← Джавами‘

Джавами‘ · id 7722

دروس للشيخ محمد الحسن الددو الشنقيطي

محمد الحسن الددو الشنقيطي

Полный текст (1 349 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

جهود العلامة زياد اليكودي وكذلك من المضحين التضحيات الجسام في طلب هذا العلم ونشره العلامة زياد، وكان قد لزم العلامة محمد بن محمد سالم وأولاده زماناً طويلاً، فلم يستفد حفظاً للعلم ولا فهماً له، فدله بعض الناصحين على أن يلتمس دعوة الشيخ، وكان الشيخ مجاب الدعوات في كثير من الأحيان، فقال: لن ألتمس منه هذه الدعوة حتى يكون هو الذي يدعو لي من تلقاء نفسه. فبحث عما يرضي الشيخ من الخدمة فكان يمارسه، حتى إن الشيخ في عام مجدب جربت إبله واشتهر فيها الجرب، فوضعوا طلاء في قدر لهم لطلاء الإبل، وكانوا في (تيرس) فاشتد عليهم الجدب، فارتحلوا إلى (أقان) -وهذه مسافة طويلة جداً- فأخذا زياد القدر الذي فيه طلاء الإبل الشديد الرائحة المنتن وحمله على رأسه من (تيرس) إلى نهاية (أقان)، فكان محمد بن محمد سالم كلما راح وكلما أصبح يدعو لـ زياد بالفتح والعلم النافع، فما وصلوا (أقان) حتى أصبح أذكى الطلاب وأنبههم. ويذكر مثل هذا عن خليل بن إسحاق ﵀ عندما دعا له المنوفي ﵀ فاستجاب الله دعاءه، والله لا يعجزه أن يستجيب دعوات عباده، ومن أخلص لله سبحانه وكان صادقاً في التعامل معه يستجيب دعاءه، وقد كان من هذه الأمة عدد من الذين لا ترد لهم دعوة. وقد كان محمد بن محمد سالم ﵀ من المعروفين باستجابة الدعوة، ولهذا تحدثني امرأة أدركتها وقد عاشت مائة سنة، وهي ابنة الشيخ حبيب الله بن البيتور القناني، تحدث عن والدها حبيب الله بن البيتورة وكان من طلاب محمد بن محمد سالم المجلسي. فحدثتني أن والدها أخبرها أن محمد بن محمد سالم في آخر عمره كان يصوم أغلب الأيام، فكان يذهب بعد صلاة الفجر إلى الخلاء فلا يزال يقرأ كتاب الله ويتدبر العلم ويكتب في صحف عنده مؤلفاته، فإذا حان وقت الإفطار كان بعيداً جداً عن الحي، فيأتيه حبيب الله بن البيتور هذا يحمل له ماءً يفطر عليه، فأتاه ذات يوم وقد اشتد به العطش فأتاه بماء أفطر عليه فقال له: عمرك الله طائعاً. فلما انصرف دعاه فقال: أنا قد دعوت لك، فاستجاب الله هذه الدعوة، وعاش حبيب الله مائة سنة وابنته التي حدثتني أيضاً عاشت مائة سنة، أو أكثر. وعرف عن حبيب الله هذا أنه ما صلى قط بغير وضوء، فلم يحتج إلى التيمم قط، ولم يفطر قط في السفر ولا في الحضر، أي: في رمضان لم يحتج إلى الإفطار في سفر ولا في حضر.

стр. 632

نماذج أخرى من جهود العلماء وتضحياتهم في بلاد المغرب من القرن الثاني عشر وما بعده

стр. 633

جهود العلامة عمرطال كذلك من هؤلاء المضحين في جمع هذا العلم العلامة الحاج عمر طال الذي خرج من بلاده وكان من رعاة البقر، فخرج لطلب العلم فنزل على عثمان فودي، فرأى إقبال الناس على العلم فأعجب بذلك، فجلس يطلب العلم ويدرسه حتى أصبح من أنبه طلاب العلم، ثم خرج إلى مصر فدرس منها ثم حج ورجع، فلما مر بـ عثمان فودي رأى الجهاد على قوته، فخرج هو وأراد أن يقيم الجهاد في السنغال وزانبي وجنوب موريتانيا.

стр. 634

تضحيات العلامة عبد الوهاب بن الرشيد وكذلك من هؤلاء المضحين في جمع هذا العلم العلامة عبد الوهاب بن الرشيد الناصري من أولاد الناصر، وقد كان ﵀ مثالاً للجد في طلب العلم، فقد كان في سفر مع عدد من بني عمه، وكانوا يحملون السلاح في وقت الفتن والمعارك الداخلية بين القبائل، فرأى شيخاً في بادية له صاحب علم تأتيه الأطراف المتنازعة تتنافس على محبته وخدمته، فسأل فقال: لماذا يخدم أولاد الناصر فلاناً هذا؟ هل له عليهم دالة؟ هل قدم لهم خدمة؟ فقيل: لا. إلا أنه صاحب علم وتقوى. فقال: إذاً هذا الذي نال به ما نال، فلم ينله بالسلاح ولا بالقوة. فخرج هو مما كان فيه من السلاح وذهب لطلب العلم حتى برز فيه، وقد بذل في سبيله كثيراً من العناء، ويكفي من ذلك العناء الاجتماعي، فمن كان من حملة السلاح ونشأ فيه يشق عليه الخروج منه والذهاب إلى طلب العلم في المحاضر.

стр. 635

تضحيات العلامة محمد العاقل الديواني وكذلك من المضحين في طلب هذا العلم الذين بذلوا فيه الشيء الكثير العلامة محمد العاقل الديواني، وقد كان رحل في طلب العلم فخاض البلاد شرقاً وغرباً حتى جمعه وسافر على رجليه إلى (تمبكتو) ورجع واشتهر بتنوع المعلومات، حتى إن النابغة الغلاوي ﵀ حين جاء إلى هذه المنطقة يطلب العلم -وقد كان شيخاً إذ ذاك- قال: لا أدرس على شيخ حتى امتحنه. وكان لديه امتحان واحد، وهو أنه إذا جلس بين يدي الشيخ يقول له: سأدرس. فإن قال له: (مشي). قبل منه، وإن قال له: أي كتاب تدرس تركه، فهذا هو الامتحان الذي يمتحن به الناس. فيقول: مر بعدد من الناس كلما أتى شيخاً قال له: سأدرس. فيقول له: وماذا تدرس؟ فيقول: لست صاحبي. ويتركه، حتى جاء إلى أحمد بن العاقل -وهو ابن هذا الرجل الذي ذكرنا- فقال له: أريد أن أدرس. فقال: مشي. فقال: أنت صاحبي. فلزمه فترة، وقد درس عند أحمد بن العاقل عدد من كبار العلماء منهم أخته خديجة ابنة العاقل التي هي شيخة المختار بن بونة الجكني.

стр. 636

العلامة ابن عبيد الديواني وتقسيمه العجيب لوقته منهم كذلك العلامة ابن عبيد الديواني الذي اشتهر كذلك بالجد والتشمير في طلب العلم، وقد كان صاحب ذكاء مفرط ندر مثله في هذه البلاد، وقد كان فيما بعد يقسم وقته قسمة عجيبة، فقد حدثني جدي محمد علي بن عبد الودود عن العلامة يحظيه بن عبد الودود عن العلامة المختار بن ألما الديواني: أنه كان إذا صلى الفجر جلس في مصلاه يذكر الله حتى تطلع الشمس، ثم يخرج فيقوم على رعاية بقر عنده حتى تحلب ويخرجها من مراحها إلى مرعاها ويخرج أولادها، ثم يجلس للتدريس حتى يقترب من وقت الزوال، ثم ينام قليلاً ثم يستيقظ فيصلي الظهر، ثم يبدأ في وقت التأليف، ثم بعد العصر يراجع بعض ما لديه من المؤلفات وبعض ما أملاه على الناس، ثم ينصرف للعناية بالمواشي والبهائم، وربما اعتنى كذلك بالبئر، فقد كان القيم على شأن الحي كله، ثم بعد صلاة المغرب يراجع للطلاب ويصححون عليه المتون، وكان عمره مشغولاً هكذا طيلة الوقت كله، فليس له وقت فراغ. وقد أخذ عنه هذا الهدي العلامة المختار بن ألما، ثم أخذ عن العلامة المختار بن ألما عدد من تلامذته هذا الهدي، ومنهم ابنه العلامة محمد سالم بن ألما فلم يكن له وقت فراغ قط ولا رئي فارغاً قط، إما أن يشتغل بعلم وإما أن يشتغل بكسب دنيوي وإما أن يشتغل بعبادة.

стр. 637

جهود العلامة يحظيه بن عبد الودود كذلك من هؤلاء المضحين العلامة يحظيه بن عبد الودود ﵀، وقد بذل الكثير في سبيل هذا العلم، فقد كان خرج إلى آل محمد سالم للدراسة، وكان آل محمد سالم إذ ذاك يأتيهم الطلاب والغرباء فيعلمونهم ويدفعون إليهم زكاة أموالهم، فيخرج الطالب من محضرتهم غنياً عالماً، فكان يحظيه من الذين أتوا للدراسة من الفقراء، فرأوا فيه الجد والتشمير، قال: وكان في مجلس محمد وجوه الناس وأبناء الأسر الكريمة يتنافسون في السبق في التدريس، وكان ذات يوم وهم في (تجريت)، فأراد الشيخ السفر وقد سافر أهله في آخر الليل وانتقلوا من مكانهم إلى مكان ناء، فتنافس الناس في السبق في الدراسة تنافساً عظيماً، قال: فأتيت الشيخ فقلت له: إذا بدأت اليوم بالتدريس آخذ عنك طلاب النحو جميعاً، فقال: (أبين ها الله)، وهي كلمة عامية معناها: وددت ذلك. قال: فبدأ بي ولم يدرس أحداً قبلي. فكان هذا مزية إذ ذاك عظيمة، مثلما يقول الأقدمون: كان من زينة الدنيا أن يقول الرجل: أخبرنا مالك. فكذلك كان البدء بالتدريس في أيام محمد بن محمد سالم مزية عظيمة. فلما درسه دَرْسَهُ من الفقه انتقل إليه طلاب النحو، فجعل يدرسهم حتى أكمل الدرس في وقت الظهيرة وليس معه ماء، فخرج يشتد عدواً في أثر الذين ركبوا في الصباح الإبل، وجاءت الرياح على آثارهم فطمست الأثر، ولم يزل يشتد في عدوه حتى لقي بعد العصر إبلاً تساق لـ (بني دليم)، فظن أنها من إبل المشايخ، فخرج فيها فتعب تعباً شديداً، فلما كان من الليل أناخوا، فاضطجع في جانب هذه الإبل وقد دميت أظفاره وتفطرت رجلاه من المشي في الحجارة وليس له نعلان، ومن الجوع والعطش. فيقول عن نفسه: فنظرت فإذا أنا بتلك الحال، فقلت بالعامية قولاً معناه أن كل ما كان من المصائب في سبيل الحصول على هذا العلم لن يصرفه ولن يصده عن وجهته، وهكذا شأن كل صبور جلد إذا جاءت المصائب والنكبات تذكر ما وراءها فصمد وصبر. فاستمر في طريقه أياماً وليالي صبر فيها على الجوع والعطش والألم والسهر حتى وصل إلى الشيخ، قال: فلقيت الشيخ يشرح الدرس، فلما سمعت صوته من بعيد وهو يشرح ذهب عني كل ما كان بي من العناء. وهكذا شأن الطلاب الأوفياء، فإن أحدهم إذا سمع شرح الشيخ من بعيد زال عنه كل عناء وتعب، فهذا الحسن بن زين القناني ﵀ كان من طلاب العلامة عبد الودود بن عبد الله الألفغي، وكان عبد الودود شديداً جداً على طلابه؛ لأنه يريد تكوين الرجال، كما كان هو يقول: أنا أريد تعليم الرجال ولا أريد تعليم الدجاج. ولذلك يقول: لقد مزقت قلبي بضعف جفونها كما مزقت عمداً كتابيا وذلك من تشدده على طلابه، وكان الحسن بن زين صاحب ذكاء وجد، فكان عبد الودود يحبه ويقدمه على غيره من الطلاب، قال الحسن ﵀: سافر عبد الودود في سفر له فخرجت أنا إلى شيخه بُلاّ الشقروي، فأتيته من الليل فإذا صوته من بعيد -وهو يشرح قول ابن مالك ﵀: وبعد فا جواب نفي أو طلب محضين أن وحذفها حتمٌ نصب قال فسمعته يقول: وبعد فا جواب نفي أو طلب محضين أن وحذفها حتم نصب وهذا هو النطق الفصيح بالفاء، وكان الناس ينسبونه لـ (بني حسن)، وهو نطق الفاء الفصيح، قال: فسمعته يقول هذا البيت فزال عني كل ما كان معي من النصب والتعب، فتركت بقرتي لم أربط ولدها. وليس له إذ ذاك مذاق ولا غذاء إلا من لبن بقرته، فلم ينتبه لها عندما سمع صوت الشيخ وأقبل على طلب العلم وجلس بمجلس الشيخ للطلب.

стр. 638

جهود العلامة أحمد بن سليمان الديواني وكذلك من الذين بذلوا كثيراً وضحوا في سبيل جمع هذا العلم من أهل ذلك العصر العلامة الشيخ أحمد بن سليمان الديواني، وقد رحل إلى الشيخ سديه في طلب العلم، ومكث عنده زماناً حتى توفي الشيخ سديه فتركه مكانه للتدريس. حدثت أنه كان يختم على أولاده القرآن، يقرأ على كل عضو منهم ختمة يريد بذلك شغلهم بكتاب الله وتحبيبه إليهم، وكذلك كان أولاده من بعده، فهذا الشيخ سيدي محمد بن الشيخ أحمد يصف حال المحضرة الموريتانية ومنافسة الناس في طلب العلم فيها فيقول: فمن لي بأصحاب كرام أعزة يكونون أصحابي وأصحبهم دهرا يخوضون في كل العلوم بفهمهم فهذا بذا أدرى وذاك بذا أدرى فمن منشد بانت سعاد ومنشد خليلي غضا أو تذكرت والذكرى ومن منشد بان الخليط ومنشد ألا عم صباحاً أو قفا نبك من ذكرى إلى آخر القصيدة التي يقول في آخرها: ومن جائبٍ عيشاً كبيراً لقومه ومن جائب لحماً ومن جائب تمرا وهذا أيضاً من ثقافة المحضرة، فقد كان بينهم من التعاون في الغذاء ما كان بينهم من التعاون في العلم أيضاً، وقد صح عن النبي ﷺ أنه أثنى على الأشعريين أنهم كانوا إذا أرملوا جمعوا أزوادهم في ثوب فاقتسموها بإناء، قال: فهم مني وأنا منهم. وقد كان طلاب المحضرة يتحلون بذلك. ولهذا فإن الشيخ محمد بن الأمين بن الددو ﵀ كان ذات يوم في طلاب العلامة يحظيه بن عبد الودود، فكان وقت الظهيرة وهم يبنون عريشاً لهم في أوج الحر والصيف، فقال: كسا الله يا أهل العريش عريشكم بشرب لدى وقت الظهيرة سلسل وعيش يرى وسط الإدام كأنه كبير وناس في بجاد مزمل فرآهم يحظيه يضحكون فسأل عن السبب، فأنشدوه الأبيات فأمر لهم بذلك. هذا الحال قد اشتهر في كثير من طلاب المحضرة، فقد كانوا يتعودون على الجوع والنصب ويسهرون الليالي ذوات العدد، ولذلك يصف العلامة أممو زكني طلاب العلامة يحظيه بن عبد الودود ﵏ أجمعين بقوله: من بكر وضاح لهم مثابرة لفني دهمان العشاء الآخرة أي أنهم من صلاة الفجر إلى صلاة العشاء وهم يثابرون في الدرس لا يقطعونه إلا للفريضة، وهذا ما أخذوه عن يحظيه بنفسه، فقد كان في أيام الطلب عند محمد بن محمد سالم يقول: مكثت تلك الفترة لا أكمل التسبيح بعد الصلاة انشغالاً بالعلم، فكان يقول: (السلام عليكم ورحمة الله) من الفريضة فيقول لزميله عبد اللطيف -وكان عبد اللطيف زميله في الدرس- فيقول له: هذا درس من مختصر خليل. وكذلك فقد خرج يحظيه ذات ليلة حين أرسله الحسن بن زين للإتيان بعدة يسقي غنمه، فقال: حان وقت صلاة المغرب فجلست لأصلي المغرب عند نار قد أوقدت في شجرة، فلما صليت المغرب أعجبني ضوء النار، ففتحت كتابي -وقد كان إذ ذاك يدرس باب الإضافة من الألفية- فما زلت أقلبها وأراجعها حتى انتشر ضوء الفجر، ولم أشعر بصلاة العشاء ولا بخروج وقتها ولا بأي انشغال آخر استغراقاً في الدرس وقد وصف العلامة محمد علي بن عبد الودود ﵀ طلاب العلامة يحظيه إذ ذاك بقوله: لي جيرة كنجوم الصحو غران شم طهارا ثياباً أينما كانوا من كل قطر تؤاخي بينهم كرماً هماتهم وغروم القوم شذان يزدان بالعلم أهل العلم كلهم والعلم من جيرة يسم ويزدان لا أستلذ مقاماً بينهم فرقاً من الفراق ولا آسى إذا بانوا وقد وصف الشيخ محمد علي أيضاً طلاب المحضرة بقوله: فهذا وقير آمن في ثغائه وقار بأمن من حزمِّ كلال وأقصاص طلاب العلوم أمامهم موقرة من هيبة وجلال وأكثر طلاب المدارس همه بيان حرام أو بيان حلال وعمارها من كل ضنأ كريمة كريم كلال من كريم خلال أغرك مصباح الظلام بل إنه كمثل كلال العارض المتلالي يظلون لا يألون حتى كأنهم وليس بهم داع مراض سلال يقيمون فرض الخمس عند ندائها نداءً للأعمى أو نداء بلال

