمه أبواب السلاطين. ولذلك كان بعض العلماء رحمهم الله تعالى إذا دعاه أحد الأمراء أن يأكل في بيته امتنع أن يأكل في بيته أو أن يشرب، فقيل له في ذلك فقال: من أكل مرقة السلطان افترق لسانه عن قول الحق، فلا يستطيع أن يقول الحق بعد ذلك. وقد حصلت قصة واقعية لعالم من علماء دمشق، وهي أنه كان يدرس في جامع بني أمية، فدخل عليه إبراهيم باشا، وهو ملك مصر، وكان قد استحوذ على الشام، ولم يجد من يعارضه، وقويت شوكته وسلطانه بذلك، فلما دخل دمشق منتصراً استقبله الناس، فبقي هذا العالم في مسجد بني أمية يدرس الناس، فسأل إبراهيم عمن لم يستقبله من وجوه الناس وعلمائهم وقاداتهم فذكروا له هذا العالم، فقال: اذهبوا بنا إليه. فجاء مغضباً، فدخل مجلسه فلم يقم إليه، وإنما سلم عليه واشتغل بالتدريس، فجلس إبراهيم قبالة وجهه، وأوسع الناس له في الحلقة، فلما طال مجلسه بسط الشيخ رجله إليه -وهذا عيب عند أهل الشام، وأهل مصر ينزعجون منه كثيراً-، فبعد أن خرج الأمير إلى بيته أرسل إلى هذا العالم مالاً جزيلاً كثيراً، فلما أتاه هذا المال رده وقال: قولوا للأمير: إن من يمد رجله لا يمد يده! فالذي يمد رجله لا ينبغي أن يمد يده، فلذلك عليهم أن يقنعوا بخلق من يرثونه، فالرسول ﷺ كان يقول: (اللهم اجعل قوت آل محمد كفافاً)، وعرض عليه أن يكون نبياً ملكاً، وأن يكون نبياً عبداً فاختار أن يكون نبياً عبداً، وعاش على ذلك، فقد كان الحصير يؤثر في جنبه، وقد عاش هذه الحياة حتى نقله الله إلى دار الكرامة، وقد كان يمضي الشهر والشهران والثلاثة ولا توقد في بيوت آل محمد نار، فهذا كافٍ ومقنع لهم، وعليهم أن يلزموه.
следующие страницы →