← Джавами‘

Джавами‘ · id 7722

دروس للشيخ محمد الحسن الددو الشنقيطي

محمد الحسن الددو الشنقيطي

Полный текст (1 349 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

الركن الثاني للإسلام: الصلاة ثم الركن الثاني والدعامة الثانية هي الصلاة. وهذه الصلاة ميزتها أنها صلة العبد بربه، وهي أوثق عراه به، فهي التي ينال بها المناجاة والقرب، وأقرب أحوال العبد من ربه وهو ساجد، لحديث: (أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد)، وهي التي تفتح له فيها الخزائن، وتتقبل رغباته فيها، وتقال عثراته، ويكفر عنه بها ما عداها، وهي أول ما يبدأ به من الأعمال يوم القيامة، فإن نجت للإنسان وكملت له لم يضره ما سواها، وإن ردت عليه طويت كما يطوى الثوب الخلق ثم يضرب بها وجهه وترد عليه أعماله، نسأل الله السلامة العافية. ومن هنا قال الرسول ﷺ : (حد ما بين العبد والكفر والشرك ترك الصلاة، فمن تركها فقد كفر)، وكذلك قال ﷺ : (إن العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر). إن هذه الصلاة يجب أداؤها على الوجه الذي يرضي الله بشروطها وأركانها في أسبابها -التي هي الأوقات- على وجهها الصحيح، لكنها لا تتم بذلك، فأدنى الكمال فيها أن تأتي فيها بخشوعها، وأن تأتي فيها بسننها اللازمة، ثم بعد ذلك يأتي الكمال بما يكملها من المندوبات وهو أعلى الكمال، فإذا تم خشوعها وحضورها وسننها ومندوباتها وجاءت في وقتها وحصلت في جماعة وأداها الإنسان بكل إخلاص فيها وبكل إقبال على الله وتجرد له في وقتها وجعل هذا الوقت الذي خصصه للصلاة خاصاً لها لا يريد فيه أي عمل آخر فهذا هو أعلى الكمال، وهو الذي تكون الصلاة به ناهية عن الفحشاء والمنكر. ووجه نهي الصلاة عن الفحشاء والمنكر ستة أمور:

стр. 842

من أوجه نهي الصلاة عن المنكر أنها حسنة تدعو إلى الحسنات الوجه الرابع من أوجه نهي الصلاة عن الفحشاء والمنكر أن الإنسان بصلاته يستقيل عثراته ويخفف ذنوبه، والذنب يدعو إلى الذنب، فالسيئة تدعو إلى السيئة، والحسنة تدعو إلى الحسنة، وفي كثير من الأحيان يعجل لبعض الناس جزاء سيئاتهم بالوقوع في سيئات أعظم منها، ويعجل لهم كذلك بعض ثواب حسناتهم بالتوفيق إلى حسنات أكبر منها، ومن هنا فإن الإنسان إذا خفف سيئاته فهذا مدعاة لأن يجتنب الفحشاء والمنكر؛ لأن الفحشاء والمنكر إنما يتجرأ عليها الإنسان بسبب تراكم الذنوب في قلبه حتى يظلم وتغلق مسام القلب عن الإيمان والخوف من الله ، فتأتي الجراءة على الله . ويأتي من هذا المدخل أمن مكر الله ، فيقع الإنسان في الفحشاء والمنكر، أما إذا خفف الذنوب وأزال الصدأ عن القلب فحينئذ سيقبل الإنسان على ما يرضي الله ويعرض عما لا يرضيه، فتكون الصلاة بذلك ناهية عن الفحشاء والمنكر.

стр. 843

من أوجه نهي الصلاة عن المنكر أنها تغسل الذنوب الوجه الخامس من أوجه نهي الصلاة عن الفحشاء والمنكر أنها بمثابه نهر على باب شخص ينغمس فيه في اليوم والليلة خمس مرات، فهل ترى يبقى من درنه شيء؟ كما قال رسول الله صلى الله عليه سلم. إن هذه الصلاة نور وضياء عظيم جداً ينور الله به قلوب عباده في الدنيا وفي الآخرة، فهي في الدنيا نور وعلامة لأهلها: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ﴾ [الفتح:٢٩] , وهي في الآخرة علامة بين رسول الله ﷺ وأمته، فقد قيل له: بم تعرف أمتك يوم القيامة؟ فقال: (إن أمتي يردون علي الحوض غراً محجلين من أثر الوضوء، فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل)، وكل هذا داع لأن تكون الصلاة ناهية عن الفحشاء والمنكر.

стр. 844

من أوجه نهي الصلاة عن المنكر ما فيها من الخشوع الوجه السادس من أوجه نهي الصلاة عن الفحشاء والمنكر أن الخشوع الذي فيها مقتض لأن يستحضر الإنسان عرضه على الباري ، وأن يستحضر أن ملائكة يحضرون معه فيرفعون عنه ما كتبوه من أعماله في كل صباح ومساء، فيرتفعون إلى ربهم وهو أعلم، ومن شفقتهم ورحمتهم أنهم عندما يسألهم: كيف تركتم عبادي يقولون: أتيناهم وهم يصلون وتركناهم وهم يصلون. ومع هذا فإن كتابة الأعمال التي ترفع إلى الله إذا استحضرها الإنسان بصلاته لابد أن يقلع؛ لأن الإنسان إذا استحضر أن الملك يتقدم برفع عمله في الصباح فيقول: يا رب! عبدك فلان فعل الذنب الفلاني. ثم في المساء يتقدم إليه فيقول: يا رب! عبدك فلان مازال مصراً على الذنب الذي فعل في الصباح. ثم في اليوم الذي يليه يقول: يا رب! عبدك فلان مازال مصراً على هذا الذنب. وتتراكم السجلات حتى تكون مد البصر. إن الإنسان إذا لم يستحي من هذا فليفعل ما شاء، فقد قال الرسول ﷺ : (إذا لم تستح فاصنع ما شئت). فهذه الأوجه كانت الصلاة منها ناهية عن الفحشاء والمنكر، ومع ذلك فهي متضمنة لذكر الله، وذكر الله أكبر كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ [العنكبوت:٤٥].

стр. 845

من أوجه نهي الصلاة عن المنكر ما فيها من القرآن الوجه الثاني من أوجه نهي الصلاة عن الفحشاء والمنكر أن هذه الصلاة فيها القرآن، وكفى بالقرآن واعظاً، هذا القرآن كلام الله فيه أوامره ونواهيه وزواجره، وفيه وعده ووعيده، وفيه إرشاده، وفيه تهديده، وفيه ترغيبه، وفيه ترهيبه، فمن سمعه فلم يؤمن به فبأي حديث بعده يؤمن؟ من لم يستفد بالقرآن وعظاً وزجراً لا يمكن أن ينتفع بأي شيء آخر، والصلاة فيها تلاوة القرآن، فأنت تسمع هذا القرآن زاجراً فيكون زاجراً لك عن الفحشاء والمنكر، وبذلك تكون الصلاة ناهية لك عن الفحشاء والمنكر.

стр. 846

من أوجه نهي الصلاة عن المنكر تناهي المصلين عن ذلك فيما بينهم الوجه الثالث من أوجه نهي الصلاة عن الفحشاء والمنكر أن المصلين يجب عليهم أن يتناهوا عن الفحشاء والمنكر، فإذا حضرت معهم فسينهونك عما تقع فيه من المنكرات، وسيرشدونك إلى ما يقربك إلى الله تعالى من أنواع المعروف، وبهذا تزول الفروق بين الناس ويؤدي بعضهم إلى بعض الحقوق، وتتأكد الصلة وتقوى المحبة فيما بينهم.

стр. 847

النيات التي ينبغي استحضارها عند الذهاب إلى المسجد ومن هنا فإن نيات الذهاب إلى المسجد ينبغي أن تكون حاضرة في الأذهان، فهذا المسجد الذي نقصده ونكثر الخطا إليه لابد أن تكون نياتنا في قصده واضحة لأذهاننا. فالنية الأولى: الاستجابة لداعي الله عندما نسمعه ينادي: حي على الصلاة. حي على الفلاح. فنجيب داعي الله . النية الثانية: أداء ما افترضه الله تعالى علينا على الوجه الأكمل، حتى تكون صلاتنا حائلة بيننا وبين معصية الله تعالى مقربة لنا إلى مرضاته. النية الثالثة: ما وعدنا الله تعالى به من الأجر في الخطا إلى المساجد وانتظار الصلاة بعد الصلاة، وما جاء في الصف الأول، وغير ذلك من الأجر الكثير في قصد المساجد والمشي في ظلمات الليل إليها، كما قال رسول ﷺ : (بشر المشائين في الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة)، وكما قال ﷺ : (ألا أخبركم بما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات؟ كثرة الخطا إلى المساجد، وإسباغ الوضوء على المكاره، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط). ثم بعد هذا نية الجهاد في سبيل الله، فقد أخرج مالك في الموطأ عن أبي بكر بن عمرو بن حزم: (من ذهب إلى المسجد لا يخرجه إلا علم يعلمه أو يتعلمه كان كالمجاهد في سبيل الله رجع غانماً). كذلك نية تعليم من في المسجد ونية التعلم منهم، فكل ذلك مطلوب شرعاً، وإذا خرجت من المسجد ونويت أن تعلم من احتاج، فإذا رأيت مقصراً في أمر من أمور صلاته أو من أمور ديانته في المسجد خلوت به فعلمته بكل رفق وبكل لين، وسألته: هل فعل ذلك عن جهل أو عن علم؟ وسألته: لم فعلت هذا؟ فإن أجابك بعلم عرفت الوجه الذي قصده، وإن كانت المسألة خلافية لم تتعرض لها، وإن أجابك عن جهل أو استشفيت منه جهلاً بالمسألة علمته بكل لطف ورفق، فتكون بذلك من الذين يعمرون المسجد بتعليم العلم. ثم بعد هذا أن تتعلم منهم، وهذا التعلم لا يقتصر على ما تسمعه بأذنك، بل ما تشاهده بجوارحك من الليونة في أيدي المسلمين، كما قال رسول الله ﷺ : (لينوا في أيدي إخوانكم)، ومن استواء الصفوف، ومن الأخلاق الحسنة، ومن الابتسامة في وجه أخيك المسلم، وغير ذلك مما تتعلمه في المسجد. ثم بعد هذا نية الرباط، وهي أن تربط جوارحك في هذه الساعة عن معصية الله، فهذه الجوارح إذا خرجت إلى الشارع لابد أن تشاهد بعض ما لا يرضي الله ، وإذا ذهبت إلى البيت فكثيراً ما تقع أيضاً في معصية من معاصي الله، أما ساعتك التي تجلسها في المسجد بقلب سليم مقبل على الله فإن جوارحك ممسوكة عن المعصية، فأنت هنا معتكف عن معصية الله تعالى قد كبحت جماح جوارحك، فسمعك مشغول بذكر الله، ولسانك مشغول به، وبصرك مشغول عن النظر إلى ما لا يرضي الله ما دمت في المسجد. كذلك من هذه النيات نية التماس البركة من المسجد، فهذه البقعة هي أحب البقاع إلى الله، كما قال ﷺ : (أحب البقاع إلى الله مساجدها، وأبغض البقاع إلى الله أسواقها)، وهذا سوق الله، وأنت جئت تريد أن تكون من المشترين في سوق الله وأن تكون من العمال لهذا السوق.

