← Джавами‘

Джавами‘ · id 7722

دروس للشيخ محمد الحسن الددو الشنقيطي

محمد الحسن الددو الشنقيطي

Полный текст (1 349 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

التواضع للمعلم ومن هذه الشروط: التواضع. فلا يمكن أن يكون الإنسان متعلماً حتى يتواضع لمن يعلمه ومن يأخذ عنه، فهذا موسى ﵇ وهو كليم الله وقد اجتباه الله برسالاته وبكلامه، ومع ذلك حين جاء إلى الخضر: ﴿قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾ [الكهف:٦٦] فلم يقل: إني (متبعك) بصيغة الجزم، بل قال: (هل أتبعك) بصيغة الاستفهام تواضعاً، ثم قال: (على أن تعلمني) فجعل نفسه طالباً، ولم يقل: على أن تذاكرني، أو أن أستفيد منك، فلم ينسب الفعل لنفسه، بل قال: (على أن تعلمني)، ثم قال: (مما عُلِمت) بصيغة (من) التبعيضية، ومعناه: بعض ما علمت، ولا أريد أن تعلمني كل ما عندك. ثم قال: (تعلمني مما علمت رشداً)، وذلك أن هذا العلم بضاعة غالية، ومن خصه الله به فإنه لا يمكن أن يدفع هذه البضاعة ويسلمها لمن لا يحترمه، ولمن لا يجد فيه تقدير العلم وأدبه، فأهم آداب العلم التواضع، ولذلك فإن من تكبر من العلماء أو من طلاب العلم فسيسلك طريق إبليس الذي تكبر بما علمه الله، فقال: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف:١٢]، فعلى من طلب العلم أو نال حظاً منه أن يتواضع بقدر ما تعلم، ومن هنا يقول الحكيم: وإن كريم الأصل كالغصن كلما تزايد من خير تواضع وانحنى فلذلك لابد أن يتواضع الإنسان حتى يحصل على ما كتب له من هذا العلم.

стр. 527

الورع ومن هذه الشروط: الورع. فمن كان غير ورعٍ وغير متقٍ للشبهات وغير متقٍ للحرام والمكروهات فلا يمكن أن يحصل على علم؛ لأن هذا العلم نورٌ، والنور يفر من مكان الظلمة، فمن أراد أن يوقد نوراً في مكان فليختر أصقل مكان، وليختر الزجاج الصقيل المضيء، فهو الذي تحسن فيه الإنارة، وأما المكان المظلم الأسود الموحش فإنه لا يستقر فيه النور، ومن هنا فإن على الإنسان الذي يريد طلب العلم أن يجتهد في الورع، وأن يتقي الحرام، وأن يتقي المكروهات والمشتبهات، وبذلك لا يفر منه هذا العلم، بل يستقر في صدره. ويروى عن الشافعي ﵀ أنه قال: شكوت إلى وكيعٍ سوء حفظي فأرشدني إلى ترك المعاصي وأخبرني بأن العلم نور ونور الله لا يعطى لعاصي ويروى عنه ﵀ أنه قال: أتيت مالكاً فجلست إليه، فلما انفض المجلس دعاني فتبعته، فقال: يا بني! إني أرى أن الله قد قذف في قلبك بشيء من نوره فلا تطفئه بظلمة المعصية. فنصحه بهذه النصيحة البالغة، ومن هنا فإن صاحب المعصية ذليل، وصاحب العلم عزيز، فإذا اجتمعت الذلة والعزة اجتمع ضدان، وإذا اجتمع الضدان فإن النتيجة تتبع الأخس دائماً كما يقول المناطقة، فيكون الإنسان حينئذ متدنياً إلى أسفل الدرجات، ومن أجل هذا كان الذين يضلون الناس بالعلم أخطر عليهم وأكثر ضرراً من الذين يضلون عن جهل، ولهذا كان عبد الله بن المبارك رحمه الله تعالى كثيراً ما يقول: وهل أفسد الدين إلا الملوكُ وأحبار سوء ورهبانها فأحبار السوء والرهبان الذي ليس معهم ورع يبيعون ما معهم من العلم، فيفتون على مقتضى ما تملي عليهم سيادة أسيادهم، وبذلك يَضِلون ويُضلون.

стр. 528

آداب طلب العلم ومن أجل هذا فإن تفاوت الناس في العلم إنما هو بحسب ما بذلوه من الجهد والوقت حتى يحفظوا ويفهموا، وبعد ذلك عليهم أن يبلغوا، وقد ذكر العلماء آداب ذلك مرتبة: فأولها: الاستماع. لقول الله تعالى: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ [الزمر:١٧ - ١٨]. الثاني: الفهم. لأن ما استمع إليه فلم يُفهم لا يستفيد به الإنسان، بل يكون كما قال تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا﴾ [محمد:١٦]. الثالث: الحفظ لما سمعه وفهمه. فالحفظ هو القيد الثالث في ذلك. الرابع: العمل بما سمعه. وفهمه. وحفظه. الخامس: بث ذلك ونشره، ومعناه: تعليم ما سمعه وفهمه وحفظه وعمل به، ولابد أن يتأخر التعليم عن هذه القيود السابقة، فإذا كان يسمعه ويفهمه ثم ينقله إلى غيره دون أن يعمل هو به ودون أن يحفظه فإنه لابد أن يتخالف قوله، ولا يكون متقناً لما يحدث به، ثم إذا سمعه وفهمه وحفظه فأراد أن يُسمعه وأن ينقله إلى غيره قبل أن يعمل به كان كالداعي لما لم يعمل به، وهذا مخالف لهدي الأنبياء، فقد قال الله تعالى حكاية عن خطيب الأنبياء شعيب ﵇: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ﴾ [هود:٨٨]، فلذلك لابد أن يبدأ هو بتعلم ما يدعو إليه، ثم بعد ذلك يبلغه للناس حتى يعملوا به، ولهذا فإن ابن الجوزي ﵀ كان من الخطباء المؤثرين، وكان إذا خطب بكى وأبكى، فلا تقع نازلة ولا أمر، يهم الناس إلا قدم فيه خطبة يرجع الناس إليها، حتى ولو كان كثير منهم يخالفه في المذهب فإنه سيعدل عن مذهبه ويرجع لما قاله ابن الجوزي لحسن أسلوبه، ولما يربط به كلامه من الوعد والوعيد، والترغيب والترهيب، وهذا الأسلوب القرآني هو المؤثر. فكثير من الناس يدرسون كتب الفقه، فيدرس أحدهم -مثلاً- مختصر خليل، وفيه مائة وعشرون ألف فرع فقه، أو يدرس الرسالة، وفيها ثمانية عشر ألف فرع فقه، أو يدرس غير ذلك من الكتب الفرعية التي فيها كثير من الفروع، لكن لا نجد نور ذلك ولا ورعه في حياته وسلوكه. وسبب ذلك أنه لم يقترن ما تعلمه بالوعد والوعيد، ولم يقترن بالترغيب والترهيب، بل قرأ هذه الأحكام جافة كمواد القانون الوضعي، وإن كان أولئك العلماء ما قصدوا بهذا إلا خيراً، لكنهم علموا أنهم يضعون مناهج لمدارس فيها تخصصات مختلفة، وفيها كتب مساندة مساعدة، فـ خليل ﵀ ألف كتاباً آخر سماه (الجامع)، ذكر فيه آداب طلب العلم، وذكر فيه الأخلاق، وتهذيب النفوس، وربطه بهذا الجامع، وكذلك غيره، فـ ابن أبي زيد في رسالته وضع في مقدمتها المقدمة العقدية، وفي خاتمتها (الجامع) الذي فيه الآداب والأخلاق الشرعية. لكن كثيراً من الناس يقتصر على دراسة ما بينهما، فيهمل الطرف الأول الذي هو الأساس، ويهمل الطرف الثاني الذي هو ذروة السنام، ويبقى في الوسط فقط، ومن هنا حصل الخلل في تربية الناس من أجل إهمالهم لجانب حياة القلوب, والوعد والوعيد، والترغيب والترهيب، فذات يومٍ كان ابن الجوزي رحمه الله تعالى في مجلسه، وقد تهيأ للجمعة، فأتاه بعض الأرقاء يشكون إليه سوء معاملة ذويهم، وأرادوا أن يخطب خطبة عن العتق فوعدهم خيراً، فلما خطب حضروا فلم يذكر في خطبته شيئاً عن العتق، فجاؤوه فقالوا: ألم تعدنا بأنك ستتكلم عن العتق في خطبتك؟ فقال: حتى الآن لم يتيسر لي ذلك، فأتوه يذكرونه بعد ذلك فلم يفعل، فلما كانت الخطبة الثالثة خطب خطبة بليغة، فبادر الناس إلى عتق أرقائهم، فأتاه هؤلاء يشكرونه وسألوه عن سبب التأخير؟ فقال: إني لأستحيي من الله تعالى أن أخطب الناس وأندبهم إلى أمرٍ لم أفعله، ولم أكن أملك من أعتقه، فذهبت أجمع دريهمات أشتري بها رقبة وأعتقها حتى إذا أمرت الناس امتثلوا؛ لأنني قد انتهيت في نفسي. ويروى عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه كان إذا أراد أن يأمر الناس بأمرٍ جمع أهل بيته وآل الخطاب فقال: (إني متقدمٌ إلى الناس في هذا الأمر، وأنتم أول من أتقدم إليه فيه، فوالذي يحلف به عمر بن الخطاب لا ينقل إلي أن أحداً منكم خالف ذلك إلا جعلته نكالاً)، فيبدأ بآل بيته -وهم أول من ينهاهم ويعظهم- ثم بعد ذلك يوجه الكلام للناس، وسيمتثلون ما يأمر به بعد أن يمتثل به آل الخطاب ومن يتأثر بـ عمر ﵁.

стр. 529

مسئولية العلماء من شرط النفع بهذا العلم أن يدرك الإنسان مسئولية العلماء في هذه الأمة؛ لأنهم ورثة الأنبياء، وهم الذين يحملون ما جاء به الرسول ﷺ ، وهم الذين قامت عليهم الحجة بما تعلموه، وهم الذين امتلأت صدورهم بهذا الوحي، فلم يكن الله ليجعلهم بدار هوان، فعليهم أن يكونوا مثلاً حسناً في التضحية والبذل في سبيل الله، وأن يقدموا ما لم يقدمه سواهم، وأن يكونوا أسوة وقدوة صالحة للناس، فإذا لم يفعلوا ذلك فقد ضيعوا ما حملوه، وفرطوا في هذه الأمانة التي تلقوها، ولذلك فإن أصحاب رسول الله ﷺ كانت تعرف منزلتهم العلمية بتضحياتهم في سبيل الله، فقد ثبت أن يوم اليمامة أسرع فيه القتل في القراء، والمقصود بالقراء العلماء من أصحاب رسول الله ﷺ ، فقد كان من شهداء اليمامة خمسمائة ممن يحملون القرآن، وهؤلاء كانوا هم أول من يستقبل السلاح، وهم الصفوف الأمامية؛ لأن معهم ما يشجعهم ويتقدم بهم، فلذلك عرفوا بهذا، وكان المنافقون لا يكرهون أحداً مثل ما يكرهون هؤلاء القراء، ومن أجل ذلك قالوا فيهم: ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء أرغب بطوناً وأجبن عند اللقاء فأنزل الله فيهم (المقشقشة) سورة التوبة، ومازال يقول: (ومنهم ومنهم) حتى فضح كل أمورهم، كما قال ابن عباس ﵄. فمن أجل هذا كان على من يتعلم العلم ومن يعلمه أن يكون مثلاً حسناً، وأن يقدم التضحية اللائقة به لنصرة الله تعالى، وأن يلتزم بأخلاق هذا العلم وآدابه، فإنه لو كان فظاً غليظاً أو كان جافياً أو كان مخالفاً للسنن فقد رد وقطع الطريق على كثير من السالكين، فيكون من قطاع الطرق من حيث لا يشعر؛ لأنه قطع الطريق على أقوام كانوا سيلتزمون هذا المنهج ويسلكون هذا الطريق، وهو الذي فتنهم وردهم عن ذلك، والرسول ﷺ يقول: (إن منكم منفرين)، وحذر غاية التحذير من ذلك، ولذلك قال الصحابي: (فما رأيته غضب غضباً في موعظة كما غضب يومئذٍ)، فحذر الرسول ﷺ من التنفير غاية التحذير، وما غضب في موعظة مثلما غضب في موعظته هذه التي يحذر فيها من تنفير الناس عن اتباع سنته، وعن هذا العلم وعن عبادة الله . كذلك فإن على من يسلك هذا الطريق أن يعلم أن عليه للناس حقاً، وأن يبحث عن واقعهم وأمورهم، وأن يهتم بتلك الجوانب التي يعيشونها، فإن الجوانب التي يعيشها الناس أولى بالبحث والتنقيب من الجوانب التي لم يعد لها ذكرُ في حياة الناس، وقد كان مالك ﵀ إذا سُئل عن مسألة يسأل: هل وقعت أم لم تقع؟ فإن قيل: وقعت؛ استعان بالله عليها حتى يجيب فيها، وإن قيل: لم تقع قال: إن لها رجالاً سيشهدونها وهم أولى بها. وكان يقولُ: لست من الأرائكيين. والأرائكيون هم الذين يقولون: أرأيت لو كان كذا ماذا يكون الجواب؟! أي: أنهم هم الذين يتوقعون المشكلات التي لم تقع، فهؤلاء حذر منهم لأنهم يتكلفون، والتكلف منهي عنه، والله يقول لرسوله ﷺ : ﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص:٨٦]. وكذلك على هؤلاء الذين يشتغلون بهذا الجانب المهم من دين الله تعالى أن يعلموا أنهم شهود على الأمة، وعليهم بذلك أن يحافظوا على عدالتهم؛ لأن الشاهد إذا لم يكن عدلاً فهو مردود الشهادة، وقد أخرج أبو عمر في مقدمة (التمهيد)، والخطيب البغدادي في (شرف أصحاب الحديث) من حديث ابن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين)، فمن ليس عدلاً فليس من حمال هذا العلم، ولا يمكن أن يوثق به على هذه الأمانة الجسيمة، فلا يكون من الموقعين عن رب العالمين، ولا من خلفاء الأنبياء ولا ورثتهم.

стр. 530

العلماء وأبواب السلاطين كذلك فإن عليهم أن يقنعوا بما آتاهم الله تعالى، وأن لا يذهبوا إلى أبواب السلاطين، فقديماً قيل: إذا أراد الله فتنة العالم ألزمه أبواب السلاطين. ولذلك كان بعض العلماء رحمهم الله تعالى إذا دعاه أحد الأمراء أن يأكل في بيته امتنع أن يأكل في بيته أو أن يشرب، فقيل له في ذلك فقال: من أكل مرقة السلطان افترق لسانه عن قول الحق، فلا يستطيع أن يقول الحق بعد ذلك. وقد حصلت قصة واقعية لعالم من علماء دمشق، وهي أنه كان يدرس في جامع بني أمية، فدخل عليه إبراهيم باشا، وهو ملك مصر، وكان قد استحوذ على الشام، ولم يجد من يعارضه، وقويت شوكته وسلطانه بذلك، فلما دخل دمشق منتصراً استقبله الناس، فبقي هذا العالم في مسجد بني أمية يدرس الناس، فسأل إبراهيم عمن لم يستقبله من وجوه الناس وعلمائهم وقاداتهم فذكروا له هذا العالم، فقال: اذهبوا بنا إليه. فجاء مغضباً، فدخل مجلسه فلم يقم إليه، وإنما سلم عليه واشتغل بالتدريس، فجلس إبراهيم قبالة وجهه، وأوسع الناس له في الحلقة، فلما طال مجلسه بسط الشيخ رجله إليه -وهذا عيب عند أهل الشام، وأهل مصر ينزعجون منه كثيراً-، فبعد أن خرج الأمير إلى بيته أرسل إلى هذا العالم مالاً جزيلاً كثيراً، فلما أتاه هذا المال رده وقال: قولوا للأمير: إن من يمد رجله لا يمد يده! فالذي يمد رجله لا ينبغي أن يمد يده، فلذلك عليهم أن يقنعوا بخلق من يرثونه، فالرسول ﷺ كان يقول: (اللهم اجعل قوت آل محمد كفافاً)، وعرض عليه أن يكون نبياً ملكاً، وأن يكون نبياً عبداً فاختار أن يكون نبياً عبداً، وعاش على ذلك، فقد كان الحصير يؤثر في جنبه، وقد عاش هذه الحياة حتى نقله الله إلى دار الكرامة، وقد كان يمضي الشهر والشهران والثلاثة ولا توقد في بيوت آل محمد نار، فهذا كافٍ ومقنع لهم، وعليهم أن يلزموه.

