← Джавами‘

Джавами‘ · id 7722

دروس للشيخ محمد الحسن الددو الشنقيطي

محمد الحسن الددو الشنقيطي

Полный текст (1 349 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

وجوب التوسط في الإنفاق جانب آخر من هذه الجوانب يتعلق بالمال، فهذا الدين دين وسط بين الإفراط والتفريط، وقد قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان:٦٧]، فالذين يسرفون هم المفرطون الذين يبالغون في إنفاق المال فيضعونه في غير محله الشرعي وكأنه ملك لهم يتصرفون فيه حيث شاءوا وكيف شاءوا، والواقع أنه أمانة عندهم من الله استخلفهم فيها لينظر كيف يعملون. ولهذا أدب الله رسوله ﷺ على هذا المنهج القويم، فقال: ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾ [الإسراء:٢٩]، فلابد أن يكون الإنسان متوسطاً في الصرف، وألا يكون مسرفاً وألا يكون مقصراً، فالحد الوسط هو المنهج الصحيح وهو الاعتدال في هذا الباب، الذين يفرطون في جانب الإنفاق يسرفون فيبالغون في الإنفاق، سواء كان ذلك في أمور الدنيا أو في أمور الآخرة، فيتجاوزون الحد المرضي شرعاً، ففي أمور الآخرة ينفقون أكثر مما حدده الشارع ويريدون بذلك المبالغة فيرجعون إلى الحد الذي ذكرناه في الإفراط في العبادة. ولذلك فإن رسول الله ﷺ لما سمع أن ثابت بن قيس بن شماس ﵁ أنفق جذاذ نخله جميعاً في يوم واحد، غضب عليه غضباً شديداً، وعندما سمع أن رجلاً من الأنصار -وكان عليه دين- قد دبر ستة أعبُد، فعندما توفي جمعهم رسول الله ﷺ ورد هذا التصرف وأقرع بينهم، فأعتق اثنين وأرق أربعة، وجعل له الثلث فقط. وقد كان كثيراً ما يرد التصرفات في هذا الجانب إذا كان فيها غلو ومبالغة، فقد قال لـ كعب بن مالك عندما بشره بأن الله قد تاب عليه: (يا كعب بن مالك! أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك، فقلت: يا رسول الله! أمن عند الله أم من عندك؟ فقال: بل من عند الله، فقلت: يا رسول الله! إن من تمام توبتي أن أخرج من مالي كله في سبيل الله، فقال: أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك). وكذلك عندما جاء يعود سعد بن أبي وقاص في حجة الوداع وهو مريض قال: (قلت له: يا رسول الله! إني ذو مال ولا يرثني إلا بنية لي، أفأتصدق بمالي كله في سبيل الله؟ قال: لا، قلت: أفأتصدق بثلثيه؟ قال: لا، قلت: أفأتصدق بثلثه؟ قال: فالثلث والثلث كثير -وفي رواية: كبير- إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس، فقلت: يا رسول الله! أأخلف بعد أصحابي؟ قال: إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت عليه حتى ما تجعل في فيِّ امرأتك، وعسى الله أن ينفع بك أقواماً ويضر بك آخرين)، فكان سعد آخر العشرة موتاً، وورثه اثنا عشر ولداً من أولاده لصلبه. فرسول الله ﷺ لم يقبل من أولئك المبالغة في الإنفاق، وفي المقابل قد يقبل من بعض الناس ذلك؛ لعلمه بقوة إيمانه واستقامته على المنهج كـ أبي بكر، فقد خرج من ماله كله في سبيل الله وقبل ذلك منه رسول الله ﷺ ؛ لما جعل الله في قلبه من الإيمان والقناعة؛ ولأنه مكتسب عارف بأمور التجارات أيضاً؛ ولأنه -قطعاً- سيؤدي حقوق عياله ولا يمكن أن يظلمهم حقاً لهم، فلذلك قبل منه رسول الله ﷺ ذلك، أما من سواه فكان رسول الله ﷺ يرد عليهم ولا يقبل منهم هذا النوع من المبالغات. وكذلك فإن الذي يبالغ في السرف فيما يتعلق بأمور الدنيا لابد أن يكون من المبذرين وهم إخوان الشياطين، وهذا النسب من شر الأنساب، نسأل الله السلامة والعافية. وقد بين الله ضرر التبذير وأثره العظيم، وبين أنه لا يحب المسرفين، ولذلك قال العلامة محمد مولود بن أحمد ﵀: والسرف السرف إن السرفا عنه نهى الله تعالى وكفى ولا يحب المسرفين كافي في كف كفك عن الإسراف فيكفي في كف كفك عن الإسراف أن الله لا يحب المسرفين، فالسرف في أمور الدنيا يقتضي من الإنسان أن تكون الدنيا أكبر همه ومبلغ علمه وأن يحبها حباً شديداً فهو يتتبع موضاتها ويشتغل بها غاية الاشتغال، فكلما ازداد حطبها ازداد لهبها، ويزداد الإنسان ولوعاً بها ويتعلق قلبه بها حتى يؤثرها على الآخرة نسأل الله السلامة والعافية، وقد قال الله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ﴾ [الشورى:٢٠]، وقال تعالى: ﴿فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ﴾ [البقرة:٢٠٠]، وقال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا * ﴿وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا﴾ [الإسراء:١٨ - ١٩]. كذلك في المقابل التقصير في مجال الإنفاق مقتضٍ للبخل، وأن لا يؤدي الإنسان الحقوق التي عليه، فالذي يمنع رفده ويأكل وحده ويضرب عبده شر الناس، كما قال رسول الله ﷺ : (شر الناس من منع رفده وأكل وحده وضرب عبده). قوله: (من منع رفده) معناه: منع الماعون ولم يعط خيره للآخرين، فلم ينفعهم مما آتاه الله، فقد أمرنا الله أن ننفق مما آتانا فقال: ﴿امِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ [الحديد:٧]، وهذا يشمل الإنفاق على النفس، والأهل، والجيران، والإنفاق في أمور الدنيا، والإنفاق في أمور الدين، وتركه من التقصير والتقتير وهما مذمومان شرعاً. فالمقترون مقصرون عن أداء الحقوق وهم متصفون بصفة البخل التي هي شر الصفات، والذي يتصف بها ويصاب بالشح لابد أن يبتلى بنقص الإيمان وتراجعه دائماً، ولذلك قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر:٩]، فالشحيح لا يفلح أبداً، فلذلك لابد من التوسط في هذا المنهج بين المبالغة بالإنفاق وبين التقتير والتقصير.

стр. 807

الوسطية في الخلق كذلك في جانب الخلق: من الأمور المهمة أن يعرف الإنسان أن المنهج المستقيم هو هذا الدين الوسطي الذي يقتضي من الإنسان تحسين الخلق للناس بألا يكون إمعة تابعاً، كل أموره يقضيها غيره، وألا يكون مستكبراً جواظاً لا يطيع في صغيرة ولا كبيرة، فالحد الوسط يقتضي من الإنسان أن يكون إيجابياً غير سلبي، كما قال الشاعر: لعمرك ما إن أبو مالك بواهٍ ولا بضعيف قواه ولا بألد له نازع يعادي أخاه إذا ما نهاه إذا سُدته سُدت مطواعة ومهما وكلت إليه كفاه وكما قال الآخر: إذا القوم أموا بيته فهو عامد لأحسن ما ظنوا به فهو فاعله يسرك مظلوماً ويرضيك ظالماً فكل الذي حملته فهو حامله فتىً قُدَّ قَدَّ السيف لا متضائل ولا رهل لباته وبآدله فهذا يقتضي من الإنسان تمام الشخصية، وألا يكون إمعة مقلداً في كل الأمر بحيث يقول: سمعت الناس يقولون شيئاً فقلته، وبألا يكون أيضاً جافياً يتقيه الناس مخافة شره، فقد جاء عن النبي ﷺ أنه قال: (شر الناس من تركه الناس اتقاء شره). فلذلك لابد أن يحرص الإنسان على الاستقامة في الخلق، فلا يكون من الذين ينقادون لكل أحد فيقبلون البدع ويقبلون المنكر ويسكتون بمشاهدة المنكرات، ويظنون أن ذلك من الخلق والحياء، فهذا غلط، بل هو من الإفراط في الحياء حتى يتجاوز الإنسان الحد، وأنت ولو كنت صغيراً ضعيفاً فأنت مكلف من عند الله وجندي من جنود الله، ومن هنا فلابد أن تحرس الثغر التي تتولاه وألا يؤتي الإسلام من قبلك. فلهذا لابد أن تكون يقظاً وأن تكون آمراً بالمعروف ناهياً عن المنكر كبيراً كنت أو صغيراً غنياً كنت أو فقيراً عالماً أو جاهلاً، لابد أن تقوم بالحق الذي عليك لله، وأن ترعى الدين فيما يليك وألا يدخل من هذا الثغر الذي أنت قائم عليه، فأنت حارس في الخدمة، ولا يغرك شيطان بدعوى الحياء، فإن الحياء الذي يمنع من تغيير المنكر أو الأمر بالمعروف أو السؤال عن أمر من الدين هو الحياء الذميم المقيت شرعاً، كما قال العلامة محمد مولود ﵀: أما الحيا الذميم فالمانع من تغيير منكر أو السؤال عن أمر من الدين ونحو ذلك وهو الذي عد من المهالك ولذلك فإن أم سليم ﵂ عندما سألت رسول الله ﷺ عن المرأة إذا احتلمت فرأت ما يراه الرجل هل عليها من غسل؟ قالت: إن الله لا يستحي من الحق. وافتتحت كلامها بذلك. فلابد أن يعلم الإنسان أن الاستحياء من الحق ذميم وليس من الخلق الطيب الحميد، وأن يعلم أن محاباة الناس والسير معهم في ما هم فيه، وحضور مجالسهم ولو كان فيها ما لا يرضي الله، والإغضاء عن ذلك ليس هو من الخلق الحميد، بل الخلق الحميد يقتضي من الإنسان أن يصبر على أذى الناس فيما يتعلق بشخصه هو، لكن لابد أن يغضب لغضب الله إذا انتهكت حرمات الله، فقد قالت عائشة ﵁: (ما انتصر رسول الله ﷺ لنفسه قط، وما غضب لنفسه، إنما كان يغضب لغضب الله إذا انتهكت حرمات الله)، فهذا الذي يغضب فيه المؤمن: يغضب إذا انتهكت حرمات الله، أما حقوقه هو فيتغاضى عنها ويسامح فيها، لكن حقوق الله لا يقبل فيها ذلك. ومن هنا فالمبالغة في تحسين الخلق ولينه حتى لا يستطيع الإنسان أمراً بمعروف، ولا نهياً عن منكر، ولا قولاً للحق، ولا وقوفاً بموقف صواب، ويقتضي الخجل من قول الحق، ومن إنكار المنكر، كل هذا من الإفراط المذموم الذي لا خير فيه. وفي المقابل أيضاً التفريط في الخلق بأن يكون الإنسان جافياً فظاً غليظاً في كل الأمر، حتى في أمر الله إذا أمر بمعروف أتى بفظاظة وغلظة، وإذا نهى عن منكر أتى بفظاظة وغلظة، وكأنه ملك قائم على رقاب العباد، فهذا النوع ليس مرضياً عند الله أيضاً، بل هو من التفريط في الخلق. فلابد أن يكون الإنسان متأدباً بالخلق الذي اختاره الله لرسوله ﷺ : ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [آل عمران:١٥٩]. إن التفريط في الخلق يقتضي من الإنسان أن يسوء أدبه مع والديه وهما أمن الناس عليه، وأن يسوء أدبه مع جيرانه المسلمين ولهم حقان: حق الجوار وحق الإسلام، وأن يسوء أدبه مع كبار السن من المسلمين، وقد أوجب النبي ﷺ توقيرهم فقال: (لن تزال أمتي بخير ما دام كبيرها يرحم صغيرها، وصغيرها يوقر كبيرها). ويقتضي سوء الأدب مع الملائكة الذين يشهدون على انتهاره للصغير واعتدائه على الحقوق، ويقتضي سوء الأدب مع الملك الديان ، فلابد أن يتذكر الإنسان قدرة الله عليه، فهذا أبو مسعود البدري ﵁ قال: (كنت أجلد غلاماً لي بالطريق فإذا صوت من ورائي يقول: اعلم أبا مسعود! فنظرت فإذا هو رسول الله ﷺ يقول: اعلم أبا مسعود أن الله أقدر عليك منك على هذا الغلام، قال: قلت: يا رسول الله! هو حر لوجه الله، قال: أما إنك لو لم تفعل للفحتك النار). فلذلك كان التفريط في الخلق يقتضي من الإنسان أن يكون كالبهائم التي لا خير فيها، نسأل الله السلامة والعافية. فلابد أن يحسن الإنسان خلقه وأن يهذب نفسه وأن يزكيها وأن يكون ذلك بالمنهج الصحيح وعلى وفق الخلق النبوي.

