← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 7723

شرح عمدة الأحكام لابن جبرين

ابن جبرين

Полный текст (1 083 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

شرح عمدة الأحكام [١٦] المصلي معرض للسهو والنسيان والشك في صلاته بالزيادة أو النقصان، وقد وقع السهو للنبي ﷺ حتى يبين لأمته ما تفعله إذا سهت، وهذا ما بينه العلماء وذكروا أحكامه مسترشدين بالأحاديث.

стр. 282

سجود السهو وما يتعلق به من أحكام قال المؤلف ﵀: [باب سجود السهو: عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة ﵁ قال: (صلى بنا رسول الله ﷺ إحدى صلاتي العشي -قال ابن سيرين وسماها أبو هريرة ولكن نسيت أنا- قال: فصلى بنا ركعتين ثم سلم فقام إلى خشبة معروضة في المسجد، فاتكأ عليها كأنه غضبان، ووضع يده اليمنى على اليسرى وشبك بين أصابعه، ووضع خده الأيمن على ظهر كفه اليسرى وخرجت السرعان من أبواب المسجد، فقالوا: أقصرت الصلاة؟! وفي القوم أبو بكر وعمر فهابا أن يكلماه، وفي القوم رجل في يديه طول، يقال له: ذو اليدين فقال: يا رسول الله! أنسيت أم قصرت الصلاة؟ فقال: لم أنس ولم تقصر، فقال: أكما يقول ذو اليدين؟! قالوا: نعم، فتقدم فصلى ما ترك، ثم سلم، ثم كبر وسجد مثل سجوده أو أطول، ثم رفع رأسه فكبر، ثم كبر وسجد مثل سجوده أو أطول، ثم رفع رأسه وكبر، فربما سألوه ثم سلم؟ قال: فنبئت أن عمران بن حصين قال: ثم سلم) . العشي: ما بين زوال الشمس إلى غروبها، قال الله تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ﴾ [غافر:٥٥] . وعن عبد الله بن بحينة وكان من أصحاب النبي ﷺ (أن النبي ﷺ صلى بهم الظهر، فقام في الركعتين الأوليين ولم يجلس، فقام الناس معه، حتى إذا قضى الصلاة وانتظر الناس تسليمه، كبر وهو جالس فسجد سجدتين قبل أن يسلم، ثم سلم) ] .

стр. 283

معنى سجود السهو وحكمة سهو النبي ﷺ هذا الباب عقد لسجود السهو، والسهو: هو النسيان في الصلاة بزيادة أو بنقص أو بشك، والإنسان محل النسيان، وقد حدث هذا النسيان للنبي ﷺ كما في هذا الباب في هذين الحديثين وفي غيرهما، والحكمة في ذلك معرفة الحكم، أي أنه حدث هذا النسيان وهذا السهو من النبي ﷺ حتى يعرف حكم النسيان في حق غيره؛ وذلك لأنه إذا وقع للنبي ﷺ فسجد له عرفنا كيف نفعل إذا وقع لنا، فوقع هذا النسيان الذي حصل منه ﷺ لهذه الحكمة. ولعله ﷺ كان قد اشتغل فكره بتأمل ما يقوله أو ما يفعله من الأمور الأخروية التي هو مقبل عليها، فشغله ذلك عن عدد الركعات ولا شك أنه ﷺ وقع منه هذا، ثم اعتذر في بعض الروايات، فقال: (إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون، فإذا نسيت فذكروني) ، وقال في بعض الروايات: (إنه لو حدث شيء في الصلاة لأخبرتكم) .