стр. 531

أقسام العلم، وأقسام الناس فيه من الأخلاق التي ينبغي أن يأتسي بها من سلك هذا الطريق أن يعلم أن العلم ينقسم إلى قسمين: علم ينفع في الدارين، وعلم ينفع في إحداهما فقط. فعليه أن يبدأ أولاً بالعلم النافع في الدارين، وألا يهمل العلم النافع في إحداهما، خاصة أنه قد يكون فرضاً كفائياً على الأمة، بل قد يتعين على بعض الناس، كما إذا لم يطمح له سواه، وعلى هذا فإن الذين يشتغلون بطلب العلم عليهم ألا يتحجروا، وألا يقفوا وارء الكتب التي يدونها أسلافهم ويجعلونها مناهج دراسية فلا يطلبوا ما زاد على ذلك، بل عليهم أن ينهلوا من ثقافات هذه العصور التي هم فيها، وأن يختاروا منها خيرها، وأن يكونوا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، فحينئذ سيؤتيهم الله فرقاناً يميزون به بين الحق والباطل، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾ [الأنفال:٢٩]، ومن كان له فرقان يميز به بين الحق والباطل أمن الفتنة -إن شاء الله تعالى- من كل ما يقرؤه. وعلى الإنسان أن يتزود من ثقافة زمانه حتى يكون بذلك مستطيعاً للإفتاء فيه؛ فإن الفتوى مركبة من قضيتين: أولاهما قضية واقعية وأخراهما قضية شرعية. فالقضية الواقعية هي أن هذه الصلاة كانت إلى هذه الجهة مثلاً، والقضية الشرعية أن الصلاة إذا كانت إلى هذه الجهة فهي باطلة، فكل حكم شرعي مركب من هاتين القضيتين: قضية واقعية وقضية شرعية، فمن عرف الشرع ولم يعرف الواقع لا يحل له الإفتاء؛ لأنه عرف أخرى القضيتين ولم يعرف أولاهما، ومن عرف الواقع فقط فكان فقيهاً فيه ولم يعرف الشرع أيضاً لا يحل له الإفتاء، فلابد أن يجمع الإنسان بين هاتين القضيتين: أن يكون مطلعاً على حال واقعه، وأن يكون مطلعاً على الحكم الشرعي حتى يستطيع تنزيله على الواقع الذي يعيش فيه. كذلك فإن الله عندما أمرنا بالتعلم أطلق ذلك، كما في قوله: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه:١١٤]، ورسول الله ﷺ قد استفاد بعض التجارب حتى من الأمم الكافرة، فاستفاد تجربة فارس في الخندق، واستفاد تجارب أخرى من أقوام آخرين، فتجربة ختم الكتاب إنما استفادها من الروم، كما ثبت ذلك في الصحيح، وكذلك غير هذا من التجارب المفيدة النافعة التي كان يأخذها من حضارة الأمم الراقية، فعندما بلغه أنهم لا يقرؤون كتاباً إلا مختوماً اتخذ خاتماً، فكان يختم به كتبه، فكل ما هو نافع ينبغي أن لا يترك، وأن لا يختص به أعداء الدين، ومن هنا فإن الجدلية التي سادت بعض بلداننا في حقبة من التاريخ أدركنا آخرها كانت بين فريقين من الناس: الفريق الأول: قوم يلتزمون بالماضي، ويعيشون على المساطر السابقة، ولا يريدون التجديد في أي شيء، ويرون أن الجديد من حيث هو مردود شرعاً، فهؤلاء هم المتحجرون، وضرر تحجرهم أكثر من نفعه، وقد أخروا مسيرة الدعوة، وأخروا مسيرة العلم في بعض البلدان تأخيراً كبيراً، ولذلك فإنهم هم المثقفون في وقت مجيء الاستعمار، وهم المثقفون في وقت ذهابه، ولم يكن لهم دور في دفعه وقتاله ولا في تبوؤ مكانه بعد ذهابه، فأخروا هذه الدعوة زماناً طويلاً. الفريق الثاني: شباب تربوا في أحضان الاستعمار ونهلوا من ثقافته، لكنهم رغبوا في الجديد أياً كان، وأنفوا من القديم أياً كان، فأهملوا الجانب الشرعي، فلذلك كانوا جيلاً فاسداً، وما زال كثير من أفراده يعيشون بيننا، ونحن نشهد تلك الأجيال التي عاشت في آخر أيام المستعمر وفي أول زمان ذهابه، وهي من أسوأ طبقات المجتمع في الالتزام الشرعي وفي العلم، ولم تستفد العلم الذي كان لدى الأسلاف، ولم تستفد التزاماً ولا دعوة كما حصل بعد حصول هذه الدعوة المباركة، فكانت برزخاً وسطاً بين جيلين من الناس، ولذلك تجد أن كبار السن وصغار السن هم أحسن هذا المجتمع، فكبار السن -على الأقل- معهم علم والتزام ودين، وصغار السن معهم حرص على العلم، وحرص على الدعوة، والتزام بما علموه مما سمعوه عن رسول الله ﷺ ، وبين هاتين الطائفتين طبقة متوسطة، لا هي أخذت بما كان عليه السابقون، ولا هي أتت بما جاء به المشددون، ومن هنا قال أحد العلماء: شكا دين الهدى مما دهاه بأيدي جامدين وملحدينا شباب يحسبون الدين جهلاً وشيب يحسبون الجهل دينا وكذلك قال آخر: أشكو إلى الرحمان من دهر غدا قد قلّ من تلقاه فيه على هدى فذوو الهداية لا ثقافة عندهم وذوو الثقافة ناكبون عن الهدى والله أعلم، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 532

الجيل الرباني الأول لقد امتن الله على البشرية ببعثة محمد ﷺ ، فأخرجها به من الظلمات إلى النور، وقد قام ﷺ بتربية أصحابه تربية تؤهلهم لخدمة الدين والقيام بأعبائه، وتحقيق مطالبه والتعاون على نصرته، ونحن اليوم نعيش غربة الإسلام آخر الزمان، فينبغي على كل مسلم منا أن ينصر الإسلام، ويؤازر الصالحين بقدر إمكانه، لعل الله يلحقنا بالجيل الرباني الأول.

стр. 533

إغاثة الله للأمة بالإسلام بعد الجاهلية الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على من بعث رحمة للعالمين، وعلى آله وأصحابه، ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين أما بعد: فإن الله ختم الأمم بهذه الأمة المشرفة العظيمة التي جعلها خير أمة أخرجت للناس، وشرفها بأنواع التشريف، فأرسل إليها أفضل الرسل، وأنزل عليها أفضل الكتب، وشرع لها خير شرائع الدين. وقد جعل الله أهل هذه الأمة شهوداً على الناس عدولاً، فقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة:١٤٣]. وشرفها بأن جعلها أجيالاً متفاوتة، وأفضل هذه الأجيال وأشرفها القرن الذين بعث فيهم رسول الله ﷺ ، ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم.

стр. 534

فضيلة القرن الأول من المسلمين وقد صح عنه ﷺ أنه قال: (خير القرون القرن الذين بعثت فيهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم)، وصح عنه ﷺ أنه قال: (يغزو فئام من الناس فيقال: هل فيكم من رأى محمداً؟ فيقولون: نعم، فيفتح لهم، ثم يغزو فئام من الناس فيقال: هل فيكم من رأى من رأى محمداً؟ فيقولون: نعم، فيفتح لهم، ثم يغزو فئام من الناس فيقال: هل فيكم من رأى من رأى من رأى محمداً فيقولون: نعم، فيفتح لهم). وذلك الجيل الأول الذين بعث فيهم رسول الله ﷺ هم الأسوة والقدوة لمن يأتي بعدهم، فقد اختارهم الله لنبيه ﷺ كما اختاره هو من سائر الخلائق، وشرفهم بصحبته والأخذ عنه، والتربي على يديه ﷺ ، ولذلك نالوا من السبق والتقدم في الإسلام ما لا يمكن أن يدركه من وراءهم، فقد قال الله في كتابه: ﴿لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [الحديد:١٠]. وصح عن رسول الله ﷺ أنه قال: (لا تسبوا أصحابي! فلو أن أحدكم أنفق مثل جبل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه). إن تلك المنزلة العظيمة والمزية الكبيرة التي خص الله بها أصحاب رسول الله ﷺ مقتضية منا جميعاً أن نحرص على الاقتداء بهم، وأن نحرص على أن نحاول أن نهتدي بهديهم لعلنا نلحق بهم، فهم السابقون الذين وصفهم الله بالسبق في كتابه، وأثنى عليهم به فقال سبحانه: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة:١٠٠]. لذلك جدير بنا أن نتدارس حياتهم وآثارهم، وأن نتعلم هديهم وسلوكهم، وأن نحاول الاقتداء بهم في الشأن كله. إن أولئك القوم لم ينالوا هذه المنزلة ولا هذا الشرف بوراثة عن آبائهم وأسلافهم، ولم ينالوه كذلك بالأموال والجمع لحطام الدنيا، ولم ينالوه بالشهادات الراقية، وإنما نالوه بأن أسلموا أنفسهم لله ، فصدقوا ما عاهدوه عليه، ونصروا رسوله ﷺ ، واتبعوه وكانوا معه، فبذلك نالوا هذا الفوز العظيم الذي لا يصلي أحد منكم إلا دعا لهم به، ولا يمكن أن يفعل أي معروف إلا كان تابعاً له فيه. فهم السابقون السابقون، وهم المقدمون على الناس في كل شيء، فجدير بنا اليوم أن نراجع بعض ما تقدم به أولئك الرهط.

стр. 535

حال العرب قبل البعثة إن رسول الله ﷺ بعث بمكة في بيئة جاهلية يظهر فيها من القيم كثير مما تعرفونه، فتلك البيئة كان أهلها يعبدون الأصنام من دون الله، وكانوا يشرعون لأنفسهم، فهم الذين يحلون ما أرادوا ويحرمون ما أرادوا، وكانوا يغيرون شرع الله عمداً ويفخرون بذلك، ويقول شاعرهم: ونحن الناسئون على معد شهور الحل نجعلها حراما وكانوا كذلك يقطعون أرحامهم ويفسدون في الأرض، فالغني يزداد غنى باستغلال الفقراء، والفقير يزداد فقراً؛ لأنه لا أحد يرحمه. وكانوا كذلك يتقاتلون لأتفه الأسباب وأقلها، فقد كانت حرب البسوس قبيل بعثة رسول الله ﷺ ودامت ثلاثين سنة، بسبب أن ناقة وطئت بيضة قبرة فكسرتها، ودامت حرب داحس والغبراء أربعين سنة بسبب أن فرساً غلبت أخرى في الجري، وكانوا أهل جاهلية جهلاء بكل مفاهيمها، ومن أعظم ذلك أن من ليس من أهل الحسب لم يكن يطوف بالبيت الحرام إلا عريانا. وقد وقف أحد أصحاب رسول الله ﷺ عند هذه القضية مثالاً على جهل أهل الجاهلية، وضعف عقولهم، وتردي أوضاعهم، فقد جاءت امرأة فطلبت من يعيرها ثوباً لتطوف به فلم تنله، فأرسلت شعرها على جسمها وقالت: اليوم يبدو بعضه أو كله وما بدا منه فلا أحله وطافت عريانة. كذلك كان حال أهل الجاهلية في تلك الجاهلية الجهلاء، وفي تلك الظروف التي كان العرب فيها تحوط بهم الحضارات الكبرى كحضارة الروم بالشام، وحضارة فارس بالعراق، وحضارة الحبشة في القرن الأفريقي.

стр. 536

بعثة النبي ﷺ في تلك الظروف كانت جزيرة العرب مقسمة في الولاء تبعاً لهذه الحضارات والمماليك الكبرى، فبعث الله محمداً ﷺ بالبينات والهدى في وسط جزيرة العرب؛ لينذر أم القرى ومن حولها، فعندما بعث -بأبي هو وأمي ﷺ هيأه الله لتحمل هذه المسئولية الجسيمة، فقد اختاره الله من أوسط نسب قومه، فهو أشرفهم نسباً، والأوسط بمعنى الأشرف والأفضل من ناحية الآباء ومن ناحية الأمهات، ولا يمكن أن يغمز أحد فيه من جهة النسب؛ لئلا يكون ذلك حائلاً بين الناس وبين اتباع دعوته، وما هذا إلا لطف من الله بعباده الذي يعلم ضعفهم، فعرفوا نسبه وعرفوا مكانته، وإلا فالأنساب لا تقرب إلى الله ، فالناس جميعاً سواسية بين يديه وهم عباده جمعياً. لكنه اختار أن لا يمتحنهم بما يتنافى مع طباعهم، فأرسل إليهم من هو أشرفهم نسباً، وكذلك هيأه في خلقته فجعله أحسن الناس صورة، ولذلك وصفه من راءه بأن وجهه مستدير كفلقة القمر، وقال هو عن نفسه: (أوتي يوسف شطر الحسن وأوتيت الحسن كله). وكذلك فإنه ﷺ قد أتم الله خلقه فلم يكن يعرف أحد أحسن منه خلقاً لا فيمن تقدمه ولا فيمن تأخر عليه، وعرف في الجاهلية قبل البعثة بالصدق والأمانة والإخلاص والكرم والجود والتفاني في خدمة الناس، ولذلك حينما بعث إليه فارتاع من الملك أول ما أتاه قالت له أم المؤمنين خديجة ﵂: (كلا والله لا يخزيك الله أبدا، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق). فقد عرف بهذا ﷺ حتى لم يكن أحد يتهمه في مقال قاله، ولذلك عندما أذن له بالجهر بالدعوة وقف على الصفا فصاح في الناس ثلاثاً: (واصباحاه! فاجتمعوا عليه، فقال: يا بني عبد مناف! أليس إذا أخبرتكم أن وراء هذا الجبل خيلاً ستغير عليكم تصدقونني؟ قالوا: ما عرفنا عنك كذباً، فقال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد)، فأعلن دعوته من ذلك المكان الشريف وصدقوه فيما عرفوا فيه من الصدق والأمانة والإخلاص والنزاهة.

стр. 537

معايير دعوة النبي ﷺ وعندما بعث ﷺ لم يتصل بعلية القوم وكبارهم، ولم يحتقر أحداً أن يبلغ إليه رسالات الله؛ لأنه ﷺ يعلم أن قيم أهل الدنيا ومغاييرهم ليست هي المعايير عند الله.

