Полный текст (1 083 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
شرح حديث: (ما صليت وراء إمام قط أخف صلاة)
قال المصنف ﵀: [عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: (ما صليت وراء إمام قط أخف صلاة ولا أتم صلاة من رسول الله ﷺ رواه البخاري.
وعن أبي قلابة عبد الله بن زيد الجرمي البصري قال: جاءنا مالك بن الحويرث في مسجدنا هذا فقال: إني لأُصلي بكم وما أريد الصلاة، أصلي كيف رأيت رسول الله ﷺ يصلي، فقلت لـ أبي قلابة: كيف كان يصلي؟ قال: مثل صلاة شيخنا هذا، وكان يجلس إذا رفع رأسه من السجود قبل أن ينهض، أراد بشيخهم أبا بريد عمرو بن سلمة الجرمي، ويقال: أبو يزيد.
وعن عبد الله بن مالك بن بحينة ﵁: (أن النبي ﷺ كان إذا صلى فرج بين يديه حتى يبدو بياض إبطيه) ] .
стр. 247
الاطمئنان في الصلاة والتوسط فيها هو السنة
في الحديث الأول: عن أنس ﵁ ذكر أن صلاة النبي ﷺ كانت خفيفة تامة، وأنه ما صلى خلف إمام أخف ولا أتم صلاة من النبي ﷺ ؛ وذلك لأن أنساً ﵁ صلى خلفه عشر سنين؛ لأنه كان يخدمه فكان ملازماً له في السفر وفي الحضر، وهذه المدة لا شك أن لها أثراً في معرفة صلاة النبي ﷺ ، ثم صلى بعده خلف بعض الأئمة كالخلفاء، وكذلك أئمة في البصرة؛ لأن أنساً انتقل إلى البصرة واستوطنها حتى توفي بها.
فيذكر أن الذين صلى خلفهم لم تكن صلاتهم مثل صلاة النبي ﷺ في الخفة والتمام، والحاصل أنه يفيد أنها تامة وكذلك خفيفة، تمامها: أنه يتم الأركان، فيتم الركوع والسجود ويطمئن فيها اطمئناناً كاملاً، ويأتي فيها بالأذكار التامة.
وثبت في حديث عن أنس نفسه ﵁: أنه صلى خلف عمر بن عبد العزيز عندما كان أميراً على المدينة، يقول: شهدت لـ عمر بأنه كان أشبه صلاة برسول الله ﷺ ، فحسب تسبيحاته في الركوع والسجود عشراً عشراً، أي: أنه إذا ركع سبح عشراً بقوله: سبحان ربي العظيم، وإذا سجد سبح عشراً بقوله: سبحان ربي الأعلى، فهذا هو التمام.
قوله: (أتم) : التمام كونه يأتي بها باطمئنان، ووجد بعده من يطيل في القراءة ويخفف في الركوع وفي السجود، أو يطيل في الجميع إطالة مملة، أو نحو ذلك، فأنكر عليهم أنس وقال: خففوا وأتموا لا تنقروها نقراً فتكونوا مخالفين للطمأنينة، ولا تطيلوها إطالة طويلة فتكونوا منفرين، بل استعملوا الوسط الذي هو التمام، والتخفيف الذي ليس بمنفر.
وقد تقدم أن بعض النقارين استدل بحديث معاذ في النهي عن الإطالة على النقر، فيقال: ليس الأمر مع هؤلاء النقارين الذين ينقرون الصلاة نقراً، ولا مع أولئك المنفرين الذين يمكث أحدهم في الصلاة ساعة أو أكثر فيكون بذلك منفراً، بل الوسط هو خير الأمور.
стр. 248
شرح حديث مالك بن الحويرث في صفة الصلاة
وفي الحديث الثاني حديث أبي قلابة ذكر أن مالك بن الحويرث جاءهم في مسجدهم وصلى بهم ولم يكن قصده أن يصلي في ذلك الوقت، ولكن قصده أن يعلمهم صلاة النبي ﷺ وسنته التي تلقاها عنه ﷺ .
وكان مالك بن الحويرث ممن تأخر إسلامه، وقد وفد إلى النبي ﷺ في السنة العاشرة، أي: في آخر حياته ﷺ ، وكان من أهل البحرين أي: من أهل الشرق في ذلك الوقت، وكانوا يأتون من أماكن بعيدة، ويبذلون جهداً كبيراً، ويقطعون مسافة طويلة في زمن طويل.
يقول مالك بن الحويرث: (إننا أتينا النبي ﷺ فأقمنا عنده عشرين يوماً، فلما رأى أنا قد اشتقنا إلى أهلنا، قال: لو رجعتم إلى أهليكم وعلمتموهم ما تعلمتم، وقال لهم: إذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم، وليؤمكم أكبركم) ، وأمرهم بقوله: (صلوا كما رأيتموني أصلي) .
فأخبرهم بأن عليهم أن يقتدوا به في هذه الصلاة التي تلقوها بالفعل، وكذلك تعلموا بقية الأحكام بالقول، فأمرهم بهذه الحال بأن يقتدوا به.
فجاء ابن الحويرث إلى مسجد أبي قلابة وبين لهم الصلاة فصلى بهم، ثم إن الذين رووا عن أبي قلابة سألوه: عن كيفية صلاة مالك بن الحويرث؟ فأخبرهم بأنه يصلي بهم كما يصلي بهم شيخهم في ذلك الوقت، والشيخ يراد به الطاعن في السن، هذا هو الشيخ في اللغة، وليس المراد به العالم، فأطلق عليه شيخاً لكونه كبير السن.
وأبو بريد عمرو بن سلمة هذا هو أبو بريد عمرو بن سلمة الجرمي، وكان قد أسلم في عهد النبي ﷺ ، ولكن لم يره ولم تثبت صحبته لكونه صغيراً.
ذكر أنه كان في صغره يتلقى الركبان ويتعلم منهم القرآن الذي تعلموه فحفظ قرآناً أكثر من غيره، فلما جاء وفدهم من عند النبي ﷺ ، وقالوا: (إنه يقول: يؤمكم أقرؤكم أو أكثركم قرآناً) لم يجدوا أكثر من أبو بريد عمرو بن سلمة، فقدموه إماماً لهم مع صغر سنه، وقد ذكر في بعض الروايات أنه كان صغير السن ولكنه كان أكثرهم قرآناً فقدموه، ثم ذكر أنه ما صحب قوماً بعدهم إلا صار إماماً لهم، فكل من صحبوه قدموه ورضوا بإمامته.
فكان يصلي في المسجد الذي فيه أبو قلابة، وأبو قلابة تلميذ لـ أنس وتلميذ للصحابة، وهو من الأجلاء التابعين.
стр. 249
جلسة الاستراحة وخلاف العلماء في مشروعيتها
فالحاصل أنه ذكر أن أبو بريد عمرو بن سلمة كان إذا نهض من السجدة الثانية ليقوم إلى الركعة الثانية جلس قبل أن ينهض، فلم ينهض حتى يستوي جالساً، هكذا كان يفعل شيخهم الذي هو أبو بريد عمرو بن سلمة، فاستدلوا بهذا على مشروعية هذه الجلسة، وسموها جلسة الاستراحة.
وقد اختلفوا في مشروعيتها: هل تشرع جلسة الاستراحة التي فعلها أبو بريد عمرو بن سلمة أم لا؟ وهل أبو بريد عمرو بن سلمة تلقاها عن أحد أو فعلها استحساناً؟ وهل إقرار أبي قلابة أو تشبيه أبي قلابة لصلاته بصلاة مالك بن الحويرث في جميع الصلاة كلها حتى هذه الجلسة، أو في معظم الصلاة وفي حسنها وفي طولها وفي قصرها وما أشبه ذلك؟ الأقرب أن أبا قلابة يقول: إن صلاة أبو بريد عمرو بن سلمة أقرب إلى صلاة مالك بن الحويرث وأشبه بها في كونه يطمئن، وفي كونه يتم الركوع والسجود، وفي كونه يقرأ كما يقرأ، وفي كونه يخشع فيها، ويمكن أنه لم يذكر أن من فعله هذه الجلسة وإنما ذكرها الذي روى عن أبي قلابة يعني: نقل عن أبو بريد عمرو بن سلمة أنه كان يجلس هذه الجلسة، فبعض العلماء ذهب إلى استحباب جلسة الاستراحة كالشافعية، ورأوا أنها من سنن الصلاة، فإذا قام من الركعة الأولى قبل أن ينهض جلس ثم قام، وإذا قام من الركعة الثالثة قبل أن ينهض جلس ثم قام.
وأكثر الأئمة لم يستحبوها ورأوا أنها ليست مستحبة ولا مشروعة، وقالوا: إنها لم تذكر في الأحاديث، وإن الأحاديث كثيرة والسنة التي فيها صفة صلاة النبي ﷺ لم تذكر فيها هذه الجلسة، فدل على أن أبو بريد عمرو بن سلمة ما فعلها عن دليل وإنما فعلها عن كبر؛ لأنه كان قد طعن في السن، ففعلها لأجل أن يرتاح قبل أن ينهض، فكان هذا هو السبب في فعله لها.
وعلى هذا: لا تكون من سنن الصلاة.
وبعض العلماء قال: لما شبه أبو قلابة شبه صلاة أبو بريد عمرو بن سلمة بصلاة مالك ومالك صحابي فإنا نثبتها كما أثبتها، ولكن نقول: لعلها خاصة لكبير السن، أو بمن احتاج إليها لضعف أو نحو ذلك، فهي لمن كان كبير السن كحال عمرو بن سلمة أو لمن هو مريض يشق عليه أن ينهض من السجود سريعاً.