стр. 639

جهود العلامة سديه كذلك من الذين اشتهروا بهذه التضحية من النماذج المشهورة العلامة الشيخ سديه، فقد خرج من أهله وهو في الحادية والأربعين من عمره، وخرج لطلب علم الحديث والقرآن، فخرج على رجليه إلى (تشيد)، وأقام فيها فترة طويلة ولم يرجع إلى هذه البلاد إلا بعد أن جاوز الستين من عمره، وجاء بعلم جم، وبدأ التعليم والتدريس، وكان يقول لطلابه: ما ابيض وجه باكتساب كريمة حتى يسوده شحوب المطلب وكان كثيراً ما يتمثل بأبيات سيدي أحمد بن عبد العزيز الهلالي إذ يقول: تصدر للتدريس كل مهوس بليد تسمى بالفقيه المدرس فحق لأهل العلم أن يتمثلوا ببيت قديم شاع في كل مجلس لقد هزلت حتى بدا من هزالها كلاها وحتى سامها كل مفلس

стр. 640

انحسار العلم والعلماء والدعوة إلى إحيائه كذلك فإن حال المحضرة استمر إلى هذا الوقت حتى أدركنا الناس وهم هكذا يصنعون، وأدركت كذلك كثيراً من كبار السن الذين فنيت أعمارهم في المحاضر يطلبون العلم فيها، ومنهم الشيخ الراجل بن عبدولي ﵀ فقد عاش فوق التسعين، وما عرفت أنه عاش إلا في محضرة، ولم يستحل مقاماً قط إلا في محضرة، فكل وقته كان في طلب العلم حتى لقي الله. وقد كان يدرس معي وأنا صغير جداً وهو فوق الثمانين من عمره، كان زميلاً لي في الدراسة، وهكذا عدد كبير من كبار السن الذين ضحوا وبذلوا في سبيل بقاء هذا العلم وانتشاره، أما اليوم فقد بدأ التراجع وبدأ الحال على ما نرى، فقد أتيت مرة من المرات مدينة (قرو) -وقد كانت معقلاً من معاقل العلم- فاجتمع عليَّ كبار السن فيها فسألتهم: أيها الشيوخ! قبل ثلاث سنوات كم كان هنا في هذه المدينة من العلماء؟ قالوا: عدد كبير. وبدؤوا يحصونهم. فقلت: لكن كم تعدون الليلة فيها من العلماء؟ فبكوا ولم يتذكروا ممن يشيرون إليه إلا شخصاً واحداً أو شخصين. هذا الحال ليس مختصاً بتلك المدينة بل هو في كل المدن، بل أعرف بعض الولايات التي كان الناس يضربون إليها آباط الإبل في طلب العلم وقد انتقل منها هذا العلم بالكلية، ولم يبق فيها من يدرس الآن. إن هذا يقتضي منا أن نعيد إلى المحضرة دورها في حياتنا، وأن نخرج من أبنائنا وأجيالنا الصاعدة قوماً يضحون مثل تلك التضحية ليعيدوا لنا هذا العلم الضائع المسلوب المنهوب، وليعيدوا إلى أمة محمد ﷺ مكانتها، وإني لأرى وجوهاً حبست أنفسها في الحر وفي العرق وهي تطلع على هذا الكلام الذي كثيراً ما يعرف هو وأمثاله؛ أرى فيها إن شاء الله تعالى من سيهتمون بهذا الأمر وينافسون فيه ولا يدعون مكانهم لغيرهم. وأرى في الوجوه المتوقدة التي تنظر إلى هذا الكلام بعناية أقواماً سيكونون ممن يشار إليهم -إن شاء الله تعالى- بالبنان في العلم والعمل، وأرى أن من يطلعون على كلامي يعلمون أن هذا العلم كنز لا ينفد، وأنه خير من التنافس فيما يتنافس فيه الناس من حطام هذه الدنيا الفانية، وأن من عرف سيبلغ من وراءه، وأن النساء كذلك سيسعين لتربية الأولاد العلماء العاملين الذين يعيدون لهذه الأمة مجدها ويستردون لها تراثها، ولا شك أن فيهن أيضاً من تسعى لأن تكون عالمة ولأن تكون مدرسة قائمة بهذا الأمر كما كان عدد من الشيخات في هذه البلاد وغيرها. نسأل الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلا أن يرزقنا العلم النافع والعمل الصالح، وأن يجعلنا قرة عين لنبينا محمد ﷺ ، وأن يلزمنا التمسك بسنته عند فساد أمته، وأن يجعلنا أجمعين من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

стр. 641

العدالة الاجتماعية خلق الله الأرض وما فيها لمصلحة بني آدم، فهيأ لهم وسائل العيش، وجمع فيها أنواع الأرزاق، وسخر فيها لنبي آدم أربعة أمور هي أصول المنافع: المطعم، والمشرب، والمسكن، والملبس، فيجب على المسلم أن يتعامل مع المال بالاعتدال، وعدم الإسراف، وأن يستقر المال في يده لا في قلبه، فيسخره في طاعة الله ولا يكون هو مسخراً يعبد المال.

стр. 642

تدبير الله سبحانه للخلق بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على من بعث رحمة للعالمين، وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أما بعد: فإن الله خلق هذه الأرض وما فيها لمصلحة بني آدم، فهيأ لهم وسائل العيش، وجعلها كفاتاً أحياء وأمواتاً، وجمع فيها من أنواع الأرزاق وما تحتاج إليه البشرية، ما لا يمكن أن ينفد حتى تنفد البشرية: (وإن نفساً لن تموت حتى تستكمل رزقها). ومن أجل هذا: فإن من بدائع لطف الله حين نشر البشرية في هذه الأرض، وعلم بأعداد البشرية الهائلة التي تزداد على الزمن وتتضاعف، أن خلق الموت ليعين به على نقص هذه الأعداد حتى تتسع الأرض لأهلها، ولو لم يخلق الله الموت لامتلأت الأرض ببني آدم، ولأخذوا ما فيها من الخيرات، واستوعبوا ما فيها من الطاقات، ولم يستطيعوا بذلك الاشتراك في العيش في هذه الحياة الدنيا، ولكن الله خلق الموت لهذه الحكمة البالغة. ثم لو أنه أعلمهم بالموت ولم يخلق لهم الأمل لضاقت عليهم الأرض بما رحبت، حتى لو اتسعت وكثرت الأرزاق فيها؛ لأن من علم أن الموت وراءه يرصده، لا يمكن أن يطيب له عيش؛ لكنه خلق لهم الأمل، فلا يزال الإنسان يؤمل الحياة حتى وهو في السياق والنزع، فيؤمل أن يعيش؛ ولذلك يكتسب، ويقدم شيئاً للذين يعيشون على هذه الأرض من بعده.

стр. 643

الناس ثلاثة أنواع وقد جعل الله الناس ثلاثة أنواع: النوع الأول: من لا يستطيعون اكتساب أرزاقهم، فهم عاجزون إما عجزاً كاملاً وإما عجزاً ناقصاً، فليس لديهم من الطاقات ما يتحملون به اكتساب أرزاقهم وحاجياتهم. النوع الثاني: من ساوى الله تعالى بين ما آتاهم من الطاقات وبين حاجاتهم، فلديهم من الطاقات ما يستوعب حاجاتهم ولا يزيد عليها شيئاً. النوع الثالث: من آتاه الله من الطاقات أكثر من حاجاته، فهو ينتج لغيره، وجعل الله بتدبيره هذا الصنف محتاجاً إلى الأصناف الأخرى، لا يستطيع أن يمنّ عليها، وجعله -بأمله- يفكر التفكير الذي يعيش فيه القرون وراء القرون، فالمنتج لا ينتج لعمره فقط، ولو كان كذلك لما أنتج المبدعون الذين أتوا بإبداعات كان لها ما وراءها في تاريخ البشرية، ولو كانوا كذلك لانتخبوا حسب حاجاتهم فقط؛ ولكن لتدبير الله تعالى خلق الأمل فيهم، فصار هؤلاء يفكرون لزمن غير محدد، ومن هنا ينتجون إنتاجاً غير منقطع.

стр. 644

ضروريات البشر إن الله ضمن لآدم في الجنة أربعة أمور، وهي أصول المنافع فقال تعالى: ﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلا تَعْرَى * وَأَنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيهَا وَلا تَضْحَى﴾ [طه:١١٨ - ١١٩]، وهذه أربعة أمور من ضروريات البشر. فأولاً قال: (إن لك أن لا تجوع فيها)، فهذا يسد ضرورة الطعام، وثانياً قال: (ولا تعرى)، وهذا يسد ضرورة اللباس، وثالثاً قال: (وإنك لا تظمأ فيها)، وهذا يسد ضرورة المشرب، ورابعاً قال: (ولا تضحى) أي: لا تبرز للشمس، فهذا يسد ضرورة السكن، وهذه الأربع هي أمهات ضروريات البشر مطلقاً. وبعد هبوط آدم إلى هذه الأرض وخروجه من الجنة هو وحواء، بعد أن بدت لهما سوآتهما، ﴿وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾ [الأعراف:٢٢] أضيف إليها حاجة الإنسان إلى جنسه؛ ليكون ذلك مدعاة لاستمرار النسل، فكانت ضرورة خامسة لأهل الأرض. هذه هي الضرورات، وما وراءها ينقسم إلى قسمين: حاجيات وتحسينيات (تكميليات)، وكل ذلك يحتاج إليه البشر؛ لكن حاجتهم إلى الضروريات أعظم من حاجتهم إلى الحاجيات، وحاجتهم إلى الحاجيات أعظم من حاجتهم إلى التكميليات. ومن هنا فإن الله جعل الضروريات ميسرة مهيأة في جميع الأزمنة منذ عهد آدم إلى زماننا هذا، فالهواء -الأوكسجين- الذي يتنفسه الناس على الأرض ميسر سهل، ولو أنه كان مثل المعادن النفيسة التي تحتاج إليها البشرية، لكان محتاجاً إلى طاقة وبذل وجهد، فيموت عدد كبير من الناس ممن لا يستطيعون الوصول إلى تلك الطاقة ولا إلى ذلك الضروري، ولكن الله علم حاجة الجميع إليه فيسره لهم فوق الأرض. وكذلك الحاجة إلى الماء، جعل الله على الأرض مسطحات مائية تكفي لسقي الناس، وجعل في الصحاري طبقات من الأرض تمسك المياه التي تدخل في أجواف الأرض وتصفيها، وجعل الجبال ذات طاقة لتصفية المياه، وإخراج أملاحها، وإخراج ما فيها من المضار؛ لتكون مهيأة لشرب البشرية، وكذلك أنبت على هذه الأرض من أنواع الأشجار والثمرات والخيرات ما جعل البشرية وغيرها من الحيوانات التي تعيش على هذه الأرض مستغنية بذلك حتى قبل الاختراعات الحديثة، فهذه الضروريات لم تكن محتاجة إلى كبير تفكير ولا إلى كبير اختراع، منذ بدأت البشرية وهي تعرف كيف تبني من الحجارة بيتاً يكنها من الحر والبرد، وهي تعرف كيف تحرث الأرض وتزرع فيها، وهي تعرف كيف تتناول الماء وتستخرجه من الأرض. فهذه ضرورات يسرها الله، ولا شك أن كثيراً منكم قد يتعجب إذا علم أن الماء مصنف في جنس المعادن، وهو كغيره من المعادن النفيسة؛ لكنه ما وجد في مكان في أعماق الأرض إلا وقد اكتشفته البشرية فيما مضى، والمعادن الأخرى تحيط به من كل جانب لا ينظر إليها أحد ولا يكتشفها، فكثير من آبائنا وأسلافنا، كانوا يكتشفون المياه في أعماق الأرض، ويعرفون أماكن وجودها، وكان يحيط بهذه المياه أنواع المعادن النفيسة ولا يطلعون عليها، ولا يستطيعون الوصول إليها. وكذلك فإن الله حين علم حاجة الناس إلى اللحوم وإلى الألبان ومشتقاتها، أنزل ثمانية أزواج من الأنعام من الجنة، فكانت أصول الأنعام في هذه الأرض، ثم أنزل الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس، فكان أصل الصناعات كلها، وعلم آدم الزراعة فكان ذلك أصل الفلاحة والزراعة كلها، فكانت هذه الأمور كفيلة بضمان البقاء والعيش على سطح هذه الأرض، ولله تعالى من الكواكب الأخرى -في مجموعتنا الشمسية وفي غيرها- ما هو أضعاف الأرض، ولم يجعل عليها هذه الأرزاق، ولم يضع فيها هذه البركات.

стр. 645

الكلام على قوله تعالى: (فقضاهن سبع سماوات في يومين) قال الله : ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [فصلت:١٢]، وقال قبلها: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ * وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ﴾ [فصلت:٩ - ١٠]. فلاحظوا أنه ذكر أربعة أنواع من الخلق في العالم السفلي، تقابلها أربعة أنواع من الخلق في العالم العلوي؛ وذلك للتوازن بين هذين السقفين: السقف الوطائي، والسقف الغطائي، فجعل بينهما توازناً بديعاً عجيباً، فقال: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [فصلت:٩]، فهذا خلق لقشرة الأرض وما فيها، ثم قال: ﴿وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا﴾ [فصلت:١٠] وهذه هي الجبال، وفيها من الفوائد للبشرية، والأشياء العجيبة جداً، فهي تمنع الأرض أن تميد بكم، وهي التي يستدل بها الناس ويهتدون بها، وهي التي تخزن المياه وتصفيها، وهي التي تحتوي على المعادن النفيسة في قلوبها، وهي تمنع من العدو، ويستتر بها عن أعين الحيوانات المفترسة، فكل هذا من فوائد هذه الجبال. ثم قال بعد هذا: ﴿وَبَارَكَ فِيهَا﴾ [فصلت:١٠]، وهذه البركة التي في الأرض هي التي أخرجت ثمراتها، وأنبتت أشجارها، وجعلت فيها المعادن النفيسة والثمار الطيبة. ﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ﴾ [فصلت:١٠]، وهذا النوع الرابع من أنواع الخلق في العالم السفلي، وهو أنه قدر فيها أقواتها، فهيأ في كل أرض من الأقوات ما يحتاج إليه سكانها، فالصحاري التي يقل سكانها تقل الثمرات فيها والزروع، والأراضي المكتظة بالسكان تكثر فيها الأنهار، وتكثر فيها الأشجار، وتكثر فيها الزروع، وهذا تدبير العزيز العليم الذي يعلم الأماكن التي تصلح لاستقرار البشرية، ويجلب إليها النفوس التي تناسب تلك الأرض، فبعض البيئات شديدة الحرارة يجلب لها أقواماً يصلحون لهذه البيئة، وبعض البيئات شديدة البرودة يجلب لها أقواماً آخرين يصلحون لتلك البيئة، وبين هذا وهذا أماكن متنوعة، يجلب لكل بيئة ما يصلح لها من أنواع البشر، ويكون ذلك مؤثراً حتى في أخلاقهم وطباعهم وألوانهم ولغاتهم. ومن أجل هذا قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ﴾ [الروم:٢٢]، فربط بين اختلاف الألسنة والألوان، وبين خلق السماوات والأرض؛ مما يدل على أن اختلاف الألسنة والألوان يتأثر بالبيئات وبنمط العيش، وبطريقة السكن، فمن أجل هذا ترون تغير الألوان والألسنة في الأجيال بسبب تغير السكن والبيئة والمعاش، وقد يكون ذلك بالتغير الكامل كما يحصل في الانتقال من اللغات، فأصل اللغات لغات محصورة، قال ابن عباس: هي خمس وسبعون لغة؛ ولكنها تتنوع إلى ما لا يعلمه إلا الله، فشبه الجزيرة الهندية وحدها فيها أربعمائة وثمانون لغة يتكلم بها الهنود في منطقة محصورة في دولة واحدة! وكذلك في البلدان الأوروبية -التي هي من أضيق البلدان وأكثرها اكتظاظاً بالناس- عدد كبير من اللغات واللهجات المتباينة، ففي فرنسا وحدها: ثلاث لهجات من هذه اللغة، وفي إنجلترا أربع لهجات متباينة وهكذا، وهذا من التطور الحضاري الذي يقتضي تغير اللغات بالكلية، وعليه تجد الفرق بين العبرية والعربية واضحاً جداً، وكذلك الفرق بين الفارسية والتركية مثلاً، وتأثر بعض اللغات ببعض واضح؛ لاختلاط البيئات، كتأثر اللغة الأردية والتركية باللغة العربية، وتأثر اللغة الفارسية باللغة العربية أيضاً وهكذا. وهذه اللغات لها حركات بطيئة عجيبة تسير مع الزمن، فلو أن أية لغة من اللغات أخذ أهلها قاموساً قديماً كان قبل ألف سنة متداولاً، وأرادوا التفاهم بما فيه من المفردات فيما بينهم، لوجدوا في ذلك أمراً شاقاً عسراً جداً، ومن هنا فإن الأشعار قبل ألف سنة لا يفهما طلاب المدارس اليوم في بلادنا؛ لأن اللغة تطورت بتطور المجازات وتنوع الدلالات، وبذلك لا تفهم تلك الأشعار. وأركد اللغات اللغة العربية؛ فإن أولاد العرب إلى اليوم إذا سمع أحدهم قول امرئ القيس: (قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل) فإنه يفهم معنى هذا الشطر بسليقته، وإن لم يفهم معنى التركيب بكامله، لكنه يفهم الكلمات، وهذا البيت قد قيل قبل مولد النبي ﷺ بمائة سنة على الأقل. ولركود اللغة العربية اختارها الله لكتابه القرآن، الذي تقوم به الحجة على من بلغ، فلو أن القرآن نزل بلغة غير اللغة العربية لم يعد اليوم صالحاً للفهم، ولأصبح محتاجاً إلى كثير من الشروح في كل زمان؛ لكن نظراً لركود هذه اللغة ولثباتها وندرة التغير في مدلولاتها، اختيرت أن تكون لغة هذا القرآن.