стр. 808

شر الجمع بين الإفراط والتفريط في جانب الخلق إن كثيراً من الناس اليوم في جانب الخلق يجمعون بين الإفراط والتفريط، ففي جانب لا يستطيعون إنكار المنكر ولا تغييره ويزعمون أن ذلك للحياء، وفي جانب التفريط لا يجالسون بعض الكبار كأصهارهم مثلاً ولا يؤاكلونهم، ويظنون أن ذلك من الحياء والخلق، وهذا إفراط والأول تفريط. فكلا الأمرين مقيت شرعاً، فلو كان هذا من توقير الكبار؛ لفعله رسول الله ﷺ وأصحابه، وكان رسول الله ﷺ يؤاكل أبا بكر وعمر وعلياً وعثمان وهم جميعاً أصهاره، وكان يجالسهم في بيوتهم، (وأتى علياً وفاطمة وهما في فراشهما فقال: على مكانكما، حين أرادا القيام إليه، فجلس بينهما فجعل ظهره في بطن فاطمة ورجليه في بطن علي، قال علي: فأحسست برد رجليه في ظهري!). فهذا من أدب رسول الله ﷺ ومن خلقه، ولا يمكن أن يرغب مؤمن عن خلق رسول الله ﷺ أو يظن أن خلقاً أحسن من خلقه بحال من الأحوال، فالله تعالى يقول: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤]، فلا يمكن أن نأتي نحن بخلق من عند أنفسنا ويكون أعظم من خلق النبي ﷺ أو أحسن منه، هذا من المستحيل. فلذلك الذي يفعل مثل هذا النوع جمع بين الخصلتين، جمع بين الإفراط والتفريط، وهذا منتشر كثيراً، وقد علمت أن بعض البيئات عندنا هنا -مع الأسف- تجد الرجل فيها لا يصلي مع صهره في مسجد واحد، ولا يستطيع أن يليه في الصف، وهذا من الإفراط في الخلق والمبالغة فيه وهو غير مشروع، وليس له وجه من الناحية الشرعية أبداً، ولا يعوده إذا مرض ويقاطعه مقاطعة كاملة والله تعالى يقول: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم:٢١]. أين المودة والرحمة إذا كان الإنسان مقاطعاً لأهل زوجته: لا يشرب عندهم، ولا يأكل، ولا يعود لهم مريضاً، ولا يسلم عليهم، ويقاطعهم بالكلية؟! فإذاً هذا ليس من الخلق المحمود شرعاً، بل هو من الإفراط المقيت في الخلق. إن علينا أن نعلم أن هذا الدين الذي ارتضاه الله لنا يدخل في كل شئون حياتنا، وأن المنهج المستقيم فيه مانع للتطرف، والتطرف يشمل الأمرين: يشمل الإفراط والتفريط، فكلاهما طرف، والتطرف مشتق من الطرف: (فكلا طرفي قصد الأمور ذميم). واليوم يشتهر على ألسنة الإعلام إطلاق التطرف على جانب الإفراط فقط؛ وذلك أن الذين يطلقونه في الإعلام كلهم من المفرطين، فلذلك هم جميعاً متطرفون لكنهم يريدون نقل التطرف إلى الجانب الآخر فقط. والواقع أن طرفي المنهج كلاهما تطرف، إن الذي يعرف هذا المنهج المرضي عند الله ويعلم أنه ملة رسول الله ﷺ ، لا يمكن أن يرغب بنفسه عنها، فالله تعالى يقول: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة:١٣٠].

стр. 809

وجوب التوسط في معاملة النساء فلذلك لابد أن ننزل هذا المنهج إلى أعمالنا كلها، وأن نعرض عليه صغريات أمورنا وحياتنا وواقعنا، فمن هذه الأمور التي ينبغي أن تعرض على هذا المنهج الوسطي المستقيم ما يتعلق بمعاملة النساء وخلطتهن. فهذا الجانب المنهج المستقيم فيه: أن المرأة أخت الرجل وأن بينهما من التعاون على البر والتقوى ما شرع لهما، وأن كل واحد منهما مكلف، حرم الله عليه أشياء وأوجب عليه أشياء، وحد له حدوداً لا يمكن تعديها، وأن كل واحد منهما مسئول عن رعاية هذا الدين ونصرته. وأن الإفراط بتجاوز هذا المنهج مقيت، وأن التفريط في التقصير دونه مقيت شرعاً، والناس في هذا الباب في خلطة النساء يجمعون بين الأمرين: بين الإفراط والتفريط. ففي مجال الإفراط نجد بعض الناس يزدري النساء ولا يحترمهن كبشر ولا يقدرهن هذا التقدير، ولا يشاور ولا يستفتي في أمور الدين النساء ولو كن أعلم وأعقل منه، مع أن الله أمرهن بتعليم الناس فقال: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ [الأحزاب:٣٤]، وإذا أفتته امرأة فتوى لم يثق بها، فهذا إنما هو إفراط لا خير فيه وتفريط في حق المرأة نفسها. ومثل ذلك في المقابل: التفريط في حقوقهن، أقصد الإفراط بتجاوز الحد فيما يتعلق بالتعامل معهن؛ كالاختلاط المحرم والخلوة المحرمة وكلام الريبة والخضوع بالقول، وكل ذلك مما حرمه الله ومن الحدود الخارجة عن المنهج السوي المستقيم. ونجد بعض الناس في التعامل مع النساء يفرط ويبالغ، فلا يظن أنه عليه أن يرد السلام على المرأة إذا سلمت عليه، ويظن أن النساء أيضاً لا يسلمن على الرجال ولا يشمتن عاطساً، فيتكلم مع المرأة في أمور الدنيا لكن إذا عطس لا تشمته ولا يشمتها، وإذا سلم لا ترد عليه ولا يرد عليها! فترك الأمر الواجب المأمور به شرعاً، الذي هو من الحقوق الشرعية، ومن حقوق الإخوة الإسلامية، وهو يخوض في الحديث وأطرافه، بل ربما كان الحديث الذي يخوضان بما لا يحل الخوض فيه أصلاً كالخضوع بالقول وأحاديث الريبة، يتكلمان في الريبة ولا يرد أحدهما السلام على الآخر ولا يشمته إذا عطس، ولاشك أن هذا جمع بين الإفراط والتفريط. ونجد بعض الناس لا يدخل على النساء في بيت إذا أراد تدريسهن فيجعل بينه وبينهن حائلاً مثلاً، أو يأمرهن بمغادرة المسجد، أو بما يمنعهن من الذهاب إلى الدروس، أو يمنعهن من الذهاب إلى المحاضرات، وكل هذا مخالف للمنهج النبوي، فإن رسول الله ﷺ قال: (لا تمنعوا إماء الله مساجد الله)، وكان يدرس النساء وكن يجلسن إليه، وقد قلن له: يا رسول الله! إن إخواننا من الرجال غلبونا عليك، فاجعل لنا يوماً من نفسك، فجعل لهن يوم الخميس. ولم يكن رسول الله ﷺ يجعل بينه وبين النساء حاجزاً، بل كن يصلين معه في المسجد فكان يقول: (خير صفوف الرجال أولها وشرها آخرها، وخير صفوف النساء آخرها وشرها أولوها)، وكان يأمر الرجال ألا ينصرفوا حتى ينصرف النساء، وكان يأمر النساء ألا يرفعن أبصارهن حتى يجلس الرجال من السجود لئلا ينكشف عليهن شيء من عورات الرجال. وكن يشهدن معه الفجر متلفعات بمروطهن ما يعرفن من الغلس، وكن يشهدن معه صلاة العيد والاستسقاء والجمع، وفي حديث أم عطية: (كنا نؤمر بإخراج العواتق والحيض وربات الخدور يشهدن الخير ويكثرن سواد المسلمين)، وكان رسول الله ﷺ يسلم عليهن، ويرد عليهن السلام، ويعودهن إذا مرضن، وكان أصحابه يفعلون ذلك، وفي صحيح البخاري: أن أبا بكر قال لـ عمر بعد موت رسول الله ﷺ : تعال بنا نزور أم أيمن كما كان رسول الله ﷺ يزورها، فلما دخلا عليها بكت، فقالا لها: أما علمت أن ما عند الله خير لرسول الله ﷺ من هذه الدنيا، فقالت: أما إني لا أبكي لأني لا أعلم أن ما عند الله خير لرسول الله ﷺ من هذه الدنيا، ولكني أبكي لانقطاع الوحي من السماء، فهيجتهما على البكاء فبكيا، ثم قاما. وكان عمر ﵁ يزور العجائز من الأنصار ويخدمهن، فكان يحتلب الشاة لعجوز من الأنصار، وخرج ذات ليلة يعس، فسمع عجوزاً من الأنصار تضرب وبراً وهي تقول: على محمد صلاة الأبرار صلى عليك الطيبون الأخيار قد كنت قواماً بكى بالأسحار يا ليت شعري والمنايا أطوار هل تجمعني وحبيبي الدار فجلس عمر على بابها يبكي حتى طلع الفجر. وقد خرج رسول الله ﷺ ذات ليلة في زقاق من أزقة المدينة فمر على باب عجوز من الأنصار فإذا هي تقرأ القرآن، فوقف رسول الله ﷺ يستمع إلى قراءتها فقرأت قول الله تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ [الغاشية:١]، فقال رسول الله ﷺ : (نعم أتاني، نعم أتاني)، وجلس يبكي. فلذلك لابد أن نعلم أن المنهج المستقيم في خلطة النساء يقتضي هذا، فلا إفراط فيه ولا تفريط. ولا نتمكن من أن نتتبع جزئيات هذا الموضوع، لكن تكفي اللبيب الإشارة، وقد علم أن المنهج المستقيم منهج وسطي في كل الأمور صغائرها وجلائلها، وأن الإفراط في كل أمر مقيت شرعاً وأن التفريط مذموم، وأن كل فضيلة بين رذيلتين، وقد عرف ذلك بالأمثلة التي ذكرناها. ونسأل الله أن يجعل ما نقوله ونسمعه حجة لنا لا علينا، وأن يوفقنا لما يحبه ويرضى، وأن يجعل عملنا خالصاً لوجهه الكريم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

стр. 810

الإيمان أساس تماسك الأمة إن ما نراه اليوم من نكبات ومصائب وذل واستضعاف لنا إنما هو من عند أنفسنا، وذلك أننا ضيعنا أسباب النصر والعز والتمكين، فابتلانا الله بضدها. فإذا أردنا أن يغير الله الحال فعلينا أن نغير ما بأنفسنا، وأن نأخذ بأسباب ذلك من تحقيق الإيمان، وتحقيق الأخوة الإيمانية، ونبذ الفرقة والخلاف؛ فإن في الجماعة قوة وعزة، وفي التفرق ضعفاً وهزيمة.

стр. 811

الأمر بالائتلاف والنهي عن التفرق والاختلاف بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على من بعث رحمة للعالمين، وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين. أما بعد: فإن سر اتحاد المسلمين والتئامهم وعدم فرقتهم هو إيمانهم الذي يدعوهم إلى ذلك؛ فإن الله جعل المبدأ العقدي أساساً للعمل كله، وجعل الاتحاد والالتئام جارياً على هذا المبدأ، فقال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى:١٣]، فالمبدأ الأول (أن أقيموا الدين) والمبدأ الثاني: (ولا تتفرقوا فيه). وقد حذر الله المؤمنين من الفرقة، وبين ضررها، وأمرهم بالاجتماع على طاعته، ولذلك قال : ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ * وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران:١٠٣ - ١٠٥]. وبين براءة النبي ﷺ من المختلفين فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [الأنعام:١٥٩]. وجعل الفرقة والخلاف مظهراً من مظاهر الشرك في قوله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ * مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ * مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [الروم:٣٠ - ٣٢]. وجعل الفرقة نوعاً من أنواع العذاب، فقال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ [الأنعام:٦٥]. وحذر من الأضرار الوخيمة المترتبة عليه فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال:٤٥ - ٤٦]. وفي وصية رسول الله ﷺ التي أخرجها البخاري في الصحيح أنه ﷺ قال: (لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض).