وإلا فالثابت المتواتر في صفة صلاة النبي ﷺ أنه لم يكن يجلس، بل كان إذا قام من السجدة الثانية نهض واعتمد على ركبتيه، واستتم قائماً، هذا هو المعتاد.
فإذاً عرفنا أن فيها ثلاثة أقوال: قول الشافعية أنها تستحب؛ لأجل فعل أبو بريد عمرو بن سلمة.
وأكثر الأئمة لم يستحبوها.
وتوسط آخرون وقالوا: يفعلها من هو عاجز لكبر أو مرض، ومن ليس كذلك لا يفعلها.
وهذا هو القول الوسط الذي جمعوا به بين القولين.
стр. 250
شرح حديث عبد الله بن مالك بن بحينة في صفة السجود
стр. 251
عظمة السجود والدليل على أهميته
أما الحديث الثالث ففيه صفة سجود النبي ﷺ ، ولا شك أن السجود في الصلاة ركن من أركان الصلاة، وأنه أهم أركانها، ومن أهميته أنه يكرر، ففي كل ركعة يأتي بسجودين، مع أنه لا يأتي إلا بركوع واحدة، فلماذا يكرر السجود؟ لأهميته ولفضله.
وقد ورد التعبد بالسجود وحده، مما يدل على أنه أفضل، وذلك كسجود التلاوة وسجود الشكر، سجدة واحدة يسجد فيها من غير أن يسبقها تحريم ولا ركوع ولا غير ذلك.
كذلك أيضاً جعل السجود جابراً للصلاة كما في سجود السهو مما يدل على أهمية السجود.
وورد أيضاً قوله ﷺ : (أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد) وأمر في السجود أن يُكثر فيه من الدعاء كما في قوله ﷺ : (إني نهيت أن أقرأ القرآن راكعاً أو ساجداً، فأما الركوع فعظموا فيها الرب، وأما السجود فأكثروا من الدعاء فقمن أن يستجاب لكم) أي: حريٌ أن يستجاب إذا دعوتم الله في حالة السجود؛ وذلك لأنكم في تلك الحالة متواضعون، فالعبد غاية تواضعه إذا وضع وجهه على الأرض؛ وذلك لأن وجه الإنسان هو أشرف أعضائه، وهو أرفعها، وهو مجمع حواسه، فإذا تواضع ووضع وجهه على الأرض كان ذلك غاية التواضع وغاية التعبد.
ولأجل ذلك ورد في صيغة السجود ما يحقق كمال الخشوع، وكمال الذل، فمنها: أنه يسجد على سبعة أعضاء، ويمكن هذه الأعضاء من الأرض.
ومنها: أنه يرفع ذراعيه، وتقدم أنه ﵊ كان يرفع ذراعيه عن الأرض، ونهى أن يبسط الرجل ذراعيه في السجود كانبساط الكلب.
ومنها: أنه كان ﵊ يتجافى في السجود، فكان ينصب رجليه ويسجد على بطون أصابعه، وكان يرفع فخذيه عن ساقيه، ويجافي بطنه عن فخذيه، ويجافي عضديه عن جنبه حتى يبدو بياض إبطيه، لأنه أحياناً لا يكون عليه إلا رداء، فإذا فرج يديه ظهر إبطه من وراء الرداء، فظهر بياض إبطيه من تفريجه ومن شدة مجافاته يديه عن جنبيه.
وهذه الصفة هي الصفة المتميزة بالاعتدال، يعني: أنها الوسط.
стр. 252
الهيئة الصحيحة للسجود وبيان أخطاء المصلين فيه
فهذه المجافاة يفعلها بقدر استطاعته، فإذا كان إماماً تمكن من التجافي فيجافي عضديه عن جنبه، أما إذا كان مأموماً، فالغالب أنه لا يتمكن تمكناً زائداً؛ وذلك لأن المأمومين يصف بعضهم بجانب بعض، ويؤمرون بأن يتراصوا ولا يتركوا بينهم خللاً، فلا يتمكن كل منهم في السجود من المجافاة الكثيرة، بل يتجافون بقدر ما يستطيعون، فكل منهم يجافي عضديه عن جنبيه بقدر استطاعته سواء قلت المجافاة أو كثرت.
أما بالنسبة لمجافاة البطن عن الفخذين، والفخذين عن الساقين فإنها تكون متوسطة، وقد وصفت في بعض الروايات: بأن ينصب فخذيه، أي: أن تكون فخذاه منتصبة يعني: قائمة، فيعتمد على ركبتيه، ويكون فخذه شبه مرتفع أي: قائم، فلا يميل إلى جهة الساق ولا يميل إلى جهة الأرض، فإن في ميله إلى جهة الأرض شيئاً من المشقة والصعوبة عليه، وفي ميله إلى جهة الساق شيئاً من الكسل أو نحو ذلك.
فنرى أن بعض الناس إذا سجد أبعد موضع جبهته بعداً زائداً كمتر أو نحوه! ففي ذلك شيء من المشقة، حيث يشق على نفسه حتى ربما تجاوز الفراش الذي يصلي عليه، أو سجد على الفراش الثاني وربما ضايق الصف الذي أمامه إذا كان هو في الصف الثاني ونحو ذلك.
ونرى آخرين يسجد أحدهم بين ركبتيه! فيجعل رأسه أو وجهه أو ذقنه قرب ركبتيه فلا تحصل بذلك مجافاة.
والوسط هو المشروع، فإذا جعلت بين رأسك وبين ركبتك قدر نصف متر أو نحو ذلك كان فيه شيء من الاعتدال، وليس فيه شيء من المشقة، هذا هو التفريج الذي ذكر في هذه الأحاديث.
стр. 253
شرح حديث الصلاة بالنعال
قال المصنف ﵀: [عن أبي مسلمة سعيد بن يزيد قال: سألت أنس بن مالك ﵁: (أكان النبي ﷺ يصلي في نعليه؟ قال: نعم) .
وعن أبي قتادة الأنصاري ﵁: (أن رسول الله ﷺ كان يصلي وهو حامل أمامة بنت زينب بنت رسول الله ﷺ لـ أبي العاص بن الربيع بن عبد شمس فإذا سجد وضعها، وإذا قام حملها) .
وعن أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ قال: (اعتدلوا في السجود ولا يبسط أحدكم ذراعيه انبساط الكلب) ] .
هذه من أحاديث صفة الصلاة، فصفة الصلاة -كما عرفنا- متلقاة عن النبي ﷺ من قوله ومن فعله، وأكثرها أخذت من أفعاله، حيث إنه القدوة ﵊، وقد قال: (صلوا كما رأيتموني أصلي) والله يقول: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب:٢١] ، وقال: ﴿وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر:٧] .
стр. 254
صفة النعال في العهد النبوي
فمن ذلك الصلاة في النعلين، كان ﵊ يصلي في نعليه، وكانت النعال في عهده من جلود الإبل، وكانوا يقطعونها بأيديهم، يعني: يخرزها الخراز، فيقطع على قدر القدم، ويجعلها -مثلاً- ثلاثة أطباق أو أربعة، ثم يجعل فيها سيوراً في حافاتها وفي وسطها تمسك بعضها ببعض، ويجعل لها شسعاً وشراكاً.
والشسع: هو السير الذي يمسك النعل من الخلف فوق العقب، والشراك: هو الذي يمسك النعل فوق الأخمص وبين الأصبعين، ويربط فوق الأخمص الذي هو وسط القدم، والمنخفض من القدم، ويحتاجون إلى شدها بتلك السيور وإحكامها وعقدها من خلف القدم وفوق الأخمص، فإذا لبسها فمن المشقة عليه أن يخلعها؛ فلأجل ذلك كان يصلي بها، وكان يدخل بها المجالس، ويجلس بها وكذلك صحابته كانوا يصلون بالنعال؛ وما ذاك إلا لأنه يصعب لبسها ويصعب خلعها في كل حين، لما ذكرنا من أنها تحتاج إلى ربط وعقد فوق الأخمص، وكذلك فوق العقب بتلك السيور التي من أسمائها الشراك والشسع، فلأجل ذلك رأى أن من الأسهل عليهم الصلاة فيها.
стр. 255
مشروعية الصلاة بالنعال وشروط ذلك
ثم اشترط لذلك شرطاً وهو تفقدها عن الأذى، ففي بعض الأحاديث أنه ﵊ قال: (إذا أتى أحدكم إلى المسجد فليقلب نعليه، فإن رأى فيهما أذىً أو قذراً فليمسحه وليصلِّ فيهما) فأمر بتفقدهما، بأن يقلبها وأن ينظر فيها وأن يتحقق من نظافتها ومن نزاهتها، ثم بعد ذلك له أن يصلي فيها.
كذلك ثبت أيضاً أنه ﷺ أباح الصلاة فيها، أو أمر بذلك مخالفة لليهود، فقال: (إن اليهود لا يصلون في نعالهم فخالفوهم) ، أي: فصلوا في نعالكم مخالفة لهم، فجعل ذلك مقصداً من مقاصد الشريعة.
وكان اليهود يتشددون في أمرها، فيخلعونها ولو كان في خلعها صعوبة، ولو كان أيضاً في لبسها شيء من الصعوبة ومن الثقل، فلذلك أمر بمخالفتهم، وأمر بأن يصلى فيها؛ وكل ذلك لأجل المشقة التي ذكرنا في خلعها وفي تجديد لبسها وما أشبه ذلك.
стр. 256
حكم لبس النعال قائماً
وقد ورد في حديث أيضاً: (أنه ﷺ نهى أن ينتعل الرجل وهو قائم) أي: أن يلبس نعليه وهو قائم؛ ولعل السبب في ذلك صعوبة اللبس؛ لأنها تحتاج إلى أن يشدها فوق الأخمص وفوق العقب، ويربط تلك السيور وتلك الخيوط فيتكلف إذا لبسها وهو قائم، فلذلك أمر بأن يلبسها وهو جالس حتى لا يتكلف ولا يشق عليه، هذه هي الحكمة في ذلك.