стр. 646

الكلام على قوله سبحانه: (ثم استوى إلى السماء) الأنواع الأربعة من أنواع الخلائق في الأرض قابلها الله بأربعة أنواع من أنواع الخلائق في العالم العلوي، حيث قال: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ * فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ﴾ [فصلت:١١ - ١٢]، وهذا يقابل قوله: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ﴾ [فصلت:٩]، إذاً: هذه السماوات السبع في العالم العلوي تقابلها الأرضون السبع في العالم السفلي. ﴿وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا﴾ [فصلت:١٢]، وهذا يقابل قوله: ﴿وَبَارَكَ فِيهَا﴾ [فصلت:١٠]، وهذا الأمر الذي في السماء محجوب عنا ونحن لا نعلمه؛ لأنه ليس مهيئاً لنا، فالسماء ليست مهيأة لأن يسكنها البشر، ومن أجل هذا لم يكتشفوا ما يقابل هذه البركة التي يكتشفونها في الأرض. ثم قال: ﴿وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ﴾ [فصلت:١٢]، وهذه تقابل الجبال في الأرض في قوله: ﴿وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا﴾ [فصلت:١٠]، فالنجوم في السماء بمثابة الجبال في الأرض. ثم قال: ﴿وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [فصلت:١٢]، وهذا الحفظ هو المقابل لقوله: ﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا﴾ [فصلت:١٠]، فهذا الحفظ الذي في السماء، يقابل الأقوات التي في الأرض، ومن هنا يستغني الملائكة بالحفظ عن الأرزاق، فهم عباد مكرمون، لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، وبحفظ الله لهم يستغنون عن الأرزاق، فليسوا مثل أهل الأرض وسكانها يحتاجون إلى هذه الأرزاق. ومن تدبير الله أن هذه الخيرات المحجوبة في الأرض، وبالأخص ما يتعلق بالحاجيات والتكميليات لا يمكن أن يكتشف في عصر واحد، ولا أن تستخرج فيه، إذ لو استخرجت فيه لنفذت احتياجات الناس، والبشرية لا تزال تتمدد وتكثر احتياجاتها، فجعل الله تعالى اكتشاف هذه الخيرات بالتدريج، فنحن في هذه البلاد اكتشفنا معدن الحديد، فعاش الناس زماناً على هذا المعدن، ثم بعده اكتشفت معادن أخرى، فيمكن أن يكتشف من المعادن ما هو أيسر وأسهل منه كالنفط مثلاً أو غيره من المعادن الأخرى التي يحتاج الناس إليها، وهكذا في كل البلدان، وهذا تدبير العزيز العليم.

стр. 647

تأمين الله الأرزاق في الأرض إن من تدبير الله أن أمّن الأرزاق في هذه الأرض، ولم يجعلها ملكاً فردياً لمكتشفها، وإنما جعلها للبشرية، فجعل المال الذي في الأرض ملكاً لله ، والبشر مستخلفون فيه فقط، وهذا يقتضي منهم ألا يبذروا فيه وألا يسرفوا، وألا يحجروه على أنفسهم، وألا يمنعوا الآخرين من الانتفاع به؛ لأنه مال الله، والإنسان فيه مستخلف فقط، فهو بمثابة الوكيل ينتظر العزل في كل حين. وعزله يكون بالموت، فينتقل ويترك ما وراءه، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنكُمْ مَا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [الأنعام:٩٤]، أو يكون عزله بالحجر عليه، فلا يستطيع التصرف في ماله بقهره وسجنه، أو بمرضه مرضاً يمنعه من التصرف، أو بنقص عقله بكبره وهرمه، أو غير ذلك من أنواع العزل التي يعزل الله بها من شاء عن التصرف فيما جعل تحت يده من المال. والله بين لنا أن هذا المال الذي جعل في هذه الأرض، ملك له ، وليس ملكاً لنا، وأنه استخلفنا فيه فقط، فقال تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ [الحديد:٧]؛ ولهذا خاطب الملائكة بقوله: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة:٣٠] أي: مستخلفاً فيما في الأرض من أنواع الخيرات والأملاك، وبين أنه خلق لنا هذا بقوله: ﴿خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة:٢٩]. وهذا ينقسم إلى ثلاثة أنواع: ما خلق انتفاعاً، وما خلق اعتباراً، وما خلق اختباراً: فما خلق انتفاعاً مثل: أنواع الأرزاق التي في هذه الأرض وينتفع الناس بها. وما خلق اعتباراً، مثل: ما في هذه الأرض مما لا ينفع ولا يضر، وإنما نراه فنتعظ، كأنواع الحشرات غير السامة وغير الضارة التي إذا حفرنا في الأرض أمتاراً، نجد فيها أنواع الدود وغيرها من أنواع الحيوانات التي تعيش في جوف الأرض، ويتعظ الإنسان فيها فيقول: من أين يأتيها الهواء؟ ومن أين يأتيها الماء؟ وكيف تعيش؟ وكذلك ما نراه في الصحاري من أنواع الغزلان والوحوش وغيرها، يقول الإنسان: من أين يأتيها الماء؟ وكيف تعيش؟ وما غذاؤها؟ فيتذكر قول الله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [هود:٦]، وحينئذ سيكون الإنسان متعظاً مستفيداً من هذه الحيوانات وغيرها مما خلق الله في الأرض، فلم يخلق الله شيئاً عبثاً، بل كل ما في الأرض لحكمة بالغة: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ﴾ [الأنبياء:١٦]. النوع الثالث: هو ما خلق اختباراً، وهو ما يسلطه الله على الإنسان من أنواع الجراثيم، ومن أنواع الميكروبات، وأنواع الأوبئة الفتاكة، وحتى أنواع الأسلحة الفتاكة التي ييسر الله من يكتشفها ويستغلها، فهي خلقت اختباراً للبشرية، فالإنسان يمرض، ويصاب بالمصائب، ويموت، وكل ذلك اختبار له: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك:٢]، فكلها من الاختبارات والابتلاءات العجيبة. إن هذه الأرزاق إذا علمنا أنها مملوكة لله فإن علينا ألا نبذر فيها، وأن نعدل في توزيعها، ولا نحتكرها، وألا ندخرها لأنفسنا دون من سوانا، وهذه هي الأسس التي قام عليها الاقتصاد الإسلامي، فكل مشروع حضاري أياً كان، لا بد أن تظهر ثمرته للموضوعات الحساسة التي يعيشها الناس، وإن من الموضوعات الحساسة التي يعيشها الناس موضوع الاقتصاد، وإن النظرة الإسلامية للعالم كله مشروع حضاري متكامل، فمن أجل ذلك اقتضى بيان أوجهه المختلفة، وبالأخص الكلام في الموضوعات الحساسة منه كموضوع الاقتصاد البشري؛ فلذلك لا بد أن يظهر للمسلمين رأي بارز ونظرة موضوعية حيال هذا الاقتصاد، وحيال اكتسابه، وحيال توزيعه، فإن الطاقة التي في الأرض، والنفع الذي فيها ملك للجميع، يدخل فيه المؤمن والكافر، فليس للمؤمن أن يحتكر الخيرات ويمنع الكافر منها. ولهذا نص العلماء على أنه لا يجوز للمؤمن إذا لم يجد من الماء إلا ما يكفي لوضوئه أو لشرب كافر أو كلب عقور أو حيوان غير محترم، لا يحل له أن يميته بالعطش ويتوضأ بذلك الماء، بل إما أن يسقيه ويتيمم، أو أن يقتله ويتوضأ بالماء بعد قتله، وذلك أنه مشارك له في هذا الماء وله حق فيه، وهذا يشمل جميع الحيوانات، وقد ثبت في الصحيحين عن رسول الله ﷺ أنه قال: (إن بغياً من اليهود غفر الله لها ذنبها؛ بسبب كلب مرت به عند بئر وهو يلهث ويأكل الثرى من العطش، فنزلت ونزعت موقها فاغترفت به من الماء، وأمسكت بفيها حتى صعدت وسقت الكلب، فغفر الله لها). وكذلك ثبت عن رسول الله ﷺ أنه قال: (دخلت امرأة النار في هرة ربطتها لا هي أطعمتها، ولا هي أرسلتها تأكل من خشاش الأرض)، فهذا يقتضي اشتراك كل أنواع الحيوانات في هذه الأرزاق التي خلقها الله في هذه الأرض، وانتفاع الجميع بها.

стр. 648

مفاتيح الخير ومفاتيح الشر من الناس من الناس مفاتيح للخير مغاليق للشر، ومنهم -نسأل الله السلامة والعافية- مغاليق للخير مفاتيح للشر، فالذين هم مفاتيح الخير: يفتحون أبواباً لأنواع الأرزاق والانتفاعات، ينتفع بها المؤمن والكافر والحيوان البهيمي، وغير ذلك. ومنهم مغاليق للشر: يغلقون أبواباً فيها مضرة تهلك الحرث والنسل، وتقضي على أنواع الكائنات الحية، سواء كانت من الحيوان أو من النبات. ومنهم عكس ذلك: مغاليق للخير، يجدون باباً واسعاً يعيش منه الناس فيفعلون ذنباً يزول به ذلك الباب، وكم من قوم كانت أمورهم مستقيمة، وكانت حياتهم طيبة، فجاء أصحاب الذنوب فأذنبوا وأسرفوا؛ فأغلق الله باب ذلك الخير الذي كانوا يعيشون منه، وأنتم تقرءون في سورة سبأ قصة أصحاب سبأ الذين فتح الله لهم أنواع الأرزاق في هذه الأرض، ويسر لهم سبل الانتفاع بها، وهوّن عليهم الانتقال، ويسر لهم السبل، ولكنهم بغوا وطغوا؛ فبدل الله ذلك، وأهلكهم على يد أضعف خلق الله، على يد فأرة، فأهلكهم الله بذلك، ومزقهم كل ممزق، وجعلهم خبراً بعد عين. وكذلك الحال في الأمم التي طغت في البلدان كلها، فعاد الذين بسط الله لهم أنواع الأرزاق، وزادهم بسطة في أجسامهم على قوم نوح، وأطال أعمارهم، ومع ذلك بغوا وطغوا، فأرسل الله عليهم الريح ثمانية أيام حسوماً، فقضت على الأخضر واليابس في بلادهم، وما زالت بلادهم إلى اليوم لا يستطيع أحد السير فيها، وإذا سارت فيها سيارة وأرادت المنقلب في نفس الساعة يضيع أثرها، ولا تهتدي إلى المكان الذي خرجت منه، وبلادهم اليوم بلاد الأحقاف، وهي معروفة بالربع الخالي في جزيرة العرب، وما زالت الريح مستمرة فيها على أثر تلك الريح التي سخرها الله ثمانية أيام حسوماً. وكذلك ثمود الذين يسر الله لهم أنواع الأرزاق، وجعل لهم الجبال بيوتاً، بغوا وطغوا فأرسل الله عليهم الصيحة التي أهلكتهم، وشقت شغاف قلوبهم، فلم يستطع أحد منهم أن يصمد أمامها، فهلكوا جميعاً في لحظة واحدة. وكذلك قوم لوط ومن سواهم من الأمم الذين كانوا يعيشون في نقطة التوازن في العالم بمكة -شرفها الله وحرسها- كانوا إذا بغوا في الحرم يسلط الله عليهم ما يهلكهم ويبيدهم، فعندما يسر الله تعالى لإبراهيم مكان البيت وبوأه له وأمره أن ينزل عنده أمته وولده، وأراه مكانه؛ أخرج الله بهذا الوادي الموحش الذي لا زرع فيه -بواد غير ذي زرع- هذا الماء الطيب، الذي لم يزل إلى يومنا هذا يسقي الحجيج، وهو ماء زمزم، فساكن هاجر في ذلك المكان العمالقة، ولكنهم حين بغوا فيه سلط الله عليهم جُرهم، فقتلوهم قتل عاد وإرم وأخرجوهم منه، ثم حين بغى جُرهم أهلكهم الله أيضاً، وسلط عليهم الذين جاءوا من سد مأرب كخزاعة وغيرهم، ثم لما بغى خزاعة بالحرم سلط الله عليهم قصياً فأخرجهم، واستمر ذلك في زمان الجاهلية كله؛ ولهذا تقول امرأة من قريش لولدها: أبني لا تظلم بمكة لا الكبير ولا الصغير أبني قد جربتها فوجدت ظالمها يبور الله آمنها وما بنيت بساحتها القصور ولقد غزاها تبع فكسا بنيتها الحرير يمشي إليها حافياً بفنائها ألفا بعير والله آمن طيرها والعصم تأمن في ثبير وكان الحكم في الجاهلية والردع عن طريق القوة الباطنية، فلما جاء الإسلام ظهرت القوة الحسية الواقعية، فرفع ذلك العقاب، كما قال ابن عباس: إن العقاب الذي كان يأتي إلى الجاهلية في جاهليتهم كان عقاباً باطنياً، فلما جاء العقاب الظاهري بشرع الله رفع الله العقاب الباطني، فكان الذئب في الجاهلية يطرد الأرنب حتى تدخل الحرم فيرجع ويتركها! واليوم أصبح الناس يتجرءون على معاصي الله في حرمه ويقتلون، ويقومون بأنواع الجرائم، فلا يرون بعض تلك الآيات التي كان يراها أهل الجاهلية؛ وذلك حينما ردع الله بهذا الدين، وبما شرع في كتابه المبين من أنواع الزواجر التي تكفي أهل الإيمان، وتردهم عن الطغيان.

