← Джавами‘

Джавами‘ · id 7722

دروس للشيخ محمد الحسن الددو الشنقيطي

محمد الحسن الددو الشنقيطي

Полный текст (1 349 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

الإيمان بالكتب السماوية إجمالاً وتفصيلاً والإيمان بكتب الله يقتضي الإيمان بها إجمالاً، أن الله أنزل على رسله كتباً من عنده لم يكذبوا فيها ولم يفتروها: ﴿مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [يوسف:١١١] , وأن هذه الكتب فيها تشريع يتلاءم مع القول الذي أنزلت فيه، وفيها ذكر لله، وكلها مجمعة على توحيده ومحبته والإيمان به. ويجب الإيمان تفصيلاً بأربعة منها، وهي: التوراة، والإنجيل، والزبور، والقرآن. فهذه الكتب الأربعة يجب الإيمان بها تفصيلاً، فالتوراة هي: الكتاب المنزل على موسى، والإنجيل هو الكتاب المنزل على عيسى، والزبور هو الكتاب المنزل على داود، والقرآن هو الكتاب المنزل على محمد ﷺ ، وإن كان الإيمان بها يدخل في الإجمال؛ لأن القرآن لا يجب أن يحفظه الإنسان كاملاً عن ظهر قلب، ولكن يجب عليه أن يصدق أن الله أنزل القرآن على محمد ﷺ ، فإذا سمع شيئاً لا يعرف هل هو من القرآن أو لا لا يقتضي ذلك كفراً؛ لأنه غير ملزم بحفظ القرآن بكامله. ومن هنا فإن كثيراً من الصحابة رضوان الله عليهم شغلوا بالجهاد ونشر الدعوة عن حفظ القرآن، فكان كثير منهم لا يحفظ القرآن بكامله، فكان خالد بن الوليد ﵁ لا يحفظ القرآن كاملاً، وكان في أكثر أوقاته أميراً، والأمير يلزمه أن يصلي بالناس فهو إمامهم، والإمامة الصغرى فرع عن الإمامة الكبرى، ولهذا قال الرسول ﷺ في الأئمة في آخر الزمان لما سئل عن الخروج عليهم ومقاتلتهم قال: (لا. ما أقاموا فيكم الصلاة) , والحديث في صحيح مسلم. فقوله: (ما أقاموا فيكم الصلاة) معناها: ماداموا يصلون لكم أئمة ويخطبونكم على المنابر ويؤمونكم في المساجد فلا تخرجوا عليهم ولا تقاتلوهم، أما إذا تركوا ذلك فلا، لذلك قال ﷺ : (لا. ما أقاموا فيكم الصلاة). فـ خالد بن الوليد ما ترك الإمامة؛ لأنه مسئول عنها شرعاً، لكن لم يكن يحفظ القرآن بكامله، فكان إذا صلى صلاة من ذوات الطول يقرأ فيها من آيات معينة، ثم يأتي بسورة أخرى، ثم إذا سلم التفت إلى الناس فقال: (شغلنا بالغزو عن حفظ القرآن فقرأنا لكم ما تيسر منه) يقرأ تارة من البقرة، وتارة من النساء، وتارة من آل عمران. كذلك لا يجب الإيمان تفصيلاً بما في التوراة وما في الإنجيل وما في الزبور، فما ورد في القرآن من ذلك فيلزم التصديق به، مثل التصديق بالقرآن، مثل قول الله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة:٤٥] , وكذلك قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِي الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء:١٠٥] , وأما ما لم يرد في القرآن تصريح بنسبته إلى أحد هذه الكتب فلا يجب الإيمان به، ولا تصديق اليهود والنصارى فيه، بل قال رسول الله ﷺ : (لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم، وقولوا: آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد). ولا شك أنهم قد حرفوا وبدلوا وغيروا، وشهد عليهم القرآن بذلك، ومن تمام تغييرهم أن الله أخذ عليهم العهد باتباع محمد ﷺ ، وقد عرفوه كما يعرفون أبناءهم، فلم يتبعوه ولم يصدقوه، وهذا غاية التغيير والإخلال بالعهد، فهم يعرفونه كما يعرفون أبناءهم، ومع ذلك لم يصدقوه ولم يتبعوه، فهذا غاية التحريف والتبديل؛ لأن الله أخذ عليهم العهد المؤكد إذا أتاهم أن يؤمنوا به ويصدقوه.

стр. 667

تعظيم كتب الله واعتقاد أن القرآن هو الصالح للتشريع ثم من الإيمان بهذه الكتب الإيمان بأنها الصالحة وحدها، فالقرآن وحده هو الصالح للتلقي والتشريع، الصالح صلاحاً مستمراً إلى أن يرفعه الله تعالى، وهو المرجع في كل الأمور، وإذا جاء الكلام فيه لابد أن يتوقف الإنسان عنده، وكان عمر وقافاً عند القرآن، يناقش في كل الأمور فإذا جاءت آية من كتاب الله وقف، فالقرآن هو الحاكم، ولا بد أن يستسلم له الناس، وإذا جاء فيه كلام من عند الله فلابد أن ينظر إليه الإنسان بنظرة أنه خطاب من عند الله له هو، فهو عبد لله، وهذا بيان من عند الله إليه: ﴿هَذَا بَلاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنذَرُوا بِهِ﴾ [إبراهيم:٥٢]. ومن هنا وجب أن يحب الناس هذا القرآن، ووجب أن يتدبروه وأن يتعلموه، وتدبرهم له مستويان: المستوى الأول: تدبر أهل العلم، وهم الذين يستطيعون الاستنباط والتفهم فيه، ولا يختص هذا بالعلماء، بل كل من يفهم شيئاً من العربية يمكن أن يحصل على قسط من هذا التدبر، فإذا قرأ المصحف حاول أن يتفهم في كل آية، فإذا جاءت موعظة وإذا جاءت حكمة وإذا جاء تذكير بادر إلى الإيمان بذلك وأحبه حباً شديداً. المستوى الثاني من التدبر: تدبر الجهال، وهو حصول المحبة له، فمن لا يفهم العربية إذا قرأ القرآن غير ملزم بأن يتدبر شيئاً لا يفهم معناه بمعنى: التفكر في ألفاظه ومعانيه، لكنه ملزم بمحبته، أن يقول: كل من عند ربنا. وأن يحبه حباً شديداً، كما كان أصحاب رسول الله ﷺ يفعلون، فهذا عكرمة بن أبي جهل ﵁ عندما أتاه الموت وهو في سكرات الموت أخذ المصحف وجعل يضعه على خديه ويقبله ويقول: كلام ربي. كتاب ربي. من حبه للقرآن، فلابد أن يكون الإنسان محباً له بهذا المستوى من المحبة، وهذا القدر من التدبر مشروط على كل الناس، أما التدبر في تفهم المعاني فهو مختص بمن يستطيعه.

стр. 668

تمام الإيمان بالقرآن من تمام الإيمان بالقرآن التصديق بما فيه من الخبر، سواءٌ أكان خبراً عما مضى أم خبراً عما يأتي في المستقبل، وكذلك معرفة ما فيه من الآيات، وعدم ضرب بعضه ببعض، وعدم اتباع ما تشابه منه، وأن يحكم محكمه وأن يؤمن بمتشابهه، وأن لا يعرض عنه الإنسان. كذلك من تمام الإيمان به قراءته وعدم الإعراض عنه، فالذي ليس في قلبه منه شيء كالبيت الخالي، ومن هنا كان على المؤمنين جميعاً أن يعلموا أولادهم هذا القرآن في صباهم، وأن يحببوه إليهم، وأن لا يجعلوهم ينفرون منه، وكثير من الذين يعلمون القرآن مع الأسف ينفرون الصبيان من القرآن، فيجعلونه وقتاً للمشقة والإهانة والضرب والتعذيب والتحقير، فينشأ الصبي مبغضاً للقرآن غاية البغض، وهذا -نعوذ بالله- سوء تربية، بل على الذين يعلمون الناس القرآن أن يعلموا أنهم ذووا مسئولية عظيمة، وأنهم أفضل هذه الأمة وخيرها؛ لما أخرجه البخاري في الصحيح عن عثمان بن عفان أن رسول الله ﷺ قال: (خيركم من تعلم القرآن وعلمه) , وهو يعلم أنه وكيل عن رسول الله ﷺ في تعليم القرآن، وأنه أمين من عند الله على كتابه، فيتشرف بهذه المسئولية، ويحرص عليها تمام الحرص، ويحاول أن يحبب هذه المادة إلى قلوب الصبيان، وأن يجعلهم يتنافسون فيها بأنفس رفيعة، ويعلمون أن مستوى فضلهم هو المستوى الذي وصلوا إليه وحصلوا عليه من القرآن، فإنه يقال لقارئ القرآن يوم القيامة: (اقرأ وأرق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا، فإن منزلتك عند آخر آية تقرؤها). ومن هنا ينبغي أن نغير النظرة في تعليمنا لأولادنا القرآن، وأن نحاول أن نحببه إليهم بمختلف الوسائل، وأن نجعله مكاناً للتنافس في الخير، وأن نحبب إليهم تدبره وتفهمه، وأن لا نجعلهم يحفظون حروفه دون حدوده، وكثير من الناس -مع الأسف- لا يعتني بحروفه ولا بحدوده، فالصبيان يحفظونه هذرمة ولا يتقنون تجويد آية منه، والذين يدرسونه أيضاً لا يهتمون بتفسيره، تمر عليهم الآية عدة مرات وهم لا يفقهون كلمةً فيها، ولا يسألون عنها، ولا يبحثون عنها في أي تفسير، وهذا من رفعه؛ لأن الإعراض عنه وعدم تحكيمه بالنهار وعدم القيام به في الليل من رفعه. فإن من الإيمان بالكتب المنزلة الإيمان بأن هذا القرآن سيرفع، يسرى عليه فيمحى من الصدور والمصاحف، وذلك إذا جاء أمر الله كما قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ [الإسراء:٨٦] , وقد جاء في الأحاديث: (أنه سيسرى عليه في ليلة من الليالي، فيمحى من الصدور والمصاحف)، فهذا هو الركن الثالث من أركان الإيمان.

стр. 669

الإيمان بالرسل أما الركن الرابع من أركان الإيمان فهو الإيمان برسل الله، والرسل: جمع رسول. والرسول في اللغة يطلق على الرسالة التي يحملها الإنسان إلى غيره، ومنه قول الشاعر: لقد كذب الواشون ما بحت عندهم بليلى وما أرسلتهم برسولي أي: برسالتي. وحامل تلك الرسالة يسمى رسولاً أيضاً؛ لأنه مرسل بالرسالة, والرسل: هم الذين أرسلهم الله لبيان شرعه، وهم من الملائكة ومن البشر، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنْ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً وَمِنْ النَّاسِ﴾ [الحج:٧٥] , ولا يكون اصطفاؤهم إلا على أساس الاختيار والاجتباء الرباني، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام:١٢٤] , فهو: ﴿يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ﴾ [القصص:٦٨]. وقد بدأ الرسل بآدم ﵇، فقد أرسل إلى ذريته، لكنه أرسل قبل اهباطه إلى الأرض، فلذلك ليس من رسل أهل الأرض، فأول رسل أهل الأرض هو نوح ﵇. وأما آدم فقد أرسل في الجنة إلى حواء وإلى ما بعد ذلك من ذريته، لكن لم يرسل إلى البشرية كافة، ونوح هو أول رسول إلى أهل الأرض كافة، ثم ختم الرسل بمحمد ﷺ ، فهو آخر الأنبياء وآخر المرسلين، كما قال تعالى: ﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب:٤٠] , فهو خاتم النبيين لا نبي بعده. وهؤلاء الرسل لا يكونون إلا أنبياء لله، واختلف في تحديد معنى النبي والرسول، وأرجح الأقوال في ذلك أن النبي هو الذي أوحي إليه بشرع ولم يؤمر بدعوة الناس إليه وإدخالهم فيه، والرسول هو الذي أوحي إليه بشرع وأمر بدعوة الناس إليه وإدخالهم فيه، ولكن رسالاتهم متفاوتة، فمن الرسالات ما يكون تجديداً لرسالة سابقة، كرسالة يحيى مجددةً لرسالة زكريا، وكذلك رسالة عيسى مجددةً لرسالة موسى، وإن كانت مخففةً في بعض أحكامها، كما قال تعالى حكاية عنه: ﴿وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ * وَرَسُولاً إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنْ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنينَ﴾ [آل عمران:٤٨ - ٤٩]. وكذلك بين أنه يخفف عنهم بعض ما حرم عليهم: ﴿وَلأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [آل عمران:٥٠] , فهذا تخفيف ونسخ من شريعة موسى بشريعة عيسى، لكن ليست ناسخة لكامل شريعة موسى. ومنهم من تكون رسالته لإصلاح خلل وقعت فيه البشرية، كشعيب ﵇، فإنه أرسل لعلاج الظلم الذي حصل في المكيال والميزان، ولوط ﵇ الذي أرسل لإصلاح الخلل الذي وقعت فيه البشرية من الشذوذ الجنسي وغيره.

