← Джавами‘

Джавами‘ · id 7722

دروس للشيخ محمد الحسن الددو الشنقيطي

محمد الحسن الددو الشنقيطي

Полный текст (1 349 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

المعرفة الصفة الثالثة: المعرفة، فلابد أن يكون الداعية عارفاً بما يدعو إليه، وبمن يدعوه، وبأساليب الدعوة، وبمعاش الناس وما هم فيه، وبلغتهم كذلك، فالله تعالى يقول في كتابه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم:٤]. فإذا كان الداعية لا يستطيع البيان لقومه بلسانهم، فلا يمكن أن يبلغ رسالات الله وأن يبينها، وكذلك إذا كان غير عارف بهم، وبمكان التأثير فيهم، أو بأولويات حياتهم، وأنماط معاشهم، فلا يمكن أن يؤثر فيهم، ومن هنا احتيج الداعية إلى أن يتعرف على المدعوين بأوجه المعرفة المختلفة، وقد سبق أن من قواعد الدعوة: أن المعرفة سابقة على الدعوة.

стр. 702

الثقة الصفة الرابعة: الثقة، فلابد أن يكون الداعية واثقاً من نفسه، واثقاً من منهجه، وأن يكون من يدعى واثقاً به، ولابد أن يبني ثقة الناس به هو، فإذاً لابد أن يبني ثقته أولاً هو بنفسه، وبمنهجه، وبالناس، ثم يبني ثقة الناس به، فالذي لا يثق بنفسه لا يمكن أن يضحي. ولهذا فإن بني إسرائيل حين فرض الله عليهم دخول (أريحا)، قالوا ﴿إِنَّ فِيهَا قَوْماً جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ﴾ [المائدة:٢٢]، ففرض الله عليهم التيه أربعين سنة يتيهون في الأرض، حتى مات كبارهم الذين تعودوا على المذلة لفرعون وجنوده، ونشأ جيل عاشوا في الشغف والتنقل والتيه، فكانوا هم الذين يستطيعون الجهاد في سبيل الله. وإنما وثق من بني إسرائيل رجلان فقط، حكى الله كلامهما فقال: ﴿قَالَ رَجُلانِ مِنْ الَّذِينَ يَخَافُونَ﴾ أي: من بني إسرائيل الذين هم أهل الخوف والذلة والمسكنة، أو من الذين يخافون الله، ﴿أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا﴾ بتوفيقهما لذلك ﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة:٢٣]. ومثل ذلك أن يثق بمنهجه، فإذا كان الداعي إلى منهج أو على منهج لا يثق به، ويتردد فيه، ولا يدري هل غيره أقوم من منهجه، فإنه لا يمكن أن ينجح في دعوته؛ لذلك التردد الحاصل لديه، ولهذا قال الزبيري ﵀ عندما جادله بعض الجهمية: أأرجع بعدما رجِفت عظامي وكان الموت أقرب ما يليني إلى أن قال: فما عوض لنا منهاج جهم بمنهاج ابن آمنة الأمين ﷺ فلابد أن يثق الداعية بمنهجه وأن يعلم أنه أحسن الموجود وأقومه، ولو كان اجتهاداً، فهو يعلم أنه هو أصح الموجودين لو علم أن غيره أصح منه وأحسن لتبعه بالضرورة؛ لأن اتباع الحق واجب، وقد قال عمر ﵁ في كتابه لـ أبي موسى الأشعري: (ولا يمنعنك قضاء قضيت فيه بالأمس فراجعت فيه نفسك فهديت إلى رشدك أن ترجع إلى الحق؛ فإن الحق قديم لا ينقضه شيء، وإن الرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل). وكذلك ثقته بالمدعوين، فقد مكث النبي ﷺ ثلاث سنين لا يدعو إلا من يثق به. ثم بعد هذا بناء ثقة الآخرين به هو، فالداعية عرضة للعداوة، كما قال ورقة بن نوفل: (إنه لم يأت رجل قطّ بمثل ما جئت به إلا عودي، وإن يدركني يومك أنصرك نصراً مؤزراً) وقد قال الشاعر: ومن دعا الناس إلى ذمه ذموه بالحق وبالباطل والداعية قد دعا الناس إلى ذمه بسلوكه طريق الحق، فلابد أن يجد عليه أعداءً يدافعون عن الباطل، ولا يرضون طريق الحق أبداً، وهم خصوم الرسل، وما من نبي إلا وقال فيه بعضهم: كذاب مجنون ساحر إلى غير ذلك من أنواع التُّهمِ والشبهات، وقد بيَّن الله أن ذلك ماضٍ مسلسل، فقال: ﴿أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾ [الذاريات:٥٣]. ومن هنا فلن يضيق الداعية ذرعاً بما يوجه إليه من الشبهات؛ لعلمه أنها وجهت إلى من هو خير منه، لكن مع هذا يسعى لقطعها عن نفسه ما استطاع، والنبي ﷺ كان يقطع الشبهات عن نفسه، فقد كان في معتكفه في رمضان فأتت أم المؤمنين صفية بنت حيي تزوره في معتكفه، وكان ذلك في ليلة مظلمة فأراد أن يرجعها إلى غرفتها؛ حتى لا تخرج وحدها في الليل، فخرج يقلبها، فرآه رجلان من الأنصار، فلما رأيا المرأة معه أسرعا، فقال: (على رسلكما إنها صفية بنت حيي، فقالا سبحان الله!! أنتهمك؟ قال: إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم). فلابد أن يكون الداعية بعيداً عن مواقع التهم، وقد كان مالك يعتذر عن نفسه إذا حصل منه أمر ظن أن الناس سينقدونه، وبين وجهه فيه. وهذا ما حصل للخضر مع موسى، فإن موسى انتقد عليه ثلاثة أمور: الأمر الأول: خرقه للسفينة وقد حمل فيها بغير أجرٍ وهي في عرض الماء، والثاني: قتله للولد الصغير الذي لم يبلغ الحلم والتكليف بعد، والثالث: إصلاحه لجدار أهل القرية الذين امتنعوا من ضيافتهم، ولم يأخذ عليه أجراً، فأجابه عن ذلك جميعاً بما بيَّنه الله في كتابه. ومما يذكره أهل التفسير في هذا الأمر أن ذلك كان دروساً أخرى لموسى من وجه آخر، فموسى عندما أنكر على الخضر خرق السفينة في الماء كان يظن أن السفينة إذا خرقت ودخلها الماء ستغرق، وقد نبه بذلك إلى أنه هو قد رمته أمه في التابوت في البحر ولم يغرق وهو صغير. كذلك إنكاره عليه قتل الغلام فيه تنبيه لقتله هو للرجل الذي وكزه فقضى عليه. وكذلك في إصلاحه للجدار لولدي الرجل الصالح، فيه تنبيه لقصة حصلت له هو عندما ورد ماء مدين كما قال تعالى: ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنْ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ [القصص:٢٣]، فسقى لهما، ولم يأخذ على ذلك أجراً، فكان ذلك تنبيهاً له على فضل الله عليه ونعمته به.

стр. 703

الحلم الصفة الخامسة: الحِلم، فلابد أن يكون الداعية حليماً، فمن كان عجولاً لا يمكن أن يحصل على مآربه الدنيوية فضلاً عن أموره الأخروية، والحلم يقتضي من الإنسان أن يكون وقوراً، وأن يكون صاحب سكينة، وأن يكون صاحب ثبات، والحلم والأناة صفتان يحبهما الله ورسوله، كما قال النبي ﷺ لـ أشج عبد القيس. وحاجة الداعية إلى الحلم عظيمة جداً، فبالحلم يعرض عن الجاهلين، وبالحلم كذلك يتغلب على كثير من العقبات التي تعرض له من مخالطة الناس، ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاماً﴾ [الفرقان:٦٣].

стр. 704

الصبر الصفة السادسة من هذه الصفات: الصبر، فلابد أن يكون الداعية صبوراً على الأذى، وأن يعلم أن هذا الطريق طريق محفوف بالمكاره، وأن الأذى فيه مضمون، لكن الأذى معلمة من معالم الطريق يعرف به أنه سلك طريق الحق. والأذى للسالكين لطريق الحق لله فيه حِكم عظيمة، فمنها: أولاً: أن الله يصرف به الذين لا يرتضي خدمتهم للدين، كما قال تعالى: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِي الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً﴾ [الأعراف:١٤٦]، وقال تعالى: ﴿يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ﴾ [الذاريات:٩]، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ﴾ [التوبة:٤٦]، وقال تعالى: ﴿وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الحج:١١]، فهذه الحكمة الأولى. ثانياً: أن هذا الأذى يعرف به السالكون لطريق الحق أنهم ما ضيعوا، وأنهم سلكوا طريق الأنبياء، فمن سلك طريق الأنبياء ولم يؤذَ، ولم يجد ما وجده الأنبياء على هذا الطريق، فليعلم أنه قد ضيع الطريق وسلك فجاً آخر؛ لأنه لم يسلكه نبي قط إلا أوذي، كما بينَّا في حديث ورقة بن نوفل، وكما نص الله عليه في كتابه: ﴿الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت:١ - ٣]. ثالثاً: من حكم الله في الأذى الذي يلحق الدعاة على طريق الحق: أنه رفع لمستواهم ولمكانتهم، فقد يكتب الله المنزلة للداعية فلا يبلغها بعمله، فيقيض الله إليه من يتنقصه ويؤذيه؛ فيرفع الله بذلك منزلته وقدره، وقد يكون ذلك بعد موته، فتتلقى ذلك الألسنة، فيرفع الله قدره بذلك ومنزلته، ويهبُ له أولئك المتنقصون حسناتهم إن كانوا من أهل الإيمان. رابعاً: من حكم الله في ذلك: أن هذه الدعوة ليس لديها من الوسائل ما تصل به كثيراً من البيئات والملأ فتحتاج إلى الوسائل؛ للوصول إلى هنالك. ومن الوسائل: أن يتكلم الناس فيها، وينتقدونها، فيكون ذلك وسيلة لتقصي أخبارها والبحث عنها، وقديماً قال الشاعر: وإذا أراد الله نشر فضيلة طويت أتاح لها لسان حسود فإذا تكلم فيها الناس اقتضى ذلك أن يبحث عنها الباحثون عن الحق، وأن يتلمسوا أمورها حتى يطلعوا على جليِّ الأمر وحقيقته، فتصل الدعوة إلى أماكن لم تكن لتصلها من قبل، لولا تنقُّص الناس لها. خامساً: ومن حكم الله فيها: أنها مقتضية لتوحيد جهد الدعاة واتفاقهم، قال الشاعر: لما أتاني عن عيينة أنه عان عليه تضاعف الأقياد بذلت له نفسي النصيحة إنه عند الشدائد تذهب الأحقاد نسأل الله أن يرزقنا العلم النافع، والعمل الصالح، والإخلاص في القول والعمل. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

стр. 705

أهمية الخشوع ليس للمرء من صلاته إلا ما عقل، ولا يعقل المرء صلاته إلا إذا خشع فيها، ومن هنا كان للخشوع أهمية عظيمة، فعلى المسلم أن يحرص على الخشوع، وأن يعمل بأسبابه ما استطاع، فإن الخشوع أول علم يرفع من هذه الأمة، ولهذا لما كان سلف الأمة أهل خشية وخشوع مكن الله لهم، ورفع قدرهم، وأعلى مكانتهم، وخلد ذكرهم.