стр. 649

النظرة الموضوعية للاقتصاد تقتضي الاعتدال في التعامل مع المال إن النظرة الموضوعية للاقتصاد تقتضي الاعتدال في التعامل مع هذا المال، فإذا كان الإنسان ينظر إليه وهو يعلم أنه لا غنى له عنه، وأنه عصب الحياة، ولكنه ليس ملكاً له، ولن ينال منه أكثر من رزقه، فإنه سيحاول أن يجعله في يده لا في قلبه. فمستقر المال في النظرة الإسلامية اليد، ومستقره في النظرات الأخرى القلب؛ ولهذا قال رسول الله ﷺ : (ليس الغنى عن كثرة العرض، إنما الغنى غنى النفس)، فتجد الفقير الذي لا يملك ديناراً ولا درهماً غنياً مرتاحاً راضياً بما أوتي، ويتصرف على وفق ما آتاه الله: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ [الطلاق:٧]، وتجد الغني في المال -إذا كان المال في قلبه- إذا فقد منه درهماً واحداً ضاقت عليه الأرض بما رحبت، وينشغل في عمرة تنمية ماله حتى يكون خادماً للدنيا، وكان المفروض أن تكون الدنيا خادمة له، فكثير من الناس هم عباد للدنيا يخدمونها، والدنيا ليست خادمة لهم، إذا جعل الله تحت أيديهم بعض هذه الدنيا كان أذىً عليهم ونكالاً ووبالاً، فهم يعملون لها ليل نهار، ويقضون أوقاتهم الثمينة لخدمتها. وفي المقابل نجد آخرين لم يؤتهم منها إلا القليل، ولكنهم استغلوه لخدمة أنفسهم، فقدموه لآخرتهم، واستعانوا به، واستعفوا به في دنياهم؛ وبذلك سيروه وفق ما أمر الله به، ومن هنا كان جوابهم يوم القيامة جواباً مجدياً، وجواب الأولين جواباً مخزياً، فقد ثبت عن رسول الله ﷺ أنه قال: (لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: عن شبابه فيما أبلاه، وعن عمره فيما أفناه، وعن ماله من أين اكتسبه، وفيما أنفقه، وعن علمه فيما عمل به)، فالمرء سيسأل عن ماله بسؤالين يوم القيامة: من أين اكتسبته؟ هل أخذته من حله؟ ثم بعد ذلك: هل وضعته في محله؟ وهذان السؤالان لا بد أن يجعلهما الإنسان نصب عينيه، وهو يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها، فالناس جميعاً تجار، وهم مفطورون على حب المال، ولكن تفاوتهم في ذلك أن منهم من لا يأخذه إلا من حله، ولا يضعه إلا في محله، ولا يطغى إذا تكاثر عليه، ولا يجزع على ما فاته منه، كما قال تعالى: ﴿لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ﴾ [آل عمران:١٥٣]، ﴿لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾ [الحديد:٢٣]، فلا ينبغي للإنسان أن يحزن على ما فاته منه؛ لأن ذلك سلبي، ويجعله يتحسر، ويتقطع حسرات على أمر غير مقدور، ولا يمكن أن يناله، فيقتطع جزءاً من وقته وتفكيره دون أن يفيده شيئاً، وليس له كذلك أن يفرح بما نال منه؛ لأن ذلك مدعاة للطغيان؛ ولهذا كان قوم قارون ناصحون له حين قالوا له: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ [القصص:٧٧]، فهذا قانون متكامل، يشتمل على أربعة مواد، ينبغي لكل ساع لجمع المال أن يجعلها نصب عينيه: أولاً: أن يبتغي فيما آتاه الله الدار الآخرة. ثانياً: ألا ينسى نصيبه من هذه الدنيا، وحظه منها. ثالثاً: أن يحسن كما أحسن الله إليه، وأن يستشعر مسئوليته تجاه الفقراء حين أغناه الله. الرابعة: (ولا تبغ الفساد في الأرض) فلا يبغي الفساد في الأرض. وهذا إذا حاولنا شرحه فسيطول بنا الحديث، ولن نأتي إلى حقائق يسيرة من معنى هذه الآية القليلة الألفاظ، الكثيرة المعاني. قال الله: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ﴾ [القصص:٧٧] ولم يقل فيها: (وابتغ بما آتاك الله الدار الآخرة) لأن هذا مستوى من الإيمان رفيع جداً، وهو أن يخرج الإنسان كل ما لديه في سبيل الله، وهذا لا يصل إليه إلا الصديقون، ولا يمكن أن يكون قانوناً عاماً لكل الناس، بل قال: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ﴾ [القصص:٧٧]، و (في) للظرفية المقتضية للوسط، فالظرفية تقتضي الوسط، فليس مطالباً بأن ينفق خير ماله، وليس مطالباً كذلك بأن يتيمم أدناه: ﴿وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ [البقرة:٢٦٧]. وقوله: ﴿وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ [القصص:٧٧]، هذا يقتضي من الإنسان أيضاً أن يعلم أن له نصيباً محصوراً قليلاً في هذه الدنيا، حتى لو عاش عمراً طويلاً، فإنه عندما يوضع في قبره سينسى ذلك العمر كله، ويظن أنه ما عاش فيها إلا يوماً أو بعض يوم: ﴿إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا﴾ [طه:١٠٤]، ومن أجل هذا فإن على الإنسان أن يعرف حظه من هذه الدنيا، وأن يعلم أنها ليست له وحده، وأن عليه أن يصلحها ويدعها لمن وراءه، فهو بمثابة الراكب الذي استظل بظل شجرة، فلا ينبغي أن يقطعها ولا أن يفسدها حين ينهي غرضه منها، بل يتركها لمن يستظل، وإذا رجع مرة أخرى استفاد منها. وهذا المثال النبوي عجيب جداً أيضاً، فإن الرسول ﷺ ضرب لنا المثل فقال: (ما لي وللدنيا، إنما أنا كراكب استظل تحت شجرة)، الراكب إذا رأى الشجر ينبغي أن يختار خيره، وأبلغه ظلاً، وأنظفه مكاناً؛ لأنه يختار لنفسه المكان الملائم المناسب، ولكنه مع ذلك لا يتعب تعباً شديداً في استصلاح هذا الظل، ولا الاستقرار فيه، فهو يعلم أن الظل سريعاً ما يتحول وينقلب، ويعود الفيء إلى المشرق، ثم تغرب الشمس، وحينئذ يزول الظل: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا * ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا﴾ [الفرقان:٤٥ - ٤٦]، كذلك فإن الراكب إذا استظل بظل شجرة، فكثيراً ما تكون بعد ذلك ذات ظل دائم لمن يأتي بعده؛ لأن العرب يقولون: ولن تُصادفَ مَرْعىً ممْرِعاً أبداً إِلا وَجَدْتَ به آثارَ مُنْتَجِعِ فالمكان الذي يستظل الناس به عادةً سيكون مطروقاً ويستظل الناس به، وإذا رحلت عنه قافلة عادت إليه أخرى؛ وقد جاء في الحديث: (لعن الله من غير منار الأرض) والمقصود بذلك: أن من يقطع الأشجار التي هي معالم في الأرض، أو يغير الطرق والسبل، يؤدي بعمله ذلك إلى إتلاف وإفساد في الأرض، فهو ملعون على لسان محمد ﷺ .

стр. 650

واجب الأغنياء نحو الفقراء قال الله: ﴿وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ [القصص:٧٧]، إن على الأغنياء أن يستشعروا أن الله هو الذي قسم هذه الأرزاق، ولم يقسمها على أساس عقل، ولا على أساس علم، ولا على أساس جاه، ولا على أساس قوة بدن، وإنما قسمها لحكمة، وجعلها امتحاناً ومسئولية، فمن آتاه الله هذا المال فعليه مسئولية عظيمة تجاه الفقراء، خاصة إذا جعل الله أرزاقهم تحت يديه، وولاه عليهم، واستخلفه على أرزاقهم، فهو سبيل من سبل الخير، وطريق من طرقه، إما أن يستكثر وإما أن يستقل. ولهذا فإن الذين جعل الله أرزاق الناس تحت أيديهم إن أحسنوا نالوا أجور كل من انتفع بما تحت أيديهم من المال، وإن أساءوا فإنه سيكتب عليهم أوزار أولئك الذين منعوهم ما يستحقون، وحالوا بينهم وبين ما خلق الله لهم، وهذا يبين أصلاً شرعياً كبيراً ينبغي أن يدخل فيه كثير من القواعد، فمن أجله حرم الله الربا، ومن أجله حرم الله الاحتكار، ومن أجله حرم الله الإسراف، ومن أجله حرم الله الغش والخيانة، ومن أجله حرم الله الجهالة في البيع، ومن أجله حرم الله المكوس وغير ذلك من أنواع الإفساد في الأرض. فهذه الأصول ما حرمت إلا من أجل المسئولية التي هي على الأغنياء تجاه الفقراء، وإذا استشعروها فإنهم سيستصلحون المال لا لأنفسهم، بل سينفقون على عدد كبير من الناس، وسيزداد التكافل بذلك بين الناس، ومن أجل هذا شرع الله الزكاة في المال، وجعلها واجبة على الأغنياء، تؤخذ منهم وترد على فقرائهم، وهي حق في المال نفسه، وشرع كذلك حقوقاً أخرى في المال، ففي المال حق غير الزكاة كما صرح رسول الله ﷺ بذلك، وذكر من تلك الحقوق: أن يحتلب الناس من ضروع مواشيه إذا أوردها على المياه، ومن هذه الحقوق: الصدقة من الزرع إذا بدا صلاحه كقوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأنعام:١٤١]، وهذا الحق الذي يجب يوم الحِصاد، قال أكثر المفسرين: هو غير الزكاة الواجبة؛ لأن الزكاة ليست واجبة في يوم الحصاد بعينه، وهذا حق زائد عليها، وهو صدقة شكر على ما أخرج الله لنا من الثمرات.

стр. 651

التكافل الاجتماعي في المجتمع المسلم هذا وإن مشروعية الصدقات الأخرى والتكافل الاجتماعي المطلق، به يتم الاتصال بين البشرية، وترتبط الوشائج كالصداق بين الرجل والمرأة، وكالنفقة الواجبة بين الوالد وولده، والزوج وزوجته، والمملوك ومالكه، فهذه النفقات كلها تدخل في إطار هذا التكافل الاجتماعي الذي هو من المسئولية المالية. وكذلك الحق العام في المال؛ فإن في المال حقاً عاماً للأمة كلها، يؤخذ إما بطريق التبرع، وإما بطريق التقويم والتقدير، كذلك فإن من موارد التكافل الاجتماعي ومن أوجهه المطلوبة، ما بينه الشارع في أن الأغنياء عليهم أن يشاركوا بأموالهم في إعلاء كلمة الله تعالى، وإعزاز دينه، وهذا يشمل إنفاقهم في الجهاد في سبيل الله وغزو العدو، وإنفاقهم كذلك في تعلم العلم وفروض الكفايات، وإقامة الجسور والمساجد والمستشفيات وغير ذلك من أنواع المصالح التي يحتاج الناس إليها، وكانت هذه المشاريع في صدر الإسلام فردية، يقوم بها بعض الأفراد، فيقيمون المدارس من تلقاء أنفسهم، ويجعلونها أوقافاً، ويقفون عليها الحوانيت والمزارع، فيضمن ذلك بقاءها واستمرارها وحريتها، وبهذا الوقف خرج العلماء الأفذاذ الكبار؛ لأنها عاشت -أي: الأوقاف- في جو من الحرية، يضمن لها الاستمرار، وعدم التدخل في قراراتها. أما حين أخذت أوقاف المدارس، وأصبحت مؤسسات تابعة للدول، فإنها عاشت في أحضان العبودية، وفقدت أنفاس الحرية، ومن أجل هذا لم تخرج العلماء، وإنما أصبحت مؤسسة من مؤسسات النظام الفاسد، فالأزهر كان مؤسسة حرة، ينفق عليه من الأوقاف التي وقفها عليه تجار المسلمين في قرون طويلة، وقد أخرج عدداً كبيراً من العلماء، واستفادت منه أمة محمد ﷺ عدة قرون؛ وحين جاء عبد الناصر أمم أوقافه وأخذها لصالح الدولة، أصبح الأزهر ينفق عليه من ميزانية الدولة، وأصبحت الدولة هي التي تعين فيه وتعزل، وتضع له المناهج والبرامج؛ فتوقف دوره، وتوقف عطاؤه، ولم يخرج ما كان يخرجه من العلماء، وكذلك في البلدان الأخرى المختلفة. وهكذا المستشفيات كان الأفراد والتجار يقومون ببنائها، ويتطوعون بها لصالح الأمة، ويوقفون عليها الأوقاف ذات الريع المستمر، فتستفيد الأمة من ذلك، واستمر هذا زماناً طويلاً في أمة محمد ﷺ ، وعاش الناس فيه بخير، حتى حصل تعميمها، ورجعت إلى مؤسسات مملوكة للقطاع العام، ليس وراءها عناية ولا صيانة، ولا يرصد لها مال مخصص، أو أصبحت أملاكاً للقطاع الخاص، وفي مجال التنافس لم يعد يسيرها روح الإنسانية والتكافل، فأصبحت مكاناً لكسب المال والتنافس في جمعه. وقد كان الناس قديماً يجتهد أحدهم في أن يبني مسجداً أو مدرسة أو مارستاناً -والمارستان هو المستشفى- وفي ذلك يقول أحد الشعراء يمدح أحد العلماء: أنشأت مدرسة ومارستاناً لتصحح الأديان والأبدانا فالمدرسة لتصحيح الأديان، والمارستان لتصحيح الأبدان. وكذلك من أوجه التكافل الديات التي تدفعها العواقل، فإن الخطأ ليس من كسب الإنسان، وليس من طاقته التخلص منه، ولو حمل عليه لنقص إنتاجه، وقصرت به أفكاره عما ينتج لصالح هذه الأمة. فلو كان الإنسان يسوق سيارته فحصل حادث من غير قصد منه، فمات به عدد من الناس، وكلف هو بدياتهم أجمعين؛ لترك الناس قيادة السيارات، وتوقفت الكثير من المشاريع النافعة، وكذلك لو أن الإنسان كان يعلم أنه إذا بنى مبنىً، وانهدم في أثناء بنائه من غير قصد منه، ودفع ديات المتأثرين به؛ لتوقف الناس عن البناء، وتعطلت منافع كثيرة للبشرية، وكذلك في الحفر، وكذلك في استخراج المعادن، وغير ذلك من أنواع المشاريع النافعة. فلتشجيع الناس على هذا، جعلت هذه العواقل هي التي تتحمل ديات الخطأ سواء كان ذلك في الأنفس أو في المنافع أو في العظام والشجاج. وكذلك الدواوين التي تقوم مقام العواقل، فالحضارة منافية للقبلية التي هي نظام بدوي في الأصل، والحضارة تجتمع فيها القبائل، وتختلط فيها الأعراق، وتقف فيها العصبية القبلية، فمن أجل هذا احتيج فيها إلى بديل عن العواقل، فأنشأ عمر بن الخطاب ﵁ بإجماع من الصحابة الدواوين، التي أصبح أهل كل مهنة يدفعون فيها الدية تكافلاً فيما بينهم، فالشرطة يدي بعضهم عن بعض، والجيش يدي بعضهم عن بعض، والمعلمون يدي بعضهم عن بعض، والأطباء يدي بعضهم عن بعض وهكذا، فهذا عندما يزول النظام القبلي، وتختلط الحضارة، وتنتفي العصبيات. هذه الأوجه للتكافل والتكامل بين البشرية ينبغي ألا يغفل عنها، وأن تدعم وتقوى في حياة البشرية؛ حتى يعرف من أين يؤتى بهذا المال؟ وفيما ينفق؟

стр. 652

الإسراف وخطورته ثم إن على الإنسان ألا يسرف؛ ولهذا قال: ﴿وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ﴾ [القصص:٧٧]، فالفساد في الأرض يتناول الإسراف في النفقات؛ لأن الإنسان له طاقة وله حاجة، فعليه أن يقارب بين حاجته وبين ما يستغله، فما يحتاج إليه لا ينبغي أن يكون أكثر مما ينتجه، وإذا كان ينتج الكثير، فإن عليه ألا يزيد في احتياجاته، وأن يرشد تلك الاحتياجات؛ لأن من البشرية قوماً لا ينتجون أصلاً، وهو يقوم عليهم بمقابل ذلك. ومن هنا فإن الله أخبر عن نفسه أنه لا يحب المسرفين؛ ولذلك يقول الناظم: والسرف السرف إن السرفا عنه نهى الله تعالى وكفى ولا يحب المسرفين كافي في كف كفك عن الإسراف

стр. 653

دخول الإسراف في أعمال البر وقد اختلف العلماء في الإسراف هل يدخل في أعمال البر أو لا؟ وأجمعوا أنه يدخل في أمور الدنيا كلها، فذهبت طائفة منهم إلى أن السرف يدخل حتى في أعمال البر، فالذي يتصدق بكل ماله، إذا كان يعلم حاجته إليه ولم يكن له تدبير يعوض به ما أنفقه فهو مسرف، واستدلوا على هذا بأن رسول الله ﷺ حين بلغه أن ثابت بن قيس بن شماس جذ نخله فتصدق بثمرته كلها، ولم يستبق منها تمرة واحدة يفطر عليها، غضب رسول الله ﷺ غضباً شديداً عند ذلك، فهذا دليل على أن الإسراف في مثل هذه الأمور غير محمود شرعاً. فعلى الإنسان أن يترك ما ينفق به على أهله، وقد ثبت في الصحيحين من حديث سعد بن أبي وقاص ﵁ أنه مرض بمكة، فأتاه رسول الله ﷺ يعوده فقال: (يا رسول الله! إني ذو مال ولا يرثني إلا بنية لي، أفأتصدق بمالي كله في سبيل الله؟ قال: لا، أمسك عليك بعض مالك، فقال: أفأتصدق بثلثيه؟ قال: لا، قال: أفأتصدق بشطره؟ قال: لا، قال: أفأتصدق بثلثه؟ قال: نعم، والثلث كثير، إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس، ولعلك أن تخلف حتى ينتفع بك أقوام، ويضر بك آخرون، فقلت: يا رسول الله! أخلف بعد أصحابي، فقال: إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت عليها، حتى ما تجعل في فيّ امرأتك)، فعاش سعد بعد هذا زماناً، وورثه اثنا عشر ولداً لصلبه، وخرج من ثلث ماله في سبيل الله عدة مرات بعد ذلك. وهذا يقتضي منا ألا نتعجل في تصدقنا، وأن يكون تصدقنا متزناً، فالإنسان آتاه الله تعالى ثلث ماله عند حضور أجله يمكن أن يوصي به، حتى في حال مرض الموت، ففي الحديث: (إن الله قد أعطاكم ثلث أموالكم عند موتكم تتصدقون به)، وهذا هو الوصية، والوصية لا تزيد عن الثلث، فلا يجوز للإنسان أن يوصي بأكثر من ثلث ماله.

