← Джавами‘

Джавами‘ · id 7722

دروس للشيخ محمد الحسن الددو الشنقيطي

محمد الحسن الددو الشنقيطي

Полный текст (1 349 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

موضع اليدين في الصلاة السؤال جاء في صفة صلاة رسول الله ﷺ أنه كان إذا قام يرفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه، ثم يكبر حتى يصير كل عظم في موضعه، أليس هذا دليلاً واضحاً لمن قال بإسبال اليدين في الصلاة؟ الجواب لا؛ فموضع اليدين في الصلاة هو ما بينه النبي ﷺ وعرف من فعله، وهو وضع اليدين على الصدر، فهذا استقرار كل عضو في موضعه، فموضع العضو لا يقصد به موضعه في حال القيام، ولا موضعه في حال الاضطجاع أو الجلوس؛ فذلك مختلف، إنما يقصد به موضعه في الصلاة، فموضع اليدين في الصلاة في حال القيام هو الصدر، فالإنسان يضع يساره على صدره، ثم يضع يمينه فوقها أو يقبضها بها، فهذا موضع اليدين في الصلاة. والسائل يسأل عن حديث أبي حميد الساعدي في وصف صلاة رسول الله ﷺ ، وقد أقر أبا حميد على ذلك عشرة ممن شهدوا صلاة رسول الله ﷺ من أصحابه، فقد بين أبو حميد هيئة صلاة رسول الله ﷺ ، أما موضع اليدين في الصلاة فهو الصدر، لما ثبت في أحاديث أخرى كثيرة تقارب ثمانية أحاديث صحيحة عن النبي ﷺ ، وهي في موضع اليدين في الصلاة.

стр. 737

تحريك السبابة في الصلاة السؤال ما حكم تحريك السبابة في الصلاة؟ الجواب ثبت في الصحيحين أن النبي ﷺ كان يشير بالمسبحة، و (يشير) فعل مضارع، والفعل المضارع يقتضي التجدد، والجملة الحالية تقتضي التجدد والحدوث، والفعل المضارع أيضاً يقتضي التكرار، فالنبي ﷺ كان يشير بسبابته، ومعنى الإشارة بها: التحريك، وأيضاً جاء في حديث زائدة بن قدامة أنه كان يحركها، بلفظ التحريك، وهي زيادة ثقة.

стр. 738

وقت تستر المرأة السؤال هل تجوز مصافحة البنت التي بلغت الخامسة من عمرها إذا أمنت الفتنة؟ الجواب نعم؛ لأن البنت إنما يطلب سترها إذا دخلت التاسعة من عمرها وهذا أرجح شيء، فإن عائشة ﵂ حدثت عن نفسها: أنها كانت تلعب مع بنات من الأنصار على المراجيح، فجاء نسوة من الأنصار فأخذنها، فغسلن رأسها وهيأنها، فلم تكن حينئذ تلبس ما يسترها في وقت أخذها وهي في التاسعة من عمرها، وذلك حين دخل بها رسول الله ﷺ .

стр. 739

الإيمان قبل العلم وما يستحيل في حق الله تعالى لله تعالى الأسماء الحسنى والصفات العلا، وقد قسم العلماء ما يتعلق بالله من الصفات إلى مستحيلة وواجبة وجائزة بحسب أقسام الحكم العقلي، وفي هذه المادة يشرح الشيخ هذا التقسيم، وما يترتب عليه من الكلام.

стр. 740

أقسام الحكم العقلي وتعلق الصفات بها الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد: فهنا يلزمنا أن نعرف أن الحكم العقلي ثلاثة أقسام هي: - الوجوب. - والاستحالة. - والجواز. فالوجوب هو: أن يحكم العقل بثبوت شيء بحيث لا يقبل ارتفاعه. والاستحالة هي: أن يحكم العقل بنفي شيء بحيث لا يقبل ثبوته. والجواز هو: أن يحكم العقل بتساوي الأمرين بحيث يجوز نفي هذا وإثباته. ومجال صفات الله أحكام العقل ثلاثة كذلك: النوع الأول من الصفات ما يوجبه العقل لله بها، وهذا فيه الصفات المذكورة، حيث يوجبها العقل السليم ودل عليها النقل الصحيح وأيضاً. النوع الثاني: ما يستحيل عقلاً في حق الله تعالى، وهو أضداد هذه، وكل نقص أياً كان. النوع الثالث: ما يجوزه العقل تجويزاً مطلقاً، فما دل النص عليه أخذ من النص، وما لم يدل عليه كان باقياً على الجواز المطلق، كالأفعال كلها، فكل الأفعال يجيزها العقل في حق الله تعالى، فإنه يجيز في حقه المجيء والنزول والاستواء والخلق والرزق والإماتة والإحياء، فهذه الأفعال جائزة في حق الله تعالى، فهو سبحانه يمكن أن يحيي هذا الشخص الآن ويمكن أن يميته، ويمكن أن ينزل المطر الآن ويمكن ألا ينزله، وهكذا، فهذا يجيزه العقل إجازة مستوية الطرفين. فبدأ بالنوع الأول وهو ما يوجب العقل لله تعالى من الصفات فقال: (منها فرداً) أي: واحداً، وقد جاء التعبير عن ذلك بهذا اللفظ، وهو لنفي الكم المتصل بالذات، ولنفي الكم المنفصل في الذات كذلك، ولنفي هذه الصفات عما سواها. فنفي الكم المتصل بالذات معناه: نفي التعدد في الذات الذي يقتضي نفي وجود الجوارح والحواس؛ لأن ذلك نقص في حقه، فيقتضي توحيده نفي ذلك، بخلاف الإنسان، فهو الذي يحتاج إلى هذه الجوارح، ويحتاج إلى ما يتممها من أكل وشرب وراحة ونوم وغير ذلك، والله هو الغني الحميد، ولا يحتاج إلى شيء من هذا. وكذلك نفي الكم المنفصل في الذات، بمعنى: نفي أن يكون للكون آلهة متعددة، كما قال سبحانه: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء:٢٢]. وكذلك في مجال الصفات نفي الكم المنفصل فيها، معناه: أنه لا يتصف أحد بمثل صفاته، كما قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]، فهذا معنى الوحدانية، والوحدانية من صفات السلب، أي: التي معناها نفي؛ لأن الوحدانية معناها عدم التعدد، ونفي التعدد عدم. ثم الصفة الثانية بعدها هي قوله: (غنياً)، وهذه الصفة هي صفة الغنى المطلق. ومعنى الإطلاق فيه: الغنى عن المحل، والغنى عن المخصص. فالغنى عن المخصص معناه: أنه قديم لا يحتاج إلى من يحدثه، والغنى عن المحل معناه: أنه ذو ذات لا يحتاج إلى ما يتعلق به.

стр. 741

أقسام الأشياء من جهة افتقارها عن المخصص والمحل والأشياء أربعة أقسام: القسم الأول: ما هو غني عن المحل والمخصص، وهذا ذات الله. القسم الثاني: ما هو مفتقر إلى المحل والمخصص، وهو صفات المخلوق، فاللون الأبيض في الثوب مفتقر إلى المخصص؛ لأنه حادث ليس قديماً، فيحتاج إلى من يخلقه، وهو المخصص، ومفتقر كذلك إلى محل يقوم به؛ لأننا لا يمكن أن نرى بياضاً ليس في شيء، بل لابد أن يقوم بشيء؛ لأنه صفة لا ذات. القسم الثالث: ما هو غني عن المحل، لكنه مفتقر إلى المخصص، وهو ذات المخلوق، فذاتك أنت مفتقرة إلى المخصص؛ لأنك حادث لم تكن مثلما كنت، وأنت محتاج إلى من يخلقك، لكنك بعد الخلق لا تحتاج إلى ذات أخرى تركب فيها؛ لأنك ذات لست صفة لغيرك. القسم الرابع: ما هو غني عن المخصص قائم بالمحل، ولا يقال: مفتقر إلى المحل، وهو صفات الله ، فهي قديمة، ولا تحتاج إلى المخصص، لكنها صفة لابد أن تقوم بذات. فإذاً: هذه أربعة أقسام ونظمها أحد العلماء بقوله: الأشياء أربع فما منها غني عن المحل والمخصص الغني وعكسه وهو صفات الخلق وقام بالمحل وصف الحق وما إلى المخصص احتاج فقط فهو بذات حادث قد ارتبط ومعنى المخصص: أي الذي يخصص الممكن ببعض ما يجوز عليه، والممكن معناه: كل ما لم يكن، ويمكن وجوده في المستقبل، وهذا يمكن في حقه ست من اثنتي عشرة، وهي التي تسمى بالممكنات المتقابلات، وهي: الوجود والعدم، فهذا الإنسان يولد له ولد، هذا الولد يبيح العقل بأنه لم يولد بعد، ويجوز في حقه الوجود، ويجوز في حقه العدم، فهاتان الصفتان متقابلتان. ثم إذا خرج إلى الوجود لابد أن يتصف أيضاً بالبياض أو السواد؛ لأن الصفات المتقابلة لابد أن يتصف ببعضها دون بعض، فإما أن يكون أبيض أو أسود. ثم بعد ذلك في الأمكنة، فكل مكان يقابله مكان آخر، فإما أن يكون في الرياض أو في مكة مثلاً. ثم بعد هذا الأزمنة هل يولد في الليل أو في النهار؟ وكذلك الجهات هل يولد في الشرق أو في الغرب من المكان الذي خصص به؟ ثم المقادير هل يكون كبيراً أو يكون صغيراً؟ فكل مقدار يقابل مقداراً آخر، فهذه اثنتا عشرة هي الممكنات المتقابلات، والمخصص يخصص الممكن بست منها، ولا يمكن أن يخصصه بأكثر من ست؛ لأن كل واحدة تقابل واحدة تضادها. ولذلك يقول أحد العلماء: الممكنات المتقابلات وجود العدم والصفات أمكنة أزمنة جهات ثم المقادير روى الثقاة قال: [فرداً غنياً أولاً وآخراً] والتفرد والغنى أيضاً من الصفات السلبية.

стр. 742

إثبات صفة الأولية والآخرية والصفات السلبية لله تعالى كذلك قوله: (أولاً وآخراً) صفتان أيضاً هما المعبر عنهما بالقدم والبقاء، لكنه اختار التعبير الشرعي؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ﴾ [الحديد:٣]، والنبي ﷺ يقول: (اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء). وأولية الله ليس لها ابتداء، وآخريته كذلك ليس لها انتهاء، ولكن الأولية والآخرية كلتاهما صفة سلب؛ لأن الأولية معناها: نفي العدم السابق للوجود، بمعنى: أن وجوده لم يسبقه عدم. والآخرية معناها: نفي العدم اللاحق للوجود، ومعناه: لا يمكن أن يأتي زمان وهو غير موجود فيه، ولا يمكن أن يعدم، فهاتان أيضاً صفتان من الصفات السلبية، وبهذا تتم الصفات السلبية، وهي خمس: وقد بدأ بالوجود أولاً. ثم الوحدانية. ثم الغنى. ثم القدم. ثم البقاء. والوجود خارج عنها، لكن الصفة السلبية الخامسة هي مخالفته للحوادث، وهذه قد أشرنا إليها. والمخالفة للحوادث معناها: أنه لا يشبه شيئاً ولا يشبهه شيء، كما قال سبحانه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]، وهذه الخمس هي المذكورة في سورة الإخلاص: فقوله: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] هذه الوحدانية. وقوله: ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص:٢] هذا الغنى. وقوله: ﴿لَمْ يَلِدْ﴾ [الإخلاص:٣] هذا البقاء؛ لأن الذي يحتاج إلى الولد هو الذي يفنى فيحتاج إلى ما يكون خلفاً له. وقوله: ﴿وَلَمْ يُولَدْ﴾ [الإخلاص:٣] هذا القدم. وقوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:٤]، هذا نفي المماثلة والمشابهة وهي المخالفة للحوادث، فجاءت الصفات الخمس في هذه السورة.

стр. 743

الصفات الواجبة لله تعالى (صفات المعاني) ثم ذكر المعاني التي يسميها أهل علم الكلام بصفات المعاني، وهذه تنقسم إلى قسمين: صفات تأثير. وصفات كمال.