стр. 538

التخلص من كل مظاهر الشرك وتخلصوا كذلك من كل مظاهر الشرك بالكلية، فهذا عمر بن الخطاب الذي كان يصنع صنماً من التمر ويسجد له، فإذا جاع أكله، أصبح بعد إيمانه يقول للحجر الأسود الذي به شرف وشرف آباؤه: والله إني لأعلم إنك لحجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله ﷺ يقبلك ما قبلتك. تغيرت المفاهيم التي كانت سائدة لديهم، فأصبحوا جميعاً يصرحون بعداء ما كان آباؤهم يعبدونه من دون الله، فهذا خالد بن الوليد الذي كان يقاتل قائداً من أجل نصرة اللات والعزى، بعثه رسول الله ﷺ بعد إيمانه ليقطع شجرة العزى، فلما قطعها ضرب في جذعها بالسيف فخرجت له عجوز من الجن ثائرة الرأس تدعو بالويل والثبور فأتبعها بالسيف حتى قتلها وهو يقول: يا عزى كفرانك لا سبحانك إني رأيت الله قد أهانك

стр. 539

التخلص من الأخلاق والقيم السيئة ثم تخلصوا كذلك من الأخلاق والقيم السيئة التي نهاهم الله عنها، فقد أنزل الله على رسوله ﷺ في التحذير من مفاهيم الجاهلية: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ﴾ [محمد:٢٢ - ٢٣]. فأهل الجاهلية الذين لم يؤمنوا ولم يصدقوا برسول الله ﷺ هم الذين أصمهم الله وأعمى أبصارهم وختم على قلوبهم، فلا يمكن أن يعرفوا معروفاً ولا أن ينكروا منكراً، وهم شر الدواب عند الله كما وصفهم الله بذلك، فلم يجعلهم من جنس البشر، بل قال: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ * وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنفال:٢٢ - ٢٣]، وقال فيهم: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنفال:٥٥].

стр. 540

إزالة المفاهيم الجاهلية الخاطئة من عقول الناس وأول ما بدأ به رسول الله ﷺ صياغة الرجال، فقد بدأ بتكوين أولئك القوم وتربيتهم على خلاف مفاهيم الجاهلية، فأزال من أذهانهم كل ما يتصل بالجاهلية، فتلك المفاهيم الخاطئة التي كانت سائدة في الجاهلية عالجها رسول الله ﷺ حتى محاها بالكلية، ولذلك قام فيهم خطيباً ذات يوم فقال: (إن الله قد أذهب عنكم عبية الجاهلية وتفاخرها بالآباء). فقد أذهب الله عنهم ذلك بالكلية، وأصبح الرجل منهم يعرف أن أباه عدو له، وأن أخاه عدو له إذا لم يسر معه على طريق الحق. ولهذا أنزل الله فيهم: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ﴾ [المجادلة:٢٢]، انظروا إلى الفرق الشاسع والكبير بين حالهم وحال أهل الجاهلية الذين كانت القبيلة بكاملها تقاتل من أجل نصرة فرد من أفرادها ظالم وقع في ظلم سافر، ومع ذلك تنصره القبيلة بكاملها، فإذا غضب غضب لغضبه سبعون ألفاً لا يسألون مما غضب، كما قال الأحنف بن قيس. فهم بعد هذا أصبحوا يقاطعون ويقاتلون آباءهم وإخوانهم وأبناءهم وعشيرتهم في ذات الله .

стр. 541

الحرص على هدايته الناس أجمعين فهذا عبد الله بن مسعود راع للغنم من هذيل وهو حليف في بني زهرة في قريش، حرص رسول الله ﷺ على هدايته فآمن واتبع وصدق، وكان من أفضل هذه الأمة، حتى إن رسول الله ﷺ قال فيه: (رضيت لأمتي ما رضي لها ابن أم عبد). كان ﵁ نحيفاً رقيقاً لفقره، فصعد في شجرة فرآه بعض أصحاب رسول الله ﷺ فضحك بعضهم من حموشة ساقه -أي: من رقة ساقه- فقال رسول الله ﷺ : (أتضحكون من حموشة ساق ابن مسعود، فلهي عند الله أثقل من جبل أحد). فالمعايير التي عند الناس ليست هي المعايير عند الله، بل قد يرى الرجل الذي لا يعرفه أحد وهو عند الله يوزن بالآلاف، ويرى الرجل الضخم السمين لا يساوي عند الله جناح بعوضة. وقد أخرج البخاري ومسلم في الصحيحين أن النبي ﷺ قال: (يؤتى بالرجل الضخم السمين يوم القيامة لا يساوي عند الله جناح بعوضة)، لذلك اتصل رسول الله ﷺ بمن يثق بهم ثلاث سنين لا يدعو إلا من يثق به، وهذا يدلنا على أهمية الثقة بين الناس، فمن المهم أن تتصل القلوب وأن يقع بينها التعارف والانسجام والتفاهم، فإن ذلك معين على تقبل الحق وسماعه، فقد مكث رسول الله ﷺ ثلاث سنين لا يدعو إلا من يثق به. وقد فعل ما فعل من سبقه من الأنبياء، فقال: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ [آل عمران:٥٢]، فاستجاب له الذين أراد الله بهم الخير من ذلك الجيل المشرف فاجتمعوا حوله.

стр. 542

تضحية الجيل في سبيل الدعوة وتفانيهم في حب المصطفى كذلك جعل هؤلاء القوم أنفسهم وقوداً لهذه الدعوة، فرضوا أن يقدموا أرواحهم لله ، وأن يجاهدوا في سبيله بكل ما يملكون، فعندما آمن مصعب بن عمير كان أعز فتى في قريش، وكانت أمه من أغنى النساء في مكة، فكانت كل يوم تشتري له ثوباً جديداً غير الثوب الذي كان يلبسه بالأمس، ولا يأتي نوع من أنواع الطيب إلا كان مصعب أول من يستعمله. فلما أسلم وهو فتى شاب من أحسن ما يكون الفتيان، وكان يشبه في خلقه برسول الله ﷺ ، حبسته أمه بين أربعة جدران، وعذبته بأنواع التعذيب، وقطعت عنه كل ما كانت تعطيه، وخلعت عنه كل ملابسه، وذلك من أجل كلمة واحدة وهي أن يكذب بما جاء به محمد ﷺ ، فامتنع من ذلك وصمد وصبر على هذا المنهج، حتى كان أول سفير في الإسلام، وأول إنسان عهد إليه ببناء دولة الإسلام، فكان أول من هاجر إلى المدينة من المهاجرين. وكذلك فإن عبد الله بن أم مكتوم كان رجلاً ضريراً أعمى، ولكنه كان مستنير البصيرة، حي القلب، مقبلاً على الله محباً للخير، فلما بعث الله محمداً ﷺ جاءه فآمن وصدق، ثم لم يزل يغدو عليه كل يوم يريد أن يتعلم من الدين كل ما ينزل وكل ما يتجدد. وكان رسول الله ﷺ يواعد بعض علية القوم من المشركين الذين يأتون لمجادلته ويأتون للرد عليه، فكان من ردهم عليه أن يقولوا: ﴿وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ﴾ [هود:٢٧]، وهذه سنة سالفة لمكذبي الرسل، فقد قالها مكذبو نوح ﵇، ثم لم يزل مكذبو الرسل يرددونها فيظنون أن المعيار في الفضل هو بكثرة المال والولد. فيقولون: لم يتبعك الوليد بن المغيرة، ولم يتبعك العاص بن وائل، ولم يتبعك أبو حكيمة زمعة بن الأسود، ولم يتبعك عمرو بن هشام، ولم يتبعك عتبة بن ربيعة، وإنما اتبعك ضعفاء الناس وفقراؤهم. وكانوا يرون أن هؤلاء لا يمكن أن يحصل منهم خير ولا نصرة، ولذلك قال عروة بن مسعود ﵁ يوم الحديبية عندما قدم سفيراً عن قريش إلى رسول الله ﷺ : يا محمد! إني أرى قومك قد لبسوا جلود النمور وصحبوا العوذ المطافيل يعاهدون الله أن لا تدخلها عليهم عنوة أبداً، وما أرى معك إلا أشابه من الناس، جدير أن يفروا عنك ويتركوك! يظن أن أولئك القوم الذين ليسوا أكثر الناس مالاً ولا أولاداً ولا أكبرهم مكانة اجتماعية بين الناس، يمكن أن يتفرقوا عن رسول الله ﷺ ولا يمكن أن ينصروه، وهذا بمفاهيم أهل الجاهلية. ثم إن عبد الله بن أم مكتوم جاء إلى النبي ﷺ في وقت مجيء الوفد من قريش لمجادلته، فلما دخل عليه استحيا رسول الله ﷺ من وجوده مع أولئك القوم الذين يحتجون عليه بأنه لم يصحبه إلا الضعفاء، فعبس رسول الله ﷺ يريد التخلص منه في ذلك الوقت حتى يمضي علية القوم. فعاتبه الله في كتابه في شأن ذلك الرجل الضرير فأنزل الله فيه: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى * وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى * أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى﴾ [عبس:١ - ٤]. زكى الله عبد الله بن أم مكتوم وجعله من خيرة الناس، فكان ثاني من هاجر إلى المدينة بعد مصعب بن عمير. وقد ولاّه رسول الله ﷺ على المدينة في بضع عشرة غزوة كما في الصحيح، يوليه على المدينة وعلى إمامة المسجد النبوي والخطابة فيه؛ لأنه عاتبه فيه ربه ، وشهد له وزكّاه. ثم لما توفى الله رسوله ﷺ ضاقت الأرض بما رحبت بـ عبد الله بن أم مكتوم؛ لشدة محبته لرسول الله ﷺ ، فحرص على الشهادة في سبيل الله ليلتقي برسول الله ﷺ . فلما بعث أبو بكر ﵁ أول جيش إلى العراق تجهز ابن أم مكتوم وخرج فيهم، ولم يزل يقاتل ويتعرض للموت حتى كان يوم القادسية فدعا الأمير سعد بن أبي وقاص ﵁ فقال: يا سعد إني رجل ضرير لا أرى شيئاً أرهبه فأعطني اللواء فلن أزال أتقدم حتى ألقى الله أو يفتح للمسلمين. فأعطاه سعد الراية فما زال يتقدم بها والفرس بين يديه وعن يمينه وعن شماله لا يبالي بهم، حتى لقي الله شهيداً ﵁ وأرضاه. إن ذلك الجيل الأول رجالاً ونساء وكباراً وصغاراً حققوا من الأمثلة مثل هذا الذي حققه عبد الله بن أم مكتوم؟ فما منهم أحد إلا وقد كان أشد الناس حباً لرسول الله ﷺ وإجلالاً له وتصديقاً بما جاء به، وقناعة بتحقق وعد الله الذي وعده به، ولذلك لما رجع عروة بن مسعود إلى قريش قال: يا معشر قريش! لقد زرت النجاشي في ملكه، وكسرى في ملكه وقيصر في ملكه فما رأيت ملكاً يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد محمداً، فوالله إنهم حوله لكأن على رءوسهم الطير، وإذا امتخط لم تقع مخاطته إلا في يد رجل منهم فيدلك بها وجهه ورأسه، وإذا تكلم أصغوا لكلامه، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه. فقد كانوا يعظمون رسول الله ﷺ التعظيم الذي أمرهم الله به في كتابه، فقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الفتح:٨ - ٩]. فهذا خبيب بن عدي بن مالك الأنصاري خرج غازياً في بعث الرجيع فقاتل بني لحيان فأمسكوه أسيراً، وجلبوه إلى مكة وباعوه لقريش، فحبسته قريش بمكة حتى خرج الشهر الحرام ثم ذهبوا به خارج الحرم ليقتلوه، فلما نصبوا الخشبة ليصلبوه عليها، تقدم إليه أبو سفيان بن حرب فقال: يا خبيب أتحب أن ابننا محمداً عندنا نقتله وأنك في قومك في عزك ومكانتك؟ فانتفض خبيب وقال: والله الذي لا إله غيره ما أحب أن رسول الله ﷺ يصاب بشوكة في مكانه الذي هو فيه، وأنجو أنا من القتل والصلب، وأعلن أبياته منشداً لها في قوله: ولست أبالي حين أقتل مسلماً على أي جنب كان لله مصرعي وذلك في ذات الإله فإن يشأ يبارك على أوصال شلو ممزع وسأل الله أن يبلغ سلامه رسول الله ﷺ ، فأرسل الله ملكاً يبلغ رسول الله ﷺ سلام خبيب وما لقي، وأن الله رضي عنه وأرضاه. وكذلك فقد كان كل فرد من أفرادهم حريصاً على أن يكون من الذين يمكرون في أهل الجاهلية، ومن الذين يعلون كلمة الله بكل ما يستطيعون، ولذلك عجب عبد الرحمن بن عوف ﵁ يوم بدر عندما ابتدره الفتية الصغار من الأنصار يقولون: يا عم إذا رأيت أبا جهل فأرناه، فيقول: وما حاجتكم إليه؟ فيقول كل فرد منهم: أريد أن أكون أنا الذي أقتله لما أعرف من عداوته لله ولرسوله، فيعجب عبد الرحمن بن عوف من هؤلاء الفتية الصغار الشباب الذين يحرص كل واحد منهم أن يكون هو الذي يقطع رأس الكفر، ويزيله بالكلية.