стр. 654

أضرار الإسراف في المطاعم والمشارب السرف يكون أيضاً في المطاعم والمشارب ونحوها مما يقتضي مضرة بالبدن، وهذه المضرة أنواع، فما من شيء فيه منفعة وإلا وفيه نوع آخر من أنواع الضرر، فالماء فيه منافع لا تحصى، ومع ذلك فيه مضار؛ فإنه يقتضي نقصاً لبعض إفرازات المعدة التي يحتاج إليها الإنسان في هضم غذائه؛ وكذلك غيره من أنواع المشروبات، وأنواع ما يستعمله الإنسان في نفسه، فإذا زاد عن الحاجة أو تمحض وحده أضر. ومن هنا؛ فإن كثيراً من الأمراض المعروفة اليوم سببها الغذاء: كالمرض السكري، فهو ناشئ عن الإسراف في النشويات، وكمرض القلب فهو ناشئ عن الإسراف في الدهنيات، وكمرض الكلى فهو ناشئ عن الإسراف في المآكل ونقص المشارب، وكذلك أنواع الأمراض الأخرى كبعض الأمراض الجلدية فهي ناشئة عن الإسراف في استعمال السكر مثل البرص والبهق وغيرها، وكذلك بعض الأمراض تنشأ عن الإسراف في استعمال الأملاح، وبعضها ينشأ عن الإسراف في استعمال السوائل كالترهل، وهو السمنة الزائدة، فإنها تنشأ من استعمال السوائل والإسراف فيها أكثر من الحاجة، فتقتضي الاتساع في البطن، فإذا أكثر الإنسان وأسرف فيها تضخم بدنه، فكان ذلك مرضاً من الأمراض؛ لأنه يضعف قواه، ويؤدي إلى احتكاك مفاصله، وتوقف أماكن النمو في بدنه، وكثيراً ما يؤدي إلى أمراض كثيرة. كذلك الحركات: فالإسراف فيها يقتضي بعض الأمراض، فالإسراف في الرياضات يقتضي المرض في الغضروف الذي يحول بين فقرات الظهر، فيتمطط ويتمدد. وكذلك الإسراف في المشي يقتضي أمراضاً في الركب، كالاحتكاك والاحتقان وغيره. فالإسراف مضرة أياً كان هذا الإسراف. وكذلك الإسراف في الملابس، فإنه أيضاً يقتضي مضرة، فزيادة ثقلها فيه ثقل دائم على الإنسان، ووزن زائد على وزنه، والإنسان ذو طاقة محددة، عليه ألا يزيد وزنه عليها، وألا تزيد حمولته الدائمة عليها. ومن هنا فإن كثيراً من الأمراض ينشأ عن عدم الاعتدال في النعلين، فيكون الإنسان يسير سيراً غير مستقيم، إحدى رجليه أرفع من الأخرى، فيصاب بمرض ونقص للتوازن بسبب ذلك؛ لأن سرعة الدم في أحد الشقين ستكون أبلغ من سرعته في الشق الآخر، فيؤدي هذا كثيراً إلى بعض السرطانات، وبالأخص سرطان الدم وغيره، وقد حصل في إحدى الشركات التي كانت تصنع النعال في الولايات المتحدة الأمريكية أن أقيمت عليها دعوة في المحاكم، بسبب أن نعالها لم يكن مبالغاً في وزنها من ناحية المقاس، فرفعت عليها دعوى أدت إلى إفلاسها، وأخذ أموالها. إذاً هذا يقتضي منا عدم الإسراف مطلقاً، ويذكر العلماء أن الإسراف في القراءة مقتض لأمراض بدنية، واختلال في القوة العقلية. والقوة العقلية وغيرها من القوى وزنها الله على حسب بدن الإنسان، وعلى حسب روحه، فإذا زادت اختل توازنه، فكثير من الناس يريد زيادة العقل ويتمنى ذلك، لكنه لا يعلم أنه لو زيد عقله لاقتضى ذلك اختلالاً فيه؛ لأن الله وزنه على هذا الميزان، وقدره على هذا التقدير؛ ولذلك يقول الله : ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى * الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى﴾ [الأعلى:١ - ٢]، فهذا التقدير العجيب تقتضيه حكمة الله ، وهو الاعتدال العجيب في خلقة الإنسان، فلا بد أن يكون الذراعان على حجم واحد، واليدان على حجم واحد، والأذنان كذلك، والعينان كذلك، والرجلان، والساقان، والفخذان وهكذا، حتى يتم قوام الإنسان، وما شذ عن هذا كان عيباً في الخلقة وضعفاً.

стр. 655

أركان الإيمان لقد أوجب الله على عباده أركان الإيمان الظاهرة والباطنة، ولا يقبل من العبد الإسلام بدون العمل بالإيمان وأركانه كما بينها الله في كتابه والنبي ﷺ في سنته، فيجب الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر خيره وشره، فتلازمه مع مراتب الدين الأخرى عظيم، وأثره كبير في قلب المؤمن وجوارحه وحياته كلها.

стр. 656

تعريف الإيمان بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين, وأصلي وأسلم على من بعث رحمة للعالمين, وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين. أما بعد: فإن موضوعنا عن الإيمان الذي شرطه الله تعالى على عباده، وأرسل الرسل من أجله، فقال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة:٥] , ومن أجله يعرف الله ، وتعرف كتبه ورسله، ومن أجله يؤمن الشخص بقضاء الله وقدره النافذ، ومن أجله يؤمن باليوم الآخر والبعث بعد الموت.

стр. 657

تعريف الإيمان لغة إن الإيمان في اللغة يطلق على إطلاقين: أحدهما: معدى بالباء. والآخر: معدى باللام. أما المعدى بالباء فمعناه: التصديق الجازم الذي لا يقبل الشك والذي يحض على العمل. فالتصديق غير الجازم لا يسمى إيماناً، والتصديق الجازم الذي يقبل الشك لا يسمى إيماناً، والتصديق الجازم الذي لا يقبل الشك إذا لم يترتب عليه عمل لا يسمى إيماناً. الإطلاق الثاني: المعدى باللام، وهو التصديق الجازم، فالتصديق الجازم فقط يقال له: الإيمان لكذا. وأما التصديق الجازم الذي لا يقبل الشك ويقتضي العمل فهو الذي يعدى بالباء فيقال: الإيمان بكذا. فمن الأول قول الله تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ﴾ [البقرة:٢٨٥] , فالرسول ﷺ آمن بما أنزل إليه من ربه، فصدق تصديقاً جازماً لا يقبل الشك، ويحض على العمل بما أنزل إليه من ربه؛ لأنه لا يمكنه أن يتردد لحظة في صدق ما جاءه؛ لأن الوحي ليس كالخبر وليس كالمشاهدة، فقد يشاهد الإنسان أمراً بعينه ثم يشك فيه بعد ذلك للتقادم، أو لطول الزمن، أو لقصور في النظر، أو لوجود عدد كبير من الناس يخبر بخلاف ما رأى فيتراجع عما رآه ببصره، وكذلك قد يسمع الشيء بأذنه ويجزم به في وقت معين، ثم يتزلزل ذلك الجزم بسبب طول الزمان، أو بسبب النسيان، أو بسبب مناقشة أدت به إلى أن يقلد الآخرين ويقدم سماعهم على سماع نفسه. وسبب ذلك القصور في الجوارح، فالبصر جارحة من جوارح ابن آدم الحادث المخلوق، وهي جارحة قاصرة، ومن أجل هذا القصور فإنك ترى الشيء القريب منك في حجم معين، وكلما ابتعد صغر عنك، ترى الإنسان القادم من بعيد وهو صغير في حجمه، وكلما اقترب ازداد حجمه حتى يصل إلى مستواه الذي يجزم به البصر، وإن كان هذا المستوى غير مقطوع به، فيدك هذه إذا اقتربت من عينك غطت عن الرؤية، وإذا ابتعدت صغرت، وكلما ابتعدت ازدادت في الصغر، وهذا يقتضي منك الشك في المرئيات؛ لأنك لا يمكن أن تجزم جزماً حقيقياً بأن الحجم الحقيقي للأشياء هو ما تراه لحصول التذبذب حسب المسافة. ومن هنا فنحن نرى الشمس قرصاً صغيراً يتصور الإنسان أنه بالإمكان أن يضعها في يده، والواقع أن الأرض كلها أقل من ربع مساحة الشمس، وكذلك نرى الكواكب السيارة الكبيرة في هذا الحجم الصغير في حجم شعلة النار أو في حجم المقباس، والواقع أن حجمها أضعاف حجم الأرض، فكل هذا يدلنا أن المرئيات المحسوسة بعلم الحادث كلها قابلة للشك، فلا يمكن أن يقول الإنسان: آمنت بأن فلاناً جالس بين يدي؛ لأن الإيمان لا بد أن يكون يقيناً لا يقبل الشك ولا يتزلزل، وينبنني عليه عمل. وكذلك الحقائق العلمية لا يمكن أن يؤمن بها الإنسان، بمعنى: أن يجزم بها جزماً لا يقتضي الشك، بإمكان التذبذب فيها والزوال، لا يمكن أن يقول الإنسان الآن: آمنت بكروية الأرض -مثلاً-؛ لأن هذا لم ينزل به الوحي، وإنما هو راجع إلى مشاهدات قد تكون خطأً وقد تكون صواباً، فلذلك تقيد الإيمان المعدى بالباء بهذا اليقين. الوحي ليس مأخوذاً عن طريق السماع ولا عن طريق البصر، وإنما: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنْ الْمُنذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء:١٩٣ - ١٩٥] , فلا يمكن أن يتشكك الرسول ﷺ فيما يوحى إليه من ربه، فأنت يمكن أن تشك فيما حدثك به إنسان أو رأيته أو سمعته، لكن ما نزل به الوحي لا يمكن أن يقع فيه الشك، ومن هنا قال: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ﴾ [البقرة:٢٨٥]. أما الإطلاق الثاني -وهو تعدية الإيمان بالله باللام بمعنى التصديق الجازم الذي يقبل الشك- فمنه قول الله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾ [يوسف:١٧] , فإخوة يوسف ﵇ وعليهم عندما قدموا بالمكيدة إلى أبيهم يعقوب ﵇ وأتوه بدم كذب وزعموا أن الذئب قد أكل يوسف ﵇ قالوا: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾ [يوسف:١٧] , فلو كنت تجزم بصدقها فإنك لا تصدقنا بذلك، ومعنى الإيمان هنا التصديق الجازم الذي يقبل الشك؛ لأنه عدي باللام ولم يعد بالباء، فلم يقولوا: وما أنت بمؤمن بنا ولو كنا صادقين. بل قالوا: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾ [يوسف:١٧]. ومثل هذا قول الله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة:٦١] , فـ (يُؤْمِنُ بِاللَّهِ) هذا التصديق الجازم الذي لا يقبل الشك ويقتضي العمل، (وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ) معناه: يصدقهم فيما يقولون. وهذا هو التصديق الجازم، لكنه مع ذلك يقبل الشك؛ لأن شهادة العدل -مثلاً- الأصل فيها أنها تفيد علماً، ولكن هذا العلم غير يقيني، ومن هنا اختلف أهل الحديث في الحديث الصحيح الذي رواه العدل الضابط عن مثله إلى منتهاه دون انقطاع ولا شذوذ ولا علة، هل هو يقتضي اليقين الجازم أو لا يقتضيه؟ فجمهورهم على أنه لا يقتضي القطع، وهذا الذي عليه أهل المصطلح وجمهور أهل الحديث، وخالف في ذلك بعض الأصوليين فزعموا أن ما صح إسناده لزم الجزم به، سواءٌ أكان من أخبار الآحاد أو كان من المستفيض المشهور.

стр. 658

تعريف الإيمان في الاصطلاح الشرعي ومن هنا نصل إلى تحديد مفهوم الإيمان في الاصطلاح بعد أن حددناه في اللغة، فنقول: إن الإيمان في اصطلاح المتشرعين من المسلمين يطلق على إطلاقين: فيطلق على الدين الذي جاء به محمد ﷺ من عند الله تعالى الذي ينجي صاحبه من عذاب النار، ويكون وسيلة لدخول الجنة، هذا هو تعريف الإيمان بمعناه العام الذي يشمل عمل القلب وعمل الجوارح، ويمكن أن نعرفه تعريفاً إحصائياً فنقول: هو التصديق بالجنان، والنطق باللسان، والعمل بالأركان، الذي يزيد بالطاعات وينقص بالعصيان. فـ (التصديق بالجنان) معناه: بالقلب. و (النطق باللسان) أي: بالشهادتين، و (العمل بالأركان) معناه: بالجوارح، وهو الصلاة والزكاة والصوم والحج. (الذي يزيد بالطاعات) فالإيمان يزيد بالطاعات، فكلما ازدادت طاعته ازداد الإيمان، (وينقص بالعصيان)، فكلما وقع الشخص في معصية نقص إيمانه بقسط تلك المعصية، وهذا التعريف هو الذي عليه جمهور سلف هذه الأمة. وقد خالف فيه بعض التابعين من أهل العراق، منهم حماد بن أبي سليمان شيخ أبي حنيفة ﵏، وكذلك أبو حنيفة النعمان بن ثابت بن زوطي التيمي، وكذلك عدد من الذين يلونهم، ومنهم: أبو الحسن الأشعري علي بن إسماعيل ﵀، وكذلك منهم أبو منصور الماتريدي ﵀، فكل هؤلاء يرون أن الإيمان إنما يطلق على عمل الجنان فقط، على الاعتقاد بالقلب فقط، وأن الأعمال لا تدخل في مسماه، وهذا هو الإطلاق الثاني للإيمان.

стр. 659

حقيقة الخلاف في دخول العلم في مسمى الإيمان وما ينبني عليها واختلف هل هذا الخلاف حقيقي أو صوري؟ على قولين لأهل العلم: القول الأول: أنه خلاف حقيقي؛ لأنه ينبني عليه مسائل عقدية، منها قضية الإرجاء، فمن مات وهو يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ولكنه لم يصل ولم يزك وباشر الفواحش فما مصيره؟ هل هو إلى جنة أو إلى نار؟ فمذهب جمهور أهل العلم أنه صائر إلى الجنة بإيمانه؛ لأن كل من مات وهو يشهد أن لا إله إلا الله فمصيره الجنة، سواءٌ عذب في القبر أو دخل النار، فإن مكث ملايين السنين في النار لا بد أن يخرج منها بإيمانه ويدخل الجنة، فالله تعالى يدخل النار من شاء بسبب معصيته، ويخرجه منها بإيمانه، لكن من مات وهو يشهد أن لا إله إلا الله لا يخلد في النار أبداً، وهنا يعلم أن الأعمال مكملة لهذا الإيمان وزائدة في مفهومه، ومرسخة له. كذلك من المسائل المبنية على هذا الخلاف مسألة زيادة الإيمان ونقصه، وقد اختلف فيها أهل العلم على ثلاثة أقوال: القول الأول: الإيمان يزيد وينقص مطلقاً. وهذا المذهب هو الذي عليه جمهور أهل العلم، وهو الذي عقد له البخاري كتاب الإيمان في صحيحه، فذكر أنه يزيد وينقص، واستدل لذلك بالآيات الواردة في زيادة الإيمان في القرآن، مثل قول الله تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَاناً فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [التوبة:١٢٤] , وكذلك قول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ﴾ [محمد:١٧] , وكذلك قوله تعالى حكاية عن إبراهيم ﵇: ﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة:٢٦٠] , وكذلك قوله تعالى: ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَاناً مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ [الفتح:٤] , وغيرها من الآيات التي فيها التصريح بزيادة الإيمان، وزيادته تقتضي نقصه؛ لأن الشيء الذي يزيد معناه أنه يقبل النقص أيضاً. القول الثاني: الإيمان لا يزيد ولا ينقص. وهذا القول يقول به طائفة من الفقهاء يسمون (مرجئة الفقهاء)، وهو مخالف لما عليه جمهور أهل السنة والجماعة من لدن التابعين إلى زماننا هذا، فهؤلاء يرون أن الإيمان لا يقبل الزيادة والنقصان، وإنما هو الجزم بالقلب، فما كان يقبل الزيادة والنقصان فإنه متذبذب لم يصل إلى حد الثبات المطلوب في الإيمان، وهؤلاء الطائفة يؤولون هذه الآيات التي فيها زيادة الإيمان فيقولون: المقصود بها زيادة ما يؤمن الإنسان به، فعندما أنزلت سورة العلق مثلاً: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق:١ - ٥] أول ما نزل من القرآن هذه الآيات من سورة العلق، ففي وقتها لم يكن يشترط على أهل الأرض إلا الإيمان بهذه الآيات فقط، فما لم ينزل من القرآن لا يجب عليهم الإيمان به، وكلما ازدادت سورة ونزلت سورة جديدة تزداد أفراد ما يلزم الإيمان به، حتى اكتمل القرآن فاكتمل الإيمان به، واكتملت السنة فاكتمل الإيمان بها، وهكذا. ومن هنا فإن الذين صحبوا رسول الله ﷺ في بداية الإيمان وماتوا قبل أن تكتمل الواجبات، كـ خديجة بنت خويلد ﵂، فهي أول من صدق برسول الله ﷺ من النساء ومن الناس عموماً، ومع ذلك ماتت قبل فرض الصلاة، فلم تصل ولم تصم ولم تزك، هذه الفرائض تجددت بعدها، لكن لا يقتضي هذا نقصاً في إيمانها؛ لأن الإيمان الموجود هو ما قامت به، والذي كان موجوداً قد حققته وأتمته على أكمل الوجوه. وكذلك الذين ماتوا بالمدينة قبل الهجرة ودفنوا إلى غير القبلة، فبعد الهجرة بسبعة عشر شهراً ورسول الله ﷺ يصلي إلى الشام، هؤلاء الذين ماتوا إذ ذاك دفنوا إلى غير جهة القبلة؛ لأنهم دفنوا إلى الشام، فلذلك تشكك الناس فيهم كما في حديث البراء بن عازب ﵁ في الصحيحين، لكن الواقع أنهم ماتوا على الإيمان وقد استكملوا ما نزل من الإيمان إذ ذاك، وما تجدد منه لم يكن تكليفاً لهم؛ لأنهم قد ماتوا قبل أن ينزل. فهذا قول هذه الطائفة. ولهم قول آخر في تأويل زيادة الإيمان المذكورة في الآيات، فقالوا: المقصود بزيادة الإيمان زيادة لازم الإيمان لا زيادته. ولازمه هو شرطه وهو العمل، فالعمل شرط في الإيمان وليس شطراً فيه عندهم، لكن هذه التأويلات لا يحتاج إليها، فالأصل أن تبقى الآيات على فهمها الصحيح، وأن هذه الأعمال داخلة في مسمى الإيمان، وأنه يزيد وينقص. القول الثالث في زيادة الإيمان ونقصه قول مروي عن الإمام مالك رحمه الله تعالى، وهو أن الإيمان يزيد ولا ينقص، قول بالتفصيل، ونحن ذكرنا القول الأول أن الإيمان يزيد وينقص. وهذا القول يرى قائله أن الإيمان يزيد ولا ينقص, وسبب هذا القول أن الله تعالى ذكر في القرآن زيادة الإيمان ولم يذكر فيه نقصه، فلم يرد في القرآن ذكر لنقص الإيمان، وجاء فيه التصريح بزيادة الإيمان في عدد من الآيات، ومبنى الاعتقاد على التسليم المطلق، اعتقاد لا يرجع فيه إلى العقول المحضة؛ لما ذكرناه من أن الإيمان لا بد أن يكون جازماً لا يقبل الشك، وما أخذ عن طريق الجوارح يقبل الشك، فلذلك قال مالك ﵀: إن زيادة الإيمان ثابتة بالنص، ونقص الإيمان مفهوم بالعقل، وما كان وارداً بالنص فهو الاعتقاد، وما كان مأخوذاً بالعقل لا يجعل عقيدة يلزم بها الناس، فهذه رواية عنه، وإن كانت الرواية التي اشتهرت عن الإمام مالك ﵀ موافقة لمذهب جمهور العلماء من أن الإيمان يزيد وينقص، وهي الراجح إن شاء الله تعالى. والقول الراجح من هذه الأقوال الثلاثة هو أن الإيمان يزيد وينقص؛ لأن الزيادة مقتضية للنقص.