стр. 812

الحقوق المترتبة على الأخوة وقد بين النبي ﷺ ما يترتب على هذا التآخي في الله من الحقوق فقال: (المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يحقره، ولا يخذله ولا يكذبه، التقوى ها هنا -ويشير إلى صدره ثلاثاً-، بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على السلم حرام دمه وماله وعرضه). وبين النبي ﷺ في هذا الحديث بعض الحقوق التي يغفل عنها كثير من الناس فقال: (المسلم، أخو المسلم لا يظلمه، ولا يحقره، ولا يخذله، ولا يكذبه) هذه الحقوق كلها منطلقة من هذا المبدأ العقدي، وهو قوامها وبه التئامها، ولا يمكن أن تتراجع هذه الحقوق إلا بنقص في المبدأ الذي هو الأصل. فإذا انتقص الإيمان حصلت القطيعة بين الناس، ولهذا قال الله تعالى: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ﴾ [محمد:٢٢ - ٢٣]، وأولى الأرحام بالصلة رحم الدين؛ لأنه الذي يقطع ما سواه وهو مستمر في الدنيا، مستمر يوم القيامة، فلا يقطعه في الدنيا الظلم والبغي؛ لقول الله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الحجرات:٩ - ١٠]. وهو مستمر كذلك يوم القيامة؛ لقول الله تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ [الحجر:٤٧]، فهذا الإخاء الديني مستمر يوم القيامة في جنات النعيم، لا يقطعه أي سبب من أسباب الدنيا، ولا ينقطع يوم القيامة عندما تنقطع الأنساب، ولذلك قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ﴾ [المؤمنون:١٠١]، ومع هذا قال: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا * وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾ [مريم:٨٥ - ٨٦]. فالمؤمنون يحشرون وفدا، ومن المعلوم أن الوفد كلمته على لسان رجل واحد، وأنه يتعاون في سيره ويشترك في رواحله وزاده، ومهمته واحدة. أما الذين كفروا فإنهم يساقون إلى النار ورداً، نسأل الله السلامة والعافية. والورد ليس بينه أي تآلف ولا تآخ ولا تراحم ولا ترابط، بل هو يساق سوقاً كما تساق غرائب الإبل. إن هذا الإخاء له حقوق كثيرة يلزم الوفاء بها والحفاظ عليها، ومن أعظمها أن يتذكر المسلمون أنهم أمة واحدة، وذلك يقتضي منهم التناصر، وأن لا يخذل بعضهم بعضا، والتآخي مهما كانت الظروف. وقد أخرج البخاري في الصحيح أن النبي ﷺ قال: (أنصر أخاك ظالماً أو مظلوما، قلنا يا رسول الله! أنصره مظلوماً فكيف أنصره ظالما؟ قال: تمنعه أو تحجزه عن ظلمه، فإن ذلك نصره). إن هذه الأمة تركها رسول الله ﷺ مجتمعة القلوب متآلفة فيما بينها، ولذلك حققت المعجزات وفتحت أصقاع البلاد، واستمرت على النهج النبوي زماناً طويلا، ثم بعد ذلك بدأ الخلال، لكن بقي قوامها وأصل ما يجمعها، فاستمرت على ذلك النهج المجتمع زماناً طويلاً مع ما حصل من الخلل في بعض الجوانب الأخرى، إلى أن وصلت إلى الزمان الذي نحن فيه، وهو زمان القطيعة المطلقة، حيث أصبح كل صقع من المسلمين يظن أهله أنهم أمة مستقلة، وأن لهم ذمة خاصة، وأنهم يمكن أن يراعوا مصالحهم مع أعدائهم ويعلنوا الحرب والسلم دون الرجوع إلى بقية الأمة! وهذا مناف لثوابت الشرع؛ فإن النبي ﷺ قال: (والمسلمون تتكافأ دماؤهم، وهم يد على من سواهم، ويسعى بذمتهم أدناهم)، وقال: (وذمة المسلمين واحدة)، وقال: (المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً)، وقال: (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر). إن الجسد ما دام متماسكاً لابد أن يحافظ على هذه الخاصية التي بينها النبي ﷺ ، فإذا أصيب أي إصبع من أصابعه بنكبة أو شوكة تألم لها القلب، وأحس بها الرأس والجوارح كلها. لكن عندما تتقطع الآراب والأوصال فذلك مؤذن بالزوال؛ لأنه مقتض لموت الجسد، فإذا قطع الرأس وقطعت الأعضاء كلها فذلك مؤذن بموت الجسد كله، فلا يقع الإحساس بما يأتي بعد ذلك.

стр. 813

بداية أدواء الأمة من هنا كانت أدواء الأمة في غايتها ومبدأها منطلقة من التقاطع والتناحر، فكلما اجتمعت هذه الأمة واتفقت على مبدأ من المبادئ وأزالت ما بينها من عمل الشيطان وعمل أوليائه وجنوده كلما استقام دينها، ولذلك فإن من أعظم وظائف هذه الأمة وأهمها الجهاد في سبيل الله لإعلاء كلمة الله، ولا يمكن أن يتم الجهاد إلا باتفاق الكلمة؛ لأن الفرادى لا يمكن أن يقفوا في وجه الموج السائر الطاغي، ولهذا قال الله تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾ [التوبة:٣٦]، فكما يقاتل المشركون كافة لابد أن نقاتلهم كافة، ولابد أن يهتم بذلك جميع أفراد الأمة. وهذا الجهاد وحده هو الذي ضمن الله لمن التزم به الهداية إلى نهجه القويم، فقد قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت:٦٩]، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ * سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ * وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ﴾ [محمد:٤ - ٦]. إن الأمة في حياة النبي ﷺ كانت تعرف طريق الحق برسول الله ﷺ ؛ لأنه معصوم، فما دام بين ظهرانيهم لن يضلوا ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الأَمْرِ لَعَنِتُّمْ﴾ [الحجرات:٧]، لكن بعد موت رسول الله ﷺ تحتاج الأمة إلى علم للهداية، وإلى إرشاد على طريق الحق، وإلى مناصب تعرف بها المحجة التي تركها عليها رسول الله ﷺ . وكل ذلك لا يتحقق إلا بالجهاد في سبيل الله، فإن حققت الأمة الجهاد في سبيل الله ضمن الله لها الهداية إلى طريقه المرضي عنده، وإن تركت الجهاد في سبيل الله وتخاذلت فيما بينها وتقاتلت سلط الله عليها أعداءها، وكان ذلك نقصاً في دينها وإيمانها بالله. ولذلك أخرج أبو داود في السنن وأحمد في المسند وغيرهما من حديث عطاء عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: (إذا تبايعتم بالعينة، ورضيتم بالزرع، وأخذتم أذناب البقر، وتركتم الجهاد سلط الله عليكم ذلاً لا يرفعه عنكم حتى ترجعوا إلى دينكم). وقد علم من منطوق الحديث أن الدين الذي يطلب الرجوع إليه حينئذ وبه ترفع الغمة عن الأمة هو الجهاد المتروك؛ لأنه قال: (وتركتم الجهاد). والدين اسم يطلق على كل ما يدان الله به، ويطلق على بعضه أيضاً، فلذلك قال: (وتركتم الجهاد)، ثم قال بعدها: (حتى ترجعوا إلى دينكم) أي: إلى ما تركتم من دينكم، وهو الجهاد في سبيل الله، فهو دين يتعبد الله به. إن وحدة هذه الأمة لا يمكن أن تقاس إلا عند حصول الأزمات والنكبات، وهذه الأزمات والنكبات قد تعهد الله لرسوله ﷺ بأن لا تشمل الأمة كلها، فإنه ﷺ (سأل الله لأمته ثلاثاً: سأل الله أن لا يأخذهم بالسنين فأجاب دعوته، وسأله أن لا يسلط عليهم عدواً يستأصل شأفتهم. فأجابه لذلك، وسأله أن لا يجعل بأسهم بينهم فلم يجبه لذلك). فلا يمكن أن يتسلط عدو واحد على الأمة كلها حتى يستحوذ على بيضتها ويزيل كيانها، فهذا مستحيل قد تعهد الله بمنعه، لكن يمتحن الله هذه الأمة بتسليط الأعداء على أطرافها، فهذه الأرض تنقص من أطرافها، فالله بين أن ذلك من أشراط الساعة، وبين أنه يأتي الأرض ينقصها من أطرافها، وذلك امتحان للأمة، فإذا تحرك فيها روح الإيمان ونوره عادت إلى منهجها الرباني القويم، وتمسكت بدينها وتماسكت فيما بينها، ونصرت المظلوم منها على ظالمه، ووقفت في وجه الطغيان من أي جهة كان مصدره، وحينئذ لابد أن يكتب الله لها النصر والتمكين. لكن من المؤسف أن هذا الحال المنشود المطلوب أحوج ما تكون إليه الأمة في مثل زماننا هذا عندما تكالب أعداء الله على هذه الأمة، فأتوا البلاد من أطرافها، واستضعفوا الشعوب وأذلوها، وكان ذلك بالكيد المدبر المبيت وكان أمراً قد أبرم بليل.

стр. 814

تمزق الأمة سبب ضعفها فأول ما بدأت به هذه الأمة من النقص والاستضعاف أن جُعلت أمماً وكيانات متباينة، ثم بعد ذلك جعل لكل قطعة منها من يقودها على غير منهج رسول الله ﷺ ويعطل طاقتها أن توجه في خدمة الأمة، فكم هي الجيوش الإسلامية؟! كم يملك المسلمون من أنواع السلاح والأموال؟! كم هي وسائل الضغط التي يملكها المسلمون؟! إن هذا من الأمور التي لا تحصى. ولو رجع إلى الناتج القومي في البلاد كلها لوجد أرفع مستوى للناس في النتاج القومي في بلاد المسلمين، ولو رجع إلى الثروات الطبيعية في الأرض لوجد أغلبها في بلاد المسلمين، فإذا نظرت إلى المعادن كالنفط والغاز والذهب والماس وغير ذلك من المعادن فغالبها وجمهورها في البلاد الإسلامية، وإذا رجعت إلى المياة الصالحة للشرب ستجد كثيراً منها في البلاد الإسلامية، وإذا رجعت إلى السهول الصالحة للزراعة ستجد جمهورها في البلاد الإسلامية، وإذا رجعت إلى الطاقات الحية والعوامل الشبابية التي تجيد مختلف التخصصات ستجد غالبها في البلاد الإسلامية، وإذا رجعت إلى الموقع الاستراتيجي في العالم تجارياً واقتصادياً وسياسياً وثقافياً ستجد الأمة الإسلامية في قلبه، ومع هذا هي آخر الأمم! وقد رضيت بالذل والهوان والتخلف، وما ذلك إلا بفعل ساستها وقادتها عندما تراجعوا عن مسئوليتهم ومهماتهم، وانشغلوا بالملاهي والطرب واللعب وضيعوا أمانة الله في أعناقهم، وعطلوا طاقات الأمة، وصرفوا الجيوش -التي كان من اللازم أن تصرف لنصرة دين الله- إلى تذليل شعوبهم وإهانة أبنائهم وإذلالهم، فحينئذ قبع هؤلاء على عروش الأمة، وأمسكوا بأزمتها، فتراجع أداء هذه الأمة وأصبحت في مؤخرة الأمم؛ لأن الأمم الأخرى تقاد بقيادات -على الأقل- تهتم بأمتها وتسعى للنبل فيها، وتجد مراقبة جادة فيها.

стр. 815

سوء أحوال قادة الأمة أقول بكل مرارة وأسف: إن الذين يقودون البلاد الإسلامية أغلبهم لا يراعون إلا بعض مصالحهم الخاصة، ولو كانوا يراعون مصالح أنفسهم لأصلحوا ما بهم، ولأحسنوا علاقتهم بالله ، ولأدوا الحق الذي عليهم. فالذين يظنون أنهم يرعون مصالحهم الخاصة كاذبون في تصورهم؛ إذ لو كانوا يرعون مصالحهم الخاصة لنأوا بأنفسهم عن نار الله وعذابه، لكنهم إنما يراعون بعض الأمور العاجلة في هذه الحياة الزائلة، ويظنون بذلك أنهم يراعون مصالحهم، وهذا غير الواقع تماماً. والجيوش المدججة التي تدربت وتربت وتعلمت، واشتريت لها أنواع الأسلحة من أموال هذه الشعوب المسكينة لا تبذل قوتها وطاقتها وسلاحها إلا في ظهور الشعوب المسكينة المتخلفة الذليلة. وحالها قريب من حال الذي يقول فيه الشاعر: أسد عليّ وفي الحروب نعامة ربداء تنفر من صفير الصافر هلا كررت على غزالة في الوغا أم كان قلبك بين جنبي طائر إن هذا الحال آن الأوان لزواله، فآن الأوان أن تراجع الأمة مسيرتها، وأن يهتم قادتها بتوحد المسلمين، وبإعلاء كلمة الله وإعزاز دينه، وأن يعلموا أنهم جميعاً أكلوا يوم أكل الثور الأبيض. وأن كل ما يحافظون عليه من المصالح الزائلة قد ذهب جميعاً بذهاب مصالح أي صقع من أصقاع هذه الأرض الإسلامية. ولذلك فإن الذين هم بمنأىً عن الحرب في فلسطين وفي أفغانستان وفي الشيشان وفي غيرها من الأماكن الملتهبة، وهم في أمن وأمان بحسب الظاهر، ويتصرفون في كثير من خيرات البلاد، ويملكون الأموال الطائلة قد رأوا أن أموالهم ومدخراتهم وكل ما كانوا يزمرونه من الأموال في بلاد الغرب قد أصبح نهبة لهذه الحروب، فما يقاتل به إخوانهم يحسب عليهم هم. فالحرب في أفغانستان تكلف يومياً ملياراً ونصفاً -على الأقل- من الدولارات، وهذا كله محسوب على من؟ على ممتلكات البلاد الإسلامية وعلى مدخراتها لدى أمريكا، وعلى استثماراتها في تلك البلاد. فإن الأمريكيين عقدوا من العهود مع عدد من البلدان الإسلامية ما يقتضي أن تشارك البلاد الإسلامية في تغطية نفقات الحروب التي تدخلها الولايات المتحدة الأمريكية. ففي بعض بلدان الخليج وقع العهد مكتوماً، ولكنه انتشر وعرف فيما بعد على أن الحفاظ على أمن الخليج وعلى أمن تلك الدول بذاتها يقتضي أن تشارك تلك البلدان في نفقات كل حرب تدخلها أمريكا بمبلغ كبير، ولذلك تسمع الآن تذمر اليابان من الحصة التي جعلت عليها من تمويل الحرب في أفغانستان، ولا تجد تذمراً في كثير من البلدان الخليجية التي أصبحت مدينة بعد أن كانت دائنة، وأصبحت معدودة الآن في البلاد التي بدأ التأخر والتراجع في تطورها الاقتصادي، كل ذلك بسب تلك الاتفاقيات المجحفة التي أقدم عليها أصحابها وهم لا ينظرون إلى مصالح الأمة. فالذي يوقع على مثل هذا العقد لا يمكن أن يكون ذلك الوقت مفكراً بمصالح أمته، بل إنما يفكر بمصلحة كرسيه العاجل في الدنيا فقط. وهذا الحال ليس مختصاً ببعض بلدان الخليج، بل هو أيضاً في البلدان الأخرى كلها، فبلاد المغرب العربي كل يوم تقدم على كثير من الاتفاقيات المجحفة التي فيها استغلال لخيرات هذه البلاد ونهب لها في مقابل وعود بالتمويل أو قروض ربوية، أو مقابل ما يسمونه بالتعاون الأمني الذي لا يكون إلا عصاً على رؤوس الشعوب. فالذي تقدمه أمريكا والبلدان الغربية لبلاد المغرب العربي أغلبه مجرد معلومات أمنية عن شعوبها المستضعفة الذليلة المهينة التي لا يخاف منها أن تفعل أي شيء، لكن تلك المعلومات تباع بأثمان غالية.