ذكرنا أن هذا خاص بأحذيتهم الموجودة عندهم، أما أحذيتنا هذه الموجودة فإن خلعها وكذلك لبسها ليس فيه شيء من الصعوبة، بحيث يمكن أن يخلعها وهو قائم ويلبسها وهو قائم، ويمسك شراكها المقدم بأصابعه ولا تسقط منه، فلأجل ذلك قالوا: لو خلعها وهو في هذه الحال فلا إثم.
ولو صلى بغيرها فلا إثم، ورأوا أيضاً أن كثيراً من الناس يتساهلون في تفقد الأحذية عند دخولهم المساجد، ورأوا أيضاً أن المساجد فرشت بهذه الفرش، وأنها تتلوث بذلك الغبار الذي تحمله الأحذية، وكذلك ما تحمله من الرطوبة ونحوها فقالوا: لا بأس والحال هذه أن يخلعها عند الأبواب وأن لا يصلي فيها.
وبكل حال فلا ينكر على من صلى في نعليه، بل إن ذلك من السنة، بشرط أن يتفقد نعليه، وأن يتأكد من نظافتهما، ولا يشدد في طلب الخلع، ولا يقال: إن من دخل المسجد بنعليه مع نظافتهما إنه فاجر وإنه عاص وإنه وإنه، ما دام لم يفصل النبي ﷺ ولم يقل: لا تلبسوها في البيوت المفروشة أو نحوها.
فبكل حال لا ينكر على من خلعها؛ لأنا رأينا أن الناس يتساهلون في تفقدها، وكذلك لا ينكر على من لبسها وصلى بها لما ورد من الأحاديث، وذلك بعد أن يتأكد من صحتها ونظافتها.
стр. 257
اختلاف الناس في شأن النعال
والناس في أمر الأحذية: منهم من يتساهل كثيراً فيدخلون المساجد والبيوت بأحذية ملوثة ودنسة وسخة ولا يتفقدونها، فيحصل بذلك القذر والأذى والتلويث، وربما حمل النجاسات ونحوها.
ومنهم من يتشدد وهو الغالب الكثير، وتشدد هؤلاء لا شك أنه تقليد لليهود كما ذكر في الحديث: (إن اليهود لا يصلون في نعالهم فخالفوهم) ، فجاء هؤلاء واستقبحوا هذه الأحذية، واستقذروها واستنقصوا من يدخل المساجد بها، ومن يجعلها أمامه ولو مقلوبة، ورأوا أن الحذاء أقذر الأشياء، ورأوا عيباً كثيراً على من يدخله أي مجلس ولو كان نظيفاً أو نحو ذلك.
وصاروا يضربون المثل بالحذاء ودنسه ووساخته فيقولون: فلان لا يساوي أحذيته أو مواطئ النعال، أو ما أشبه ذلك تحقيراً له وازدراء به.
نقول: هذا التشدد لا ينبغي، بل الحذاء إذا كانت نظيفة فلا مانع من دخول المساجد بها والمرور فيها بشرط التنظيف ونحو ذلك.
وإنما جعلت عند الأماكن وعند الأبواب ونحو ذلك لما رئي من التساهل من بعض الناس أو كثير منهم في تفقد نظافتها.
ففي هذا الحديث أنه ﵇ كان يصلي في نعليه قياماً وقعوداً وركوعاً وسجوداً، وحدث مرة أنه خلع نعليه في الصلاة فخلع الصحابة نعالهم، فأخبرهم بأن جبريل أخبره بأن فيها قذراً أو أذى فخلعها، فدل على أنه إذا صار فيها شيء من القذر فإنه يخلعها، ويستمر في صلاته، هذا ما يتعلق بصلاته بالنعال.
стр. 258
شرح حديث: (أن النبي ﷺ كان يصلي وهو حامل أمامة)
هذا الحديث يتعلق بشيء من العمل في الصلاة، روى أبو قتادة هذا الحديث وذكر فيه: أن المسلمين بينما هم ينتظرون النبي ﷺ لإقامة الصلاة خرج عليهم وقد حمل هذه الطفلة على كتفه، وهي طفلة هو جدها، واسمها أمامة، وأمها زينب بنت النبي ﷺ ، وأبوها: أبو العاص بن الربيع بن عبد شمس وهو أول من صاهر النبي ﷺ ، فهو زوج زينب بنته تزوجها بمكة، ولم يسلم مع من أسلم، فإن صهره عثمان ﵁ أسلم في أول الأمر، وأما أبو العاص فبقي على دين قومه، وخرج معهم لما خرجوا في غزوة بدر وأسره المسلمون، أو ساقوه وقدموا به المدينة وهو مع الأسرى، وأرسلت زينب بنت النبي ﷺ قلادة من ذهب أو من خرز ورثتها عن أمها خديجة، فأرسلتها في فداء زوجها، فمنّ عليه النبي ﷺ ، واشترط عليه أن يبعث إليه زينب فبعث بها.
وبقيت عند النبي ﷺ إلى أن أسلم أبو العاص فردها عليه، وماتت في حياة النبي صلى الله علي وسلم.
والحاصل أنه كان لها هذه الابنة التي هي أمامة (وعندما جاءت أمها من مكة مهاجرة كانت طفلة، وكان ﵊ يلين مع الأطفال، ويحملهم، ويقبلهم، ولا سيما من له صلة وقرابة، وذلك دليل على كمال شفقته وكمال رقة قلبه مع الأطفال.
وقد ثبت أنه ﷺ قبل الحسن بن علي فقال له الأقرع: (إن لي عشرة من الولد ما قبلت منهم أحداً! فقال: من لا يَرحم لا يُرحم أو قال: أوأملك أن نزع الله من قلبك الرحمة) .
стр. 259
الفوائد المستنبطة من حديث حمله ﷺ لأمامة وهو يصلي
فمن رحمته ومن شفقته على هذه الطفلة أن تقدم وهو يحملها على كتفه، وسوى الصفوف وهو يحملها، وكبر تكبيرة الإحرام وهي على كتفه، وقرأ حتى أراد أن يركع فوضعها على الأرض، فركع وسجد وهي على الأرض، ولما قام للركعة الثانية قام بها وحملها معه، واستمر حاملاً لها إلى أن ركع فوضعها، فإذا قام حملها وإذا سجد أو ركع وضعها.
لا شك أن هذا شيء من العمل، ولكنه عمل يسير فيتسامح به، فاستفاد العلماء من ذلك: أولاً: شفقة النبي ﷺ ، ورقته ورحمته بالأطفال والصغار.
ثانياً: جواز حمل الصبي إذا كانت ثيابه وبدنه طاهرة، ولا شك أنه تأكد من طهارة ثيابها ومن طهارة بدنها؛ لأنه لا يجوز حمل شيء فيه نجاسة في الصلاة، بل لا يحمل النجاسة حتى ولو كانت في قارورة أو في خرقة في جيبه أو نحو ذلك.
أما إذا كانت طاهرة فلا بأس، فهذه لا بد أنه تأكد من نظافتها، ومعلوم أن الطفل لا يملك أن يحدث أو مثل ذلك، فحدث الطفل الذي ينقض الوضوء لا يبطل بذلك صلاة من يحمله، فلذلك حملها والحال هذه.
ثالثاً: إباحة العمل اليسير في الصلاة، وعمله هنا أنه إذا أراد أن يقوم حملها، وقام وهو حامل لها، وإذا أراد أن يركع وضعها على الأرض بيديه أو بيده، هذا أيضاً شيء من الشغل، وشيء من العمل، فمثل هذا العمل اليسير يتسامح فيه، ويعرف منه أنه لا ينافي الخشوع في الصلاة، وليس في هذه الحركة ما يبطل الصلاة.
стр. 260
الحركة الكثيرة مبطلة للصلاة بخلاف الحركة اليسيرة
الحركة المبطلة للصلاة هي الكثيرة المتوالية، كأن يمشي خطوات متوالية لغير حاجة، وكأن يكثر من الالتفات، وكأن يكثر من العمل بيديه في تسوية عمامته، أو تسوية عباءته، أو تسوية شعر رأسه ولفه، أو كثرة حركته بيديه أو تشبيك أصابعه وإدخال بعضها ببعض، أو فرقعتها أي: ليها حتى تصوت، أو كثرة مراوحة رجليه برفع قدم أو وضع قدم، أو شغله مثلاً بشيء يشغل قلبه ككثير من الناس عندما ينظر إلى ساعته التي في ذراعه مثلاً، أو يحرك شيئاً من ثيابه أو من بدنه أو ما أشبه ذلك، لا شك أن كثرة الحركة تبطل الصلاة إذا توالت.
ثبت أن حذيفة ﵁ رأى رجلاً يكثر الحركة، فقال: منذ كم تصلي؟ قال: منذ أربعين سنة، فقال له: (لو مت مت على غير الفطرة) وفي حديث أنه ﵇ رأى رجلاً كثير الحركة فقال: (لو خشع قلب هذا لسكنت جوارحه) .
فأما الحركة اليسيرة مثل هذه الحركة فلا تنافي الصلاة، فقد ثبت أنه ﵊ في صلاة النفل إذا طرقت عائشة الباب تقدم وفتح الباب لها، يعني: خطوة أو نصف خطوة ومد بيده، وفتح الباب لها، هذا أيضاً عمل يسير.