стр. 660

الإيمان بالله أما أركان هذا الإيمان فهي ما بينه الرسول ﷺ لجبريل حين سأله فقال: (أخبرني عن الإيمان؟ فقال: أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره)، وفي رواية: (بالله، ولقائه، وكتابه، والبعث بعد الموت)، ولقاؤه هو الموت، والبعث بعد الموت من اليوم الآخر، لكن لقاؤه والبعث بعد الموت كلاهما داخل في مسمى اليوم الآخر؛ لأن الموت من أمور الآخرة وليس من أمور الدنيا؛ لأنه انتقال من حال إلى حال، وتحول من دار إلى دار: (وإذا مات ابن آدم فقد قامت قيامته). وكذلك لقاء الله، وهو العرض عليه الذي بينه الله تعالى في كثير من الآيات، ومنها قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا﴾ [الأنعام:٣٠] , وقوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾ [الحاقة:١٨] , فهذا العرض داخل في اليوم الآخر. فهذه الأركان الستة تقتضي منا تفصيلاً، وهو ما سنحاول الإلمام بما تيسر منه فيما يأتي. الركن الأول من أركان الإيمان: الإيمان بالله. والإيمان بالله هو الذي يسمى توحيداً، والتوحيد يغلط فيه كثير من الناس، فيظنون أنه من التفعيل بمعنى: التصيير؛ لأن (فَعَّل) ترد في اللغة بمعنى: (صَيَّر)، مثل: (كَبَّرتََ الشيء) أي: جعلته كبيراً. و (ضَخَّمتهُ) معناه: جعلته ضخماً. و (صَغَّرته) معناه: جعلته صغيراً. و (صَغَّرتْ هذا الاسم) معناه: نطقت به على هيئة تصغير، ولكن التوحيد مخالف لهذا، فمعناه: اعتقاد أنه واحد. وليس معناه تصييره واحداً، فهو واحد، والتوحيد ينقسم إلى ثلاثة أقسام: توحيد لله في ربوبيته. وتوحيد له في إلاهيته. وتوحيد له في أسمائه وصفاته، فهذه ثلاثة أقسام هي معنى الإيمان بالله.

стр. 661

توحيد الله في أسمائه وصفاته أما التوحيد الثالث فهو توحيد الله تعالى في أسمائه وصفاته، فإن الله : ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام:١٠٣] , ولا يمكن أن يشبه شيئاً ولا أن يشبهه شيء، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] , فلا يمكن أن يعرف بالعيان ولا بالمثال، فلم يبق إلا معرفته بما وصف به نفسه ووصفه به رسوله ﷺ ، والاستدلال عليه بمخلوقاته، وفي هذا يقول العلامة محمد بن فارع المتالي رحمه الله تعالى: وطرق المعرفة الكبار عيان أو مثال أو آثار فأول منعه الجبار إذ قال لا تدركه الأبصار والثاني أيضاً منعه في النقل لأنه ليس له من مثل لم يبق بعد ذا سوى آثار صنعته في العالم السيار فهذا الدليل الباقي على معرفته، فالله أثنى على نفسه بكثير من الصفات، وأثنى عليه رسوله ﷺ كذلك بكثير منها، ولا أحد أعلم بالله من الله، وبعد ذلك لا أحد أعلم به من رسوله ﷺ ، كما قال رسول الله ﷺ : (إن أعلمكم بالله وأخشاكم لله أنا) , فإذا أخبر عن نفسه بصفة وجب الإيمان بذلك وتصديقه ومعرفة أن تلك الصفة واجبة لله، وإذا أخبر عنه رسوله ﷺ بشيء وجب الإيمان بذلك، وتصدق الرسول ﷺ فيما جاء به من ذلك. ومع هذا يجب أن نعلم أنه لا يمكن أن يكون لصفات الله أي مثال في عالم الحوادث، فشتان بين الخالق والمخلوق، لكن لا يخفى علينا أيضاً أن الأسماء قد تشترك، فقد تكون الصفة التي يتصف بها الله يستمي بها المخلوق، فيتسمى بهذه الصفة المخلوق، لكن لا علاقة بين الصفتين إلا في الاسم فقط، فعلم الله يطلق عليه لفظة العلم، وعلم المخلوق يطلق عليه لفظة العلم، لكن شتان بين العلمين، فعلم المخلوق قال الله تعالى عنه: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ [الإسراء:٨٥] , والله هو علام الغيوب: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام:٥٩]. كذلك وجه الله يطلق عليه هذا اللفظ (الوجه)، ووجه المخلوق يطلق عليه (وجه)، لكن شتان بين الأمرين، شتان بين الخالق والمخلوق، ومثل ذلك ما نسميه ذاتاً، فنحن نقول: ذات الله، وذات المخلوق. لكن شتان بين الأمرين، فنحن لا نعرف من الذوات إلا ذوات المخلوقين، وذات الله هي نفس الله التي سماها في القرآن (نفساً) في قوله حكاية عن عيسى ﵇: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ [المائدة:١١٦] , وفي قوله تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران:٢٨]، في آيتين من سورة آل عمران، وغير ذلك من لفظ النفس في القرآن. فإن لفظ الذات لم يرد فيه، وليست في اللغة بهذا المعنى، ولكنها مصطلح للمتكلمين، فنحن ننطق بها على هذا المصطلح، ولا ننطق بها إلزاماً لأن تكون من ألفاظ الاعتقاد الواردة في الكتاب أو السنة فليست كذلك. وهذه النفس مخالفة لنفس المخلوق، وإنما تشترك معها في الاسم فقط، فنحن لا نعرف من الأنفس إلا نفس المخلوق، ولا يمكن أن نقيس عليها نفس الخالق أبداً، وشتان بينهما. ومن هنا لزم أن نطرد هذا التفريق في كل الأمور، فلله نفس تخالف أنفس المخلوقين، فلا أحد يزعم أن ذات الله مثل ذوات المخلوقين أبداً، لكن كذلك لله صفات تنافي صفات المخلوقين، وإذا كان كذلك فلا فرق بين الكلام في النفس والكلام في الصفات، فالقول في الصفات كالقول في الذات مطلقاً، وهذا ما يغفل عنه كثير من الناس، فلا يرى ضرراً في إطلاق الذات على الله كما تطلق على ذات المخلوق مع الفرق الشاسع بينهما، لكن إذا جاء إلى الصفات تأثر من إطلاق بعض الصفات على الله؛ لأنه يفهمها على منوال صفات المخلوقين، وهذا غلط، فلماذا تميز بين الذات والصفات؟ فالقول في الذات كالقول في الصفات، وبعد هذا فالقول في بعض الصفات كالقول في بعضه، فما الفرق بين العلم واليد والعين ونحوها؟ فكلها صفات أثبتها الله لنفسه لا يمكن أن تكون مشابهةً لصفات المخلوقين، وكلها تدل على التمام والكمال، وكلها تقتضي محبته وتمام الإيمان به والتوكل عليه، وليس شيء منها يقتضي نقصاً فيه ولا عجزاً ولا تشبهاً بالمخلوق أبداً، واشتراكها في الاسم مع صفات المخلوق لا يقتضي نقصاً لها، فالمخلوق قد يشترك مع المخلوق بالاسم وشتان بينهما، فللإنسان عين وللفيل عين، لكن شتان بين عين الفيل وعين الإنسان، وقد قال ابن عباس: (ليس في الدنيا مما في الجنة إلا الأسماء)، فالجنة فيها اللبن والدنيا فيها اللبن، فهل هذا اللبن مثل اللبن الذي في الجنة؟ شتان بينهما. والجنة فيها خمر والدنيا فيها خمر، لكن شتان بين خمر الجنة وخمر الدنيا، والجنة فيها ماء والدنيا فيها ماء، لكن شتان بين الماء الذي في الدنيا والماء الذي في الجنة. كذلك مثال آخر، فأقرب شيء إلى الإنسان نفسه التي بين جنبيه، وهو يعلم أن له روحاً يؤمن بها، وأنها تصعد وتعرج وتنزل وتذهب وتستقر، وترضى وتغضب، ومع ذلك لا ينكر شيئاً من هذه الصفات؛ لأنه يحس بها في داخله ولا يمكن أن يصورها بوجه من الوجوه، ولا يدرك لها حقيقة، وكثير من الناس اليوم يقولون: نحن نطبق المنهاج التجريبي على كل شيء. فينكرون الإيمان بالله؛ لأنهم يقولون: الحقائق كلها أصبحت علمية تجريبية. لكن يقال لهم: ألا تؤمنون أن لكم أرواحاً وعقولاً؟ فإذا قالوا: ليس لنا أرواح وعقول قلنا: أنتم إذاً أحجار أو أشجار فلا نتكلم معكم. وإذا قالوا: لنا أرواح وعقول فنقول: صفوها لنا! فما صفة عقلك أنت وما صفة روحك؟ فإذا شهد على ذلك وسلم وقال: أنا أؤمن بأن لي روحاً وعقلاً لكن لا أستطيع وصفها نقول: كيف تنكر هذا عن رب العالمين وتقر به لمخلوق ضعيف؟ فآمن بالله، واعلم أنك عاجز عن معرفته، فكما عجزت عن معرفة روحك التي هي أقرب شيء إليك فأنت معذور إذا عجزت عن معرفة الله . ومن هنا فإن صفات الله التي أتى بها الرسول ﷺ من عنده التي وصف بها نفسه في القرآن ووصفه بها الرسول ﷺ في السنة تنقسم إلى قسمين: القسم الأول: الصفات الإيجابية. القسم الثاني: الصفات السلبية. فالصفات الإيجابية جاءت على وجه التفصيل، والصفات السلبية جاءت على وجه الإجمال، فالصفات السلبية مثل قوله تعالى: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:٣ - ٤] , وهي نافية للنقص عنه، والصفات الإيجابية مثل العلم، والحياة، والقدرة، وغيرها من الصفات التي أثبتها الله لنفسه وأثبتها له رسوله ﷺ . ويمكن أن نفصله تفصيلاً آخر فنقول: تنقسم إلى: صفات ذاتية. وصفات فعلية. فالصفات الذاتية مثل الوجود الذي يمكن أن نقول فيه: (الحق) بدل الموجود، ومثل الأولية التي يقول فيها المتكلمون: (القدم)، ومثل البقاء والدوام، ومثل الغنى ونحو ذلك، فهذه صفات ذات، ومنها أيضاً الوجه، والعين، واليدان، والساق، والقدم، فهذه صفات ذاتية. أما الصفات الفعلية فهي تنقسم إلى قسمين: صفات اختيارية، وصفات دائمة. فالصفات الاختيارية هي مثل الكلام بمعنى التكلم، والنزول، وكذلك الخلق والرزق والإماتة والإحياء، وغير ذلك من الأفعال كالغضب والرضا والرحمة والمحبة والسخط ونحوها، فهذه صفات اختيارية. والصفات الدائمة من الصفات الفعلية كصفة الاستواء؛ فإنه قال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:٥] , بصيغة الماضي، فليس ذلك مثل غيره من الأفعال التي تكون بصيغة المضارع، مثل قوله ﷺ : (ينزل ربنا كل ليلة إلى السماء الدنيا). فهذه الصفات يجب الإيمان بها، والإيمان بها يقتضي الإيمان بكمال الله وجلاله وجماله وتمام التعلق به ومحبته، وكذلك يقتضي التوكل عليه وحده وعدم منازعته في شيء من أمره، فهو الذي يقول: (الكبرياء ردائي، ومن نازعني ردائي قصمته) , (قصمته) ومعناه: أهلكته وقطعت دابره. فهذه الصفات يجب الإيمان بها بالإجمال، ولا يجب التفصيل، ولهذا لم يعلمها رسول الله ﷺ لكل الناس، وكثير منها إنما جاء في أحاديث آحاد، كثير من صفات الله جاءت في أحاديث يرويها آحاد عن رسول الله ﷺ ، ولم يعلمها لكل الناس، فلا يجب أن نمتحن الناس عموماً بصفات الله، بل لا يجب على كل الناس أن يتعلموا ذلك. كذلك أسماء الله، فقد سمى الله تعالى نفسه بكثير من الأسماء في كثير من اللغات، وهذه الأسماء كلها كذلك تدل على صفات، وتدل على كمال وجلال، وكلها تقتضي محبته ودعاءه والتوكل عليه، وهي تنقسم إلى أسماء للتعلق والتخلق، وأسماء للتعلق فقط. فالأسماء التي هي للتعلق والتخلق مثل: الرحمن الرحيم، والعفو الرؤوف، والحليم الكريم، ونحو ذلك. والأسماء التي هي للتعلق -فقط- مثل: الله، الجبار، المنتقم، ذي الجلال والإكرام، القيوم.

стр. 662

توحيد الله في ربوبيته توحيد الله في ربوبيته معناه: الجزم بأنه هو الواحد الأحد الذي خلق هذا العالم، وليس للعالم رب سواه، وهذا التوحيد هو أصل الإيمان؛ لأنه ينبني عليه كل ما بعده، فما بعده كله تابع له، فمن اعتقد تعدد الآلهة أو أن للعالم خالقاً غير الله لا ينفعه أي توحيد آخر بعد هذا. ولهذا فإن المشركين الذين كانوا في زمان رسول الله ﷺ كان كثير منهم يؤمن بتوحيد الربوبية، فكانوا يقولون في تلبيتهم: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك، إلا شريكاً هو لك. أنت تملكه وما ملك. وكذلك فإن الله تعالى أثبت عليهم هذا التوحيد في القرآن في كثير من الآيات، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان:٢٥]، ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف:٨٧]، ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [العنكبوت:٦٣] , فلم يكونوا يخالفون في هذا التوحيد إلا نادراً. والذين يخالفون في هذا التوحيد أجناس، منهم الدهرية، والطبيعيون الذين نسميهم في زماننا هذا بالشيوعيين، الذين ينكرون وجود إله أصلاً، ويزعمون أن هذه الحياة مادة، وأن طبيعة العالم تفرز الطفرات، وأن الطفرة الكبيرة التي اقتضت الانقسام بين السماء والأرض، واقتضت توزع الكائنات هي منشأ هذا العالم، ومنها تغيرت الأمور وكانت بطبيعتها تتولد وتحتك، والاحتكاك الدائم الذي فيها يقتضي حصول تنوع شديد، وهذا الذي قالوه رد الله عليه في كتابه بآية هي أبلغ دليل على هذا، وأبلغ دليل على إنكار تأثير الطبيعة هي قول الله : ﴿وَفِي الأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الأُكُلِ﴾ [الرعد:٤]. لو كانت الطبيعة مؤثرة فما الفرق بين هذه البقعة في هذا المتر الواحد يخرج فيه أجناس من النبات متفاوتة متباينة الألوان، ومتباينة الطعوم، ومتباينة الرائحة، وقد نبتت في تربة واحدة، وسقيت بماء واحد؟! ﴿وَفِي الأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الأُكُلِ﴾ [الرعد:٤] طعمها مختلف، فالمكان الواحد تخرج فيه نخلة، وتخرج علقمة، وتخرج وردة، وتخرج ثمرة أخرى مباينة لها، فتجد الشبر الواحد من الأرض فيه ألوان متلونة، فلو كانت الطبيعة هي التي أثرت فيها لجاءت جميعاً على شكل واحد وطعم واحد وفائدة واحدة، فعلم أن هذا بإرادة الله وتقديره، وأنه لا يمكن أن تقع طفرة دون مؤثر؛ لأن كل فعل لا يقبل العقل حصوله دون تأثير ودون مؤثر، وهذا المؤثر لا يمكن أن يكون جاهلاً به؛ إذ لو كان جاهلاً به لاختلطت الأشياء واختل نظامها. ولا يمكن أن يكون قد خفي عليه، لتمام تناسقه وانسجامه، فعلم بطلان اعتقاد الطبائعيين، علم بطلانه عقلاً بهذه الآية، وعلم بطلانه لما يترتب عليه من فساد العالم كله، فلو كانت الطفرة التي يزعمونها صحيحة فلماذا تأخرت ولم تقع طفرة أخرى في آلاف السنين التي تأتي؟ ومن الذي حدد وقت تلك الطفرة؟ وما هي العوامل التي عملت على وقت تلك الطفرة ولم تعمل على ذلك في زماننا هذا؟ لماذا لا يقع انفجار كبير كما يزعمون في آلاف السنين التي جاءت بعد ذلك؟ إن هذا رد واضح وصريح على هذه الطائفة التي تنكر الإلهية؛ وطائفة الدهرية نسبةً إلى الدهر، وهذه من النسبة الشاذة، ولغة العرب فيها شواذ النسب، مثل الدهريين، ومثل الطبعيين، ومثل الخرفيين، وغيرها من النسب الشاذة. كذلك من الذين ينكرون توحيد الربوبية الذين يزعمون أن لهذا العالم خالقين وهما: النور، والظلمة. وهؤلاء يسمون بالمانوية، وهم يزعمون أن النور هو إله الخير، وأن الظلمة هي إله الشر، وأنه لا خالق لهذا العالم سوى هذين الإلهين، تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً. وجوابهم العقلي أن يقال: زعمتم أمرين موجودين في هذا العالم مؤثرين فيه، فمن خلقهما؟ هل خلقا أنفسهما أو خلقهما إله ثالث؟ وهنا لا بد أن نصل بهم إلى الدور أو التسلسل، فالدور أن يرجعوا من حيث بدؤوا، فيقال: النور خلقته الظلمة والظلمة خلقها النور. فيأتي الدور المستحيل؛ لأنه يتوقف كل واحد منهما على وجود الآخر فينعدمان ولا يكونان أبداً. أو نذهب إلى التسلسل، فيقولون: النور والظلمة خلقهما إله ثالث، وذلك الإله الثالث خلقه إله آخر، وهكذا حتى يصلوا إلى حوادث لا أول لها، وهذا يمنعه العقل. ولذلك يقول أبو الطيب المتنبي: وكم لظلام الليل عندي من يد تخبر أن المانوية تكذب فظلام الليل استفاد منه كثيراً في مغامراته وهروبه، فقال: إن ظلام الليل يخبر أن المانوية تكذب، فليس هو إله الشر؛ لأنه أتى بالخير. كذلك الذين يزعمون أن هذا الكون إلهه فرعون -مثلاً- من عباده، حيث زعم هو أنه لا إله لهم سواه، وأنه هو الذي خلق السماوات والأرض، وقد كذب نفسه؛ لأنه حكم على نفسه بجهله بالسماوات وما فوقها بقوله: ﴿يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ * أَسْبَابَ السَّمَوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لأَظُنُّهُ كَاذِباً وَكَذَلِكَ﴾ [غافر:٣٦ - ٣٧] , فكيف تخلقها وأنت تجهلها وتجهل ما فوقها؟ فقد رد على نفسه. إذاً: فالمخالفون في توحيد الربوبية قلة، والموجود منهم في زماننا هذا هم الشيوعيون وبعض عبدة الأوثان في الديانات الهندية فقط.