стр. 848

من فضائل صلاة الجماعة كذلك من هذه النيات أن تنوي تكثير سواد المسلمين وإعزاز كلمة الدين، فإنه لا شيء أعظم في نفوس أعداء الله من هذه الصلاة التي يجتمع لها المسلمون، فيقفون فيها صفاً واحداً فيه غنيهم وفقيرهم، وكبيرهم وصغيرهم، وقويهم وضعيفهم، ومريضهم وصحيحهم، يستوون في الصف ويلين كل واحد منهم لأخيه ويقف إلى جنبه، ولا يتأذى بمسه له، ويتواضع له تمام التواضع، ويحس بشفقته عليه ورحمته له، ويقفون صفاً واحداً كما تصف الملائكة عند ربها. إن هذا من شعائر الإسلام التي يلزم أن نبرزها، وأن نكثر سواد المصلين، وأن نكثر سواد الحاضرين في المساجد، وأن يكون ذلك شاملاً لحضور الرجال والنساء والصبيان وغير ذلك، فكل فئات المسلمين ينبغي أن تجتمع هنا وأن تزول عنها الفوارق، وأن يقع بينها تمام الرحمة والمودة والمحبة في هذا المكان الذي منه انطلقت المحبة وانطلق الإيمان. كذلك فإن من نيات الذهاب إلى المسجد أن تنوي التماس بركته من الملائكة وصالح الإنس؛ فإن الملائكة يتعرفون على الناس على أبواب المساجد، وهم الذين تلتمس شفاعتهم، فإن الله تعالى ذكر أن حملة العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون للذين آمنوا: ﴿يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ * رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُم وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [غافر:٧ - ٩]. ومن هنا فإننا محتاجون إلى التعرف إلى الملائكة، ولا شك أن من عرف أن مسئولاً كبيراً أو وجيهاً من الوجهاء يجلس في هذا البيت ويتعرف إلى كل من فيه فإنه إذا كان ذا حوائج دنيوية سيقصد ذلك الوجيه ويتعرف إليه، وإن الملائكة وجهاء عند الله ، وهم هنا في هذا المسجد، فتعرفنا عليهم يقتضي قرباً، فشفاعتهم ودعوتهم واستغفارهم وردهم للسلام وإجابتهم للدعاء بظهر الغيب كل ذلك نحن محتاجون إليه، فمن دعا لأخيه بظهر الغيب كان عند رأسه ملكان يقولان له: (آمين ولك بمثله). كذلك فإن حظور الصلاة في الجماعة مدعاة للتغلب على شهوات النفوس، فإن الإنسان قد لا يستجاب دعاؤه في نفسه بسبب معصية ارتكبها كترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فمن ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لم يستجب دعاؤه، أو كأكل الحرام، فمن عاش من الحرام لا يستجاب دعاؤه، فإذا احتاج إلى استجابة الدعاء ذهب إلى المسجد فاشترك مع المصلين في دعائهم، يقرءون جميعاً في صلاتهم: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة:٦ - ٧]، والله هو أكرم الأكرمين يعطي قبل المسألة ويعطي بعدها، وأنت محتاج إلى ما عنده: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمْ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر:١٥]، ومن هنا احتجت إلى أن يستجاب دعاء الناس حتى تدخل في جملة المصلين ويستجاب دعاؤك بذلك. كذلك فإن قول المصلين: (آمين) بعد الفاتحة شعيرة من شعائر الإسلام أيضاً يحسدهم عليها اليهود، كما قال الرسول ﷺ : (إن أعظم ما تحسدكم عليه يهود: آمين)، فهذه الكلمة عظيمة جداً في الميزان، وشهود المصلي لها عندما يقول الإمام: ﴿وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة:٧] , فيحضر ذلك فيقول: (آمين)، وإذا صادفت تأمين الملائكة غفر له، وهذه الكلمة القليلة الحروف السهلة على اللسان تصادف تأمين الملائكة فيغفر للإنسان، ولهذا حسدنا اليهود عليها حسداً شديداً، وهي متاحة لنا في كل الأوقات، فبالإمكان أن تستقيل عثراتك وتغفر ذنوبك في كل ركعة بعد أن يقول الإمام: ﴿وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة:٧] , وهذا فضل عظيم وأجر كبير ينبغي أن يتنافس فيه المتنافسون: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسْ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين:٢٦].

стр. 849

من أوجه نهي الصلاة عن المنكر استحضار اطلاع الله على العبد الأمر الأول: أن الإنسان إذا سجد لله وهو يعلم أنه مطلع على مافي قلبه، مطلع على قرارة نفسه، ويعلم الحامل له على هذا، وأن الله يعلم وساوس نفسه، وهو أقرب إليه من حبل الوريد فإنه سيستحيي منه ويستحيي أن يناقض نفسه بأن يكون هنا في المسجد ساعياً للتقرب إلى الله خائفاً من ذنوبه وزلاته، فإذا خرج من المسجد بدأ يجمع الذنوب التي كان يستقيلها في المسجد، فهذا التناقض الواضح يخافه الإنسان فلذلك لا يفعله المصلون. فالمصلون حقيقة الصلاة لا يمكن أن يقعوا في هذا التناقض، ولهذا قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا * إِلاَّ الْمُصَلِّينَ﴾ [المعارج:١٩ - ٢٢]. ويقال: إن أبا الحسن الشاذلي حين جاء إلى أهل الإسكندرية سألهم فقال: أتجزعون وتهلعون؟ قالوا: نعم. قال: أنتم إذاً لا تصلون. وكان قد سألهم أولاً فقال: أتصلون؟ قالوا: نعم. قال: أتجزعون وتهلعون؟ قالوا: نعم. قال: إذاً أنتم لا تصلون! قالوا: أفنتركها؟ والمقصود عنده التمام الأكمل وأعلى درجات الكمال في الصلاة، فأعلى درجات الكمال في الصلاة هو أن تكون هذه الصلاة على هذا الوجه الذي ذكرناه، فيعفر الإنسان جبهته لله وهو يستقيله عثراته ويتوب من سيئاته ويعاهده أن لا يعود إلى ما لا يرضيه، ويسعى بذلك أن يكون حابساً لجوارحه في المسجد عن المعصية.

стр. 850

أنواع التعبدات التي تشتمل عليها الصلاة الصلاة مشتملة على ثلاثة أنواع من أنواع التعبدات:

стр. 851

النوع الأول: التعبدات القلبية النوع الأول: التعبدات القلبية. وبدايتها بالنية، فالإنسان ينتفض من هذه الدنيا ويخرج منها مقبلاً على الله ، وعلامة نبذه للدنيا أنه إذا كبر تكبيرة الإحرام نبذ الدنيا بيديه وراء ظهره، ورفع اليدين هنا رمز لنبذ الدنيا وراء ظهره والإقبال على الله ، ولهذا يجتهد في استقبال القبلة، ويجتهد في تسوية الصف؛ لأنه قد تخلص من الدنيا وأقبل على الباري ، ولذلك لا يمتخط ولا يتفل أمام وجهه ولا عن يمينه، بل يجعل ذلك تحت رجله أو عن يساره. ثم هذه النيات مقتضية كذلك لأن يسعى الإنسان لتنميتها؛ لأن هذه النية هي إكسير الأعمال، فهي التي تنميها بأضعاف مضاعفه أعني النيات التي ذكرناها في القدوم إلى المسجد، ونيات سواها، ونيات في أداء الصلاة نفسها بالتقرب إلى الله بما افترضه، وبمنافسة ملائكته، وباتباع سنة نبيه ﷺ ، وبالتماس موعوده، وبالخوف من عقابه؛ كل هذه النيات مطلوبه شرعاً. وإن ما يذكره بعض الناس من أن عبادة التجار كما يسمونها هي عبادة من يخاف العقوبة ويرجو الثواب إن ذلك التصور غير صحيح؛ لأن الله تعالى ذكر الأنبياء عليهم الصلاة السلام بقوله: ﴿كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء:٩٠] , وهم أكمل الناس حالاً. وكذلك الذين رضيهم الله تعالى من عباده المؤمنين قال الله في وصفهم: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنْ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ [السجدة:١٦] , إن الخوف من الله والطمع فيه ليس نقصاً في الإيمان، بل هو من معرفته سبحانه تعالى؛ لأن من عرفه حق المعرفه عرف أنه لو اجتمع الإنس الجن في صعيد واحد فسألوه فأعطى كل واحد منهم مسألته ما نقص ذلك مما عنده إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر. فمن هنا لزم أن ينوي الإنسان هذه النيات كلها في صلاته، فينوي أداء ما افترضه الله عليه، وينوي زيادة القرب منه والخشوع بين يديه والانتساب إليه، وينوي كذلك الخوف منه ورجاء موعوده والخوف من عقابه، وينوي كذلك منافسة الملائكة وأهل الخير في عبادته ، فهو المستحق لهذه العبادة.