стр. 706

أحوال الناس في عبادة الله الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على من بعث رحمة للعالمين، وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين. أما بعد: فإن الله قد خلق الإنس والجن لعبادته، وجعلهم متفاوتين في أداء هذا الحق الذي من أجله خلقوا، فمنهم من يوفق بتوفيق الله إلى استغلال ما أنعم الله به عليه من العمر والوقت فيما خلق من أجله، وأولئك هم الشاكرون، وقليل ما هم كما قال تعالى: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ:١٣]. ومنهم من يستغل ما أنعم الله به عليه من النعم في عداوته ومعصيته، وأولئك هم المخذولون الذين لا يباليهم الله باله، ولا يضرون الله شيئاً، وإنما يضرون أنفسهم، ومنهم من يستغل نعم الله عليه في اللغو المباح فهذه النعم لا له ولا عليه منها، ولكن أولئك قد خسروا وفاتتهم الصفقات المربحة، وكثير من الذين يظهرون في صورة العابدين تكون عباداتهم جثثاً ميتة ليس فيها روح، وذلك أن روح العبادة هو الخشوع لله ، والتأدب بأدبه، والخضوع بين يديه، والمذلة لوجهه العظيم الذي تعنو له الوجوه يوم القيامة كما قال تعالى: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا﴾ [طه:١١١]. فيحتاج المؤمن إلى التخلق بهذا الأدب العظيم مع الله ، وأن يكون من الخاشعين لله، وأولئك الخاشعون هم المخبتون الذين بشرهم الله بالبشارة العظيمة في كتابه، فقد قال الله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ * الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [الحج:٣٤ - ٣٥]، فأولئك قد اتصفوا بهذا الأدب مع الله فعرفوه ولذلك أحسنوا عبادته، وعرفوا أن مدة بقائهم في هذه الحياة مدة محصورة يسيرة، وأن فائدتها القرب منه ، فتنافسوا في التقرب إليه، وبادروا قبل أن تفجأهم الملهيات والشواغل التي تحول بينهم وبين ذلك، فقد علموا أن لهم أوقاتاً لا يستطيعون فيها عبادة الله، وعرفوا أن شواغل هذه الدنيا كثيرة، وأن الأوقات التي تخلص للإنسان ليعبد الله فيها ويصدق معه يسيرة، فبادروا فقطعوا المراحل، وسبقوا الشيطان، فلم يبق له على آثارهم إلا الندم، وأولئك قد عرفوا هذا الطريق فلزموه، فهم في سباق مع الزمن، وأيامهم ولياليهم مشغولة بالتقرب إلى الله وقطع المسافات الشاسعة في القرب إليه، والله يتقرب إليهم بأبلغ من ذلك، فقد صح عن رسول الله ﷺ فيما يرويه عن ربه أنه قال: (أنا عند ظن عبدي بي، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه، وإن تقرب ألي شبراً تقربت إليه ذراعاً، وإن تقرب إلي ذراعاً تقربت إليه باعاً، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة)، فسبحان ربنا ما أحلمه وما أكرمه!. إن الله غني عن العبادات التي يؤديها أصحابها بقلوب غافلة لاهية، وإنه إذا أقبل عليه العبد بخشوع أقبل عليه الباري ، ويكفي ذلك شرفاً ومكانة، ولذلك جاء في حديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: (ولا يزال الله مقبلاً على العبد -وهو في صلاته- ما لم يلتفت، فإذا التفت أعرض عنه وقال: يا ابن آدم! إلى من تلتفت؟ أنا خير مما التفت إليه).

стр. 707

أقسام أعمال القلب إن عمل القلب ينقسم إلى ثلاثة أقسام:

стр. 708

القسم الثالث: الخشوع في العبادة القسم الثالث من أعمال القلب: الخشوع، وقد عرفه ابن أسد بأنه الخوف باستشعار الوقوف بين يدي الخالق، والخوف أي: ما يعتري الإنسان من الخوف والمذلة عندما يستشعر الوقوف بين يدي الخالق، وأنه يكلم الله كفاحاً دون ترجمان، وأن الله يجيبه في كلامه، فإذا قال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:٢] تذكر أن الله يجيبه فيقول: حمدني عبدي، فإذا قال: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة:٣] تذكر أن الله يجيبه فيقول: أثنى علي عبدي، فإذا قال: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة:٤] تذكر أن الله يجيبه فيقول: مجدني عبدي، وفي رواية: فوض إلي عبدي، هؤلاء لي ولعبدي ما سأل. وهكذا حتى تنتهي الصلاة، فكل لفظ يعلم أن الله يسمعه، وكل خطرة تخطر في القلب يعلم أن الله مطلع عليها، وهو: ﴿أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق:١٦]، وأنه: ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ [طه:٧]، ومن هنا فهو يخاف الخوف الشديد بهيبة هذا المقام، فأنتم تعلمون أن أحدكم لو كان بين يدي النبي ﷺ وهو يسلم عليه ويكلمه، فلا شك أنه سيحضر ويخاف، كما وصف ذلك كعب بن زهير ﵁ عندما وضع يمينه في كف النبي ﷺ فقال: وقال كل خليل كنت آمله لا ألهينك إني عنك مشغول فقلت خلوا سبيلي لا أبا لكم فكل ما قدر الرحمن مفعول كل ابن أنثى وإن طالت سلامته يوماً على آلة حدباء محمول نبئت أن رسول الله أوعدني والعفو عند رسول الله مأمول وقد أتيت رسول الله معتذراً والعذر عند رسول الله مقبول مهلاً هداك الذي أعطاك نافلة القرآن فيها مواعيظ وتفصيل لا تأخذني بأقوال الوشاة فلم أذنب وإن كثرت فيَّ الأقاويل إلى أن يقول: حتى وضعت يميني لا أنازعه في كف ذي نقمات قيله القيل لذاك أهيب عندي إذ أكلمه وقيل إنك مأخوذ ومسئول من ضيغم من ليوث الأسد مسكنه من بطن عثر غيل دونه غيل يغدو فيلحم ضرغامين عيشهما لحم من القوم معفور الخراديل فهيبته للنبي ﷺ أشد من هيبة الإنسان لأسد يقابله، وقد عرف مكانه من قبل، وعرف أنه لا يجرؤ أحد أن يدخل مكانه، وتخاف منه السباع، فكيف بمن دونها؟! منه وتظل سباع الجو ضامدة ولا تمشى بواديه الأراجيل فإذا كان الإنسان هكذا بهيبته للنبي ﷺ ، فكيف ستكون هيبته لديان السماوات والأرض الذي خلق النبي ﷺ وشرفه وكرمه، وهو الذي أرسله؟! فلابد أن يحضر في بال الإنسان أنه يكلم الله كفاحاً دون ترجمان، وما يعتريه حينئذ من قشعريرة الجسم والارتعاشة في البدن، وسيلان الدموع، وحركة في القلب، هو الذي يمثل بالخشوع، فالخشوع إذاً يعرف بهذه الأمور كلها، فيظهر على البدن بقشعريرته وانتفاضته وبالدموع، وكذلك بالخوف الشديد، وبارتعاش القلب، فكل هذه آثار من آثار الخشوع، وإنما يحصل ذلك للإنسان عند تمام إيمانه، فمن لم يكن مؤمناً بأنه يكلم الله كفاحاً، وأنه معه، وأن الله ينظر إليه وهو في صلاته، لم يكن لينال هذه المنزلة، ولم يكن ليحضر هذا التشريف، بل هو محجوب حينئذ مطرود عن جناب الله ، فإنما ينظر الله إلى من كان متحلياً بما أمره به، متخلياً عما نهاه عنه، فأولئك هم الذين يستحقون هذا المكان الرفيع.

стр. 709

القسم الأول: النية القسم الأول: النية: والنية هي توجه القلب إلى الشيء وقصده، وهي التي يمتاز بها الفعل عن غيره مما يشابهه ويحاكيه، فتتميز بها العبادة عن العادة، ويتميز بها الفرض عن النفل، فلا يقع ذلك إلا بالنية، ولذلك كانت شرطاً لأداء العبادة وصحتها، كما قال النبي ﷺ : (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى)، وبهذه النية يتفاوت العمل تفاوتاً عظيماً؛ فهي تفسير الأعمال، ويضاعف العمل اليسير بهذه النية إذا صدق فيها صاحبها وأخلص، ولذلك قال رسول الله ﷺ في الرجل الذي قاتل فقتل: (لقد عمل هذا قليلاً وأجر كثيراً). وهذه النية يكتب في ميزان حسنات الإنسان بها ما لم يعمله إذا نواه، فمن نوى الخير متى ما قدر عليه كتب له ولو لم يفعله؛ ولذلك صح عن النبي ﷺ : (أن رجلاً كان فيمن قبلنا مر على كثيب أهيل من رمل، فقال: لو أن لي مثله سويقاً فأنفقه في سبيل الله، فلما مات عرضت عليه صحائف أعماله فإذا فيها كثيب أهيل من سويق، فقال: يا رب! من أين لي هذا وما رأته عيناي قط قال: أتذكر يوم كذا عند أن مررت على كثيب أهيل من رمل فقلت: لو أن لي مثله سويقاً فأنفقه في سبيل الله؛ فقد تقبلته منك). ولذلك فنية المؤمن هي من عمله، فيثاب الإنسان إذا نوى صيام رمضان ولو مات قبل أن يبلغ رمضان، ويثاب بأجر الشهادة في سبيل الله إذا سأل الشهادة صادقاً ولو مات على فراشه، وقد صح عن النبي ﷺ أنه قال: (من سأل الله الشهادة في سبيله صادقاً بلغه الله منازل الشهداء ولو مات على فراشه)، وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [النساء:١٠٠]. وكذلك ينال الإنسان ثواب شيء لم يقع أصلاً ولم يخلق، فقد صح عن النبي ﷺ أنه بين أحوال الناس في الدنيا فذكر أربعة أحوال فقال: (إنما الدنيا لأربعة: رجل آتاه الله فقهاً ومالاً فهو ينفق ماله فيما يقرب إلى الله، فهو بأعلى المنازل. ورجل أتاه الله فقهاً ولم يؤته مالاً فهو يقول: لو أن لي مالاً لفعلت فيه ما فعل هذا، فهما في الأجر سواء. ورجل أتاه الله مالاً ولم يؤته فقهاً فهو يضرب فيه يميناً وشمالاً في معصية الله، فهو بشر المنازل. ورجل لم يؤته الله مالاً ولم يؤته فقهاً فهو يقول: لو أن لي مالاً لفعلت فيه مثلما فعل هذا، فهما في الوزر سوا). فلذلك يثاب الإنسان على أمر لم يخلق إذا أحسن النية فيه لله ، وقد كان كثير من سلفنا الصالح يستعد لرمضان قبله، وللعبادات كلها بنيته، فيحاول مع نفسه حتى يخلص النية ويصدق، ويتأهب بذلك للعبادة قبل أن يأتي وقت أدائها؛ فإن مات قبلها مات في طريقها؛ وهو في صلاة منذ خروجه إليها، وإن بلغ إليها جاءها مستعداً قد تخلص من كل الشواغل والملهيات، وأقبل عليها بقلب سليم.