стр. 670

ما يختص به محمد ﷺ عن بقية الرسل ومنهم من تكون رسالته عامة شاملة، ولهذا قال الله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً﴾ [المائدة:٤٨] , ومحمد ﷺ هو أعمهم رسالة، ويختص عنهم بكثير من الخصائص، منها: أن الأنبياء قبله كانوا يرسلون إلى قومهم خاصة، وأرسل ﷺ إلى الناس كافة. ومنها: أنه خاتمهم، وأنه المختص بالشفاعة الكبرى والصغرى دونهم يوم القيامة. ومنها: أنه أحلت له الغنائم، وجعلت له الأرض مسجداً وطهوراً، وكذلك الحوض المورود الذي خص به يوم القيامة ترده أمته، فيذاد عنه من غير وبدل، ويطردون كما تطرد غرائب الإبل، ويرده الذين تبيض وجوههم يوم القيامة، ويطرد عنه الذي تسود وجوههم، وهم الكاذبون على الله المغيرون المبدلون، وكذلك يطرد عنه الذين يعينون أهل الظلم، كما جاء عنه ﷺ في مصنف عبد الرزاق بإسناد صحيح أنه قال: (سيستعمل عليكم في آخر الزمان أمراء يظلمون الناس ويؤخرون الصلاة عن أوقاتها، فمن صدقهم في كذبهم أو أعانهم على ظلمهم فلن يرد علي الحوض) , فهذا ثمن الحوض، وممالأة الظالمين ومساعدتهم مانعة من الشرب من حوض رسول الله ﷺ يوم القيامة. كذلك يختص عنهم فيما يتعلق بالإيمان، أن يؤمن الإنسان بأن شرعه ناسخ لما سبق، وأنه لا يقبل الله من أحد إلا ما جاء به بعد مجيئه، وأن كل خير اليوم ليس من طريق محمد ﷺ فهو مردود، وليس خيراً، فالخير كله ما جاء به محمد ﷺ ، ولا يمكن أن يأتي أحد بتكميل لما جاء به، فقد أكمله الله في قوله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلامَ دِيناً﴾ [المائدة:٣]. وكذلك الإيمان بصفات الأنبياء المشروطة فيهم، وهي العصمة، والأمانة، والتبليغ، وعلو المنزلة، فهذه صفات الأنبياء جميعاً، كلهم يتصفون بالصدق والأمانة والتبليغ والعصمة. وكذلك فإن رسول الله ﷺ من تمام الإيمان به أن يؤمن الإنسان بأنه ﷺ قد ترك أمته على المحجة البيضاء التي ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، وأن خير هذه الأمة القرن الذين بعث فيهم رسول الله ﷺ ، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، وأن خير هذه الأمة بعد رسول الله ﷺ أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي، ثم بقية العشرة المبشرين بالجنة، ثم بقية أهل بدر، ثم أهل بيعة الرضوان الذين بايعوا رسول الله ﷺ تحت الشجرة، وأحل الله عليهم رضوانهم الأكبر الذي لا سخط بعده وأنزل فيهم: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفتح:١٨] , وفيهم يقول رسول الله ﷺ (لن يلج النار أحد بايع تحت الشجرة). وكذلك من تمام ما يتعلق بهؤلاء الصحابة أن نعرض عما شجر بينهم، وأن نلتمس لهم العذر فيما وقع منهم من الخطأ، وأن نعلم أنهم بشر غير معصومين يخطئون ويصيبون، ولكنهم أولى الناس بشفاعة محمد ﷺ ، وأولى الناس بأن يلتمس لهم أحسن المخارج، وأن يظن بهم أحسن الظنون، وأن لا يعادى أحد منهم، فهم أولياء الله، ومن عادى لله ولياً فقد آذنه بالحرب, فلا يعلن العداء على أحد من أصحاب رسول الله ﷺ ، ولا يذكرون إلا بخير، ويلتمس لهم أحسن المخارج، ويظن بهم أحسن المظان، وهم خيرة هذه الأمة الذين اختارهم الله لصحبة رسوله ﷺ ، وأولى الناس بشفاعته؛ لأنه يعرفهم، وجاهدوا معه وصحبوه، ولهذا قال الرسول ﷺ -فيما أخرج عنه البخاري في الصحيح-: (يغزو فئام من الناس فيقال: هل فيكم من رأى محمداً؟ فيقال: نعم. فيفتح لهم, ثم يغزو فئام من الناس فيقال: هل فيكم من رأى محمداً؟ فيقولون: نعم. فيفتح لهم, ثم يغزو فئام من الناس فيقال: هل فيكم من رأى من رأى من رأى محمداً؟ فيقولون: نعم. فيفتح لهم) , فهذه القرون الثلاثة المزكاة التي زكاها رسول الله ﷺ ، وهي خير هذه الأمة وأفضلها.

стр. 671

الإيمان باليوم الآخر الركن الخامس من أركان الإيمان: الإيمان باليوم الآخر. والمقصود بذلك الإيمان بالدار الآخرة المقابلة لدار الدنيا، فدار الدنيا معناها: دار العاجلة، وهي مختلف في وصفها هذا هل هو مشتق من الدناءة؛ لأنها لا تساوي عند الله جناح بعوضة، ولو كانت تساوي عنده جناح بعوضة لما أطعم منها كافراً شربة ماء، أو مشتقة من الدنو لقربها؛ لأنها قبل الآخرة؟ والآخرة هي التي بعد هذه الدار الدنيا، والآخرة عبارة عما بعد نهاية هذه الدنيا، وليست منتهية إلى زمان، بل هي مستمرة إما إلى جنة وإما إلى نار، وأهل الجنة في نعيم دائم لا ينقطع، وأهل النار في عذاب مستمر دائم لا ينقطع، لكن قبل ذلك تقع مشاهد وأحداث وأهوال هي أهوال القيامة، وهذه الأهوال تنقسم إلى قسمين: أهوال تسمى علامات، وهي أشراط للساعة وعلامات لها سابقة عليها، وهذه من أعظمها الموت، فالموت علامة على القيامة؛ لأنه انتقال من هذه الدار إلى الدار الآخرة، وإذا مات ابن آدم فقد قامت قيامته، ولذلك فالقبر أول منازل الآخرة، وهو أعظم من كل ما قبله، وأعظم منه كل ما بعده. وكذلك منها الأشراط الكبرى، مثل طلوع الشمس من مغربها، وقرنها مع القمر، وكذلك خسف بالمشرق وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب، وكذلك الدخان، والنار التي تسوق الناس من قعر عدن إلى المحشر إلى الشام، وكذلك الدابة التي تخرج في مكة في المسجد الحرام فتكلم الناس، وكذلك رفع القرآن فهو من أشراط الساعة، وكذلك خروج المسيح الدجال الكذاب الذي ما من نبي إلا وحذره قومه، وما بعد خلق آدم إلى قيام الساعة فتنة أعظم منه، ولكن رسول الله ﷺ أعطانا فيه علامة لم يعطها نبي قوماً قط، فأخبرنا أنه أعور وأن ربنا ليس بأعور. وجاء في حديث أنه: (أعور العين اليمنى)، وفي الحديث الآخر: (أعور العين اليسرى)، ولا تعارض بين الحديثين؛ لأن (أعور العين اليمنى) معناه أنها غائرة لا ترى، وهي طافئة، أي أنها مشقوقة مستترة، والحديث الآخر: (أعور العين اليسرى) معناه أنها عنبة طافية، فهي قبيحة وقبحها هو عورها، خارجة من محلها، بمعنى أنها جاحظة كبيرة جداً ومع ذلك هي كالعنبة الطافية، ومعناه: التي تبرز فوق الماء. فإحداهما طافية والأخرى طافئة، فالطافية معناه: الخارجة من محلها. والطافئة معناه: المشقوقة الداخلة في محلها. ومكتوب بين عينيه: (ك ف ر) كفر، أو (كافر)، وهذه علامة بارزة يراها أهل الإيمان، فكل من أراد الله به أن يجتنب المسيح الدجال رأى مكتوباً بين عينيه: (ك ف ر)، فهذه علامات تختص بهذه الأمة بينها لنا الرسول ﷺ . وقد بالغ في التحذير منه، فقد جاء عنه فيه كثير من الأحاديث الصحيحة، ومنها إخباره ﷺ -عندما ذكرهم بـ المسيح الدجال وفتنته- وأن معه نهراً يزعم أنه الجنة ومعه آخر يزعم أنه النار، فجنته هي النار وناره هي الجنة، وأنه يمر بالخربة فيأمرها فتتبعه كنوزها، ويمر على قوم فيتبعونه وهم في قحط وجذب -أي: مقحلون- فيأمر السماء فتمطر، ويأمر الأرض فتنبت، فتروح عليهم ماشيتهم أطول ما كانت ضروعاً وأسمنها، ويمر على آخرين فيكذبونه فيأمر الأرض فتقحط، ويأمر السماء فتمسك، وتروح عليهم ماشيتهم أضمر ما كانت ضروعاً وأقلها لبناً. وكذلك فإن فتنته عظيمة جداً، يأتي المدينة بمسالحه، وهو يخرج بين العراق والشام فيعيث يميناً وشمالاً، ويمكث في هذه الأرض أربعين يوماً، فيوم كسنة، ويوم كشهر، ويوم كأسبوع، وسائر أيامه كأيامكم، ويتبعه اليهود، ويكون في مقدمة جيشه سبعون ألفاً من يهود أصبهان عليهم الطيالسة، والطيالسة: جمع طيلسان، وهو: العمامة الخضراء التي تكون مسبلة على الرأس والكتفين. ويأتي المدينة ومكة فيحرم منهما ولا يدخلهما، وعلى أنقابهما الملائكة، كلما أراد الدخول ضربوه، وللمدينة يومئذ سبعة مداخل أو سبعة أبواب، فإذا أراد الدخول من واحد وجد عليه ملكين فيطردانه فتنزل مسالحهم على جيوشه وسلاحه بإحدى السباخ في المدينة، وينزل هو على جبل من جبالها فيطل عليها فيرى المسجد فيقول: ذلك القصر الأبيض قصر محمد. فيأتيه أهل المدينة وفيهم رجل هو من خير الشهداء فيقول: والله إنك للمسيح الدجال الذي أخبرنا عنه رسول الله ﷺ . فيأمر به فيفلق فلقتين فيمشي بينهما، ثم يدعوه فيقوم فيناديه فيقول: ألست ربك؟ فيقول: والله ما ازددت فيك إلا يقيناً، ولأنت المسيح الدجال عدو الله الذي أخبرنا عنه رسول الله ﷺ . فيقصد أن يذبحه فلا يسلط عليه، ويجعل الله بين ترقوته وذقنه نحاساً فلا يستطيع أن يذبحه. وكذلك من هذه الأشراط الكبرى نزول المسيح عيسى بن مريم ﵇، ينزل بمدينة دمشق عند المنارة البيضاء شرقي المسجد، ينزل بين ملكين، وإذا طأطأ رأسه تحدر منه مثل الجمان، وإذا رفعه سال مع عنقه كأنما خرج من ديماس، وينزل وقد أذن للفجر، فيأتي المسجد والناس يصلون وإمامهم منهم، فيقول: يا نبي الله! تقدم فصل. فيقول: ما أقيمت لي. ويصلي مأموماً، ويقاتل المسيح الدجال ويتبعه المؤمنون، ويلتقي به عند باب لد فيقتله، ولا يحل لكافر أن يجد ريح نفسه إلا ذاب كما يذوب الملح في الماء، ونزوله شرط من أشراط الساعة وعلامة من علاماتها. وكذلك حشر اليهود إلى بيت المقدس وإلى الشام عموماً، فهو أول الحشر، كما قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لأَوَّلِ الْحَشْرِ﴾ [الحشر:٢] , وكذلك في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفاً﴾ [الإسراء:١٠٤] , فسيجتمع بنو إسرائيل كلهم في الشام، وقد بدأ هذا وشاهدناه وحصل منه في زماننا هجرات كثيرة لليهود، فقد جاء يهود الاتحاد السوفيتي، ثم جاء بعدهم يهود الفلاشا من أفريقيا، وما زالوا يجتمعون، والآن يخططون لجلاء اليهود من أوروبا وأمريكا ليجتمعوا في هذا المكان بعد أن اجتمع فيه اليهود من المغرب واليهود من المشرق. وكذلك من هذه الأشراط الأشراط الصغرى، ومنها انتشار الفواحش، وكثرة النساء وقلة الرجال، ورفع العلم، وكثرة الجهل، وأن يقود الناس جهالهم، وأن يقود القبيلة غاويها، وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاة الشاء يتطاولون في البنيان، وأن يكون المال في أيدي البخلاء، وأن يرفع من أيدي الأغنياء، وكذلك أن يكثر النساء ويقل الرجال حتى يكون لخمسين امرأة القيم الواحد، وكذلك كثرة الهرج وهو القتل، فلا يبقى الشخص قادماً، ولا يسمع خبراً إلا وفيه قتل في بلد من البلدان، وأنت اليوم تسمع أية إذاعة أو تقرأ أية جريدة ستجد القتل في كل خبر. وكذلك فشو الربا، فلا يكاد الإنسان ينجو منه، فمن لم ينل منه نال من رائحته ووصل إليه من غباره، وهذا ما نشاهده اليوم، فأرزاق الناس كلها متأثرة بالربا، وكذلك منها العقوق، فيكون الولد سلطاناً على والده لا يستطيع أن يأمره بشيء ولا أن ينهاه عن شيء، ويسعى أن يجعل بينه وبينه وسيطاً ليبلغه أمراً من عنده أو أن ينهاه عن شيء. وكذلك من هذه الأشراط الصغرى تقارب الزمان، حيث تكون السنة منزوعة البركة حتى تكون كالشهر، ويكون الشهر كاليوم، ويكون اليوم كالساعة، وتكون الساعة كاشتعال السعفة -أي: سعفة النخلة- من قلة بركة الزمان، وكذلك من تقارب الزمان كثرة الاتصالات ووسائل النقل وتسهيلها. وكذلك من هذه الأشراط الصغرى ما يحصل من تفشي الكذب، فيحدث الرجل عن شخص يعرف وجهه ولا يعرف اسمه، فينتشر الكذب بهذه الطريقة، وهو الذي يسميه الناس اليوم (رجل الشارع)، فيقولون: رجل الشارع يحدث بكذا. و (رجل الشارع) معناه الشخص المجهول الاسم المعلوم للعين، والحديث وارد فيه، فيقول الرجل: حدثني رجل أعرف وجهه ولا أعرف اسمه. وينتشر الكذب، فهذه كلها من أشراط الساعة وعلاماتها.