стр. 852

النوع الثالث: التعبدات الفعلية النوع الثالث من أنواع العبادات في الصلاة هو الأفعال. فذكرنا النيات وهي عمل القلب، والأقوال وهي عمل اللسان، والنوع الثالث من التعبدات في الصلاة هو عمل الجوارح، وهذا أهم شيء فيه القيام والسجود، فهما طرف الصلاة، القيام طرفها الأعلى؛ لأن الإنسان ينتصب فيه، والسجود طرفها الأدنى؛ لأن الإنسان يخفض فيه أعاليه ويرفع فيه أسافله، وبذلك فهما الطرفان, وبينهما واسطتان وهما الركوع والجلوس، فهذه هي أفعال الصلاة، وهذان الطرفان اختلف فيهما أيهما أفضل: طول القيام أو كثرة السجود؟ قالت طائفة من أهل العلم: كثرة السجود أفضل؛ لقول الرسول ﷺ : (أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد)، ولأن السجود شرع دون قيام كسجود التلاوة، وسجود الزلزلة، وسجود الشكر وغير ذلك. وقالت طائفة أخرى: بل القيام أفضل؛ لأن الإنسان فيه يتلذذ بقراءة القرآن وبحقيقة المناجاة، وهو الذي يبتدئ به صلاته ويفتتحها به. إلا أننا نقول: إن الله سبحانه تعالى يقول: ﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِيَاماً﴾ [الفرقان:٦٤]، فبدأ بالسجود قبل القيام، ولا شك أن دلالات القرآن معجزة، فهذا مشعر بتفضيل السجود على القيام. ومع ذلك فإن القيام عبادة فعلية فاضلة جداً، فالإنسان ينتصب لرب العالمين ويتذكر الوقوف بين يديه عندما يأتي يوم القيامة حافياً عارياً غير مختون، ينظر أيمن منه فلا يرى إلا عمله، وينظر أشأم منه فلا يرى إلا عمله، يأتي متجرداً لله ، فينتصب ويقف بين يديه كما يقف الناس لرب العالمين يوم القيامة. وبهذا ينبغي أن يستحضر الإنسان إذا وقف في الصلاة هذا الوقوف، وبذلك ينصرف عن الانشغالات الأخرى، ولا يكثر الحركة ولا يكثر التصرفات المختلفة، فهو واقف بين يدي ديان السماوات والأرض يناجيه ويخاطبه. ثم الركوع الذي هو المرحلة التي تلي القيام، وهو أيضاً إشعار بالمذلة لديان السماوات والأرض لكبريائه وجلاله، وأدب معه. ثم بعد ذلك الجلوس، وهو استراحة الإنسان في الصلاة ليتذكر ما يناجي به في السجود. وكذلك وداع الصلاة، ففيه تسليمها الذي هو التحليل، فهذه هي الأركان الفعلية. والتحسينات الفعلية الأخرى منها الرفع أولاً، وقد ذكرنا أنه نبذ للدنيا وراء ظهره. ومنها القبض، وحكمته كذلك رباطة الجأش وإمساك القلب، ومنع اليدين من التصرف؛ لأن الأنسان إذا قبض يديه واستشعر أن يديه في عبادة لايمكن أن يكثر الحك ولا تقليب ملابسه ولا تصرفاته الأخرى، أما إذا كانت يداه في حرية كاملة فربما زلت به قدمه فأوقع به الشيطان في بعض الحركات أو الحكات أو غير ذلك. كذلك الالتفات بالسلام، فهو من فضائل الأفعال في الصلاة، فإذا التفت الإنسان عن يمينه وسلم والتفت عن شماله وسلم فإن ذلك مقتض للخروج من جلال الصلاة وإدراك منه لعظمة ما كان فيه، وتسليم على من معه من المسلمين، وسعي متجدد لأن يجدد العبادة مرة أخرى: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ [الشرح:٧ - ٨]، هذه هي الصلاة.

стр. 853

النوع الثاني: التعبدات القولية أما النوع الثاني من أنواع العبادات في الصلاة فهو العبادات القولية. وهذه من أعظمها التكبير، فالتكبير يقتضي من الإنسان ألا يلتفت إلى ما سوى الله، فالذي يقول: (الله أكبر) بلسانه وبقلبه يعلم أن ما سواه لا يساوي شيئاً، وأن الإقبال عليه يقتضي منه تمام الخشوع والمذلة وتمام الخوف منه ورجائه والإعراض عما سواه. ومن هنا فإن هذه الكلمة إذا قالها العبد ملأت ما بين السماء الأرض، وهي رمز القوة في الإسلام، وقد أمر رسول الله ﷺ جيوشه إذا ارتفعوا أن يكبروا وإذا انخفضوا في بطون الأودية أن يسبحوا، فإذا واجه الإنسان أي شيء يستعظمه ويستكبره فإن عليه أن يقول: الله أكبر. فإذا صعد جبلاً أو صعد مكاناً مرتفعاً فعظم في نفسه ينبغي أن يزيل عظمة الحادث من نفسه ويتطهر منها فيقول: الله أكبر. وإذا نظر إلى أي شيء يعجبه يقول: الله أكبر. فيتصاغر لديه ما هو فيه، وإذا كان في مكان منخفض سبح الله وعظمه؛ لأن هذا الانخفاض يذكره بخلاف الصفة وضدها، فالله مخالف للحوادث وهو العلي الحميد، فيذكره بذلك فيسبحه ويعظمه. إن التكبير ينبغي أن يكون بقلب حاضر، وأن يدرك الإنسان معناه، وأن يستشعر عظمة من يناديه إذا كبره، وأن يستشعر أن تحريم الصلاة التكبير، وأنه الآن دخل في حريم عظيم، فإنه إذا كبر دخل في مكان في حصن مغلق لا ينبغي أن يخترقه شيء، وإذا كان كذلك تحصن من الشيطان الرجيم ومن غوائله ونفخه ونفثه ووساوسه، وكذلك تجنب وساوس النفوس وأمور الدنيا، وحاول أن يتخلص من كل ذلك وأن يقبل على الله.

стр. 854

من التعبدات القولية في الصلاة الفاتحة ثم بعد هذا تأتي الفاتحة التي جعلها الله تعالى هي الصلاة فيما روى أبو هريرة عن رسول الله ﷺ فيما يرويه عن ربه أنه قال: (قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، فإذا قال العبد: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:٢] قال: الله حمدني عبدي. فإذا قال: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة:٣] قال الله: أثنى علي عبدي فإذا قال: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة:٤] قال الله: مجدني عبدي -وفي رواية: فوض إلي عبدي- هذا لي ولعبدي ما سأل. فإذا قال العبد: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥] قال الله: هذه بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل. فإذا قال العبد: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة:٦ - ٧] قال الله: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل)، فجعل هذه الفاتحة هي الصلاة، قال: (قسمت الصلاة)، ولم يذكر من الصلاة إلا الفاتحة، فدل هذا على عظمة هذا القول من أقوال الصلاة. وإن أبلغ الثناء على الله سبحانه تعالى هو ما أثنى به على نفسه في افتتاح كتابه، وهو هذه الآيات العظيمات التي يبتدئها الإنسان كأنه غائب، فيأتي بلفظ الاسم الذي هو مشعر بالغيبه فيقول: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:٢]، ولم يقل: الحمد لك يارب العالمين، ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة:٣]، وأتى بهذين الاسمين المشتقين من هذة الصفة كذلك على وجه الغيبه، وكذلك: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة:٤] أتى بهذه الصفة أيضاً على وجه الغيبة، لكن إذا بلغ هذا المستوى من الثناء على الله وتنزيهه وحمده انتقل من مقام الغيبة إلى مقام الحضور فقال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥]، وهذا الانتقال هو الذي يسميه أهل البلاغة التفاتاً، وفيه يقول السيوطي رحمه الله تعالى: فالعبد إذ يحمد من يحق له ثم يجي بالسمة المبجلة فكلها محرك الإقبال لمالك الأمور في المآل فيوجب الإقبال والخطابا بغاية الخضوع والطلابا للعون في كل مهم يقصد وقس عليه كل ما قد يرد فلذلك يشرع للإنسان أن يقف على رأس كل آية من آيات الفاتحة، ويستلذ بهذا الحوار العظيم التي أتيحت له فيه الفرصة ليحاضر ربه . إننا جميعاً نغبط موسى ﵇ أن الله جعله كليمه، وهذه منزلة عظيمة امتن الله عليه بها، ﴿قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاتِي وَبِكَلامِي﴾ [الأعراف:١٤٤] , وأنت أيها المصلي عندما تقول: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:٢] يخاطبك الله : (حمدني عبدي)، وإذا استحضرت هذا المكان الذي أنت فيه فإنك تنال لذة لا يعدلها شيء، تنال مقام المناجاة الحقيقية، كأن الله يخاطبك وقد وصلت إلى هذا المستوى فيجيبك ديان السماوات الأرض. ومن هنا شرع لك أن تقف على رأس كل آية لتنال لذة المناجاة، فموسى ﵇ عندما خاطبه ربه فقال: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى﴾ [طه:١٧] استرسل معه في الجواب ولم يقتصر على طبق السؤال للذة المناجاة، فقال: ﴿هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى﴾ [طه:١٨] , وطبق السؤال أن يقول: (هي عصاً) فقط وينتهي الكلام، لكنه قال: ﴿هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى﴾ [طه:١٨] , ليتلذذ بمناجاة الله .