стр. 710

القسم الثاني: حضور القلب في العبادة القسم الثاني من أعمال القلب هو الحضور: وهو أن يحضر الإنسان ما يفعل وما يقول، فإن قلب الإنسان عرضة لأن يذهب به الشيطان، فإذا فعل كثيراً من أنواع العبادات ولم يكن حاضراً لها كانت جوارحه خيراً من قلبه؛ فكان معكوساً منكوس الفطرة، فالأصل أن القلب إذا صلح صلحت الجوارح، وإذا فسد فسدت، كما في حديث النعمان بن بشير ﵄ أن النبي ﷺ قال: (ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب). ولذلك جاء النهي عن خشوع النفاق، قيل: وما هو؟ قال: أن ترى الأعضاء خاشعة والقلب غير خاشع، فإذا كانت الأعضاء خاشعة والقلب غير خاشع فهذا هو خشوع النفاق، ولا يكتب للإنسان من عمله إلا ما حضر، فقد يؤدي الإنسان الصلاة وما كتب له نصفها ثلثها ربعها حتى انتهى إلى العشر، فلا يكتب للإنسان من عمله إلا ما حضره، وذلك أن الإنسان إذا كبَّر وهو لا ينوي التكبير أو لا يقصده وإنما جرى على لسانه فهو بمثابة النائم الذي يهذي، والعقل مناط التكليف، وإذا ذهب العقل فاشتغل بأمر آخر كانت العبادة مؤداة في غير موقعها، كالذي يحلم في النوم أنه يفعل فعلاً ولم يفعله، فلذلك نجد أن كثيراً من المصلين والعابدين في غير الصلاة من أنواع العبادة يشتغلون بقلوبهم بأمر وتنشغل جوارحهم بأمر آخر! ولذلك قال العلامة محمد المودودي ﵀: إن من دواهي شيطان الصلاة أنه يشغل الإنسان بشيء مهم من أمور الدنيا أو من أمور الآخرة عن صلاته، فلا هو أدى ذلك الأمر، ولا هو أدى صلاته! قال: من أربى مثلث الوترين تذكيره أمراً من الدارين عند دخولك الصلاة فاشتغل به فلا تصلحه ولا تصل وقد نهى رسول الله ﷺ عن كل ما يشغل عن الحضور في الصلاة، فقال: (لا صلاة بحضرة الطعام)، وذلك أن قلوب كثير من الناس تشتغل بالطعام، وبالأخص عند الحاجة إليه، فلا تحضر في الصلاة، فلذلك نهى رسول الله ﷺ عن الصلاة بحضرة الطعام، فقال: (إذا حضر العَشاء والعِشاء فابدءوا بالعَشاء قبل العِشاء)، فلذلك يبدأ الإنسان بالطعام قبل أداء صلاة العشاء، ليخلص لصلاته، ويتأهب لها. وكذلك نهى رسول الله ﷺ أن يصلي المرء حاقناً وهو يدافع الأخبثين، بل قال: (لا صلاة للمرء وهو يدافع الأخبثين)، فإذا كان الإنسان حاقناً يحس بغلبة البول فإنه لا يصلي في ذلك الوقت، بل يبدأ بالاستفراغ، ثم بعد ذلك يتأهب للصلاة ويتهيأ لها؛ لأن كل ما يشغله عن الصلاة سيذهب ببعض حضوره، فلا يؤديها كما شرعت. وقد نهى رسول الله ﷺ كذلك عن المرور بين يدي المصلي لما فيه من شغله عن الصلاة، فاللحظة التي يمر فيها المار بين يدي المصلي يقطع نور صلاته؛ لانشغاله بالمار بين يديه؛ لذا قال ﷺ : (إذا كان أحدكم في صلاته فليجعل بين يديه مثل مؤخرة الرحل، وليدن منها، فإن أراد أحد أن يمر بين يديه فليدرأه ما استطاع، فإن أبى فليقاتله؛ فإنما هو شيطان). وكذلك جاء من حديث ابن عمر أنه ﷺ كان يصلي ذات يوم في المسجد فجاءت شاة تريد المرور بين يديه فزجرها -معناه: أشار إليها فلم تزدجر- فتقدم حتى ألصق بطنه بالجدار؛ حتى يمنع تلك الشاة من المرور بين يديه. وكذلك فإنه ﷺ صلى في ثوب له أعلام -والأعلام هي الخطوط الحمر- فلما سلم خلعه وقال: (احملوا هذه إلى أبي الجهم، وائتوني بإنبجانيته، فإنني نظرت إلى علمها فكاد يفتنني عن صلاتي). فلذلك لابد أن يتأهب الإنسان للانشغال بالصلاة، وعدم الانشغال بأي شيء سواها، حتى النظر إلى الخطوط في ثياب تشغل الإنسان عن صلاته؛ ولذلك خلع النبي ﷺ هذا الثوب، وأمر أن يحمل إلى أبي الجهم، وأن يؤتى بإنبجانية كان يلبسها أبو الجهم، فجمع بذلك بين الحسنيين؛ فـ أبو الجهم من فقراء المسلمين فتصدق عليه بهذا الثوب الجميل، والنبي ﷺ زينته في ذاته؛ فلا تزيده الثياب زينة ولا رفعة، كما قال السموءل: إذا المرء لم يدنس من اللؤم عرضه فكل رداء يرتديه جميل ولذلك أراد أن يلبس إنبجانية هذا الفقير من فقراء المسلمين، فيلبسها رسول الله ﷺ فتزدان الإنبجانية برسول الله ﷺ ، وكذلك يتخلص من كل ما يشغل عن الصلاة ويلهي عنها. إن كثيراً من الناس إذا دخل الصلاة اشتغل بأمور مضت كان فيها، فكأنه لم ينقطع عما مضى، ولم يقبل على الله، ولم يدخل في الصلاة أصلاً، فما زال منشغلاً فيما كان منشغلاً به قبل الصلاة، وهؤلاء لم تنفعهم صلاتهم شيئاً، فلا هي تنهاهم عن الفحشاء ولا المنكر، ولا هي تقطع أعمالهم التي كانوا فيها، ومنهم من يبدأ الصلاة خاشعاً حاضراً، لكنه سرعان ما ينصرف وراء الأهواء والملهيات، فيدبر شئون حياته وأموره، ومع ذلك لا يقضي منها شيئاً. وقد ذكر بعض الفضلاء أنه كان يصلي مع الشيخ الحسن فلما سلم تردد الشيخ في الصلاة، هل نقصت أو هي تمام، فقال له الرجل: بل نقصت فقال: وما يدريك؟ فقال: كنت إذا دخلت الصلاة اشتغلت بقافلة من هنا إلى مكان كذا، وإلى مكان الزرع، فلا تسلم حتى آتي بالأحمال وأدخلها في مكانها، والآن سلمت وأنا في مكان كذا قبل أن آتي بالأحمال وأدخلها في مكانها!! فأصبح يعرف قدر الصلاة بقدر انشغاله، وما تتجارى به نفسه فيه من الأمور.

стр. 711

الخشوع صفة أنبياء الله وأوليائه وإن الملك الديان يختار من عباده قوماً للخدمة، فيخلصهم لعبادته ؛ وهم المخلَصون المخلِصون الذين اختيروا قبل خلق السماوات والأرض، وكتبوا في العباد الذين محضهم الله لطاعته، وأخلصهم لنفسه، وأولئك المخلصون هم الذين يستشعرون حلاوة المناجاة، ويستلذون بهذه العبادة؛ فيستريحون بالصلاة من هموم الدنيا ومشاغلها، كما كان النبي ﷺ يقول: (أرحنا بها يا بلال!)، وكان يلجأ إليها في شأنه كله. وكان إذا حزبه أمر بادر إلى الصلاة، وكثير من الساسة إذا حزبهم أمر، وتكاثرت عليهم العساكر، ودخلوا في الحروب أو المشكلات المادية الاقتصادية، أو اجتمع العمال في إضرابات آثارها سيئة، ولم يجدوا ما يدفعون به رواتبهم، فإنما يلجئون إلى المؤسسات والهيئات، والنبي ﷺ في كل الأزمات إنما كان يلجأ إلى الصلاة، فإذا حزبه أمر بادر إلى الصلاة، وهي التي جعلت فيها قرة عينه ﷺ ، كما قال: (وجعلت قرة عيني في الصلاة). وكذلك فإن المؤمن الصادق إذا تذكر هذه المناجاة، وأنه يكلم الله كفاحاً دون ترجمان تذكر هذا المقام العظيم، ونحن جميعاً نغبط موسى بن عمران إذا تذكرنا أن الله اتخذه كليماً وكلمه بكلامه، ولاشك أن كل واحد منا يتذكر أن موسى كان نبي الله، وأنه كلمه مباشرة بكلامه ، وهذا المقام مقال عالٍ جداً يعترف به الأولون والآخرون يوم القيامة في مقام الشفاعة، فيأتون موسى فيقولون: أنت كليم الله اختارك لرسالاته ولكلامه.

стр. 712

الخشوع مقام رفيع فهذا المقام الرفيع يناله الخاشع لله إذا تذكر أن الله يخاطبه؛ فيقول: (حمدني عبدي أثنى علي عبدي مجدني عبدي هؤلاء لعبدي، ولعبدي ما سأل هذه بيني وبين عبدي، ولعبدي ما سأل). فيشعر الإنسان حينئذ بهذا التقريب العظيم، وأنه صار كليماً لله حين أعلى منزلته، وخاطبه الرب الذي لا يشغله شيء عن شيء، ولا كائن عن كائن، ولا تختلط عليه اللغات، ولا تلتبس عليه، فهو يخاطبك بهذا الجواب، وأنت تقول في رفعك من الركوع: سمع الله لمن حمده، إقراراً بذلك وإيذاناً بهذه المناجاة العظيمة، فكأنما أوتيت صحيفتك بيمينك، فالفرح الذي يحصل عندما تنال صحيفتك بيمينك هو الذي تصيح به في الملأ الأعلى وتقول: ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ * إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ﴾ [الحاقة:١٩ - ٢٠]. فكذلك هنا إذا خشعت بين يدي الله في ركوعك ترفع صارخاً فتقول: سمع الله لمن حمده، فرحاً بهذا اللقاء للملك الديان ، وسروراً بهذه المناجاة التي أخلصت فيها لله، إن كثيراً من الناس لا يتذوق هذا الطعم ولا يناله، فإذا قال: سمع الله لمن حمده لم تؤثر فيه، وإذا سمعها من إمام لم يفهمها أصلاً، وإذا سمع الرفع بالتكبير لم يؤثر ذلك فيه، وأولئك لا يمكن أن يعدوا من الخاشعين، بل وشتان بينهم وبين الخاشعين!