стр. 663

توحيد الله في إلاهيته أما توحيد الإلهية فمعناه: توحيد الله بالعبادة بحيث لا يعبد إلا هو، ولا يدعى إلا هو، ولا تعلق الحوائج إلا به، ولا يشرع إلا هو، وهذا التوحيد يخطئ فيه أكثر الناس، فلذلك احتاج إلى بيانه أكثر مما سواه. فمثلاً: في مجال العبادة لا يمكن أن يستحق العبادة إلا الخالق الرازق المدبر الحي القيوم الدائم الذي لا تخفى عليه طرفة عين، ولا يغفل، ولا تأخذه سنة ولا نوم، فهو وحده المستحق للعبادة، ولا يمكن أن يعبد من سواه أبداً. ويدخل في العبادة السجود له، ولا يخالفه في ذلك إلا الذين يعبدون الأصنام أو يسجدون لها، وهؤلاء لا يلحدون في توحيد الربوبية؛ لأنهم يزعمون أن هذه الأصنام مملوكات لله، وإنما يتقربون بها إلى الله فقط، ولذلك قال الله تعالى حكاية عنهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر:٣] , فهم لا يعبدون هذه الأصنام لأنهم يزعمون أنها خالقة، ولكنهم يعبدونها تقرباً إلى الخالق فقط، فهؤلاء يخالفون في توحيد الألوهية ولا يخالفون في توحيد الربوبية، ومثل هذا الذين يعبدون غير الله ببعض العبادات المخصوصة، فلا يصلون لغير الله ولا يصومون لغير الله، ولكن يذبحون لغير الله، مثل الذبح للأصنام، والذبح للقبور ونحوها، فهذا عبادة لغير الله؛ لأن الذبح عبادة مختصة لله، ولذلك قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَاي وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ﴾ [الأنعام:١٦٢ - ١٦٣]. وقد ثبت في الصحيحين من حديث أبي جحيفة السوائي ﵁ عن علي بن أبي طالب ﵁ أن في صحيفة رسول الله صلى الله عليه سلم التي أعطاه: (لعن الله من ذبح لغير الله). كذلك من العبادات النذر، فكثير من الناس لا يصلي إلا لله، ولا يصوم إلا لله، ولا يحج إلا لله، ولكنه ينذر لغير الله. والنذر عبادة؛ لقول الله تعالى: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج:٢٩] , ولقوله تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً﴾ [الإنسان:٧] , فمن نذر لغير الله فقد أشرك؛ لأن النذر عبادة مختصة لا تحل إلا لله، فهي مثل الصلاة والصوم والزكاة وغير ذلك. ومن هنا احتيج إلى بيان معنى النذر الذي يجهله كثير من الناس، فالنذر معناه: إيجاب ما ندب تقرباً لله تعالى وشكراً له أن يتقرب الإنسان إلى الله بأن يلزم نفسه بطاعة مندوبة، فما ليس مندوباً من المباحات لا يمكن أن يكون نذراً، كمن نذر أن يشرب كأساً من الشاي، أو أن يشرب كأساً من الماء، فهذا لا يسمى نذراً؛ لأنه مباح وليس عبادة. ومن نذر واجباً فقد كان واجباً قبل هذا ولم يستفد من النذر شيئاً، ومن نذر مندوباً فقد تأكد حكمه وازداد أجره بسبب نذره، ولكن هذا النذر ينبغي أن لا يكون مشروطاً، وأن لا يكون مكرراً، فالنذر المشروط هو الذي يقول صاحبه: إن نجحت في الامتحان فسأصلي ركعتين شكراً لله. وينذر بذلك، أو: أتصدق بكذا. أو: أحج. أو: أصوم. أو نحو ذلك، فهذا النذر المشروط أخبر عنه الرسول ﷺ بقوله: (لا يرد من قدر الله شيئاً، وإنما ينتزع الله به من يد البخيل) , فالذي يفعله بخيل في تعامله مع الله، حيث يشرط على رب العالمين، فجعل نفسه بخيلاً بشهادة الرسول ﷺ عليه، ولذلك لا يصدر من أهل الإيمان الكامل. والنذر المكرر قد يوقع الشخص في حرج، كمن نذر أن يصوم يوم الإثنين دائماً، أو يوم الخميس دائماً، فربما أتاه ذلك اليوم وهو عاجز عن صيامه، أو مشغول بأمر لا يستطيع التخلص منه، فلذلك كره هذا النذر المكرر، وإنما يطلب النذر إذا أقبل الشخص على عبادة مندوبة، فأراد أداءها وتيسرت له أسبابها، فينذرها ليكون ذلك زيادة في الأجر، كمن يجلس في مصلاه وينتظر صلاة المغرب، ويعلم أنه ليس لديه شغل سيقيمه من هذا المسجد. وقبل النذر قد كان الفعل مندوباً فصار واجباً يثاب عليه ثواب الواجب. كذلك من العبادات التي يشرك فيها الناس الحلف، فالحلف عبادة، ولذلك قال الرسول ﷺ : (من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت). وكان الناس يحلفون بآبائهم في الجاهلية، فسمع رسول الله صلى عليه وسلم عمر بن الخطاب يحلف بأبيه فدعاه فقال: (لا تحلفوا بآبائكم! من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت) , وكانوا يحلفون بأصنامهم في الجاهلية، فدأب بعض الناس على ذلك في الإسلام فقال رسول الله ﷺ : (لا تحلفوا باللات ولا بالعزى، فمن قال ذلك فليقل: آمنت بالله) , فالحلف بغير الله عبادة لمن حلف به. كذلك الشرك في التشريع فهو شرك في الإلهية، فالله وحده هو الذي يشرع لعباده ما شاء، وسبب ذلك أنه وحده العالم بحياتهم ومماتهم ومصالحهم الدنيوية والأخروية، ولا يعلم أحد منهم متى يموت، ولا في أي أرض يموت، ولا ما يكسب غداً، ولا يمكن أن يطلع على مصالحه هو، بل تخفى عنه، ولذلك نرى كثيراً من الناس يجتهد في أمر فيه له مضرة، يجتهد أن يسافر سفراً هو فيه على موعد مع ملك الموت، ويتحرك حركة معينة فينكسر منه عضو بسبب تلك الحركة، ويخرج لحاجة غير مهمة فيصادفه قدر من قدر الله يصيبه بمصيبة عظيمة، كل هذا يدل على أن الإنسان جاهل بمصالحه، ومن كان جاهلاً بالمصالح والمفاسد لا يمكن أن يشرع شيئاً؛ لأن التشريع أصله على معرفة المصالح والمفاسد، ولذلك قال الله تعالى: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك:١٤] , فالذي هو اللطيف الخبير بالناس هو الذي يستطيع أن يشرع لهم ويعرف مصلحتهم. فإذا شرع شيئاً فأباح أو حرم أو أوجب فذلك لمصلحة بني آدم لا لمصلحته هو، فلا يصل إليه نفع ولا ضرر من ذلك، ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ﴾ [الحج:٣٦ - ٣٧] , فهذه الأنعام لا ينال الله لحومها ولا دماؤها، ولا يمكن أن يصل إليه نفع منها، ولا أن يوصل إليه المخلوق نفعاً ولا ضرراً، ولذلك جاء في الحديث القدسي الصحيح عن رسول الله ﷺ فيما يرويه عن ربه : (يا عبادي! إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني، يا عبادي! إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيراً فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه). فالتشريع من اختصاصات رب العالمين لا يمكن أن ينازعه فيها أحد، فمن شرع فقد أشرك، ولهذا قال الله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنْ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى:٢١] , فكل من سن قانوناً أو وضع تشريعاً مما لم يأت به محمد ﷺ فقد أشرك مع الله من شرع لهم. ومن هنا فإن اليهود والنصارى الذين كانوا في زمان رسول الله ﷺ كانوا مشركين، يشركون أحبارهم ورهبانهم في الإلهية؛ لأنهم يحلون لهم الحرام فيستبيحونه، ويحرمون عليهم الحلال فيتركونه، وهذا مقتض لعبادتهم، ولهذا قال الله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً﴾ [التوبة:٣١] , وفي حديث عدي بن حاتم رضي الله أنه قال: (يا رسول الله! ما عبدناهم من دون الله! قال: ألم يحلوا لكم الحرام فتستحلوه؟ قال: بلى. قال: ألم يحرموا عليكم الحلال فتتركوه؟ قال: بلى. قال: فقد عبدتموهم) , وهذه عبادته، ولهذا جعل الله تعالى القوانين ديانة، فيسمى القانون ديناً، كما في قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ﴾ [يوسف:٧٦] , معناه: في قانون الملك ﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [يوسف:٧٦]، فكل قانون غير شرع الله فهو دين أراد به صاحبه نسخ دين الإسلام وتغييره، فهو إشراك بالله العظيم . كذلك من الإشراك في الإلهية الإشراك في محبة الله ومسألته، فإن الله وحده هو الصمد الكريم الغني الحميد الذي يستحق أن ترفع إليه الحوائج كلها، وأن ترفع إليه الأيدي في كل المطالب، فمن تعلق قلبه بمخلوق فأصبح يعلق به حوائجه ويخافه ويطمع فيه ويسأله فقد أشرك هذا الشرك، فدعوة غير الله مثل الاستغاثة بمخلوق أو مسألته أمراً لا يقدر عليه شرك بالله، كمن سأل مخلوقاً أن ينزل المطر، أو أن يكفر عنه ذنبه، أو أن يدخله الجنة، أو أن يجيب عنه الملكين، أو أن ينور له قبره، فهذه أمور لا يقدر عليها المخلوق، أو أن يرزقه ولداً أو مالاً أو نحو ذلك، فهذه أمور لا يقدر عليها المخلوق، فالخلق والرزق من عند الله وحده. ومن هنا فإن دعوة المخلوق شرك بالله، ولهذا قال الله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ * إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر:١٣ - ١٤] , وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ﴾ [الفرقان:٦٨] , وقال تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمْ الْ

стр. 664

الإيمان بالملائكة الركن الثاني من أركان الإيمان الإيمان بالملائكة. إن لله تعالى جنوداً لا نعلمها: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ﴾ [المدثر:٣١] , وهذه الجنود منها جند الملائكة، وهم من أكثر جنود الله تعالى عدداً ومن أقواهم، وقد خلقوا من نور، وهم عباد مكرمون: ﴿لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم:٦] , ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء:٢٠] , وهؤلاء منهم المقربون -وهم أفضلهم- كجبريل روح القدس الأمين ﵇، وميكائيل، وإسرافيل، ومالك خازن النار، وملك الموت، فهؤلاء من الملائكة المقربين، ومنهم حملة العرش الذين شرفهم الله تعالى بحمل عرشه ، وهم أربعة في الدنيا وثمانية يوم القيامة: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ [الحاقة:١٧]. وهؤلاء الملائكة يجب الإيمان بوجودهم، وبكونهم معصومين من المعصية، وبأنهم: ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء:٢٠] , والإيمان بهم مؤثر في الإنسان؛ لأنه مطالب بأن يحاكيهم ويضاهيهم، كما قال الرسول ﷺ : (ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربها؟!). وكذلك في الصوم، فإن الإنسان يصوم ليباهي الملائكة، وكذلك في الحج، فإن الناس يقفون بعرفة لمباهاة الملائكة، فالإيمان بهم مقتض من الإنسان المبالغة في التعبد لله واجتناب معاصيه؛ لأن الإنسان الذي يعلم أن لله عباداً آخرين يطيعونه غاية الطاعة وهو يريد الانتساب إلى الله ويريد أن يكون عبداً لله فسيحاول أن ينافس هؤلاء في طاعة الله، ويحاول أن يبتعد عن المعصية، فكلما زينت له نفسه أو شيطانه الوقوع في المعصية تذكر أن لله عباداً آخرين في حضرته لا يعصون أمراً ولا يخالفونه، ولا يقعون في أية معصية، فكف عن ذلك، ومن هنا كان المثال في هذا الباب مهماً جداً، حيث قال الله تعالى بعد سرده لأسماء ثمانية عشر من الأنبياء ﵈ في سورة الأنعام قال بعده: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْماً لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ﴾ [الأنعام:٨٩]. والمقصود بقوله: (هؤلاء) الذين يدعوهم رسول الله ﷺ من المشركين، وقوله تعالى: ﴿فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْماً لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمْ اقْتَدِهِ﴾ [الأنعام:٨٩ - ٩٠] , هؤلاء هم الذين هداهم الله وجعلهم قدوة للناس، بين أن معصية الآخرين له لا تقتضي نقصاً في طاعته، فله جنود آخرون يطيعونه ولا يعصون له أمراً.

стр. 665

الإيمان بكتب الله السماوية الركن الثالث من أركان الإيمان: الإيمان بكتب الله. والمقصود بكتب الله الإيمان بكلامه، فالله يتكلم متى شاء بما شاء، ويشرع لعباده ما شاء، وكلامه نوعان: كلمات خلقية. وكلمات تشريعية. فالكلمات الخلقية هي الكلمات القدرية، مثل قوله لهذا: (كن فيكون)، وقوله لهذا: (مت)، وقوله لهذا: (اذهب) وقوله لهذا: (اجلس)، وهذه الكلمات يقف عندها البر والفاجر، لا يتعداها بر ولا فاجر، فإذا قال لأحد: (مت) لا يستطيع أن يتأخر لحظة واحدة، حتى لو كان أشد وأعتى أعداء الله، ولما قال لـ أبي جهل: (مت) هل استطاع أن يتأخر؟ ما استطاع أن يتأخر. إذاً هذه هي الكلمات الكونية، وهي كثيرة جداً غير محصورة في عدد محدد، ولا ينزل بها الملائكة، ولا تنزل وحياً، وإنما يخاطب الله بها من شاء في كل اللحظات، وهي المذكورة في قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٢] , وفي قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل:٤٠] , وهي المذكورة في قوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَاداً لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً﴾ [الكهف:١٠٩] , وفي قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾ [لقمان:٢٧]. أما الكلمات التشريعية فهي التي يشرع الله بها ما شاء لعباده، ويفصل فيها ما شاء من الأحكام، وهذه محصورة العدد لا تنزل إلا على الأنبياء، قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلاَّ وَحْياً أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ [الشورى:٥١] , وهذه هي الكتب المنزلة يقف عندها البر ويتعداها الفاجر، قال لـ أبي جهل: (آمن)، فلم يؤمن ولم يقبل، فإذا قال للكافر: (صل) فيمكن أن يمتنع من ذلك، وإذا قالها للبر المؤمن بادر إلى ذلك، إذا سمع المنادي ينادي: (حي على الصلاة. حي على الفلاح) توضأ وجاء مقبلاً إلى المسجد ليصلي، فهذه الكلمات التشريعية يقف عندها البر، ويتعداها الفاجر، وهي محصورة العدد، وهي الكتب المنزلة على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ونزل بها جبريل ﵇، وهو أمين الوحي عليهم، وهذه يقع فيها النسخ والتأخير والإنساء، ولا يقع ذلك في الكلمات القدرية، والكلمات القدرية يقع فيها تجاذب إرادتين، مثل قول الله تعالى -فيما رواه عنه رسوله ﷺ : (وما ترددت في شيء أنا فاعله ترددي في قبض نفس عبدي المؤمن، يكره الموت وأكره مساءته ولا بد له منه) , هذا تجاذب الإرادتين، لكن لا يمكن أن يقع فيها النسخ ولا التغيير، قال تعالى: ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد:٣٩]. أما الكلمات التشريعية فنزلت الشرائع على الأنبياء، ونسخ منها ما لا يتلاءم مع الوقت الذي يأتي فيه أنبياء جدد، حتى استكمل ذلك بهذا الكتاب الذي نزل على محمد ﷺ ، فنسخ كل ما سبقه وكان مهيمناً عليه، وهذا الكتاب الذي بين أيدينا لا يمكن الزيادة فيه اليوم ولا النقص منه، فهو محفوظ: ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت:٤٢].