стр. 744

صفات التأثير فصفات التأثير معناها: أنه لا يمكن أن يؤثر مؤثر في شيء إلا إذا كان متصفاً بها. وصفات الكمال هي: التي تقتضي كمالاً وتماماً، فقال: [حياً عليماً ومريداً قادراً ومتكلماً سميعاً ذا بصر منزهاً عن الحدوث والغير] فقوله: (حياً) هذا الاتصاف بصفة الحياة: فالله هو الحي القيوم، وحياته تقتضي ألا تأخذه سنة ولا نوم، ولا موت ولا غفلة؛ فهي حياة ليست كحياة المخلوق؛ لأنها حياة يستحيل في حقه معها النوم والغفلة، والموت والجلاء. ثم بعد هذا ذكر صفة أخرى وهي العلم: والله علمه سابق على جميع الأشياء بالإجمال والتفصيل، كما قال سبحانه: ﴿أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق:١٢]. ولذلك قال ابن عباس: (ما من عموم إلا وتحته خصوص، إلا قول الله تعالى: ﴿أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:٢٣١])، فهو عليم بذاته وصفاته وخلقه. ثم ذكر بعد هذا الصفة الرابعة وهي الإرادة: فإنه سبحانه يريد ما شاء، وهذه الإرادة تنقسم إلى قسمين: إرادة كونية، وإرادة شرعية، وقد سبق بيانهما، وسيأتي أيضاً التحدث عنهما. ثم ذكر بعد هذا القدرة: فإن الله سبحانه كما قال عن نفسه: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة:٢٨٤]. وهذه الصفات الأربع هي التي تسمى صفات التأثير، فبها يرتبط خلقه كله وتدبيره للكون كله، وذلك بحياته وعلمه وإرادته وقدرته، وكذلك بكلامه الراجع للإرادة والكلمات الكونية، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٢]، وقال: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل:٤٠].

стр. 745

صفات الكمال وقوله: (ومتكلماً سميعاً ذا بصر): هذه الصفات الثلاث هي التي تسمى بصفات الكمال عندهم، وهي اتصافه بصفة الكلام، وكذلك اتصافه بصفة السمع، وكذلك اتصافه بصفة البصر، وهي صفات كمال. فالكلام: أنه يتكلم متى شاء بما شاء، فما شاء أن يتكلم به تكلم، وهذا يشمل القسمين: الكلمات الكونية والكلمات التشريعية. وكذلك السمع: فهو يسمع، كما قال: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه:٤٦]، وقال: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ [آل عمران:١٨١]، وقال: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [المجادلة:١]. وكذلك البصر: فهو ذو بصر، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه:٤٦]، وقال: ﴿السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الإسراء:١]. فهذه سبع صفات هي: الحياة، والعلم، والإرادة، والقدرة، والسمع، والبصر، والكلام، وهي التي تسمى بالمعاني؛ لأنها تجمع كثيراً من الصفات الأخرى التي تدخل فيها.

стр. 746

الصفات الجامعة وهناك نوع آخر من الصفات هي: الصفات الجامعة للكبرياء والعظمة والجلال والرحمة ونحوها، فهذه تسمى الصفات الجامعة، ولذا قال: [وصفة جامعة فلتعلمه من ذاك فاعدد فضله وكرمه] فالفضل والكرم والجود ونحو ذلك؛ كل هذه من الصفات الجامعة. فهذه يوجبها العقل إيجاباً، ويستحيل ضدها على الله عقلاً، بالإضافة إلى ما أوجبه النقل من الصفات الأخرى. والصفات التي أوجبها النقل كثيرة جداً لا حصر لها، لكن الصفات التي أوجبها العقل في حق موجد هذا الكون هي هذه الصفات.

стр. 747

ذكر الصفات المستحيلة على الله

стр. 748

استحالة أضداد الصفات الواجبة لله تعالى ثم بدأ بذكر الصفات المستحيلة فقال: [منزه عن الحدوث والغير] قوله: (منزه)، أي: تنزيهاً عقلياً، بمعنى: أنه يقتضي العقل تنزهه وتقدسه عن هذه الصفات، ويستحيل في حقه الاتصاف بها، وهي أضداد المذكورات، فصفة الوجود ضدها العدم، والوحدانية ضدها التعدد، والغنى ضده الفقر، والقدم ضده الحدوث، والبقاء ضده الفناء، والمخالفة ضدها المماثلة، والحياة ضدها الموت، والعلم ضده الجهل، والإرادة ضدها الإكراه أو عدم حصول الإرادة، والقدرة ضدها العجز، والتكلم ضده البكم، والسمع ضده الصمم، والبصر ضده العمى، وهذه الصفات مستحيلة عليه ، ولذلك قال: (منزهاً عن الحدوث والغير) والغير بمعنى: أن تعرض له الحوادث والآفات، فالله لا تعترضه الحوادث والآفات، ولا تحل به ، فهو مدبر هذا الكون، وهو محدث هذه الأمور.

стр. 749

تنزيه الله عن حدوث الصفات [وعن حدوث العلم والإرادة وصفة الكلام عند الذادة] كذلك هذه الصفات قديمة غير محدثة، وهذا الفرق بينها وبين صفات الأفعال، فصفات الأفعال يجوز العقل حدوثها، فيجوز العقل أن يحدث الله ما شاء من خلقه، وأن يفعل ما شاء في أي وقت، لكن هذه الصفات السابقة من المستحيل أن تكون قد تجددت له؛ لأنه هو قديم وهذه صفاته. فحياته وقدمه وبقاؤه وإرادته وعلمه لم يكتسبها من خلقه، فلم يكتسب من خلقه أي صفة؛ فهو الخالق ولا خلق، وهو الرازق ولا رزق، وهو المحيي وهو المميت قبل وجود الكون كله، فهو المتصف بهذه الصفات حتى قبل أن تظهر تجلياتها في عجائب خلقه. ولهذا قال: وعن حدوث العلم والإرادة ومعناه: يستحيل في حقه أن يكون جاهلاً بشيء ثم يحدث له العلم، وكذلك يستحيل في حقه تجدد الإرادة، وهذا رد على اليهود الذين يزعمون البداءة على الله، فإنهم يقولون: إنه بدا له بداء، أي: ظهر له أمر كان قد خفي عنه، تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً. ولا ينافي هذا تجاذب الإرادتين، فالإرداة كما ذكرنا أنواع، فيمكن أن تتجاذب، مثل قوله سبحانه في الحديث القدسي: (وما ترددت في شيء أنا فاعله ترددي في قبض نفس عبدي المؤمن؛ يكره الموت وأكره مساءته، ولابد له منه)، فهذا داخل في القدر، والقدر يرد الله بعضه ببعض. وقوله: (وصفة الكلام عند الذادة)، أي: كذلك يستحيل في حقه حدوث صفة الكلام، فهو المتكلم قبل أن يتكلم بالقرآن، وقبل أن يتكلم بالتوراة، وقبل أن يتكلم بالإنجيل، فهو المتصف بصفة الكلام يتكلم متى شاء بما شاء. وقوله: (عند الذادة) أي: عند المدافعين عن الشرع من العلماء.

стр. 750

تنزيه الله عن الآفات والنقائص ثم قال: [فهو متقدس عن الآفات والنقص في النفس وفي الصفات] قوله: (فهو متقدس عن الآفات)، كذلك من صفاته التقدس عن الآفات، فهو منزه عنها، ولا يمكن أن تحل به الحوادث والآفات. والآفات مثل: الأمراض والشيخوخة والعجز والفقر ونحو ذلك، فهذه تستحيل في حقه بالكلية عقلاً بالإضافة إلى امتناعها نقلاً أيضاً. وقوله: (والنقص في النفس وفي الصفات)، كذلك يستحيل في حقه النقص، فأي صفة فيها نقص أو عيب فهي مستحيلة في حقه، سواء كانت من صفات الذات أو من صفات الأفعال، لذلك قال: (والنقص في النفس وفي الصفات). وعبر بالنفس عن الذات؛ لأن هذا التعبير هو الشرعي، كما سبق بيانه. ثم قال: [لا بصفات المحدثين يوصف] فلا يحل أن يوصف بصفات المحدثين وإن كان بعض صفاته يشترك مع بعض صفات المحدثين في الأسماء، لكن لا يحل أن تكيف تلك الصفات على ما يشترك معها في الاسم من صفات المحدثين كاليد والوجه والعين ونحو ذلك، فهذه تشترك مع صفات المحدثين، ومع أجزائه في بعض الأحيان في الاسم فقط. فمن الاشتراك بالأسماء مع صفات المحدثين: العلم والحياة والإرادة، ومن الاشتراك مع بعض أجزاء المحدثين في الاسم: العين والوجه واليدين، ونحو ذلك، فهذه نظيرها في المخلوق جزء، وهي صفة لله ، فلا يمكن أن يفسر شيء من صفاته على نظير ما في المخلوق؛ لأنه مخالف له، كما قال سبحانه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]، لذلك قال: (لا بصفات المحدثين يوصف). أي: لا يجوز ذلك في حقه. والمحدثون هم المخلوقون.

стр. 751

تنزيه الله عن التشبيه [وليس جائزاً لدى من أنصفوا عليه ما عليهم جاز ولا. ] بالنسبة لما يتعلق بالجواز -وهو القسم الثالث من أقسام الصفات- فيجوز في حقه فعل كل الأفعال وتركها، إلا ما ينافي ما ذكر من الكمال فالفعل الذي ينافي الكمال يستحيل في حقه، كاتخاذ الصاحبة والولد ونحو ذلك، فهذا فعل ينافي الكمال، فهو مستحيل في حقه، لكن ما عداه من الأفعال من إحداث أي شيء وإعدامه فهذا جائز في حقه. لكن لا يجوز في حقه ما جاز في حق المحدثين من الصفات، والذي يجوز في حق المحدثين هو مثل الموت والفناء والافتقار والتأثر بالرضا، وكذلك الانشغال، والسرور بمعنى الفرح بحادث وعارض، أو الحزن بمعنى الألم والانقباض النفسي بسبب شيء، فهذا لا يجوز في حقه أن يوصف به. بل يوصف به المخلوق فهو الذي يسر بما أوتي ويفرح به، ويحزن لما يصيبه، والله لا تحل به الحوادث والآفات فلذلك لا يوصف بمثل صفات المحدثين. وقوله: (وليس جائز لدى من أنصفوا)، أي: أن المنصفين -وهم المثبتة الذين يثبتون صفات الله ليس جائزاً عليه عندهم ما عليهم جاز، أي: ما على المحدثين جاز من الصفات. ثم قال: [عليه ما عليهم جاز ولا يشبهه من خلقه شيء علا] كذلك لا يشبهه شيء من خلقه، وكما أنه لا يشبهه شيء فهو لا يشبه شيئاً من خلقه. وقوله: (علا) بمعنى: تعالى، وهذا ثناء على الله بعد ذكر صفاته، وهو المستحق للثناء. يقول: [وكن عمن يشبهه منزهه] كذلك يجب تنزيهه عن المشابهة حتى مع إثبات الصفات، فنثبت له ما أثبته لنفسه مع تنزيهه عن الشبه، فقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] تقييد لقوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]، فأثبت سبحانه لنفسه السمع والبصر، لكن ذلك لا يشابهه سمع المحدثين ولا أبصارهم، فكل صفة أثبتت لله يجب أن تنزه عن أن تكون مشابهة لصفات المخلوقين، وإن اشتركت معها بالاسم لكنها لا تشابهها بوجه من الوجوه.

стр. 752

تنزيه الله أن يحويه مكان أو جهة يقول: [وكن عما يشبهه منزهه أو أن يضمه مكان أو جهه] كذلك مما يجب تنزيهه عنه: أن يضمه مكان؛ فهو العلي الكبير، والله أكبر من كل شيء، فلا يمكن أن يحويه مكان، فهو الذي أحدث المكان، وهو الذي خلقه، والمكان كله محصور بالجهات الست. والمكان أياً كان له ست جهات: الفوق والتحت، واليمين والشمال، والأمام والخلف، أي ست جهات لكل مكان فهو محصور بجهاته، والله لا يحويه مكان، وإثبات صفة العلو والفوقية له لا ينافي ذلك؛ لأن العلو والفوقية غير محدودين، وليس لذلك حدود، ولذلك قال: أو أن يضمه مكان أو جهة. كذلك الجهة إذا قصد بها أنها تضمه وتحده فهي مستحيلة، والجهة من الألفاظ التي يستفصل فيها؛ فإن جاءت على الإطلاق كجهة العلو مثلاً جاز إطلاقها عليه، وإن كانت بمعنى الحد وتقييده فليس كذلك، ولا يجوز إطلاقها عليه بهذا المعنى.