стр. 855

على الإنسان أن يطيل في صلاته لمناجاة ربه ومن هنا فإن على الإنسان إذا أقبل على الصلاة أن يطيل النفس في الصلاة، وأن يعلم أن هذا الوقت الذي يقتطعه من وقته هو الوقت الذي أذن له الله بالمناجاة فيه، فلا تطول عليه ولا تثقل عليه فإنها لا تثقل على الخاشعين، لذلك فإن الرسول ﷺ كان يطيل في الركوع والسجود، ويطيل الركعتين الأوليين ويخفف الركعتين الأخريين، ويجعل ركوعه قريباً من قيامه، وسجوده قريباً من ركوعه، وقال أنس بن مالك ﵁ عندما صلى وراء عمر بن عبد العزيز: (ما صليت بعد رسول الله ﷺ خلف أحد أشبه صلاة برسول الله ﷺ من هذا الفتى. فقيل له: ماذا كان يصنع؟ فقال: كان يطيل الركوع والسجود ويخفف القيام والجلوس). وقال سعد بن أبي وقاص ﵁ عندما شكاه أهل الكوفة إلى عمر أنه لا يحسن الصلاة: (بالله الذي لا إله إلا هو لقد صليت بهم صلاة رسول الله ﷺ . قال عمر: ذلك الظن بك يا سعد، فماذا كنت تصنع؟ قال: كنت أركد في الأوليين وأخف في الأخريين) (أركد) معناها: أطيل. إن كثيراً من الناس تطول عليه هذه الصلاة، وتشق عليه مشقة عظيمة، ولا يشق عليه الوقوف في الشارع وانتظار سيارات الأجرة لحاجته، فيمكث نصف ساعة أو أكثر على الشارع ينتظر السيارات، ويقضي كثيراً من أوقاته في متابعة البرامج الإذاعية أو التلفازية، ويجلس للمناقشة والكلام العادي فتمر عليه الساعات دون أن يشعر بطولها، وهو الآن يناجي ربه ، يناجي ديان السماوات والأرض، فلماذا تطول عليه هذه المدة طولاً شديداً؟ ولماذا يضن على نفسه بهذه اللحظات التي يتطهر بها ويقبل بها على الله ؟ إن هذا من عمل الشيطان لا محالة، وإن كثيراً من الناس لا تأتيه أشغاله وانشغالاته ولا يضيق وقته إلا إذا دخل المسجد وجاء إلى الصلاة، وإن العجيب في هذا الأمر ما شاهدناه من بعض الناس، فنحن نعلم علم اليقين أننا يجب علينا أن نؤمن بالغيب، وأن نعلم أن الشيطان يوسوس للإنسان في الصلاة، ولكن كثيراً ما يخرج هذا عن عالم الغيب إلى عالم الشهادة، فنرى الإنسان العاقل اللبيب إذا دخل الصلاة فعل أفعالاً لم يكن يفعلها في غير الصلاة كأنه يتخبط من مس الشيطان، ألا تشاهد هذا؟ تراه يعبث بأظافره، ويمس بأصابعه ريقه ويمسح به بعض الأماكن من بدنه، ويتصرف تصرفات غير مضبوطه، ويكثر الحركة، بل كثيراً ما يلتفت في الصلاة، وقد سئل رسول الله ﷺ عن الالتفات في الصلاة، فقال: (اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة أحدكم)، وقال: (لا يزال الله مقبلاً على العبد وهو في صلاته ما لم يلتفت، فإذا التفت أعرض عنه وقال: يا ابن آدم! إلى من تلتفت؟ أنا خير مما التفت إليه). إن ما نشاهده من حركات بعض الناس وتصرفاتهم في الصلاة يخرج وسوسة الشيطان من أن تكون من عالم الغيب إلى أن تكون من عالم الشهادة، فنحن نراها ونعلم أنه لو كان في خارج الصلاة لم يتصرف هذه التصرفات أبدا. وتشاهد أيضاً أن كثيراً من الناس يأتيه الشيطان بالوسوسة في الطهارة ولا يأتيه بالوسوسة في غيرها، فترى هذا حتى يكون من عالم الشهادة لا من عالم الغيب، تراه إذا عد النقود لا يوسوس في عدها، إذا عد ثلاثة آلاف لا يمكن أن يحسبها أربعة أو خمسة، لكن إذا عد ثلاث غسلات توهمها ثلاثاً أو خمساً وهكذا، فيأتي الوسواس في أمور العبادة وفي أمور الصلاة، وقد بيَّن الرسول ﷺ : أن الشيطان الموسوس في الصلاة شيطان اسمه (خنزب)، وأن من وجده فإنه عليه أن يستعيذ بالله منه، وأن ينفث عن يساره ثلاثاً)، كما أخرج ذلك مسلم في الصحيح من حديث عثمان بن أبي العاص ﵁. وكذلك شيطان الطهارة فهو شيطان اسمه (الولهان)، وهو يوسوس للإنسان في طهارته.

стр. 856

الركن الثالث للإسلام: الزكاة

стр. 857

وعيد مانعي الزكاة والذين يمنعون الزكاة يتعرضون لكثير من الوعيد الشديد، فهذا الوعيد قسمان: قسم منه للأمة بكاملها، وفيه قول الرسول صلى الله عيله وسلم: (وما منع قوم زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء، ولولا البهائم لم يمطروا). القسم الثاني يختص بالمانع نفسه الذي لم يزك ماله وكنزه، فهذا متوعد بالوعيد الشديد في قول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ [التوبة:٣٤ - ٣٥]. إن الفاجر والكافر ومانع الزكاة يوم القيامة ينفخه الله تعالى ويضخمه حتى يكون مقعده من النار كما بين مكة والمدينة، ويكون كل ضرس من أضراسه كجبل أحد، ويكون جنبه بهذه المثابة، فيؤخذ ماله ويؤتى به لا يفقد منه أوقية ولا خمس أواق ولا عشر أواق ولا عشرين أوقية، فيذاب ويوضع، لا يوضع منه درهم فوق درهم ولا دينار فوق دينار، حتى يكسى به جنبه ووجهه وظهره نسأل الله السلامة العافية، كلما تغير جلده أحمي مرة أخرى في نار جهنم وأعيد إليه، فلذلك يعرض جنبه ووجهه حتى يلصق به كل ماله، لا يفقد منه ديناراً ولا درهماً ولا يجعل دينار فوق دينار ولا درهم فوق درهم، نسأل الله السلامة العافية. كذلك فإن من منع زكاة متوعد بعذاب القبر في قول الرسول ﷺ : (إن مانع الزكاة إذا وضع في قبره أتاه شجاع أقرع في قبره، ولا يزال يلدغه ويؤذيه) , وهذا نوع من أنواع عذاب القبر، فمنع الزكاة من أسبابه. وكذلك من العقوبات المعجلة لمانع الزكاة في الدنيا بغض الناس له، فالناس جميعاً يبغضون مانع الزكاة ويبغضون البخيل، حتى البخلاء بعضهم يبغض بعضاً، ومانعوا الزكاة بعضهم يبغض بعضاً، وهذه حكمة واضحة معروفة، فهي من العقوبات الدنيوية المعجلة. إن هذه الزكاة لو أخذ بحقها الصحيح ووزعت بين الناس بالعدالة التي بينها الله حيث لم يكل قسمتها إلى ملك مقرب ولا إلى نبي مرسل، بل تولى قسمتها في كتابه في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنْ اللَّهِ﴾ [التوبة:٦٠] , ولو وزعت هذا التوزيع الصحيح لما حصلت مجاعة في الأرض، ولما وجد فيها من الفقراء من لا يجد لقمة عيشه ويبيع دينه بسبب فقره، أو يقع في كثير من المناكر بسبب حاجته، فلو أديت هذه الزكاة على الوجه الصحيح لحالت دون كثير من الرذائل. فكثير من الرذائل من ورائها الفقر، ولهذا جعل الرسول صلى الله عيله وسلم الفقر قريناً للكفر في قوله: (اللهم إني أعوذ بك من الكفر والفقر)، فالفقر داع لكثير من الرذائل، فيجد الإنسان فيه مذلة وطمعاً في غير الله، وخوفاً من غير الله، وكذلك يسعى في كثير من الأحيان للحصول على المال بأوجه غير صحيحة، كالسرقة والغش والخداع وغير ذلك.

стр. 858

من حكم الزكاة الركن الثالث من هذه الأركان بعد الشهادتين والصلاة هو الزكاة. هذه الزكاة حكمتها الأصلية إبداء مسئولية الأغنياء عن الفقراء فيما استخلفهم الله تعالى فيه وجعله تحت أيديهم من المال، وأن يعلموا أن المال ليس ملكاً لهم، فلم ينالوه ميراثاً عن آبائهم ولم ينالوه بحظوظهم وكد جوارحهم وأعمالهم، بل نشاهد كثيراً من الناس أقوى منهم أبداناً وأقوى عقولاً وتفكيراً وأفرغ بالاً، ويسعون لجمع هذا المال السنوات ذوات العدد فلا يصلون منه إلى طائل. ونجد كثيراً من الناس يعيش عمراً طويلاً ويسخر عمره كله لجمع المال ومع ذلك يموت فقيراً، فعلم هنا أن المال رزق الله، وأنه ليس ملكاً للإنسان وإنما هو أمانة عنده، وهو وكيل فيه ينتظر العزل في كل حين، وعزله إما بموته، وهذا العزل النهائي، فإذا مات لم يصحب من ماله إلا كفنه وحنوطه، إذاً هذا العزل الأخير. وإما أن يعزل بما دون ذلك كالفقر، والجائحة التي تجتاح ماله، والديون التي تقضي على تصرفاته وتحجر عليه، أو بوجود الأولاد الذين هم مبخلة مجبنة، فالإنسان يمكن أن يعطي ويجود مالم يكن له أولاد، أما إذا كانت له ذرية صغار فإن ذلك داع للجبن والبخل، ولهذا ضرب الله لنا هذا المثل العظيم في كتابه في قوله: ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ﴾ [البقرة:٢٦٦]، فقوله: (وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ)، هذا داع لحرصه على المال وجمعه له، ومن هنا فإن من أوجه العزل أن يكون للإنسان ذرية. وكذلك من أوجه العزل الكبر، فالهرم متعب للجسم وناقص للعقل ومانع من التصرف في كثير من الأمور، فلابد أن يصل الإنسان إلى هذا الكأس الذي يشرب منه كل الناس، وينتقل إلى هذا المكان الذي ينتقلون إليه جميعاً، ومن لم يمت في قوته وشبابه يصل إلى الهرم المفند الذي يمنعه تصرفاته وملذاته. وبعد هذا أنواع أخرى من أنواع العزل، كالمرض المانع من التصرف، وكثير من الناس تشل جوارحه في حياته فيعزل بذلك عن التصرف في ماله، فيرى ماله يتصرف فيه الآخرون، ويمرض فترات من الزمن فيرى أن كثيراً من الناس لم يكونوا مؤتمنين على ماله قد اؤتمنوا عليه وسعوا فيه بما لا يرضيه، فهذه أنواع من أنواع العزل. إن الذين ولاهم الله على هذا المال جعل عليهم وفي أعناقهم أمانة عظيمة، وهي حقوق الفقراء الذين خلق الله لهم هذا المال، فالله خلق المال للناس أجمعين، وجعله تحت أيدي بعضهم ليكون مسئولاً عمن سواه، وشرفه بذلك: ﴿لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيّاً وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [الزخرف:٣٢]. وكذلك من حكمة الزكاة وجود الترابط وحصول الألفة بين المجتمع، فإن الأغنياء يعطون جنس مالهم إلى الفقراء، فتؤخذ من أغنيائهم زكاة ترد على فقرائهم كما قال ﷺ ، وكذلك فإن من حكمة الزكاة أن يستشعر الإنسان أن هذا المال الذي تحت يده ليس مملوكاً له، وفيه حق لابد من إخراجه، ويستشعر حق الله تعالى فيه فيخرجه.