وثبت أيضاً أنه ﵇ كان مرة يصلي وقد بعث أحد أصحابه يلتمس خبراً، فجعل يلتفت إلى ذلك الشعب الذي بعثه إليه، وينظر هل جاء؟ فمثل هذا الالتفات اليسير لا يبطل الصلاة.
стр. 261
الأسباب التي يحصل بها حضور القلب
وكذلك المصلي مأمور بأن يأتي بالأسباب التي يحصل بها حضور القلب والخشوع في صلاته، وذلك بكثرة الذكر والقراءة وتأمل ما يقول، وكذلك أيضاً بتقليل الحركة وبسكون الأعضاء.
فأمر المصلي بأن يجعل يديه على صدره، فيمسك إحداهما بالأخرى، ويضعهما على صدره حتى يسكن حركته، ويصف قدميه ولا يراوح بينهما إلا لضرورة.
وأمر أيضاً بأن ينظر إلى موضع سجوده؛ ليكون ذلك أجمع لقلبه حتى لا يتشتت عليه إذا رفع بصره، ونهي عن رفع البصر، وعن النظر إلى السماء، حتى هدد على ذلك بقوله ﷺ : (لينتهين أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء أو لتخطفن) ، وفي رواية: (أو لا ترجع إليهم أبصارهم) .
وذلك كله محافظة على أسباب حضور القلب، وعلى الخشوع في الصلاة.
стр. 262
وضع اليدين على الصدر حال القيام من سنن الصلاة
من سنن الصلاة قبض اليد اليسرى باليد اليمنى ووضعهما على الصدر أو على البطن، فهذا من السنن وليس من الواجب؛ والدليل على أنه يجوز تركه ما كما في هذه القصة.
ومعلوم أن الذي يحمل شيئاً ثقيلاً كحمل الطفل أو نحو ذلك، أنه غالباً يحمله بيد، فاليد الأخرى لا يمكنه أن يقبضها، فدل على أن قبض اليدين ووضعهما على البطن من السنن، وتسقط إذا اشتغل الإنسان بمثل هذا، أو إذا لم يتيسر له ذلك لبعض الأسباب، هذا عند الجمهور.
والمذهب المالكي أنه لا يسن، فتجد المالكية يسبلون أيديهم في صلاتهم: يدلون أيديهم، ولا يرفعونها ولا يقبضونها، ويزعمون أن ذلك هو مذهب مالك.
وقد ذكر العلماء أن مالكاً ﵀ لم يكن يقبض يديه لعذر، لا أن ذلك من السنة، وذلك لمرض في يديه؛ لأنه لما أوذي وضرب بأمر بعض الخلفاء كانت الضربات في عضديه وفي يديه وفي ذراعيه وتأثر منها، هذا هو الظاهر، فرأى أن الأيسر والأسهل عليه أن يدلي يديه ويسبلهما في حالة الوقوف بعد الرفع من الركوع.
فأخذ ذلك بعض أصحابه وجعلوا ذلك سنة له، واقتدوا به في ذلك، هكذا اعتذر بعضهم، وإلا فقد ثبت في الحديث الذي في الموطأ نفسه أنه نقل: (أن النبي ﷺ كان يقبض يده اليسرى بيده اليمنى) ، ولا يليق أن يروي ذلك ويترك العمل به.
فعلى كل حال هذا من سنن الصلاة، أو من صفات الصلاة.
стр. 263
شرح عمدة الأحكام [١٤]
حديث المسيء صلاته من أعظم الأحاديث في بيان أركان الصلاة وواجباتها التي لا تصح إلا بها، وقد شرحه العلماء مبينين دلالاته والرد على من خالف في العمل به.
стр. 264
شرح حديث المسيء في صلاته
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب وجوب الطمأنينة في الركوع والسجود: عن أبي هريرة ﵁: (أن رسول الله ﷺ دخل المسجد، فدخل رجل فصلى، ثم جاء فسلم على النبي ﷺ فرد النبي ﷺ ، فقال: ارجع فصلِّ فإنك لم تصل، فرجع فصلى كما صلى، ثم جاء فسلم على النبي ﷺ ، فقال: ارجع فصلِّ فإنك لم تصل.
ثلاثاً، فقال: والذي بعثك بالحق ما أحسن غيره فعلمني، فقال ﷺ : إذا قمت إلى الصلاة فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعاً، ثم ارفع حتى تعتدل قائماً، ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً، ثم ارفع حتى تطمئن جالساً، وافعل ذلك في صلاتك كلها) ] .
هذا حديث في صفة الصلاة، مشتمل على أغلب صفة الصلاة، ولكن القصد منه: الطمأنينة فيها.
وذكر في هذا الحديث: أن النبي ﷺ كان جالساً في ناحية من المسجد ومعه صحابته يعلمهم ويقرئهم ويستفيدون منه، وهكذا كانت عادته في كل صباح غالباً، يجلس ويتوافدون إليه للتعليم، فجاء هذا الرجل فدخل المسجد كغيره، ولما دخل المسجد كان عليه أن يصلي تحية المسجد، فجاء وصلى تحية المسجد ركعتين، والنبي ﷺ ينظر إليه، ولكنه خففها ولم يتمها.
فلما انتهى جاء وسلّم على النبي ﷺ , فرد ﵇ وأمره أن يرجع فيعيد الصلاة، وأخبره بأن هذه الصلاة التي صلى ليست صلاة، ولا تحسب له صلاة، فكأنه لم يصلِّ، وكأنه لم يأت بعبادة، وأمره بأن يعيدها، ثم إنه أعادها المرة الثانية وأعادها المرة الثالثة وكرر ذلك ثلاثاً، ولما صلاّها ثلاث مرات على تلك الحالة، أخبر بأنه لا يعرف غير هذا، وأن هذا منتهى ما يعرفه، وطلب من النبي ﷺ أن يصف له الصلاة المجزئة التي إذا فعلها خرج من العهدة وبرئت ذمته، فوصف له ﷺ الصلاة المجزئة.
فأمره بالقيام، ثم أمره بالتكبير، ثم أمره بقراءة ما تيسر من القرآن، ثم أمره بعد ذلك بالركوع وأمره بالطمأنينة فيه، ثم بالرفع من الركوع وأمره بالاعتدال فيه، ثم أمره بالسجود وبالطمأنينة فيه، وأمره بالرفع منه وبالطمأنينة فيه، ووصف له ركعة إلا أنه لم يذكر سوى سجدة في هذه الرواية، وأمره أن يفعل ذلك في كل ركعاته.
وهكذا اشتمل هذا الحديث على وصف ركعة، ولكن ليس فيها إلا سجدة، وفي بعض الروايات أنه وصف له السجدة الثانية: أن يسجد سجدتين، وفي بعض الروايات أنه ذكر له الطهارة، قال: (إذا قمت إلى الصلاة فتوضأ كما أمرك الله) ، وفي بعض الروايات أنه وصف له الوضوء فقال: (اغسل وجهك ويديك وامسح برأسك واغسل قدميك) ، فكل ذلك مما أخبر به ﵊ في هذا الحديث.
وصف له هذه الصلاة، وبيّن له أن هذه هي الصلاة المجزئة، وأنه إذا لم يفعل هذا يكون بذلك لم يصل، وكأنه صلى صلاة لا تكفي ولا تجزي.
ومباحث الحديث كثيرة لعلنا نتعرض لشيء منها:
стр. 265
وجوب تكبيرة الإحرام وصفتها
قوله: (فكبر) ؛ المراد بها تكبيرة الإحرام، ولا شك أنها أمر بها، وبينها النبي ﷺ بفعله وبقوله، فكان إذا قام إلى الصلاة يقول: (الله أكبر) ، وثبت عنه ﷺ أنه قال: (تحريمها التكبير وتحليلها التسليم) يعني: أن الصلاة لها تحريم ولها تحليل، فكون الإنسان محرماً بالصلاة يقول: (الله أكبر) ، فإذا كبّر أصبح حراماً عليه أن يعمل ما لا يعمل في الصلاة.
وجمهور الأمة على أن تكبيرة الإحرام ركن، وعلى أنه لا يجزئ غيرها بدلها، فلا يجزئ أن يقول: (الله أعظم) ، ولا (الله أجل) ، ولا (الله الأكبر) ، بل لا بد من قول: (الله أكبر) .
وذهب بعض الحنفية إلى أنه يجزئ ما يدل على المعنى، ويجزئ عندهم أن يقول: الله أجل، أو الله أمجد، أو الله أقوى.
يعني: تأتي كلمة تدل على الكبرياء وعلى العظمة، ولكن معلوم أن الصلاة تعبدية، وأن أفعالها مبنية على النقل، وأنه لا يصح فيها شيء إلا ما ثبت دليله، فلما لم يأت ما يدل على أنه يبدل التكبير بالتعظيم ولا بالتبجيل ولا بالإجلال، دل على أن اللفظة مقصودة.
والحنفية يقولون: إن القصد من التكبيرة: استحضار عظمة الله تعالى.
فنقول: الكلمة مقصود لفظها ومقصود معناها؛ وذلك لأن المكبر إذا قال: (الله أكبر) فعليه أن يستحضر مدلول هذه الكلمة، وهو كبرياء الله وعظمته وجلاله وهيبته، ويوجب له ذلك تبجيله وتعظيمه، ويوجب له ذلك حضور قلبه وخشوعه وخضوعه بين يدي ربه؛ لأنه إذا قال: (الله أكبر) تمثّل أن الله أكبر من كل شيء، وأعظم من كل شيء، وأن المخلوقات صغيرة وحقيرة بين يديه، وحقيرة بالنسبة إلى عظمته، فيحتقر المخلوق، ويعظم الخالق، وعند ذلك يخبت إلى الله وينيب إليه، ويخشع ويخضع بين يديه.