стр. 713

حاجة الإنسان إلى الخشوع إن حاجة الإنسان إلى هذا الخشوع هي حاجته إلى تغذية قلبه، فهذه القلوب إنما تتغذى بالخشوع والإقبال على الله ، والأنس به، والقرب إليه، وكلما كان الإنسان أعلى منزلة في الإيمان كلما كان أكثر خشوعاً وإقبالاً على الله وتأثراً بعبادته ومناجاته له . إن الله أثنى على الخاشعين في الصلاة في قوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون:١ - ٢]. ولا يقتضي هذا أن الخشوع مختص بالصلاة، بل الخشوع في كل عبادة لله ، سواء كانت قلبية أو بدنية أو مالية، وسواء كانت فعلية أو تركية؛ إذ لابد فيها من هذا الخشوع؛ فهو روحها، وبه حياتها، وهو معناها، وإذا خلت العبادة من هذا الخشوع كانت روتيناً يفعله الإنسان كما يفعل الطفل إذا رأى مصلياً، فإنه يقوم ويصلي ولا يفهم شيئاً من ذلك، وإنما يركع ويسجد ويقوم كما يفعل في تقاليده للأشخاص جميعاً، والإنسان لا يرضى أن يكون كالطفل الذي لا يفهم شيئاً من تصرفاته، فلذلك لابد أن يفهم معنى القيام، ومعنى الاستقبال، ومعنى رفع اليدين، وأن يجعل الدنيا وراء ظهره، ويفهم معنى التكبير إذا كبر، ويعلم أنه إذا كبر ملأت تكبيرته ما بين السماء والأرض، ويفهم معنى الفاتحة التي يقرؤها، ومعنى القرآن الذي يقرأ بعدها، ومعنى تكبيره للركوع، ومعنى تسبيحه وتعظيمه فيه، وهكذا في كل أجزاء صلاته. وهكذا في عباداته الأخرى، فالصائم لابد أن يخشع أيضاً، ونحن ننتظر قبل رمضان قدوم هذا الشهر الكريم الذي هو شهر الصيام، فكثير من الناس يؤدي الصيام فيه من غير خشوع، فتجدهم في نهار الصيام وهم يعملون أعمالهم كما كانوا لا يحسون برغبة ولا رهبة، ولا يؤثر فيهم صومهم شيئاً، وتراهم كذلك في ليالي رمضان الفاضلة العظيمة التي يزداد فيها عمر الإنسان بما لا يعلم قدره إلا الله كما إذا وفق لقيام ليلة القدر، فإنه يزاد على الأقل بأربع وثمانين سنة في ليلة واحدة، ففائدة العمر للعبادة، وهذه الليلة خير من ألف شهر و (خير) أفعل تفضيل؛ ولا يقتضي ذلك حصرها في ألف شهر فإذاً: أقل الناس من كانت ليلة القدر في حقه بقدر ألف شهر، وألف شهر أربع وثمانون سنة وزيادة ستة أشهر تقريباً، فهذه المدة التي نحتاج إليها بزيادة أعمارنا، لا يستفيد منها أولئك الذين يشغلون ليالي رمضان بما لا خير فيه، وقد صح عن النبي ﷺ أنه قال: (إذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث، ولا يصخب، فإن أحد سابه أو شاتمه فليقل: إني صائم)، وفي رواية: (إني امرؤ صائم)، فلابد أن يستشعر الإنسان أنه في حرمة الصيام. فإذا كنت في صلاتك فخاطبك إنسان فهل ستجيبه؟ لن تجيبه؛ لأنك مشغول بحرمة الصلاة، فكذلك إذا كنت في حرمة الصيام، فاعلم أنك في حرمة عبادة عظيمة هي مثل الصلاة؛ فلذلك لابد أن تشتغل بصيامك. (فإن أحد سابه أو شاتمه فليقل: إني صائم)، (فليقل) أي: في قلبه، أي: فليتذكر ذلك وليقل: إني صائم؛ لأن هذا الصيام يحجبه ويمنعه عن إجابة ذلك الإنسان بمثل قوله. وهكذا في العبادات كلها، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ [المؤمنون:٦٠]، وقد سألت عائشة ﵂ رسول الله ﷺ عن هذه الآية فقالت: (أهو الذي يسرق ويزني ويكذب وهو يخاف الله؟ قال: لا، بل هو الذي يصلي ويصوم ويتصدق وهو يخاف ألا يتقبل الله منه)، فهؤلاء يؤتون ما آتوا، فيقدمون الأعمال الصالحة لأنفسهم وهم يخافون خوفاً شديداً ألا يتقبل الله منهم، ولذا قال سبحانه: ﴿وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ * أُوْلَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ [المؤمنون:٦٠ - ٦١].

стр. 714

فائدة الخشوع إن الإنسان إذا أحس بطعم هذا الخشوع سهل عليه، واستطاع أن يتعود عليه في أموره كلها، فكثير من سلفنا الصالح كانوا خاشعين في كل أوقاتهم، وإذا نظر الإنسان إليهم تذكر الله ؛ فهم دائماً مشتغلون بطاعته وعبادته، وبمجرد النظر إلى أحدهم تتذكر الله . كان أهل الشام يقولون: إنا لتصدأ قلوبنا فنذهب إلى أبي الدرداء، فلا نكلمه كلمة واحدة، وإنما ننظر إليه في مصلاه فنرجع وقد تخلصنا من ذلك الصدأ؛ لأن أبا الدرداء كان في عبادته كأنما ينظر إلى الجنة والنار بين يديه. وكذلك فإن كثيراً من الذين أتوا من بعد أصحاب رسول الله ﷺ -أيضاً- كانوا بهذا الحال في كل أوقاتهم، فقد كان أهل العراق يذهبون إلى الحسن بن أبي الحسن البصري ﵀، فإذا رأوه ورآهم بكى هو لرؤيتهم، وبكوا هم لبكائه! وقد ذكر مالك ﵀ أمثال ذلك عن أهل المدينة، وتعظيمهم لرسول الله ﷺ الذي يدل على تعظيمهم لله ، فقد قال مالك ﵀: (لو أدركتم ما أدركت لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً؛ فقد أدركت جعفر بن محمد وكان ذا دعابة، فإذا ذكر عنده رسول الله ﷺ بكى حتى كأنه ما عرفك ولا عرفته. هذا هو الرجل الكريم الذي كان ينفق ماله كله على الناس، ويخدم الفقراء بيده، وهو قد جمع أشرف النسب، فأبوه محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، وأمه عائشة بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، فجمع الطرفين، وهو عالم أهل المدينة في ذلك الوقت وعابدهم، وهذا مع حسن خلقه ولباقته، ولكنه كان إذا ذكر عنده رسول الله ﷺ ، بكى حتى كأنه ما عرفك ولا عرفته. قال مالك: (وأدركت محمد بن المنكدر وكان إذا حدثنا عن رسول الله ﷺ امتقع لونه وتغير، حتى رحمناه، وخرجنا عنه). فأولئك القوم كانوا بهذا المستوى من الخشوع في كل أوقاتهم، ولم يزل الخشوع يتناقص في الناس عصراً بعد عصر، فاليوم تسمع من يسمع القرآن كاملاً أو يقرؤه كاملاً ولم تتحرك نفسه لآية واحدة منه! ولو نزل القرآن على جبل من الجبال لصار دكاً لجلال الله، كما قال تعالى: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الحشر:٢١]. وتجد من يذكر عنده رسول الله صلى الله علي وسلم في المجلس كثيراً، ويسمع كثيراً من أحاديثه الصحيحة عنه، وكثيراً من أحواله، ومع ذلك لا ينتفض قلبه، ولا يتأثر، ولا يتذكر. إن كثيراً من الذين لا يفهمون حرفاً واحداً من القرآن يتأثرون لسماعه تأثراً بليغاً، وكثيراً من الذين يفهمونه ويتعقلونه ويدرسون تفسيره لا يتأثرون به، وهذا عجب من العجائب! وآية من الآيات، بل هو من معجزات هذا الكتاب العظيم، وقد شاهدنا عدداً من الأعاجم الذين لا يعرفون القرآن، ولا يفهمون منه كلمة واحدة، ومع ذلك لا يسمعون قراءته حتى تسمع النشيج عن يمينك وشمالك، يبكون بكاءً صادقاً بحرقة عظيمة، وذلك أنهم يعرفون أن هذا كلام الله، فقدر مستواهم في العلم أن يعلموا أن هذا الكلام كلام الله، فأحبوه من أجل ذلك، فبكوا تأثراً به. وقد كان عكرمة بن أبي جهل ﵁ عند موته يقلب المصحف على خديه ويقول: كلام ربي، كتاب ربي! محبة للقرآن، حتى توفي على ذلك ﵁ وأرضاه.

стр. 715

خشوع النبي ﷺ إن الذي يعلم بعض أحوال رسول الله ﷺ عند سماعه للقرآن وبعض أحواله في عباداته الأخرى، يستشعر أنه ﷺ مع ما امتن الله به عليه من البشارة العاجلة، ومع ما ادخر له من المقام المحمود العظيم الذي خصه الله به من بين الخلائق؛ كان يتأثر بهذا القرآن تأثراً عجيباً، ففي حديث ابن مسعود في الصحيحين: (أن النبي ﷺ قال له: اقرأ علي القرآن، فقلت: يا رسول الله! أقرأ عليك وعليك أنزل؟! فقال: إني أحب أن أسمعه من غيري، قال ابن مسعود: فقرأت سورة النساء حتى بلغت قول الله تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا * يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الأَرْضُ وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ [النساء:٤١ - ٤٢]، قال: حسبك! فنظرت فإذا عيناه تهملان). (وخرج ذات ليلة في المدينة فمر على باب عجوز من الأنصار، فإذا هي تقرأ القرآن، فوقف رسول الله ﷺ يستمع، فقرأت العجوز: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ [الغاشية:١]، فقال رسول الله ﷺ : نعم أتاني، نعم أتاني، وجلس يبكي عند بابها). وعندما غزا رسول الله ﷺ غزوة فتح مكة، وقد وعده الله بفتحها عليه فقال: ﴿وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا﴾ [الفتح:٢١]، مع ذلك يدخلها وهو في حال عجيب من الخشوع، يقول جابر بن عبد الله ﵄: (فلما دخل رسول الله ﷺ مكة ألصق ذقنه بصدره حياءً من الله أن يدخل حرمه في السلاح). فهكذا كان حياؤه من الله، مع أن الله أحلها له، وقد قال ﷺ : (وإنما أحلت لي ساعة من نهار)، كما في حديث أبي شريح رضي الله في صحيح البخاري، ومع ذلك يخشع ﷺ هذا الخشوع العظيم حياءً من الله ، وأدباً معه، وتوقيراً لحرماته، وتعظيماً لها؛ لأن ذلك من التقوى، كما قال : ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج:٣٢]. إن كثيراً من السابقين كانوا يخشعون في حلق العلم كما يخشعون في الصلاة، فهي عبادة لله ؛ فيستعدون لها، ويتأهبون لها كما يتأهبون للصلاة، ويخشعون فيها كخشوعهم في الصلاة.