стр. 859

الركن الرابع للإسلام: صيام رمضان ثم بعد هذا يأتي الركن الرابع وهو صيام شهر رمضان. وهذا الصيام حكم مشروعيته كثيرة متعددة، ومنها التشبه بالملائكة الكرام الذين يسبحون الليل والنهار لا يفترون، فليست لهم ساعة للأكل ولا ساعة للشرب، ولا ساعة للنوم ولا ساعة للراحة، يسبحون الليل والنهار لا يفترون، ونحن ننافسهم ونسعى للتقرب إلى الله بما يتقربون به إليه. فمن هنا شرع الله لنا الصيام وأثاب عليه بالثواب الجزيل الذي يقارن عمل من مضى بل يزيد على ذلك، فقد ثبت عن رسول الله ﷺ أن مقارنة هذه الأمة والأمتين السابقتين -اليهود والنصارى- كرجل دعا من يعمل له إلى نصف النهار على قيراط واحد، فعمل اليهود إلى نصف النهار -إلى صلاة الظهر-، وهذا العمل الطويل نالوا عليه قيراطاً واحداً، ثم دعا من يعمل له من الظهر إلى العصر على قيراط، فعمل النصارى مابين الظهر والعصر واستحقوا قيراطاً واحداً، ثم دعا من يعمل له من العصر إلى غروب الشمس على قيراطين فجاءت هذه الأمة، فغضب اليهود النصارى لأن الأجر قد ضوعف، فأخبرهم ربنا أن هذا فضله يختص به من يشاء. فهذه الأمة شرفها الله تعالى بتضعيف الحسنات وبعدم تضعيف السيئات، ومن هنا فإنه: (من صام رمضان وأتبعه بست من شوال فكأنما صام الدهر كله)؛ لأن رمضان في الغالب ثلاثون يوماً، والستة أيام عليها تكون ستة وثلاثين يوماً، وإذا ضربتها في عشرة -لأن الحسنة بعشر أمثالها- تكون ثلاثمائة وستين يوماً، وهي عدد أيام السنة، وبذلك يكون الإنسان كأنما صام السنة بكاملها. ومن حكمة الصيام كذلك أن يحس الأغنياء بمرارة الحرمان، فُيرحَم الفقراء، ولهذا يقول الشاعر: لعمري لقد عضني الجوع عضةً فآليت أن لا أمنع الدهر جائعاً وكذلك فإن من حكم هذا الصيام أنه مخفف لشهوات النفوس كابح لها مضيق للعروق على الشيطان، فالشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، فإذا ضيق عليه العروق بالصيام انشغل عنه، وقد أعاننا الله في رمضان بتصفيد المردة وبفتح أبواب الجنة وإيصاد أبواب النار، وبتنزل الرحمات، وجعله شهر عبادة، وجعل فيه ليلة هي ليلة القدر خير من ألف شهر يزداد بها عمر الإنسان بثلاث وثمانين سنة وزيادة؛ لأن فائدة العمر التقرب إلى الله وعبادته، والذي يقوم هذه الليلة في السنة يزداد عمره على الأقل بثلاث وثمانين سنة وبضعة أشهر، فيكون كأنما عاش هذه الفترة بليلة واحدة. وكذلك فيه العشر الأواخر التي هي أفضله، وقد شرع الله صيامه وسن رسول الله ﷺ قيامه، ورتب على ذلك مغفرة الذنوب، فقد ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه)، وفيهما عنه ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه)، وفيهما عنه ﵁ أن رسول الله صلى الله عليه سلم قال: (من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه). وكذلك فهو شهر الجود والبذل، فقد أخرج البخاري في الصحيح من حديث ابن عباس ﵄: (كان رسول الله صلى الله عليه سلم أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل فيدارسه القرآن، وكان يلقاه في كل ليلة من ليالي رمضان فيدارسه القرآن، فلرسول الله ﷺ أجود بالخير من الريح المرسلة).

стр. 860

الركن الخامس للإسلام: الحج

стр. 861

من حكم الحج تعظيم شعائر الله وكذلك فإن الإنسان يستحضر أن الذين يشهدون الموقف كثير منهم لن يشهده أبداً، فلا يعود عليه هذا اليوم إلا وهو تحت التراب وبين الجنادل، وأن الذين شهدوه كذلك من الماضين قد تفاوتوا هذا التفاوت العجيب، وأن هذا المكان على مر الزمان يأتي فيه الناس لتجديد هذا العهد مع الله . ويستحضر الإنسان شعائر الله وما جاء في تعظيمها، كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج:٣٢] , ويستحضر أن الصفا والمروة من شعائر الله، كما قال : ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة:١٥٨] , ويستحضر كذلك هذا البيت العتيق الذي أعتقه الله تعالى من العبادة في الدنيا فلم يعبده المشركون الذين كانوا يعبدون الحجارة، وإذا لم يجد أحد منهم ما يعبده من الحجارة جمع ربوة من تراب فحلب عليه شاة فإذا يبس لبنها اتخذه صنماً، وكان عمر بن الخطاب في الجاهلية يتخذ صنماً من تمر، فإذا جاع أكله ثم اتخذ صنماً آخر، ومع هذا فلم يعبدوا هذه الكعبة، فقد أعتقها الله تعالى وشرفها عن ذلك، فلم يعبدوا الكعبة ولم يعبدوا الحجر الأسود ولم يعبدوا مقام إبراهيم. ومن هنا يستحضر الإنسان ما جاء في حديث ابن عباس: (الحجر الأسود يمين الله في الأرض، فمن استلمه أو قبله فكأنما قبل يمين الرحمن)، وكذلك ما جاء في استجابة الدعاء في الطواف وفي السعي، وما جاء في استجابة الدعاء بعد رمي الجمرة الصغرى وبعد رمي الجمرة الوسطى، وما جاء في استجابة الدعاء بعرفات، وما جاء في الوقوف بجمع بمزدلفة، ذلك الوقوف الذي بينه الله تعالى في كتابه وأمر به: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنْ الضَّالِّينَ * ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة:١٩٨ - ١٩٩].

стр. 862

من حكم الحج تجديد العهد مع الله بالعبودية كذلك من مشاهد القيامة التي يذكر بها الحج الحشر في عرفات، فإن الناس يجتمعون في هذا الوادي الذي هو بطن نعمان الذي أخرج الله فيه من آدم ذريته، كما في الحديث: (مسح الله ظهر آدم فأخرج منه ذرية، فقال: أي ربي! من هؤلاء؟ قال: خلق من ذريتك خلقتهم للجنة وبعمل أهل الجنة يعملون. ثم مسحه ثانية فأخرج منه ذرية، فقال: أي ربي! من هؤلاء؟ قال: خلق من ذريتك خلقتهم للنار وبعمل أهل النار يعملون. وحينئذ دعاهم الله فقال: ألست بربكم؟ قالوا: بلى شهدنا). فيأتي المؤمنون لتجديد هذا العهد، فيجددون هذا العهد مع الله في كل سنة، هذا المكان الذي قلنا فيه: (بلى شهدنا) نعود إليه في هذا اليوم من كل سنة فنقول: بلى شهدنا. ولذلك فأفضل الدعاء دعاء يوم عرفه، وأفضل ما قال رسول الله ﷺ والنبيون من قبله: (لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير) كما في الحديث، فيجدد الناس بذلك العهد وينتظرون الوعد. وقد أخرج الشيخان في الصحيحين من حديث شداد بن أوس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (سيد الاستغفار: اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك علي، وأبوء بذنبي، فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت. من قالهن في يوم فمات دخل الجنة، ومن قالهن في ليلة فمات دخل الجنة)، هذا الدعاء العظيم الذي هو سيد الاستغفار فيه تذكر لهذا الموقف؛ فإن الإنسان يقول فيه: (اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك)، ويقر بذلك بالربوبية، (وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت)، وهذا إقرار بالإلهية؛ لأنه حقق أنه لا يعبد من سواه ولا يلتمس نفعاً ولا ضراً إلا منه ، فلذلك قال: (وأنا على عهدك)، وهذا العهد هو الذي عاهدهم عليه عندما قال: ألست بربكم؟ فقالوا: بلى. (ووعدك) الوعد الذي وعد على ذلك، ووعد الله لعباده هو أن حق العباد على الله أن يدخلهم الجنة إذا آمنوا به واتبعوا أوامره واجتنبوا نواهيه، فهذا هو وعده. (وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت)، فيجدد الإنسان هذا العهد، ويتذكر من مضى ومن أتى في القرون السابقة، وأن جميع الأنبياء قد حجوا هذا البيت من لدن إبراهيم إلى محمد ﷺ ، وهذا ما ذكرنا به رسول الله ﷺ في حجة الوداع مرتين، فعندما مر بفج الروحاء استقبل وادياً فسأل عن اسمه فقيل: الأبيض. فقال: (لكأني بيونس بن متى يهبط بطن هذا الوادي له عجيج بالتلبية)، ثم لما مر بثنية (هرشا) سأل عن اسمها فعرف بها، فقال: (لكأني بموسى بن عمران يهبط بطن هذا الوادي له عجيج بالتلبية على ناقة له حمراء خطامها من ليف).