وهذا هو المقصود من استفتاح هذه الصلاة التكبير.
стр. 266
استحباب دعاء الاستفتاح
قوله: (إذا قمت إلى الصلاة فكبر) لم يذكر في هذا الحديث دعاء الاستفتاح، وهو قوله: (سبحانك اللهم وبحمدك) أو قول: (اللهم باعد بيني وبين خطاياي) وقد ذكر في أحاديث أخرى، وقد استدل بتركه هنا على أنه ليس من الواجبات بل هو من المستحبات، ولو تركه عمداً ما بطلت الصلاة بتركه ولكنه سنة مروية عن النبي ﷺ ، فلذلك يتأكد أن يستفتح وأن يواظب على هذا الاستفتاح إذا تيسر له.
بأي نوع يستفتح؟ ورد أنه ﷺ كان يستفتح بقوله: (اللهم باعد بيني وبين خطاياي) إلى آخره، وتارة يستفتح بقوله: (اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل) إلى آخره، وتارة بقوله: (سبحانك اللهم وبحمدك) إلى آخره، فأيها استفتح به أجزأ ذلك إن شاء الله.
ولكن اختار الإمام أحمد الاستفتاح بقول: (سبحانك اللهم) ؛ لأنه ثناء ولأنه مختصر.
ورجح بعض العلماء أنه يأتي بهذا تارة، وبهذا تارة؛ حتى لا يترك شيئاً من السنة، ولا يهجر شيئاً مما جاء عن النبي ﷺ .
стр. 267
وجوب قراءة الفاتحة
أما القراءة فلم يذكر في هذا الحديث قراءة الفاتحة، وقال: (اقرأ ما تيسر معك من القرآن) ، وقد استدل بذلك بعض الحنفية على أن قراءة الفاتحة ليست بواجبة، بل الواجب جنس القراءة، واستدلوا أيضاً بالآية الكريمة في سورة المزمل، وهي قوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل:٢٠] .
ولكن دلت أحاديث أخرى على أنه يجب قراءة الفاتحة، قال ﷺ : (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب) ، وفي حديث آخر: (صلاة لا يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج) فأخذ من هذا أن قراءة الفاتحة واجبة على الإمام والمنفرد، وأما المأموم فإنها مستحبة في حقه، وذلك لأنه قد يكون مع الإمام والإمام يقرأ، وهو مأمور بأن ينصت لقراءة إمامته، فإن تيسر له قراءتها في سكتات إمامه قرأها، وإن لم يتيسر له اقتصر على قراءة الإمام.
وذهب بعضهم إلى أنه يقرأ ولو قرأ الإمام، وروي ذلك عن أبي هريرة لما قيل له: إني أكون خلف الإمام، فقال: اقرأ بها في نفسك، واستدل بحديث: (قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين) ، وبكل حال فيتأكد قراءتها لمن خلف الإمام في سر وفي جهر.
أما من يقول: إنها كغيرها من السور الأخرى، فأخذوا بظاهر هذا الحديث؛ ولعله ﷺ لم يذكر الفاتحة؛ لأنها معلومة مشهورة، أو لأن ذلك الرجل قد علم حكمها من فعلها المتكرر، فإن الصحابة كانوا يصلون خلف النبي ﷺ في كل أحوالهم، ولم يتركوا قراءة الفاتحة، وكانوا يعرفون حكمها من قوله ومن فعله، فبذلك يعلم أنه ما ترك تعليم الفاتحة أو ذكر الفاتحة إلا لكونها معلومة مشهورة.
стр. 268
وجوب الركوع
بعد ذلك ذكر الركوع، ومعناه: الانحناء من قيام إلى أن تصل يداه إلى ركبتيه، ولا شك أنه ركن في الصلاة، وقد أمر الله تعالى به في عدة آيات، مثل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج:٧٧] ، وفي قوله تعالى: ﴿وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [البقرة:١٢٥] وفي قوله تعالى: ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة:٤٣] .
والركوع وهو الانحناء من القيام وهو عبادة من العبادات، بل هو من أجل العبادات، وما ذاك إلا لما فيه من الانحناء وما فيه من الذل والخضوع بين يدي الرب ، فإنه في تلك الحال يكون مخبتاً منيباً متواضعاً متخشعاً متذللاً لربه، خاضعاً بين يديه، قد خفض رأسه، فلذلك يأتي فيه بالذكر المناسب، فيقول فيه: سبحان ربي العظيم، فكأنه يقول: أنا الذليل وأنت العظيم، أنا العبد وأنت المعبود، أنا العبد وأنت المالك، فأنت مالكي وأنت ربي، أنا المربوب وأنت رب العباد، فأنا أعظمك حق التعظيم.
وقد ورد في حديث قوله ﷺ : (أما إني نهيت أن أقرأ القرآن راكعاً أو ساجداً، فأما الركوع فعظموا فيه الرب، وأما السجود فاجتهدوا فيه بالدعاء، فقمن أن يستجاب لكم) .
يعني: حريٌ أن تستجاب دعواتكم، فأمرهم في الركوع بأن يعظموا الرب، ولأجل ذلك يسن أن يؤتى بالأذكار التي فيها تعظيم لله تعالى، وتسبيحه، وتنزيهه وتقديسه، وكل ذلك ليستحضر العبد عظمة ربه، وأنه خاشع خاضع واقف بين يديه، فيوجب له ذلك الانكسار الذي يوجب رحمة الله تعالى، وورد في حديث: (أنا عند المنكسرة قلوبهم من أجلي) وإذا انكسر القلب تواضع الجسم، فيكون ذلك سبباً في نزول الرحمة.
стр. 269
وجوب الطمأنينة
وفي هذا الحديث الأمر بالطمأنينة، في قوله: (حتى تطمئن راكعاً) والطمأنينة هي الركود وذلك بأن يتمكن ويركد.
وتمام الركوع هو أن تمس يداه ركبتيه، وكماله: أن يلقم كل ركبة يداً، وأن يفرق أصابعه، وأن يمسك ركبتيه إمساكاً قوياً، وأيضاً: أن يمد ظهره ويجعله مستوياً ويجعل رأسه بحياله، فلا يرفعه ولا يخفضه، بل يجعل ظهره مستوياً بحيث لو وضع عليه قدح لركد ولم يمل هاهنا أو هاهنا.
ومقدار الطمأنينة: بقدر ما يقول: سبحان ربي العظيم مرة باطمئنان لا بعجل، هذه حقيقة الطمأنينة المذكورة في هذا الحديث.
إذاً: الطمأنينة: الركود والركون.
أي: حتى تطمئن وتركد وتركن وتقف.
يعني: حتى يتحقق أنك ركنت، وهذا دليل على أن الطمأنينة ركن، وهي التي أنكر على ذلك الرجل الذي أساء صلاته، ولم يحسن أن يأتي بها، فلذلك قال: (فإنك لم تصل) لما لم يأت بهذه الطمأنينة.
وذهب جمهور الأمة إلى أن الطمأنينة ركن من أركان الصلاة، ولكن روي عن بعض الحنفية أنهم يوجبون الطمأنينة وأنه يجوز عندهم الصلاة بلا طمأنينة، وعليه: فكثير من الذين يدعون أنهم على مذهب أبي حنيفة لا يطمئنون، فلا يصل أحدهم إلى الركوع حتى يرفع، ولا يرفع حتى ينخفض، ولا يسجد ويصل الأرض حتى يرفع، فإذا مست جبهته الأرض رفع بسرعة، وإذا انحنى رفع بسرعة فيترك ركناً أكده النبي ﷺ ، ويدّعون أن أبا حنيفة لم يوجبه.
فيقال لهم: لعل أبا حنيفة لم يفصح بترك ذلك، ثم أيضاً ارجعوا إلى فعل أبي حنيفة ﵀ فقد كان كثير العبادة، وقد كان كثير الصلاة، وأبو حنيفة الذي تقتدون به وتخففون الصلاة ما اقتديتم به في كل الحالات، فقد كان أبو حنيفة ﵀ يقوم الليل كله حتى أنه صلى الفجر بوضوء العشاء أربعين سنة أو قريباً منها، ولا شك أنه يطيل أركان الصلاة، فربما تكون الركعة في نصف ساعة أو نحوها، ولا شك أنه يطمئن فيها، ولم ينقل أيضاً في أفعاله أنه كان يخفف صلاته، فهؤلاء الذي يقتدون به ما اتبعوه حقاً.
يمكن أنه نقلت عنه رواية أن الطمأنية ليست واجبة، ولكن الرواية قد تكون في وقت له مناسبة، فأخذها هؤلاء وقالوا: الطمأنينة ليست ركناً وليست واجبة، حتى نقول لهم: هل حرمها أبو حنيفة؟ وهل كرهها؟ وهل نهى عنها؟ وهل كونه يقول في هذه الرواية: إنها ليست ركناً، يقتضي أنكم تنقرون الصلاة، وتخففونها التخفيف الذي قد يبطلها.
اعتبروا بهذا الحديث الذي قال فيه: (فإنك لم تصلِّ) ، وتذكروا أن نبينا ﷺ نهى عن التخفيف الزائد وسماه نقراً، ونهى عن نقر كنقر الغراب، ولا شك أن الذي ينقر الصلاة لا يصل إلى الأرض إلا وقد رفع، فيكون شبيهاً بالغراب، ونهى ﷺ عن النقر في الركوع وفي السجود، فلينتبه المسلم إلى ذلك.
стр. 270
شرح عمدة الأحكام [١٥]
أمر الله تعالى بقراءة القرآن في الصلاة، وجعل القراءة ركناً من أركانها، وقد جاء في السنة تحديد مقدار التطويل والتخفيف في ركعات الصلاة، وبين العلماء السنة في ذلك، وكل ذلك مما ينبغي للمصلي معرفته.