стр. 753

ذكر بعض الصفات الجائزة لله تعالى

стр. 754

صفة الرؤية وذكر درجات رؤية المؤمنين لربهم ثم قال: [وأنه جل يرى في الآخرة] وكذلك من الصفات الجائزة في حقه عقلاً وقد أثبتها الشرع: أنه يُرى في الآخرة؛ وذلك أن أهل الإيمان يرونه . ورؤيتهم له درجات: الرؤية الأولى: الرؤية بالموقف؛ فإن أهل الإيمان يرونه، فيتجلى لهم في صورة، ثم يتجلى لهم في أخرى. الرؤية الثانية: رؤيتهم له عندما يسلم عليهم وقت دخولهم الجنة، كما في الحديث: (بينما أهل الجنة في نعيمهم إذ سطع عليهم نور من فوقهم، يقول: سلام قولاً من رب رحيم). الرؤية الثالثة: هي أنه يستزير أهل الجنة، فيأمرهم بزيارته تشريفاً وتكريماً لهم، ولا يراه إلا أهل الإيمان؛ لأن هذا غاية التشريف والإكرام، ومن رآه حصل له من التشريف ما لا يحصل له بأي شيء آخر، ولهذا لا ينظر أهل الجنة إلى شيء من نعيمهم ما داموا ينظرون إلى ديان السماوات والأرض . ولهذا فإن أهل الإيمان هم الذين يرون ربهم، وإن كانت رؤيتهم متفاوتة بتفاوت درجاتهم في الإيمان، وعلى هذا يتفاوتون تفاوتاً بالغاً في مستوى الرؤية، ولهذا قال النبي ﷺ : (إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر أو هذا البدر لا تضامون في رؤيته، أو: لا تُضامون في رؤيته). وقوله: (لا تضامون في رؤيته)، أي: لا يحول بعضهم دون بعض، ولا يؤثر عليه في الرؤية. وقوله: (ولا تُضامون في رؤيته) معناه: لا يحال بينكم وبينه، فمن حيل بينه وبين رؤيته وحجب عنه فقد ضيم وأذل غاية المذلة، نسأل الله السلامة والعافية، قال : ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ * ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُوا الْجَحِيمِ﴾ [المطففين:١٥ - ١٦]. فالذين يحجبون عن رؤيته هم أهل المذلة الدائمة، وأهل الإيمان لا يضامون في رؤيته، ولذلك قال: [وأنه جل يُرى في الآخرة فاقرأ إذا شئت وجوه ناظرة] ومن أدلة هذا قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢] * ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٣]. وقد سبق الكلام في الرؤية، وذكرنا ما فيها من المسائل الاتفاقية والمسائل الخلافية، ومن المسائل الاتفاقية: أنه يُرى في الآخرة، وذكرنا أنواع الرؤية الثلاثة: الرؤية في الموقف، والرؤية عند دخول الجنة، والاستزارة. وكذلك ذكرنا المسائل الخلافية في الرؤية: هل رأى النبي ﷺ ربه ليلة المعراج؟ وهل يُرى الله في النوم؟ وهل يجيز العقل رؤيته في الدنيا؟ هذه ثلاثة أمور، وهي التي نظمها السيوطي ﵀ في قوله: والخلف في الجواز في الدنيا وفي نوم وفي الوقوع للهادي اقتفى فهذه ثلاثة أمور وقع الخلف في جوازها في الدنيا: جواز العقل، ورؤيته في النوم، وفي الوقوع للهادي ﷺ ، وقد سبق بيانها، وسبق الترجيح فيها. وقد ألف الدارقطني ﵀ كتاباً مختصاً في الرؤية، جمع فيه أحاديثها وآثارها؛ لأن المعتزلة أنكروها، وهي من أوائل الصفات التي اشتهر إنكارها بينهم. وهي من الصفات الجائزة عقلاً؛ لأنه موجود، وكل موجود يصح أن يُرى، وإلى هذا أشار بقوله: [الله موجود وما به امترا وكل موجود يصح أن يُرى]

стр. 755

صفة الكلام ثم قال: وأن ذا القرآن قوله علا لا خلقه والحرف والصوت خلا] يقول: مما يوجب الإيمان به أن هذا القرآن كلامه ، وقوله (علا) أي: تعالى، وقوله: (لا خلقه)، أي: أن القرآن غير مخلوق، وقد سبق دليل ذلك، وبيان الخلاف فيه وتفصيله. وقوله: (والحرف والصوت خلا) كذلك الحرف والصوت قد سبق الكلام فيهما، والتفريق بين تكلم الله وتكلم خلقه، قد سبق بيان ذلك في نظم العقائد.

стр. 756

وجوب الإيمان بالقضاء والقدر

стр. 757

تقدير الله لكل حركة وسكنة تقع من الخلق ثم قال: [ما فيهما وكل لحظة نظر أو فلتة من خاطر فيقدر ينظمها حكم القضا في سلكه في ملكوت ربنا أو ملكه] هنا ذكر بعض المسائل التفصيلية المتعلقة بالقدر، وقد سبق تلخيص جل مسائل القدر تقريباً فيما سبق، فقال: (وكل لحظة نظر) أي: كل نظرة ينظر بها ناظر أياً كان من البشر وممن سواهم. وقوله: (أو فلتة من خاطر)، كذلك كل تذكر من خاطر فهو بقدر الله، سبق في علمه وفي كتابته، وهو عنده في أم الكتاب لا يفوته شيء من ذلك، ولا يقع شيء من ذلك إلا بقدره، وإذا كان هذا في مجرد لفتة الخاطر أو مجرد خطرة البصر فما سوى ذلك من الأفعال كذلك، فكله بقضاء الله وقدره. وقوله: (وكل لحظة نظر) اللحظة هي النظرة السريعة الخاطفة، يقال: لحظه يلحظه، أي نظر إليه عن بعد. وقوله: (أو فلتة من خاطر) الفلتة هي مجرد فكرة سنحت في الخاطر. قوله: (فبالقدر) أي: كل ذلك بقدر الله. وقوله: (ينظمها حكم القضاء في سلكه)، أي: يجمعها جميعاً حكم القضاء في سلكه، فهي موجودة في الكتاب الذي عند الله تعالى في أم الكتاب، وفي علمه السابق على خلقه، ولم تحصل إلا بإرادته وقدرته وأمره. وقوله: (في ملكوت ربنا أو ملكه) سواء كان ذلك في عالم الملكوت أو في عالم الملك، فعالم الملكوت: الخفايا التي لا نطلع عليها، وعالم الملك: ما نراه من هذه الظواهر. ثم قال: [فكل ما يكون من عباده فليس بالخارج عن مراده] كل ما يحصل من عباده من الأفعال يمكن أن يخرج عن مراده، وهذا رد على الجبرية والقدرية معاً، وقد سبق الكلام في هذا، فكل ما يكون من عباده -أي: من خلقه- فليس بالخارج عن مراده، بل لابد أن يكون موافقاً لما أراد.

стр. 758

أنواع القدر خيراً وشراً ثم بين أنواع القدر فقال: [نفع وضر وكذا خير وشر كفر وإيمان فكل بقدر] قد ذكرنا أن أنواع القدر أربعة؛ لأن القدر إما أن يكون خيراً، وإما أن يكون شراً، وإما أن يكون حلواً، وإما أن يكون مراً، فهي أربعة أقسام سبق الكلام في ذكرها أيضاً. وقوله: (نفع وضر) أي: كلاهما بقدر الله، ووفق علمه، ووفق ما كتب. قوله: (وكذا خير وشر) أي: كل ذلك وفق علم الله وبقدره. وقوله: (كفر وإيمان) أي: كل ذلك بقدر الله وفق علمه، ولا يؤمن أحد إلا به، لذلك قال: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [يونس:١٠٠]، فكل بقدر.

стр. 759

أنواع الإرادة وتعلق أفعال العبد بها ثم قال: [وإنما يعني ذوو التصنيف إرادة التكوين لا التكليف] هنا إذا تكلمنا عن الإرادة فنقول: كل ذلك بإرادة الله، والإرادة هنا المقصود بها الإرادة الكونية، وهي المرادفة للمشيئة، لا الإرادة التشريعية؛ لأن الإرادة التشريعية هي الأحكام التي شرعها الله لعباده، وهذه لا يكون فيها الأمر بما يخالف شرعه، بل هي بما شرعه وبما أحب، فالإرادة التشريعية موافقة للمحبة، والإرادة الكونية موافقة للأمر الكوني. ولذلك فإن أفعال العباد تنقسم إلى أربعة أقسام أيضاً: الأول: ما تعلقت به الإرادتان معاً، كالعمل الصالح من الصالحين. الثاني: ما لم تتعلق به واحدة من الإرادتين، كالعمل السيئ من المعصومين. الثالث: ما تعلقت به الإرادة الكونية فقط، كالعمل السيئ من السيئين. الرابع: ما تعلقت به الإرادة الشرعية فقط، كالعمل الصالح من السيئين. فهذه أربعة أقسام، وقد سبق بيانها وتفصيلها، فلذلك قال: (وإنما يعني ذوو التصنيف) أي: المصنفون المؤلفون، (إرادة التكوين لا التكليف). أي: إنما يقصدون هنا في هذا الباب إرادة التكوين لا التكليف، وهي الإرادة التكوينية لا التشريعية. ثم قال: [أي كلماته اللواتي لم يكن فاجر او بر مجاوزاً لهن] إنما يقصدون بذلك كلماته الكونية، لا كلماته التشريعية، فإرادته التشريعية متمثلة في كلماته التشريعية، وإرادته الكونية متمثلة في كلماته الكونية، وكلماته الكونية لا يتعداها بر ولا فاجر، وقد سبق شرحها، وكلماته التشريعية محصورة؛ لأنه لا يتنزل شيء بعد القرآن.

стр. 760

الكلام على مسألة وجوب الأصلح على الله عند المعتزلة ثم قال: [وليس واجباً عليه لأحد من خلقه شيء فما عليه يد] كذلك من مسائل القدر التي لم تسبق لنا مسألة مهمة؛ لأنها رد على المعتزلة والجهمية، وهي: أنه لا يجب عليه شيء، وقد زعم المعتزلة أنه يجب عليه الصلاح والأصلح في خلقه. وهذه هي القضية التي رد فيها أبو الحسن الأشعري على أبي علي الجبائي، فسأله فقال: أرأيت الكبير الذي وفقه الله للهداية والعمل الصالح ومات على السعادة، هل فعل الله به الصلاح والأصلح؟ قال: نعم. قال: فالصغير الذي أماته الله قبل البلوغ، هل فعل الله به الصلاح والأصلح؟ قال: نعم؛ لأنه علم أنه لو بلغ لفجر. قال: إذاً: فسيقول الكبير الذي لم يوفق للطاعات ولا الإيمان: يا رب! لم تبلغ بي درجة الكبير الذي وفقته للطاعة، وقصرت بي دون الصغير الذي أمته قبل البلوغ؟ فلم يستطع جواب هذه، فقال: أبك جنون؟ قال: لا، ولكن وقف حمار شيخي في العقبة! فلا يجب على الله شيء، وهذا من عقيدة أهل السنة والجماعة، ومن ضروريات الإيمان بالقدر: أن الله لا يجب عليه شيء، فهو يفعل ما يشاء، ويخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة، قال سبحانه: ﴿مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلا خَلْقَ أَنفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا﴾ [الكهف:٥١]، وقال: ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٣] كل هذا يقتضي تنزيهه عن أن يجب عليه شيء، لكنه يكتب على نفسه ما شاء؛ كقوله تعالى: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام:٥٤]، فهذا يكتبه على نفسه ويلتزمه لخلقه تفضلاً وعدلاً. والإيجاب إنما يتم في حق من تستطيع أن تكرهه على شيء، والله تعالى لا يمكن أن يبلغ عباده ضره ولا نفعه، ولذلك قال: (فما عليه يد)، أي: لا يمكن أن يصله نفع ولا ضر من خلقه. ثم قال: [بل إن يثب فذاك منه فضل وإن يعاقب فهو منه عدل] إذا أثاب بالحسنى فذلك من فضله ورحمته، وإذا عاقب فذلك بعدله، وقد نفى الله سبحانه الظلم عن نفسه، فقال: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت:٤٦]، وقال في الحديث القدسي: (يا عبادي! إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا). وهذه المسألة حصل فيها الغلط لدى بعض الناس؛ فزعموا أن معنى نفي الظلم عنه أنه لا يمكن أن يقع منه عقلاً أصلاً، وأن معنى الظلم عندهم: مجازاة المحسن بالإساءة، ومجازاة المسيء بالإحسان، وهذا يبيحه العقل، فأخطئوا في هذه المسألة. والفريق الآخر قالوا: بل كل ما فعله فهو عدل، ولو كان ظلماً في حق غيره؛ لأنه من تصرف المالك بملكه، فيمكن أن يعاقب المحسن، ويثيب المسيء، وهذا أيضاً غلط؛ لأنه سبحانه حرم الظلم على نفسه. والصواب في مثل هذا: أن الظلم الذي حرمه الله على نفسه هو بالتعدي بمجازاة المحسن بالإساءة، ومجازاة المسيء بالإحسان، وهذا لا يمكن أن يقع؛ لأنه قال: ﴿هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلَّا الإِحْسَانُ﴾ [الرحمن:٦٠]، لكن لا يجب عليه مع ذلك أن يدخل أحداً الجنة، ولا يجب عليه شيء لأحد، بل الأعمال الصالحة التي يدخل بها العبد الجنة هي بفضله وتوفيقه، ويمكن أن يتقبلها، ويمكن أن يردها؛ بحسب ما يعلم من السرائر؛ فهو مطلع عليها لا يمكن أن يخفى عليه منها شيء. فمن عاقبه الله فإنه يستحق تلك العقوبة قطعاً، ومن أثابه فذلك فضل من الله تعالى، ولهذا قال النبي ﷺ : (لن يدخل أحد منكم الجنة بعمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله! قال: ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمته)؛ لأن هذه الأعمال تقابل النعم التي لا حصر لها، فالعبادات تقابل النعم، ومن هنا لا يمكن أن يستحق بها الإنسان الجنة، وإنما هي سبب لدخول الجنة، لكنها ليست ثمناً للجنة، فالباء في قوله: ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة:١٧] باء السببية لا البدلية.