стр. 716

أحوال الصحابة والسلف رضوان الله عليهم في الخشوع ولذلك كان أصحاب رسول الله ﷺ إذا كانوا عنده فتكلم كأنما على رءوسهم الطير، كما وصفهم عروة بن مسعود ﵁ بقوله: (كأنما على رءوسهم الطير)، والطير إذا نزل على رءوس الإبل وجلت ووقفت ولم تتحرك من مكانها، فكذلك حال أصحاب رسول الله ﷺ إذا كانوا عنده، فإنهم يكونون مطرقين يستمعون إلى ما يقول، وقد كانوا كذلك إذا سمعوا كلام الأئمة من أصحاب رسول الله ﷺ ، فكانوا يطرقون لسماع الخطب وسماع الدروس من الخلفاء الراشدين والأئمة المهديين، حتى فيمن بعدهم. فهذا مالك بن أنس ﵀ كان إذا تكلم أطرق الناس لكلامه، ولم يراجعه أحد في كلمة منه، كما قال عبد الملك بن المعلل: يأبى الجواب فما يكلم هيبة والسائلون نواكس الأذقان شرف الوقار وعز سلطان التقى فهو المهيب وليس ذا سلطان ولذلك عند أن كان هناك أسرة غنية في المدينة لها ولدان فقط، فحسد أحدهما الآخر فقتله غيلة، بأن ذهب به إلى بئر فرداه فيها، ومذهب أهل المدينة أن القتل غيلة ليس الحق فيه لولي الدم، بل الحق فيه للمسلمين عموماً، فالقاتل غيلة يقتل ولو عفا عنه أولياء الدم، وبه أخذ مالك ﵀. فعفا والدا القتيل عن القاتل، وقالا: ليس لنا ولد سواه فنحن نعفو عنه، فوضعه أمير المدينة في السجن حتى يتبين له فيه، فجاء مالك فراجع الأمير في قتله، فقال: والداه شيخان كبيران، وقد أخبرا أنه ليس لهما ولد سواه، وهما يعفوان عنه، فقال مالك: (والله لا أتكلم في العلم حتى يقتل، فتحركت المدينة كلها حتى قتل الرجل. وهذا إضراب من الإمام مالك ﵀ احتجاجاً على تعطيل حد واحد من حدود الله في قضية واحدة، والناس اليوم يشهدون تعطيل الحدود كلها! ومع ذلك لا يتحرك أحد لهذا، ولا يضرب من أجله، ومالك ﵀ يضرب عن تدريس العلم من أجل تعطيل حد واحد، ويقول: (والله! لا أتكلم في العلم حتى يقتل). لذلك كان أولئك السلف ﵏ بهذا المستوى من الإيمان والخشوع والإقبال على الله ، فكانت صلاتهم تزيدهم إيماناً ونوراً، وكانت زكاتهم تزيدهم زكاءً وقرباً، وكان صيامهم مدرسة تعودهم على التقوى كما قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:١٨٣]، وكان حجهم كذلك تصفية وتطهيراً لهم، كما قال ﷺ : (من حج فلم يرفث ولم يفسق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه)، وكما قال تعالى: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى﴾ [البقرة:٢٠٣] أي: تغفر له ذنوبه كلها فيرجع ولا إثم عليه، وإنما ذلك لمن اتقى فقط. فلهذا كانوا في أدبار العبادات يتحلون بالصفاء المطلق؛ وتدعوهم العبادة إلى الزيادة منها، كما قال تعالى: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ [الشرح:٧ - ٨]، فكلما انتهوا من عبادة ازدادوا قوة ونشاطاً للعبادة الأخرى، بخلاف الذين يأتون الصلاة وهم كسالى، ولا يؤدون العبادة بإقبال كما كان أولئك، فستشق عليهم عبادتهم، وإذا انقضى رمضان لم يستطيعوا صيام ست من شوال، وإذا انقضى الحج وانتهى لم يستطيعوا العمرة، وقد ورد في متابعة الحج والعمرة الأجر الكثير؛ قال ﷺ : (تابعوا بين الحج والعمرة، فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير صدأ الحديد). وهكذا كانوا إذا سمعوا القرآن تأثروا به فازدادوا سخاءً وتواضعاً وإقبالاً، وإذا سمعوا أوامر الله فيه لم يتعدوها، ولم يتجاوزوها، كما كان عمر ﵁، ففي حديث الحر بن قيس في الصحيح قال: جاء عيينة بن حصن -وكان سيداً مطاعاً، ولكنه أحمق- فقال: إن لك وجهاً عند هذا الرجل؛ فاشفع لي عنده حتى أكلمه، فكلمه الحر، فدخل عليه عيينة فقال: أيه يا ابن الخطاب! فوالله! ما تحكم فينا بالعدل، ولا تعطينا الجزل، فغضب عمر للكذب، حتى هم به، فقال له الحر: يا أمير المؤمنين! إن الله تعالى يقول في كتابه: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف:١٩٩]، وإن هذا من الجاهلين، فوالله ما تعداها عمر حين سمعها؛ وكان عمر وقافاً عند كتاب الله. ونحن اليوم إذا قرئ على الإنسان شيء من كتاب الله أو استدل له بآية يحفظها، وقد يكون حفظها قبل بلوغه، بل قبل إدراكه ولكنه لم يقف عندها، فتراه يريد المراجعة، ويريد معارضتها بكلام المخلوقين، وهي كلام الخالق ، وإذا أخبر بكلام رسول الله ﷺ كذلك لم يقف عنده، ويريد معارضته بكلام من دونه من أتباعه، فكل هذا من الخلل البين الذي هو بسبب نقص الخشوع والإقبال على الله . كان رسول الله ﷺ أجود الناس في كل الأوقات، ولكنه كان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل فيدارسه القرآن، وكان يدارسه القرآن في كل ليلة من ليالي رمضان، فلرسول الله ﷺ أجود بالخير من الريح المرسلة.

стр. 717

أثر الخشوع في طلب الجنة والشهادة في سبيل الله فإذا كان الحال كذلك فينبغي لنا بعد كل عبادة أن نتأثر بأثرها، فيتضح ذلك في أخلاقنا وتصرفاتنا وكلامنا، وينبغي أن نكون أهل إقبال على الله وتنزه عن هذه الدنيا وعن أعراضها كلها، وعلينا أن نتطهر من كل ذلك، فينبغي أن ترف قلوبنا إلى الجنات العلى، وأن نتأهب للفردوس الأعلى من الجنة تحت عرش الرحمن، وحينئذ يضحي الإنسان، وتستعد نفسه للتضحية والبذل في سبيل الله بما يستطيع. ولذلك فإن أصحاب رسول الله ﷺ كانوا إذا سمعوا شيئاً من الوعد أو الوعيد رفت له قلوبهم، ففي حديث أبي بردة بن أبي موسى ﵁ قال: حضرت أبي وقد حضر الصف، أي: التقى الصفان في حال المعركة فقام أبو موسى -وهو أبو أبي بردة -فقام خطيباً فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من قتل في سبيل الله مقبلاً غير مدبر، لم يكن بينه وبين الجنة إلا أن يموت)، فقال له رجل: يا أبا موسى! آنت سمعت هذا من رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم، فتقدم الرجل فقاتل حتى قتل. فهكذا كان يؤثر فيهم كلام رسول الله ﷺ إذا سمعوه؛ لأنهم صدقوا الله فأثر فيهم هذا الكلام تأثيراً بليغاً. فهذا عامر بن فهيرة لما أحس بوقع السيف نضح الدم على وجهه وقال: (فزت ورب الكعبة!). وكذلك فعل حرام بن ملحان ﵁؛ فإنه لما ضرب بالسيف حمد الله على أنه قتل في سبيل الله، وهذا الحال نجده عندما سأل ابن رواحة ﵁ الله المغفرة والشهادة في سبيله عند توديع المسلمين له في غزوة مؤتة والناس يسألون لهم العودة بأمان، وهو يقول: لكنني أسأل الرحمن مغفرة وضربة ذات فرع تقذف الزبدا فذكر أنه يريد الشهادة في سبيل الله، وألا يرجع أبداً بعد ذلك، فقد فهموا هذه النصوص وتأثروا بها، ولذلك فإن ابن رواحة عندما نزل للبراز في وقت المعركة قال: يا حبذا الجنة واقترابها طيبة وبارد شرابها والروم روم قد دنا عذابها علي إن لاقيتها ضرابها فترجل وقاتل حتى قتل مقبلاً غير مدبر. وكذلك عبد الله بن عمرو بن حرام ﵁ في يوم أحد؛ عندما رجع عبد الله بن أبي ابن سلول بثلث الجيش عن رسول الله ﷺ وقف عليهم عبد الله بن عمرو بن حرام فقال: (أي أصحابي! لا تخونوا رسول الله ﷺ في مثل هذا الموقف؛ وقد رأيتم العدو مقبلاً، فقالوا: لو كنا نعلم قتالاً لاتبعناكم، فقال: لعنكم الله، وأغنى عنكم المسلمين). فرجع فانتزع بردة كانت عليه فوضعها أمامه، وقاتل حتى قتل، وتمنى أن يعود إلى الدنيا حتى يقاتل فيقتل، ثم يقاتل فيقتل. وقد تمنى ذلك رسول الله ﷺ ، فقد صح عن النبي ﷺ أنه قال: (ولولا أن أشق على أمتي ما تخلفت خلاف سرية تخرج في سبيل الله، ولوددت أني أقاتل في سبيل الله فأقتل، ثم أحيا فأقاتل فأقتل، ثم أحيا فأقاتل فأقتل). فالشهيد لا يتمنى شيئاً من الدنيا إلا الرجوع إليها ليقتل مرة أخرى في سبيل الله لما رأى من أجر الشهادة وفضلها، فإنه يغفر للشهيد عند أول قطرة تقطر من دمه، ويزوج بسبعين من الحور العين، فلذلك لما صدق أصحاب رسول الله ﷺ هذا الكلام كانت لهم التضحيات العظيمة، وكان لهذا التصديق والخشوع الأثر البالغ في نشر الإسلام والجهاد في سبيل الله وإعلاء كلمة الله، ولما تراجع الخشوع في الناس قل فيهم العمل بمقتضى ما يقرءون، فالناس الآن يصدقون هذا الكلام ويعلمون أنه الحق، لكنهم لا يعملون به كما عمل به أولئك، فلا يضحون في سبيل الله كما ضحى أولئك السابقون الأولون. ولهذا فقد تراجع مد الإسلام، وأصاب كثيراً من المسلمين الوهن الذي هو حب الدنيا وكراهية الموت وانشغلوا بأمور دنياهم عن أمور هذا الدين، فأصبح كثير من الناس يؤثر السلامة العاجلة على أمور الدين، ولا يرضى أن يتمعر وجهه يوماً واحداً في ذات الله ، فكل ذلك من نقص الخشوع لله وإحسان التعامل معه جل وعلا. إن علينا -عباد الله- أن نحيي قلوبنا بالخشوع لله في أعمالنا كلها، وأن نتذكر أن هذا الخشوع هو روحها، وأنها إذا خلت منه كانت جثة ينبغي أن ترمى في القمامة، فلا يستطيع أحد أن يحمل جيفة قد أنتنت، وهذه الأعمال إذا خلت من الخشوع والخضوع كانت جيفة منتنة لا خير فيها؛ فلابد أن نستحضر هذا في أمورنا كلها.