стр. 271
القراءة في الصلاة
قال المصنف ﵀: [باب القراءة في الصلاة: عن عبادة بن الصامت ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب) .
وعن أبي قتادة الأنصاري ﵁ قال: (كان رسول الله ﷺ يقرأ في الركعتين الأوليين في صلاة الظهر بفاتحة الكتاب وسورتين، يطول في الأولى ويقصر في الثانية، يُسمع الآية أحياناً، وكان يقرأ في العصر بفاتحة الكتاب وسورتين، يطول في الأولى ويقصر في الثانية، وفي الركعتين الأخريين بأم الكتاب، وكان يطول في الركعة الأولى في صلاة الصبح ويقصر في الثانية) .
وعن جبير بن مطعم ﵁ قال: (سمعت رسول الله ﷺ يقرأ في المغرب بالطور) ] .
стр. 272
حركات الصلاة كلها عبادة
معلوم أن الصلاة عبادة، وأن الصلاة عبادة يتعبد بها وفيها حركات وكلمات، ونيات، فتشتمل على عبادة القلب، وعبادة الأركان، وعبادة اللسان، فأما عبادة القلب فهي القصد والنية حتى يكون مثاباً على العمل إذا كانت النية خالصة.
كذلك من عبادة القلب حضوره بين يدي الرب في هذه العبادة وتأمله وتعقله لأحكامها ولأقوالها.
وأما عبادة البدن فالعين لها عبادة، والأذن لها عبادة، واليد لها عبادة، وكذلك الرجلان وأعضاء السجود والظهر كانحنائه في الركوع، وسجوده على الأعضاء السبعة، وقيامه في أول الصلاة، وقبضه ليديه وجعلهما على صدره، ورفعهما عند الرفع من الركوع، فكل ذلك عبادة.
فحركاته في هذه الصلاة بأعضائه تعتبر عبادة، أما اللسان فعبادته بالقول واللفظ، ولذلك ليس في الصلاة سكوت، إلا لاستماع قراءة الإمام أو دعائه ونحو ذلك، وإلا فهو مأمور من حين يكبر إلى أن ينتهي بأن يأتي بأذكار أو بدعوات ولا يسكت.
стр. 273
الصلاة ذكر وقراءة ودعاء
وكلامه في الصلاة إما ذكر وإما قراءة وإما دعاء، ولا يخلو عن هذه، فلا يخلطها بشيء من كلام الناس، ولأجل ذلك لما تكلم الأعرابي في الصلاة خلف النبي ﷺ دعاه ونبهه وقال: (إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هو الدعاء والذكر وقراءة القرآن) .
فجعل الكلام الذي يأتي به إما ذكر كالتسبيح والتحميد والتهليل والتعظيم والاستغفار، وإما دعاء بالمغفرة وبالرحمة ودخول الجنة وبالنجاة من النار ونحو ذلك، وإما قراءة لما تيسر من القرآن كما أمر الله بذلك.
وحيث إن الباب للقراءة فمعلوم أن القراءة لا تكون إلا من هذا القرآن الذي أنزل على محمد ﷺ ، والذي هو معجزته التي تحدى بها الله تعالى البشر، هذه المعجزة هي الباقية وهي كلام الله الذي هو أشرف الكلام، والذي جعل الله تلاوته عبادة وقربة تقرب إليه سبحانه.
стр. 274
قراءة الفاتحة في الصلاة
وورد في بعض الأحاديث: (أحب ما تقرب به العبد إلى الله ما خرج منه وهو القرآن) فإذا كان يتعبد به خارج الصلاة فكذلك في الصلاة.
ثم ذكر العلماء أن أعظم سور القرآن سورة الفاتحة، وسميت بفاتحة الكتاب؛ لأنها كتبت في أوله، واستفتح بها القرآن، فقد ثبتت قراءة النبي ﷺ لها في الصلاة فرضاً ونفلاً، وكذلك ثبت أنه ﷺ أكد قراءتها وحث على قراءتها وأخبر بآكديتها.
فعندنا هذا الحديث الذي يقول النبي ﷺ فيه: (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب) ، وهذا ظاهر في أن صحة الصلاة تتوقف على قراءة الفاتحة، وإذا كان كذلك فإنها تعتبر ركناً، فإن الركن هو الذي يتوقف صحة الصلاة عليه، فعرف بذلك أن قراءتها لا تتم إلا بها.
وقد ذهب إلى ذلك جماهير الأمة وأشهر علماء الأمة؛ فقالوا: لا تصح الصلاة إلا بقراءة الفاتحة، وقد تقدم في هديه ﷺ في صلاته.
وأجاز الحنفية قراءة قدرها من غيرها، فقالوا: إذا قرأ قدر الفاتحة من السور الأخرى اكتفي بذلك، واستدلوا بما في حديث المسيء صلاته حيث قال: (ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن) واستدلوا أيضاً بالآية وهي قول الله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل:٢٠] .
ولكن الآية محمولة على ما زاد على الفاتحة.
يعني: أكثروا أو أقلوا على حسب ما تيسر.
وقد ذكرنا أنه ﷺ علم المسيء صلاته ما أخل به، وما كان يجهله، وقد كان مشتهراً أن فاتحة الكتاب لا تتم صلاته إلا بها، لكونهم كانوا يصلون خلف النبي ﷺ في الجهرية ويسمعون قراءته، ويعرفون أنها لا تتم إلا بها.
стр. 275
حكم قراءة الفاتحة للمأموم
وقد ذهب بعض العلماء كالإمام البخاري إلى أنها لا تتم صلاة إمام أو مأموم أو منفرد إلا بفاتحة الكتاب، فاشترطها حتى على المأموم، ولم يفرق بين المأموم في صلاة جهرية أو سرية.
لذلك اختلفوا في الصلاة الجهرية: هل يقرأ المأموم خلف الإمام أم لا يقرأ؟ وكثر الاختلاف في ذلك.
فذهب قوم إلى أن كل إنسان عليه أن يقرأ الفاتحة، إماماً أو مأموماً في جهر أو في سر؛ ودليلهم في ذلك حديث: (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب) فإن كلمة (من) يدخل فيها كل مصل، واستدلوا أيضاً بالحديث الآخر: عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: (صلاة لا يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج، خداج، خداج غير تمام، فقال قائل: يا أبا هريرة: إني أحياناً أكون خلف الإمام؟ فقال: اقرأ بها في نفسك يا فارسي، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: قال الله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين) إلى آخر الحديث، فاستدل بأن كل أحد يقرأ الفاتحة ويجيبه الله بقوله: (حمدني عبدي أثنى عليّ علي عبدي مجدني عبدي هذا بيني وبين عبدي هذا لعبدي ولعبدي ما سأل) يعني في حديث: (قسمت الصلاة) وذكر الفاتحة فسماها صلاة، فدل على أن كل أحد ينطق بالفاتحة حتى يجيبه الله تعالى بقوله: (حمدني عبدي) إلى آخر ذلك.
فهذا دليل على أن كل أحد عليه أن يقرأ الفاتحة إماماً أو مأموماً.
وقد ذهب أكثر العلماء: إلى أن المأموم تكفيه قراءة الإمام سواء في سرية أو في جهرية، وجعلوا قراءته إنما هي فرض على الإمام وحده، واستدلوا بحديث يروى بلفظ: (من كان له إمام فقراءته له قراءة) أي أن قراءة الإمام قراءة للمأموم، ولكن الحديث فيه مقال، فلأجل ذلك لم يعتمده أكثر العلماء.
وذهب آخرون -ولعله الأقرب- إلى أن الصلاة الجهرية يتحمل فيها الإمام القراءة على المأموم إذا لم يتيسر للمأموم قراءتها، وأما الصلاة السرية فإن المأموم يأتي بالقراءة فيها كما يأتي بها الإمام، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا﴾ [الأعراف:٢٠٤] .
يقول الإمام أحمد: أجمعوا على أنها في الصلاة.
يعني: أن الإنصات الذي أُمرنا به في الصلاة.
وكذلك في حديث أبي موسى أن النبي ﷺ قال: (إذا كبر الإمام فكبروا، وإذا قرأ فأنصتوا) ، والإنصات هو الاستماع، والذي يقرأ الفاتحة خلف الإمام لا يكون منصتاً.
يعني: مستمعاً لما يقول؛ وذلك لانشغاله بالقراءة، فهذا دليل على أنه مأمور بالإنصات ولو بفاتحة الكتاب.
стр. 276
السكوت بعد قراءة الفاتحة
ذهب كثير من العلماء إلى أنه يستحب للإمام أن يسكت بعد الفاتحة سكتة خفيفة يقرأ المأموم فيها الفاتحة، ورويت هذه السكتة في حديث سمرة وغيره أنه قال: (حفظت من النبي ﷺ سكتتين: إذا استفتح الصلاة، وإذا فرغ من القراءة، ثم قال: (وإذا قال: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة:٧] سكت هنيهة) أو كما قال.
وبعض العلماء لم يستحب هذه السكتة، ويواصل قراءة السورة بقراءة الفاتحة، وحجتهم أنهم قد اختلفوا فيها فلم يثبتها إلا بعضهم، ولو كانت ثابتة لما اختلفوا فيها، وحيث ورد إثباتها فقد استحبوا أن يسكت ولكن لا يطيلها، وإذا سكت الإمام ابتدر المأموم وقرأ ما قدر عليه من الفاتحة، فإذا ابتدأ الإمام في قراءة السورة بعدها فإن كان قد بقي عليه آية أو آيتان كملهما ولو مع قراءة الإمام، وإلا اكتفى بقراءة الإمام ولم يكمل، وقطع القراءة، هذا هو الأقرب.