стр. 816

موت ضمير الإحساس في كثير من الشعوب كذلك فإن عدم شعور المسلمين شعوباً وجماعات بما يصيب إخوانهم مظهر سافر من مظهر هذا الانقطاع، إن أغلب المسلمين اليوم لا يشعرون بالحرب المقامة على المسلمين، ولا يحددون موقعهم من الإعراب، هل هم من العمد أو من الفضلات في هذه الحرب؟ وأين موقعهم منها؟ بل لا يهتمون أصلاً بحال إخوانهم الذين تجمعهم وإياهم رابطة (لا إله إلا الله)، ويتفقون معهم في المبادئ والمناهي، وما يصل إليهم لابد أن يتعداهم إلى من سواهم. إن كثيراً من الشعوب المسلمة قد مات ضميرها، فلم تعد تتحرك ولا تحس بأي شيء، وهذا الحال يذكرنا بوقت التجهيل الذي ساد قبل الاستعمار، عندما شاع الجهل في البلاد الإسلامية وأقبلت على ظلمات الجهل، فكان ذلك سبب الوهن الذي أصابها، وسبب غزو المستعمر الذي جابها، فإنما كان ذلك نتيجة جهل الشعوب بحقائقها، وانفصام عراها فيما بينها، فقد كان الناس إذ ذاك في وقت مجيء الاستعمار لا يحس أهل دولة منهم أو أتباع السلطان منهم بآلام سكان البلدان الأخرى. فعندما أراد الفرنسيون احتلال الجزائر ودخلوها بجيوشهم وقواتهم في عام ثلاثين وثمانمائة وألف من الميلاد كان (البايات) في تونس عوناً للفرنسيين، وكان السلطان عبد العزيز في المغرب عوناً للفرنسيين. وقد استفتى الأمير عبد القادر علماء المسلمين إذ ذاك فيما يفعله ملك المغرب من إمداد النصارى بالمؤن والعتاد، ومن قطعه العون عن المجاهدين ومحاصرتهم، استفتى الأمير عبد القادر علماء المسلمين في هذا الفعل فأفتى كثير منهم بأنه ولاء صريح للكفار، وعليه فيعتبر ناقضاً من نواقض الإسلام. إن ذلك الحال الذي عاشوه إذ ذاك بسبب الجهل حصل نظيره اليوم، لا بسبب الجهل فحسب، بل بسبب المؤامرة الإعلامية التي تروج بين الشعوب المسلمة، فالإعلام يبرر هذه الحروب، ويظهرها في صورة حروب مقدسة، وأنها رد لعدوان ومحاربة للإرهاب وقضاء على المتطرفين، وأن فيها خيراً لأهل الأرض، ويخدعون الشعوب المسكينة غير الواعية بهذه المبادئ الزائفة، فيتصور الناس صحتها ويطبلون وراءها ويصفقون لها، وأقلهم حالاً الذي يسكت فلا تكون له مشاركة.

стр. 817

وجوب استيقاظ الأمة من سباتها إن هذا الحال حال مزر بهذه الأمة، لا يليق بها بحال من الأحوال، ولا يمكن أن يستمر أبدا، فلابد أن تستيقظ الأمة من غفلتها، وأن تحس بأن كيانها مهدد، وأن مقدساتها قد داسها اليهود، وأن خيراتها قد نهبها النصارى، وأن الإعلام الماكر يروج لكل ذلك، وأن كثيراً من حكامها يواطئون أعداءها، وبقيتهم على الأقل هم في حياد بسبب السبات والغفلة، فليس لهم أية عناية بهذه الأمة ولا بمصالحها العامة، حتى يدخل عليهم في بيوتهم كحال ملوك الطوائف في الأندلس، فكان الفونسو ملك النصارى يستعين ببعض ملوك الطوائف على بعض، فاستعان بحاكم إشبيلية على حاكم طليطلة، فلما سقطت طليطلة استعان بحاكم قرطبة على حاكم إشبيلية، وهكذا بالتدريج حتى قضى عليهم بالكلية. إن هذا الواقع يعيده التاريخ ويكرره، فاليوم قد أصبح كثير من حكام المسلمين حراساً لليهود ومصالحهم، فيمنعون حدودهم من أن يدخل إليها السلاح، ويمنعون الشعوب المتحمسة التي تريد الجهاد في سبيل الله لإعلاء كلمة الله من الوصول إلى ذلك، بل يمنعون كل من عبر عن رفضه لهذا الظلم السافر، وأنت تسمع عن المسيرة الضخمة التي خرجت في باريس في قلب أوربا، والمسيرة التي سبقتها في ألمانيا تنديداً وإنكاراً لما يفعله اليهود المغتصبون في فلسطين، فهل سمعت أن أحداً ضرب فيها أو أوذي بأي نوع من الأذى؟! بينما لو سمعت عن أية مسيرة في البلاد الإسلامية العربية فستجد الكسر والطعن والنهب وأنواع الأذى، لا لأي سبب غير أن هذه الشعوب لا تستحق أن تعبر عن رأيها، ولا أن تباشر أي عمل تفهم منه أو تشم منه رائحة العزة والكرامة. إن هذا النوع من التطرف هو الذي يولد التطرف، فالمسيرات السلمية التي لا تفسد البنى التحتية، ولا تكسر السيارات ولا البيوت، ولا تتعرض للمارة، ولا تفسد في الأرض بعد إصلاحها، وإنما تعبر عن إنكار المنكر بالوجه الذي يبلغ ويسمع هذه المسيرات مأذون بها، وهي حق للتعبير عن رفض ذلك الظلم وإنكاره، ولا يمكن أن ينكر المنكر العام الذي تقوم به الأمم بكاملها إلا إذا أنكرت الأمم بكاملها. فإنكار الأفراد لمنكر الأمم لا يؤثر، وإنما يؤثر إنكار الأمم لمنكر الأمم، فإذا كان اليهود والنصارى قد فعلوا هذا المنكر الكبير فلابد أن يعبر المسلمون -أمة- عن إنكار هذا المنكر الكبير، وهذا مما لا يتم الواجب المطلق إلا به، فمن المعلوم أن إنكار المنكر واجب، وأنه لا يتم اليوم إنكار المنكر الجماعي إلا بالاستنكار الجماعي. لكن مع ذلك نجد كثيراً من البلدان الإسلامية يقمع فيها مثل هذا النوع من التعبير والإنكار، وهم يعلمون أن تلك المسيرات والمظاهرات لن تمس الأمن ولن تخل به، ولن تتعرض للنظام، ولن تتعرض للمصالح، بل لا تخشى منها السفارات الغربية أو السفارات اليهودية أو غيرها، وليس من هدف المسيرات إزالة تلك السفارات، وإنما هدفها الإعلان عن إنكار المنكر فقط. إن هذا النوع حصل في كثير من البلدان الإسلامية مع الأسف، وكان سبباً للفوضى ولإغلاق الطرق وتكسير زجاج المنازل والسيارات، والعبث الذي لا يليق بالشعوب المسلمة، وكل هذا الأمر مخالف للشرع ولا يقره أحد، لكن من أين جاء؟ وما هي بدايته؟! إنما كان من قبل الرفض للمسيرات السلمية، فبماذا تتضرر حكومة من الحكومات الإسلامية لو قاد رئيسها مسيرة للرفض، وخرج هو وأعضاء حكومته والشعب وراءهم يقودون مسيرة لتفيد المنكر، وللإعلان عن براءتهم -على الأقل- مما يفعله اليهود في فلسطين واستنكارهم له؟! بماذا تتأثر حكومة لو أقدمت على ذلك؟! أليس هذا سيزيدها عزة ومكانة؟! أليس سيزيدها محبة في نفوس شعبها وفي نفوس الشعوب المسلمة؟! لكن المشكلة هي أن التفكير مستورد. فالحكومات تستورد التفكير، يأتيها الفكر مغلفاً من الخارج كما تستورد المواد الغذائية وغير ذلك.

стр. 818

واجب الحكام تجاه قضايا الأمة إن هذه الأمة لابد أن يأتي الوقت الذي تحس فيه بأنها أمة واحدة. ولابد أن يأتي الوقت الذي تتحرك فيه لإزالة ظلم المظلومين من أفرادها، وإن أولى الناس بقيادة ذلك هم حكام الأمة، فهم أولى الناس بأن يتقدموا وأن لا يخافوا، فهم الذين بأيديهم السلاح، وبأيديهم المال، وتطيعهم الجيوش، وإن ذلك -والله- لا ينقص من أعمارهم ولا من أرزقاهم ولا من مكانتهم شيئا، بل إنه يزيدها. فهل سمعت أن أحداً في التاريخ أعلن الجهاد في سبيل الله فندم على ذلك؟ لا يمكن أن يقع هذا أبداً، بل إن الله تعهد بالهداية لمن سلك هذا الطريق، أليس جديراً بحكامنا جميعاً عندما اجتمعوا في بيروت أن يعلنوا براءتهم من اليهود، وأن يقطعوا علاقتهم بهم جملة وتفصيلا، وأن يعلنوا الجهاد في سبيل لإعلاء كلمة الله، لا مثل الحروب السابقة التي كانت تحت رايات أخرى غير خالصة. أليس جديراً بهم على الأقل أن يدعموا هذا الشعب الفقير؟ وأن يمدوا إخوانهم بالمال، وأن يمدوهم بالسلاح، وأن يتكفلوا بالأيتام والأيامى والعجزة. أليسوا يشاهدون على شاشة التلفزيون الجرحى الذين تنزف دماؤهم حتى يموتوا في الشارع ولا أحد يرثي لهم؟! أليسوا يشاهدون الأسر التي تنطلق في سياراتها فتحطمها عليها الدبابات في الشوارع؟! أليسوا يشاهدون سيارة الإسعاف تستغل ويخرج طاقمها، وتستغل هي لحرب الشعب الأعزل؟! أليسوا يشاهدون إخوانهم وزملاءهم يحاصرون في بيوت ضيقة، ويرجمون بالقذائف والصواريخ؟! إن ذلك كله صحيح، لكن العجب أن لا تتحرج ضمائر هؤلاء؟! ومتى تتحرك؟! إن بيت المقدس الآن عرضة للتحطيم والهدم، واليهود قد خططوا لذلك، ولم يرد في الوحي ما يمنع حصول ذلك، ولاشك أن كثيراً من ضمائر المسلمين يحركها هدم بيت المقدس، لكن قتل امرئ واحد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله ظلماً عدواناً أعظم عند الله من هدم بيت المقدس. إن ما يحصل كل يوم هو أعظم من هدم بيت المقدس، ولذلك يجب على المسلمين جمعياً أن يستشعروا مسئوليتهم عن مقدسات هذه الأمة وعن شعوبها المسكينة الضعيفة، وأن يقدموا ما يجدونه لله، فهم يقرؤون قول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة:١١١]. فهذه الآية من قرأها ولم يقم بحقها فإنها تلعنه على لسانه، (رب قارئ للقرآن والقرآن يلعنه). إن الذي يقرأ آيات الجهاد، ويقرأ الأحاديث الحاضة على نصرة المسلمين، ولا يتحرك ضميره فهو ميت لم يعد به إيمان؛ لأن الإيمان نور رباني وروح من عند الله تحركه مثل هذه المشاهد، فإذا اختل شيء منه دل ذلك على إن الإنسان قد سلب منه إيمانه وفارقه، نسأل الله السلامة والعافية.