стр. 718

الأسباب المعينة على الخشوع في الصلاة ولابد أن نعلم أن للخشوع أسباباً معينة عليه:

стр. 719

استواء الصف من أسباب الخشوع وكذلك مما يعين على الخشوع في الصلاة: استواء الصف؛ فالصف الذي يتخلله الشياطين لا يمكن أن يحضر أصحابه، ولا أن يخشعوا، وقد قال رسول الله ﷺ : (مالي أرى الشياطين خلال صفوفكم كأنهم غنم عفر؟!)، وقال: (عباد الله! لتسوون بين صفوفكم، أو ليخالفن الله بين وجوهكم). فلذلك لابد أن يجتهد الناس في تسوية الصفوف، وأن يلين الإنسان في يد إخوانه حتى يكون ذلك سبباً لخشوعه، وكم من إنسان لم يكن خاشعاً فأحس بقشعريرة جاره في الصف فأدى ذلك به إلى الخشوع! وكم من إنسان أيضاً كان مشتغلاً على الأقل بالحضور في الصلاة، فإذا بجاره يتثاءب، فاتصل به الشيطان فتثاءب هو بتثاؤب جاره، وكثيراً ما ترون الإنسان إذا تثاءب تثاءب جاره في الصلاة؛ لأن الشيطان يتوصل بالجار إلى جاره.

стр. 720

دعاء الاستفتاح من أسباب الخشوع في الصلاة كذلك من أسباب الخشوع في الصلاة: دعاء الاستفتاح الذي يقصر فيه كثير من الناس، فإن الإنسان إذا أقبل على الله وكبر تكبيرة الإحرام واستعاذ بالله من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه استطاع بذلك أن يخشع؛ لأن الشيطان سيجتنبه. فكثير من الناس لا يفتتح الصلاة أصلاً، فلذلك يجد الشيطان مدخلاً إليه في بداية صلاته، وقلما يحضر معنى التكبير في ذهنه، وقلما يحضر معنى الحمد في ذهنه عندما يقرأ إذا لم يستفتح، لكن إذا استفتح الصلاة بالدعاء الوارد عن رسول الله ﷺ فقال: (اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب، ونقني من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، واغسلني من الخطايا بالماء والثلج والبرد)، تباعدت عنه خطاياه، فاستطاع أن يحضر في الصلاة، واستطاع أن يخشع إذا قرأ الفاتحة أو غيرها، فكان ذهنه حاضراً؛ لأنه قد باعد الله بينه وبين خطاياه، وبينه وبين الشيطان، وغسل بالماء والثلج والبرد، وتهيأ لأن يكون من الخاشعين بين يدي الله .

стр. 721

استحضار المصلي لعظمة الصلاة من أسباب الخشوع كذلك من أسباب الخشوع في الصلاة: عظمة هذه الصلاة في ذهن الإنسان: فإذا كان الإنسان إذا سمع (حي على الصلاة) أو أدرك أن وقت الصلاة قد دخل، استطاع أن يتخلص من أعماله، وأن ينتفض قلبه منها، وكانت أكبر همه إذا حضر وقتها، وكان مقدماً لها على كل أشغاله الأخرى، فهذا هو الذي يستطيع الخشوع فيها. أما إذا كانت الصلاة أمراً روتينياً في حياته وعادياً؛ فإنه إذا فاتته الصلاة لم يشعر بالمصيبة، وقد كان الصحابة يعزي بعضهم بعضاً إذا فاتتهم الصلاة، فمن فاتته الصلاة منهم يُعزى في تلك المصيبة التي حلت به. فإذا كان الإنسان يعلم عظمة الصلاة وأهميتها ويبادر إليها بهذه المبادرة، فلابد أن يكون خاشعاً فيها؛ لأنه مستعد لها تمام الاستعداد؛ ولذلك فإن الذي يستحضر عظمة الصلاة والاهتمام بها سيكون من المحافظين عليها، وقد صح عن النبي ﷺ أنه قال: (خمس صلوات فرضهن الله على العباد في اليوم والليلة، فمن حفظهن وحافظ عليهن حفظ دينه، وكان له عند الله عهد أن يدخله الجنة، ومن ضيعهن لم يكن له عند الله عهد. إن شاء عذبه وإن شاء عفا عنه). وفي كتاب عمر بن الخطاب إلى عماله: (إن أهم أمركم عندي الصلاة، فمن حفظها وحافظ عليها حفظ دينه، ومن ضيعها فهو لما سواها أضيع وأضيع). فلذلك لابد أن تكون الصلاة ذات أهمية في حياة المسلم، وأن يقدمها على شئونه الأخرى، فهذا مما يعينه على الخشوع فيها.

стр. 722

الحضور إلى المسجد قبل الصلاة من أسباب الخشوع وكذلك من أسباب الخشوع في الصلاة: الحضور قبلها إلى المسجد بوقت تستقر فيه النفس؛ حتى يؤدي الإنسان الرواتب، ويتطهر، ويذكر، وتحول بينه وبين الشيطان فترة حادثة لجوارحه في المسجد، فالذي لا يأتي إلا عند الإقامة أو بعد أن يحرم الإمام كيف يخشع وقد جاء من الدنيا مباشرة إلى الصلاة؟! وإنما يخشع الإنسان إذا جاء فجلس في المسجد بعد أن صلى الراتبة، وهيأ نفسه للصلاة، وذكر الله ، فهذا الذي يستطيع الخشوع في الصلاة.

стр. 723

استخدام السواك من أسباب الخشوع في الصلاة كذلك فإن مما يعين على الخشوع في الصلاة: السواك، فهو مطهرة للفم مرضاة للرب، وقد أمر به النبي ﷺ وحض عليه، وكان يبدأ به إذا دخل بيته وإذا خرج منه، وقال: (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة)، وفي رواية: (عند كل وضوء)، فالعناية بالسواك مما يعين على الحضور في الصلاة والخشوع فيها.

стр. 724

الطهارة من أسباب الخشوع فمن أسباب الخشوع في الصلاة: أن يستحضر الإنسان ذلك في وقت طهارته، وأن يحافظ على الطهارة تمام المحافظة، فكيف يخشع من لا يؤدي طهارته، ولا يستتر من البول، ولا يأتي الصلاة إلا في ثياب متسخة، ولا يأخذ زينته عند كل مسجد؟ وإذا ذهب إلى المدرسة أو إلى العمل اتخذ ثياب زينته، فإذا ذهب إلى المسجد خرج في ثوب نومه، فكيف يخشع من كان هكذا؟ وإن سبب نقص خشوع كثير من الناس في الصلاة هو عدم حفاظهم على الطهارة، فهذه الطهارة سواء كانت من حدث أو من خبث، إنما جعلها الله إعداداً للصلاة وتهيئة لها، فطهارة الخبث إذا تركها الإنسان كان عرضة لعذاب القبر، فقد صح عن رسول الله ﷺ أنه مر بقبرين جديدين فقال: (إنهما ليعذبان، وما يعذبان في كبير، ثم قال: بلى إنه لكبير، أما أحدهما فكان لا يستتر من البول، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة). وكذلك فإنه ﷺ قال: (تنزهوا من البول، فإن عامة عذاب القبر منه). وإن كثيراً من الناس لا يستترون من البول، فترى بعضهم يبول في الطرق التي هي حق مشترك للعامة لا يحل استغلاله فيما يضر بالعامة، وهي من الملاعن التي يُلعن أصحابها، وقد نهى رسول الله ﷺ عن اللاعنين، وعن الملاعن كلها. وكذلك تجد كثيراً من الناس لا يحافظ على أداء طهارة الحدث؛ فهو يتيمم وهو قادر على الغسل أو الوضوء، وإذا تيمم أيضاً لم يحسن التيمم، فتراه يأخذ حجراً صغيراً فيمرر يديه عليه، ويظن هذا مجزئاً في التيمم، وهذا بعيد كل البعد عن التيمم الذي شرعه الله، فقد قال الله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة:٦]، وهو يمسح به هو على يديه، فهو لم يؤد ما أمره الله به؛ ولا يعتبر هذا تيمماً، ولا يجزئه. وهكذا تجد كثيراً من الناس لا يبالي بنظافة ثيابه، مع أن الأصل أن يكون للإنسان ثوب للصلاة يعده لها، فهذه الصلاة هي أعظم أحوالك وشئونك، فأنت تعد ثوبك وتغسله وتنظفه إذا أردت الذهاب إلى العمل أو إلى المدرسة، فكيف لا تحضر ذلك للصلاة وللمسجد العظيم، وقد قال الله تعالى في كتابه: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف:٣١]؟! فهذا مما يهمله كثير من الناس، وهو مما يكون سبباً لنقص الخشوع.

стр. 725

الخشوع مطلوب في جميع العبادات وكذلك على الإنسان أن يعلم أن هذه الأسباب المذكورة في الصلاة نظيرها في غير الصلاة من العبادات الأخرى، فإذا كان الإنسان يتأهب للعبادات الأخرى ويتهيأ لها، اشتياقاً إلى الله، ورغبة في مقابلته، ورغبة في الخير الذي سيقسمه بين عباده، وهو يعلم أنه الآن قد أذن له، وفتح له باب الملك الديان، وقد تنافس المتنافسون في الدخول فازدحموا عند الباب، فلذلك يريد أن يكون من الذين يتعرف عليهم الملائكة، وأن يكون من الذين يكتبونهم الأول فالأول، وأن يتعرف إلى الله في الرخاء ليعرفه في الشدة؛ فهذا لاشك أنه سيكون خاشعاً في أعماله كلها؛ لأنه يحس بالمنافسة، ويحس بأن الناس رعيل مقبل، وأن العباد منهم من يتنافسون في القرب؛ وهو لا يرضى أن يكون أحد سابقاً له حاجزاً بينه وبين القرب إلى الملك الديان . نسأل الله أن يرزقنا الخشوع في عبادتنا كلها، وأن ينفعنا بما علمنا، وأن يعلمنا ما ينفعنا، وأن يجعلنا من الصادقين المخلصين المخلصين، وأن يجعلنا في قرة عين نبينا محمد ﷺ . وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.

стр. 726

الأسئلة

стр. 727

سبب صعوبة الزواج على كثير من الشباب السؤال لماذا أصبح الزواج صعباً على الشباب الراغبين فيه؟ الجواب هذا من الأخطاء الاجتماعية، ومن الأمور التي ينبغي أن يتخلص منها المجتمع؛ فإن ذلك من الأمور التي أمر الله ورسوله ﷺ بها، وأمر بها النبي ﷺ من صلح لها وقدر عليها، والتعاون على ذلك من التعاون على البر والتقوى، وهو من الأمور التي يسرها الشارع، وحض عليها. ولم يكن غلاء المهور محموداً، ففي زمان النبي ﷺ ، كانت مهور أزواجه وبناته بأقل ذلك، وكان ﷺ يذكر نساء قريش بقلة التكاليف، فقد صح عنه أنه قال: (خير نساء ركبن الإبل نساء قريش، أرعاه لزوج في ذات يده، وأحناه على ولد في صغره، وأرضاه بالقليل). وكذلك فإن أصحاب رسول الله ﷺ كانوا بهذا المستوى، فقد ذهب بلال ﵁ مع أخيه إلى قوم من الأنصار، فحمد بلال الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد: فأنا بلال وهذا أخي، كنا عبدين فأعتقنا الله، وكنا كافرين فهدانا الله، وكنا فقيرين فأغنانا الله، فإن زوجتمونا فلكم الشكر، وإن رددتمونا فلكم العذر، فقالوا: والله لا نردكما، فزوجوهما. فإذاً: كان الأمر ميسوراً على هذا الوجه، وإنما جاءت التعقيدات بأمر الجاهلية، وهي سبب لإشاعة كثير من الفحشاء والمنكر. وقد صح عن النبي ﷺ في سنن أبي داود بإسناد صحيح أنه قال: (إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه، إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير).