стр. 672

مشاهد يوم القيامة

стр. 673

النفخ في الصور أما مشاهد القيامة فمن أعظمها النفخ في الصور، ونفخ الصور ثلاث نفخات: نفخة هي نفخة الخروج والبعث التي تخرج الأموات من قبورهم، ويجتمع إليها الناس بالساهرة، ويناَدْون: هلم إلى ربكم. فيخرجون من الأجداث إلى ربهم ينسلون. ونفخة الفزع، وهي النفخة التي يفزع لها كل الناس. ونفخة الصعق، ونفخة الصعق هذه يموت منها الجميع، يصعق لها كل الناس القدماء والجدد الذين ماتوا وحشروا، والذين جمعوا من أطراف الأرض، ثم نفخة الفزع بعدها يحيون من أجلها.

стр. 674

حشر الناس في الساهرة ثم بعد ذلك الحشر، وهو جمع الناس في الساهرة، فتبدل الأرض غير الأرض، وتطوى هذه الأرض وتشقق وتمزق، وتطوى السماء، ويأخذ الجبار الأرض والسماوات فيجعلهن بقبضته، كما قال تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر:٦٧] , فيهزهن فيقول: أنا الملك، أين الجبارون؟! أين المتكبرون؟! وكذلك يأخذ الله الأرض فيتكفؤها كما يتكفأ أحدكم خبزةً، فتكون الأرض خبزة يتكفؤها الجبار بيمينه كما يتكفأ أحدكم خبزته يجعلها نزلاً لأهل الجنة: ﴿إِنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف:١٢٨].

стр. 675

اجتماع الناس للحساب وكذلك بعد هذا اجتماع الناس في الساهرة، فيجتمع فيها أولهم وآخرهم، يرى الشخص أطرافهم، فالشخص الواحد القائم يرى أطراف الخلائق من لدن آدم إلى قيام الساعة ببصره العادي، يجتمع الخلائق كلهم حفاة عراة غرلا، حفاة لا ينتعل أحد منهم، وعراة لا يلبس أحد منهم، وغرلاً لم يختتن أحد منهم، على هيئتهم الأصلية الرجال والنساء، ثم يطول بهم الموقف ويحبسون ذلك الحبس الطويل الذي تدنو فيه الشمس حتى تكون كالميل فوق رؤوسهم، ويشتد العرق حتى يلجم كثيراً منهم، ويصل ببعضهم إلى الثديين، وبعضهم إلى الترقوتين، وبعضهم دون ذلك، ويؤتى بجهنم تقاد بسبعين ألف زمام، في كل زمام سبعون ألف ملك، فتحيط بالناس من كل جانب، ويؤتى بالملائكة صفاً صفاً، ويتجلى الباري فوق عرشه، قال تعالى: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ [الحاقة:١٧]، وقال تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً * وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى * يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾ [الفجر:٢٢ - ٢٤]. ثم إذا طال هذا الموقف بالناس فمن مشاهد القيامة أنهم يدوكون فيما بينهم ويسألون عن الرأي، فيقولون: قد طال بنا موقفنا، وإن ربنا قد غضب علينا، وإنه لم يكن ملجؤنا في الدنيا إلا العلماء فلنذهب إليهم. فيذهبون إلى العلماء فيقولون: ليس اليوم لنا، وإنما هو للأنبياء: (فيذهبون إلى آدم ﵇ فيقولون: أنت أبونا، خلقك الله بيمينه، ونفخ فيك من روحه، وأسجد لك ملائكته، فاشفع لنا إلى ربنا إما إلى جنة وإما إلى نار، فيقول آدم: نفسي نفسي رب! لا أسألك إلا نفسي. إن ربي غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله، وإني قد عصيت الله في أكل الشجرة، ولكن اذهبوا إلى إبراهيم. فيأتونه فيقولون: يا إبراهيم! أنت خليل الله، اصطفاك لخلته واختارك من بين خلقه، فاشفع لنا إلى ربنا إما إلى جنة وإما إلى نار. فيقول إبراهيم: نفسي نفسي رب! لا أسألك إلا نفسي. إن ربي غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله، وإني قد كذبت ثلاث كذبات، ولكن اذهبوا إلى موسى. فيأتونه فيقولون: يا موسى! أنت كليم الله اصطفاك برسالاته وبكلامه، فاشفع لنا إلى ربنا إما إلى جنة وإما إلى نار. فيقول موسى: نفسي نفسي رب! لا أسألك إلا نفسي. إن ربي غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله، وإني قد قتلت نفساً لم يؤذن لي بقتلها، ولكن اذهبوا إلى عيسى. فيأتونه فيقولون: يا عيسى! أنت روح الله وكلمته ألقاها إلى مريم، فاشفع لنا إلى ربنا إما إلى جنة وإما إلى نار. فيقول: نفسي نفسي رب! لا أسألك إلا نفسي. إن ربي غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله، وإني عبدت من دون الله، ولكن اذهبوا إلى محمد ﷺ . فيأتونه فيقول: أنا لها. فيخر ساجداً تحت العرش، فيلهمه الله تعالى ثناءً لم يثن به أحد على الله، فيقال له: يا محمد! ارفع رأسك، واشفع تشفع، وسل تعطه) فيرفع رأسه ويشفع للناس. فحينئذ يؤذن لهم في الانصراف، فينصب الصراط على متن جهنم، ويتجلى الباري لفصل الخصام بينهم، حتى يقتاد للشاة الجماء من الشاة القرناء. وأول من يكسى إبراهيم ﵇، يكسوه الله تعالى من الديباج الأبيض من الجنة، ثم يكون الأنبياء على منابر من نور، وتقام المنابر للمقسطين -وهم العادلون من المؤمنين- فيكونون على منابر من نور عن يمين الرحمن وكلتا يديه يمين، يشهدون على الناس، ويستشهد الشهداء، في ذلك الوقت كل إنسان يأتي معه سائق وشهيد، فالسائق: الملك الذي كان يكتب أعماله، والشهيد: الرسول الذي أرسل إليه وقامت عليه الحجة به، وكل أمة يرفع لها لواء باسم زعيمها وقائدها: ﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُوْلَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً﴾ [الإسراء:٧١]. فيعطى الناس كتبهم، فمنهم من يعطى كتابه بيمينه تلقاء وجهه، وهؤلاء هم الذين يقولون حين يدخل عليهم السرور: ﴿هَاؤُمْ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾ [الحاقة:١٩] , ومنهم من يعطى كتابه بشماله وراء ظهره بإهانة وإيذاء، فهؤلاء -نعوذ بالله تعالى- يشكون من حالهم ويدعون بالويل والثبور. ثم بعد ذلك يبيض الله وجوه الذين يصطفيهم للجنة ويسود وجوه الكاذبين عليه: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ﴾ [الزمر:٦٠]. ثم بعد هذا ينادي الله تعالى آدم بصوته فيقول: (أخرج بعث النار. فيقول: يا رب! من كم؟ فيقول: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين، فذلك: ﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج:٢]). وحينئذ يؤتى بالنار، وتزلف الجنة لأهلها، وينصب الصراط على النار، وهو جسر منصوب على متن جهنم أدق من الشعرة وأحد من السيف، وعليه كلاليب كشوك السعدان، يمر الناس عليه فيتفاوتون بحسب أعمالهم، فمنهم من يمر كالريح المرسلة، ومنهم من يمر كالبرق الخاطف، ومنهم من يمر كأجاويد الخيل والإبل، ومنهم من يمر كالرجل يشتد عدواً، ومنهم من يمر كالرجل يزحف على مقعدته، فناج مسلم، ومخدوش مرسل، ومكردس على وجهه في نار جهنم. ثم إذا مروا دخل أهل النار النار وأهل الجنة الجنة، ويضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب، ويستفتح أهل الجنة الجنة، وأول من يستفتح محمد ﷺ ، فيحرك حلقة الباب فتفتح أبواب الجنة كلها، ويؤذن للناس بدخولها بحسب أعمالهم، ففيها باب الصلاة، وباب البر، وباب الجهاد، وباب الصدقة، وباب اسمه الريان لا يدخل منه إلا الصائمون، فإذا دخلوا منه أغلق فلم يلج منه أحد، ويدخل أهل النار النار، وأدناهم منزلة فيها المنافقون الذين هم أخفضهم في قعر جهنم، نعوذ بالله، وقعرها يهوي فيه الحجر الصلب الثقيل سبعين خريفاً لا يصل إلى قعرها، يرمى به من أعلاها فيمكث سبعين سنة يهوي حتى يصل إلى قعرها.