стр. 819

المسلمون أسرة واحدة يجب عليها التناصر إن ما كنا نقوله من النصح الموجه إلى حكام المسلمين نظيره أيضاً موجه إلى شعوب المسلمين، فإنهم جميعاً مخاطبون بهذا الخطاب، وعليهم أن يبذلوا ما يستطيعون لإخوانهم، وأقل ما يستطيعونه التوعية والإحساس بواقع إخوانهم، والشعور بذلك، فلاشك أن أي أحد لو كان والده أو أمه أو أخوه يعاني من أشد الألم ويصرخ في المستشفى لا يمكن أن يجد راحة بال ولا استقراراً وهو يسمع ذلك الصراخ من أحب الناس إليه وأقربهم إليه، أفلا نؤمن بأن الذين يصرخون الآن ويعانون هم من إخواننا؟ إننا جميعاً أسرة واحدة، وإن ما يشكوه فرد واحد من أفراد هذه الأسرة لابد أن يشكوه كل الأفراد، إن ذلك مقتضى الإيمان. إن هذا الحال الحاصل لا يمكن أن يقر عليه بوجه من الوجوه، فلذلك لابد من العناية بتقصي الأخبار والعناية بالصدق في نقلها، والعناية بتوعية المسلمين بها، والعناية بأداء حقوق هذه الأمة، وأداء حقوق أولئك المستضعفين إليهم، وأن يقوم كل إنسان بما يستطيعه، فأين الذين يريدون أن يكونوا مع النبي ﷺ يوم القيامة في الجنة كهاتين -أي: الأصبع الوسطى والسبابة-؟ إن النبي ﷺ قال: (أنا وكافل اليتيم في الجنة كهاتين). إنهم يتامى كثر ينتظرون من يؤويهم، وأيامى كثر كذلك ينتظرن من يقدم لهن أية مساعدة، وشيوخ ركع قد أذلوا وأهينوا، كل أولئك من إخواننا المؤمنين الذين نسمع صراخهم ونداءهم في كل الوسائل التي ندخرها في بيوتنا، وهم سيطالبون بين يدي الله بحقوقهم. والمؤسف أن هذا إذا تجاوز هذا المدى فسيصل إلينا أيضاً، فهو سيل جارف امتحننا بحصوله في الآفاق، وإذا لم تنجح في الامتحان فسيصل إلينا في بيوتنا، فهل لدينا عهد من الله أن لا يصيبنا مثل ما أصاب أولئك القوم؟! إن كل بلد من البلدان الإسلامية هو عرضة لأن يصيبه ما أصاب أولئك، فإذا لم يقم أهله بالحق الذي عليهم حقت عليهم كلمة الله، وتحقق عليهم ذلك الوعد الذي لا يخلف. إننا جميعاً إذا أحسسنا بمسئوليتنا فلابد أن يكون لنا أثر، فهذه الأعداد الهائلة من المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها إذا عبرت عن رفضها لهذا الواقع، وأدت ما تستطيعه ولو بقدر ضئيل، وإذا لم يقدم المسلمون إلا عشر معشار ما يملكونه ويستطيعونه فإن ذلك كاف لإنقاذ فلسطين ومن عليها. وعلينا أن نعلم أن اليهود إنما كانوا شرذمة يسيرة قليلة قد كتب الله عليهم الذلة والهوان ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [البقرة:٦١]، ومع ذلك اجتمعت كلمتهم فاستطاعوا أن يقيموا دولتهم، وأن ينتصروا لأمجادهم، وأن يحققوا أهدافهم. ونحن -معاشر المسلمين- أهل العزة والكرامة، ولذلك فإن الله كتب العزة لنا، لكن شرط ذلك بانتهاج منهجه الذي ارتضى لنا. ونحن -كذلك- أعداد كثيرة لن نهزم عن قلة، ونحن -كذلك- أهل طاقات جبارة، ومع هذا فتلك الشرذمة القليلة المهزومة التي كتب الله عليها الذلة والصغار، وتأذن لها إلى يوم القيامة من يسومها سوء العذاب، مع ذلك تفعل فينا الأفاعيل! فإلى متى سيستمر هذا الوضع؟! إنه لابد من التعبير عن رفض هذا الحال، وأن يكون ذلك بلسان الأفعال لا بلسان المقال.

стр. 820

استشعار الأمة كونها جسداً واحداً بداية الطريق لابد أن يكون بهذه الأمة حراك، ولابد أن تلتقي عليه من المحيط إلى المحيط، بل إلى ما وراء ذلك، فهذه الأمة ليست محصورة في البلدان الإسلامية كما يتصوره كثير من الناس، بل قد بلغ هذا الدين ما بلغ الليل والنهار. فالمسلمون في الولايات المتحدة الأمريكية يبلغون أحد عشر مليوناً. والمسلمون في فرنسا يزيدون على خمسة ملايين. والمسلمون في بريطانيا أربعة وثمانمائة ألف تقريباً. والمسلمون في ألمانيا قريب من ذلك العدد. وهؤلاء ليسوا كالشعوب المستذلة المستضعفة، بل أكثرهم مهندسون وأطباء وموظفون كبار، وكثير منهم يعملون في التخصصات النادرة وفي الأبحاث الذرية النووية وغيرها. لكن الذي ينقص هؤلاء جميعاً هو أن يستشعروا مسئوليتهم، وأن يقوموا بالحق الذي عليهم لله ، وأن يؤدوا حق هذه الأمة، وأن يقوموا به. إن استشعار كون هذه الأمة جسداً واحدا إذا حصل فهو النقطة الأولى وهو بداية الطريق، إذا أحس الإنسان أنه لا ينتمي لدولة صغيرة ضعيفة قليلة الموارد فقيرة، وإنما ينتمي لأمة بهذه الكثافة والضخامة، لأمة ذات تاريخ عريق، ليس كتاريخ الدويلات التي تبدأ من استقلالها أو استغلالها الزائف غير الصحيح. هذه الأمة تاريخها بدأ من هجرة النبي ﷺ وأصحابه إلى المدينة، وما زال تاريخها يشهد البطولات، وإلى يومنا هذا ما زال المضحون من أبنائها يبذلون أنفسهم لله ، ويجاهدون في سبيله، فشعور الإنسان بانتمائه لهذه الأمة العظيمة التي هي خير أمة أخرجت للناس هو بداية استمراره على طريق الحق وسلوكه لهذا الطريق وسعيه لأن يكون له الأثر البارز في إعلاء كلمة الله وإعزاز دينه. أما ما دام الإنسان قابعاً في منطقة يسيرة قليلة، وينظر إلى نفسه أنه من أهل تلك الدولة -فقط- ولا يهمه ما وراء حدوده فهذا المسكين الذي لا يزيد إلا تحجراً، ولا يزيد إلا غفلة واستضعافاً، وسيكون بذلك ذليلاً إلى نهاية حياته، يعيش ذليلاً ويموت ذليلا، والحق ينتظره يوم القيامة. فكل ما يمكن أن يقال فيما يتعلق باتحاد هذه الأمة واجتماع كلمتها قد قيل، وواقع هذه الأمة لا يزداد إلا ثبوراً يوماً بعد يوم. ولكن الأمل بعد نعمة الله وفضله هو في أولئك الأفذاذ من أبناء هذه الأمة، الذين لا تحدهم حدود، ولا يحجزهم مكان، ولا تتعلق أعمالهم إلا بالجنان، وهم يتعلقون بما عند الله الواحد الأحد، ولا يخافون إلا الله ، وينطلقون في مسيرتهم لإعلاء كلمة الله، فأولئك هم جيل النصر والتمكين، وهم الجيل الذي يكتب الله له ميراث الأرض ومن عليها، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ * إِنَّ فِي هَذَا لَبَلاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ﴾ [الأنبياء:١٠٥ - ١٠٦]. وقال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور:٥٥].

стр. 821

إن النصر مع الصبر ولا يكون إلا بعد ابتلاء إن علينا أن لا ننهزم لمشاهدة هذا الذل والاستضعاف، وأن نعلم أن هذا حال من الأحوال وطور من الأطوار مرت به الأمم من قبلنا، وقد قال الله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران:١٤٢]، وقال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة:٢١٤]. إن هذا الحال من المبشرات المؤذنة باقتراب النصر، فلا يحول بيننا وبين النصر إلا أن نتجه إلى الله بقلوب سليمة، وأن نستشعر التكليف الذي جعل علينا، وأن نؤدي الحق، فمجرد بذلنا لما نستطيعه كاف في الوصول إلى الأهداف، ولذلك قال الله تعالى: ﴿قَالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة:٢٣]، فبمجرد دخول الباب يحصل النصر من عند الله؛ لأن النصر لا تجلبه الوسائل والمعدات والأدوات، فلو كان كذلك لحصل النصر للاتحاد السوفيتي، إنما النصر من عند الله، ولا يكون إلا بذلك. ولهذا فإنما عودنا الله على النصر عند الرجوع إليه، وعند الامتثال لأوامره والاجتناب لنواهيه، وعودنا كذلك أن النصر دائماً مع الصبر، ولا يكون إلا بعد الابتلاء، وأن الذين ينصرون غالباً إنما هم فئة قليلة مستذلة ينظر إليها أهل الأرض جميعاً بنظرة ازدراء، ثم يكون لها التمكين والنصر، ولذلك أنزل الله على رسوله ﷺ : ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [الأنفال:٢٦]. فبعد أن كان النبي ﷺ والذين آمنوا معه يختفون في دار الأرقم على الصفاء، نصرهم الله في مواطن كثيرة وأعلى كلمته وأعز دينه. والذين كانوا يحاصرون في الشِّعب ولا يجد أحدهم ما يقوم به قوته، ويربطون الحجارة على بطونهم من الجوع لم يعد أحد منهم بعد ذلك إلا والياً على مصر من الأمصار، كما قال عتبة بن غزوان ﵁: لقد رأيتنا في الشعب وما منا أحد إلا ويعصب الحجر على بطنه من الجوع، ثم والله الذي لا إله غيره لقد رأيت أولئك النفر وما منهم أحد إلا وهو وال على مصر من الأمصار. إن أولئك صدقوا ما عاهدوا الله عليه فوفى الله لهم بعهده وحقق لهم سنته، فعندما غيروا ما بأنفسهم غير الله ما بهم، فتحقق لهم ذلك بعد صبر يسير، كان صبرهم في الشعب ثلاث سنوات، ولكنهم ما لانوا وما ذلوا وما هانوا، واستمروا على الصمود على الحق، ولم يتراجعوا من أجل الضغوط والأذى، فحقق الله لهم المراد، وضرب لهم أمثلة كثيرة سبقت، فإن الله تعالى يقول: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ * وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ * فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخِرَةِ﴾ [آل عمران:١٤٦ - ١٤٨]. إن أولئك الذين آتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة هم الذين لم يذلوا ولم يستكينوا ولم يهونوا، بل صمدوا وصبروا واستقاموا على منهج الله، ولم يستجيبوا للضغوط ولا للأذى، بل تعدوا ذلك وتحدوه انتصروا عليه. تذكر الحال الذي كان بها بلال عندما بطح على الرمضاء ووضع على ظهره الحجر المحمى على النار، وهو يقول: أحد أحد. وكذلك حال آل ياسر إذ ذاك ورسول الله ﷺ يمر بهم وهم يعذبون بالسلاسل ويجرون في الرمضاء فيقول: (صبراً -آل ياسر- فإن موعدكم الجنة). إن أولئك الذين صمدوا وصبروا هم الذين آتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة، وأثرهم ما زال بارزاً واضحاً للأيام، فما علينا إلا أن نسلك الطريق وعلى الله البلاغ. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

стр. 822

أركان الإسلام لما خلق الله الناس لعبادته أرسل إليهم الرسل ليبينوا لهم كيفية العبادة التي لا يقبل الله غيرها، وقد ختم الله الرسل بمحمد ﷺ ، وجعله كافة للناس، فلا يقبل ديناً يخالف دينه، وقد جعل الله تعالى لهذا الدين أركاناً ودعائم لا يقوم الدين بدونها، وافترض على الناس القيام بحقها، وهي إما إيجابية يؤتى بها أو سلبية ينتهى عنها، وهي موجبات لدخول الجنة إن التزمت أو لدخول النار إن لم تلتزم، كما افترض الله على كل مسلم نصرة دينه والعمل على رفع رايته قدر الاستطاعة، ولو بتكثير سواد المسلمين.

стр. 823

عالمية الإسلام وعدم قبول غيره من الأديان منذ نزوله الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على من بعث رحمة للعالمين وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين. أما بعد:

стр. 824

الأديان السابقة كانت إعداداً لهذا الدين فإن الله سمى هذا الدين الذي أرسل به هذا الرسول الكريم ﷺ إلى الناس كافة دين الإسلام، وختم به الديانات السابقة، وجعله الدين الحق عند الله ، فكل ما سواه من الأديان بعد نزوله وبعثة محمد ﷺ به مردود على أصحابه لا يتقبل الله منه شيئاً. وإن الله لم يرض للبرية إلا هذا الدين، وإنما جعل الأديان السابقة إعداداً له فقط؛ لأن البشرية خلقها الله تعالى متدرجة، فلم تصل إلى نضجها ولم تكتمل أطوار حياتها إلا في الطور الذي بعث فيه محمد ﷺ ، أما قبل ذلك فما زالت البشرية تتقدم في أطوار حياتها كتقدم الصبي في نماء بدنه وعقله وتطور معارفه، وهو يحتاج في كل طور إلى ملابس جديدة تتناسب مع حجمه وإلى تغذية تتناسب مع واقعه وصحته. وكذلك هذا الدين، فإن الله كان ينزل منه في كل فترة ما يتناسب مع الطور الذي تمر به البشرية ويعلم نهاية ذلك الطور، وأن ذلك الدين لا يصلح لما بعد ذلك الطور، فإذا انتهى ذلك الطور نسخ الله تلك الشريعة وأتى بشريعة جديدة تطور سابقتها أو تنسخها وتلغي أكثر أحكامها. ومن هنا فإن الشرائع السابقة تنقسم إلى قسمين: الأول: شريعة مطورة. أى: مكملة لسابقتها مبيحة لبعض ما حرمته ومحرمة لبعض ما أحلته، كشريعة عيسى مع شريعة موسى. الثاني: شريعة جديدة ناسخة لسابقتها بالكلية، كشريعة موسى مع شرائع من قبله من الرسل. وإن رسل بني إسرائيل إنما كانت شرائعهم مجددة لشريعة موسى، ولهذا قال الله وتعالى حكاية عن عيسى بن مريم ﵇: ﴿وَمُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنْ التَّوْرَاةِ وَلأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [آل عمران:٥٠]. أما شريعة محمد ﷺ فإنها ناسخة لكل ما سبق، ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ﴾ [المائدة:٤٨] , وقال تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ﴾ [آل عمران:١٩] , فما سواه من الأديان ليس ديناً كاملاً مستقراً عند الله وإنما هو دين آني مؤقت ذو فترة محددة لا يتعداها، ولهذا فإن رسول الله ﷺ وصف لنا الفترة التي بعث فيها، كما أخرج مسلم في الصحيح من حديث عياض بن حمار المجاشعي ﵁ أن رسول الله صلى عليه وسلم قال في خطبة طويلة: (إن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم غير بقايا من أهل الكتاب، وقال: إنما بعثتك لأبتليك وأبتلي بك). وكذلك فإنه ﷺ جاء على فترة من الرسل، كما جاء ذلك مرتين في سورة المائدة، وأخبر أنه بعث في الأميين -في الجاهلية- على فترة الرسل واقتراب الساعة وجهالة الناس، فجاء بهذه الحنيفية السمحه التي هي الدين الحق عند الله ، والتي لا يقبل الله من أحد وصلت إليه سواها من الدين، ولهذا ثبت عنه ﷺ أنه قال: (والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم لم يؤمن بي إلا كبه الله على وجهه في النار). فارتضى الله تعالى هذا الرسول ﷺ ليكون إماماً للبشرية، وارتضى هذا الدين الذي جاء به للبشرية بحذافيرها فهو صالح لكل زمان ومكان، ومشروط على الناس أن يأخذوا به ويتبعوه.