стр. 761

وجوب الإيمان بمحمد رسول الله ﷺ وبما جاء به وأن أحمد رسوله إلى الـ خلق أمينه على ما قد نزل من وحيه أي: مما يجب الإيمان به والتصديق: أن أحمد رسول الله إلى الخلق، وأحمد هو اسم رسول الله ﷺ ، وهو أفعل تفضيل من الحمد، وهو أحمد الخلق لله، وهذا الاسم هو اسمه في الإنجيل في بشارة عيسى به، كما قال حاكياً عن عيسى ﵇: ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف:٦]. وقوله: (رسوله): هذه شهادة أن محمداً رسول الله. وقوله: (إلى الخلق): معناه إلى الثقلين الإنس والجن، وهذا عموم رسالته، وهو من خصائصه ﷺ بخلاف من سبقه من الرسل؛ كما قال ﷺ : (كان الرسول يرسل إلى قومه خاصة وبعثت إلى الأحمر والأسود)، وفي رواية: (وبعثت إلى الناس كافة). وقد دل الدليل كذلك على بعثه إلى الجن بآية الأحقاف، وسورة الجن، وغير ذلك. وقوله: (أمينه على ما قد نزل من وحيه)، أي: قد اختاره الله تعالى فائتمنه على وحيه، وهذا أعلى درجات التفضل على العبد، فأعلى درجات التفضل على العبد أن يختاره الله أميناً على وحيه؛ فالرسالة هي أعظم مراتب التفضل والنعم، فنعمة الإيمان نعمة عظيمة، لكن فوقها نعمة الولاية لله تعالى، ثم نعمة الرسالة والنبوة هي أعظم النعم. وقوله: (أمينه على ما قد نزل من وحيه)، أي: الذي أوحي إليه هو من القرآن، وهو أيضاً مصدق لما بين يديه، ومهيمن على جميع ما قد نزل من وحيه. [من وحيه فكل ما عنه نطق من أمر دنيانا وأخرانا فحق] كل ما نطق به النبي ﷺ سواء تعلق بأمر الدين أو بأمر الدنيا، فهو حق. وقوله: (من أمر دنيانا): مثلما يقع من الفتن والحوادث وأشراط الساعة. وقوله: (وأخرانا): مثل المحشر وما بعده. وقوله: (فحق): يجب الإيمان به. ثم مثل له فقال: [كالحشر والنشر وكالعذاب في القبر والتمييز للمرتاب] النشر هو: البعث بعد الموت. وقوله: (وكالعذاب في القبر) هذا قد سبق شرحه في الدروس الماضية. وقوله: (والتمييز للمرتاب) هذا يتعلق بالسؤال من نكير ومنكر، وهذه فتنة القبر، والسؤال من نكير ومنكر هو سؤال الملائكة. وقوله: (والتمييز للمرتاب) أي: من الموقن، كما في الحديث: (قد علمنا إن كنت لموقناً). (والوزن): كذلك وزن الأعمال، وقد سبق ذكر الموازين القسط. والمسير على الصراط: كذلك المرور على الصراط والمسير عليه. ومصير السالك جنة أو ناراً: كذلك مما يجب الإيمان به مما أخبر به الجنة والنار، وأنهما مصير السالك طريق الصراط، إذ لابد أن يكون مصيره إما إلى جنة وإما إلى نار. وهكذا يجب الإيمان بغير ذلك مما أخبر به من أشراط الساعة ومشاهد القيامة، فكل هذا مما يجب الإيمان به، وتصديق النبي ﷺ في كل ما أخبر به من ذلك. أقول قولي هذا، واستغفر الله لي ولكم، وأسأل الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلا أن يعلمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علمنا، وأن يزيدنا علماً، وأن يجعلنا هداة مهتدين غير ضالين ولا مضلين، وأن يوفقنا لما يحب ويرضى. اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان واجعلنا من الراشدين، اللهم اجعل حبك أحب إلينا من أنفسنا وأهلينا ومن الماء البارد. اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا، ومتعنا بأسماعنا وأبصارنا وقوتنا ما أحييتنا، واجعله الوارث منا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا وانصرنا على من عادانا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا، ولا تسلط علينا من لا يرحمنا، ولا تجعل إلى النار مصيرنا، واجعل الجنة هي دارنا. اللهم استعملنا في طاعتك، واجعلنا هداة مهتدين غير ضالين ولا مضلين. اللهم أنت أحق من ذكر، وأحق من عبد، وأنصر من ابتغي، وأرأف من ملك، وأجود من سئل، وأوسع من أعطى، أنت الملك لا شريك لك، والفرد لا ند لك، كل شيء هالك إلا وجهك، لن تطاع إلا بإذنك، ولن تعصى إلا بعلمك، تطاع فتشكر، وتعصى فتغفر، أقرب شهيد، وأدنى حفيظ، حلت دون النفوس، وأخذت بالنواصي، ونسخت الآثار، وكتبت الآجال، القلوب لك مفضية، والسر عندك علانية، والحلال ما أحللت، والحرام ما حرمت، والدين ما شرعت، والأمر ما قضيت، والخلق خلقك، والعبد عبدك، وأنت الله الرءوف الرحيم، نسألك بعزك الذي لا يُرام، وبنورك الذي أشرقت له السماوات والأرض، وبكل حق هو لك، وبحق السائلين عليك؛ أن تقيلنا من العثرات، وأن تجيرنا من النار. سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

стр. 762

المسابقة إلى الخيرات جعل الله هذه الدار دار ابتلاء وامتحان، وجعل الآخرة دار جزاء وثواب، وأمرنا في هذه الدار بالمبادرة إلى الطاعات والمسابقة إلى الخيرات، وأن نستغل أعمارنا بما يرضي الله حتى نثقل موازيننا بالأعمال الصالحة، وحذرنا من الشيطان ومشاغله ومكائده، فهو عدو لدود للمؤمنين، وأمرنا باتخاذه عدواً.

стр. 763

ضرورة المبادرة إلى الطاعات واغتنام الأوقات بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على من بعث رحمةً للعالمين، وعلى آله وأصحابه، ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين. أما بعد: فإن الوقت هو الحياة، وإن عمر الإنسان قصير، وإن هذه الحياة هي دار الامتحان، فعلى الإنسان أن يبادر فيها للطاعات ما دامت الفرصة مواتية وسانحة، فإن هذه الدنيا دار انتقال، وبقاء الحال من المحال، ولذلك سرعان ما ينتقل عنها الإنسان ولم يشف منها غله، بل إن الذين انتقلوا من هذه الدار يتمنون الرجوع إليها ولو لحظة واحدة، كما قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ * وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ * وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [المنافقون:٩ - ١١]. وقد أمر الله المؤمنين بالمبادرة إلى الطاعات والمسارعة فيها، فقال تعالى: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [البقرة:١٤٨]، وقال تعالى: ﴿سَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ * وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران:١٣٣ - ١٣٥]، وقال تعالى: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ﴾ [الحديد:٢١]. إن هذه الدنيا مجال للمسابقة، والناس فيها كل يوم في مسابقة جديدة، كما صح عن النبي ﷺ أنه قال: (كل الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها)، فيغدو الإنسان في صباحه بعمر جديد؛ لأنه عند نومه طويت صحائف أمسه، وختم عليها، ولا تنشر إلا عندما توضع الموازين بالقسط ليوم القيامة، في كل يوم ينادي المنادي: يا ابن آدم! أنا يوم جديد، عليك فيه لله خطاب أكيد، فلا تضيع الفرصة ثم إذا غربت شمس ذلك اليوم ذكر الموت الإنسان مرة أخرى بالليل: (فالله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، حتى تطلع الشمس من مغربها). ولهذا فإن عمل الشيطان يتركز في هذه الحياة الدنيا على شغل الإنسان عن المبادرة إلى الطاعة، فيحاول معه تطويل الأمل، وهو الداء الأول للبشر، يقول له: إن أمامك عمراً طويلاً. كما يقول للنائم عندما يعقد ثلاث عقد على قفاه: إن عليك ليلاً طويلاً فنم. يضرب بذلك في كل عقدة، فكذلك يقول للإنسان: إن أمامك عمراً طويلاً، فما لم تفعله في هذا اليوم ستفعله غداً، وما لم تفعله في هذا الشهر ستفعله في الشهر القادم وما لم تفعله في الشهر القادم. ستفعله في السنة القادمة، وهكذا فيطول الأمل، وقبل أن ينتبه يأتي الأجل، فالأمل أتى به الله ليعمل الناس في الدنيا، لا ليطيلوا الأمل فيغتروا به، وقد ورد في حديثٍ فيه ضعف (إن الله لما أخرج ذرية آدم من ظهره رآهم فأعجبته كثرتهم، فقال: أي رب! كيف يعيش هؤلاء في هذه الأرض؟ فقال: إني خالق موتاً. فقال: إذاً لا ينعم لهم بال عليها. قال: إني خالقٌ أملاً). فبالموت ينتقصون حتى تحملهم الأرض كفاتاً أحياءً وأمواتاً، وبالأمل تهدأ قلوبهم في هذه الدنيا، ويطمئنون إليها، لكن النبي ﷺ صح عنه: (أنه خط خطاً مربعاً، وخط في داخله خطاً، ثم أخرج منه خطاً طويلاً، ثم خط خطوطاً صغيرة في الأطراف، فوضع إصبعه على الخط الذي في داخل المربع فقال: هذا الإنسان، ثم وضع إصبعه على المربع فقال: وهذا أجله. ثم وضع إصبعه على الخط الخامس فقال: وهذا أمله، ثم وضع إصبعه على الخطوط الصغيرة فقال: وهذه الأعراض إن أخطأه هذا أصابه هذا)، فما يعرض للإنسان من الأمراض والآفات هي مقدرة عند الله ، فإن أخطأه هذا أصابه الذي يليه، وهكذا.