стр. 676

زيارة الله لأهل الجنة بعد هذا يزور الله عباده المؤمنين بعد أن استقروا في منازلهم في الجنة، فيقال لهم: إن ربكم يستزيركم. فيزينون لذلك، فيخرجون إلى كثبان من الجنة رملها من الذهب، وتناويرها من العقيق الأحمر، وكل بللها من الكافور والمسك، فيأتون فيرون ربهم كما يرون القمر ليلة البدر لا يضامون في رؤيته، وأقواهم رؤية له أشدهم حباً له، وأشدهم تعلقاً به ومعرفةً له، فيتفاوت الناس في رؤية الله على حسب خشوعهم في الصلاة ومحبتهم لله وتعلقهم به، فبينما هم في نعيمهم إذ تجلى لهم ربهم من فوقهم، فيرون نوراً من فوقهم فينظرون إليه فلا ينظرون إلى شيء مما هم فيه من النعيم، فيقول: سلام قولاً من رب رحيم. وهذا هو سلام الله عليهم. هذه هي مشاهد القيامة، ويجب الإيمان بها إجمالاً ويجب الإيمان تفصيلاً منها بما جاء في القرآن والسنة عن رسول الله ﷺ ، وهي كلها خبرية لا يمكن أن تصل إليها العقول ولا أن تعرف إلا من الوحي.

стр. 677

الإيمان بالقضاء والقدر

стр. 678

الفرق بين القدر والشرع القدر سر الله المكتوب، وهو يختلف عن الشرع، فالشرع به التكليف، والقدر لا تكليف به، فالإنسان مأمور اليوم بأن يصوم رمضان القادم، لكنه قد يكون في علم الله أنه لا يبلغه ويموت قبله، فهو في التشريع متعبد بأن يعزم على صوم رمضان، وفي القدر لا يمكن أن يصومه ولا أن يبلغه، فيا رب صائمه لن يصومه ويا رب قائمه لن يقومه. فهنا الفرق بين القدر والشرع، وهو الذي خفي على إبليس، فاستدل بالقدر وترك الشرع، فحلت عليه اللعنة بسبب ذلك، ونجد كثيراً من الناس يستدل بالقدر ويترك الشرع، وهؤلاء هم الزنادقة مثلما حكى الله تعالى عنهم في كتابه: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمْ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ﴾ [يس:٤٧] , فهذا هو الاستدلال بالقدر في مقابل الشرع، فهم مأمورون شرعاً بأن ينفقوا على الفقراء، وهم يستدلون بالقدر ويقولون: لو أراد الله إغناءهم لأغناهم وأعطاهم مثلما أعطانا. وهذه الشبهة ردها الله عليهم فقال: أنتم مكلفون بشرعي لا بقدري، فأنا أحكم ما أشاء، وأكتب ما أشاء، فمن هنا أنتم مأمورون باتباع ما آمر به شرعاً ومحجوبون عما أفعله قدراً، ولو شئت لسخرتكم لهم ولأخذت ما في أيديكم وأعطيته لهم. فهذا الفرق بين القدر والشرع هو الذي خفي على كثير من الناس. ومن قدر الله تعالى أن جميع أفعال العباد وتصرفاته كلها من خلق الله ومن فعل العبد، فالعبد فيها مسير بالقدر مخير بالشرع، فهو مخير بالخطاب الشرعي إن شاء فعله وإن شاء ترك، إن شاء صام وإن شاء أفطر، إن شاء صلى وإن شاء ترك الصلاة، هذا في الشرع، لكن في القدر مجزوم بما سيفعله، ففي التكليف يقال له: افعل. لكنه غير مجبر، فإن شاء صلى وإن شاء لم يفعل، وفي القدر لا يمكن أن يخالف ما كتب الله له. ولذلك فإن هذه المسألة -وهي مسألة التخيير والتسيير- يغلط فيها كثير من الناس، فيظنون إشكالاً بين التخيير والتسيير أو تعارضاً بينهما، والواقع أن الإنسان مخير في الخطاب الشرعي، بمعنى أنه غير مجبر على فعل الواجبات وعلى ترك المحرمات، فهو مأمور بذلك لكنه غير مجبر عليه، فلم يوضع سيف على رأسه ولا رشاش بين كتفيه فيقال له: افعل -مثلاً- أو اترك. لكنه في القدر مجبراً إجباراً كاملاً، وهذا الإجبار الفرق بينه وبين الجبر الدنيوي أن جبر المخلوق يكون بمخالفة هوى الإنسان، وجبر الله يكون بموافقة هوى الإنسان، فالإنسان مجبر بالاختيار، فيفعل الفعل وهو يريده ويهواه ويحبه وفيه مهلكته، يسافر في طائرة فيشتري التذكرة بثمن باهظ، ويسعى من أجل الحجز ويتعب في الحصول عليه وهو سيموت في تلك الطائرة، وستدمر به وستسقط في المحيط -مثلاً- وتتحطم، فلهذا حجب القدر عن الناس وأمروا بالشرع. والذين يستدلون بالقدر فيما يتعلق بالجهاد والدعوة هم من قبيل هؤلاء الذين اتبعوا إبليس وتركوا ملة رسول الله ﷺ ، فكثير من الناس يقولون: دعوا العمل، واتركوا الدعوة، واتركوا الجهاد؛ فإن رسول الله صلى الله عليه سلم قال: (لا يأتي على الناس زمان إلا والذي بعده شر منه)! ويجاب عن هؤلاء بأن هذا من قدر الله، ونحن مأمورون بالشرع لا بالقدر، فأنت مأمور أن تصلي لكن لا تدري هل صلاتك مقبولة أو غير مقبولة، فلا يمكن أن تقول: لا أصلي حتى أعلم هل صلاتي هنا مقبولة أو غير مقبولة. فالقبول من القدر، وأداء الصلاة من الشرع، وأنت مخاطب بالشرع لا بالقدر.

стр. 679

مراتب القدر الركن السادس من أركان الإيمان: الإيمان بقدر الله النافذ، فالله متصف بصفة هي صفة القدر. والقدر معناه: تقدير الأشياء قبل خلقها. والقدر أربع مراتب: فالمرتبة الأولى منه: علم الله تعالى بجميع الأشياء قبل وجودها على وجه التفصيل والإجمال. المرتبة الثانية: كتابته لكل ما هو كائن في صحف عنده فوق عرشه، وهاتان المرتبتان هما المذكورتان في قوله: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام:٥٩]. المرتبة الثالثة من مراتب القدر: هي توزيع ما هو كائن على الزمن، ففي كل سنة ليلة ينزل الله فيها ما هو كائن في تلك السنة، كما قال تعالى: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ * أَمْراً مِنْ عِنْدِنَا﴾ [الدخان:٤ - ٥] , وكذلك مع كل مولود يكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد. المرتبة الرابعة من مراتب القدر: تنفيذ ما هو كائن على وفق علم الله في الأزل، فكتابتنا هذه كتبت قبل خلق السماوات والأرض، ثم كتب في هذه السنة أنها تكون في يومها وفي وقتها، ثم بعد ذلك نفذت على وفق العلم السابق، وهذا سار على كل الأشياء، فلا يخفى عن الله أي شيء من حركة أو سكون أو فكر أو حركة طرف، كل ذلك يمر بهذه المراتب الأربع وهي مراتب القدر.

стр. 680

الفرق بين الخلق والفعل وهنا أيضاً أمر آخر يغلط فيه الناس، وهو الفرق بين الخلق والفعل، فالله خالق كل شيء، خلق العبد، وخلق فعل العبد، والفعل يصدر من الله ومن المخلوق، فالله يفعل ما يشاء، والعبد يفعل ما يشاء أيضاً، لكن العبد لا يخلق، والله يخلق، فكل أفعال العبد من خلق الله، وكل أفعال الله من خلق الله، ولكن أفعال العبد من فعل العبد وليست من فعل الله، فإذا زنى العبد فهذا الفعل فعل العبد لا فعل الله، وإذا سرق فهذا فعل العبد لا فعل الله، لكنه خلق الله، وهنا الفرق بين الخلق والفعل، فالخلق لا تكليف به ولا يستطيع المكلف التدخل فيه، والفعل مباشرة المكلف لتنفيذ ما كتب عليه، فالمكلف يثاب ويعاقب على حسب الفعل لا على حسب الخلق، فهو لا يملك شيئاً من الخلق وإنما يملك الفعل. وهنا ينبغي أن نعلم أن أفعال المكلف عموماً منها ما يكون فعلاً للمكلف وخلقاً لله، مثل الزنا من المكلف -مثلاً- أو السرقة، فهذا فعل صادر من المكلف وخلق من خلق الله، ومنها ما يكون فعلاً لله وخلقاً لله، كإنزال المطر، فهو فعل الله وخلق الله، ليس للمكلف فيه دخل، فالمكلف هل يستطيع إنزال المطر؟! لا يستطيع إنزاله، فإنزال المطر من خلق الله ومن فعل الله، لكن يستطيع الزنا أو السرقة، فهذا من فعل المخلوق ومن خلق الله، فلذلك لا تنسب أفعال المخلوق إلى الله على أنها فعل الله، لكنها تنسب إليه على أنها خلق الله. ومن هنا نعلم أن لله نوعين من أنواع الإرادة: إرادة كونية، وإرادة تشريعية. فالإرادة الكونية هي المتعلقة بالخطاب القدري. والإرادة التشريعية هي المتعلقة بالخطاب الشرعي. فالإرادة الكونية اسمها المشيئة وتختص بذلك، والإرادة الشرعية اسمها الأمر، وهنا يفترق الحال، فقد يأمر الله بشيء ولا يريد وقوعه، وقد يشاء شيئاً وهو لا يأمر به. ومن هنا نعلم أن أفعال المكلف فيما يتعلق بالإرادتين أربعة أقسام: القسم الأول: ما تعلقت به الإرادتان معاً، وهو الأعمال الصالحة من رسول الله عليه وسلم مثلاً ومن المحسنين، فهذه الأعمال الصالحة أرادها الله إرادة كونية؛ لأنها وقعت، وأرادها إرادة تشريعية؛ لأنه أمر بها وشرعها، فصلاة رسول الله ﷺ ألم يأمر الله بها؟ لقد أمره بها. ألم يردها ويشأها؟ بلى؛ لأنها وقعت، إذاً فهذا القسم الأول. القسم الثاني: ما لم تتعلق به واحدة من الإرادتين، فلم تتعلق به الإرادة الكونية ولم تتعلق به الإرادة الشرعية، وهو مثل الأعمال السيئة من الرسول ﷺ ، فهذه الأعمال ما أرادها الله إرادة شرعية؛ لأنه لا يأمر بالفحشاء، ولم يردها إرادة كونية؛ لأنها لم تقع، فإذاً هذا القسم الثاني. القسم الثالث: الأعمال الصالحة من أبي جهل مثلاً، فهذه تعلقت بها الإرادة الشرعية دون الكونية، أرادها الله إرادة شرعية؛ لأنه أمره بها، ولم يرد بها إرادة كونية؛ لأنها لم تقع. القسم الرابع: الأعمال السيئة من أبي جهل مثلاً، فهذه أرادها الله إرادة كونية؛ لأنها وقعت، ولم يردها إرادة شرعية؛ لأنه لا يأمر بالفحشاء. ومن هنا أصبح من تمام الإيمان بالقدر أن نفرق بين الإرادة الكونية والإرادة التشريعية، وأن نحسن كذلك التفريق بين متعلق هاتين الإرادتين.