стр. 284

شرح حديث ذي اليدين في السهو في هذه القصة أنه ﷺ صلى بهم إحدى صلاتي العشي سماها أبو هريرة ونسيها الراوي، وأكثر الروايات على أنها صلاة العصر، وفي رواية أنها الظهر، فالراوي شك فيها هل هي الظهر أو العصر؟ وسميت صلاة العشي؛ لأنها في آخر النهار، فالنهار ينقسم إلى قسمين: أوله يسمى بكرة، وآخره يسمى عشياً، وقوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم:٦٢] (بكرة) يعني: أول النهار إلى الزوال، (وعشياً) يعني: آخر النهار من الزوال إلى الغروب. وصلاة العشي هما صلاتا الظهر والعصر، إحداهما وقع فيها أنه صلى بهم ركعتين وترك ركعتين، واستمر في التشهد وسلم بعد ركعتين، ولما سلم ظنوا أنه حدث في الصلاة شيء؛ لأنهم لم يعهدوا ذلك من قبل، فقد كان دائماً يصلي بهم أربعاً ولم يحدث أن اقتصر على ركعتين، فظنوا أن الصلاة قد قصرت. و (خرج السرعان) أي: الذين يخرجون سريعاً دائماً، خرجوا من الأبواب وهم يقولون: (قصرت الصلاة، قصرت الصلاة) يعتقدون أنه نقص عددها، وأنها رجعت إلى ركعتين، وكان الحاضرون قد توقفوا في الأمر. النبي ﷺ قام من مصلاه الذي صلى فيه، وكان هناك خشبة معروضة في المسجد فاتكأ عليها، ووضع إحدى يديه على الأخرى، وأدخل أصابعه بعضها في بعض أي: شبك بينهما وفهموا منه أنه غضبان، أو أنه قد أتاه ما يشغله أو ما يسوءه من أمر شغل باله عن عدد الركعات، ففهموا أنه غضبان، ولم يجرؤ أحد أن يتكلم حتى أبو بكر وعمر، فتجرأ هذا الرجل وهو ذو اليدين ويقال له: الخرباق وكان في يديه طول؛ فتجرأ وقال: (يا رسول الله! أنسيت أم قصرت الصلاة؟!) يعني: لا بد من أحدهما. فالنبي ﵊ على ما يعرف، قال: (لم أنس ولم تقصر) يعني: في نظري أني لم أنس، ولم يأت ما يغيرها ولم تقصر، فكرر عليه وقال: (بلى قد نسيت) يعني: إما أنك نسيت وإما أنها قصرت، فلما تأكد أنها لم تقصر، عرف أنه وقع نسيان فسأل الحاضرين: (أكما يقول ذو اليدين؟) فلما استقروا على أنه قد ترك من الصلاة ركعتين قام وصلى الركعتين اللتين تركهما، وبعد ذلك سلم بعدما صلاهما، ثم سجد سجدتين وأطال فيهما يعني: مثل سجوده المعتاد أو أطول بقليل ثم سلم. هذا الحديث يعرف بحديث ذي اليدين؛ لأنه اشتهر فيه ذكر ذي اليدين. في بعض الروايات أنه دخل بيته وأن ذا اليدين طرق عليه الباب كما في حديث عمران، وأنه ﷺ خرج مسرعاً وأنه قال: (إن هذا قال: إني تركت ركعتين) فاستدلوا بهذا الحديث على أن الفاصل اليسير لا تبطل به الصلاة فإن هاهنا فصلاً، وهو أنه قام من مكانه وجلس في مكان آخر واستقبل القبلة ومشى وقعد وتكلم وكلموه، ثم بعد ذلك رجع إلى مصلاه ولم يعد ذلك مبطلاً مع كونها حركات من غير جنس الصلاة، وكذلك الذين خرجوا من سرعان الناس خرجوا وهم يعتقدون أن الصلاة قد قصرت وقد تمت، واستدبروا القبلة وتكلموا فيما بينهم ومشوا مشياً قليلاً أو كثيراً، ومع ذلك رجعوا وبنوا على ما مضى من صلاتهم ولم يعدوا هذا الفاصل من المشي والكلام مبطلاً للصلاة. في هذا الحديث أنه ﷺ سجد بعدما سلم من الركعتين اللتين تركهما، ثم سلم تسليمتين، كأنه انتهى من الصلاة، ثم سجد سجدتين يكبر لكل سجدة ويسجد، ويطيل سجوده كسجود الصلاة أو أطول ثم يرفع، ثم بعد ذلك سلم كما في حديث عمران بن حصين فيكون سلم ثلاث مرات: المرة الأولى: لما صلى الركعتين وسلم قبل أن يكمل صلاته. المرة الثانية: لما أكمل ما بقي من صلاته. المرة الثالثة: لما سجد للسهو.