стр. 764

حقيقة الأعمار التي تمر بالإنسان وكيفية استغلاله لها

стр. 765

العمر الأول: عمر الدنيا نفسها ومن هنا فإن للإنسان في هذه الدار ثلاثة أعمار: فهي دار عمل ولا جزاء، والناس بخروجهم منها سيندمون جميعاً، فالمحسن يندم على أن لا يكون زاد، والمسيء يندم على إساءته، وفي ذلك فما من إنسان إلا وهو يتمنى الرجوع إليها، حتى إن النبي ﷺ صح عنه في الصحيحين أنه قال: (ولوددت أني أقاتل في سبيل الله فأقتل، ثم أحيا فأقاتل فأقتل، ثم أحيا فأقاتل فأقتل)، وكذلك فإن الشهداء يتمنون الرجوع إلى الدنيا ليقاتلوا فيقتلوا مرة أخرى في سبيل الله، وكذلك كل من أحسن في عمله يتمنى أن يرجع إلى الدنيا حتى يزيد من الطاعات؛ لما يراه من تفاوت أحوال أهل الآخرة، فأحوال أهل الدنيا متقاربة، وأحوال أهل الآخرة متباعدة، فأهل الجنة يتراءون الغرف كما يتراءى أهل الأرض الكوكب الدري في السماء، وهذه الكواكب التي نراها يصل إلينا نورها وضوؤها وهو من ملايين السنين يتجه إلينا، فلا تظن أن الضوء الذي نراه هو ابن وقته، بل هو من ملايين السنين يتجه إلينا، فهذا الفرق الشاسع بين أحوال أهل الآخرة، وهذا في حق أهل الجنة فكيف بمن سواهم؟! أخبر النبي ﷺ أن حجراً صلباً ألقي في جهنم فمكث سبعين خريفاً يهوي حتى وصل إلى قعرها، فلذلك على الإنسان أن يعلم أن هذا العمر الأول الذي هو عمر هذه الدنيا منقضٍ لا محالة، وأن نهايته حتمية، فهذه الدنيا غير باقية، ولذلك فإن اسمها إما أن يكون مشتقاً من الدنو أو أن يكون مشتقاً من الدناءة، فالدنيا إما أن تكون من الدنوِ لقربها من الآخرة، أو أن تكون من الدناءة لأنها لا تساوي عند الله جناح بعوضة، فلو كانت تساوي عنده جناح بعوضة، ما سقى منها كافراً شربة ماء، وهذه الدنيا نهايتها لا تأتي إلا بغتة، فإنما نهايتها بأن يأذن الله للملك بأن ينفخ في الصور، فينفخ فيه نفخة الفزع فيصعق الناس جميعاً لها، ويمكثون أربعين سنة، ثم ينفخ النفخة الأخرى فإذا هم قيام ينظرون، وتنبت أجسامهم من جديد، فيخرجون يلبون نداء الله عندما ينادي: هلموا إلى ربكم. فيخرجون حفاة، عراة، غرلاً ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٤]، كما ولدتهم أمهاتهم يبعثون، فيحشرون إلى الساهرة يجتمعون فيها جميعاً مثلما يجتمعون في المقابر، فالذي مات اليوم ودفن في المقبرة تساوت المعلومات التي لدينا عنه مع المعلومات التي لدينا عمن دفن قبل ألف سنة، فإن من ورائهم ذلك البرزخ الذي لا يمكن أن يخترق ﴿وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ * فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ * تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٠ - ١٠٤]. فمن علم هذا الحال علم أن هذه الدنيا ينبغي أن تنتهز، وقد صح في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: (إن أخوف ما أخافه عليكم ما ستجدون بعدي من زهرة الدنيا، فإنها خضرة حلوة، وإن مما ينبت الربيع ما يقتل حبطاً أو يلم، إلا آكلة الخضر فإنها رتعت حتى إذا امتدت خاصرتها استقبلت عين الشمس فثلطت وبالت ثم رتعت، ولنعم صاحب المسلم هي إن أطعم منها الفقير، والمسكين وابن السبيل). إنك تشاهد التقلب في هذه الدنيا، وهو مؤذنٌ بالزوال، فتشاهد الفقير ينتقل إلى غني، وتشاهد الغني ينتقل إلى فقير، وتشاهد الصغير ينتقل إلى كبير، وتشاهد الضعيف يصبح قوياً والقوي يصبح ضعيفاً، وكل هذا مؤذنٌ بانتقال هذه الدنيا كلها، فالتغير دليل الفناء، وما كان كذلك فعلينا فيه أن ننتهزه. لاحظ أن العامل الحريص الذي وقته ضيق، فإنه إذا رأى الشمس تدنو للغروب وقد تضيفت له فإنه لا يفسد شيئاً من وقته، بل يكابد العمل غاية المكابدة ليتمه قبل أن تغرب الشمس. فالآن لم يبق من هذه الدنيا التي هي دار العمل إلا مثلما يبقى من النهار عندما تتضيف الشمس للغروب، فنحن آخر الأمم، ونحن أيضاً في آخر هذه الأمة، ثم إن الذي ينتقل من هذه الدار سيرى الذين سبقوه في الأعمال، سيرى كل إنسان يستظل بظل صدقته يوم القيامة بين مستكثر أو مستقل، ويرى أولئك الذين ترجح كفة حسناتهم رجحاناً بيناً عظيماً فيفرحون عند لقاء الله فرحاً عجيباً، ويرى آخرين دون ذلك، حتى يرى ما أخبر به النبي ﷺ : (من أن رجلاً أتى به، فلما عرض على الله قال: هل لك من عمل صالح؟ قال: لا يا رب. فأمر الله ملائكته فجاؤوا بصحائفه، فإذا سجلات قدر مد البصر تبلغ الأفق من السيئات، وإذا بطاقة قدر الظفر كتب فيها: (لا إله إلا الله)، فقال الرجل: يارب! ما تغني هذه البطاقة عن هذه السجلات؟ فقال: إنك لا تظلم شيئاً. فوضعت السجلات في كفة السيئات، ووضعت البطاقة في كفة الحسنات، فرجحت (لا إله إلا الله) وطاشت السجلات)، وقد ذكر أحد الشعراء وصية النبي ﷺ وتعليمه للناس فنظم ما قال فقال: أجِدك لم تسمع وصاة محمدٍ رسول الإله حين أوصى وأشهدا إذا أنت لم ترحل بزادٍ من التقى ولاقيت بعد الموت من قد تزودا ندمت على أن لا تكون كمثله فترصد للموت الذي كان أرصدا إن التقلبات التي نشاهدها في هذه الحياة تقتضي منا المبادرة، فما من إنسان منا إلا وقد كان يجد فراغاً وصحةً، وقد عدم ذلك إلى غير رجعة، وقد علم أنه لن يعود إلى قوته التي فقدها، ولن يعود إلى شبابه الذي فقده، ولن يعود إلى الفراغ الذي كان فيه، يعلم أن تلك النعمة قد ذهبت، وقد قال النبي ﷺ : (نعمتان مغبونٌ فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ)، فالصحة نعمة عظيمة لا يقدرها إلا من ابتلي بالمرض، عندما تؤلمه عينه أو أذنه أو ضرسه أو أي عضو منه فيبيت يتقلب لا يستطيع النوم، يتذكر حال الصحة وما كان عليه من قبل، فيتذكر أنها النعمة العظيمة، وكذلك إذا رأى بلاء الآخرين، فرأى من فقد البصر، أو من فقد السمع، أو من فقد الحركة، أو من فقد العقل، نسأل الله السلامة والعافية. وشرٌ من ذلك البلاء في الدين، فمن فقد دينه بالكلية فهو أعظم الناس بلاءً، ثم من فقد جزءاً من أجزاء دينه كذلك فهو أعظم بلاء من الذي فقد بعض بدنه.

стр. 766

العمر الثاني: عمر الإنسان الشخصي هذا العمر الذي بدأ بالنفخ فيه وهو جنين في بطن أمه، وينتهي بنزع الروح منه، وقد صح عن النبي ﷺ أن العبد إذا كان في منقطع من الدنيا وإقبال من الآخرة أتاه ملك الموت، فجلس عند رأسه، فإن كانت نفسه طيبة قال لها: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [الفجر:٢٧ - ٣٠]، فتخرج نفسه كما تسل القطرة من في السقاء، فلا تمكث في يد ملك الموت طرفة، بل يتناولها ملائكةٌ كأن وجوههم الشموس قد جلسوا مد البصر وهم باسطو أيديهم، فيجعلونها في كفن من أكفان الجنة، ويطيبونها من طيب الجنة، ويرتفعون بها إلى السماء، فيستأذنون فيقال: مرحباً بالنفس الطيبة، فيؤذن لها حتى تخر ساجدةً تحت العرش، فيقال لها: ارجعي من حيث جئت لسؤال الملكين. وإن كانت النفس الخبيثة قال لها ملك الموت: يا أيتها النفس الخبيثة! اخرجي إلى سخط من الله وعقوبة. فتتفرق في البدن فينتزعها كما ينتزع السفود من الصوف المبلول -والسفود: مسمار فيه عوجٌ والتواء-، فينتزعها بشدة وقوة فلا تمكث في يده طرفة عين، بل يتناولها أولئك الملائكة الذين قال الله تعالى في حقهم: ﴿والملائكة بَاسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ﴾ [الأنعام:٩٣] فيأخذون تلك النفس الخبيثة، فيجعلونها في سفط من أسفاط النار، ويغطونها من قطران النار، ويرتفعون بها فيستأذنون، فلا يؤذن لها، وقرأ ﷺ : ﴿لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ [الأعراف:٤٠]، فترد النفس من حيث أتت خائبةً خاسرة. ومن علم أن نهايته هكذا وهو لا يدري إلى أي الحالين ٍيصير، وعلم كذلك أن انتقاله بعد الموت إلى القبر، وبه تقوم قيامته، فإذا مات ابن آدم فقد قامت قيامته، يبدو له من الله ما لم يكن يحتسب، ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ [الزمر:٤٧]، ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ * وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ * وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ * لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [ق:١٩ - ٢٢]. يتصور الإنسان المقابر عندما يقف عليها أمراً سهلاً، وأنها كما نرى ظاهرها، ولكن هناك فرق بين ظاهرها وباطنها، بل هناك أمر لا يمكن أن نتصوره، فالقبر أول منازل الآخرة، واعلم أنه أول شيء من الآخرة العظيمة التي وصفها الله بما نعلم من الأوصاف، فهي القارعة، وهي الصاخة، وهي الطامة، وهي الآزفة، إن أول منازلها لا بد أن يكون مفظعاً مروعاً، ولذلك فأول ما يلقاه الإنسان بعد تلك الضجعة ضمة القبر، التي تختلف منها الأضلاع، وتزول منها الحمائل، وقد صح عن النبي ﷺ أنه كان في جنازة، فلما وضع الميت في لحده نظر إلى أصحابه، فقال: (أعدوا لمثل هذه الضجعة). كذلك بعد هذا مجيء منكر ونكير اللذين يأتيان في أبشع صورة، يأتيان المرء فيقولان له بكل عنفٍ: (من ربك؟ وما دينك؟ وما كنت تقول في هذا الرجل؟ فأما المؤمن فيوفقه الله ويثبته بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، فيقول: ربي الله، وديني الإسلام، والرجل الذي بعث إلينا هو نبينا محمد ﷺ ، هو محمد، هو محمد، هو محمد -ثلاثاً- جاءنا بالبينات والهدى فآمنا به واتبعناه. فيقولان له: صدقت وبررت، نم نومة عروس ويملآن عليه قبره خضراً ونوراً، وأما المنافق أو المرتاب فيقول: هاه هاه. لا أدري! سمعت الناس يقولون شيئاً فقلته، فيقولان له: لا دريت ولا تليت. ويملآن عليه قبره بالثعابين والحيات والعقارب، وتفتح له نافذةٌ إلى مقعده من النار، ويضربانه بمرزبة معهما لو اجتمع عليها أهل منى ما أقلوها، فيصيح صيحة يسمعه من يليه إلا الإنس والجن، وبذلك تنقطع أخبار الإنسان الذي حل في القبر، فلا يصل إلينا شيء من أخباره: ﴿وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون:١٠٠]. تختلط بالقبر الواحد عظام من هو في غاية النعيم، ومن هو في غاية العذاب، فلا هذا يحس بشيء من نعيم هذا، ولا هذا يحس شيئاً من عذاب هذا، وقد اختلطت عظامهما وتحللت أجسادهما في تربة واحدة، لكن ذلك الاختلاط لا يمكن أن يخفي شيئاً من حالهما على الله ، فلهذا لا يصل إلى أحدهما شيءٌ من حال الآخر، لا هذا يحس بنعيم الآخر، ولا الآخر يحس بعذاب هذا، فمن علم هذا الحال كذلك ولم يدر متى يموت، كما قال سبحانه: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ [لقمان:٣٤]، وهو يعلم أن كل يوم من الأيام ينطلق فيه وفدٌ من أهل الدنيا إلى الآخرة، ولا يشاور من سيخرج اليوم في وفد الآخرة، فلا يدري: ﴿وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ﴾ [الأعراف:١٨٥]، فيمكن أن ينتقل كل واحد إلى الآخرة اليوم أو غداً، وهكذا، فمن كان كذلك فعليه أن يجتهد في الفرصة الباقية، وهو يعلم هول ما أمامه وشدته.