стр. 825

مقارنة الإسلام بالأيديولوجيات الفكرية والقوانين الوضعية ظلم ناشئ عن قصور في التصور وإن كثيراً من الناس يغلط في تصور هذا الدين وذلك لقصور نظره، فيرى جانباً واحداً منه فيقوِّم هذا الدين على أساسه، فمثلاً: تسمع كثيراً من الناس يقارن الإسلام بالأديولوجيات الفكرية، فيقارن الفكر الإسلامي أو الدين الإسلامي بالفكرة الرأسمالية والفكرة الشيوعية، ويقول: هو متوسط بين الفكرتين، فالفكرة الرأسمالية تراعي حقوق الفرد ولا تراعي حقوق الأمم، والفكرة الشيوعية تراعي حقوق الأمم ولا تراعي حقوق الأفراد، والإسلام يراعي حقوق الجميع. ولكن الواقع أن هذه النظرة قاصرة؛ لأنها ما نظرت إلا إلى جانب واحد من الإسلام، وهو المجال الفكري في العدالة الاجتماعية بين الناس فقط. وكذلك تسمع آخرين يقارنونه بالقوانين الوضعية، وهذا قصور في التصور أيضاً، فما نظروا إلا إلى الجانب المنظم لعلاقات الناس فيما بينهم. والواقع أن الإسلام أعم وأشمل من هذا، فهو نظام شامل لكل أمور الحياة، فالقانون -مثلاً- لا يهتم بأخلاق الناس، ولا يهتم بتنظيم معاملاتهم مع ربهم الذي خلقهم وسواهم، وأنت تعلم أن هذه الأمور من أهم شرائع الإسلام، وقد جاء فيها كثير من نصوصه ووضع فيها كثير من قواعده.

стр. 826

بيان كمال الشريعة وضمانها لتنظيم الحياة

стр. 827

الجانب القضائي ودوره في علاج المشكلات ثم من هذه الجوانب التي شرعها الله تعالى في الإسلام وبينها للناس الجانب القضائي الذي يفصل المشكلات عند حصولها ويعالجها علاجاً وقائياً قبل حصولها بالصلح والتراضي وإصلاح ذات البين: وهذا الجانب أيضاً من جوانب الإسلام المهمة التي لا يستغني عنها الناس، وعندما تركوها وقصروا فيها وتركوا التحاكم إلى دين الله اشتهر فيهم ما ترى من الظلم والانحراف والبغي في القضاء، وقد حكم الله تعالى في كتابه بالكفر على من لم يحكم بما أنزل الله، وأقسم على نفي الإيمان عنه في كتابه فقال تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [النساء:٦٥].

стр. 828

تشريع الحدود والتعزيرات لردع الفساد وتطهير المجتمع منه ثم إن من هذا الدين ما يردع أهل الفساد إذا استشرى وحصل، وهو ما يسمى بالحدود والتعزيرات، فإنها تزجر الواقعين في هذه المعاصي وهذه القاذورات عما وقعوا فيه، وتكفر عمن تاب وأحسن فيما بعدها، وهذه الفواحش التي رتب الله تعالى عليها هذه الحدود مضرة بأهل الأرض إضراراً شاملاً كاملاً لا يختص بالمتعاطين لها أو بالقائمين عليها فقط، ومن أجل هذا جعلت حدودها رادعة فمنها ما حده القتل، ومنها ما حده الرجم بالحجارة إلى الموت، ومنها ما حده قطع اليد، ومنها ماحده الجلد، فهذه الحدود لا يقصد بها التشفي من شخص واحد، وإنما يقصد بها علاج مجتمع بكامله، ومن هنا قال رسول الله ﷺ : (لحد واحد يقام على الأرض خير لأهلها من أن يمطروا سبتاً) , وقوله: (من أن يمطروا سبتاً) معناه: من أن ينزل عليهم المطر أسبوعاً كاملاً. فهذه الحدود تردع الفساد وترده وتقوم أخلاق الناس، وترد جماح الجامح منهم وتعالج مرض المريض منهم، فهي علاج رادع لشيطان الإنسان الذي يستزله في هذه المحرمات ويوقعه في هذه الفواحش. وكذلك التعزيرات التي وكلها الله تعالى إلى اجتهاد الحكام المؤمنين القائمين بالعدل هي كذلك رادعة عن تلك الذنوب التي هي دون الأولى، فلا تصل إلى حد الحدود وإنما هي دونها وأقل منها.

стр. 829

تشريع الكفارات لمعالجة النفس وجبر الذنب وكذلك الكفارات التي تكفر المعاصي التي يقع فيها الإنسان وتعالج ما يجده الإنسان من الانكسار في نفسه، فإن المؤمن هو الذي تسره حسنته وتسوؤه سيئته، ومن فرط في جنب الله تعالى فأقام الله عليه الحجة وتذكر ماضيه وما فرط فيه في جنب الله، وأنه قد أسرف كثيراً فيما مضى من زمانه، وهو مقدم على الله ولا يدري حاله ولا يدري كيف يجيب إذا عرض على الباري : ﴿يَوْمُ لا يَنطِقُونَ﴾ [المرسلات:٣٥] * ﴿وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ [المرسلات:٣٦] سينكسر قلبه ويتأثر نفسياً تأثراً شديداً بالذنوب التي أسرف فيها على نفسه فيما مضى من عمره، لكن الله شرع له الكفارات التي تكفر هذه الذنوب وتطمس أثرها، وأهم هذه الكفارات إتباع الحسنة السيئة، وأن يعمل الإنسان من الحسنات أكثر مما عمل من السيئات، كما قال رسول الله ﷺ : (أتبع السيئة الحسنة تمحها وخالق الناس بخلق حسن). ومن هذه الكفارات: اجتناب الكبائر؛ وما وقع فيه الإنسان بعد ذلك من الصغائر يكفره اجتناب الكبائر، كما قال تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيماً﴾ [النساء:٣١]. وكذلك من هذه المكفرات الاستغفار والتوبة إلى الله ، والشهادة في سبيله، وكذلك التضحية في سبيله بما يستطيعه الإنسان. ومنها الكفارات المخصوصة بأمور محددة ككفارة القتل، وكفارة الظهار، وكفارة الإفطار في نهار رمضان، وكفارة اليمين، وغير ذلك من الكفارات المبينة شرعاً، فهي جوابر وزواجر تزجر الإنسان عن العود إلى ما فرط فيه في جنب الله، وتجبر له ما وقع فيه من الخطأ والتقصير، والإنسان محتاج إلى ذلك أشد الحاجة.

стр. 830

ميزة الإسلام عن التشريعات البشرية في الاعتقاد والعبادة ومن هنا جاء البون الشاسع بين الإسلام وبين ما سواه من الشرائع والتقنينات، فهو دين الله الذي ارتضاه وليس ديناً من الأرض، فليس نابعاً عن قصور في التصور، وليس ناشئاً عن أعراف نشأت في مرحلة محصورة، وليس ناشئاً كذلك عن عقول قاصرة، وإنما هو وحي من عند الحكيم الخبير الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما، وخلق البشر وعلم أمورهم كلها قبل أن يخلقهم، فشرع لهم من الدين ما يصلح أحوالهم كلها، فشرع لهم من الإسلام ما ينظم علاقاتهم بربهم، وذلك جانبان: الجانب الأول منه: ما ينظم اعتقادهم، ويبين لهم ما تعتقده أفئدتهم فيما لا يمكن أن تصل إليه عقولهم: وذلك أن الله علم أن العقول التي وهبها للناس إنما هي جوارح قاصرة مثل أيديهم وأسماعهم وأبصارهم، فهي عاجزة عن إدراك هذه الأمور، فبينها لهم بالوحي المنزل من عنده . الجانب الثاني في التعامل مع الله: هو جانب العبادة التي أصلها الأدب مع الله وحسن الحياء منه، وأداء ما شرع من العبادات على الوجه الذي يرضيه، وقاعدتها التوقيف؛ لأن الله لا يمكن أن يصله عباده بضر ولا نفع، وقد صرح بذلك فيما روى عنه رسوله ﷺ من قوله: (ياعبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني)، وقال تعالى: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ [الحج:٣٧]. ومن هنا فلا يمكن أن يُتقرَب إليه إلا بما شرع، فلا يمكن أن يتعبد الإنسان ويقصد وجه الله تعالى بأمر لم يشرعه له ولم يبينه الرسول ﷺ ولم يأت منزلاً من عند الله؛ لأن من يمكن أن تنفعه ويمكن أن تضره يمكن أن تتقرب إليه بشيء لم يأمرك به؛ لأنك تعلم أنه يوصل إليه نفعاً أو يرفع عنه ضرراً، ورب البرية جل وعلا لا يمكن أن تنفعه ولا أن تضره، فلا يمكن أن تتقرب إليه إلا بما شرع لك وبين، ومن هنا فإن هذا الجانب قاعدته التوقيف والقصر على ماجاء.

стр. 831

ميزة الإسلام في تنظيم الأخلاق والمعاملات وكذلك كان في الإسلام ما ينظم علاقات العباد فيما بينهم، وهو نوعان: النوع الأول: ما يسمى بالأخلاق، وهذه الأخلاق هي التي تحافظ على وشائج الناس وروابطهم وتنميها، وتحفظ الأدب العام للناس، فإن حقوق الناس متفاوتة، فقد بين الرسول ﷺ أن أحق الناس بالصحبة الأم ثم الأب، وذكر كذلك حقوق الجار، وحقوق الأقارب، وحقوق المسلمين بعضهم على بعض، وبين ﷺ حق الكبير على الصغير وحق الصغير على الكبير، وكل ذلك داخل في مجال الأخلاق. أما الجانب الثاني في التعامل فيما بين الناس فهو جانب المعاملات، وقد شرع فيها الإسلام تشريعاً واضحاً مبيناً للوجه الصحيح في التعامل، وذلك أن الله جعل هذه البشرية أمة من نفس واحدة، وأراد لها أن تكون مجتمعاً مترابطاً، فقطع كل ما يؤدي إلى الخلاف والفرقة، وأزال كل ما يؤدي إلى الظلم والعسف وقطيعة الرحم، ومن هنا تقرأ في سورة الحجرات ثلاثة عشر سبباً من أسباب القطيعة حرمها الله تعالى ونفاها عن المجتمع الإسلامي: أول هذه الأسباب: التعدي على الصلاحيات، وهو المذكور في قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الحجرات:١]. السبب الثاني: عدم توقير الكبار وذوي العلم والسن وذوي الفضل، وهذا أيضاً مأخوذ من هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ [الحجرات:١ - ٢]. ثم بعد هذا الكذب المأخوذ من قوله: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ﴾ [الحجرات:٦]. ثم بعده عدم التبين والتثبت المأخوذ من قوله: ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات:٦] , وفي القراءة السبعية الأخرى (فتثبتوا). ثم بعده الظلم، وهو المذكور في قوله: ﴿فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات:٩]. ثم بعد ذلك السخرية، وهي المذكورة في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ﴾ [الحجرات:١١]. ثم بعد ذلك ظن السوء، والتنابز بالألقاب، والنميمة، والغيبة. وهذه كلها هي المذكورة في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنْ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ [الحجرات:١٢]. ثم بعد هذا وضع القاعدة التي من أجلها ترابطت البشرية واتصلت عراها، وهي قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:١٣]. وكذلك فإن الله وهب بعضهم ما يحتاج إليه غيره، وكان قادراً على أن يقسم الأرزاق فيما بينهم فيعطي كل شخص ما يحتاج إليه فقط، لكنه جعل تحت أيدي بعض الناس ما لا يحتاجون إليه ويحتاج إليه من سواهم، وحكمة ذلك الواضحة أن يبقى المجتمع مترابطاً يحتاج بعض أفراده إلى بعض ويقوم بعض أفراده برعاية بعض، فجعل من المجتمع أغنياء وجعل منه فقراء ليقع التكامل والترابط، ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [النحل:٧١] , وقال تعالى: ﴿لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيّاً وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [الزخرف:٣٢]. فوزع بينهم الأرزاق توزيعاً عجيباً، وشرع لهم من الشرائع ما ينظم تداول هذه الأرزاق فيما بينهم؛ لأن الإنسان إذا رأى حاجته ولم يجد وجهاً صحيحاً لأخذها وهو محتاج إليها فإن كان قوياً لابد أن يغصبها أو يتعدى عليها بالقوة، وإن كان ضعيفاً سيحتال عليها بمختلف الحيل كالسرقة والغش ونحو ذلك. ومن هنا فإن الناس لا يحتاجون إلى هذه الحيل الملتوية إلا عند فساد النظام، فلا يحتاجون إلى الرشوة إلا عند فساد النظام، ولا يحتاجون إلى الغش والخديعة في البيوع ونحو ذلك إلا عند فساد النظام وعدم أخذه بالإسلام، فهذا الفساد الذي تراه مستشرياً في التعامل بين الناس أصله الإعراض عما شرعه الله ، فلو رجع الناس إلى دين الله وأخذوا به لما احتاج أحد أن يقدم رشوة ولم يحتج أحد لأخذها، ولم يحتج أحد كذلك لوساطة، ولم يحتج أحد لغش ولا خداع ولا تزوير في شهادة ولا تزوير في امتحان؛ لأن الحقوق مرعية محفوظة بنظام الله وبعدله. لكن عندما يتخذ الناس هذا النظام ظهرياً ويعدلون به ما سواه فلابد أن يتردوا في أوحال الرذيلة، ولابد أن يظلم بعضهم بعضاً، وإذا شاع فيهم الظلم فسيقع الفساد المستشري الذي تحل بسببه عقوبة الله تعالى على الناس، كما قال : ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الروم:٤١].