стр. 543

نساء الجيل الأول وعبيده وغربائه وكذلك نساؤهم فقد كن عند هذا المستوى من تحمل الأمانة والسعي لإعلاء كلمة الله بكل ما يطلب منهن، وبكل ما يستطعن تقديمه في سبيل الله وإعلاء كلمته. فتخرج المرأة مهاجرة من مكة إلى المدينة أربعمائة وستة عشر كيلو في شدة الحر على رجليها، لا تحمل نفقة ولا زاداً حتى تصل، وقد خرج وفد من النساء مهاجرات ساخطات لشأن أهل الجاهلية، حتى قدمن المدينة على رسول الله ﷺ ، فأنزل الله فيهن في سورة الممتحنة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ [الممتحنة:١٠]. فشرفهن الله جل بهذا التشريف العظيم الذي ما زال المسلمون يقرءونه في صلاتهم ويتعبدون الله بتلاوته. وكذلك عبيدهم الذين كانوا يعانون من الظلم والمسكنة والمهانة في الجاهلية، فقد كان منهم من أعلى كلمة الله ونصره، وبذل في سبيله ما لا يستطيع أحد أن يبذله اليوم، وكانوا بتلك المنزلة العالية، حتى إن أبا ذر يوم قدم على رسول الله ﷺ سأله فقال: (يا محمد! ومن تابعك على هذا الأمر؟ قال: رجل وامرأة وعبد وصبي). كل شريحة من شرائح المجتمع خرج منها سابق هو أفضلها، فكان من أتباع رسول الله ﷺ حينذاك الرجل أبو بكر، والمرأة خديجة بنت خويلد، والعبد بلال، والصبي علي بن أبي طالب ﵃ أجمعين. وكذلك الحال بالنسبة للغرباء الذين أتوا من ديار بعيدة، فهذا صهيب الرومي كان بمكة وكان تاجراً ثرياً، وكان كبير السن قد بلغ أكثر من المائة، وكان رامياً معروفاً لا يخطئ في رمايته، فلما أراد أن يهاجر إلى الله ورسوله أرادت قريش منعه من ذلك، فجمع ماله فنثره بين أيديهم، فقال: يا معشر قريش! ماذا تبغون مني؟ فأنتم تعلمون أني شيخ قد بلغت أشدي، وتجاوزت المائة، وليس بيني وبينكم رحم، وإن كنتم تطلبون المال فهذا مالي في وجوهكم، وإن كنتم تريدون ردي عن ديني فوالذي يحلف به صهيب لا يصل إلي أحد منكم حتى يخرج سهم من كبده. ونثر كنانته وفيها السهام وهم يعرفونه بالرماية، فتركوه وخرج مهاجراً إلى الله ورسوله. وكذلك عدد من الذين أتوا من أماكن نائية من أطراف جزيرة العرب عندما سمعوا بهذا النبأ العظيم وببعثة الرسول الكريم ﷺ ، جاءوا يلتمسون ما جاء به من عند الله، وقد أخبرنا أحد هؤلاء بأمر عجب، ألا وهو عمرو بن سلمة ﵁ قال: (كنت في قومي وأنا صبي صغير فسمعنا بمهاجر رسول الله ﷺ إلى المدينة، فكنت أتلقى الركبان وأتحسس الأخبار عن رسول الله ﷺ ولا يأتي وافد من قبل المدينة إلا سألته عما أنزل من القرآن، فكنت أحفظ كل ما بلغني عنه. فلما أسلم قومي وفدوا على رسول الله ﷺ ، فأمرهم أن يجعلوا إمامهم أقرأهم لكتاب الله، فكنت أقرأهم، وكنت إذا ذاك صبياً صغيراً، فكنت أصلي لهم -أي: أؤمهم في الصلاة- فقالت: امرأة من نسائنا: غطوا عنا سوءة إمامكم، فاشتروا لي ثوباً ألبسه، فما فرحت بشيء بعد الإسلام فرحي بذلك الثوب). هذا الطفل الصغير كان ذا همة عالية، فكان لا يرى راكباً من جهة المدينة إلا أتاه وسأله عما نزل من القرآن، فحاول حفظه حتى كان أحفظ قومه لكتاب الله، وكان إمامهم مع أنه كان لا يجد ما يستر عورته من الملابس، لكنها علو الهمة وعلو القدر وعلو المنزلة عند الله .

стр. 544

الإيثار من أبرز صفات الجيل الأول إن ذلك الجيل قد رباهم الله وهيأ لهم الظروف؛ ليخلعوا أمر الجاهلية بالكلية، فأنتم تعلمون حرص أهل الجاهلية وبخلهم، وأن كل إنسان منهم لا يمكن أن ينذر أحداً بخير، لكن ذلك الجيل الفاضل عندما حاصرهم أهل الجاهلية وحاربوهم وحبسوهم في الشعب لا يبيعون إليهم ولا يشترون منهم، ولا ينكحون منهم ولا ينكحون إليهم ثلاث سنين، جعل الله لهم هذه البيئة الصالحة لمقاطعتهم الجاهلية، حتى تتحقق فيهم قيم الإسلام، فلولا حصار الشعب لم يستطع أولئك القوم أن يحققوا قيم الإسلام تماماً كما هي؛ فمثل الإيثار الذي تحقق بينهم إذ ذاك إذا سمعه أحد الآن عجب له. تصور أن عدداً كبيراً من الفقراء الذين لا يملك أحد منهم ثوباً ولا لقمة عيش، وهم في حرب يحاصرهم الأقربون والأبعدون، ولا يستطيع أحد منهم أن يخرج لحاجة، يجد أحدهم كساء أو جبة مدفوناً في الأرض فينفضه فيأتي به أصحابه، ولا يستأثر به دونهم، ويجد أحدهم جلداً يريد أكله وهو في غاية الجوع فيغسله ويأتي به أصحابه؛ ليشتووه ويأكلوه جميعاً. إنه الإيثار الذي أثنى الله به على الأنصار فيما بعد! يقول سعد بن أبي وقاص ﵁: لقد رأيتنا في الشعب مع النبي ﷺ وقد اشتد بنا الجوع فخرجت لبعض حاجتي فوقعت يدي على شيء، فإذا هو جلد فأخذته فأتيت به أصحابي، فغسلناه وشويناه وأكلناه. ويقول عتبة بن غزوان ﵁: (لقد رأيتنا بالشعب مع النبي ﷺ وما منا أحد إلا وهو يعصب الحجر على بطنه من الجوع، ولقد خرجت ذات ليلة لقضاء بعض حاجتي فوقعت يدي على شيء، فإذا هو جبة فنفضتها فأتيت بها أصحابي، فاقتسمتها أنا وسعد بن مالك اتزرت بنصفها واتزر بنصفها، ثم والله الذي لا إله غيره لقد رأيت أولئك النفر وما منهم أحد إلا وهو وال على مصر من الأمصار). بعد هذا الأذى وهذا الحصار المطلق فتح الله لهم أبواب الفتح، واستجابت لهم الأمم؛ لصدقهم مع الله ، فنصرهم بالرعب وهيأ لهم الأسباب. فأولئك القوم الذين هم بهذا القدر من القلة، كما وصفهم الله تعالى في قوله: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ﴾ [الأنفال:٢٦]، آواهم الله ومكن لهم في الأرض، وأزاح عروش الملوك أمامهم، وجعل سيوفهم علامة على الرعب في وجوه الأمم كلها، ففتحت الأرض أمامهم، ولم يستطع ملك من الملوك ولا قائد من القادة أن يقف في وجه أضعف أولئك القوم. إنهم نصروا الله وصدقوا معه، فنصرهم الله كما تعهد بذلك، فقد قال في كتابه: ﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج:٤٠] , وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ * إِنَّ فِي هَذَا لَبَلاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٥ - ١٠٦]. وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد:٧]. وقال تعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [المجادلة:٢١]. فكتب الله لهم الغلبة والعزة والتمكين.

стр. 545

مقارنة بين أحوالنا وأحوال الجيل الأول رضوان الله عليهم تعال بنا لحظة لنقارن وضعنا نحن مع وضع أولئك القوم. إن أحفاد هؤلاء القوم بعد أن فتحت عليهم الدنيا أبوابها انشغلوا عما شرف به أولئك القوم، فأصبح الرجل من أحفاد الصحابة يعيش هنا في هذه المدينة أو غيرها من مدائن الإسلام لا يفكر إلا فيما يجمعه من الأموال، ولا يفكر بغزو في سبيل الله، ولا إعلاء لكلمة الله، ولا جهاد في سبيله، ولا أن يرعب عدواً من أعداء الله، ولا أن يذل عدواً من أعداء الله، ولا أن يقول كلمة الحق مدوية صارخة، ولا أن ينصر الله في أي موقف، يريد أن يعيش مائة سنة معافى في جسمه آمناً في سربه، لا يتعرض لأذى بمقال أو حال، ولا يتكلم أحد فيه، ولا يتلقى أي تهديد ولا أي أذى، فهل هكذا عاش أولئك القوم؟ إن أولئك القوم الذين تحبون الاقتداء بهم، وتريدون مجاورتهم في الفردوس الأعلى من الجنة، ما نالوا ذلك إلا بما بذلوه، فكيف تتمنون الأماني بدون أن تسلكوا الطريق؟! إن هذا الطريق كل من سلكه قد تعهد الله له بأن يوصله إلى هذا المقام، فقد انتدب الله لمن خرج في سيبله لا يخرجه إلا إيمان به وتصديق برسوله، أن يرجعه إلى المكان الذي خرج منه نائلاً ما نال من أجر أو غنيمة، أو أن يدخله الجنة. لذلك إذا قارنا أوضاعنا مع أوضاع البعثة سنجد انتشاراً للشرك في هذه الأرض حتى بين المسلمين، قد يفعل بعضهم من الشرك ما لا يظنه شركاً، ونرى انتشاراً للفواحش والظلم، ونرى استبداداً على الناس، ونرى قطيعة للرحم، ونرى أن الغني يزداد غنى من غير حل، وأن الفقير يزداد فقراً كذلك؛ لاستغلال الأغنياء للفقراء أبشع استغلال. ونرى الفقراء يزدادون فقراً، فلا يمكن أن يحقق أحد منهم ما هو مضطر إليه وما هو محتاج له إلا بالعناء المبين، والمشقة الكبيرة، بل قد فرض على الناس من أنواع الظلم ما يجعل الذي يريد أن يعيش من حلال لا يستطيع ذلك إلا بالربا والمحرمات. ونرى كذلك إدباراً عن منهج الله وإعراضاً عن سنة رسوله ﷺ في كثير من البيئات، ونرى حرصاً بالغاً على جمع هذه الدنيا وحطامها كما كان أهل الجاهلية يفعلون، ونرى تناصراً بين الناس على أساس النسب القبلي كما كان في الجاهلية من غير قناعة بذلك من الناحية الدينية. لذلك كان لزاماً علينا أن نراجع مسيرتنا حتى نعود إلى ما كان عليه ذلك الجيل، وحتى يحقق لنا الله ما وعدنا من النصر والتمكين في هذه الأرض. إن علينا عباد الله أن نراجع هذه المسيرة بالبدء بمدارسة ما جاء به رسول الله ﷺ ، والاستسلام المطلق له، والأخذ به، وأن نعلم أن ما يصيبنا في سبيل ذلك ليس شراً لنا، فالمفاهيم التي ترسخت في أذهاننا لابد أن نزيلها، فإن الذين قتلوا يوم أحد شهداء في سبيل الله، وقطعت آذانهم وأنوفهم، وبقرت بطونهم، وقد حكم الله بأنهم لم يمسسهم سوء، فكل ما أصابهم ليس بسوء عند الله . إذ قد حقق الله لهم أعلى الدرجات، وخصص لهم مقامهم في الفردوس الأعلى من الجنة، وشهد لهم بأنهم شهداء في سبيله: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:١٦٩ - ١٧١]. إن حال أولئك كان حال الصدق مع الله ، ولهذا خرج رسول الله ﷺ إلى أحد قبل موته بثمانية أيام، فقال: (إني شهيد على هؤلاء بأنهم صدقوا الله ما عاهدوه عليه)، فترحم على أصحاب أحد وصلى عليهم. إن هذا المكان الذي ناله أصحاب أحد في الإسلام بالإمكان أن يناله الحاضرون اليوم والسامعون، فما هو إلا بالتضحية في سبيل الله، والبذل لإعلاء كلمة الله، وإيثار الآخرة على الدنيا، والأخذ بما جاء به رسول الله ﷺ ونصرته، والتمكين له مهما كلف ذلك.

стр. 546

سبل اللحاق بالجيل الرباني الأول

стр. 547

التعاون على إقامة السنة ونصرة الحق علينا عباد الله أن نحرص على أن نتمسك بما نسمع عن رسول الله ﷺ ، وبما جاءنا من الهدي المبين الذي نؤمن به ونصدق، وأن نعلم أن سلوك هذا الطريق يحتاج منا إلى مجاهدة، وهذه المجاهدة تحتاج إلى تعاون فيما بيننا، فلا يمكن أن يسلك الناس هذا الطريق من غير أن يجاهدوا أنفسهم في سلوكه؛ لكثرة المغريات والفتن المضلة، ولا يمكن كذلك إذا جاهدوا أنفسهم على سلوكه أن يستمروا عليه إلا بالتعاون على البر والتقوى. فكل إنسان منا عرضة للنسيان، وعرضة للفتن، وعرضة للضعف أمام الشهوة، وعرضة للضعف أمام الضغوط، لكنه إذا وجد من يتعاون معه فيذكره بما نسي، ويعظه إذا فتر، ويرغبه حين الترغيب، ويرهبه حين الترهيب، ويعينه إذا احتاج إلى العون، فإننا سننطلق جميعاً إن شاء الله تعالى في طريق الحق.

стр. 548

مؤازرة الصالحين قدر الاستطاعة علينا عباد الله أن نحرص على الصحبة الصالحة المعينة على هذا الطريق كما حرص عليها أولئك النفر، فقد جاء أعرابي فرأى ما هم فيه، فأحبه وهو يعلم أنه لا يستطيعه، فقال: (يا رسول الله! الرجل يحب القوم ولما يلحق بهم، فقال رسول الله ﷺ : أنت مع من أحببت). انظروا إلى هذا الإعرابي الذي جاء من غنمه وباديته وهو يحب أن يفعل ما يفعله رسول الله ﷺ وأصحابه، ولكنه يعلم في نفسه العجز عن ذلك، فقال: (يا رسول الله! الرجل يحب القوم ولما يلحق بهم؟! قال: أنت مع من أحببت). فإذا حرص الإنسان على أن يحقق أمر الله في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة:١١٩]، حرص على أن يكون مع الصادقين، فإن الله يرفع مقامه ومنزلته بذلك الحرص ويكون هو من المؤازرين إن لم يكن من الذين يحملون الثمر، فقد ضرب الله هذا المثل لهذه الأمة في الإنجيل فقال: ﴿كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ [الفتح:٢٩]، فالزرع يخرج شطأه في البداية فتخرج السنبلة التي تحمل الحب وهي ضعيفة ملتوية، لكنها يحيط بها السنابل من كل جانب، وتلك السنابل لا تحمل الحب لكنها تتحمل الضربات عن السنبلة التي تحمل الحب، فتحول بين الطفيليات وبين الوصول إلى الحب، وتؤازرها في وجه الرياح، وبذلك تكون مشاركة، فمن كان عاجزاً عن أداء عمل لكنه يستطيع أن يناصر أهله بما يستطيع، فإن ذلك كاف في تحقيق مأموله والوصول إلى مراده، حتى يكون: ﴿كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ﴾ [الفتح:٢٩]. إن علينا عباد الله أن نعلم أن هذا الزمان الذي نحن فيه زمان الفتن المضلة التي لا يبقى بيت حجر ولا مدر إلا دخلته. فعلينا أن نستعيذ بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن، وأن نحاول النجاة منها، ولا يمكن أن يتم ذلك إلا بتمسكنا بالهدي الأول، وأن لا نتجاوزه، وأن نحرص عليه جميعاً، فقد وعد رسول الله ﷺ بأيام بين يدي الساعة المتمسك فيها بدينه كالقابض على الجمر. إن ما ترونه اليوم هو الغربة الثانية التي أخبركم بها رسول الله ﷺ في قوله: (بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً كما بدأ، فطوبى للغرباء). (طوبى للغرباء) إما أن تكون خبراً وإما أن تكون دعاءً، فقد تحمل على الخبر، فمعناه أنهم قد طابوا، وأن الله اختار لهم طوبى، وهو إما مقام في الجنة أو منزلة عظيمة عند الله. أو أن يكون ذلك دعاء من الرسول ﷺ ودعاؤه مستجاب، فقد دعا لهم بأن يطيب ما هم فيه من أمور الدنيا، وأن ينالوا تلك المنزلة العالية في الجنة يوم القيامة. إن النبي ﷺ أخبر عن خير كثير يكون في آخر هذه الأمة، وخرج إلى المقبرة يوماً فأخذ عوداً فنكت به في الأرض، فقال: (وددت لو رأيت إخواننا، قالوا: أولسنا إخوانك يا رسول الله؟! قال: بل أنتم أصحابي، وإخواني قوم آمنوا بي ولم يروني، للواحد منهم أجر خمسين، قالوا: منا أو منهم؟ قال: بل منكم، إنكم تجدون على الحق أعواناً ولا يجدون على الحق أعوانا). إننا لم ندرك صحبة رسول الله ﷺ التي هي أفضل وأسمى وأكمل، فعلينا أن نحرص على إدراك أخوته حتى نكون من إخوان رسول الله ﷺ الذين آمنوا به ولم يروه، فهم الذين يتحقق فيهم الخير الآخر الذي يكون في هذه الأمة. فهذه الأمة لن تعدم خيراً، وسيكون في آخرها خلافة على منهج النبوة، وقد صح عن النبي ﷺ أنه قال: (لا تقوم الساعة حتى يقوم اثنا عشر خليفة، وقال كلمة فأسر بها، قال جابر بن سمرة فسألت أبي، فقال: كلهم من قريش). وقد بين رسول الله ﷺ أن تلك الخلافة على منهاج النبوة كما في حديث حذيفة بن اليمان في مسند أحمد أن النبي ﷺ قال: (تكون فيكم النبوة ما شاء الله لها أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة ما شاء الله لها أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكاً عاضاً ما شاء الله لها أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكاً جبرياً ما شاء الله لها أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة).