стр. 767

العمر الثالث: ما مكن الله الإنسان من النعم وكيفية استغلالها ثم إن الفرصة الثالثة والعمر الثالث هو ما مكن الله للإنسان في هذه الدار من المنافع والخيرات والنعم الكثيرة، وهي امتحان له، ولكل نعمة منها أجل مسمى. فهذا اللسان يمكن أن يقول الآن: (لا إله إلا الله)، وسيحال بينه وبين ذلك، وهذه الأرجل يمكن أن تحمل الإنسان الآن إلى طاعة الله، كالصلاة في المسجد، أو سماع درس أو غير ذلك، وسيحال بين الإنسان وبين ذلك، وكذلك السمع، وكذلك البصر، وهكذا كل النعم التي عند الإنسان لها آجال محددة في علم الله، فأهل الإنسان وماله وديعة، ولذلك قال لبيد بن ربيعة ﵁: وما المال والأهلون إلا وديعة ولا بد يوماً أن ترد الودائع فلا بد أن ترد تلك الودائع، وعلى هذا فتمتع الإنسان بها له أجل محدد في علم الله تعالى لا يمكن أن يتجاوزه، ومن كان هكذا فعليه أن ينتهز الفرصة وأن يبادر، فما هي إلا مثل عاريةٍ، فإذا أعارك إنسانٌ آلةً لتستخدمها لمدة محددة فإنك ستبادر لاستغلالها قبل فوات الأوان، من أعارك سيارته لتبلغ عليها مكاناً معيناً وتعلم أنه سيأخذها عند وقت محدد فإنك لن تتركها قائمةً واقفة، بل لا بد أن تستغلها قبل أن يأتي الأوان، ولذلك فكل ما عندك من النعم هو مثل السيارة المستعارة، أعارك الله هذه النعم ولها آجال محددة يقبضها ويأخذها.

стр. 768

الحث على استغلال الأعمار الثلاثة للإنسان فهذه الأعمار الثلاثة على الإنسان أن يجتهد في استغلالها، وأن يكون رشيداً، وأن لا يكون سفيهاً، فالسفيه هو المبذر الذي يجمع بالتعب ويفرق في غير طائل، فكذلك الذي لا يستغل هذه النعم ويبذرها في غير طائل فهو سفيه، فإن النبي ﷺ قال: (لا تزول قدما عبدٍ يوم القيامة حتى يسأل عن أربع -وذكر منها-: وعن شبابه فيما أبلاه)، إن كل من مضى عليه عمر الشباب ووقته فهو يتذكر ضياعاً كثيراً فيما مضى من عمره، ولذلك لا يسره أن تعرض عليه أعماله في شبابه، ولهذا قال الحسن البصري ﵀: إن عُمراً ضيع أوله لجدير أن يحفظ آخره. السؤال الثاني: (وعن عمره فيما أفناه)، فإن كثيراً من الناس يقطع العمر بالحكايات التي لا طائل من ورائها، فيجلس مع مجموعة ساعةٍ كاملة تخلو غالباً من ذكر الله، وإن كثيراً من الناس يحسن الثناء على الناس ولا يحسن الثناء على الله، فلو عرضت عليه صحيفته لوجد فيها كثيرٌ من مدح الناس، لكن كم فيها من الثناء على الله؟! الشيء اليسير، ولا يحسن ذلك إلا إذا قرأ الفاتحة في الصلاة، وهكذا فالأوقات تمضي فيما لا طائل من ورائه. السؤال الثالث: قال: (وعن علمه فيما عمل به)، فكل من بلغته كلمةٌ واحدةٌ مما جاء به النبي ﷺ فيسأل عنها، ولهذا قال أبو الدرداء ﵁: (إن أخوف ما أخافه كتاب الله، أن لا تبقى آية آمرةٌ إلا جاءتني فقالت: يا أبا الدرداء! قد أتيتك آمرةً فلم تأتمر بي. ولا آية زاجرةٌ إلا جاءتني فقالت: يا أبا الدرداء! قد أتيتك زاجرة فلم تنزجر بي). إننا نحفظ القرآن كاملاً، ونسمعه ونقرؤه، لكن علينا أن نتذكر أن هذا القرآن يلعن أقواماً وهم يقرؤونه، فرب قارئ للقرآن والقرآن يلعنه، فإذا كنت تخالف ما تقرأ فكنت تقرأ قول الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ﴾ [الأنعام:١٦٢ - ١٦٣]، وتخالف ذلك فلا تجعل حياتك لله، ولا صلاتك خالصةً لله، ولا عبادتك خالصةً لله، ولا تريد أن يكون موتك في سبيل الله، فكيف تكذب على الله وتشهده على ما ليس بحق وهو علام الغيوب؟ كذلك إذا قرأت قول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة:١١١]. فأنت تعلم أن هذه الآية ناطقةٌ عليك، وأن هذا القرآن ينطق يوم القيامة، فإما أن يشفع وإما أن يمحل، فهو شافعٌ لا يرد، أو ماحل مصدق، يقود أقواماً حتى يدخلهم الجنة، ويسوق آخرين حتى يكبهم على وجوههم في النار، ويأتي يوم القيامة تتقدمه البقرة وآل عمران في صورة غمامتين يحاجان عن صاحبهما، ثم إنك إذا تعلمت ولو جزءاً يسيراً فاعلم أن فيه لله كثيراً من الحقوق، منها حق العمل به، ومنها حق تدبره وتفهمه، ومنها حق الاتعاظ به. السؤال الرابع: قال: (وماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه)، فيسأل في المال سؤالين: السؤال الأول: يقال له: من أين لك هذا؟ هل أخذته من حله أم لا؟ فإن كان أخذه من حله فإنه سيبارك له فيه، وإذا وفق لصرفه في محله فإنه سيكون ستراً له من النار، وإن أخذه من غير حله فإنه سيندم عليه، فيقول: ﴿مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ [الحاقة:٢٨ - ٢٩]. السؤال الثاني في المال: هو قوله: (فيمَ أنفقه؟) بعد أن اكتسبه وجمعه، فهل يكفي مجرد الجمع؟ لا. بل المال يجمعه الإنسان فيتعب فيه، ثم بعد ذلك ينفقه ويفرقه، ففيمَ أنفقه؟ هذا السؤال على كل إنسان أن يطرحه على نفسه، وقد بين النبي ﷺ مكائد الشيطان في الحرص، فقال ﷺ : (يقول ابن آدم: مالي مالي. وهل لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو قدمت لآخرتك). وقال كذلك فيما صح عنه: (أيكم مال وارثه أحب إليه من ماله؟ قالوا: ما منا أحد إلا ماله أحب إليه من مال وارثه. قال: فإن ماله ما قدم ومال وارثه ما أخر). فلذلك على الإنسان أن يستحضر هذه الأسئلة الأربعة، ويعلم أنه سيواجه بها بين يدي الله، (لن تزول قدما عبد) أي: لن تتحرك واحدةٌ منهما من مكانها حتى يجيب عن هذه الأسئلة.

стр. 769

التحذير من غرور الشيطان ومشاغله وخدعه وأوهامه إن غرور الشيطان في هذه الحياة الدنيا كثير، كما ذكرناه من الغرور في الوقت، إنما نشاهده بعد مضي الزمن، ينظر الإنسان فيما مضى من عمره فيجد السنة والسنتين والثلاث والأربع وتقدمه في الإيمان فيها بطيء، لكن إسراعه إلى الموت سريع. فهو يسرع سرعة هائلة إلى الموت، يطوي المسافات، فكل يوم يقطع فيه مسافة طويلة إلى الموت، ومع ذلك فإن تقدمه في الإيمان والعمل الصالح يسير وقليل لا يرضاه إلا إذا كان منافقاً، فالمنافق يغتر بذلك، ويظن أن ما عمله كافٍ، والغرور ما خافه إلا مؤمن ولا أمنه إلا منافق. ثم من مشاغل الشيطان كذلك التي يشغل بها الإنسان في هذه الحياة الدنيا أن ينسى لماذا أتى إلى هذه الدار، وما هي مهمته فيها، فهل جاء من أجل تقوية بدنه وتحسين سمعته؟ وهل جاء من أجل جمع ماله؟ وهل جاء من أجل التمتع بالشهوات والملذات؟ لماذا جاء إلى هنا؟ لماذا خلقنا الله؟ فنحن ما خلقنا أنفسنا، ولا اُستشرنا بالخلق في الخلق: ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ [الانفطار:٨] يخلقنا الله في أي صورة شاء، فمنا الطويل، ومنا القصير، ومنا الوسط، ومنا الأبيض، ومنا الأسود، ومنا الحسن، ومنا القبيح، فليس لنا مشورة في ذلك، وقد قال الله تعالى: ﴿مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلا خَلْقَ أَنفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا﴾ [الكهف:٥١]، فمن كان كذلك يعلم أنه ما استشير في خلقه عليه أن يسأل: لماذا خلقت؟ وجواب ذلك قول الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات:٥٦ - ٥٨]. إن كل شيء قيمته هي ما من أجله خلق، وما من أجله صُنع، فمكبر الصوت ما قيمته ولماذا صنع؟ لقد صنع لتسميع الصوت وتكبيره، فإذا لم يكن فيه هذه المنفعة هل سيُشترى بأغلى الأثمان؟ وهل له قيمة؟ ما له قيمة، بل يرمى في القمامات؛ لأنه لا فائدة فيه، ولذلك فمشاغل الشيطان التي يشغل بها الإنسان في هذه الحياة الدنيا عن عبادة الله منها ما هو معصية لله، فهو يستغله تماماً على عكس الاتجاه، فالاتجاه السليم أن يتجه إلى العبادة، فإذا اشتغل في المعصية فقد عكس الاتجاه وانصرف إلى الخلف، نسأل الله السلامة والعافية. ثم إذا لم يستجب له في ذلك حاول صرفه إلى الأطراف وبنيات الطريق، فيشتغل باللغو الذي لا ينفع، ويمضي العمر في ذلك اللغو دون طائل، فإذا لم يستجب له في ذلك حاول شغله بالمفضول عن الفاضل، يشتغل بعبادةٍ مفضولة عن عبادةٍ هي أفضل منها، فإن لم يستطع ذلك خيل له التعارض بين العبادات، وأنه لا يمكن أن يجمع بينها، فيقتصر على بعضها دون بعض، وهكذا فلا يزال مخادعاً له، فهو لصٌ يجوس حول الديار يريد ثغرةً يدخل منها، كاللص الذي يجوس حول الديار، يريد أي ثغرةٍ يدخل منها، ولهذا علينا أن ندرك مخاطره وغواياته، وأن نعلم أننا إذا لم نتخذه عدواً فلم نستجب ما أمرنا الله به، فقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا) [فاطر:٦]، وهذه الآية جمعت بين خبر وأمر، فالخبر صدق، والأمر لابد أن يحقق، الأمر يقتضي التصديق، والخبر يقتضي التصديق، فلذلك علينا بعد أن صدقنا الخبر أن نبادر لتصديق الأمر، ولا يمكن أن تعلم أن فلاناً من الناس عدواً لك، فتسالمه أنت ولا تفعل أي شيء يوصل إليه ضرراً، لن تطيعه فيما يأمر به وتنقاد له، فمن كان هكذا فهو في غاية المذلة والهوان، فلهذا علينا أن نتخذ الشيطان عدواً، وأن نعلم أنه يسعى لغواية الناس بحبائله المختلفة، فمنها ما يزينه للناس من بعض المكاسب المحرمة، فإن الله جعل في الأرض كثيراً من أنواع الحلال التي يمكن أن يعيش بها بنو آدم. لكن يأتي الشيطان فيخيل للإنسان أنه لا يمكن أن يعيش في هذه الحياة الدنيا إلا بكسب خبيث، كالمشي بالنميمة، فيجعله قتاتاً يمشي بالنميمة بين الناس، وهذا شر كسب على الأرض، وقد صح في صحيح مسلم عن النبي ﷺ أنه قال: (لا يدخل الجنة قتات)، والقتات: هو النمام المتجسس. ثم يمكن أن يخيل إليه الشيطان أنه لن يرزق إلا من الربا، والربا يترتب عليه حرب الله ورسوله، يقول : ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة:٢٧٩]، ويمكن أن يخيل إليه أنه لن يُرزق إلا بأن يذل نفسه للبشر، وينسى رب البشر، الكريم الذي ينادي عباده فيقول: ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء:٣٢]، ويقول: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة:١٨٦]، ويقول: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر:٦٠]، فهو الذي يعطي قبل المسألة، ويعطي إذا سئل، ويدخر بعد ذلك الكثير، ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ﴾ [النمل:٦٢]، فهو الذي يرضى لعباده أن يسألوه، وغيره ليس كذلك. فالمذلة كل المذلة أن يذل الإنسان لعبد مثله فقير مسكين بخيل لا يملك لنفسه ولا لغيره حياةً ولا موتاً ولا نشوراً، ﴿وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ [الحج:٧٣]، فالله أحق أن يرغب فيما عنده، وهو الذي يعطي وحده، وقديماً قال الحكيم: إذا عرضت لي في زماني حاجةٌ وقد أشكلت عليّ فيها المقاصد وقفت باب الله وقفة ضارع وقلت إلهي إني لك قاصدُ ولست تراني واقفاً عند باب من يقول فتاه سيدي اليوم راقد. وكذلك يقول الآخر: لا تسألن بُني آدم حاجةً وسل الذي أبوابه التي لا تحجب فالله يغضب إن تركت سؤاله وبني آدم حين يُسأل يغضب فلابد أن تبادر إلى مسألة الله الذي رضي لك أن تسأله، وليس في مسألته مذلة، كل إنسان سألته حتى ولو كان أباك ففي مسألته مذلة، فإن السؤال في حد ذاته مذلة إلا مسألة الله فهي عز، فالعبد إذا تضرع لله بين يديه فهذا غاية عزه، غاية ما يصل إليه من العلم والضراعة إلى الله، ﴿فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام:٤٣]. إنما ذكرناه فيما يتعلق بالتفريط في الأوقات، والمبادرة عامة في هذه الحياة كلها، لكن لكل زمان ومكان خصوصيات، فنحن الآن في نهاية هذه الدنيا، وقد خاطبنا النبي ﷺ بقوله: (بادروا بالأعمال ستاً: فهل تنتظرون إلا غنىً مطغياً، أو فقراً منسياً أو مرضاً مجهزاً، أو هرماً مفنداً، أو الدجال فالدجال شر غائبٍ ينتظر، أو الساعة فالساعة أدهى وأمر). إن هذه الأمور الستة آتية، فعلينا أن نبادرها بالأعمال الصالحة قبل أن تهاجم وتدهم، ثم علينا أن نعلم كذلك أن أوقات المصائب في الدين والتكالب عليه الوقت فيها أشح وأضيق، فأنت تعلم الآن ما يشاهده دينك من كيد أعدائه، ففعل الجاهلية في داخل الأمة الإسلامية من حصول الشقاق والنفاق والعداوات والتمزق والتشرذم يكفي وحده لضعف الدين، فكيف بالهجوم الشرس القادم من الخارج من هذه الهجمة الصليبية واليهودية والإلحادية التي لا تريد خيراً للمسلمين، ولا تريد إلا غوايتهم، فهم من جنود إبليس الذين سيكثرون في النار يوم القيامة؟! فلذلك علينا أن نبادر هذه الأوقات وأن نستغلها في الحفاظ على ديننا، فإنه إذا ذهب فلا خير في العيش بعده، لا خير في العيش في هذه الأرض بعد ذهاب الدين، ولهذا علينا أن نتمسك به وأن نعض عليه بالنواجذ قبل أن يفارقنا، وأن نعلم أن حقوق أمتنا تقتضي منا كذلك المبادرة للقيام بها، فهذه الحقوق الضائعة التي هي لهذه الأمة المشرفة العظيمة عند الله لابد من أدائها والحفاظ عليها، فإن الإنسان يكد لينفق على أهل بيته لترتب حقوقهم عليه، فليتذكر كذلك حقوق الأمة، وليكد من أجل أداء حقوق الأمة، وتذكر قول الشاعر الحكيم: فبعد بلوغي خمس عشرة ألعب وألهو بلذات الحياة وأطرب ولي نظر عال ونفسٌ أبيةُ مقام على هذه المجرة تطلب وعندي آمال أريد بلوغها تضيع إذا لاعبت دهري وتذهب ولي أمة منكودة الحظ لم تجد سبيلاً إلى العيش الذي تتطلب على أمرها أنفقت دهري تحسراً فما طاب لي طعمُ ولا لذ مشرب ولا راق لي نومُ وإن نمت ساعةً فإني على جمر الغضى تقلب نسأل الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يلهمنا رشدنا، وأن يعيذنا من شرور أنفسنا، وأن يجنبنا غوايات الشيطان، وأن يجعلنا في قرة عين نبينا محمد ﷺ . اللهم! إنا نعوذ بجلال وجهك أن تجدنا حيث نهيتنا، ونعوذ بجلال وجهك أن تفقدنا حيث أمرتنا، ونسألك أن تستعملنا في طاعتك، وأن تجعلنا أجمعين هداةً مهديين غير ضالين ولا مضلين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