стр. 863

من حكم الحج تذكر يوم القيامة وكذلك من حكم الحج الواضحة تذكر يوم القيامة، فمشاهد يوم القيامة يشاهدها الإنسان في الحج، فيرى الناس يحشرون من مشارق الأرض ومغاربها ويجتمعون في هذه البقاع الضيقة، ويراهم يزدحمون هذا الازدحام الشديد، ويعلم أن منهم من يقبل حجه ومن يرد عليه، وقد جاء عن رسول الله ﷺ : (أن العبد إذا كان زاده من حلال وراحلته من حلال وجاء بقلب سليم فنادى: (لبيك اللهم لبيك) ناداه مناد من السماء: لبيك وسعديك، حجك مبرور وسعيك مشكور وذنبك مغفور، زادك حلال وراحلتك حلال، وإذا كان على خلاف ذلك فنادى: (لبيك اللهم لبيك) ناداه مناد من السماء: لا لبيك ولا سعديك، حجك غير مبرور وسعيك غير مشكور وذنبك غير مغفور. ويرد عليه عمل). ومن هنا فإن الناس في منصرفهم إلى الحج ما بين اثنين: أحدهما: من غفر له ما تقدم من ذنبه وخرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه، وهو من حج فلم يرفث ولم يفسق. وثانيهما: من أتعب جسمه وأنفق ماله وأفسد وقته وعاد شراً مما كان، نسأل الله السلامة والعافية، فمن هنا يتذكر الإنسان حال الناس يوم القيامة وحشرهم.

стр. 864

الحج وتقوية الروابط بين المسلمين والركن الخامس والدعيمة الخامسة من هذه الدعائم هي حج بيت الله العظيم. وهذا البيت هو منطلق حضارة البشرية، فهو أول بيت وضع للناس، وقد شرع الله تعالى لعباده المؤمنين أن يقصدوه من مشارق الأرض ومغاربها ومن كل فج عميق، ورتب على ذلك الأجر الكثير، ورتب عليه صلاح أمورهم، فإن المسلمين علم الله أنهم سينتشرون في مشارق الأرض ومغاربها، وقد شرع لهم الأخوة فيما بينهم، ولا يمكن أن تتأكد هذه الأخوة وتوصل هذه الروابط إلا أن يجعل لهم مؤتمر سنوي يجتمعون فيه، وقد جعل الله تعالى هذا المؤتمر السنوي الموسم، فيجتمع المسلمون من مشارق الأرض ومغاربها في الحج، فيأتي فيه أغنياؤهم وفقراؤهم، وضعافهم وأقوياؤهم، وكبارهم وصغارهم، والناطقون منهم باللغات المختلفة، وذوو الألوان المختلفة، يقصدون مكان واحداً ويؤدون شعائر موحدةً ويلبسون زياً موحداً، وبذلك يحققون أخوتهم ويزيلون الفوارق بينهم. وقد بين رسول الله ﷺ حكم بعض الحج فقال صلى الله عليه سلم: (إنما جعل الطواف بالبيت وبين في الصفا والمروة ورمي الجمار لإقامة ذكر الله)، فهذه العبادات بخصوصها معينة على إقامة ذكر الله؛ لأن الإنسان مجبول على السعي لما فيه نفع دنيوي مادي. والحج أموره تعبدية محضة لا يعرف الإنسان عللها، فلذلك إذا فعلها عن قناعة فلا يفعلها إلا تعبداً لله؛ لأن الله شرعها، ولذلك قال عمر ﵁ عندما قبل الحجر: (أما إني لأعلم أنك حجر لا تنفع ولا تضر، ولولا أني رأيت رسول الله ﷺ يقبلك ما قبلتك). فهنا يتجرد الإنسان من طلب التعليل، ويتجرد من التعليلات العقلية، ويعلم أنه ما يفعل هذا الفعل إلا تعبداً لله تعالى تعبداً محضاً، فلا يمكن أن يعلل رمي الجمار بهذه الحجار، ولا أن يعلل الطواف بهذه الكعبة سبعاً، ولا السعي بين الصفا والمروة، فهذه أمور لا تقبل التعليل وإنما أقيمت لذكر الله ، فحكمتها هي إقامة ذكر الله كما بين ذلك رسول الله ﷺ .

стр. 865

الترتيب بين أركان الإسلام هذه هي الدعائم الإيجابية، ولا شك أنها مرتبة هذا الترتيب، فمن لم يبدأ بالشهادتين لا يمكن أن ينتفع بشيء من الدعائم دونها، ومن أتى بالشهادتين لا يمكن أن ينتفع بما سوى الصلاة، بل لابد أن يبدأ بالصلاة أولاً فإذا تجاوزها ولم يفعلها لا ينفعه ما سواها، ثم الزكاة، ثم الصيام، ثم الحج، واختلف في ترتيب الصيام والحج بناءً على اختلاف الرواية، فقد قدم الصيام في حديث جبريل، وقدم الحج في حديث ابن عمر، وحينئذ لا شك أن الترتيب في الدعائم الثلاث الأولى قطعي، فالشهادتان بهما البدء، ثم الصلاة، ثم الزكاة، أما الصيام والحج فالترتيب بينهما ظني لاختلاف الترتيب بين حديث جبريل وحديث ابن عمر. ومع الأسف نشاهد أن كثيراً من الناس يهتم ببعض هذه الدعائم ويفرط في بعض، فنجد كثيراً من الناس يسعى لاستكمال الحج وأدائه ويقصر في الصلاة، فلا نراه في المساجد، ولا نراه مقيماً للصلاة مؤدياً لها على هيئاتها، ولا نراه يسأل عن فرائضها وسننها ومندوباتها، ومع ذلك نجده في الحج متلهفاً لأدائه ويسأل عن سننه وواجباته ومندوباته. وكذلك مع الأسف فإننا نجد كثيراً من الناس يحافظ على الصيام ولكنه يقصر في الصلاة ويقصر في الزكاة، فيقفز قفزة من أركان الإسلام ويتعدى حدود الله ، والواقع أن هذه الأركان على الترتيب، فمن لم تنفعه شهادته لم يتجاوزها، ومن لم تنفعه صلاته لم بتجاوزها، ومن لم تنفعه زكاته لم يتجاوزها، ثم بعد ذلك الصيام والحج.

стр. 866

أركان الإسلام السلبية اجتناب المنهيات أما الأركان السلبية التركية فهي كبائر الإثم والفواحش، وقد قسم الله تعالى الذنوب إلى ثلاثة أقسام: كبائر، وفواحش، ولمم.

стр. 867

الفرق بين الكبائر والفواحش واللمم فالكبائر هي التي رتب الله تعالى عليها عقوبة دنيوية كالحدود والكفارات، أو رتب عليها لعناً، أو رتب عليها عذاباً أخروياً، هذا هو ضابط كبائر الإثم. وأما الفواحش فهي التي تقتضي من صاحبها رقة وازعه وجراءته على الله ، فالذي يتجرأ على الله بصغيرة فإن ذلك يصيرها فاحشة؛ لأنه إذا لم تسؤه سيئته فهو ناقص الإيمان، وذنب المؤمن كجبل فوق رأسه يخاف أن يقع عليه، وذنب المنافق كذباب نزل على أنفه فنفاه بيده هكذا، كما قال ابن مسعود. ومن هنا فإن هذه الكبائر والفواحش ذات خطر عظيم على العلاقة بالله ، فإذا تجرأ الشخص على هذه الكبائر والفواحش فقد خرق هذه العلاقة وتجرأ تجرؤاً يصعب عليه سده فيما بعد، وهذا ما بينه الرسول ﷺ ، فقد ذكر لنا مثالاً واضحاً وهو: (محجة على طرفيها سوران، وعلى أعلاها داع، وفي السورين أبواب مفتحة, وعلى الأبواب ستور، وفي كل باب داع يدعو إليه، والداعي الذي هو فوق المحجة يقول: يا عبد الله! لا تلج الباب؛ فإنك إن تلجه لم تخرج منه. فهذه المحجة هي الإسلام الذي جاء به الرسول ﷺ ، والسوران المحيطان به هما حدود الله).

стр. 868

أنواع حدود الله وحدود الله تنفسم إلى ثلاثة أقسام: حدود لا يحل تعديها، وحدود لا يحل الاقتراب منها، وحدود هي جابرة وزاجرة عما سواها. يقول الله تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوهَا﴾ [البقرة:١٨٧]، وهذه المقصود بها الفواحش والكبائر، فهي حدود الله التي لا تقرب. ويقول تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوهَا﴾ [البقرة:٢٢٩] وهذه الأمور التي حددها والحقوق التي أباحها فهي حدود الله. القسم الثالث: الحدود التي جعلها الله جابرة وزاجرة عن الوقوع فيما لا يرضيه، فهذه ثلاثة أقسام، فهذه الأبواب المفتحة في الأسوار هي بنيات الطريق وكبائر الإثم، وأبواب جهنم هي الفواحش الكبار.

стр. 869

أبواب جهنم وأبواب الجنة والدعاة إليها

стр. 870

اقتراف الكبائر دخول لأبواب جهنم ومن هنا فإن هذه المعاصي هي أبواب جهنم، وهي كبائر الإثم، ومن اجتنبها فإن ذلك يكون عوناً له على ترك ما سواها وتكفيراً له لصغائرها، كما قال تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء:٣١] , وقد عد رسول الله ﷺ منها السبع الموبقات فقال: (اجتنبوا السبع الموبقات: الشرك بالله، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل مال اليتيم، وأكل الربا، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات، والتولي من الزحف، والسحر)، فهذه هي السبع الموبقات. وذكر ﷺ كذلك أكبر الكبائر فقال: (ألا أخبركم بأكبر الكبائر -ثلاثاً-؟ الشرك بالله، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وقول الزور. وكان متكئاً فجلس فقال: ألا وشهادة الزور، ألا وقول الزور، فما زال يكررها حتى قلنا: ليته سكت!). وبيَّن ﷺ عدداً آخر من الكبائر في عدد من الأحاديث عنه.