стр. 549

المسابقة إلى الخيرات إن علينا معاشر المسلمين أن نتسابق في ميدان الإيمان، وأن يحرص كل واحد منا على زيادة قربه من الله قبل أن يسخط عليه، وأن نحاول إذا سمعنا من هذا الدين وهذا الهدي شيئاً أن نكون من الآخذين به، فقد كان أولئك الجيل الصالح إذا سمع أحدهم كلمة واحدة مما جاء به رسول الله ﷺ تمسك بها، ولم يتركها بعد أبداً. أخرج مسلم في الصحيح عن عنبسة بن أبي سفيان بن حرب عن أخته أم المؤمنين أم حبيبة بنت أبي سفيان ﵂، قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من صلى لله اثنتي عشرة ركعة من غير الفريضة في اليوم والليلة بنى الله له قصراً في الجنة). قالت أم حبيبة: فما تركت ذلك منذ سمعته من رسول الله ﷺ قال عنبسة: وأنا ما تركته منذ سمعته من أم حبيبة. فهكذا كان الحرص، بحيث إذا سمع الإنسان حكماً واحداً أخذ به ولم يتركه، وكان صادقاً عندما يقول: ما تركته منذ سمعته، ولذلك حين قطعت رجل أحدهم في سبيل الله أخذها فقبلها وقال: هذه الرجل لم تحملني إلى حرام منذ خمسين سنة.

стр. 550

ضرورة التخلص من مظاهر الجاهلية إن علينا -عباد الله- بعد مدارستنا لما جاء به رسول الله ﷺ أن نزيل ما بقي عالقاً بأذهاننا من أمور الجاهلية، فما نراه اليوم من حرص على الدنيا، وأخذها من غير حلها، وما نراه من فشو الكذب والغش، وما نراه من فشو قطيعة الرحم، وما نراه كذلك من المذلة لأعداء الله، وما نراه من الهوان أمام أمم الشر؛ كله من مظاهر الجاهلية الجهلاء. إن رجلاً من أبناء المسلمين وقف في ملأ عظيم من الناس في الأسبوع الماضي، فذكر زعيماً من الزعماء وقال: إن الناس لم يتفقوا على محمد ﷺ ، ولكن أهل دولة كذا قد اتفقوا على هذا الزعيم الفلاني. تباً له كيف يقارن أحداً برسول الله ﷺ حتى لو كان من الصالحين! فكيف يقارن زعيماً من زعماء الدنيا وظالماً من ظلمتها برسول الله ﷺ ؟! إن ذلك الملأ الذي قالت فيه هذه الكلمة ودوت فيه في الأبواق، لم يستنكر أحد منهم، ولا وقف أحد منهم للرد عليه، بل قد أعجبوا بكلامه؛ لأنهم جميعاً يتسابقون في ميدان واحد هو ميدان النفاق.

стр. 551

جمع الناس على نصرة الدين والدعوة ليس فيه مخالفة للسلف إننا -عباد الله- بأخذنا بذلك الهدي لا يمكن أن نلام بأننا قد نقدنا، فما يفعله أقوام من المناورة والمجادلة عندما يقولون: إن الذين سبقونا من أهل القرون الماضية قد كانوا على خير وهم خير منا، ولم يكونوا يفعلون هذا الذي تفعلونه. إن هذه الحجة واهية؛ لأننا وأهل القرن الماضي، وأهل القرن الذي قبله جميعاً عيال على أصحاب رسول الله ﷺ وأتباع لهم. ولا يمكن أن يأتي أحد بأفضل مما جاء به أصحاب رسول الله ﷺ ، ومن كان مقتدياً فليقتد بالأفضل، وليس ذلك طعناً في الذين قبلنا ولا نقداً عليهم، فقد أفضوا إلى ما قدموا، ونحن مهمتنا أن نستغفر لهم، وأن ندعو الله لهم، كما أثنى الله على اللاحقين من هذه الأمة بذلك. فالله قد بشر بأجيال آتية في هذه الأمة في عدد من آي كتابه، فقد قال في سورة الحشر بعد ذكره للمهاجرين والأنصار، قال: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر:١٠]. فهذا حالنا مع كل السابقين من آبائنا وأجدادنا والقرون السابقة نقول: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر:١٠]. ومن بشارات الله بهذه الأجيال اللاحقة قوله تعالى في سورة الجمعة: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الجمعة:٣]، فهذه بشارة بالجيل الذي سيأتي. (وآخرين منهم) أي: من أتباع النبي ﷺ . (لما يلحقوا بهم) أي: أنهم سيلحقون، فـ (لما) هي للماضي المنقطع، معناه: أن ذلك سينقطع فسيلحقون بهم. فهذه بشارة من الله بأجيال لاحقة في هذه الأمة فيها الخير العظيم، ويكفي من تشريفها أن الله وعدها باللحاق بالأجيال الأولى. (لما يلحقوا بهم) هذا إخبار بأنهم سيلحقون بهم، وهذا كاف من رفع القدر والمنزلة أن يوصفوا بأنهم سيلحقون بالأجيال السابقة من هذه الأمة، وبالسابقين من المهاجرين والأنصار. إننا عباد الله في هذا البلد في غرب هذه الأمة الإسلامية، وقد ورد في ذكر فضل غرب هذه الأمة كثير من الأحاديث، فقد أخرج مسلم في صحيحه أن النبي ﷺ قال: (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم، حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك)، وهم أهل الحق. فعلينا أن نحرص على أن نكون من أولئك الطائفة الظاهرين على الحق الذين هم من أهل الغرب، حتى نلقى الله ، وقد بذلنا ما عاهدنا الله عليه، وصدقنا فيما وعدناه . وعلينا أن نعلم أن الله غني عنا، وأنه سيعز دينه بعز عزيز أو بذل ذليل، وأننا إذا تراجعنا عن نصرة هذا الدين فسيخرج الله من الأجيال من ينصره، ولا يخاف في الله لومة لائم، كما قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [المائدة:٥٤]. بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، وتاب عليّ وعليكم إنه هو التواب الرحيم. اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد عبدك ونبيك ورسولك النبي الأمي، وعلى آله وصحبه، اللهم لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك، لك الحمد بكل شيء تحب أن تحمد به على كل شيء تحمد عليه، لك الحمد في الأولى والآخرة، لك الحمد كثيراً كما تنعم كثيراً، لك الحمد أنت أحق من ذكر، وأحق من عبد، وأنصر من ابتغي، وأرأف من ملك، وأجود من سئل، وأوسع من أعطى. أنت الملك لا شريك لك، والفرد لا ند لك، كل شيء هالك إلا وجهك، لن تطاع إلا بإذنك، ولا تعصى إلا بعلمك، تطاع فتشكر، وتعصى فتغفر، أقرب شهيد وأدنى حفيظ، حلت دون النفوس، وأخذت بالنواصي، ونسخت الآثار وكتبت الآجال، القلوب لك مفضية، والسر عندك علانية، الحلال ما أحللت، والحرام ما حرمت، والدين ما شرعت، والأمر ما قضيت، والخلق خلقك، والعبد عبدك، وأنت الله الرءوف الرحيم. نسألك بعزك الذي لا يرام، وبنورك الذي أشرقت له السماوات والأرض؛ أن تهدي قلوبنا، وأن تسترنا عيوبنا، وأن تكشف كروبنا، وأن تجعل التقى زادنا، وأن تحقق مرادنا، وأن تصلح أولادنا! اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معاصيك، ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا! ومتعنا بأسماعنا وأبصارنا وقوتنا ما أحييتنا، واجعله الوارث منا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادانا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا تسلط علينا من لا يرحمنا، ولا تجعل إلى النار مصيرنا، واجعل الجنة هي دارنا! اللهم استعملنا في طاعتك، واجعلنا هداة مهديين غير ضالين ولا مضلين، اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه! اللهم اجعلنا قرة عين نبينا محمد ﷺ ، واسقنا من حوضه بيده الشريفة شربة هنيَّة لا نظمأ بعدها أبداً، وبيض وجوهنا يوم تبيض وجوه وتسود وجوه، وآتنا كتبنا بأيماننا تلقاء وجوهنا يا أرحم الراحمين. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، وأوهن كيد الكافرين، وانصرنا عليهم أجمعين، اللهم أظهر دينك وكتابك على الدين كله ولو كره المشركون! اللهم انصر المجاهدين في سبيلك في كل مكان، اللهم ثبت أقدامهم وسدد سهامهم، واجمع على الحق قلوبهم، وانصرهم على عدوك وعدوهم! اللهم احفظهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ومن فوقهم، ونعيذهم بعظمتك أن يغتالوا من تحتهم! اللهم أنزل رجزك وبأسك وسخطك وعذابك على كفرة أهل الكتاب الذين يحاربون أولياءك، ويصدون عن سبيلك، ويكذبون رسلك؛ اللهم لا تحقق لهم غاية، ولا ترفع لهم راية، واجعلهم لمن خلفهم آية! اللهم أخرجهم من بلاد المسلمين صاغرين يا ذا القوة المتين! اللهم طهر المسجد الأقصى من رجس اليهود، اللهم أخرجهم من بلاد المسلمين صاغرين يا ذا القوة المتين! اللهم آمنا في دورنا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا أرحم الراحمين، واجعل المال في أيدي أسخيائنا! اللهم اختم بالصالحات أعمالنا، واختم بالحسنات آجالنا، واجعل خير أيامنا يوم نلقاك! اللهم لا تدع في عشيتنا هذه ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا ميتاً إلا رحمته، ولا ضالاً إلا هديته، ولا حاجة من حوائج الدنيا والآخرة هي لك رضاً وفيها لنا صلاح إلا قضيتها يا أرحم الراحمين. اللهم لا تخرج أحداً منا من هذا المسجد إلا وقد غفرت له! اللهم إنك أعلم بنا منا فاقض ما في علمك من حوائجنا، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، واجعل ما نقوله ونسمعه حجة لنا لا علينا. سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

стр. 552

المستقبل لهذا الدين الدلائل والمظاهر الكثيرة تشير إلى عودة هذا الدين العظيم ليحتل مركز الصدارة والسيادة على الأمم والمجتمعات، كما كان عليه الحال في المراحل الأولى من ظهوره، ومهما تمكن الكفر وساد الظلم وحورب الحق، وتواطأ القريب والبعيد على عداوة الإسلام، فإن لهذا الطغيان نهاية ولابد، وليس أدل على ذلك من المبشرات التي وقعت وتقع وتدل على أن المستقبل لهذا الدين، وأن الله سينصر جنده وأولياءه، وهو وعد من الله لن يتخلف، والله لا يخلف الميعاد.

стр. 553

كمال هذا الدين الذي جاء به محمد ﷺ بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على من بعث رحمةً للعالمين، وعلى آله وأصحابه، ومن اهتدى بهديه، واستن بسنته إلى يوم الدين. أما بعد: فإن الله بيده الأمر كله، وإليه يرجع الأمر كله، لا معقب لحكمه، ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٣]، وهو الذي يقول في محكم التنزيل ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر:٦٧]، وقد شاء بحكمته البالغة أن يختم الرسالات والنبوات ببعثة محمد ﷺ ، وأن يجعل الدين الذي جاء به مكملاً للأديان، فقد أكمل به الله الدين لأهل الأرض، فلا يمكن أن يأتيهم خطاب من عند الله بعده؛ ولذلك قال في نهاية تنزيل أحكامه: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ﴾ [المائدة:٣] فقد ارتضى الله هذا الدين دِيناً للبشرية كلها، وخاطبها بذلك، وقد جاء في الصحيح أن حبراً من اليهود جاء إلى عمر بن الخطاب ﵁، فقال: يا أمير المؤمنين! آيةٌ في كتابكم لو فينا -معاشر اليهود- أنزلت لاتخذنا ذلك اليوم عيداً، قال: وما هي؟ قال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة:٣] قال: أما إني لأعلم أين أُنزلت، ومتى أُنزلت، لقد نزلت على رسول الله ﷺ وهو واقفٌ بعرفة يوم جمعة، ولم يعش النبي ﷺ بعد نزول هذه الآية إلا اثنين وتسعين يوماً، فكان ذلك في اليوم التاسع من شهر ذي الحجة، فعاش عشرين يوماً من شهر ذي الحجة، وثلاثين يوماً هي شهر المحرم، وثلاثين يوماً هي شهر صفر، وتوفي في اليوم الثاني عشر من ربيع الأول، وقد أنزل الله عليه هذه الآية؛ إيذاناً بأن الوحي قد انقطع، وبأن الدين الذي ارتضاه الله للبشرية هو هذا الإسلام الذي أنزل على محمد ﷺ .