стр. 770

الأسئلة

стр. 771

مسئولية المسلم وواجبه تجاه أهله السؤال ما مسئولية المسلم تجاه أهله؟ وهل الواجب عليه القيام بمصالحهم الدنيوية دون الأخروية؟ الجواب الله تعالى يقول في كتابه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم:٦]، فإذا كنت ترحم أهلك من المرض، وإذا مرضوا شق ذلك عليك وبذلت الأموال والأوقات في علاجهم فكيف لا ترحمهم من لواحة البشر عليها تسعة عشر؟! كيف لا ترحمهم من عذاب الله وسخطه؟! أنت لا تحب أن يعادي أهل الأرض أهلك وأولادك، فكيف تريد لهم أن يعاديهم من في السماء؟!! إن الرحمة تقتضي منك أن تحرص على مصالحهم الدينية قبل غيرها، ولذلك نص أهل العلم على أن المحافظ على أداء الصلاة في الجماعة إذا كان يفرط في أمر أهله بالصلاة فسيحشر في زمرة المضيعين يوم القيامة، قال محمد المودودي ﵀: محافظ تضييع أهله يذرُ في زمرة المضيعين يحشروا. نسأل الله السلامة والعافية. فلذلك على الإنسان أن يعلم أنهم أول من يخاطبونه بين يدي الله، فيمسكون بيده فيقولون: يا رب! وليت علينا عبدك هذا، فضيع الأمانة، رآنا على المنكر فلم ينهنا، ورآنا نقصر في المعروف فلم يأمرنا وهم خصومه؛ لأن النسب سينقطع بمجرد النفخ في الصور، ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ﴾ [المؤمنون:١٠١]، فلذلك قد رأينا وشاهدنا في هذه الحياة الدنيا المشاحة بين الأقارب على أساس الحقوق المالية التافهة، رأينا المشاحة بين الأقارب بين الإخوة الأشقاء والأخوات والأولاد وآبائهم في أمورٍ تافهةٍ من أمور الدنيا، رأينا المشاحة في أمور الدنيا بين الأقارب، فإذا كان الأمر كذلك فعرف الناس أن هذا الإنسان الذي يشاح في الدنيا، ويخاصم على حقٍ ضئيلٍ تافه فليعلم أنه سيخاصم يوم القيامة في حقوقه، فهو في حقوقه يوم القيامة بخيل محتاجٌ فقير إلى تلك الحقوق، فلا يمكن أن يسامح فيها.

стр. 772

نماذج ممن طلبوا العلم بعد الكبر وانتفعوا به السؤال هل من نماذج من الذين أقبلوا على العلم بعد الكبر وانتفعوا بذلك من أمة محمد ﷺ ؟ الجواب إن من أمة النبي ﷺ رجالاً تعلموا في كبرهم، فكانوا من كبار العلماء والقادة، كـ العز ابن عبد السلام الذي ما طلب العلم إلا وقد تجاوز الأربعين، فكان سلطان العلماء، ومنهم كذلك أصحاب النبي ﷺ ، فما طلب جمهورهم العلم إلا في كبرهم، بل ما آمنوا أصلاً إلا في كبرهم، ومع ذلك انظر إلى المستوى الذي بلغوه من العلم، وكذلك من التابعين كـ طارق بن شهاب، جاء يوم مات النبي ﷺ وأسلم وعمره إذ ذاك فوق الأربعين، فأصبح من أئمة التابعين وعلمائهم، وكذلك عددٌ كبيرٌ من مشاهير علماء الإسلام ما طلبوا العلم إلا في كبرهم، فأحرزوا هذا العلم ونفعهم الله بقدر نيتهم وإخلاصهم، ففتحت أمامهم أبواب العلم وأبواب الخير.