стр. 832

تشريع البيوع والمعاملات المشابهة لها للحد من التغابن والظلم فشرع الله تعالى البيوع التي يقع بها التبادل بين الناس، فالضعيف إذا رأى حاجته أمكنه أن يتوصل إليها بالشراء، والقوي إذا رأى حاجته أمكنه أن يتوصل إليها بالشراء، ومن كان لديه مال يحتاج إليه ورأى ما يحتاج إليه عند غيره أمكنهما التبادل فيما بينهما بكل عدالة ونزاهه، وأن يعلموا أن ذلك إنما القصد منه الوصول إلى الرفاهية، والوصول إلى إشباع رغباتهم في هذه الحياة الدنيا، والتوصل إلى مرضاة الله في الدار الآخرة، وليس المقصود به حرمان قوم من هذا المعاش الذي جعله الله في الأرض، فما فيها من الأرزاق كاف لمن فيها من البشرية، لا يخلق الله من خلق فيضيعه. فالرزق الذي خلقه الله في هذه الآرض كاف لأهلها، ففيها من الخيرات وأنواع المعادن وأنواع الزراعات وأنواع الثمار والأشجار ما يكفي أهلها، وفيها من المياه ما لا ينقضي إلا بموت أهلها، ومن هنا فإنها تكفي الأحياء والأموات كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلْ الأَرْضَ كِفَاتاً * أَحْيَاءً وَأَمْوَاتاً﴾ [المرسلات:٢٥ - ٢٦] , فالأموات تكفتهم في بطنها، والأحياء تحملهم على ظهرها، وقد دحاها الله لذلك ووزع فيها أنواع الخيرات. ومن هنا لو استغلت هذه الخيرات استغلالاً صحيحاً لكفت البشرية وقامت بحقوقها كلها، وقد أمرنا الله تعالى باستعمالها واستغلالها والمشي في مناكبها وأن نبتغي من فضل الله تعالى في ذلك، ولو اتبعت هذه الخطا التي حددها الشارع لحصل العدل وارتفع العسف والظلم بين الناس، ونال كل أحد منهم حقوقه وما يستحقه في هذه الأرض. ومن هنا شرعت العقود التي تقضي على أنواع هذه الخدائع وأنواع الظلم والعسف مطلقاً، فجعل البيع بديلاً للربا، وجعل النكاح بديلاً للسفاح، وجعل الدَّيْنُ كذلك بالتي هي أحسن بديلاً للاسترقاق والظلم، ومن هنا جُعِل لكل وجه من أوجه الفساد بديل يناسب حال المجتمع ويلائمه ويسد عوزه، وهذا من حكمة الحكيم الخبير .

стр. 833

الاعتزاز بالدين من منطلق المعرفة بالله إن جوانب الإسلام ومجالات تشريعه كثيرة جداً لا يمكن أن نتعرض لها في مثل هذه العجالة، ولكننا سنصل إلى مستويين من هذه الجوانب: المستوى الأول: هو المستوى الإيجابي. والمستوى الثاني: هو المستوى السلبي. أما المستوى الإيجابي فمعناه الفرائض التي هي الدعائم والأركان التي عليها بني دين الإسلام. والمستوى السلبي هو كبائر الإثم والفواحش التي حرمها الإسلام، فإذا تصور الإنسان ما أوجبه الإسلام من الدعائم الأصول وما حرمه من الكبائر والفواحش تصور هذا الدين بكامله، وعرف أنه منتم لهذا الدين أو غير منتم له، ولا يمكن أن يحقق الإنسان انتماءه لهذا الدين واعتزازه به إلا إذا أتى بأركانه الإيجابية، واجتنب نواهيه الكبرى السلبية، ومن لم يفعل ذلك لم يذق لهذا الدين طعماً ولم يعلم أن له حلاوة. ومن هنا فإن كثيراً من الناس إنما ينتسبون إلى هذا الدين بسبب الدار والتربية فقط، لكنهم لا يذوقون عزة الإسلام ولا يشعرون بذلك، ولا يحسون بالحقوق التي يرتبها الإسلام عليهم.

стр. 834

التزام الأوامر واجتناب النواهي عزة بالدين لا شك أن الإنسان عندما تثور نفسه ويغضب غضباً شديداً إذا تذكر أنه مسلم وتذكر معنى ذلك -ومعناه: الاستسلام لله تعالى في أحكامه- ستسكن نفسه ويذهب غضبه، ويعرف أنه محكوم بإطار قوي هو دين الإسلام، وهذا الإطار عليه أن يخاف أن يخرج منه في كل اللحظات. وكذلك إذا جمحت به شهوته وشيطانه إلى الوقوع في الشهوات وكان مسلماً حقاً ذائقاً لحلاوة الإيمان وجد ذلك الوازع الديني القوي في نفسه يحول بينه وبين معصية الله، فيجد جداراً قوياً يقف في وجهه ويقطع عليه مسيرة شهوته ويرده إلى الإسلام، فيتذكر هاذم اللذات الموت، ويتذكر العرض على الله ، ويتذكر حاله وهو محمول على النعش فوق الرقاب إلى الدار الآخرة، ومن هنا لا شك أنه سيرجع ويعود من حيث بدأ، فيتوب إلى الله تعالى ويتلافى ما مضى، فيكون من الذين اتقوا، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ * وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ﴾ [الأعراف:٢٠١ - ٢٠٢]. إن التزام الإنسان بهذه الأوامر واجتنابه لهذه النواهي يجعله صاحب عزة بالله ؛ لأنه من أهل الله، يشعر بانتمائه إلى الله واتصاله به، وإن الإنسان إذا اتصل بديان السماوات والأرض الملك الجبار الذي يقبض السماوات السبع والأرضين السبع بيمينه يوم القيامة فيهزهن فيقول: (أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟) إن من اتصل بهذا الملك الديان لا يمكن أن يذل ويخضع لمن سواه، وإن من عرف الله تعالى حق المعرفة لا يمكن أن يركع لمن سواه ولا أن يسجد له ولا أن يخافه لحظة عين، كيف تخاف مملوكاً لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً ولا موتاً ولا حياةً ولا نشوراً، وأنت تعرف الملك الديان ديان السماوات والأرض: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر:٦٧]؟! لكن السبب فيما نراه من نقص الإيمان وترديه هو عدم الصلة به وعدم معرفته، إن كثيراً من الناس يبحث عن معرفة الله تعالى من غير الوجه الصحيح، إن معرفته إنما تكون بالتقرب إليه بما شرع، وإذا طلبت معرفته بغير ذلك طلبت معرفته بعقلك القاصر، أو طلبت معرفته بعاطفتك غير المربوطة بأوامر الله تعالى ونواهيه، وطلبت معرفته بالأمثلة الدنيوية، أو طلبت معرفته بالفلسفات الشرقية أو الغربية، وبذلك تكون قد ضللت عن سواء الصراط ولم تعرف الله تعالى. إنما تعرف الله تعالى إذا امتثلت أوامره واجتنبت نواهيه ووقفت عند حدوده، وحينئذٍ لا يمكن أن تضل سواء السبيل، بل هذا هو الطريق المضمون الذي لا يضل من سلكه أبداً، وهو الحبل القويم الذي من تمسك به عصم.

стр. 835

الاعتزاز بالدين نابع من محبته لا من كونه تراثاً ومن هنا فإن اعتزازك بانتمائك للإسلام لا ينبغي أن يكون نابعاً عن أنه من تراثك وتراث آبائك وأجدادك، وإنما تعتز به لأنه علاقتك بربك وصلتك بديان السماوات والأرض، إن الاعتزاز بهذا الدين لا يذوقه المعرضون عنه والمتهافتون على الدنيا، والذين يبيعون آخرتهم بأعراض دنيوية، إنهم لا يمكن أن يذوقوا حلاوة هذا الإيمان، ولا يمكن أن يذوقوا هذه العزة التي حكم الله بها لله ولرسوله وللمؤمنين: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون:٨]. إن انتماءك لدين الله تعالى ينبغي أن يكون نابعاً من محبتك لهذا الدين وتضحيتك في سبيله، وإنك لن تضحي في سبيل هذا الدين إلا إذا أحببته ودخل في كيانك وجعلته مقدماً على انتماءاتك وولاءاتك المختلفة، ومن هنا فإن تصور المنافقين للدين كان تصوراً خاطئاً، فقدموا عليه انتماءاتهم وولاءاتهم واعتزازهم بأمور الدنيا فقالوا: ﴿لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلّ﴾ [المنافقون:٨]، فرد الله عليهم بقوله: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [المنافقون:٨].

стр. 836

الفهم الخاطئ للدين وضرره على الإنسان إن كثيراً من الناس اليوم يفهم هذا الدين فهم المنافقين، فيفهم الإسلام من الزاوية التي فهمه منها المنافقون، فلا نجده منتمياً إليه تمام الانتماء، ولا نجده يشعر بمسئوليته عنه، ولا نجده ساعياً في إعزازه وإعلائه، ولا نجده باذلاً في سبيل ظهوره على الدين كله ولو كره المشركون، وسبب ذلك نقص إيمانهم وجهالتهم بهذا الدين، وأنهم أخذوه تراثاً ولم يأخذوه تطبيقاً، ولم يأخذوه علاقة بالله، ولم يأخذوه صلة به، إذا درسوا الإسلام درسوه فقهاً مجرداً عن العمل، ومجرداً عن الوازع الديني، ومجرداً عن القناعة، ومجرداً عن التقوى التي هي تقوى القلب، وهذا خطأ في التصور.

стр. 837

لا يرجع الخطأ في تصور الدين إلى الفقهاء الذين جردوا الأحكام عن المواعظ وكثير من الناس يظن أن هذا الخطأ راجع للفقهاء ﵏ الذين دونوا المسائل الفقهية مجردة عن الترغيب والترهيب، لكن هذا أيضاً خطأ في التصور، فالفقهاء إنما هم مؤلفون وضعوا مناهج لمدارس، وهذه المناهج لابد أن تتكامل، فلا يمكن أن يكون الإنسان فقيهاً إن لم يدرس ما سوى الفقه، فالفقه علم يحتاج إلى ما سواه من العلوم، والعلوم الشرعية مترابطة، فمن لم يدرس الترغيب والترهيب لا ينفعه ما يدرسه من الأحكام الفقهية المجردة، ومن لم يدرس مشاهد القيامة وأحوالها لا يمكن أن يهتم بتفاريع الفقه ورغائبه ونوافله، ولا يمكن أن يتأثر بذلك قلبياً ولا يستفيد منه. ومن هنا فإن من دعائم الإسلام التي سنذكرها: الصلاة، والصلاة بين الله تعالى حكمتها بقوله: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [العنكبوت:٤٥] , وإن كثيراً من الناس يدرسون الفروع الواردة في الصلاة واجبات وسنناً ومندوبات، ويحاولون تطبيقها ولكنها لا تنهاهم عن الفحشاء والمنكر، والسبب في ذلك أنهم ما درسوا ترغيبها وترهيبها، وما لامست قلوبهم ولا ذاقو لها طعماً، ولا أحسوا بلذة المناجاة مع الله ، ولا ذاقوا لذة المذلة بين يديه وتعفير الوجه لكبريائه وجلاله ، وما ذاقوا كذلك رفع حوائجهم إليه كفاحاً دون ترجمان، وتعلق القلب به، ومسألته مباشرة دون المذلة لغيره؛ وهذه حلاوة لا تعدلها حلاوة، عندما تنقطع أسباب الشخص من الدنيا، ويقبل على ديان السماوات والأرض وحده، وينوط به جميع حوائجه وينصرف بقلبه بالكلية عمن سواه وينقطع عنه، ويكون حراً من كل الأغيار عبداً عبودية حقيقية لله سيذوق طعماً لا يمكن أن يذاق له نظير.