стр. 554

مظاهر حفظ الله لهذا الدين وقد تعهد الله بحفظه ونشره ونصره، وأنتم تعلمون أنه القادر على الوفاء بما تعهد به، وأنه لا يخلف الميعاد، وكان تعهده بحفظه بارزاً في عدة مظاهر:

стр. 555

حفظ كتابه العزيز المظهر الأول منها: حفظ الكتاب الذي أنزله، فالكتب السابقة، إنما كان يستحفظها أهلها، فيحفظها الأحبار والرهبان، وهذا الكتاب تولى الله حفظه بنفسه؛ ولذلك قال الله في ذكر التوراة: ﴿يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ﴾ [المائدة:٤٤]. وقال في القرآن: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:٩]، وقال فيه: ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت:٤٢]، وقال فيه: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ * وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الأَوَّلِينَ﴾ [الشعراء:١٩٣ - ١٩٦]، فتولى الله حفظه بنفسه، فهذا القرآن المحفوظ في الصدور، المتلو بالألسنة، المكتوب في المصاحف، مادام موجوداً على الأرض، فذلك معناه استمرار هذا الدين وحفظ له، ولا يمكن أن يعتدى على هذا الدين، ولا أن ينقص منه شيء، مادام هذا القرآن قائماً في الأرض حجةً على أهلها، وقد تحدى الله به الثقلين -الإنس والجن- أن يأتوا بسورةٍ من مثله، وقد حاول ذلك بعض البلهاء فما وصلوا إلى نتيجة، جاء مسيلمةُ الكذاب وهو من فصحاء بني حنيفة، فحاول أن يحاكي سورة من القرآن، فما جاء إلا بالمضحكات التي يعجب منها العقلاء، سمع سورة الفيل ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ * أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ * وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ * تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ * فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ [الفيل:١ - ٥] وهي غاية في البلاغة والإيجاز، تضمنت تقريراً كاملاً عن قصةٍ عظيمةٍ من قصص التاريخ، وذكرت ما فيها من العبر والآيات، وبينت آثارها، وما ترتب عليها، فجاء هو فسلطه الله على نفسه، فلم يأتِ إلا بقوله: [الفيل وما الفيل، وما أدراك ما الفيل، ذنبه قصير، وخرطومه طويل!!] وهذا كلام سمج، يضحك منه العقلاء، وكذلك عندما سمع قول الله تعالى: ﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا * فَالْحَامِلاتِ وِقْرًا * فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا * فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا﴾ [الذاريات:١ - ٤]، على ما في هذه السورة من البلاغة العظيمة، ومن أعظمها: ما فيها من البديع ﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا﴾ [الذاريات:١] فالفاء في (ذرواً) مفتوحة ﴿فَالْحَامِلاتِ وِقْرًا﴾ [الذاريات:٢] والفاء في (وقراً) مكسورةٌ ﴿فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا﴾ [الذاريات:٣] والفاء في (يسراً) مضمومة، وجاءت هذه على ترتيب الحركات الفتحةُ، ثم الكسرةُ، ثم الضمة، بالإضافة إلى ما فيها من الإعجاز اللفظي، وحاول مسيلمة الكذاب أن يأتي بشيء يقابل هذا فقال: [والطاحنات طحناً، والعاجنات عجناً!!] فلم يأت بشيء كذلك يستحق أن يسمع. والمتأخرون من أعداء الله تعالى ساءهم وجود هذا القرآن واستمراره، فعندما اجتمعت الحكومة الإنجليزية في سالف الزمان؛ لتنفيذ مؤامرةٍ على المسلمين، قام فيهم خطيبهم، وحمل نسخةً من المصحف الشريف، وقال: ما دام هذا الكتاب موجوداً بأيدي المسلمين، فلن تصلوا منهم إلى مرادكم؛ فلذلك يبقى هذا الكتاب حافظاً لهذا الدين؛ لأن المستقبل له، فالمسلم إذا وجد ضيقاً، وتكالبت عليه الأمم يجد الفرج في كتاب الله، وإذا وجد مرضاً وألماً يجد الفرج في كتاب الله ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء:٨٢]، إذا جهل حكماً أو جهل خُلقاً فيجد الجواب في كتاب الله، فيه حل لكل المشكلات؛ ولذلك لا يمكن أن يحس بالغربة من رفيقهُ القرآن، ولا يمكن أن يحس بالعراء من يعيش في ظلال القرآن، فلا بد أن تستذكر هذه الأمة، وأن تستحضر هذه المعونة التي مجدها الله بها، ببقاء كتاب الله بين أظهرها، وهو تسليةٌ عن كل ما يحصل، فكلما جاءت ضائقة، أو احتج المشركون بشبهة؛ ففي القرآن ما يفرج ذلك، اقرءوا إن شئتم قول الله تعالى: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلًا * قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًا * وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا * وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ﴾ [الإسراء:١٠٦ - ١٠٩]، وكذلك اقرءوا قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا * وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ [الفرقان:٣٢ - ٣٣] إذا اشتكى الناس هزيمة من الهزائم، لجئوا إلى القرآن، فوجدوا فيه قصص السابقين وما نالوا من الأذى والضيق، فعلموا حينها أن حالهم سيتسع، إذا قرءوا في وقت ضيق وشدة قول الله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ * لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُوْلِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [يوسف:١١٠ - ١١١]، عرفوا أن ما هم فيه إنما هو حلقة من حلقات سلسلة التاريخ، وسنةٌ من امتحانات الله التي يمتحن بها العباد، وأنه كلما جاء العسر فمعه يسران ﴿إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح:٥ - ٦]، وإذا جاء الضيق وصبروا، فإن النصر مع الصبر، وإذا جاء الكرب فإن الفرج مع الكرب، وبهذا يتقوى المسلم قوةً ليس لها حدود. أحد العلماء ضايقه الناس فسجن ونُفي، وصودرت ممتلكاته، فأتاه شخص وهو في السجن، فنظر إلى حاله فإذا هو في غاية السرور والسعادة، فقال: يا أبا العباس ما يسرك؟! قال: ماذا يفعل أعدائي بي؟ قتلي شهادة، ونفيي سياحة، وسجني خلوة، جنتي في صدري، هذا القرآن بين يدي، فلا يمكن أن يُضايق من يجد المتسع في كتاب الله.

стр. 556

وجود المجددين على رأس كل مائة سنة من مظاهر بقاء هذا الدين واستمراره: أن الله وعد النبي ﷺ بأن يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنةٍ من يجدد لها أمر دينها، وهؤلاء المجددون الذين يجددون أمر الدين ما فعلوا ذلك من تلقاء أنفسهم، ولا ابتعثوا من قبل دولة ولا سلطة، إنما ابتعثهم الملك الديان؛ لتجديد أمر الدين، وفاءً بوعده لرسوله الكريم ﷺ ، فهم يجددون ما جهله الناس من أمر الدين، وأخرج الخطيب البغدادي في شرف أصحاب الحديث وأبو عمر بن عبد البر في مقدمة التمهيد من حديث ابن مسعود ﵁: أن النبي ﷺ قال: (يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين) أولئك اصطنعهم الله ووفقهم؛ ليجعلهم أمناءه على وحيه، ولم يكن الله ليأتمن على وحيه المهلكين، لا بد أن يختار له الأمناء الموقعين عن رب العالمين، الذين يميزهم الله بما آتاهم وبما وفقهم له وسددهم، ليحفظوا دين الله ، وأنتم تعلمون أن هذا القرآن منزه عن القذر والوسخ والأنجاس، وإذا كان في بيت أحدهم فسيجعله في أشرف مكانٍ في البيت وأطهره وأنظفه، وهذا إنما هو بأمر الله، فكذلك لا يمكن أن يختار الله أوعيته إلا أنظف الناس قلباً، وأتقاهم لله، وأكثرهم إخلاصاً له، وتضحية في سبيله، أولئك هم الذين يؤتمنون على كتاب الله. ثم إن هذا التجديد الذي تعهد الله به لهذا الدين، يشمل تجديده من ناحية ما يتجدد من الوقائع، فالنوازل والوقائع تتجدد، والناس يبحثون فيها عن حكم الله، فيخرج الله من يستنبط الحكم فيخرجه من القرآن ومن السنة، ويبينه للناس وكأنه أنزل الآن، وكذلك ما يردون به على شبهات المفترين، وابتداع المبتدعين، وما يؤيدهم الله به من التوفيق للأدلة وبيانها. وكذلك من أوجه التجديد: ما يجددونه من بعث روح الأمل في الناس، وبعث التضحية فيهم، وتنبيههم إلى المخاطر المحدقة بهم، فكل ذلك من تجديد أمر الدين؛ لأن الأمة إذا أحست أن الدين مهدد، فلا شك أنها ستبذل قصارى جهدها في الدفاع عن دينها الذي هو أغلى شيءٍ لديها.

стр. 557

هذه الأمة خاتمة الأمم وأكثرها من مظاهر استمرار هذا الدين: أن الله جعل هذه الأمة خاتمةً للأمم، وهي أكثر أمم الأنبياء، وقد صح عن النبي ﷺ (أنه عرضت عليه الأمم، فكان يرى النبي وحده، والنبي ومعه الرجل، والنبي ومعه الرجلان، والنبي ومعه الرهط، والنبي ومعه الرهيط، حتى رأى سواداً كثيراً فظن أنهم أمته، فقيل: هذا موسى وأمته، ولكن انظر إلى الأفق قال: فنظرت فإذا سوادٌ عظيمٌ قد سد الأفق، فقيل: هؤلاء أمتك، ومعهم سبعون ألفاً يدخلون الجنة من غير حساب ولا عذاب)، وصح عنه ﷺ كذلك في صحيح البخاري أنه قال: (ما من نبيٍ بعثه الله قبلي إلا أوتي ما مثله آمن عليه البشر) أي: أوتي معجزةً لو رآها البشر جميعاً لآمنوا، (وإنما كان الذي أوتيته وحياً أوحاه الله إليّ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعاً يوم القيامة)؛ وقال: (لا يبقى بيت شجرٍ ولا مدر إلا دخله هذا الدين)، والشجر أي: البيوت المبنية من الأكواخ والأشجار ونحو ذلك، والمدر: الطوب، أي: لا يبقى بيتٌ من الشجر والطوب إلا دخله هذا الدين، وكذلك أخبر أنه سيبلغ ما بلغ الليل والنهار، وهذا واقع الآن فالأذان يرفع في جميع أصقاع الأرض، لا توجد مدينةٌ في أنحاء العالم إلا وفيها من يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وسيزداد ذلك ويعم، فهذا وعد الله الذي لا يخلف الميعاد، والله تعالى بين هذا الوعد في عدد من آيات كتابه، فقد قال تعالى في سياق قصة موسى ﵇: ﴿إِنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف:١٢٨]، وقال تعالى في ذكر زبور داود: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ * إِنَّ فِي هَذَا لَبَلاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٥ - ١٠٦]، وقال تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ * الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ * الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ [الحج:٣٩ - ٤١]. وقال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور:٥٥]، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد:٧]. وقد بين الله سنته الماضية في أحلك الظروف وأقساها على المسلمين، عندما كان يوم الأحزاب، وحوصر رسول الله ﷺ والمؤمنون معه في المدينة، وجاءتهم قريش وأحلافها من جهة الغرب، وغطفان وأحلافها من جهة الشمال، واليهود ومن معهم من جهة الشرق، فأحاطوا المدينة من كل جانب، وأصبح الأعراب الذين حول المدينة يتربصون بهم الدوائر، يريدون الاعتداء على سارحتها، أو على زرعها، ويظنون أن من فيها سيتخطفون في الأرض، ولن تبقى لهم باقية، واشتد الحال بالمسلمين حتى وصل إلى ما بين الله في محكم التنزيل في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا * إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾ [الأحزاب:٩ - ١١]، ثم جاء فرج الله ، وهذا الفرج لم يكن متوقعاً إلا لدى أهل الإيمان والتقوى؛ ولذلك قال الله تعالى: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا * وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا * وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا﴾ [الأحزاب:٢٥ - ٢٧]، وكل ذلك بأمر الله وتقديره، وفي ذلك الوقت كان النبي ﷺ يقول لأصحابه: (أوتيت مفاتيح الأرض، وأوتيت كنوز كسرى وقيصر) وقال: (لتفتحن كنوز كسرى وقيصر، فتنفق في سبيل الله) فكان المنافقون يقولون: يعدكم محمدٌ أنه ستفتح عليكم كنوز كسرى وقيصر، وها أنتم اليوم لا يستطيع أحدٌ منكم أن يخرج لقضاء حاجته، وفي ذلك الوقت كان المسلمون لا يتجاوزن ألفاً وخمسمائة مقاتل، وهم محاصرون في المدينة، ليس لهم مدد خارجي، وليس لهم أي سلاح ضارب، فلم تمضِ ست سنوات حتى دخلت الجزيرة العربية كلها في دين الله، وخرجت الجيوش الإسلامية فاتحةً إلى العراق والشام، وتوالت الفتوح، وتضاعفت الرقعة، وفتحت كنوز كسرى وقيصر وأنفقت في سبيل الله. إن هذه السرعة في ذلك الزمان الأول مؤذنة بسرعة النصر في هذا الزمان، فزماننا هذا أسرع، وما يحصل فيه مما ليس متوقعاً أكثر، فقبل سنوات قليلة من كان يتوقع منكم ما حصل اليوم من التطورات في هذا الزمان؟! فمثلاً: التلفون المحمول! من كان يتوقع أننا سنستخدم مثل هذه التقنية عن طريق هذا الجهاز؟! قبل سنواتٍ يسيرة لم يكن أحد يحلم بمثل هذا النوع، لكن ذلك يقع بين الكاف والنون، إذا أراده الله تحقق، ومن هنا لا يُستغرب أن يأتي نصر الله من غير أن نفكر في الوسائل، ومن غير أن نتعب أنفسنا في التخطيط، فسيأتي النصر لا محالة، لكن له شروط لا بد من تحققها، وهذه الشروط يسهل جداً على الأمة الإسلامية أن تحققها، فلا يطلب تحقيقها في جميع الأفراد، بل يطلب تحقيقها في الطائفة المنصورة، والفرقة الناجية، وهذه الشروط بينها الله بقوله: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [الحج:٤١]، وقال: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [النور:٥٥] إذاً: هذه هي الشروط، وهي ميسورةٌ سهلة، وتحقيقها ليس شاقاً، وإذا تحققت لابد أن يأتي النصر الموعود.

стр. 558

وجود الثوابت المسلمة التي لا يناقش فيها أحد ومن مظاهر استمرار هذا الدين، ما ثبت الله به المؤمنين من الثوابت المسلمة التي لا يناقش فيها أحد، مثل قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ تَربَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ﴾ [التوبة:٥٢] فالكفار ماذا يطلبون من المسلمين؟ أعداء الله ماذا يريدون؟ هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين: إما أن ينال المسلمون الشهادة في سبيل الله، وإما أن ينالوا النصر وهزيمة الأعداء؟ فهذا مثبتٌ عجيب لقلوب المؤمنين، وهو يقتضي منهم ألا ينهزموا فهم الرابحون على كل حال، ﴿قُلْ هَلْ تَربَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾ [التوبة:٥٢] إما الشهادة في سبيل الله، وهي أحسن، وأبلغ وأكبر من النصر على الأعداء وهو الذي يلي ذلك.

стр. 559

وجود الآيات والدلائل التي تبين أن الحق هو هذا الدين ومن هذه المظاهر: أن الله يريهم من الآيات في هذا الكون ما يدل على صدق وعوده، وصدق آياته المذكورة في كتابه، كما قال: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ [فصلت:٥٣]، فنحن اليوم نشهد حالات كثيرة من إيمان الكفرة الفجرة، الذين يدخلون في دين الله أفواجاً، ويرجعون إلى هذا الدين طواعيةً من غير إكراه، بعضهم يرجع إليه بسبب اكتشافٍ علميٍ اكتشفه، فوجد أنه موجودٌ لدى المسلمين في كتابهم، أو في سنة نبيهم محمد ﷺ ، وهؤلاء الذين يُسلمون بسبب الإعجاز العلمي عددهم كثير، ونجد آخرين يُسلمون بسبب مشاهد ومظاهر رأوها في وقت الحرب مع المسلمين، فقد أسلم كثيرٌ من الجنود الأمريكان عندما رأوا جثث المجاهدين المستشهدين في أفغانستان تمكث الأسابيع ولا تتغير، ليس لهم أية رائحة كريهة، أو تغير في اللون، أو اختلال في الجسم، إنما يعلو محياهم النور، وتظهر الابتسامة، وكذلك أسلم عددٌ كثيرٌ من الجنود الروس، بسبب ما شاهدوا من قبل في وقت الجهاد الأفغاني من النصرة التي نصر الله بها المؤمنين، ومن غرائب ذلك ما أخبروا به اليوم، فقد أخبروا الأمريكان في حربهم في أفغانستان، وقالوا لهم: مادمتم لم تشاهدوا الإبل، فلا بأس عليكم. قالوا: ما هي الإبل؟ قالوا: كنا في الليل نرى بالرادار إبلاً أو جمالاً تقدم إلى المعسكر، فنراقبها بالرادار والتصوير، فإذا دخلت المعسكر تفجرت، فكانت كالصواريخ أو القنابل!! وقد شاهدت في جريدةٍ أمريكية عن بعض الجنود الأمريكان الذين كانوا مشاركين في تلك الحرب في أفغانستان أنهم شاهدوا في الليل جملاً عملاقاً يتقدم، فذكروا نصيحة الروس، فضربوه بالرصاص؛ فلم يؤثر فيه، كلما ضربوه قطع مسافةً إليهم، حتى وصل إلى المعسكر فتفجر، وهو مشاهد على الشاشات ليس معه أي أحد، وليس محملاً بأي شيء، لكن هذا من مكر الله وكيده. وكذلك عدد من الذين يحضرون هذه الحروب، فيشاهدون من المجاهدين الصبر والمثابرة في الجهاد في سبيل الله، فيسلمون بسبب ذلك، فأحدهم أسلم في باكستان وقال: إنه لن يخرج من باكستان حتى يحفظ القرآن، وذلك بسبب أنه رأى الطائرات تقصف المجاهدين في خنادقهم، فإذا ولت وفرغت حمولتها، خرج منهم رجل فوضع إصبعه في أذنه وأذن، فما يكتمل الأذان حتى يخرج الناس من الخنادق، ويقيمون الصلاة، ثم يرجعون إلى خنادقهم قبل أن تأتي الطائرات، فهذه من الأمور التي يشاهدها الكفار، فيشهدون بها، وتكون سبب إسلام بعضهم.