стр. 681

أقسام القدر القدر ينقسم إلى قسمين: حلو ومر. وينقسم كذلك إلى: خير وشر. فيمكن أن نقسمه إلى أربعة أقسام: القسم الأول: قدر خير حلو، مثل الأعمال الصالحة السهلة، كقوله ﷺ : (كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم) , فإذا استيقظ الإنسان في جوف الليل فقال: (سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم) وهو مؤمن فهذا قدر له هذا الأمر، وهو خير قطعاً؛ لأن له ثواباً في الآخرة، وهو حلو لأنه لا يخالف هواه. القسم الثاني: قدر خير مر: مثل الإنسان الذي تصيبه مصيبة فيكفر الله عنه بها خطيئة، مؤمن أصابته مصيبة فكفرت عنه خطيئة، فهذا من قدر الله وهو خير له؛ لأنه كفر عنه خطيئة، ولكنه مر؛ لأنه يكره المصائب. القسم الثالث من أقسام القدر: قدر شر مر -نعوذ بالله- مثل أن يصيب الله الكافر بغضبه وسخطه، فتحل عليه صاعقة من السماء فتحرقه، فهذا قدر الله المر، فهو يكرهه وهو شر له. الرابع: قدر شر حلو: مثل الاستدراج، يستدرج الله الكفار بما يعطيهم من الأموال والأولاد، وهذا من قدر الله، وهو شر لهم؛ لأنه يزيد في عقوبتهم ويزيد في إغوائهم وبعدهم عن الله، ولكنه حلو؛ لأنه موافق لأهوائهم، فهذه هي أقسام القدر الأربعة، خيره وشره حلوه ومره، فهي أربع صور. إذاً فهذه هي أركان الإيمان الستة، وبقي كثير من متعلقاتها، فأقول هذا القول، وأستغفر الله لي ولكم، وأسأل الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلا أن يرزقنا تمام الإيمان به وتمام الإنابة والإخبات إليه، وأن يجعلنا هداة مهتدين غير ضالين ولا مضلين، اللهم! نور بالإيمان قلوبنا، ونور بالهداية صدورنا، واجعلنا هداة مهتدين غير ضالين ولا مضلين، وبيض وجوهنا يوم تبيض وجوه وتسود وجوه، اللهم! حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا، وكره إلينا الكفر أو الفسوق والعصيان واجعلنا من الراشدين. اللهم! استعملنا في طاعتك، واجعلنا هداة مهتدين يا أرحم الراحمين، واهدنا لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم.

стр. 682

مقومات الداعية الدعوة إلى الله من أعظم القربات، وأعظم الواجبات، وبها يهدي الله أقواماً ضلوا سواء السبيل. وللدعوة وسائل لابد من توافرها لنجاحها، كما لابد من وجود صفات مهمة في الداعي إلى الله؛ ليكون ناجحاً وموفقاً في عمله.

стр. 683

فضل الدعوة والدعاة بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على من بعث رحمة للعالمين، وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين. أما بعد: فموضوعنا هذا بعنوان: (مقومات الداعية) وسنتكلم فيه إن شاء الله على العناصر التالية: فضل الدعوة والدعاة. فائدة الدعوة. أهداف الدعوة. وسائل الدعوة. صفات الداعية الناجح. إن الله وصف نفسه بالدعوة فقال: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلَى دَارِ السَّلامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [يونس:٢٥]، ووصف رسوله الكريم ﷺ بالدعوة فقال: ﴿وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ [الأحزاب:٤٦]، وأمره بالدعوة فقال: ﴿وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [القصص:٨٧]، وقال: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل:١٢٥]، وأمره أن يخبر عن نفسه وعن أتباعه بأن سبيلهم الدعوة فقال: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف:١٠٨]، وأخبر كذلك أنها أحسن الأقوال وأرضاها عنده فقال: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت:٣٣]، وقد رتب الله عليها من الفضل العظيم، والأجر الجزيل الشيء الكثير، فإن رسول الله ﷺ قال لـ علي بن أبي طالب ﵁ حين أعطاه الراية يوم خيبر: (فوالذي نفسي بيده! لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم)، فجعل هداية شخص واحد على يديه خيراً له من أن يملك حمر النعم، أي: خير من أن يملك ما في الأرض من الإبل، والمقصود بذلك: أن يتصدق بها في سبيل الله مثلاً. ويكفي في بيان فضل الدعوة أنها وظيفة الأنبياء، فقد أختارهم الله لها: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء:١٦٥]، ومن المعلوم أن رسل الله هم أفضل خلقه، وقد اختارهم من ملائكته، ومن البشر، فقال تعالى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾ [الحج:٧٥]، فالذين اصطفاهم الله اختار لهم وظيفة يقومون بها وتلك الوظيفة هي أفضل الوظائف وأسماها عند الله ، وأعلاها. ومن فضل الدعوة أن القائم بها قائم بالحجة لله في الأرض، وقد قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ﴾ [النساء:١٣٥]، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ﴾ [المائدة:٨]، وقد افترض الله ذلك على هذه الأمة فقال: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ * وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمْ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران:١٠٤ - ١٠٥]، وقال تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ﴾ [التوبة:٧١].

стр. 684

فائدة الدعوة أما فائدة الدعوة فهي: مدافعة الباطل، فإن الله جعل الدار الدنيا مسرحاً للتدافع بين الحق والباطل، ورتبها على هذا الصراع الأبدي المستمر الذي لا ينقضي حتى يرث الله الأرض ومن عليها، فقد جعل الله في هذه الأرض مصلحين وهم: حزب الله، ومفسدين وهم: حزب الشيطان، وجعل الصراع مستمراً ودائراً بين هذين الحزبين، لكن الله حكم بالعاقبة للمتقين، وجعل حزب الله أعلى منزلة وأسمى قدراً، فقال: ﴿أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [المجادلة:٢٢]، وقال تعالى: ﴿فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [المائدة:٥٦]، وفي المقابل قال: ﴿إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [المجادلة:١٩]. وقد حكم الله بالغلبة لحزبه، فقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِي الصَّالِحُونَ * إِنَّ فِي هَذَا لَبَلاغاً لِقَوْمٍ عَابِدِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٥ - ١٠٦]، وقال تعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [المجادلة:٢١]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف:١٢٨]، وقال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمْ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور:٥٥]، وقال تعالى: ﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ * الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنْ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ [الحج:٤٠ - ٤١]، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد:٧]. وقد جعل الله هذا التدافع مصلحة للأرض، فلو توقف لحظة لفسدت الأرض، كما قال الله تعالى: ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتْ الأَرْضُ﴾ [البقرة:٢٥١]؛ وذلك أن هذه الدنيا دار عملٍ ولا جزاء، وقد جعل الله فيها هذا الصراع فلو تغلب الحق على الباطل لم يكن للدنيا معنىً؛ لأن أهلها قد نجحوا في الامتحان فينبغي أن ينقلوا إلى الجنة، ولو تغلب أهل الباطل على الأرض فلم يبقَ للحق صولة ولا صوت، لحلَّ على أهل الأرض سخط الله ومقته، كما يحل في آخر الزمان إذا لم يبقَ في الأرض إلا حثالة كحثالة الشعير لا يباليهم الله باله، فعليهم تقوم الساعة، وفي ذلك يقول الأنبياء في حديث الشفاعة: (إن ربي غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله). فلذلك مصلحة هذه الأرض في وجود هذا الصراع، ولا شك أن هذا الصراع من طبيعته أن الأيام يداولها الله بين الناس، كما قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ * وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران:١٤٠ - ١٤١]. وتلك المداولة تقتضي أن تكون للباطل صولة، ولكنه سرعان ما يضمحل ويتراجع فلا تدوم صولته، لكنها قد تطول بحسب ما هو مصلحة لأهل الأرض في ذلك الطور، ولا يعلم ذلك إلا الله وحده بحكمته البالغة، وقد طالت صولة الباطل في أيام نوح ﵇ ألف سنة إلا خمسين عاماً، ولا تزال صولات الباطل بعد ذلك في مدٍّ وتراجع: تطول أحياناً وتقصر بحسب حكمة الله تعالى، وما علمه في أزله وأراده لخلقه، لكن من المعلوم أن النتيجة محسومة بعلم الله السابق، وأن العاقبة للمتقين على كل حال.

стр. 685

أهداف الدعوة أما أهداف الدعوة: فلها هدفان كبيران:

стр. 686

المعذرة إلى الله تعالى أولهما: المعذرة إلى الله بفعل ما أمر به؛ لأننا مكلفون متعبدون بهذه الدعوة، وهي من صميم تكليفنا وعبادتنا لله، حتى لو أيقنَّا أنه لا يستجاب لدعوتنا، فإن ذلك لا يمنع القيام بها، بل لابد أن نؤديها كما أمر الله ، ونتعبد الله بها؛ ولهذا فإن نوحاً ﵇ مع طول المدة لم ييئس ولم يقنط، ولم يتراجع، بل استمر على منهجه يغير من أساليب الدعوة بحسب الأحوال، فلذلك قال فيما حكى الله عنه: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهَاراً * فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلاَّ فِرَاراً * وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَاراً * ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَاراً * ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَاراً * فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً * مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً * وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً﴾ [نوح:٥ - ١٤]. فنوَّع الأساليب باعتبار أحوال قومه، وصبر على أذاهم، واستمر في دعوته، ومع هذا قال الله تعالى: ﴿وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ﴾ [هود:٤٠]، وليس ذلك راجعاً إلى أنه فشل في دعوته، أو لم ينوع الأساليب أو قصر بل قد نجح غاية النجاح، وبذل قصارى جهده، وشهد الله له بذلك، وسيشهد له به محمد ﷺ وأمته يوم القيامة، لكن أراد الله ألا يستجاب لدعوته على مستوى واسع في ذلك الزمان، ثم يرفع الله قدره بأن يجعله أباً للبشر، فلو استجاب له الناس إذاً لم يكن نوحٌ أبا البشر؛ لأن البشر قد انتشروا وكثروا إذ ذاك من سلالات متنوعة، فلا يمكن أن يكون أبا البشر إلا بذلك الطوفان المهلك للجميع، ولا يأتي الطوفان مهلكاً للجميع إلا إذا قلَّ أتباع نوحٍ من الناس.