стр. 838

لتوقي الزلل في فهم الإسلام تجب دراسته بجميع جوانبه ومن هنا فإن التصور الصحيح للإسلام أن يدرس بحذافيره، وأن يؤخذ بأطرافه، وألا يتخصص في تخصص واحد من تخصصاته، فمن أخذ أيضاً بالرقائق وحدها دون التطبيقات لابد أن يضل سواء السبيل؛ لأنه لا يمكن أن يعرف فرائض الله تعالى والسنن التي شرعها رسوله ﷺ والنوافل والمندوبات التي أمر بها وحض عليها من تلقاء رقائقه ومن تلقاء عاطفته الجياشة وحماسه المستمر، فإنه لا يمكن أن يعرف هذا إلا من الفقه بالأحكام والتضلع في معرفة الحلال والحرام، ومن هنا كان لابد للإنسان من الجمع بين جوانب الإسلام المختلفة، وكل هذا يشمله هذا العنوان الكبير الذي هو الإسلام. وكثير من الناس إذا قرأ حديث ابن عمر: (بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان) ظن أن الإسلام محصوراً في هذه الدعائم، وهذا خطأ في تصوري، فهل تتصور أن المسجد محصور في الدعائم الأربع التي هي أركانه؟ لا يمكن أن يتصور هذا متصور، بل هذه الدعائم هي أسسه وهي أركانه وأقوى ما فيه، لكن لا يعني ذلك انحصاره فيها، بل للإسلام ذروة سنام، وله فرائض، وله أخلاق، وله تتمات وله تكميلات لا حصر لها، والرسول ﷺ قال لـ حذيفة بن اليمان عندما أوصاه في دعوته للناس: (ادعهم إلى كبير الإسلام وصغيره)، وهذا صريح في أن للإسلام أركاناً كبيرة وله تشريعات دون ذلك.

стр. 839

تعريف الإسلام لغة واصطلاحاً نحتاج إلى تعريف الإسلام في اللغة للانطلاق إلى أركانه الإيجابية والسلبية. فالإسلام في اللغة معناه: الاستسلام والمذلة والخضوع والتسليم بما يؤمر به الإنسان أو ينهى عنه. وهو في الاصطلاح يطلق إطلاقين: يطلق إطلاقاً عاماً على كل ما جاء به محمد ﷺ ، فيشمل ذلك عمل القلب، وعمل اللسان، وعمل الجوارح، ويكون مرادفاً للإيمان. والإطلاق الثاني: إطلاقه على عمل الجوارح دون أن يدخل فيه الاعتقاد، وإنما يدخل فيه من عمل القلب النيات والحضور والخشوع ونحو ذلك فقط. وهذا الإطلاق الثاني هو الذي سنسير عليه على ترتيب حديث جبريل، وقد اجتمع فيه الإيمان والإسلام، وفسر رسول الله ﷺ كل واحد منهما بما فسره به، ففسر الإسلام بأنه: أن يشهد الإنسان أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ويقيم الصلاة، ويؤتي الزكاة، ويصوم رمضان، ويحج البيت إن استطاع إليه سبيلاً. وهذه هي أركانه كما ثبت ذلك في حديث ابن عمر الذي سقناه، ولا يقتضي ذلك انحصاره فيها، بل بين هذه الأركان للناس، فهي الحدود التي من تعداها وتجاوزها خرج من الإسلام، فلا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة، كما قال عمر بن الخطاب ﵁ عندما جرح وحمل على الرقاب إلى بيته فأتاه رجل يذكره بالصلاة فقال: يا أمير المؤمنين! الصلاة فقال: نعم. ولا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة. وكذلك فإن هذه الدعائم هي الأسس التي ينطلق منها الإنسان فتكون حاجزاً بين الإيمان والكفر، وتكون موجبة لما يترتب عليها من الحقوق، كما قال ﷺ : (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله تعالى).

стр. 840

الركن الأول للإسلام: الشهادتان أول هذه الدعائم: الشهادتان. وهذا يدلنا على أهمية اللسان، فأول دعائم الإسلام متعلقة بهذه الجارحة التي جعلها الله واحدة في البدن كله، فقد تعددت العينان والأذنان والمنخران واليدان والرجلان وانفرد اللسان، ومع هذا فقد جعله الله تعالى بهذه المنزلة وبهذه المثابة، فهو ذو خطر عظيم، كما بين ذلك الرسول ﷺ في قوله: (ثكلتك أمك يا معاذ! وهل يكب الناس في النار على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم)، وهو أصل الخروج من الكفر والدخول في الإسلام، فالنطق بهاتين الشهادتين هو عنوان الإسلام، وهو الفاصل بينه وبين والكفر. فهاتان الشهادتان لهما أربع مراتب: المرتبة الأولى: أن يعلم الإنسان محتواهما. أن يعلم الإنسان علم اليقين أنه لا إله إلا الله، وأن يعلم كذلك بقلبه أن محمداً رسول الله وما يستلزمه ذلك من حقوق النبوة والرسالة، فهذه المرتبة الأولى من مراتب الشهادة الأربع، وهي: العلم بالشيء، وبها فسر قول الله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ﴾ [آل عمران:١٨] , فالمقصود هنا العلم بذلك باليقين الجازم الذي لا يقبل الشك. المرتبة الثانية من مراتب الشهادة: النطق بها. والنطق بها عنوان عما في القلب، فإذا نطق بها الإنسان دون أن توافق مافي قلبه كان منافقاً، وهذا النطق هو الذي يتحاكم الناس على أساسه؛ لأن العلم الذي يسبقه خفي لا يطلع عليه إلا علام الغيوب، ونحن ما كلفنا أن نشق عن قلوب الناس، بل قال رسول الله ﷺ لـ أسامة: (هلا شققت عن قلبه؟ إنما نحن قوم نحكم بالظواهر)، كما قال عمر بن الخطاب ﵁: (إن الوحي قد انقطع بالنبوة، ونحن قوم بحكم بالظواهر والله يتولى السرائر، فمن أبدى لنا صفحة عنقه أخذناه). ومن هنا فإن المرتبة الأولى موكولة إلى علم الله، والمرتبة الثانية هي التي على أساسها تترتب الحقوق وتترتب التعزيرات والحدود. المرتبة الثالثة من مراتب الشهادة: الالتزام بحقوقها. الالتزام بحقوق هذه الشهادة بعد النطق بها، فمن نطق بالشهادتين فلم يؤد الصلاة ولم يؤت الزكاة ولم يلتزم بدعائم الإسلام فإنه لم تكتمل شهادته بعد؛ لأن هذا هو المرتبة الثالثة من مراتب الشهادة، ومن لم يؤدها فلا تتم شهادته دونها. أما المرتبة الرابعة من مراتب الشهادة فهي الإلزام بمقتضاها بعد الالتزام به. الالتزام به هو أن يلتزم به الإنسان في نفسه، والإلزام بها معناه: أن يسعى لأن يلتزم الناس بها، بأن يبذل الجهد من أجل التزام الناس بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ولذلك وجب على كل مؤمن أن يحب للناس أن يدخلوا في الإسلام وأن يشهدوا بشهادة الحق وأن يلتزموا بمقتضاها، وهذه المراتب الأربع لا تتم الشهادة بدونها. فمن علم مقتضى الشهادة بقلبه ثم لم ينطق بها لا تتم شهادته، ومن علمها ونطق بها دون أن يلتزم حقوقها لم تتم شهادته، ومن علمها ونطق بها والتزم حقوقها ولم يسع للإلزام بها لا تتم شهادته، فإذاً لابد من هذه المراتب الأربع التي هي مراتب الشهادة.

стр. 841

الركن الثاني للإسلام: الصلاة ثم الركن الثاني والدعامة الثانية هي الصلاة. وهذه الصلاة ميزتها أنها صلة العبد بربه، وهي أوثق عراه به، فهي التي ينال بها المناجاة والقرب، وأقرب أحوال العبد من ربه وهو ساجد، لحديث: (أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد)، وهي التي تفتح له فيها الخزائن، وتتقبل رغباته فيها، وتقال عثراته، ويكفر عنه بها ما عداها، وهي أول ما يبدأ به من الأعمال يوم القيامة، فإن نجت للإنسان وكملت له لم يضره ما سواها، وإن ردت عليه طويت كما يطوى الثوب الخلق ثم يضرب بها وجهه وترد عليه أعماله، نسأل الله السلامة العافية. ومن هنا قال الرسول ﷺ : (حد ما بين العبد والكفر والشرك ترك الصلاة، فمن تركها فقد كفر)، وكذلك قال ﷺ : (إن العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر). إن هذه الصلاة يجب أداؤها على الوجه الذي يرضي الله بشروطها وأركانها في أسبابها -التي هي الأوقات- على وجهها الصحيح، لكنها لا تتم بذلك، فأدنى الكمال فيها أن تأتي فيها بخشوعها، وأن تأتي فيها بسننها اللازمة، ثم بعد ذلك يأتي الكمال بما يكملها من المندوبات وهو أعلى الكمال، فإذا تم خشوعها وحضورها وسننها ومندوباتها وجاءت في وقتها وحصلت في جماعة وأداها الإنسان بكل إخلاص فيها وبكل إقبال على الله وتجرد له في وقتها وجعل هذا الوقت الذي خصصه للصلاة خاصاً لها لا يريد فيه أي عمل آخر فهذا هو أعلى الكمال، وهو الذي تكون الصلاة به ناهية عن الفحشاء والمنكر. ووجه نهي الصلاة عن الفحشاء والمنكر ستة أمور:

стр. 842

من أوجه نهي الصلاة عن المنكر أنها حسنة تدعو إلى الحسنات الوجه الرابع من أوجه نهي الصلاة عن الفحشاء والمنكر أن الإنسان بصلاته يستقيل عثراته ويخفف ذنوبه، والذنب يدعو إلى الذنب، فالسيئة تدعو إلى السيئة، والحسنة تدعو إلى الحسنة، وفي كثير من الأحيان يعجل لبعض الناس جزاء سيئاتهم بالوقوع في سيئات أعظم منها، ويعجل لهم كذلك بعض ثواب حسناتهم بالتوفيق إلى حسنات أكبر منها، ومن هنا فإن الإنسان إذا خفف سيئاته فهذا مدعاة لأن يجتنب الفحشاء والمنكر؛ لأن الفحشاء والمنكر إنما يتجرأ عليها الإنسان بسبب تراكم الذنوب في قلبه حتى يظلم وتغلق مسام القلب عن الإيمان والخوف من الله ، فتأتي الجراءة على الله . ويأتي من هذا المدخل أمن مكر الله ، فيقع الإنسان في الفحشاء والمنكر، أما إذا خفف الذنوب وأزال الصدأ عن القلب فحينئذ سيقبل الإنسان على ما يرضي الله ويعرض عما لا يرضيه، فتكون الصلاة بذلك ناهية عن الفحشاء والمنكر.

стр. 843

من أوجه نهي الصلاة عن المنكر أنها تغسل الذنوب الوجه الخامس من أوجه نهي الصلاة عن الفحشاء والمنكر أنها بمثابه نهر على باب شخص ينغمس فيه في اليوم والليلة خمس مرات، فهل ترى يبقى من درنه شيء؟ كما قال رسول الله صلى الله عليه سلم. إن هذه الصلاة نور وضياء عظيم جداً ينور الله به قلوب عباده في الدنيا وفي الآخرة، فهي في الدنيا نور وعلامة لأهلها: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ﴾ [الفتح:٢٩] , وهي في الآخرة علامة بين رسول الله ﷺ وأمته، فقد قيل له: بم تعرف أمتك يوم القيامة؟ فقال: (إن أمتي يردون علي الحوض غراً محجلين من أثر الوضوء، فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل)، وكل هذا داع لأن تكون الصلاة ناهية عن الفحشاء والمنكر.

стр. 844

من أوجه نهي الصلاة عن المنكر ما فيها من الخشوع الوجه السادس من أوجه نهي الصلاة عن الفحشاء والمنكر أن الخشوع الذي فيها مقتض لأن يستحضر الإنسان عرضه على الباري ، وأن يستحضر أن ملائكة يحضرون معه فيرفعون عنه ما كتبوه من أعماله في كل صباح ومساء، فيرتفعون إلى ربهم وهو أعلم، ومن شفقتهم ورحمتهم أنهم عندما يسألهم: كيف تركتم عبادي يقولون: أتيناهم وهم يصلون وتركناهم وهم يصلون. ومع هذا فإن كتابة الأعمال التي ترفع إلى الله إذا استحضرها الإنسان بصلاته لابد أن يقلع؛ لأن الإنسان إذا استحضر أن الملك يتقدم برفع عمله في الصباح فيقول: يا رب! عبدك فلان فعل الذنب الفلاني. ثم في المساء يتقدم إليه فيقول: يا رب! عبدك فلان مازال مصراً على الذنب الذي فعل في الصباح. ثم في اليوم الذي يليه يقول: يا رب! عبدك فلان مازال مصراً على هذا الذنب. وتتراكم السجلات حتى تكون مد البصر. إن الإنسان إذا لم يستحي من هذا فليفعل ما شاء، فقد قال الرسول ﷺ : (إذا لم تستح فاصنع ما شئت). فهذه الأوجه كانت الصلاة منها ناهية عن الفحشاء والمنكر، ومع ذلك فهي متضمنة لذكر الله، وذكر الله أكبر كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ [العنكبوت:٤٥].

стр. 845

من أوجه نهي الصلاة عن المنكر ما فيها من القرآن الوجه الثاني من أوجه نهي الصلاة عن الفحشاء والمنكر أن هذه الصلاة فيها القرآن، وكفى بالقرآن واعظاً، هذا القرآن كلام الله فيه أوامره ونواهيه وزواجره، وفيه وعده ووعيده، وفيه إرشاده، وفيه تهديده، وفيه ترغيبه، وفيه ترهيبه، فمن سمعه فلم يؤمن به فبأي حديث بعده يؤمن؟ من لم يستفد بالقرآن وعظاً وزجراً لا يمكن أن ينتفع بأي شيء آخر، والصلاة فيها تلاوة القرآن، فأنت تسمع هذا القرآن زاجراً فيكون زاجراً لك عن الفحشاء والمنكر، وبذلك تكون الصلاة ناهية لك عن الفحشاء والمنكر.
следующие страницы →