стр. 560

من المبشرات التي تدل على أن المستقبل لهذا الدين

стр. 561

دخول كثير من الكفار في دين الإسلام لأسباب متعددة وهنالك بعض الآيات الكونية التي لا تتعلق بنصرة الدين، لكنها تتعلق بصحة ما جاء في القرآن، فإسلام عدد كبير من الأطباء بسبب شفاء بعض المرضى الميئوس منهم بسبب شرب زمزم، أو بسبب قراءة القرآن؛ واضحٌ منتشر، وكذلك بعض الأمور العجيبة التي ترونها، وقد تكون أمراً معتاداً لدينا نحن، لكن يجعله الله سبباً لإسلام بعضهم، لقيت شاباً إنجليزياً في (برمنجهام) قد أسلم وحُسن إسلامه، فسألته أسلمت على يد من؟ فقال: أسلمت على يد هرة!! لم يسلم على يد أحدٍ من الدعاة، ولا بسبب شريطٍ ولا بسبب كتاب، إنما أسلم على يد هرة، فسألته عن ذلك، فذكر أنه كان سائقاً لليموزين -أي: تكسي- فاستأجره رجلٌ في وقت المساء. وهو من شرق آسيا لا يدري هل هو من باكستان أو بنغلاديش أو غيرها، فحان وقت صلاة المغرب، فطلب منه أن يتوقف، وأن يترك العداد يشتغل حتى يصلي صلاة المغرب عند مسجد من المساجد، قال: فدخل الرجل يصلي وأنا مرتاح؛ لأنني من الصباح وأنا واقف والعداد يشتغل، فليس علي خسارة! فخرجت من السيارة فإذا هرة جميلة عند باب المسجد، فذهبت لأداعبها، وألعب معها، ففرت مني ودخلت المسجد، فرجعت كئيباً حزيناً، فما وصلت إلى السيارة حتى خرجت مرةً أخرى تنظر إليّ، فرجعت إليها، فدخلت المسجد، ثانيةً وثالثة، فعرفت أنها تُحس أن شيئاً ما يعصمها في الداخل، وأنني لا أتجاسر عليها إذا دخلت، فتبعتها قليلاً لأرى ما بالداخل، فنظرت فإذا جميع المصلين في حال الركوع، وهم جميعاً خاشعون لله، نظرت إلى أناس كلهم يدينون لرب العالمين في هيئةٍ واحدة، فكان هذا سبب إسلامه. وآخر أبوه يهوديٌ متعصبٌ متطرف من أغنياء الإنجليز، وهو طبيب من مشاهير الأطباء في لندن ويعمل معه طبيب ليبي في نفس المستشفى الذي يعمل فيه، فحصل بينهما شجار، فهذا اليهودي قال: ما من شعبٍ من شعوب الدنيا أوسخ ولا أقذر من المسلمين، فالطبيب الليبي قال له: هذا غير صحيح، وإن أقذر شيء في الإنسان لدى المسلمين أطهر من وجهك أنت، أنت تغسل وجهك كم مرة في اليوم؟ قال: مرة في الصباح. قال: المسلمون ينظفون موقع خروج النجاسة، ويغسلونه خمس مرات، في أوقات الصلاة، وذكر له الوضوء، فأنكر هذا، فقال: تعال معي لتشهد ذلك في مسجد من المساجد، فخرج معه، فلما أتيا إلى مسجد لندن في إحدى الصلوات الجهرية -أظن أنها صلاة العشاء- وقف قبل الصلاة عند مكان الوضوء، فإذا الناس مقبلون على الوضوء، يأتي الإفريقي والآسيوي والإنجليزي والعربي المسلم، كلهم يتوضأ بنفس الهيئة، يغسل كل عضو ثلاث مرات، وهم لا يشاهدون هذا الرجل، ثم دخل المسجد وقال له: انتظرني هنا فقد حان وقت الصلاة، وأنت لا يحل لك أن تدخل المسجد، دعني أصلي وأعود إليك، فوقف حول الميضئة والناس مازالوا يأتون فيتوضئون ويدخلون، قال: انتظرت قليلاً فإذا الباب عندما يفتح يخرج إلي منه صوت جميل بنغمة هادئة، فأحببت أن أسمعه عن كثب، فاقتربت إلى الباب، فأدخلت وجهي فقط، فسمعت الإمام يقرأ قراءة هادئة جداً، والناس وراءه في صمت رهيب يستمعون إليه، سمعت ذلك وقتاً ثم خرجت، ولم يشد هذا الأمر انتباهي كثيراً، فأنا كثيراً ما أسمع الأغاني والأناشيد، فهذا أمر طبيعي عندي، فوقفت في المكان الذي تركني فيه صاحبي، فلما قضى الناس الصلاة وسلموا، صاروا يخرجون أفواجاً، وكلما مر عليّ أحد منهم نظر إليّ نظرة مستغرب، وبدأ يقترب مني ويسألني ما شأنك؟ حتى تجمهر حولي عدد من الناس يقولون: إن وجهك مضيء يُشرق، وكنت أنكر ذلك ولا أظنه صحيحاً، حتى جاء صاحبي، فقال: ماذا في وجهك؟ قلت: ليس به شيء قال: بلى إن وجهك يضيء كالقمر، قال: فأنكرت ذلك فتقدمت إلى المرآة فنظرت، فإذا فيه بقايا من النور الذي ذكروا، فوجد أنه الجزء الذي دخل منه في المسجد، فقد أصبح مثل فلقة القمر، فكان هذا سبب إسلامه، وهذا الذي حصل لهذا الرجل لا يحصل الكثير من المسلمين ممن يدخل المسجد، لا يحصل لهم هذا النور، لكنها آية خصه الله بها. ومثل هذا ما قاله النبي ﷺ في محلم بن جثامة، الذي قتل رجلاً يشهد أن لا إله إلا اله وأن محمداً رسول الله عند إسلامه: (اللهم لا تغفر لـ محلم)، فمات فدفنوه فلفظته الأرض، ثم دفنوه أخرى فلقطته الأرض، ثم دفنوه ثالثةً فلفظته الأرض، فواروه بالحجارة، فقال النبي ﷺ (إن الأرض لتواري من هو شر منه)، ولكنها آية، كذلك هذا الرجل الذي ابيض وجهه، كثير من المسلمين ممن هو خير منه لا يحصل له هذا، لكنها آية كانت سبب إسلامه. ومثل ذلك طبيبٌ أمريكي متخصصٌ في الأمراض الباطنية، جاءته امرأةٌ مغربية مصابة بالسرطان في مراحل متقدمة، وأخبرها أنه ليس لها أي علاج، وأعطاها بعض مسكنات الألم، ونصحها بالخروج من المستشفى؛ لأن بقاءها فيه مُكلف، بل نصحها أن تذهب إلى قريتها أو مكانها حتى تموت، وكان ذلك بأسلوب مهذب، وفهمت منه المرأة اليأس من حياتها، وأنها لا يمكن أن تعيش، فقالت له بكل صراحة: أنا موقنة بأنني سأموت، لكن أخبرني فقط كم تتوقع بقي من عمري؟ قال: حوال شهر. فذهبت هذه المرأة، وطلبت من زوجها أن يرتحل بها إلى مكة المكرمة، فذهب بها إلى المسجد الحرام، فلم تقبل الخروج منه، وجلست تشرب ماء زمزم وتقرأ القرآن، فلما مضت المدة المسموح بها في التأشيرة، وجدت أن شعرها قد ازداد وقد كانت تشرب الكيماويات التي تزيل الشعر، ووجدت أن صحتها قد تحسنت، وبعد مدة وجدت أنها قد برأت تماماً، ولم تعد تحس بشيء، فرجع بها زوجها إلى نفس الطبيب الأمريكي، فلما شاهدها كاد يغمى عليه من الهول، وأمر بإجراء فحوص عاجلة لها، فوجد أن كل شيء سليم! وهو لا يصدق هذا، سألها عن السبب، فذكرت له ذلك، فكان هذا سبب إسلامه. وآخر أيضاً كان يعالج الأمراض النفسية، ووجد أن الأصوات من أبلغ المؤثرات، فكان يجمع أشرطة الأغاني والموسيقى وغيرها من مختلف أنواع الشعوب، حتى أصوات الطيور يسجلها، فيسمع المرضى تلك الأشرطة، حتى وقع على شريطٍ من القرآن بتلاوة الشيخ محمد علي المنشاوي من سورة الرعد، فوجد أنه أشد تأثيراً على المرضى من كل الأشرطة، فحاول أن يستعرض ما فيه، فسمع الكلام وإذ بالصوت عادي جداً ليس مثل أصوات المغنيين الجميلة، فعرف أن القضية لا تتعلق بالنغمة والصوت، وإنما تتعلق بمضمون الكلام، وبحث عن تفسير هذه السورة، حتى وصل إلى قول الله تعالى: ﴿أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد:٢٨] فقال: هذه النكتة! فكان ذلك سبب إسلامه، ومثل هذا كثيرٌ جداً في أنحاء العالم.

стр. 562

اعتراف أعدائه به ومن هذه المبشرات التي تقتضي استمرار هذا الدين أن أعداء الدين اليوم معترفون به، وأعتاهم الجيش الأمريكي أكبر مؤسسة لعداء الإسلام وأقواها، ومع ذلك فإن للجيش الأمريكي معهداً لتكوين أئمة مساجد الجيش الأمريكي، وقبل ثلاث سنوات طبع الجيش الأمريكي نسخةً من المصحف، واتخذ قراراً بأنها تعتبر قطعة سلاح، أي: أنها محترمة، لا يحل لأي عسكري إلا أن يحترمها غاية الاحترام مثل احترام السلاح.

стр. 563

رجوع كثير من عصاة المسلمين إلى طريق الهدى ومن هذه المبشرات التي تدل على أن المستقبل لهذا الدين: رجوع كثير من أوساط المسلمين إلى الله ، فنحن نشهد اليوم زيادة أعداد المساجد، وزيادة المصلين فيها، والذين كانوا منكم في هذه المدينة قبل فترة، لا شك أنهم يتذكرون عندما كان عدد المساجد فيها يسيراً، وكان رواد المسجد عدداً يسيراً من الشيوخ وكبار السن، واليوم -ولله الحمد- أعداد المساجد بهذا الحجم، وروادها بهذا العدد، وكثير منهم من الشباب الذين هم في مقتبل العمر، ومثل ذلك في أوساط النساء، وهن اللواتي كثيراً ما يعتلي بهن أصحاب الفجور، ويجعلونه من حبائل الشيطان ومن وسائل الإغواء، فاللواتي يلتزمن، ويهتدين، ويتسترن من النساء، أعدادهن متزايد، وليس ذلك خاصاً بشريحةٍ ولا طبقة، بل هو منتشرٌ في المستويات الراقية من الناحية الاجتماعية والاقتصادية، وكذلك في بلاد الكفر، فأعداد المساجد الآن في باريس وحدها تتضاعف في كل عام تقريباً، ما من عام يمر إلا ويزداد العدد بمثله تقريباً، بالإضافة إلى إقبالٍ شديد عليها، فقلما يبنى مسجد إلا ويمتلئ، وبالأخص في أيام الجمع، بل إن كثيراً من الذين فجروا وفسقوا وأوغلوا في أنواع الفجور والعصيان؛ أصبحوا اليوم من الداعين إلى الإسلام، بل وأصبح كثير منهم من الدعاة البارزين المشاهير، وتسمعون اليوم عدداً كبيراً من الخطباء والوعاظ الذي كانوا عصاة، ثم هداهم الله كالشيخ أحمد القطان في الكويت، والشيخ محمد العوضي، والشيخ عادل الكلباني والشيخ محمد بن سعيد القحطاني والشيخ سعيد بن مسفر القحطاني، والدكتور عمرو خالد المصري الذي كان من بيئةٍ موغلة في الإسراف في أمور الدنيا، ومن أرقى الطبقات الاجتماعية في مصر، وقد تربى بعيداً جداً عن دين الله والالتزام به، وقد أصبح اليوم يهتدي على يديه أعداد كبيرة جداً من الناس، وقد حضر مؤتمراً إسلامياً في باريس، وهو مؤتمر اتحاد المنظمات الإسلامية العاملة في فرنسا، وحضر هذا المؤتمر أكثر من مائة ألف من المسلمين، وكان من أبلغ المحاضرين المؤثرين فيه. وهكذا عددٌ كبير من الذين يرتادون المساجد اليوم في كل مدينة من مدن العالم، كانوا قد فجروا وبغوا وطغوا ووصلوا إلى ذروة العصيان، ثم هداهم الله، فرجعوا طائعين غير كارهين، وأقبلوا على الدين من جديد، وقد حدثني أحد المهندسين الجزائريين وقد كان من هؤلاء الذين طغوا من قبل، قال: لم أكن أعرف شيئاً اسمه الصلاة، وكنت يوماً من الأيام راجعاً من العمل في وقت صلاة العصر، فرأيت أمام البيت والدي وهو شيخٌ كبي، ر ولا أسلم عليه إلا مرةً في الأسبوع، مع أننا نسكن في بيتٍ واحد!! فقلت: من أين جئت يا أبتي؟ قال: من المسجد، قلت: ما هو المسجد؟!، فأخذ بيدي فإذا مسجد قريب من باب دارنا، لكنه في زقاق ضيق ومختفي بطرف البيت، قلت: ماذا تعمل فيه؟ قال: أصلي أنا والمجموعة التي معي، فإذا هو يصلي مع تسعة كهول كبار السن، قال: فقلت له: إذا مت أنت وهؤلاء الكهول فسيهدم هذا المسجد ولن يتذكره أحد، قال: لا. بل سيصل المصلون إلى باب دارنا هنا، فقال لي المهندس: واسمه محمد حبيب الله البشير: فوالله الذي لا إله غيره، لقد خرجنا من ذلك البيت توسعةً للمسجد، فالبيت أعطوه للمسجد فصار توسعة له. واليوم شباب الجزائر خير من كهولها، وهذا دليلٌ على أن الصحوة بدأت من جديد؛ ولذلك فإن بعض طلاب العلم الدارسين هنا في موريتانيا من أبناء الجزائر يذكرون أن آباءهم كانوا أعداءهم، يمنعونهم من الصلاة، ويمنعونهم من قراءة القرآن، ويمنعونهم من الأذكار، وإذا وجدوا عندهم أي كتاب مزقوه، ويحاولون أن يكون معاشهم من الخمر وأنواع الفجور، ومع ذلك خرج من هؤلاء طلاب للعلم، مهاجرون بدينهم، يدرسونه -إلى الآن- في المحاضر. وأذكر شاباً أتانا قبل سنوات هنا في المحضرة من بلاد المغرب، وما زال موجوداً هنا في موريتانيا حسب ما أعتقد، ذكر أنه مات أبوه وترك له خمّارة! فكان يبيع فيها الخمر، ألفى أباه يكتسب بذاك الكسب، ولم تكن له هوايةٌ إلا جمع الدراهم والدنانير، وهو مشتغل بذلك، يقول: حتى أتاني شاب أنيق نظيف، فكان يجلس إليّ ويتحدث إليّ، ثم بدأ يدعوني لزيارة المسجد، فزرت معه مسجداً، ثم دعاني لقراءة الحزب من القرآن، وهو أمرٌ معهود في المغرب، فأهل المسجد جميعاً يأخذون المصاحف ويقرءون حزباً واحداً بنغمة واحدة، قال: ثم بدأت ألتزم بأوقات الصلاة إلا صلاة الفجر، ثم فوجئت أن هذا الشاب الصديق صار يأتيني في وقت الفجر ويوقظني، فأذهب معه إلى المسجد، وبعد فترة ناقشني في قضية العمل في الخمر، وقال: أليس الأولى بك أن تحول هذا المتجر إلى متجر من نوع آخر أكثر ربحاً، وأكثر زواراً ورواداً، وأطيب، قال: أول مرة أسمع أن الخمر كسب خبيث، تفاجأت فترة مما قال، ثم عرفت أنه قد صدقني، وأنه محبٌ لي، فكان هذا سبب هدايته والتزامه.