стр. 687

رجاء استجابة الناس للدعوة ونصرتها الهدف الثاني: لعل الناس يستجيبون لهذه الدعوة فيخرج الله منهم من ينصر دينه، ويعلي كلمته ويلتزم بأوامره، ويتقيد بحكمة إنزاله إلى الأرض، إنما خلق الله الإنس والجن؛ لعبادته، وإنما أنزل الله آدم وذريته إلى هذه الأرض؛ لتحقيق الاستخلاف فيها، ولا شك أن بعض الناس أوتي ملكة التأثير في بعض، وأن كثيراً من الذين انحرفوا عن الطريق إنما انحرفوا بتأثير غيرهم عليهم، ولهذا فإن الذين استكبروا والذين استضعفوا يختصمون يوم القيامة في النار، ﴿يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ﴾ [سبأ:٣١]؛ لأنهم اتبعوهم في غوايتهم. وهذان الهدفان جاء التصريح بهما في سورة الأعراف في قول الله تعالى: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنْ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ * وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [الأعراف:١٦٣ - ١٦٤]، (معذرة إلى ربكم) هذا الهدف الأول، (ولعلهم يتقون) هذا الهدف الثاني.

стр. 688

أقسام الهداية ومع هذا لابد أن يعلم الذين يسعون إلى تحقيق هذا الهدف أن الهداية تنقسم إلى قسمين: هداية إرشاد، وهداية توفيق. فهداية الإرشاد يمكن أن يقوم بها البشر، وهداية التوفيق لا يمكن أن تقع إلا بأمر الله وحده. والله نفى القدرة على هداية التوفيق عن محمد ﷺ فقال: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص:٥٦]، وأثبت له القدرة على هداية الإرشاد، فقال: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الأُمُورُ﴾ [الشورى:٥٢ - ٥٣]. وهداية التوفيق هي المذكورة في الفاتحة في قول الله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة:٦]، وهداية الإرشاد هي المذكورة في قصة ثمود، في سورة فصلت، في قول الله تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [فصلت:١٧]، (فهديناهم) أي: هداية الإرشاد، ببعثة رسول إليهم، وإقامة الحجة عليهم، (فاستحبوا العمى على الهدى) فلم ينتفعوا بتلك الهداية، فمن شاء الله هدايته لابد أن يهتدي ولو لم يبذل معه الكثير من الأسباب، ومن لم يرد الله له الهداية لا يمكن أن يهتدي، ولو بذلت له كل الأسباب، ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَنْ فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ * وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ﴾ [يونس:٩٩ - ١٠٠]، وقال تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ * وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ * وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ﴾ [الأنعام:١٠٩ - ١١١]. ولهذا جعل الله الهداية نوراً يقذفه في قلب من شاء من عباده، كما قال في وصف الإيمان: ﴿وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ [الشورى:٥٢].

стр. 689

وسائل الدعوة أما وسائل الدعوة: فهي كما رأينا في قصة نوح تتنوع باجتهاد الداعية، وبأحوال المدعوين، وليست توقيفية ولا محصورة في نماذج معينة، وإنما يجتهد الإنسان في تبليغ رسالات الله، وفيما ائتمنه عليه من الوحي بتبليغه بأي وسيلة تؤثر في الناس وتوصل الحق إليهم، وَلْيسْعَ للأجدى والأنفع، وليأخذ بالأسهل فالأسهل؛ لأن النبي ﷺ ما خُيِّر بين أمرين إلا اختار أيسرهما، ما لم يكن إثماً ولا قطيعة رحم، ويمكن أن يستعين بالوسائل المستوردة من خارج بيئته، حتى لو كانت مستوردة من الكفار، فالنبي ﷺ لم يدع وسيلة تؤدي إلى إعلاء كلمة الله وإعزاز دينه إلا أعملها، حتى لو كانت مستوردة من خارج البيئة العربية: فالخندق فكرة مستوردة من فارس، والخاتم فكرة مستوردة من الروم، والمنبر فكرة مستوردة من الحبشة. وقد ذكر الله سبع وسائل للدعوة: أربع منها في آية، وثلاث في آية، فقال في الآية الأولى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنْ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف:١٠٨]، وقد تضمنت هذه الآية أربع وسائل من وسائل الدعوة.

стр. 690

البصيرة أول وسيلة منها: البصيرة، فلابد أن يكون الداعي إلى الله بصيراً بمن يدعوه، وبما يدعو إليه، وبأصول التأثير على من يدعوه، فالمعرفة قبل الدعوة، ومعرفة الإنسان ببيئته من بصيرته بها؛ لأنه قد ينشغل بالجزئيات والأمور اليسيرة مع أن بيئته تحتاج أموراً أكبر منها وأهم، فإذا لم يكن ذا بصيرة ببيئته فإن دعوته ستنحرف عن مدارها، وتقدم ما ليس أولى بها على ما هو الأولى بها، وهذه البصيرة بعضها مكتسب، وبعضها موهوب من عند الله : فالمكتسب منها: ما يتعلمه الإنسان من العلم النافع، ومن الاطلاع على أحوال الناس وأساليب عيشهم، والأساليب المؤثرة فيهم، وما يكتسبه من المهارات، وما يبدعه هو من التجارب الجديدة التي تثبت جدارتها وأحقيتها فيأخذ بها. وأما الموهوب من عند الله ، فهو من آثار التقوى والالتزام والورع، فمن كان صادقاً مع الله لم ينبُ حديثه عن القلوب، بل استمع الناس إليه بإنصات في أغلب الأحيان، ومحل ذلك الناس الذين ليس في قلوبهم مرض، أما الذين في قلوبهم مرض فإنهم لا يمكن أن يستمعوا إلى كلام المخلص أصلاً، بل يفرون منه كما يفرون من الأسد!!

стр. 691

أقسام الناس بالنسبة للدعوة ومن هنا فإن الناس في الدعوة على أربعة أقسام: القسم الأول: الذين لا يتحملون سماعها، ولا يطيقونها، ويفرون منها كما يفرون من الأسد، وهم المشركون الذين قال الله فيهم: ﴿فَمَا لَهُمْ عَنْ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ * كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ * فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾ [المدثر:٤٩ - ٥١]. القسم الثاني: الذين يطيقون سماعها بآذانهم، ولكن آذانهم غير أمينة فلا توصلها إلى القلوب، وهم المنافقون الذين قال الله فيهم: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفاً أُوْلَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [محمد:١٦]. القسم الثالث: الذين يفصلون فيها، فيقبلونها من بعض الناس دون بعض، فإذا سمعوا من يدعو إلى الله ممن يعجبهم شكله أو نسبه أو حسبه أو يعرفونه، استمعوا إليه، وأصاخوا له، وإن قام مجهول لديهم، أو من لا ينزلونه هذه المنزلة في أمور دنياهم لم يستمعوا إليه، وهؤلاء هم مرضى القلوب الذين اتصفوا بصفة من صفات بني إسرائيل حين قالوا: ﴿أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنْ الْمَالِ﴾ [البقرة:٢٤٧]، واتصفوا كذلك بصفة من صفات أهل مكة وأهل الطائف من المشركين، عند بعثة محمد ﷺ ، عندما قالوا: ﴿وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنْ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف:٣١]. وهؤلاء أنواع وأجناس: فمنهم من لا يحمله على ذلك إلا الحسد، كحال اليهود الذين حسدوا محمداً ﷺ حسداً من عند أنفسهم، فمنعهم ذلك من اتباعه وطاعته، مع علمهم علم اليقين، أنه الرسول الذي أخذ عليه موسى وغيره من أنبيائهم العهد إذا بعث أن يؤمنوا به ويتبعوه. ومنهم من يحول بين الالتزام بالدعوة والانتفاع بها التقليد لما كان يجده في مجتمعه أو لطريقة آبائه، فهو مقلد تقليداً أعمى، فلا يمكن أن ينتفع من أي شيء جديد، وهؤلاء في تقليدهم قد سلكوا طريقة من طرائق المشركين، وقد وصف الله المشركين المعرضين بقوله: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ * وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنفال:٢٢ - ٢٣]. أما النوع الرابع: فهم الذين يسمعون الدعوة من كل أحد، ولا يفصلون فيها، فيأخذون بالحق، ويردون الباطل، وهؤلاء هم الذين أثنى الله عليهم في كتابه، وقال تعالى: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِي * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمْ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ [الزمر:١٧ - ١٨]، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا تُنذِرُ مَنْ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ﴾ [يس:١١]، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمّاً وَعُمْيَاناً﴾ [الفرقان:٧٣]، وقال تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتْ الذِّكْرَى * سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى * وَيَتَجَنَّبُهَا الأَشْقَى * الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى * ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَا﴾ [الأعلى:٩ - ١٣]، وقال: ﴿فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات:٥٥]، فأولئك هم الذين ينتفعون بالذكرى، وهم أهل الإيمان المستجيبون للدعوة.

стр. 692

وجود الأنصار أما الوسيلة الثانية: فهي ما أشار الله إليه بقوله : ﴿أَنَا وَمَنْ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف:١٠٨]، فلا يمكن أن تنجح الدعوة إلا إذا وجدت أنصاراً وأعواناً، فدعوة الإنسان وحده لا تؤثر، وإذا أثرت يكون تأثيرها محدوداً ضيقاً؛ ولهذا فإن الله جعل لأنبياء الله أنصاراً وحواريين، يأخذون بسنتهم، وينشرون دعوتهم، ويجاهدون في سبيلها، وهذا ما بيَّنه الله في ثنائه على أصحاب محمد ﷺ في عدد كبير من الآيات، فمنها قول الله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمْ الْكُفَّارَ﴾ [الفتح:٢٩]. فلابد للدعوة من مجموعة من الناس تتبنى القيام بها، وتتحمل أعباءها، وتتعاون فيها؛ وذلك أن الله تعالى جعل الناس شرائح متنوعة، وجعل مستوياتهم متفاوتة متباينة، وكل شريحة في العادة إنما تتأثر بمن كان منها، كما أن كل أهل مستوىً انتفاعهم الغالب إنما يكون ممن هو في مستواهم، أو ممن نزل إلى مستواهم؛ ولهذا قال النبي ﷺ لـ أبي ذر حين سأله في بداية الإسلام: (من تابعك على هذا الأمر، فقال: رجل وامرأة وعبد وصبي)، فكل شريحة من شرائح المجتمع قد دخلتها الدعوة بممثل عنها: فالرجل أبو بكر الصديق، والمرأة خديجة بنت خويلد، والعبد بلال، والصبي علي بن أبي طالب. ولا تأخذ الدعوة أبعادها إلا إذا دخلت كل الشرائح؛ لأن كل شريحة إذا كان فيها ممثل، وكان فيها أسوة وقدوة لأهلها فذلك أكمل للاستجابة إلى الدعوة، ثم إن المستويات متباينة متنوعة، ومن كان مستواه ضعيفاً لا يمكن أن يستوعب دعوة ذي المستوى الرفيع إلا إذا تنزل له صاحب المستوى الرفيع، ومن كان مستواه رفيعاً لا يمكن أن ينتفع غالباً من دعوة المستوى الضعيف وهكذا، فاحتيج -إذاً- إلى جماعة لهذه الدعوة، ولذلك فإن النبي ﷺ بيَّن أهمية الجماعة لهذه الأمة، وقد صرح الله بذلك في كتابه بقوله: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران:١٠٤]، بعد قوله: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنْ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [آل عمران:١٠٣]. والنبي ﷺ قال لـ حذيفة: (تلزم جماعة المسلمين وإمامهم)، وقال: (من فارق الجماعة شبراً فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه)، وقال: (من فارق الجماعة قيد شبر مات ميتة جاهلية)، وقال: (يد الله مع الجماعة، ومن شذَّ شذّ في النا) وقال: (يد الله على الجماعة، وإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية)، وقال: (لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة). والدين كله لا يستقيم إلا بجماعة، ولهذا فالصلاة مثال للدين كله، فيحتاج فيها إلى إمام يتقدم على الناس فلا يُحرمون قبل إحرامه، ولا يركعون قبل ركوعه، ولا يرفعون قبل رفعه، ولا يسلمون قبل سلامه. ووراءه مما يليه أولو الأحلام والنهى، كما قال النبي ﷺ : (ليلني منكم أولو الأحلام والنهى، ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم)، وتأتي الصفوف بعد ذلك تباعاً، الساق بالساق والمنكب بالمنكب، حتى لا تبقى للشيطان فُرجة، فذلك مثال لأمور الدين كلها.