وعلى كل حال، فقراءة الفاتحة في حق المأموم فيها هذا الخلاف، فنقول: الأولى إذا كنت في سرية كالظهر والعصر والأخيرة من المغرب والأخيرتين من العشاء فإنك تقرأ، ولا تسقط عنك القراءة؛ لأن الإمام لا يسمعك قراءته، وإذا كنت في الجهرية كالأولتين من المغرب، والأولتين من العشاء، وصلاة الصبح، فإن سكت الإمام فاقرأ الفاتحة، وإن لم يسكت فإنها تسقط عنك، وإن قرأتها سراً -كما قال أبو هريرة - جاز ذلك إن شاء الله.
стр. 277
مقدار القراءة في الصلاة
الصلاة السرية، وهي صلاة الظهر والعصر، جاء في هذا الحديث أنه ﷺ كان يقرأ فيهما بسورتين، وأنه كان يسمعهم الآية أحياناً، وأنه يطيل في الأولى ويقصر في الثانية.
يعني: في صلاة الظهر وصلاة العصر، وأنه يقرأ في الركعتين الأخيرتين الفاتحة فقط، فلأجل هذا الحديث ذهبوا إلى أنه يطيل الركعتين الأوليين أكثر من الأخريين.
وقد قدرت القراءة فيهما بأنه يقرأ في الركعتين الأوليتين من الظهر بنحو سورة السجدة، التي هي قريب من ورقة ونصف.
أي: ثلاث صفحات، يقرأها ويقسمها بين الركعتين، ولكنه يطيل في الأولى ويقصر في الثانية، ومعنى ذلك أنه يقرأ في الأولى صفحتين وفي الثانية صفحة، أو قريباً من ذلك.
أما إذا شق على المأمومين فإنه يقرأ ما يناسبهم، وقد ثبت في صحيح مسلم عن جابر ﵁ ذكر إطالة صلاة الظهر وبالأخص الركعة الأولى، قال: (كانت صلاة الظهر تقام، فيذهب أحدنا إلى البقيع خارج المدينة فيقضي حاجته ثم يأتي إلى بيته فيتوضأ، ثم يذهب إلى المسجد فيدركهم في الركعة الأولى مما يطيلها) ، وهذه المدة قد تستغرق عشر دقائق في الركعة الأولى، مما يدل على أنه كان يطيلها أحياناً، ولعل ذلك لأجل أن يتداركوها وأن يلحقوا الركعة الأولى والصلاة كلها، ولعل ذلك لأن صلاة الظهر تقع في شدة الحر، والناس مكتنون في بيوتهم يحتاجون إلى مدة لقضاء حاجة أو لوضوء أو ما أشبه ذلك، فلعله لهذا تسن إطالة صلاة الظهر في الركعة الأولى أكثر من الثانية.
أما الركعتان الأخيرتان فاتفق في هذه الرواية وغيرها على أنه يقتصر فيهما على الفاتحة في الركعتين الأخيرتين من الظهر، وكذا الأخيرتان من العصر.
أما الأولتان من العصر فيقرأ فيهما بسورتين، ولم تقدر تلك السورتان، ولكن ورد في صحيح مسلم من حديث أبي سعيد أنه قدرهما بنحو ورقة ونصف.
أي: صفحة ونصف، أي: قدر نصف سورة (السجدة) ، وذلك على وجه التقريب.
فهذا يدل أيضاً على أنه يقرأ فيها أكثر من الفاتحة وسورة.
يعني: يقسم السورة بين الركعتين أو يقرأ في كل ركعة سورة، وهو الأكثر.
стр. 278
الحكمة من جعل صلاة النهار سرية وصلاة الليل جهرية
وعلى كل حال حيث إن الصلاة سرية فإن للإمام أن يقرأ ما يشاء، فيقرأ سورة أو بعض سورة أو بعضاً من سورة من وسط سورة أو ما أشبه ذلك، والأمر فيه سعة؛ وذلك أن هذه الصلاة شرعت سرية ليكون كل إنسان يناجي ربه، ويقرأ القرآن لنفسه، ويقبل على قراءته ويتأمل ويتعقل فيها.
أما النهار فإن الأشغال فيه كثيرة، والحرف والأعمال قائمة، فالقلب منشغل، فلو كان هناك قراءة جهرية لكان الناس غالباً يسهون ويغفلون، فلا ينصتون لقراءة الإمام ولا يستفيدون، فإذا قرأ الإنسان بنفسه كان ذلك أدعى إلى أن يتأمل ويتعقل ما يقوله وما يقرؤه، ويستفيد من قراءته.
أما الليل فشرعت والقراءة فيها جهراً؛ ولعل ذلك لأن الليل تنقطع فيه الشواغل غالباً، فحينئذٍ بكون القلب متفرغاً، فيسمع القراءة ويستفيد، ليسمع قراءة الإمام للفاتحة وقراءة السور ويتعقلها ويعرضها على قلبه، ويستفيد منها، ويتعلم ما كان يجهله عندما يسمع القراءة مرة بعد مرة، ويسمع سورة مراراً يحفظها، ويتزود من حفظ ما كان لا يحفظه، فيكون ذلك سبباً في التلقي والحفظ، فهذا هو سبب كون هذه سرية وهذه جهرية.
والقراءة الجهرية معروف أنها الأولتين من المغرب والأولتين من العشاء وكذلك صلاة الصبح، وكذلك الصلوات العابرة كصلاة الجمعة، وصلاة العيدين، وصلاة الكسوف، وصلاة الاستسقاء، فهذه كلها جهرية؛ ولعل السبب في ذلك أنها عابرة وأن الجمع فيها كثير فشرع الجهر بها حتى يسمع القرآن، ويستفيد منه من لم يكن قد استمعه.
والجمعة تجمع خلقاً كثيراً، وقد يكون منهم من لم يسمع القراءة كما ينبغي، ولا يسمع إلا قراءة سورة قصيرة أو يسمعها محرفة، فإذا سمع يوم الجمعة استفاد مما يسمع، وهكذا في الصلوات الأخرى.
стр. 279
الإطالة في الصلاة
المشروع في الصلاة: القراءة بخشوع، وبتأمل، وبتعقل وبتدبر، وليس العجلة، كما أنه يشرع إطالة القراءة فيها بحسب ما يتحمله الناس، وقد تقدم لنا أنه ﷺ حث معاذاً على أن يخفف، وقال: (أفتان أنت يا معاذ) وقال: (أيكم أم الناس فليخفف، فإن فيهم الصغير والكبير والضعيف وذا الحاجة) .
ولكن التخفيف الذي أراده التخفيف النسبي.
أي: بالنسبة إلى قراءة معاذ وما أشبهها، ولأجل ذلك كان ﷺ يطيل، فإطالته بالنسبة إلى قراءة أئمة زماننا تعتبر إطالة، وتعتبر أن في قراءتهم اختصاراً زائداً.
كذلك أيضاً: تعتبر صلاته تخفيفاً بالنسبة إلى صلاة المطولين كثيراً.
وعندنا مثال في هذا الحديث الذي سمعنا: (أنه ﷺ قرأ في صلاة المغرب بسورة الطور) ، وسورة الطور من طوال المفصل، والمفصل يبدأ من سورة (ق) .
أي: فهي الثالثة من سوره، وهي من طوال المفصل.
ولنفرض أنه قرأها في الركعتين، أي: قسمها، مع أن الغالب أنه كان يقرأ في كل ركعة سورة كاملة، وكان أحياناً يقرأ في الركعة سورتين يقرن بينهما، ويقرأ سورة ثم يقرأ سورة أخرى في ركعة واحدة من المفصل، وربما من غير المفصل، كما قرأ سورة الواقعة والدخان في ركعة، وسورة الذاريات والقلم في ركعة، يعني: من صلاة الصبح.
стр. 280
الترتيل والتدبر في القراءة
وكان أيضاً يتأمل ويرتل قراءته، وهذه في صلاة المغرب، وقد ثبت أيضاً أنه قرأ بأطول من ذلك، فقرأ فيها بسورة الأعراف التي هي أكثر من جزء وربع، وسورة الأعراف قرأها في صلاة المغرب، وقسمها في الركعتين، فهذا دليل على أنه كثيراً ما يطيل في صلاة المغرب التي اعتاد كثير من الناس تخفيفها، فلا يستنكر على من أطال فيها.
وكذلك في صلاة العشاء ذكروا أن قراءته تكون متوسطة بين المغرب التي يخفف فيها وبين الفجر التي يطيل فيها.
стр. 281
شرح عمدة الأحكام [١٦]
المصلي معرض للسهو والنسيان والشك في صلاته بالزيادة أو النقصان، وقد وقع السهو للنبي ﷺ حتى يبين لأمته ما تفعله إذا سهت، وهذا ما بينه العلماء وذكروا أحكامه مسترشدين بالأحاديث.
стр. 282
سجود السهو وما يتعلق به من أحكام
قال المؤلف ﵀: [باب سجود السهو: عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة ﵁ قال: (صلى بنا رسول الله ﷺ إحدى صلاتي العشي -قال ابن سيرين وسماها أبو هريرة ولكن نسيت أنا- قال: فصلى بنا ركعتين ثم سلم فقام إلى خشبة معروضة في المسجد، فاتكأ عليها كأنه غضبان، ووضع يده اليمنى على اليسرى وشبك بين أصابعه، ووضع خده الأيمن على ظهر كفه اليسرى وخرجت السرعان من أبواب المسجد، فقالوا: أقصرت الصلاة؟! وفي القوم أبو بكر وعمر فهابا أن يكلماه، وفي القوم رجل في يديه طول، يقال له: ذو اليدين فقال: يا رسول الله! أنسيت أم قصرت الصلاة؟ فقال: لم أنس ولم تقصر، فقال: أكما يقول ذو اليدين؟! قالوا: نعم، فتقدم فصلى ما ترك، ثم سلم، ثم كبر وسجد مثل سجوده أو أطول، ثم رفع رأسه فكبر، ثم كبر وسجد مثل سجوده أو أطول، ثم رفع رأسه وكبر، فربما سألوه ثم سلم؟ قال: فنبئت أن عمران بن حصين قال: ثم سلم) .