стр. 728

حكم صلاة حامل النجاسة السؤال إذا سقطت النجاسة على المصلي في الصلاة، فماذا يعمل؟ الجواب النجاسة إذا أحس بها المصلي في الصلاة فعليه أن يقطع صلاته حتى يتطهر منها، فقد صح عن النبي ﷺ أنه كان في الصلاة فأتاه جبريل فأخبره أن في إحدى نعليه قذراً فخلعهما.

стр. 729

تفسير قوله تعالى: ((وماكنت ثاوياً في أهل مدين تتلو عليهم آياتنا)) السؤال ما هو تفسير قول الله تعالى: ﴿وَمَا كُنتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا﴾ [القصص:٤٥]؟ الجواب الله بين لرسوله ﷺ ما يقتدي به من هدي الأنبياء السابقين، فبين له ما لقي موسى من الأذى، وما لقي شيخ مدين كذلك من أهلها، وما لقي غيرهما من الأنبياء من الأذى من أصحابهم، وأنهم صبروا على ذلك وصابروا، وهذا تعزية لرسول الله ﷺ وتسلية له عما يلقى من إعراض قومه وأذاهم، ولذلك فإنه ﷺ قال: (رحم الله أخي موسى قد أوذي بأكثر من هذا فصبر). وقوله: ﴿وَمَا كُنتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا﴾ [القصص:٤٥] أي: ما كنت مستقراً، والثواء: الاستقرار كما قال عنترة: طال الثواء على رسوم المنزل بين اللكيك وبين ذات الحرمل والمقصود بقوله: (وَمَا كُنتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا)، أنهم كانوا من أفجر الأمم وأشدهم إعراضاً عن الحق، فلذلك عزي رسول الله ﷺ عن إعراض قومه بأنه قد نال ذلك من الذين سبقوه على هذا الدرب، فقد لقوا الأذى والإعراض وصبروا عليه: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [الأنعام:٩٠]، وهذا هو الذي فعله رسول الله ﷺ . اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد عبدك ونبيك ورسولك النبي الأمي، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً، اللهم لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك، لك الحمد بكل شيء تحب أن تحمد به على كل شيء تحب أن تحمد عليه، لك الحمد في الأولى والآخرة، لك الحمد كثيراً كما تنعم كثيراً. لك الحمد أنت أحق من ذكر، وأحق من عبد، وأنصر من قدر، وأرأف من ملك، وأجود من سئل، وأوسع من أعطى، أنت الملك لا شريك لك، والفرد لا ند لك، كل شيء هالك إلا وجهك، لن تطاع إلا بإذنك، ولن تعصى إلا بعلمك، تطاع فتشكر، وتعصى فتغفر، أقرب شهيد، وأدنى حفيظ، أخذت بالنواصي، ونسخت الآثار، وكتبت الآجال، القلوب لك مفضية، والسر عندك علانية، الحلال ما أحللت، والحرام ما حرمت، والدين ما شرعت، والعمر ما قضيت، والخلق خلقك، والعبد عبدك، وأنت الله الرءوف الرحيم، نسألك بعزك الذي لا يرام، وبنورك الذي أشرقت له السماوات والأرض، أن تهدي قلوبنا، وأن تستر عيوبنا، وأن تكشف كروبنا، وأن تجعل التقى زادنا، وأن تحقق مرادنا، وأن تصلح أولادنا. اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معاصيك، ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا، ومتعنا بأسماعنا وأبصارنا وقوتنا ما أحييتنا، واجعله الوارث منا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادانا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا تسلط علينا من لا يرحمنا ولا تجعل إلى النار مصيرنا، واجعل الجنة هي دارنا. اللهم استعملنا في طاعتك، واجعلنا هداة مهديين غير ضالين ولا مضلين، اللهم هؤلاء عبادك وإماؤك قد اجتمعوا في بيت من بيوتك يرفعون إليك أيدي الضراعة، فلا تردهم خائبين، ولا تجعلهم عن رحمتك من المطرودين، وهب المسيئين منهم للمحسنين يا أرحم الراحمين! اللهم ما أنت قاسمه من خيري الدنيا والآخرة فاجعل لنا منه أوفر حظ ونصيب، اللهم لا تخرج أحداً من هذا المكان إلا وقد غفرت له، اللهم لا تخرج أحداً منا من هذا المكان إلا وقد غفرت له، اللهم إنك أعلم بنا منا فاقض ما في علمك من حوائجنا، اللهم إنك أعلم بنا منا فاقض ما في علمك من حوائجنا. اللهم لا تدع لنا ذنباً إلا غفرته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ديناً إلا قضيته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا مبتلىً إلا عافيته، ولا ميتاً إلا رحمته، ولا ضالاً إلا هديته، ولا حاجة من حوائج الدنيا والآخرة هي لك رضا ولنا فيها صلاح إلا قضيتها يا أرحم الراحمين! اللهم ارفع عنا الغلاء والوباء والربا والزنا والزلازل والمحن، وجميع الفتن ما ظهر منها وما بطن، عن بلدنا هذا خاصة، وعن سائر بلاد المسلمين عامة يا أرحم الراحمين! اللهم آمنا في دورنا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك، واجعل المال عوناً لنا على طاعتك يا أرحم الراحمين! اللهم استرنا بسترك الجميل، اللهم استرنا فوق الأرض، واسترنا تحت الأرض، واسترنا يوم العرض. اللهم إن الأمور مرجعها إليك فلا تفضحنا بين يديك، اللهم خذ بنواصينا إلى الخير أجمعين، اللهم ملك علينا أنفسنا بخير، ولا تسلطها علينا بشر. اللهم آت أنفسنا تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها. اللهم اجعل سرائرنا خيراً من علانيتنا، واجعل علانياتنا صالحة، اللهم استرنا بسترك الجميل. اللهم انصر المجاهدين في سبيلك الذين يجاهدون لإعلاء كلمتك في كل مكان، اللهم سدد أقلامهم، وسدد سهامهم، واجمع على الحق قلوبهم، وانصرهم على عدوك وعدوهم، اللهم أنزل بأسك ورجزك وسخطك وعذابك على كفرة أهل الكتاب الذين يحاربون أولياءك، ويصدون عن سبيلك، ويكذبون رسلك، اللهم أرنا فيهم عجائب قدرتك، وأنزل بهم بأسك الذي لا يُرد عن القوم المجرمين، وأنزل بهم المثلات والقوارع يا قوي يا عزيز! اللهم أخرجهم من بلاد المسلمين صاغرين يا قوي يا متين، اللهم أخرجهم من بلاد المسلمين صاغرين يا قوي يا متين. اللهم طهر المسجد الأقصى من رجز اليهود. اللهم كن للمستضعفين من المسلمين في كل مكان، اللهم فرج هم المهمومين، ونفس كرب المكروبين، واقض الدين عن المدينين، وفك أسرى المسلمين يا أرحم الراحمين، اللهم فك أسر المأسورين من المسلمين يا أرحم الراحمين! اللهم عجل فرجهم يا قوي يا عزيز، اللهم انصر دينك وأظهره على الدين كله ولو كره المشركون. اللهم اخلف نبيك محمداً ﷺ في أمته بخير، اللهم أبرم لهذه الأمة أمر رشد يُعز فيه أهل طاعتك، ويُذل فيه أهل معصيتك، ويُؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر، وتقام فيه حدودك يا أرحم الراحمين! اللهم هذا الدعاء ومنك الإجابة، وهذا الجهد وعليك البلاغ، ولا حول ولا قوة إلا بك، سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

стр. 730

حكم قيام الابن بتطهير أمه السؤال امرأة لا تستطيع القيام بشئونها لمرض، وليست لها بنت تقوم بذلك، فهل يجوز لابنها أن يقوم بشئونها من تطهيرها وغير ذلك؟ الجواب تطهير بدنها إذا كان مما يتعلق بالعورة بأن يكون ملوثاً بالنجس، فالأصل أنه لا يحل ذلك للرجال، لكن إذا لم توجد امرأة تقوم به فستكون هذه المرأة كالمتوفاة، ومن المعلوم أن المتوفى يباح غسل عورته، لكن يجعل الإنسان على يده خرقة حتى لا يباشر العورة بيده ولا ينظر، بل يغسل من تحت الثوب. فابنها هذا إذا لم يجد من يزيل عنها ذلك الضرر والقذر فليجعل على يده سترة، وليغسلها من تحت ثوب، ولا يكشف عن شيء من ذلك، فيجعلها بمثابة المتوفاة، ويكون هذا من باب الضرورات كما قال خليل ﵀، إنما ذلك من أحكام الضرورات التي تبيح المحظورات.

стр. 731

حكم صرف الكفارة في نفقة الأبناء السؤال هل صرف الكفارة في نفقة الأبناء مجزئ أم لا؟ الجواب إذا كان الإنسان فقيراً معدماً لا يملك شيئاً، وكان من أشد الناس حاجة وفقراً، فيمكن أن يخرج كفارته على أهل بيته، بدليل حديث سلمة بن صخر ﵁، فإنه (أتى النبي ﷺ يضرب صدره وينتف شعره، فقال: يا رسول الله! هلكت وأهلكت، فقال: ولم؟ قال: واقعت أهلي في نهار رمضان، فأمره أن يعتق رقبة، فضرب صفحة عنقه وقال: والذي بعثك بالحق لا أملك غير هذه، فأمره أن يصوم شهرين متتابعين، فقال: وهل وقعت فيما وقعت فيه إلا من الصيام؟ فأمره أن يطعم ستين مسكيناً، فقال: والذي بعثك بالحق ما بين لابتيها أهل بيت أفقر منا، فأمره أن يجلس، فجلس فجيء بعرق من تمر -وهو وعاء يتسع لستين مداً- فقال: أنفق هذا على أهلك)، فحمله فأنفقه على أهله، وهذا من رحمة رسول الله ﷺ ورفقه بأمته. فلعل الراجح إن شاء الله تعالى: أنه إذا كان الإنسان بهذا المستوى من الفقر والحاجة فله أن ينفق ذلك على أهله.

стр. 732

وقت إخراج زكاة الفطر السؤال هل إخراج صدقة الفطر قبل الفطر جائز؟ وهل المطلوب إخراجها قبل الصلاة؟ وهل تجزئ نقداً؟ الجواب من السنة أن تخرج زكاة الفطر إلى المساجد في الليالي الثلاث الأخيرة من رمضان، فقد كان رسول الله ﷺ يبسط البسوط في مؤخرة المسجد، فيأتي الناس بصدقات الفطر، وكان يكلف أبا هريرة برعايتها، فكان يحرسها، فإذا صلى رسول الله ﷺ صلاة الصبح يوم العيد، جاء إليها فقسمها، ثم إذا انتهت خرج إلى المصلى. فإذاً: ينبغي للناس أن يخرجوها إلى المساجد، وأن يجمعوها فيها في الليالي الأخيرة من رمضان، ثم توزع بعد صلاة الصبح قبل صلاة العيد. أما إخراجها بالقيمة أو بغير الطعام: فإن النبي ﷺ إنما فرضها صاعاً من طعام كما في حديث ابن عمر، فالراجح أنه لا يجوز أداؤها من غير طعام، إلا إذا كان الإنسان في مكان لا يجد فيه من يحتاج إلى ذلك الطعام، كالموجودين في بعض البلدان الأوروبية أو الأمريكية من المسلمين الذين هم في جالية غنية في جمهورها، ويحتاج الفقراء إلى نقل زكاة الفطر إليهم، فحينئذ يمكن أن تنقل، وكذلك الحال في بعض البلدان الغنية يمكن أن تنقل نقداً فيشترى بها الطعام للفقراء في أماكن وجودهم.