стр. 693

الربانية أما الوسيلة الثالثة: فهي الربانية، أي: الاتصال بالله ، وقصد وجهه الكريم بالدعوة، والاتكال عليه وحده، والبراءة إليه من الحول والقوة، وذلك يقتضي أن ينظر الإنسان إلى الأسباب على أنها تكليف يؤديه، وعمل بمقتضى الشرع، ومع ذلك لا يتَّكل عليها، ولا يثق إلا بوعد الله ونصره، فالتوكل على الأسباب شرك، وتركها معصية، وهذه الربانية هي المشار إليها في الآية بقول الله تعالى: ﴿وَسُبْحَانَ اللَّهِ﴾ [يوسف:١٠٨]. فالداعية لابد أن يكون منزهاً لله عن كل ما لا يليق به، وأن يكون ذاكراً له شاكراً حتى يستجاب لدعوته.

стр. 694

التميُّز الوسيلة الرابعة: هي التميُّز؛ فإن الله تعالى يقول: ﴿وَمَا أَنَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف:١٠٨]، فإذا كان الداعية يفعل ما يدعو الناس إلى تركه، ويترك ما يدعوهم إلى فعله، فلا يمكن أن يستجاب لدعوته، ولا أن يطاع لأمره؛ ولذلك فإن الله تعالى حكى عن خطيب الأنبياء شعيب ﵇ أنه قال: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود:٨٨]. وأبو الأسود الدؤلي ﵀ يقول: يا أيها الرجل المعلم غيره هلا لنفسك كان ذا التعليمُ تصف الدواء لذي السقام فذي الضَّنَا كيما يصح به وأنت سقيمُ وأراك تلقح بالرشاد عقولنا أبداً وأنت من الرشاد عقيم ابدأ بنفسك فانهها عن غيِّها فإذا انتهت عنه فأنت حكيمُ فهناك يُقبل ما تقول ويشتفى بالقول منك وينفع التعليمُ لا تنه عن خلقٍ وتأتِيَ مثلهُ عار عليك إذا فعلت عظيمُ ويقول الآخر: فإنك إذ ما تأتِ ما أنت آمر به تلفِ من إياه تأمرُ آتيَا وفي رواية: فإنك إذ ما تأبى ما أنت آمر به تلف من إياه تأمرُ آبيا والتميز يقتضي من الإنسان الذي يدعو إلى طريق الحق ألا ينساق مع الناس فيما هم فيه، فإذا تنافسوا على أمور الدنيا تذكر قول الله لرسوله ﷺ : ﴿وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى * وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لا نَسْأَلُكَ رِزْقاً نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾ [طه:١٣١ - ١٣٢]. وإذا جزعوا أو حزنوا لأمرٍ دنيوي فاتهم، أو فرحوا بأمر دنيوي أحرزوه، تذكر قول الله تعالى: ﴿لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾ [الحديد:٢٣]، وهكذا. فهذه الوسائل الأربع تضمنتها هذه الآية الكريمة ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنْ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف:١٠٨]. أما الوسائل الثلاث الأخر فقد تضمنتها آية النحل، وهي قول الله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل:١٢٥].

стр. 695

الحكمة فأول وسيلة منها الحكمة، وهي وضع الشيء في موضعه: بوضع اللين في موضعه، والشدة في موضعها، والسيف في موضعه، والعطاء في موضعه، وقديماً قال أبو الطيب المتنبي: ووضع الندى في موضع السيف بالعلا مضر كوضع السيف في موضع الندى فالحكمة إذاً هي وضع كل شيء في موضعه، وهي مأمور بها لا محالةَ، ومزية عظيمة رفيعة، وهي وسيلة من وسائل الدعوة، فلابد أن يكون الداعية حكيماً في تصرفاته؛ حتى لا يكون من قطاع الطرق المنفرين عن الله ، فليس قطاع الطرق بالذين يرعبون المارَّة، ويأخذون أموالهم، بل قطاع الطرق على الحقيقة هم الذين يمنعون الناس من الاهتداء إلى منهج الله، وسلوك طريقه، وهم المنفِّرون، وقد حذر من ذلك رسول الله ﷺ فقال: (أيها الناس إن منكم منفرين). والحكمة تقتضي من الإنسان أن ينوع الأساليب باعتبار المدعوين، وأن يجامل في موضع المجاملة، وأن يجدَّ في موضع الجد، ولا يقول إلا الحق في كل ذلك.

стр. 696

الموعظة الحسنة الوسيلة السادسة من هذه الوسائل: وهي ثانية من الثلاث في هذه الآية، قوله: ﴿وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ [النحل:١٢٥]، والموعظة خطاب للعاطفة، وتنبيه للإنسان على ما كان غافلاً عنه بإحياء ضميره، ونفض الغبار عنه. والإنسان فطره الله في الأصل على فطرة الخير، ولا تزال كوامن الخير فيه ما لم يمت قلبه، فتحريك تلك الكوامن الخيرية فيه إنما يتم بالموعظة الحسنة، ولا تكون الموعظة حسنة إلا إذا اختير لها الزمان والمكان والموضوع والأسلوب واللغة، فكل ذلك هو الذي تكون به الموعظة حسنة، فإذا كان الإنسان في أوجِ شهوته وإقباله على المعصية، فليس ذلك الوقت مناسباً لوعظه في الانزجار عنها، بل وعظه حينئذٍ يقتضي أن تأخذه العزة بالإثم، ولهذا أمر الله بالإعراض عن أصحاب المعصية في ذلك الحال فقال: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام:٦٨]. فلابد من الذكرى لكن لا تكون في وقت الخوض، ثم بعدها إذا أعرضوا عن الذكرى ولم يستمعوا ولم يستجيبوا يهجرهم الإنسان بعد الذكرى، ﴿فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام:٦٨]. والموعظة هي إقناع للإنسان عن طريق عاطفته، والعاطفة مؤثرة في الناس تأثيراً بالغاً، لكن بعض الناس قد لا يتأثر عاطفياً فيحتاج إلى الإقناع عن طريق المجادلة.

стр. 697

الجدال بالتي هي أحسن فكانت الوسيلة السابعة: وهي الثالثة مما في هذه الآية، ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل:١٢٥]. فالجدال هو الإقناع عن طريق العقل بقرع الحجة بالحجة، ولكنه ينقسم إلى قسمين: إلى جدال حسنٍ وجدال قبيح. فالجدال القبيح ما كان فيه تنكر للحق، وعدم استماع للخصم، وسوء أدب أو رفع صوت، فذلك كله من الجدال القبيح، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ [العنكبوت:٤٦]، وقال تعالى: ﴿لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنْ الْقَوْلِ إِلاَّ مَنْ ظُلِمَ﴾ [النساء:١٤٨]، ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل:١٢٥]، فهذه هي الوسيلة السابعة.

стр. 698

صفات الداعية الناجح نصل بعد هذا إلى صفات الداعية الناجح: فالداعية الناجح لابد أن يتصف بعدد من الصفات، بعضها كسبي وبعضها وهبي: فالكسبي منها: الذي يكتسبه الإنسان ويمكن أن يزيد فيه، والوهبي منها: ما يمنحه الله للذين يأتمنهم على وحيه، ويبعث في أنفسهم حب التضحية في سبيله، والسعي لإعلاء كلمته.

стр. 699

الرحمة فأول صفة من هذه الصفات: هي الرحمة، وهي خُلُقُ هذا الدين، فلكل دين خلق، وخلق الإسلام الرحمة، وقد كتبها الله على نفسه، وتَسمى بها، وقال : ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام:٥٤]، وقال تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [الحشر:٢٢]. وقد صح عن النبي ﷺ أنه قال: (إن الله خلق الرحمة يوم خلقها مائة رحمة، فادخر عنده تسعاً وتسعين رحمة لعباده المؤمنين في الجنة، وأنزل رحمة واحدة في الدنيا، فبها يتراحم الخلائق فيما بينهم، حتى ترفع الدابة حافرها عن ولدها). فلابد أن يكون الداعية رحيماً بالمدعوين؛ لأن حرصه عليهم ورأفته بهم ستكون سر إصراره في دعوته، واستمراره فيها، وتذكره أن هؤلاء عرضة لأن يكبهم الله على وجوههم في النار، فهو يرحمهم، ويسعى للحيلولة بينهم وبين ذلك، وقد قال الله تعالى لرسول الله ﷺ : ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [آل عمران:١٥٩]. والرحمة صفة مطلوبة في كل مؤمن، ولذلك صح عن النبي ﷺ أنه قال: (إنما يرحم الله من عباده الرحماء)، وفي الحديث المسلسل بالأولوية، عن سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن أبي قابوس، عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ أن النبي ﷺ قال: (الراحمون يرحمهم الرحمن؛ ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء)، وكذلك فإنه ﷺ قال: (لا تزال أمتي بخير ما دام كبيرها يرحم صغيرها، وصغيرها يوقر كبيرها). وقد وصف الله نبيه ﷺ بهذه الرحمة في عدد من الآيات، فقد سبق قوله: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ [آل عمران:١٥٩]، وقال الله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة:١٢٨]، وقال تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح:٢٩]. والرحمة تقتضي من الداعية ألا يخاطب الناس من منطلق الترفع والتعالي، بل يخاطبهم من واقع الحرص عليهم؛ لإنجائهم من عذاب الله، يقول أحد العلماء: ارحم بنيي جميع الخلق كلهمُ وانظر إليهم بعين الرفق والشفقة وقِّر كبيرهمُ وارحم صغيرهمُ وراعِ في كل خلق حق من خلقه

стр. 700

الاحتساب الصفة الثانية: الاحتساب، فلا ينجح الداعية إلا إذا كان محتسباً في دعوته لله تعالى، لا يطلب عليها جزاء ولا شكوراً، ولهذا فما من نبيٍّ من الأنبياء إلا قال لقومه: ﴿مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾ [ص:٨٦]، و ﴿لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالاً﴾ [هود:٢٩]، وهكذا، فما من نبي من الأنبياء إلا تبرأ من ذلك. فالداعية إذا كان يطلب غير وجه الله بدعوته فإنما يدعو إلى نفسه، أو إلى ذلك الذي يطلبه، ومن هنا فلا بد من التوحيد في الدعوة، أي: أن تكون الدعوة خالصةً لوجه الله؛ لأنها عبادة يبتغى بها وجه الله ويتقرب بها إليه. وقد أخرج مسلم في الصحيح من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (يقول الله تعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك: فمن عمل عملاً أشرك فيه معي غيري، تركته وشركه). والاحتساب يقتضي من الداعية: أن يجتهد في أن يكون قدوة حسنةً، ومثالاً صالحاً يهتدي به الآخرون، فيحاول أن يكون أبلغ الناس تضحية، وأكثرهم عبادة، وأكثرهم تأثراً بما يقول. ولذلك فإن ابن الجوزي ﵀ كان خطيباً مفوهاً، وكان إذا خطب في أمر استجاب الناس لخطبته، فأتاه الأرقاء في الشام فقالوا: لو خطبت عن العتق فلعل موالينا يعتقوننا، فوعدهم خيراً، فانتظروا الخطبة فخطب، ولم يذكر الرقَّ، ثم الخطبة الأخرى ولم يتعرض للعتق، ثم الثالثة فخطب عن العتق، وحظ الناس عليه، فأعتق الناس أرقاءهم، فأتوه فقالوا: رحمك الله تأخرت عن وعدك، فقال: (إني لا يمكن أن آمر الناس بأمر قبل أن أبدأ فيه بنفسي، ولم يكن لي رقيق أعتقه، فأخرت ذلك حتى أحرزت مالاً فاشتريت به رقيقاً فأعتقته، وحينئذ أمرت الناس بالعتق فبادروا إليه؛ لأنني بدأت بنفسي)!