стр. 564

تاريخ الأمة شاهد على أن بعد الذل عزاً تاريخ الأمة حافلٌ بالعز بعد الذل، وليس هذا مستغرباً، تعرفون أن التتار لما دخلوا بغداد في عام (٦٥٤) من الهجرة، وذبحوا الخليفة وسبعمائة ألف معه على شاطئ النهر!! وكانت المرأة من التتار تأتي عدداً من رجال المسلمين فتقول: انتظروني هنا حتى آتي بالسكين أذبحكم بها، فينتظرونها حتى تأتي بالسكين فتذبحهم واحداً بعد الآخر وهم ينظرون؛ بسبب الوهن الذي دب في النفوس، وما هي إلا فترة يسيرة حتى عادت بغداد إلى مكانتها، ورجع إليها المسلمون بكل قوة، وانهزم التتار، ولهذا يقول أحد الشعراء فيها: بغداد صاحبة الزمان صروفا شتى ولابسة الزمان ظروفا شابت وعاودها الشباب ولم تزل أماً لأفذاذ الرجال عطوفا لم تنس عهد بنين قد ثكلتهم وسرى بهم ريح الذناء عصوفا ونظير هذا كثير، فعندما استقر العُبيديون بالقاهرة، وقتلوا علماء أهل السنة، ذبحوا منهم أكثر من ثلاثمائة عالم، وأرادوا القضاء على السنة بالكلية، حتى زعم زاعمهم أنه لن تقوم للسنة قائمة بعد اليوم في مصر، ولم تمض سنوات قليلة حتى ذهب الله بهم ورجعت إلى السُنة مكانتها وقوتها، جاء صلاح الدين الأيوبي الذي كان من خدمهم فأصبح قائداً لأهل السنة، وأصبح على تلك المكانة، وكان يصوم يوماً ويفطر يوماً ويقوم ثلث الليل دائماً، وكان محدثاً، فاجتمع حوله يوماً عدد من طلاب الحديث، فسألوه أن يحدثهم بحديث مسلسل بالابتسامة، وهو حديث مشتهر على ألسنة المحدثين، فحدثهم به ولم يبتسم، فقالوا: لو سمح سيدنا بالابتسامة حتى يتسلسل لنا الحديث، فقال: إني لأستحي من الله أن أبتسم وبيت المقدس بيد الصليبيين، ثم غزا الصليبيين حتى أخرجهم من بيت المقدس وحرره منهم، وكذلك ما حصل للأتراك المسلمين عندما غزوا مدينة هرقل وهي القسطنطينية التي قال فيها النبي ﷺ : (تفتح عليكم القسطنطينية مدينة هرقل، فلنعم الأمير أميرها، ولنعم الجيش جيشه)، خرج محمد الفاتح لحصارها، وهو يعلم أن ملوك المسلمين وأمراءهم من قديم الزمان كانوا يغزونها من أجل هذا الوعد، ويرجون أن يكونوا هم الموعودين بهذا الوعد: (نعم الأمير أميرها، ونعم الجيش جيشه)، فقد غزاها يزيد بن معاوية ومعه أبو أيوب الأنصاري، وغزاها عدد كبير من قادة المسلمين فلم تفتح، فغزاها هو ففتحها الله عليه، فلما فُتحت ودخل عزيزاً منصوراً كنيسة (أياصوفيا) وهي الجامع الكبير باسطنبول الآن، واجتمع المسلمون للصلاة قال: هل أحد في الجيش منذ أن بلغ لم تفته تكبيرة الإحرام في صلاة الفجر في الجماعة؟! قالوا: لا. قال: إنها مسألة كنت أحتسبها عند ربي، ولم يكن يطلع عليها أحد، ولكني اضطررت لأن أبينها اليوم، فما فاتتني تكبيرة الإحرام في صلاة الفجر في الجماعة منذ بلغت إلى وقتي هذا، فتقدم فصلى بالناس.

стр. 565

التضييق عليه وعلى أهله يفتح له آفاقاً جديدة ومن هذه المبشرات التي تدل على أن المستقبل لهذا الدين: أن الشيوعية الحمراء التي تمسخ الشعوب وتهجرها، وتعرفون ما حصل فيها من قبل من الاستبداد والشدة، وتعرفون أن شعب الشيشان قد تعرض من قبل للتهجير والإبادة، وأُخرج من بلاده كاملاً، شعب بكامله يُهجر من بلاده، وكذلك الشعوب المجاورة فإنها خضعت تحت سلطان الشيوعية سبعين سنة، وهاهم اليوم تخرج منهم النماذج الفذة المدافعة عن الإسلام، مثل القائد جوهر دوداييف ﵀، والقائد شامل باسييف وغير هؤلاء من المجاهدين في سبيل الله، وأذكر قبل سقوط الشيوعية أننا كنا في زيارة هنالك، فلقينا امرأة روسية مسلمة كبيرة السن، فأخبرتنا أنها لو وجدت من يريها المصحف لأعطته كل مصوغاتها ومقتنياتها، مقابل رؤية المصحف فقط!! تقول: أتمنى أن أرى المصحف، ولا تعرف كم جزء هو، فهممت أن أعطيها مصحفاً، فنصحني أصحابي وقالوا: لا تفعل، فإنك لو فعلت لماتت من حينها فرحاً به!! وكان الوقت إذ ذاك في شدته وقسوته، وكان الشباب يدرسون أحكام الطهارة والصلاة والعبادات تحت الأرض في الأقبية، وهم الذين خرجوا اليوم يقودون المسلمين في الجمهوريات الإسلامية كلها، أولئك الذين كانوا يتعلمون الأحكام في ظل سلطان الشيوعية الذي يضرب بيدٍ من حديد، وأذكر أن شباباً من طاجكستان أتوني وهم يريدون الدراسة، فوجدت أن كل واحدٍ منهم يلبس ثياباً قد جعل فيها مخابئ للكتب، وكانوا يشترون نسخاً من الكتب الصغيرة جداً -المضغوطة- يضعونها داخل ملابسهم، بحيث لا يطلع عليها أحد بوجه من الوجوه، ويخرجونها بصعوبة من داخل ملابسهم، ثم يردونها بعد نهاية الدرس. كل هذا دليلٌ على أن هذا الدين عظيم، وأنه لن يتراجع أبداً ولن ينهزم، وأن البلايا والمحن التي تصيب هذه الأمة إنما هي معالم على طريق الحق، ونكبات أصابت من هو خير منا، وسيستمر الأمر خيراً مما كان، فلابد أن يبقى في هذه الأمة من يجاهد في سبيل الله ويعلي كلمة الله وينصر الحق، والآثار واضحة شاهدةٌ بهذا، لا ينكرها بوجه من الوجوه إلا مكابر. أخبرني رجلٌ من الفلسطينيين: أنه لقي حبراً من أحبار اليهود في فلسطين، فقال له: ماذا تعلم عن المعارك القادمة؟ فقال: ما شأنك وشأنها؟ قال: نسمع أن اليهود سيهزمون في فلسطين، وأن دولتهم ستسقط؟ قال: نعم، ذلك واقع، لكن لستم أنتم أصحاب ذلك، قال: وما يدريك؟ قال: أصحاب ذلك من يكون عددهم في صلاة الفجر في المساجد كعددهم في الجمعة! إذا وصل العدد الذي يشهد صلاة الفجر في الجماعة قدر العدد الذي يشهد صلاة الجمعة فسيحصل ذلك، وهذا الذي قاله هذا اليهودي قد بدأت اليوم ملامحه، فالرجل الذي حدثني بهذا قد توفي ﵀، وهو شيخٌ من شيوخ القدس اسمه بيوض التميمي من ذرية تميم الداري ﵁، وكان عضواً في المجمع الفقهي، واليوم يخبرني عددٌ من الذين يأتون من فلسطين بإقبالٍ عجيبٍ على الله ، وبالأخص في الشباب والنساء، ويذكرون من التزام الناس ما لا يتصوره أحد في ظل القمع الصهيوني والإهانات والأذى. سئل عبد الفتاح مورو عن النهضة في تونس، وعن الصحوة الإسلامية فيها ما سببها، مع أن تونس من قبل ركز عليها الفرنسيون من أجل مسخها حضارياً بالكلية، وما لم يقوموا به قام به (بورقيبة)؟ فقال: كانت بداية الصحوة في تونس قطرةً من دم سيد قطب، قالوا: كيف ذلك؟ قال: لما قتل سيد قطب وصل خبر قتله إلى المسلمين في تونس، والشباب غارقون في أمرهم، لا يعرفون شيئاً عن واقع الأمة، ولا عن الدعوة، ولا عن الجهاد في سبيل الله، فحينئذٍ فكروا في هذا الأمر، فبدأت الصحوة في تونس بثلاثة أشخاص، كانوا يتدارسون مختصر الأخضري في المسجد، وبهؤلاء الثلاثة بدأت هذه الصحوة المنتشرة التي دخل الناس بسببها في دين الله أفواجاً، وهذا من العجائب الغريبة، ومثله ما حصل قديماً في ليبيا، عندما ظن الإيطاليون الفاشيون أنهم قضوا على الروح الجهادية في ليبيا بالكلية، فوجدوا أن المجاهدين يزداد عددهم، وفي كل فترة يزداد العدد، والحصار والقتل والتشريد مستمر، وكل ذلك يزيدهم عدداً، فقال أحدهم كلمته المشهورة: (إن المجاهدين المسلمين كشجرة الصنوبر، كلما قطع منها غصن نبت غصنان) فالعدد يزداد ولا يزيده القتل ولا التشريد ولا السجون إلا زيادةً وتقدماً. ومن كان يظن أن تركيا التي مسخها مصطفى كمال أتاتورك، وحرم فيها الأذان بالعربية، وحرم فيها الحجاب، ستعود إلى حالها اليوم؟! إن الذي يزور تركيا الآن وقد زارها من قبل عشر سنين أو قبل خمسة عشر سنة يرى العجب خلال هذه الفترة، مدرسةٌ واحدة في تركيا يحفظ فيها أعداد هائلة من الشباب القرآن حفظاً عجيباً جداً ما رأيت مثله، شاب يحفظ القرآن، يحفظ الكلمة والتي قبلها والتي قبلها حتى يكمل القرآن إلى الخلف، يحفظه إلى الوراء كما يحفظه إلى الأمام، ويحفظه بأرقام الآيات وأرقام السور، إذا قلت له: هات الآية رقم كذا من السورة الفلانية، فإنه مباشرةً ينطلق، هذه المدرسة قائمة إلى الآن، ونظيرها كثير جداً من المدارس العلمية والقرآنية، وإقبال الناس على الحجاب والالتزام شيء كثير جداً، فكل هذا يدلنا على أن المستقبل لهذا الدين، وأن كل مضايقةٍ له لا يمكن أن تؤثر فيه، ولا يمكن أن تزيده إلا إقبالاً، وتعلمون أن الصحوة في هذا البلد استفادت كثيراً مما حصل من قمع الصحوة في الجزائر، لما قُمع الناس في الجزائر تحمس الناس هنا للدين، فرجع كثير من الشباب الموريتانيين للالتزام بالدين حين سمعوا الأخبار، وهكذا كلما حصلت واقعةٌ، كما إذا حصلت مشكلة في فلسطين فأوذي المسلمون هناك، أو في العراق أو في أي مكان؛ ينتشر الإسلام في أطرافٍ أخرى، وقد مثّل له أحد الناس باليبس من الأرض، فالأرض اليابس منها قدر الربع، والبقية كلها بحار، لكن لو قُدر أن جزيرة من الجزائر خسف بها فاختفت، فلا بد أن يظهر من اليبس قدرها أيضاً، إذا اختفت قارةٌ من القارات، فستظهر قارة أخرى؛ لأن القضية مبنية على هذا التوازن، فلهذا إذا حصلت المضايقة على الإسلام في جانب، ظهر الانفتاح والزيادة في جانب آخر، وما هذا إلا نظير قول الشاعر: كأن عيني وقلبي بعدكم طرفا غُصنٍ من البانة الخضراء فينانِ يسيل جانبه ماءً إذا اشتعلت ناراً مؤججةً في الجانب الثاني أو كما قال: أبو بكر بن جريج ﵀: قلبٌ تقطع فاستحال نجيعا فجرى فسال مع الدموع دموعا رُدت إلى أحشائه زفراته فقبضن منه جوانحاً وضلوعا عجباً لنارٍ أظلمت في صدره فاستنبطت من جفنه ينبوعا لهبٌ يكون إذا توقد في الحشا أيضاً ويظهر في الجفون ربيعا فكلما اشتدت المضايقة في جانب من الجوانب يتسع الحال في جانبٍ آخر، وقد تعهد الله لنبيه ﷺ ألا يسلط على هذه الأمة عدواً من سوى أنفسها، فيستأصل بيضتها، وإذا سُلط عدو على جانب من الجوانب؛ فسيحصل رخاءٌ في المقابل في جانب آخر، كلما حصلت شدة في مكان، فاعلموا أن الاتساع واقعٌ في مكان آخر، وهذا مبشر عجيب؛ والشدة لما وقعت على المؤمنين بمكة جاء الفرج بالهجرة، فالفرج لم يأت في البداية في دارهم الأصلية مكة، لكنه جاء في مكان آخر، وقد كانوا يبحثون عن مكانٍ مطمئنٍ، فهاجروا إلى الحبشة، فلم يكن المطمأن هنالك، بل كان بالأرض التي هي بين الحرتين، وقد أريها رسول الله ﷺ ، وهي أرضٌ ذات حرارٍ ونخلٍ بين جبلين، فظنها الأحساء وهجر فكانت المدينة، إن وعد الله حق، ولا بد أن يتحقق، نسأل الله أن يجعلنا من الناصرين لدينه، وأن يعزنا بالدين، وأن يعز بنا الدين. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
следующие страницы →