العشي: ما بين زوال الشمس إلى غروبها، قال الله تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ﴾ [غافر:٥٥] .
وعن عبد الله بن بحينة وكان من أصحاب النبي ﷺ (أن النبي ﷺ صلى بهم الظهر، فقام في الركعتين الأوليين ولم يجلس، فقام الناس معه، حتى إذا قضى الصلاة وانتظر الناس تسليمه، كبر وهو جالس فسجد سجدتين قبل أن يسلم، ثم سلم) ] .
стр. 283
معنى سجود السهو وحكمة سهو النبي ﷺ
هذا الباب عقد لسجود السهو، والسهو: هو النسيان في الصلاة بزيادة أو بنقص أو بشك، والإنسان محل النسيان، وقد حدث هذا النسيان للنبي ﷺ كما في هذا الباب في هذين الحديثين وفي غيرهما، والحكمة في ذلك معرفة الحكم، أي أنه حدث هذا النسيان وهذا السهو من النبي ﷺ حتى يعرف حكم النسيان في حق غيره؛ وذلك لأنه إذا وقع للنبي ﷺ فسجد له عرفنا كيف نفعل إذا وقع لنا، فوقع هذا النسيان الذي حصل منه ﷺ لهذه الحكمة.
ولعله ﷺ كان قد اشتغل فكره بتأمل ما يقوله أو ما يفعله من الأمور الأخروية التي هو مقبل عليها، فشغله ذلك عن عدد الركعات ولا شك أنه ﷺ وقع منه هذا، ثم اعتذر في بعض الروايات، فقال: (إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون، فإذا نسيت فذكروني) ، وقال في بعض الروايات: (إنه لو حدث شيء في الصلاة لأخبرتكم) .
стр. 284
شرح حديث ذي اليدين في السهو
في هذه القصة أنه ﷺ صلى بهم إحدى صلاتي العشي سماها أبو هريرة ونسيها الراوي، وأكثر الروايات على أنها صلاة العصر، وفي رواية أنها الظهر، فالراوي شك فيها هل هي الظهر أو العصر؟ وسميت صلاة العشي؛ لأنها في آخر النهار، فالنهار ينقسم إلى قسمين: أوله يسمى بكرة، وآخره يسمى عشياً، وقوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم:٦٢] (بكرة) يعني: أول النهار إلى الزوال، (وعشياً) يعني: آخر النهار من الزوال إلى الغروب.
وصلاة العشي هما صلاتا الظهر والعصر، إحداهما وقع فيها أنه صلى بهم ركعتين وترك ركعتين، واستمر في التشهد وسلم بعد ركعتين، ولما سلم ظنوا أنه حدث في الصلاة شيء؛ لأنهم لم يعهدوا ذلك من قبل، فقد كان دائماً يصلي بهم أربعاً ولم يحدث أن اقتصر على ركعتين، فظنوا أن الصلاة قد قصرت.
و (خرج السرعان) أي: الذين يخرجون سريعاً دائماً، خرجوا من الأبواب وهم يقولون: (قصرت الصلاة، قصرت الصلاة) يعتقدون أنه نقص عددها، وأنها رجعت إلى ركعتين، وكان الحاضرون قد توقفوا في الأمر.
النبي ﷺ قام من مصلاه الذي صلى فيه، وكان هناك خشبة معروضة في المسجد فاتكأ عليها، ووضع إحدى يديه على الأخرى، وأدخل أصابعه بعضها في بعض أي: شبك بينهما وفهموا منه أنه غضبان، أو أنه قد أتاه ما يشغله أو ما يسوءه من أمر شغل باله عن عدد الركعات، ففهموا أنه غضبان، ولم يجرؤ أحد أن يتكلم حتى أبو بكر وعمر، فتجرأ هذا الرجل وهو ذو اليدين ويقال له: الخرباق وكان في يديه طول؛ فتجرأ وقال: (يا رسول الله! أنسيت أم قصرت الصلاة؟!) يعني: لا بد من أحدهما.
فالنبي ﵊ على ما يعرف، قال: (لم أنس ولم تقصر) يعني: في نظري أني لم أنس، ولم يأت ما يغيرها ولم تقصر، فكرر عليه وقال: (بلى قد نسيت) يعني: إما أنك نسيت وإما أنها قصرت، فلما تأكد أنها لم تقصر، عرف أنه وقع نسيان فسأل الحاضرين: (أكما يقول ذو اليدين؟) فلما استقروا على أنه قد ترك من الصلاة ركعتين قام وصلى الركعتين اللتين تركهما، وبعد ذلك سلم بعدما صلاهما، ثم سجد سجدتين وأطال فيهما يعني: مثل سجوده المعتاد أو أطول بقليل ثم سلم.
هذا الحديث يعرف بحديث ذي اليدين؛ لأنه اشتهر فيه ذكر ذي اليدين.
في بعض الروايات أنه دخل بيته وأن ذا اليدين طرق عليه الباب كما في حديث عمران، وأنه ﷺ خرج مسرعاً وأنه قال: (إن هذا قال: إني تركت ركعتين) فاستدلوا بهذا الحديث على أن الفاصل اليسير لا تبطل به الصلاة فإن هاهنا فصلاً، وهو أنه قام من مكانه وجلس في مكان آخر واستقبل القبلة ومشى وقعد وتكلم وكلموه، ثم بعد ذلك رجع إلى مصلاه ولم يعد ذلك مبطلاً مع كونها حركات من غير جنس الصلاة، وكذلك الذين خرجوا من سرعان الناس خرجوا وهم يعتقدون أن الصلاة قد قصرت وقد تمت، واستدبروا القبلة وتكلموا فيما بينهم ومشوا مشياً قليلاً أو كثيراً، ومع ذلك رجعوا وبنوا على ما مضى من صلاتهم ولم يعدوا هذا الفاصل من المشي والكلام مبطلاً للصلاة.
في هذا الحديث أنه ﷺ سجد بعدما سلم من الركعتين اللتين تركهما، ثم سلم تسليمتين، كأنه انتهى من الصلاة، ثم سجد سجدتين يكبر لكل سجدة ويسجد، ويطيل سجوده كسجود الصلاة أو أطول ثم يرفع، ثم بعد ذلك سلم كما في حديث عمران بن حصين فيكون سلم ثلاث مرات: المرة الأولى: لما صلى الركعتين وسلم قبل أن يكمل صلاته.
المرة الثانية: لما أكمل ما بقي من صلاته.
المرة الثالثة: لما سجد للسهو.
стр. 285
موضع سجود السهو عند الإمام أحمد ﵀
قد اختلف العلماء في مواضع سجود السهو، فالإمام أحمد ﵀ يقول: إن سجود السهو كله قبل السلام إلا في ثلاث حالات: الحالة الأولى: إذا سلم عن نقص.
الحالة الثانية: إذا بنى الإمام على غالب ظنه.
الحالة الثالثة: إذا ذكره بعد السلام، ذكر ذلك صاحب كتاب (عمدة الفقه) وغيره من العلماء.
أما ما سوى ذلك فإنه يسجد قبل السلام؛ وذلك لأنّا جعلنا سجود السهو جزءاً من الصلاة، والصلاة تنتهي بالسلام؛ لقول النبي ﷺ (تحريمها التكبير وتحليلها التسليم) فإذا سلم فقد انتهت صلاته، لكن يستثنى من ذلك هاتان الحالتان: إذا سلم عن نقص، وإذا بنى على غالب ظنه.
حديث أبي هريرة هذا فيه حالة من تلك الحالتين، وهو كونه سلم عن نقص، حيث نقص من صلاته ركعتين، فمن صلى الظهر ثلاثاً ثم سلم جاء بالرابعة ثم سلم، ثم سجد للسهو ثم سلم، ومن صلى الظهر ركعتين ثم سلم ناسياً جاء بالركعتين اللتين تركهما ثم سلم، ثم سجد سجدتين ثم سلم، ومن صلى المغرب ركعتين ثم سلم ناسياً جاء بالثالثة ثم سلم، ثم سجد ثم سلم، فمن سلم قبل تمام الصلاة ساهياً أتى ببقية الصلاة ثم سلم، ثم سجد للسهو ثم سلم.
الحالة الثانية: إذا بنى الإمام على غالب ظنه، كما إذا صليت بجماعة ثم إنك في أثناء الصلاة شككت هل صليت ثلاثاً أم أربعاً؟! وأغلب ظنك أنها ثلاث، فبنيت عليها، ثم قمت وأتيت بالرابعة وسكت عنك المأمومون ولم ينبهوك، فإذا انقلب ظنك الغالب إلى يقين فإنه لا حاجة إلى سجود، وأما إذا لم ينقلب بل بقي معك ظن ولكنه ليس بظن اليقين، بل لا يزال معك شيء من الشك، ففي هذه الحالة تفعل ما ذكر، فتسلم ثم تسجد ثم تسلم.
الحالة الثالثة: إذا لم يتذكر السجود إلا بعد السلام، كما إذا كان عليه سجود سهو لترك تسبيح وما أشبه ذلك، ثم سلم ناسياً ثم ذكروه، فإنه يسجد بعدما يسلم.
следующие страницы →