стр. 666

الإيمان بالكتب السماوية إجمالاً وتفصيلاً والإيمان بكتب الله يقتضي الإيمان بها إجمالاً، أن الله أنزل على رسله كتباً من عنده لم يكذبوا فيها ولم يفتروها: ﴿مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [يوسف:١١١] , وأن هذه الكتب فيها تشريع يتلاءم مع القول الذي أنزلت فيه، وفيها ذكر لله، وكلها مجمعة على توحيده ومحبته والإيمان به. ويجب الإيمان تفصيلاً بأربعة منها، وهي: التوراة، والإنجيل، والزبور، والقرآن. فهذه الكتب الأربعة يجب الإيمان بها تفصيلاً، فالتوراة هي: الكتاب المنزل على موسى، والإنجيل هو الكتاب المنزل على عيسى، والزبور هو الكتاب المنزل على داود، والقرآن هو الكتاب المنزل على محمد ﷺ ، وإن كان الإيمان بها يدخل في الإجمال؛ لأن القرآن لا يجب أن يحفظه الإنسان كاملاً عن ظهر قلب، ولكن يجب عليه أن يصدق أن الله أنزل القرآن على محمد ﷺ ، فإذا سمع شيئاً لا يعرف هل هو من القرآن أو لا لا يقتضي ذلك كفراً؛ لأنه غير ملزم بحفظ القرآن بكامله. ومن هنا فإن كثيراً من الصحابة رضوان الله عليهم شغلوا بالجهاد ونشر الدعوة عن حفظ القرآن، فكان كثير منهم لا يحفظ القرآن بكامله، فكان خالد بن الوليد ﵁ لا يحفظ القرآن كاملاً، وكان في أكثر أوقاته أميراً، والأمير يلزمه أن يصلي بالناس فهو إمامهم، والإمامة الصغرى فرع عن الإمامة الكبرى، ولهذا قال الرسول ﷺ في الأئمة في آخر الزمان لما سئل عن الخروج عليهم ومقاتلتهم قال: (لا. ما أقاموا فيكم الصلاة) , والحديث في صحيح مسلم. فقوله: (ما أقاموا فيكم الصلاة) معناها: ماداموا يصلون لكم أئمة ويخطبونكم على المنابر ويؤمونكم في المساجد فلا تخرجوا عليهم ولا تقاتلوهم، أما إذا تركوا ذلك فلا، لذلك قال ﷺ : (لا. ما أقاموا فيكم الصلاة). فـ خالد بن الوليد ما ترك الإمامة؛ لأنه مسئول عنها شرعاً، لكن لم يكن يحفظ القرآن بكامله، فكان إذا صلى صلاة من ذوات الطول يقرأ فيها من آيات معينة، ثم يأتي بسورة أخرى، ثم إذا سلم التفت إلى الناس فقال: (شغلنا بالغزو عن حفظ القرآن فقرأنا لكم ما تيسر منه) يقرأ تارة من البقرة، وتارة من النساء، وتارة من آل عمران. كذلك لا يجب الإيمان تفصيلاً بما في التوراة وما في الإنجيل وما في الزبور، فما ورد في القرآن من ذلك فيلزم التصديق به، مثل التصديق بالقرآن، مثل قول الله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة:٤٥] , وكذلك قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِي الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء:١٠٥] , وأما ما لم يرد في القرآن تصريح بنسبته إلى أحد هذه الكتب فلا يجب الإيمان به، ولا تصديق اليهود والنصارى فيه، بل قال رسول الله ﷺ : (لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم، وقولوا: آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد). ولا شك أنهم قد حرفوا وبدلوا وغيروا، وشهد عليهم القرآن بذلك، ومن تمام تغييرهم أن الله أخذ عليهم العهد باتباع محمد ﷺ ، وقد عرفوه كما يعرفون أبناءهم، فلم يتبعوه ولم يصدقوه، وهذا غاية التغيير والإخلال بالعهد، فهم يعرفونه كما يعرفون أبناءهم، ومع ذلك لم يصدقوه ولم يتبعوه، فهذا غاية التحريف والتبديل؛ لأن الله أخذ عليهم العهد المؤكد إذا أتاهم أن يؤمنوا به ويصدقوه.

стр. 667

تعظيم كتب الله واعتقاد أن القرآن هو الصالح للتشريع ثم من الإيمان بهذه الكتب الإيمان بأنها الصالحة وحدها، فالقرآن وحده هو الصالح للتلقي والتشريع، الصالح صلاحاً مستمراً إلى أن يرفعه الله تعالى، وهو المرجع في كل الأمور، وإذا جاء الكلام فيه لابد أن يتوقف الإنسان عنده، وكان عمر وقافاً عند القرآن، يناقش في كل الأمور فإذا جاءت آية من كتاب الله وقف، فالقرآن هو الحاكم، ولا بد أن يستسلم له الناس، وإذا جاء فيه كلام من عند الله فلابد أن ينظر إليه الإنسان بنظرة أنه خطاب من عند الله له هو، فهو عبد لله، وهذا بيان من عند الله إليه: ﴿هَذَا بَلاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنذَرُوا بِهِ﴾ [إبراهيم:٥٢]. ومن هنا وجب أن يحب الناس هذا القرآن، ووجب أن يتدبروه وأن يتعلموه، وتدبرهم له مستويان: المستوى الأول: تدبر أهل العلم، وهم الذين يستطيعون الاستنباط والتفهم فيه، ولا يختص هذا بالعلماء، بل كل من يفهم شيئاً من العربية يمكن أن يحصل على قسط من هذا التدبر، فإذا قرأ المصحف حاول أن يتفهم في كل آية، فإذا جاءت موعظة وإذا جاءت حكمة وإذا جاء تذكير بادر إلى الإيمان بذلك وأحبه حباً شديداً. المستوى الثاني من التدبر: تدبر الجهال، وهو حصول المحبة له، فمن لا يفهم العربية إذا قرأ القرآن غير ملزم بأن يتدبر شيئاً لا يفهم معناه بمعنى: التفكر في ألفاظه ومعانيه، لكنه ملزم بمحبته، أن يقول: كل من عند ربنا. وأن يحبه حباً شديداً، كما كان أصحاب رسول الله ﷺ يفعلون، فهذا عكرمة بن أبي جهل ﵁ عندما أتاه الموت وهو في سكرات الموت أخذ المصحف وجعل يضعه على خديه ويقبله ويقول: كلام ربي. كتاب ربي. من حبه للقرآن، فلابد أن يكون الإنسان محباً له بهذا المستوى من المحبة، وهذا القدر من التدبر مشروط على كل الناس، أما التدبر في تفهم المعاني فهو مختص بمن يستطيعه.

стр. 668

تمام الإيمان بالقرآن من تمام الإيمان بالقرآن التصديق بما فيه من الخبر، سواءٌ أكان خبراً عما مضى أم خبراً عما يأتي في المستقبل، وكذلك معرفة ما فيه من الآيات، وعدم ضرب بعضه ببعض، وعدم اتباع ما تشابه منه، وأن يحكم محكمه وأن يؤمن بمتشابهه، وأن لا يعرض عنه الإنسان. كذلك من تمام الإيمان به قراءته وعدم الإعراض عنه، فالذي ليس في قلبه منه شيء كالبيت الخالي، ومن هنا كان على المؤمنين جميعاً أن يعلموا أولادهم هذا القرآن في صباهم، وأن يحببوه إليهم، وأن لا يجعلوهم ينفرون منه، وكثير من الذين يعلمون القرآن مع الأسف ينفرون الصبيان من القرآن، فيجعلونه وقتاً للمشقة والإهانة والضرب والتعذيب والتحقير، فينشأ الصبي مبغضاً للقرآن غاية البغض، وهذا -نعوذ بالله- سوء تربية، بل على الذين يعلمون الناس القرآن أن يعلموا أنهم ذووا مسئولية عظيمة، وأنهم أفضل هذه الأمة وخيرها؛ لما أخرجه البخاري في الصحيح عن عثمان بن عفان أن رسول الله ﷺ قال: (خيركم من تعلم القرآن وعلمه) , وهو يعلم أنه وكيل عن رسول الله ﷺ في تعليم القرآن، وأنه أمين من عند الله على كتابه، فيتشرف بهذه المسئولية، ويحرص عليها تمام الحرص، ويحاول أن يحبب هذه المادة إلى قلوب الصبيان، وأن يجعلهم يتنافسون فيها بأنفس رفيعة، ويعلمون أن مستوى فضلهم هو المستوى الذي وصلوا إليه وحصلوا عليه من القرآن، فإنه يقال لقارئ القرآن يوم القيامة: (اقرأ وأرق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا، فإن منزلتك عند آخر آية تقرؤها). ومن هنا ينبغي أن نغير النظرة في تعليمنا لأولادنا القرآن، وأن نحاول أن نحببه إليهم بمختلف الوسائل، وأن نجعله مكاناً للتنافس في الخير، وأن نحبب إليهم تدبره وتفهمه، وأن لا نجعلهم يحفظون حروفه دون حدوده، وكثير من الناس -مع الأسف- لا يعتني بحروفه ولا بحدوده، فالصبيان يحفظونه هذرمة ولا يتقنون تجويد آية منه، والذين يدرسونه أيضاً لا يهتمون بتفسيره، تمر عليهم الآية عدة مرات وهم لا يفقهون كلمةً فيها، ولا يسألون عنها، ولا يبحثون عنها في أي تفسير، وهذا من رفعه؛ لأن الإعراض عنه وعدم تحكيمه بالنهار وعدم القيام به في الليل من رفعه. فإن من الإيمان بالكتب المنزلة الإيمان بأن هذا القرآن سيرفع، يسرى عليه فيمحى من الصدور والمصاحف، وذلك إذا جاء أمر الله كما قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ [الإسراء:٨٦] , وقد جاء في الأحاديث: (أنه سيسرى عليه في ليلة من الليالي، فيمحى من الصدور والمصاحف)، فهذا هو الركن الثالث من أركان الإيمان.

стр. 669

الإيمان بالرسل أما الركن الرابع من أركان الإيمان فهو الإيمان برسل الله، والرسل: جمع رسول. والرسول في اللغة يطلق على الرسالة التي يحملها الإنسان إلى غيره، ومنه قول الشاعر: لقد كذب الواشون ما بحت عندهم بليلى وما أرسلتهم برسولي أي: برسالتي. وحامل تلك الرسالة يسمى رسولاً أيضاً؛ لأنه مرسل بالرسالة, والرسل: هم الذين أرسلهم الله لبيان شرعه، وهم من الملائكة ومن البشر، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنْ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً وَمِنْ النَّاسِ﴾ [الحج:٧٥] , ولا يكون اصطفاؤهم إلا على أساس الاختيار والاجتباء الرباني، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام:١٢٤] , فهو: ﴿يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ﴾ [القصص:٦٨]. وقد بدأ الرسل بآدم ﵇، فقد أرسل إلى ذريته، لكنه أرسل قبل اهباطه إلى الأرض، فلذلك ليس من رسل أهل الأرض، فأول رسل أهل الأرض هو نوح ﵇. وأما آدم فقد أرسل في الجنة إلى حواء وإلى ما بعد ذلك من ذريته، لكن لم يرسل إلى البشرية كافة، ونوح هو أول رسول إلى أهل الأرض كافة، ثم ختم الرسل بمحمد ﷺ ، فهو آخر الأنبياء وآخر المرسلين، كما قال تعالى: ﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب:٤٠] , فهو خاتم النبيين لا نبي بعده. وهؤلاء الرسل لا يكونون إلا أنبياء لله، واختلف في تحديد معنى النبي والرسول، وأرجح الأقوال في ذلك أن النبي هو الذي أوحي إليه بشرع ولم يؤمر بدعوة الناس إليه وإدخالهم فيه، والرسول هو الذي أوحي إليه بشرع وأمر بدعوة الناس إليه وإدخالهم فيه، ولكن رسالاتهم متفاوتة، فمن الرسالات ما يكون تجديداً لرسالة سابقة، كرسالة يحيى مجددةً لرسالة زكريا، وكذلك رسالة عيسى مجددةً لرسالة موسى، وإن كانت مخففةً في بعض أحكامها، كما قال تعالى حكاية عنه: ﴿وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ * وَرَسُولاً إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنْ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنينَ﴾ [آل عمران:٤٨ - ٤٩]. وكذلك بين أنه يخفف عنهم بعض ما حرم عليهم: ﴿وَلأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [آل عمران:٥٠] , فهذا تخفيف ونسخ من شريعة موسى بشريعة عيسى، لكن ليست ناسخة لكامل شريعة موسى. ومنهم من تكون رسالته لإصلاح خلل وقعت فيه البشرية، كشعيب ﵇، فإنه أرسل لعلاج الظلم الذي حصل في المكيال والميزان، ولوط ﵇ الذي أرسل لإصلاح الخلل الذي وقعت فيه البشرية من الشذوذ الجنسي وغيره.

стр. 670

ما يختص به محمد ﷺ عن بقية الرسل ومنهم من تكون رسالته عامة شاملة، ولهذا قال الله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً﴾ [المائدة:٤٨] , ومحمد ﷺ هو أعمهم رسالة، ويختص عنهم بكثير من الخصائص، منها: أن الأنبياء قبله كانوا يرسلون إلى قومهم خاصة، وأرسل ﷺ إلى الناس كافة. ومنها: أنه خاتمهم، وأنه المختص بالشفاعة الكبرى والصغرى دونهم يوم القيامة. ومنها: أنه أحلت له الغنائم، وجعلت له الأرض مسجداً وطهوراً، وكذلك الحوض المورود الذي خص به يوم القيامة ترده أمته، فيذاد عنه من غير وبدل، ويطردون كما تطرد غرائب الإبل، ويرده الذين تبيض وجوههم يوم القيامة، ويطرد عنه الذي تسود وجوههم، وهم الكاذبون على الله المغيرون المبدلون، وكذلك يطرد عنه الذين يعينون أهل الظلم، كما جاء عنه ﷺ في مصنف عبد الرزاق بإسناد صحيح أنه قال: (سيستعمل عليكم في آخر الزمان أمراء يظلمون الناس ويؤخرون الصلاة عن أوقاتها، فمن صدقهم في كذبهم أو أعانهم على ظلمهم فلن يرد علي الحوض) , فهذا ثمن الحوض، وممالأة الظالمين ومساعدتهم مانعة من الشرب من حوض رسول الله ﷺ يوم القيامة. كذلك يختص عنهم فيما يتعلق بالإيمان، أن يؤمن الإنسان بأن شرعه ناسخ لما سبق، وأنه لا يقبل الله من أحد إلا ما جاء به بعد مجيئه، وأن كل خير اليوم ليس من طريق محمد ﷺ فهو مردود، وليس خيراً، فالخير كله ما جاء به محمد ﷺ ، ولا يمكن أن يأتي أحد بتكميل لما جاء به، فقد أكمله الله في قوله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلامَ دِيناً﴾ [المائدة:٣]. وكذلك الإيمان بصفات الأنبياء المشروطة فيهم، وهي العصمة، والأمانة، والتبليغ، وعلو المنزلة، فهذه صفات الأنبياء جميعاً، كلهم يتصفون بالصدق والأمانة والتبليغ والعصمة. وكذلك فإن رسول الله ﷺ من تمام الإيمان به أن يؤمن الإنسان بأنه ﷺ قد ترك أمته على المحجة البيضاء التي ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، وأن خير هذه الأمة القرن الذين بعث فيهم رسول الله ﷺ ، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، وأن خير هذه الأمة بعد رسول الله ﷺ أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي، ثم بقية العشرة المبشرين بالجنة، ثم بقية أهل بدر، ثم أهل بيعة الرضوان الذين بايعوا رسول الله ﷺ تحت الشجرة، وأحل الله عليهم رضوانهم الأكبر الذي لا سخط بعده وأنزل فيهم: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفتح:١٨] , وفيهم يقول رسول الله ﷺ (لن يلج النار أحد بايع تحت الشجرة). وكذلك من تمام ما يتعلق بهؤلاء الصحابة أن نعرض عما شجر بينهم، وأن نلتمس لهم العذر فيما وقع منهم من الخطأ، وأن نعلم أنهم بشر غير معصومين يخطئون ويصيبون، ولكنهم أولى الناس بشفاعة محمد ﷺ ، وأولى الناس بأن يلتمس لهم أحسن المخارج، وأن يظن بهم أحسن الظنون، وأن لا يعادى أحد منهم، فهم أولياء الله، ومن عادى لله ولياً فقد آذنه بالحرب, فلا يعلن العداء على أحد من أصحاب رسول الله ﷺ ، ولا يذكرون إلا بخير، ويلتمس لهم أحسن المخارج، ويظن بهم أحسن المظان، وهم خيرة هذه الأمة الذين اختارهم الله لصحبة رسوله ﷺ ، وأولى الناس بشفاعته؛ لأنه يعرفهم، وجاهدوا معه وصحبوه، ولهذا قال الرسول ﷺ -فيما أخرج عنه البخاري في الصحيح-: (يغزو فئام من الناس فيقال: هل فيكم من رأى محمداً؟ فيقال: نعم. فيفتح لهم, ثم يغزو فئام من الناس فيقال: هل فيكم من رأى محمداً؟ فيقولون: نعم. فيفتح لهم, ثم يغزو فئام من الناس فيقال: هل فيكم من رأى من رأى من رأى محمداً؟ فيقولون: نعم. فيفتح لهم) , فهذه القرون الثلاثة المزكاة التي زكاها رسول الله ﷺ ، وهي خير هذه الأمة وأفضلها.
следующие страницы →