стр. 701

المعرفة الصفة الثالثة: المعرفة، فلابد أن يكون الداعية عارفاً بما يدعو إليه، وبمن يدعوه، وبأساليب الدعوة، وبمعاش الناس وما هم فيه، وبلغتهم كذلك، فالله تعالى يقول في كتابه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم:٤]. فإذا كان الداعية لا يستطيع البيان لقومه بلسانهم، فلا يمكن أن يبلغ رسالات الله وأن يبينها، وكذلك إذا كان غير عارف بهم، وبمكان التأثير فيهم، أو بأولويات حياتهم، وأنماط معاشهم، فلا يمكن أن يؤثر فيهم، ومن هنا احتيج الداعية إلى أن يتعرف على المدعوين بأوجه المعرفة المختلفة، وقد سبق أن من قواعد الدعوة: أن المعرفة سابقة على الدعوة.

стр. 702

الثقة الصفة الرابعة: الثقة، فلابد أن يكون الداعية واثقاً من نفسه، واثقاً من منهجه، وأن يكون من يدعى واثقاً به، ولابد أن يبني ثقة الناس به هو، فإذاً لابد أن يبني ثقته أولاً هو بنفسه، وبمنهجه، وبالناس، ثم يبني ثقة الناس به، فالذي لا يثق بنفسه لا يمكن أن يضحي. ولهذا فإن بني إسرائيل حين فرض الله عليهم دخول (أريحا)، قالوا ﴿إِنَّ فِيهَا قَوْماً جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ﴾ [المائدة:٢٢]، ففرض الله عليهم التيه أربعين سنة يتيهون في الأرض، حتى مات كبارهم الذين تعودوا على المذلة لفرعون وجنوده، ونشأ جيل عاشوا في الشغف والتنقل والتيه، فكانوا هم الذين يستطيعون الجهاد في سبيل الله. وإنما وثق من بني إسرائيل رجلان فقط، حكى الله كلامهما فقال: ﴿قَالَ رَجُلانِ مِنْ الَّذِينَ يَخَافُونَ﴾ أي: من بني إسرائيل الذين هم أهل الخوف والذلة والمسكنة، أو من الذين يخافون الله، ﴿أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا﴾ بتوفيقهما لذلك ﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة:٢٣]. ومثل ذلك أن يثق بمنهجه، فإذا كان الداعي إلى منهج أو على منهج لا يثق به، ويتردد فيه، ولا يدري هل غيره أقوم من منهجه، فإنه لا يمكن أن ينجح في دعوته؛ لذلك التردد الحاصل لديه، ولهذا قال الزبيري ﵀ عندما جادله بعض الجهمية: أأرجع بعدما رجِفت عظامي وكان الموت أقرب ما يليني إلى أن قال: فما عوض لنا منهاج جهم بمنهاج ابن آمنة الأمين ﷺ فلابد أن يثق الداعية بمنهجه وأن يعلم أنه أحسن الموجود وأقومه، ولو كان اجتهاداً، فهو يعلم أنه هو أصح الموجودين لو علم أن غيره أصح منه وأحسن لتبعه بالضرورة؛ لأن اتباع الحق واجب، وقد قال عمر ﵁ في كتابه لـ أبي موسى الأشعري: (ولا يمنعنك قضاء قضيت فيه بالأمس فراجعت فيه نفسك فهديت إلى رشدك أن ترجع إلى الحق؛ فإن الحق قديم لا ينقضه شيء، وإن الرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل). وكذلك ثقته بالمدعوين، فقد مكث النبي ﷺ ثلاث سنين لا يدعو إلا من يثق به. ثم بعد هذا بناء ثقة الآخرين به هو، فالداعية عرضة للعداوة، كما قال ورقة بن نوفل: (إنه لم يأت رجل قطّ بمثل ما جئت به إلا عودي، وإن يدركني يومك أنصرك نصراً مؤزراً) وقد قال الشاعر: ومن دعا الناس إلى ذمه ذموه بالحق وبالباطل والداعية قد دعا الناس إلى ذمه بسلوكه طريق الحق، فلابد أن يجد عليه أعداءً يدافعون عن الباطل، ولا يرضون طريق الحق أبداً، وهم خصوم الرسل، وما من نبي إلا وقال فيه بعضهم: كذاب مجنون ساحر إلى غير ذلك من أنواع التُّهمِ والشبهات، وقد بيَّن الله أن ذلك ماضٍ مسلسل، فقال: ﴿أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾ [الذاريات:٥٣]. ومن هنا فلن يضيق الداعية ذرعاً بما يوجه إليه من الشبهات؛ لعلمه أنها وجهت إلى من هو خير منه، لكن مع هذا يسعى لقطعها عن نفسه ما استطاع، والنبي ﷺ كان يقطع الشبهات عن نفسه، فقد كان في معتكفه في رمضان فأتت أم المؤمنين صفية بنت حيي تزوره في معتكفه، وكان ذلك في ليلة مظلمة فأراد أن يرجعها إلى غرفتها؛ حتى لا تخرج وحدها في الليل، فخرج يقلبها، فرآه رجلان من الأنصار، فلما رأيا المرأة معه أسرعا، فقال: (على رسلكما إنها صفية بنت حيي، فقالا سبحان الله!! أنتهمك؟ قال: إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم). فلابد أن يكون الداعية بعيداً عن مواقع التهم، وقد كان مالك يعتذر عن نفسه إذا حصل منه أمر ظن أن الناس سينقدونه، وبين وجهه فيه. وهذا ما حصل للخضر مع موسى، فإن موسى انتقد عليه ثلاثة أمور: الأمر الأول: خرقه للسفينة وقد حمل فيها بغير أجرٍ وهي في عرض الماء، والثاني: قتله للولد الصغير الذي لم يبلغ الحلم والتكليف بعد، والثالث: إصلاحه لجدار أهل القرية الذين امتنعوا من ضيافتهم، ولم يأخذ عليه أجراً، فأجابه عن ذلك جميعاً بما بيَّنه الله في كتابه. ومما يذكره أهل التفسير في هذا الأمر أن ذلك كان دروساً أخرى لموسى من وجه آخر، فموسى عندما أنكر على الخضر خرق السفينة في الماء كان يظن أن السفينة إذا خرقت ودخلها الماء ستغرق، وقد نبه بذلك إلى أنه هو قد رمته أمه في التابوت في البحر ولم يغرق وهو صغير. كذلك إنكاره عليه قتل الغلام فيه تنبيه لقتله هو للرجل الذي وكزه فقضى عليه. وكذلك في إصلاحه للجدار لولدي الرجل الصالح، فيه تنبيه لقصة حصلت له هو عندما ورد ماء مدين كما قال تعالى: ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنْ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ [القصص:٢٣]، فسقى لهما، ولم يأخذ على ذلك أجراً، فكان ذلك تنبيهاً له على فضل الله عليه ونعمته به.

стр. 703

الحلم الصفة الخامسة: الحِلم، فلابد أن يكون الداعية حليماً، فمن كان عجولاً لا يمكن أن يحصل على مآربه الدنيوية فضلاً عن أموره الأخروية، والحلم يقتضي من الإنسان أن يكون وقوراً، وأن يكون صاحب سكينة، وأن يكون صاحب ثبات، والحلم والأناة صفتان يحبهما الله ورسوله، كما قال النبي ﷺ لـ أشج عبد القيس. وحاجة الداعية إلى الحلم عظيمة جداً، فبالحلم يعرض عن الجاهلين، وبالحلم كذلك يتغلب على كثير من العقبات التي تعرض له من مخالطة الناس، ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاماً﴾ [الفرقان:٦٣].

стр. 704

الصبر الصفة السادسة من هذه الصفات: الصبر، فلابد أن يكون الداعية صبوراً على الأذى، وأن يعلم أن هذا الطريق طريق محفوف بالمكاره، وأن الأذى فيه مضمون، لكن الأذى معلمة من معالم الطريق يعرف به أنه سلك طريق الحق. والأذى للسالكين لطريق الحق لله فيه حِكم عظيمة، فمنها: أولاً: أن الله يصرف به الذين لا يرتضي خدمتهم للدين، كما قال تعالى: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِي الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً﴾ [الأعراف:١٤٦]، وقال تعالى: ﴿يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ﴾ [الذاريات:٩]، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ﴾ [التوبة:٤٦]، وقال تعالى: ﴿وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الحج:١١]، فهذه الحكمة الأولى. ثانياً: أن هذا الأذى يعرف به السالكون لطريق الحق أنهم ما ضيعوا، وأنهم سلكوا طريق الأنبياء، فمن سلك طريق الأنبياء ولم يؤذَ، ولم يجد ما وجده الأنبياء على هذا الطريق، فليعلم أنه قد ضيع الطريق وسلك فجاً آخر؛ لأنه لم يسلكه نبي قط إلا أوذي، كما بينَّا في حديث ورقة بن نوفل، وكما نص الله عليه في كتابه: ﴿الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت:١ - ٣]. ثالثاً: من حكم الله في الأذى الذي يلحق الدعاة على طريق الحق: أنه رفع لمستواهم ولمكانتهم، فقد يكتب الله المنزلة للداعية فلا يبلغها بعمله، فيقيض الله إليه من يتنقصه ويؤذيه؛ فيرفع الله بذلك منزلته وقدره، وقد يكون ذلك بعد موته، فتتلقى ذلك الألسنة، فيرفع الله قدره بذلك ومنزلته، ويهبُ له أولئك المتنقصون حسناتهم إن كانوا من أهل الإيمان. رابعاً: من حكم الله في ذلك: أن هذه الدعوة ليس لديها من الوسائل ما تصل به كثيراً من البيئات والملأ فتحتاج إلى الوسائل؛ للوصول إلى هنالك. ومن الوسائل: أن يتكلم الناس فيها، وينتقدونها، فيكون ذلك وسيلة لتقصي أخبارها والبحث عنها، وقديماً قال الشاعر: وإذا أراد الله نشر فضيلة طويت أتاح لها لسان حسود فإذا تكلم فيها الناس اقتضى ذلك أن يبحث عنها الباحثون عن الحق، وأن يتلمسوا أمورها حتى يطلعوا على جليِّ الأمر وحقيقته، فتصل الدعوة إلى أماكن لم تكن لتصلها من قبل، لولا تنقُّص الناس لها. خامساً: ومن حكم الله فيها: أنها مقتضية لتوحيد جهد الدعاة واتفاقهم، قال الشاعر: لما أتاني عن عيينة أنه عان عليه تضاعف الأقياد بذلت له نفسي النصيحة إنه عند الشدائد تذهب الأحقاد نسأل الله أن يرزقنا العلم النافع، والعمل الصالح، والإخلاص في القول والعمل. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

стр. 705

أهمية الخشوع ليس للمرء من صلاته إلا ما عقل، ولا يعقل المرء صلاته إلا إذا خشع فيها، ومن هنا كان للخشوع أهمية عظيمة، فعلى المسلم أن يحرص على الخشوع، وأن يعمل بأسبابه ما استطاع، فإن الخشوع أول علم يرفع من هذه الأمة، ولهذا لما كان سلف الأمة أهل خشية وخشوع مكن الله لهم، ورفع قدرهم، وأعلى مكانتهم، وخلد ذكرهم.
следующие страницы →