стр. 871

سبب جعل الكبائر كبائر سبب جعل الكبائر كبائر أن تصور الإسلام لا يتم إلا بعد تصور تحريمه لهذه الأمور. من زعم أنه مسلم ولم يعلم أن الإسلام يحرم الخمر، أو يحرم الزنى، أو يحرم الخنزير، أو يحرم القتل، أو يحرم السرقة فهذا غير مسلم؛ لأنه لم يعرف ركناً من أركان الإسلام السلبية، وهذا هو الذي يسميه الفقهاء: المعلوم من الدين بالضرورة. فالمعلوم من الدين بالضرورة معناه: الذي لا يتميز الإسلام بدونه، فهذه الشرائع التي لا يعرف الإسلام بدونها ولا يتميز من أنكرها ممن ليس حديث عهد بكفر، أما من كان حديث عهد بكفر فيتسامح معه، أو كان لم يتعلم شيئاً من الدين بأن كان من الأعراب البداة ولم يبلغه كثير من شرائع الإسلام، فهو معذور بذلك، أما من عاش في مجتمع إسلامي فإنكاره للمعلوم من الدين بالضرورة يكفره، وجهله بذلك لا يعذر به، وقد عذر عمر بن الخطاب ﵁ منظور بن زبان حين تزوج بـ مليكة، وكانت زوجة أبيه فلم يعلم أن الله حرمها، فسأله عمر: هل سمع سورة النساء؟ فقال: ما سمعتها. فاستحلفه خمسين يميناً ما سمع سورة النساء، ورفع عنه الحد بذلك، وذلك أن الله يقول في سورة النساء: ﴿وَلا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنْ النِّسَاءِ إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتاً وَسَاءَ سَبِيلاً﴾ [النساء:٢٢]. وقد عذر رسول الله ﷺ بعض الناس في حداثة إيمانهم، فعذر الأعرابي الذي بال في المسجد وقال: (دعوه لا تزرموه. ثم دعاه -بعد أن أمر بذنوب من ماء فأريق على بوله- فقال: إن هذه المساجد لم تُبْنَ لهذا، وإنما بنيت لذكر الله والصلاة)، ومن هنا فإن من كان حديث عهد بكفر يعذر في المعلوم من الدين بالضرورة؛ لأنه ليس معلوماً لديه، وأما من سواه ممن عاش بين المسلمين وتعلم الإسلام فلا يعذر في جهل هذه الأمور التي هي أركان الإسلام، سواءٌ أكانت إيجابية أم سلبية، فمن لم يعرف وجوب الصلاة، أو لم يعرف وجوب الزكاة أو الحج أو الصيام، أو لم يعرف حرمة الزنى، أو لم يعرف حرمة القتل، أو لم يعرف حرمة السرقة، أو لم يعرف حرمة الخنزير فهذا ليس من المسلمين إلا إذا كان حديث عهد بكفر، ومن هنا شرع أن نعلم هذه الأركان، وأن نتدارسها، وأن نعلم ما كان معلوماً من الدين بالضرورة الذي لا يعذر به.

стр. 872

الدعاة إلى الجنة وذكر أبوابها وفي المقابل فإن أبواب الجنة هي كبار الطاعات. ففي الجنة باب اسمه الريان لا يدخل منه إلا الصائمون، وفيها باب الصلاة، وفيها باب البر والصلة، وفيها باب الصدقة. هذه أبواب الجنة، وعليها دعاة أيضاً يدعون إليها، وهم الدعاة على أبواب الجنة، دعاة يدعون إلى الصلاة؛ منهم المؤذنون، ومنهم المعلمون، ومنهم الذين يرشدون إلى المساجد، ومنهم الذين يعمرونها، ومنهم الذين يبنونها، ومنهم الذين يفرشونها إلى آخره، فهؤلاء دعاة على أبواب الجنة، وهم الذين يرشدونا إلى امتثال أوامر الله واجتناب نواهيه. هؤلاء أيضاً لهم عون من الله تعالى يعينهم به على اجتذاب قلوب عباده الذين يهديهم هذا الطريق، وفي المقابل يضع حواجز في وجوه آخرين لا يرتضي الله تعالى خدمتهم لدينه ويصدهم عنه، كما قال تعالى: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِي الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً﴾ [الأعراف:١٤٦] , وكما قال تعالى: ﴿يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ﴾ [الذاريات:٩] , وكما قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ﴾ [التوبة:٤٦] , هؤلاء لا يرتضي الله خدمتهم، فإذا سمعوا داعي الله تشاغلوا عنه بأمور قد تكون مفيدةً لهم في الظاهر، وقد لا تكون مفيدةً أصلاً، وقد يشغلهم الشيطان عنه بغفلة أو كسل أو نحو ذلك، فلا يرتضي الله تعالى خدمتهم للدين ويضع في وجوههم العراقيل والعقبات، ويصدهم عن الصراط المستقيم، نسأل الله السلامة والعافية.

стр. 873

الدعاة إلى جهنم وذكر أبوابها في جهنم: باب للزنى يدخل منه الزناة فيعذبون فيه، نعوذ بالله! وفيها باب للمخدرات والخمور، وفيها باب للعقوق وقطع الرحم. وفيها باب لترك العبادات كالصلاة وغيرها، هذه هي أبواب جهنم، نسأل الله السلامة والعافية. وهذه الأبواب عليها دعاة يدعون إليها، كل باب من أبواب جهنم يقيض له شياطين يدعون إليه حتى من المسلمين، كما قال رسول الله ﷺ لـ حذيفة حين سأله: أبعد ذلك الخير من شر؟ قال: (نعم. دعاة على أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها)، هؤلاء الدعاة الذين يدعون إلى أبواب جهنم بعضهم يدعو إلى الزنى، وبعضهم يدعو إلى شرب الخمر، وبعضهم يدعو إلى عقوق الآباء والأمهات، وبعضهم يدعو إلى قتل النفس التي حرم الله بغير حق، وبعضهم يدعو إلى السرقة، وغير ذلك. هذه هي أبواب جهنم، ومن دعا إلى إحدى هذه الكبائر كان من الدعاة على أبواب جهنم، يدعون إليها من أجابهم إليها قذفوه فيها. والغالب أن هؤلاء معهم حيل؛ لأنهم من شياطين الإنس والجن، فمعهم حيل وشباك وشراك يستهوون بها ويستغوون الناس، ومن أجابهم إليها قذفوه فيها، نسأل الله السلامة والعافية.

стр. 874

بيعة النبي ﷺ على أركان الإسلام الإيجابية والسلبية هذه الأركان بين الرسول ﷺ أنها أساس بيعته، فكان يبايع الناس عليها، فقد بايع جرير بن عبد الله البجلي ﵁ على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة والنصح لكل مسلم، وبايع كذلك النساء البيعة التي أمره الله بها في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئاً وَلا يَسْرِقْنَ وَلا يَزْنِينَ وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الممتحنة:١٢] , وهذه الآية جامعة لأركان الإسلام الإيجابية والسلبية، لكنها جاءت السلبية فيها تفصيلاً وجاءت والإيجابية إجمالاً. فالسلبية قوله: ﴿لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلا يَسْرِقْنَ وَلا يَزْنِينَ وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ﴾ [الممتحنة:١٢]. والإيجابية قوله: ﴿وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾ [الممتحنة:١٢]، فهي شاملة للشهادتين وأداء الصلاة وأداء الزكاة وأداء الصيام وأداء الحج وغير ذلك.

стр. 875

منزلة الجهاد في الإسلام ثم إن الجهاد هو ذروة سنام الإيمان، وهو معدود في أركان الإسلام لدى كثير من العلماء، وقد دل على ذلك بعض النصوص الواردة عن الرسول ﷺ . والمقصود بالجهاد بذل الجهد لإصلاح الدين، أن يبذل الإنسان جهده لإصلاح دين الله، ويشمل ذلك إصلاح دينه هو وإصلاح دين من تحت يده وإصلاح دين عموم الناس، فليبدأ أولاً بنفسه، ثم بمن تحت يده فيجاهد فيهم، ويشمل ذلك من يسمع ويطيع له من زوجة وأولاد وجيران، وهؤلاء كلهم هو مسئول عن ديانتهم وتحصين دينهم؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم:٦].

стр. 876

المقاصد التي أمرنا بالحفاظ عليها أهمها الدين ومن هنا فإن علينا أجمعين أن نستحضر هذا الشق العظيم من تكاليفنا، وأن نعلم أن التكاليف التي اختارها الله وظيفة للأنبياء هي أشرف مما سواها، ولذلك فإن المقاصد الشرعية مبنية على ست مصالح هي أصول التشريع، وهذه المصالح لابد من مراعاتها، وهي: أولاً: الحفاظ على الدين، ثم الحفاظ على النفس، ثم الحفاظ على العقل، ثم الحفاظ على المال، ثم الحفاظ على العرض، ثم الحفاظ على النسب. فهذه الستة هي أصل المقاصد، وهي الضروريات بالنسبة للإنسان، وهذه أهمها مصلحة الدين، فإذا اقتضت مصلحة الدين إهمال الحفاظ على النفس تقدم الشخص لينال الشهادة في سبيل الله، وإذا اقتضت مصلحة الدين إهمال مصلحة المال جاء الشخص يحمل ماله في سبيل الله كما فعل أبو بكر ﵁، وإذا اقتضت مصلحة الدين التجرد من العرض جاء الإنسان يقول كما قال حسان ﵁: فإن أبي ووالده وعرضي لعرض محمد منكم وقاء لساني صارم لا عيب فيه وبحري لا تكدره الدلاء وإذا اقتضت مصلحة الدين أن تهمل لها مصلحة العقل بادر الإنسان لمصلحة الدين وجعلها أعظم مما سواها، فهو يطلب الشهادة ويطلب أن تقطع أعضاؤه في سبيل الله. فمعنى ذلك أنه قد بايع الله تعالى على كل ما عنده: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمْ الْجَنَّةَ﴾ [التوبة:١١١] , وأن الوفاء بحق هذه البيعة مسئول عنه، فهذا عهد الله: ﴿وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولاً﴾ [الأحزاب:١٥] , هذا عهد الله علينا أجمعين رجالاً ونساءً، عهد الله علينا هو هذه البيعة التي أخذ علينا أو أكد علينا في كتابه وفي التوراة والإنجيل، ولا يمكن أن يتجاهلها أحد، فيوم القيامة إذا جيء بكل إنسان منا يحمل طائره في عنقه ويخرج له كتاب يلقاه منشوراً، ويأتي معه سائق وشهيد، وتأتي نفسه بما كسبت رهينة فإنه سيكون مسئولاً يوم القيامة عما قدم لنصرة دين الله. وحينئذ ينبغي أن يبلغ الشاهد الغائب، وأن نستحضر مسئوليتنا عن دين الله تعالى، وأن نعلم أن أنفسنا لو اعتدي عليها أو اعتدي على أموالنا أو بيوتنا فستثور ثائرتنا للدفاع عن أنفسنا أو عن أموالنا أو عن بيوتنا، من رأى قوماً يأتون وبأيديهم المعاول وهم يريدون هدم بيته لابد أن يبذل جهده في دفعهم عنه، أليس كذلك؟ بلى. فمن رأى دينه يهدم فلم يشارك في الدفاع عنه فإن معناه أنه قد خسر الدنيا والآخرة، خسر في صفقته، فبيته الذي هو من طين تافه سينتقل عنه اليوم أو غداً كان أهم عنده وأكبر في نفسه من دينه الذي هو قيمته وهو حظه عند الله تعالى في الدنيا والآخرة. إن هذا المثال واضح للجميع، لكن المشكلة أن كثيراً منا يتناساه فيستحضره في المسجد، ويستحضره في وقت الدروس وينساه في غير ذلك. نسأل الله أن يعيننا على رعاية ودائعه وما أودعنا من شرائعه، وأن يجعلنا من الآخذين بها.