стр. 733

حكم العمليات الاستشهادية السؤال ما حكم من نفذ عملية استشهادية فقتل فيها مجموعة من اليهود؟ الجواب إذا كان ذلك في فلسطين فهو من الجهاد في سبيل الله، وقد أوجب الله الجهاد في سبيله، وأوجب إرهاب العدو وإرعابهم، فقال تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال:٦٠]، ولا يمكن اليوم جهاد اليهود بأي سلاح ولا بأي وسيلة لأفراد المسلمين إلا عن طريق هذه العمليات. وهذا الجهاد في أهم جهة اليوم وأعظمها، ولا يوجد غير هذه العمليات، وعلى الإنسان حينئذ أن يكون صادقاً مخلصاً، وألا ينوي بذلك إزهاق نفسه والخروج من هذه الحياة، بل ينوي بذلك جهاد العدو وإعلاء كلمة الله وإرهاب العدو بذلك، وأن يكون مخلصاً لله صادقاً، فإنما حرم الله قتل الإنسان نفسه إذا كان ذلك عدواناً وظلماً، وهي علة منصوصة؛ فقد قال الله تعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا * وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [النساء:٢٩ - ٣٠]. وأما بالنسبة للبلاد الأخرى التي ليست مثل فلسطين، فلا ينبغي فيها الإقدام على مثل هذا ما دامت الوسائل الأخرى موجودة. والشهادة إنما تكون بالنية، فإذا كان الإنسان صادقاً مخلصاً فهو شهيد عند الله ، ونحن لا نستطيع الحكم بذلك، فإنما الشهيد من صدق، فقد صح عن رسول الله ﷺ أنه سئل فقيل له: (الرجل يقاتل حمية، ويقاتل شجاعة، ويقاتل ليرى مكانه، فأي ذلك في سبيل الله؟ فقال: من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله). وقد صح عنه ﷺ في عدد من الأحاديث أنه قال: (والله أعلم بمن يقتل في سبيله).

стр. 734

حكم العمل الخاص في وقت الوظيفة العامة السؤال هل يجوز لموظف في الوظيفة العامة أن يعمل عملاً آخر مع وظيفته؟ الجوب: الوظيفة إذا كانت مباحة في أصلها، وكان الإنسان مأذوناً له شرعاً في أن يعملها، ووقع عقداً على أن يستغل الوقت المقرر في تلك الوظيفة، وكانت الوظيفة تأخذ ذلك الوقت كله، فلا يجوز له أخذ شيء من ذلك الوقت لأموره الخاصة، وإذا استغله فما يأخذ في مقابله هو من السحت. أما إذا كانت الوظيفة أصلاً لا يجوز العمل فيها فيجوز حينئذ الخروج منها، بل يطلب الخروج والتوبة منها، وكذلك إذا كانت الوظيفة لا تشغل الوقت كله كساعات التدريس، فإذا كان الإنسان موظفاً-مثلاً- لتدريس حصص محددة فدرسها، فالوقت الآخر الذي ليس فيه تدريس وليس فيه جدول لعمله يمكن أن يصرفه فيما كان من شئونه.

стр. 735

حكم العمل في دكان لا يصلي أصحابه صلاة الجماعة السؤال هل يجوز العمل في دكان لا يصلي أصحابه مع الجماعة ويباع فيه بعض البضائع الأمريكية؟ الجواب إن الإنسان إذا كان ينصح، ويؤدي الحق الذي عليه، وإذا سمع النداء إلى الصلاة أقبل عليها، ولم يكن يبيع شيئاً من المحرمات، فيجوز له العمل مع النصح لمن يعمل معه أن يكون كذلك، وأن تكون الصلاة أهم عنده من التجارة، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ [الجمعة:١١]. فلابد أن يتذكر الإنسان أن ما عند الله خير وأبقى، وأن يقدم الصلاة على التجارة، وكذلك لابد أن ينصح من يعمل معه حتى يترك بيع ما حرم الله بيعه.

стр. 736

موضع اليدين في الصلاة السؤال جاء في صفة صلاة رسول الله ﷺ أنه كان إذا قام يرفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه، ثم يكبر حتى يصير كل عظم في موضعه، أليس هذا دليلاً واضحاً لمن قال بإسبال اليدين في الصلاة؟ الجواب لا؛ فموضع اليدين في الصلاة هو ما بينه النبي ﷺ وعرف من فعله، وهو وضع اليدين على الصدر، فهذا استقرار كل عضو في موضعه، فموضع العضو لا يقصد به موضعه في حال القيام، ولا موضعه في حال الاضطجاع أو الجلوس؛ فذلك مختلف، إنما يقصد به موضعه في الصلاة، فموضع اليدين في الصلاة في حال القيام هو الصدر، فالإنسان يضع يساره على صدره، ثم يضع يمينه فوقها أو يقبضها بها، فهذا موضع اليدين في الصلاة. والسائل يسأل عن حديث أبي حميد الساعدي في وصف صلاة رسول الله ﷺ ، وقد أقر أبا حميد على ذلك عشرة ممن شهدوا صلاة رسول الله ﷺ من أصحابه، فقد بين أبو حميد هيئة صلاة رسول الله ﷺ ، أما موضع اليدين في الصلاة فهو الصدر، لما ثبت في أحاديث أخرى كثيرة تقارب ثمانية أحاديث صحيحة عن النبي ﷺ ، وهي في موضع اليدين في الصلاة.

стр. 737

تحريك السبابة في الصلاة السؤال ما حكم تحريك السبابة في الصلاة؟ الجواب ثبت في الصحيحين أن النبي ﷺ كان يشير بالمسبحة، و (يشير) فعل مضارع، والفعل المضارع يقتضي التجدد، والجملة الحالية تقتضي التجدد والحدوث، والفعل المضارع أيضاً يقتضي التكرار، فالنبي ﷺ كان يشير بسبابته، ومعنى الإشارة بها: التحريك، وأيضاً جاء في حديث زائدة بن قدامة أنه كان يحركها، بلفظ التحريك، وهي زيادة ثقة.

стр. 738

وقت تستر المرأة السؤال هل تجوز مصافحة البنت التي بلغت الخامسة من عمرها إذا أمنت الفتنة؟ الجواب نعم؛ لأن البنت إنما يطلب سترها إذا دخلت التاسعة من عمرها وهذا أرجح شيء، فإن عائشة ﵂ حدثت عن نفسها: أنها كانت تلعب مع بنات من الأنصار على المراجيح، فجاء نسوة من الأنصار فأخذنها، فغسلن رأسها وهيأنها، فلم تكن حينئذ تلبس ما يسترها في وقت أخذها وهي في التاسعة من عمرها، وذلك حين دخل بها رسول الله ﷺ .

стр. 739

الإيمان قبل العلم وما يستحيل في حق الله تعالى لله تعالى الأسماء الحسنى والصفات العلا، وقد قسم العلماء ما يتعلق بالله من الصفات إلى مستحيلة وواجبة وجائزة بحسب أقسام الحكم العقلي، وفي هذه المادة يشرح الشيخ هذا التقسيم، وما يترتب عليه من الكلام.

стр. 740

أقسام الحكم العقلي وتعلق الصفات بها الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد: فهنا يلزمنا أن نعرف أن الحكم العقلي ثلاثة أقسام هي: - الوجوب. - والاستحالة. - والجواز. فالوجوب هو: أن يحكم العقل بثبوت شيء بحيث لا يقبل ارتفاعه. والاستحالة هي: أن يحكم العقل بنفي شيء بحيث لا يقبل ثبوته. والجواز هو: أن يحكم العقل بتساوي الأمرين بحيث يجوز نفي هذا وإثباته. ومجال صفات الله أحكام العقل ثلاثة كذلك: النوع الأول من الصفات ما يوجبه العقل لله بها، وهذا فيه الصفات المذكورة، حيث يوجبها العقل السليم ودل عليها النقل الصحيح وأيضاً. النوع الثاني: ما يستحيل عقلاً في حق الله تعالى، وهو أضداد هذه، وكل نقص أياً كان. النوع الثالث: ما يجوزه العقل تجويزاً مطلقاً، فما دل النص عليه أخذ من النص، وما لم يدل عليه كان باقياً على الجواز المطلق، كالأفعال كلها، فكل الأفعال يجيزها العقل في حق الله تعالى، فإنه يجيز في حقه المجيء والنزول والاستواء والخلق والرزق والإماتة والإحياء، فهذه الأفعال جائزة في حق الله تعالى، فهو سبحانه يمكن أن يحيي هذا الشخص الآن ويمكن أن يميته، ويمكن أن ينزل المطر الآن ويمكن ألا ينزله، وهكذا، فهذا يجيزه العقل إجازة مستوية الطرفين. فبدأ بالنوع الأول وهو ما يوجب العقل لله تعالى من الصفات فقال: (منها فرداً) أي: واحداً، وقد جاء التعبير عن ذلك بهذا اللفظ، وهو لنفي الكم المتصل بالذات، ولنفي الكم المنفصل في الذات كذلك، ولنفي هذه الصفات عما سواها. فنفي الكم المتصل بالذات معناه: نفي التعدد في الذات الذي يقتضي نفي وجود الجوارح والحواس؛ لأن ذلك نقص في حقه، فيقتضي توحيده نفي ذلك، بخلاف الإنسان، فهو الذي يحتاج إلى هذه الجوارح، ويحتاج إلى ما يتممها من أكل وشرب وراحة ونوم وغير ذلك، والله هو الغني الحميد، ولا يحتاج إلى شيء من هذا. وكذلك نفي الكم المنفصل في الذات، بمعنى: نفي أن يكون للكون آلهة متعددة، كما قال سبحانه: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء:٢٢]. وكذلك في مجال الصفات نفي الكم المنفصل فيها، معناه: أنه لا يتصف أحد بمثل صفاته، كما قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]، فهذا معنى الوحدانية، والوحدانية من صفات السلب، أي: التي معناها نفي؛ لأن الوحدانية معناها عدم التعدد، ونفي التعدد عدم. ثم الصفة الثانية بعدها هي قوله: (غنياً)، وهذه الصفة هي صفة الغنى المطلق. ومعنى الإطلاق فيه: الغنى عن المحل، والغنى عن المخصص. فالغنى عن المخصص معناه: أنه قديم لا يحتاج إلى من يحدثه، والغنى عن المحل معناه: أنه ذو ذات لا يحتاج إلى ما يتعلق به.
следующие страницы →