стр. 773

نماذج ممن نصروا الدين السؤال اذكر لنا نماذج من الذين نصروا الدين؟ الجواب منهم. الذي أرسله شيخه مع يحيى بن إبراهيم إلى هذه البلاد معلماً وداعياً، فلما أتى وجد إعراض الناس عن الدعوة وانقطاعهم لجمع المال وتنميته، فاختار مجموعة من شبابهم وخرج بهم للتعليم في جزيرة في البحر في شمال نواكشوط، فكانت هذه الجزيرة مغلقةً، فلم يزل العدد يزداد حتى بلغوا ثلاثة آلاف، ورباهم بالشدة والقوة، فكان يضرب من تخلف عن ركعة واحدةٍ من الصلاة عشرة أسواط، ومن تخلف عن ركعتين عشرين سوطاً، ومن تخلف عن ثلاث ركعات ثلاثين سوطاً، ومن تخلف عن الصلاة الرباعية كلها جلده أربعين سوطاً، حتى أخذهم بالقوة والشدة، فلذلك لما خرجوا من جزيرتهم لم تستطع أمة أن تقف في وجوههم، وكانوا أشجع الناس وأقواهم في الحق، ومن أولئك الذين كانوا معه يحيى بن عمر اللبتوني وأخوه أبو بكر بن عمر اللبتوني الذي يشتهر على ألسنة العوام بـ أبي بكر بن عامر، وهو أبو بكر بن عمر وغيرهم من المشاهير، كـ يوسف بن تاشفين الذي فتح المغرب والأندلس، وهزم النصارى في يوم الزلاقة حين زأرت الخيل في وجهه وهو يخطب يوم الجمعة على المنبر، فكبر ونزل بسيفه، وما زال يجاهدهم حتى قتل منهم أكثر من مائة وعشرين ألفاً. وغيرهم من الذين نصروا الله في هذه البلاد وهم كُثر، وأهل هذه البلاد -ولله الحمد- من أنصار رسول الله ﷺ ، ومن أبناء الأنصار الذين تشملهم دعوة النبي ﷺ ، فقد صح عنه ﷺ أنه قال: (اللهم اغفر للأنصار، وأبناء الأنصار، وأبناء أبناء الأنصار)، وقد قال فيهم ﷺ : (إنهم أدوا الذي عليهم وبقي الذي لهم)، وقال فيهم ﷺ كذلك: (لو سلك الناس شعباً وسلك الأنصار شعباً لسلكت شعب الأنصار)، وكذلك هم الذين ضحوا في سبيل إعلاء كلمة الله بأنواع التضحية، فيوم أحدٍ قتل منهم بين يدي النبي ﷺ أربعة وسبعون رجلاً من خيرتهم، وفي رجعةِ النبي ﷺ من أُحد استقبله أهل المدينة رجالاً ونساءً وصبياناً، فكان الصحابة يردونهم عنه لأنه مجروح وقد تعب في المعركة، فرأى امرأة تقترب إليه فإذا هي فاطمة بنت يزيد بن السكن، فأمرهم النبي ﷺ أن لا يردوها عنه؛ فإنه قتل بين يديه ذلك اليوم ثمانية من رجالها، قتل بين يديه زوجها وولداها وأبوها وأخواها وعمها وعم أبيها، فلما نظرت إلى النبي ﷺ قالت: (بأبي أنت وأمي -يا رسول الله- كل مصيبةٍ بعد رؤيتك جلل)، وانصرفت وقد تعزت عن كل ما أصابها. وكذلك هم الذين حملوا الراية في معارك النبي ﷺ كلها، فقتل منهم يوم بئر معونة ثلاثة وسبعون من حفظة كتاب الله القراء، وقتل منهم يوم اليمامة سبعون رجلاً من القراء، وقتل منهم يوم جسر أبي عبيد سبعون رجلاً من القراء، ولهذا قال النبي ﷺ : (الناس يكثرون والأنصار يقلون)، وعندما بايعوه في آخر عهده بهم قال عبادة بن الصامت -وهو من رجالهم الأقوياء- الذين كانوا يوزنون بألف -قال: (بايعنا رسول الله ﷺ على السمع والطاعة في العسر واليسر، والمنشط والمكره، وعلى أثرةٍ علينا، وعلى أن لا ننازع الأمر أهله، إلا أن تروا كفراً بواحاً لكم فيه من الله برهان، وأن نقول الحق حيثما كنا لا نخاف في الله لومة لائم)، فهذه بيعتكم لرسول ﷺ أن تقوموا وأن تقولوا الحق حيثما كنتم لا تخافون في الله لومة لائم، ولن تنقلبوا على أعقابكم قطعاً، ولن تتركوا ما فعله أسلافكم وأجدادكم الذين كانوا خير الأمثلة، فعندما مات سعد بن معاذ اهتز له عرش الرحمن، ولم يهتز لأحد سواه. وكذلك فإن الأنصار يكثرون عند الفزع ويقلون عند الطمع، إذا جاء الفزع على الأمة الإسلامية وعلى الدين كثر الأنصار، وإذا جاء الطمع أدبروا وقلوا، فلذلك لابد أن تتحقق هذه الصفات في ذراريهم من بعدهم، ومن العيب على الإنسان أن ينتسب للنسب الشريف والمحتد الرفيع فلا يكون كأسلافه وأجداده. اللهم! لك الحمد خيراً مما ما نقول، ولك الحمد كالذي تقول، لك الحمد بكل شيء تحب أن تحمد به، لك الحمد أنت أحق من ذكر، وأحق من عبد، وأقرب من ابتغي، وأرأف من ملك، وأجود من سُئل، وأوسع من أعطى، أنت الملك لا شريك لك، والفرد لا ند لك، كل شيء هالك إلا وجهك، لن تطاع إلا بإذنك، ولن تعصى إلا بعلمك، تطاع فتشكر، وتعصى فتغفر، أقرب شهيد وأدنى حفيظ، حلت دون النفوس، وأخذت بالنواصي، ونسخت الآثار، وكتبت الآجال، القلوب لك مفضية، والسر عندك علانية، الحلال ما أحللت، والحرام ما حرمت، والدين ما شرعت، والأمر ما قضيت، والخلق خلقك، والعبد عبدك، وأنت الله الرؤوف الرحيم، نسألك بعزك الذي لا يرام، وبنورك الذي أشرقت له السماوات والأرض أن تهدي قلوبنا، وأن تستر عيوبنا، وأن تكشف كروبنا، وأن تجعل التقى زادنا، وأن تصلح أولادنا، وأن تحقق مرادنا، وأن تصلح أمرنا، وأن تصلح أحوالنا وأحوال المسلمين أجمعين. اللهم! اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معاصيك، ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا، ومتعنا بأسماعنا، وأبصارنا وقوتنا ما أحييتنا، واجعله الوارث منا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادانا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا تسلط علينا من لا يرحمنا، ولا تجعل إلى النار مصيرنا، واجعل الجنة هي دارنا. اللهم! استعملنا في طاعتك، واجعلنا هداةً مهديين غير ضالين ولا مضلين، اللهم! إن عبادك وإماءك يرفعون إليك أيدي الضراعة، فلا تردهم خائبين، ولا تخرج أحداً منهم من الدنيا إلا وقد غفرت له، اللهم! كما جمعتنا في الدنيا فاجمعنا في الفردوس الأعلى من الجنة تحت عرشك، اللهم! لا تدع لنا ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا مبتلىً إلا عافيته، ولا ميتاً إلا رحمته، ولا ضالاً إلا هديته، ولا حاجةً من حوائج الدنيا والآخرة هي لك رضاً وفيها لنا صلاح إلا قضيتها يا أرحم الراحمين، اللهم! اغفر للمسلمين الميتين الذين شهدوا لك بالوحدانية، ولنبيك بالرسالة، وماتوا على ذلك، اللهم! إنهم أسارى ذنوبٍ لا يفكون، وأهل قرب لا يتزاورون، اللهم! نفس همهم، وفرج كربهم، وأدخل عليهم النور والسرور في قبورهم، والطف بنا وارفق بنا إذا صرنا إلى ما صاروا إليه. اللهم! أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، وأوهن كيد الكافرين، وانصرنا عليهم أجمعين، اللهم! أظهر دينك على الدين كله ولو كره المشركون، اللهم! أظهر دينك على الدين كله ولو كره المشركون، اللهم! أنزل مقتك وغضبك وسخطك وبأسك وعذابك على أعدائك من كفرة أهل الكتاب الذين يحاربون أولياءك ويصدون عن سبيلك، اللهم! أنزل بهم بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين، واجعل تدبيرهم تدميرهم، ورد كيدهم في نحورهم، واشغلهم بأنفسهم، واجعل بأسهم بينهم، اللهم! أرنا فيهم عجائب قدرتك، اللهم! لا تحقق لهم غاية، ولا ترفع لهم راية، واجعلهم لمن خلفهم آية، وأخرجهم من بلاد المسلمين يا أرحم الراحمين. اللهم! اجمع على الحق قلوبنا يا ذا الجلال والإكرام، اللهم! ألف بين قلوبنا، وأصلح ذات بيننا، واهدنا إلى سواء الصراط، اللهم! اجعلنا قرة عين نبينا محمد ﷺ ، اللهم! اسقنا من حوضه بيده الشريفة شربةً هنيئةً، لا نظمأ بعدها أبداً، اللهم! بيض وجوهنا يوم تبيض وجوه وتسود وجوه، اللهم! آتنا كتبنا بأيماننا يا أرحم الراحمين، اللهم! إنا نسألك الثبات عند النزع، والأمن تحت اللحد، والتوفيق عند السؤال، اللهم! ثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، اللهم! أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغني ونحن الفقراء إليك، أنزل علينا الغيث، واجعل ما أنزلت لنا قوةً وبلاغاً إلى حين، اللهم! إن بالعباد والبلاد والخلائق، والبهائم، من اللأواء والجهد والضنك ما لا نشكوه إلا إليك، اللهم! إنا نستغفرك إنك كنت غفاراً، فأرسل السماء علينا مدراراً، اللهم! أنزل لنا من بركات السماء، وأخرج لنا من بركات الأرض، اللهم! أنزل لنا من بركات السماء، وأخرج لنا من بركات الأرض، اللهم! أنزل لنا من بركات السماء، وأخرج لنا من بركات الأرض، اللهم! صيباً نافعاً، اللهم! صيباً نافعاً، اللهم! صيباً نافعاً، اللهم! اسقنا، اللهم! اسقنا، اللهم! اسقنا، اللهم! اغفر ذنوبنا التي منعت بها القطر من السماء، اللهم! اغفر ذنوبنا التي منعت بها القطر من السماء، اللهم! لا تهلكنا بغضبك، ولا تهلكنا بعذابك، وعافنا قبل ذلك، اللهم! لا تهلكنا بما فعل السفهاء منا، ولا تؤاخذنا بما جنينا على أنفسنا، اللهم! لا تحرمنا خير ما عندك بشر ما عندنا يا ذا الجلال والإكرام، اللهم استرنا بسترك الجميل، اللهم! استرنا فوق الأرض، واسترنا تحت الأرض، واسترنا يوم العرض، اللهم! إن الأمور مرجعها إليك فلا تفضحنا بين يديك، اللهم! إن الأمور مرجعها إليك فلا تفضحنا بين يديك، اللهم! ارفع عنا الغلاء والوباء والربا والزنا والزلازل والمحن، وجميع الفتن ما ظهر منها وما بطن عن بلدنا هذا خاصة، وعن سائر بلاد المسلمين عامةً يا أرحم الراحمين، اللهم! بارك على المسلمين أجمعين، اللهم! لا ترفع عنهم عافيتك، اللهم! أسبغ عليهم نعمك، اللهم! أسبغ عليهم نعمتك ظاهرةً وباطنة، اللهم لا تنزع منهم البركة يا أرحم الراحمين، اللهم علم جهالهم، وأغن فقراءهم، واشف مرضاهم، وارحم موتاهم، واقض الدين عن المدينين منهم يا أرحم الراحمين، اللهم! ألف بين قلوبهم، وأصلح ذات بينهم يا ذا الجلال والإكرام، اللهم! أسبغ عليهم نعمك يا أرحم الراحمين، اللهم! اجعلهم في قرة عين نبيك محمد ﷺ ، اللهم! أصلح أولادهم، اللهم! حقق مرادهم يا ذا الجلال والإكر

стр. 774

كيفية إقناع الوالدين بالسماح لأبنائهم بمزاولة الدعوة السؤال كيف نقنع والدينا بعدم منعنا عما نحن فيه من توجيه الناس ودعوتهم، مع علمنا أنه ليس لهم في ذلك نية سيئة؟ الجواب الإقناع بهذا سهل جداً؛ لكثرة النصوص المتواترة فيه، ولأن الوالد دائماً شفيق، ويحب أن يكون ولده أفضل منه، فما من أحد يرضى أن يكون هناك أحد خير منه غير ولده، ولدك تريده أن يكون أعلم منك، وأن يكون أقوى منك وأحسن منك، لكن لا ترضى ذلك لأخيك، ولا لأحد آخر، فلذلك الوالد يرضى لولده دائماً أن يكون خيراً منه، ولهذا يريد له أن يتمسك بسنة النبي ﷺ وأن يفعل ما كان يفعله، فعليه أن يعرض على نفسه عمل النبي ﷺ ، فكم عاش النبي ﷺ بعد بلوغ رسالات ربه إليه؟ عاش ثلاثاً وعشرين سنة، وعلينا أن ننظر إلى العمل الغالب فيها، فما العمل الغالب في هذه الفترة من عمر النبي ﷺ ؟ إننا نجزم ونوقن بأن العمل الغالب فيها تبليغ رسالة ربه إلى الناس وحملها وتوجيه الناس إليها، هذا أغلب عمله، فلم يكن يشتغل بالتجارة، ولم يكن يشتغل باللعب، ولا بالبناء وتشييد المنازل. بل قال: (ما أمرت بتشييد المساجد)، وكان يدخل في بيت فراشه حصير يبقى أثره في جنبه بأبي هو وأمي ﷺ ، وإذا وقف الواقف فيه مس سقفه، ولذلك عندما بنى المسجد قيل له: (ألست تريد أن نبني لك بيتاً من حجارة؟ قال: لا، ولكن عريش كعريش أخي موسى)، فكان يقول ﵊: (مالي وما للدنيا، إنما أنا كراكب استظل تحت ظل شجرة)، فلذلك علينا أن نصرف أوقاتنا فيما كان النبي ﷺ يصرف فيه وقته، وإقناع الوالد بذلك أمر ميسور، وبالأخص إذا عرف أن خير العمل ما اختاره الله لنبيه، فمن يختار لولده أن يكون تاجراً أو أن يكون منغمساً في أمرٍ من أمور الدنيا وهو ويعلم أن عمل النبي ﷺ أشرف من ذلك؟ وليس هذا منعاً من التجارة، بل إنما تمنع التجارة إذا ألهت عن ذكر الله، وعن الصلاة في المسجد، كما قال الله تعالى: ﴿لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ﴾ [النور:٣٧]، أما غير ذلك فلا حرج فيه إذا أخذها الإنسان كلها ووضعها في محلها، ويمكن الجمع بينها وبين تجارة الآخرة، يمكن أن يجمع الإنسان بين تجارة الدنيا وتجارة الآخرة.

стр. 775

ما يجب على المسلم معرفته وتعلمه من أمور الدين السؤال ما حد فرض العين الذي يجب على كل مسلم تعلمه؟ الجواب على كل مسلم أن لا يعرض عما جاء به النبي ﷺ ، وأن يزداد منه يومياً، فقد جاء في الحديث (أي يوم لا أزداد فيه علماً فلا بورك في طلوع شمس ذلك اليوم). والله تعالى يقول لنبيه ﷺ : ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه:١١٤]، فما يعبد الإنسان به ربه، ويعرفه به، ويجتنب به نواهيه، ويمتثل به أوامره، ويحقق به الاستخلاف في الأرض، ويكون به من القوامين بالقسط لله فهذا هو فرض العين عليه، وما زاد على ذلك من علوم الدنيا أو من علوم الآلات فهو فرض كفايةٍ، لكن يكون فيه ممن قال الله عنهم: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين:٢٦]، ولا يرضى الإنسان بالاقتصار فقط على أقل ما يمكن، فلذلك لا بد أن تعلو الهمم، وأن تتعلق بمعالي الأمور، كما قال ﷺ : (إذا سألتم الله فاسألوه الفردوس الأعلى من الجنة) هذا إرشاد النبي ﷺ لنا، فلا نسأل الله -فقط- وأن تكون من أصحاب اليمين، بل نسأله أن نكون من المقربين، أن نكون من أصحاب الفردوس الأعلى من الجنة تحت عرش الرحمن.
следующие страницы →