стр. 877

وجوب المشاركة في إعلاء كلمة الله ثم بعد هذا المشاركة في إدخال الناس في دين الله، وهي وظيفة الأنبياء، فإن رسول الله ﷺ حدد وظيفته في قوله: (إنما مثلي ومثلكم كمثل رجل استوقد ناراًَ، حتى إذا أضاءت ما حوله جعل الفراش يتساقط فيها وهذه الدواب، فجعل ينفيهن بيده وهن يقتحمن فيقعن فيها، ألا وإني ممسك بحجزكم عن النار)، فوظيفة الرسول ﷺ أن يمسك بحجز الناس عن النار، وهذه الوظيفة يتجاهلها كثير من الناس، فيظن أن إسلامه هو أن يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ويقيم الصلاة ويؤتي الزكاة فقط، ويتناسى أن عليه الحق في إعلاء كلمة الله وإعزاز دينه وإدخال الناس في دين الله، وأن مسئوليته عن هذا الوجه من الدين مثل مسئوليته عن صلاته وصيامه وزكاته وحجه؛ لأن الله خاطبنا في البداية بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وأن نكف أيدينا، ثم فرض علينا بعد ذلك إعلاء كلمة الله وإدخال الناس في دينه، ولهذا قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمْ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً﴾ [النساء:٧٧]. ومن هنا فإن على المسلم أن يجعل من وقته ومما آتاه الله جزءاً كبيراً يخصصه لإعلاء كلمة الله ولنصرة دين الله ولإدخال الناس في دين الله، ولا يعذر أحد من المسلمين المنتمين للدين الذي يريدون أن ينالوا العزة بالدين في التقصير في هذا الوجه، لكن درجاتهم متفاوتة في خدمة الدين، فمنهم من يستطيع خدمته بيده، ومنهم من يستطيع خدمته بلسانه، ومنهم من يستطيع خدمته بماله، ومنهم من يستطيع خدمته بتفكيره، ومنهم من يستطيع خدمته فقط بتكثير سواد أهله بمجرد الكينونة معهم، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة:١١٩]. ولا يعذر أحد في التقصير في وجه يعلم أنه ساع به لإعلاء كلمة الله وإعزاز دينه، ومن رأى أنه بإمكانه أن يشارك في إعلاء كلمة الله بوجه فقصر في ذلك كان غير معذور يوم القيامة، وكان هذا الدين بكامله خصماً له يوم القيامة، يأتي الإسلام ويخاصمه فيقول: انتسب إلي ولم يقم بحقي.

стр. 878

الحكمة في الدعوة [١] تعتبر الدعوة إلى الله الركيزة الأولى في تثبيت دعائم الدين الإسلامي، لذا أمر الله بها الأنبياء وأتباعهم؛ إذ بدعوتهم قامت الأديان وانتشر توحيد الله في البلدان. وقد تحدث أهل العلم عن الدعوات واستقبال الناس لها على أصنافهم، وعن سبل الدعوة والحكمة فيها، سواءٌ أكانت تلك الحكمة تجاه الأشخاص أم الأوقات أم الأزمان المناسبة لها؛ فإنها ما شرعت إلا لإقامة الدين وتغيير المنكر القائم بين الناس بحكمة وروية، ووضع للأمور في مواضعها.

стр. 879

التذكير بالله والدعوة إليه ضرورة دينية بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على من بعثه ربه رحمة للعالمين، وعلى آله وأصحابه، ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين. أما بعد: فإن الله قد وصف نفسه بالدعوة، فقال في محكم كتابه: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلَى دَارِ السَّلامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [يونس:٢٥]، وقال تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة:٢٢١]. ووصف رسوله ﷺ بذلك في قوله تعالى: ﴿وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ [الأحزاب:٤٦]، وأخبر أن أحسن الأقوال وأرضاها عند الله : الدعوة إلى الله، وذلك كما في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت:٣٣]. وأمر رسوله ﷺ أن يخبر عن نفسه وأتباعه بأن سبيلهم الدعوة إلى الله، قال تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف:١٠٨]. وهذه الدعوة ضرورة من ضرورات البشرية، فكما يحتاج البشر إلى الماء والغذاء والهواء، فإنهم يحتاجون كذلك إلى تغذية قلوبهم، فهذه القلوب إذا لم تتغذ ماتت، وموتها أشد من موت الأبدان؛ لأنه مقتض لغفلتها وإعراضها عن الله ، فتتردى حتى تكون كالبهائم، أو ربما زادت عن ذلك، كما قال تعالى: ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾ [الفرقان:٤٤]، ولا يستغني عنها أحد، والله تعالى يخاطب رسوله ﷺ في كتابه بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ﴾ [الأحزاب:١]، ويخاطب رسله عليهم الصلاة السلام بذلك أجمعين فيقول: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾ [المؤمنون:٥١]، ويخاطب عباده المؤمنين بذلك، كما ثبت عن رسول الله ﷺ أنه قال: (إن الله أمر عباده المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾ [المؤمنون:٥١]، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة:١٧٢])، وكل ذلك دعوة من الله ، ولا يمكن أن يستغني عنها البشر، فالإنسان يعيش في ظلمات الجاهلية في هذه الأرض، وكل ما فيها فتن تغويه وتصده عن سبيل الحق، وهو بمثابة من ادهن بالزيت، ثم رمى نفسه في التنور، ففتن الدنيا كذلك تحيط به من كل جانب، وأعراضها تتداول عليه وتتناوب، فإذا نجا من عرض لم ينج من غيره، كما بين الرسول ﷺ ذلك: حين خط خطاً مربعاً وخط خطاً في وسطه خارجاً منه، وخط خطاً معترضاً في الوسط، وخط خطوطاً صغيرة في الطرفين، ثم قال: (هذا الإنسان، وهذا أجله، وهذا عمله، وهذه الأعراض تصيبه، وأمله أطول من أجله). ومن هنا فإن على الإنسان أن يحاول أن يعتبر ويتذكر، وأن لا يغفل عن الله ما استطاع إلى ذلك سبيلاً، وليعلم أنه إن غفل ساعة عن الله دعاه ذلك إلى الغفلة ساعات، وإذا قسا قلبه يوماً واحداً فليداو هذه القسوة، وإلا فسوف تتراكم فيه القسوات وستزداد، ويصعب عليه حينئذ علاج قلبه بعد ما يتمكن منه المرض. ومن هنا شرع الشارع لنا الموعظة الأسبوعية في كل جمعة، ويراد بها أن ترق القلوب وتهفوا إلى بارئها ديان السماوات والأرض، وإذا لم يستطع الإنسان أن يجري دمعتيه من خشية الله في الأسبوع، فإنه سيزداد ذلك صعوبة في الأسبوع الذي يليه، ثم يزداد ذلك في الأسبوع الذي يليه، ومن هنا فإن من تخلف عن صلاة الجمعة ثلاث جمع على التوالي ختم على قلبه بطابع النفاق. من أجل هذا كان من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: (رجلٌ ذكر الله خالياً ففاضت عيناه)، ومن هنا كانت هذه الدعوة ضرورة من ضرورات البشرية، ولا يمكن أن يستغني عنها الناس، وإذا ظن بعض الناس أنه ربما استغنى عنها فهذا دليل على موت قلبه وأنه لم يعد يحس بما هو فيه، فقد تراكمت عليه الأمراض وتكاثرت حتى لم يعد يقدر هذه الأمراض ولا يستطيع الخلاص منها، ونسأل الله السلامة والعافية.

стр. 880

تذكر النبي الدائم لربه جل وعلا إن أعرف الناس بالله أحوجهم إلى التذكير به، فهذا ﷺ سيد ولد آدم وأكرم الخلق على الله ينادي عبد الله بن مسعود فيقول: (يا عبد الله! اقرأ عليَّ القرآن فيقول: كيف أقرأه عليك وعليك أنزل؟! فيقول: إني أحب أن أسمعه من غيري، قال ابن مسعود: فقرأت عليه سورة النساء حتى بلغت قول الله تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا * يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الأَرْضُ وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ [النساء:٤١ - ٤٢] قال: حسبك فنظرت فإذا عيناه تهملان). وكان رسول الله ﷺ أشد الناس اتعاظاً بآيات الله، فكان إذا رأى المطر مقبلاً أخذه الخروج والدخول والرعب، فقيل له في ذلك فقال: (خشيت أن أكون كأصحاب هود الذين قالوا: ﴿هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ * تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ [الأحقاف:٢٥])، فهذا من شدة خوفه لله وخشيته له، ولذلك ثبت في الصحيحين من حديث عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: (أنا أخوفكم لله وأتقاكم لله)، فكان رسول الله ﷺ لا يأمن مكر الله، ويحب التذكير بالله ، فقد ثبت عنه: (أن أعرابياً جاء فوقف في المسجد فأثنى على الله فأبلغ الثناء، فخرج رسول الله ﷺ مسرعاً إلى بيته فجاء بتبرٍ -أي: قطعة من الذهب- فقال: خذ هذا بحسن ثنائك على ربك)، فكان يحب أن يثنى على الله .
следующие страницы →