стр. 285

موضع سجود السهو عند الإمام أحمد ﵀ قد اختلف العلماء في مواضع سجود السهو، فالإمام أحمد ﵀ يقول: إن سجود السهو كله قبل السلام إلا في ثلاث حالات: الحالة الأولى: إذا سلم عن نقص. الحالة الثانية: إذا بنى الإمام على غالب ظنه. الحالة الثالثة: إذا ذكره بعد السلام، ذكر ذلك صاحب كتاب (عمدة الفقه) وغيره من العلماء. أما ما سوى ذلك فإنه يسجد قبل السلام؛ وذلك لأنّا جعلنا سجود السهو جزءاً من الصلاة، والصلاة تنتهي بالسلام؛ لقول النبي ﷺ (تحريمها التكبير وتحليلها التسليم) فإذا سلم فقد انتهت صلاته، لكن يستثنى من ذلك هاتان الحالتان: إذا سلم عن نقص، وإذا بنى على غالب ظنه. حديث أبي هريرة هذا فيه حالة من تلك الحالتين، وهو كونه سلم عن نقص، حيث نقص من صلاته ركعتين، فمن صلى الظهر ثلاثاً ثم سلم جاء بالرابعة ثم سلم، ثم سجد للسهو ثم سلم، ومن صلى الظهر ركعتين ثم سلم ناسياً جاء بالركعتين اللتين تركهما ثم سلم، ثم سجد سجدتين ثم سلم، ومن صلى المغرب ركعتين ثم سلم ناسياً جاء بالثالثة ثم سلم، ثم سجد ثم سلم، فمن سلم قبل تمام الصلاة ساهياً أتى ببقية الصلاة ثم سلم، ثم سجد للسهو ثم سلم. الحالة الثانية: إذا بنى الإمام على غالب ظنه، كما إذا صليت بجماعة ثم إنك في أثناء الصلاة شككت هل صليت ثلاثاً أم أربعاً؟! وأغلب ظنك أنها ثلاث، فبنيت عليها، ثم قمت وأتيت بالرابعة وسكت عنك المأمومون ولم ينبهوك، فإذا انقلب ظنك الغالب إلى يقين فإنه لا حاجة إلى سجود، وأما إذا لم ينقلب بل بقي معك ظن ولكنه ليس بظن اليقين، بل لا يزال معك شيء من الشك، ففي هذه الحالة تفعل ما ذكر، فتسلم ثم تسجد ثم تسلم. الحالة الثالثة: إذا لم يتذكر السجود إلا بعد السلام، كما إذا كان عليه سجود سهو لترك تسبيح وما أشبه ذلك، ثم سلم ناسياً ثم ذكروه، فإنه يسجد بعدما يسلم.

стр. 286

المواضع التي يسجد فيها للسهو قبل السلام عند أحمد أما حديث ابن بحينة ففيه أيضاً حالة أخرى وقعت للنبي ﷺ ، وهو أنه لما صلى بهم ركعتين وانتظروا أن يجلس قام، ولم يجلس في التشهد الأول، فقالوا: سبحان الله! فلم يرجع، ثم إنه لما انتهى من صلاته وانتظروا تسليمه سجد سجدتين قبل أن يسلم ثم سلم، فهذا سهو بترك التشهد الأول. وقد استدلوا بهذا الحديث على أن التشهد الأول من الواجبات وليس من الأركان، فإن الأركان لا تسقط، بل لا بد من الإتيان بها، فلما أسقطه وجبره بسجود السهو دل على أنه من واجبات الصلاة، وواجبات الصلاة هي التي تجبر بسجود السهو، فمن ترك التشهد الأول سجد له، كما أن من ترك قول: (سبحان ربي الأعلى) ، أو قول: (سبحان ربي العظيم) أو قول: (سمع الله لمن حمده) فإنه يسجد لها؛ لأن هذه من الواجبات. كذلك بقية واجبات الصلاة الثمانية المعروفة إذا تركت فإنه يسجد لها ثم في هذا الحديث أن سجود السهو كان قبل السلام، لأنه تشهد ولم يبق عليه إلا أن يقول: السلام عليكم ورحمة الله، فسجد سجدتي السهو قبل أن يسلم، فلما سجدهما سلم بعدهما، فدل على أن ترك هذه الواجبات يسجد له قبل السلام، وكذلك بقية أنواع السهو كما إذا زاد ركناً أو زاد ركعة ساهياً، أو زاد صفة من صفات الصلاة، أو شك في شيء من الواجبات، أو ترك واجباً أو نحو ذلك، فالسجود له كله يكون قبل السلام؛ لأن السجود في الأصل جزء من الصلاة، والأصل أن جزء الصلاة يتصل بها فلا يفصل بينه وبينها شيء.

стр. 287

مذاهب العلماء في موضع سجود السهو وقد ذهب بعض العلماء إلى أن سجود السهو كله قبل السلام، وجعله جزءاً من الصلاة، بينما ذهب آخرون إلى أنه كله بعد السلام، وجعلوه شيئاً زائداً على الصلاة، فيسلم ويأتي به بعد أن يسلم؛ لأنه يعتبر جابراً للسهو، وقد ورد السجود قبل السلام في حديث أبي هريرة. وجاء في حديث أبي سعيد ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (إن الشيطان يأتي أحدكم إذا أقيمت الصلاة فيقول له: اذكر كذا اذكر كذا لما لم يكن يذكر، حتى يظل الرجل فلا يدري كم صلى ثلاثاً أم أربعاً، فإذا وجد ذلك فليجعلها ثلاثاً، وليأت برابعة ثم ليسجد سجدتين، فإن كان صلى خمساً شفعت له صلاته، وإن صلى تماماً كانتا ترغيماً للشيطان) أي: فهاتان السجدتان تكونان ترغيماً وإذلالاً للشيطان، فجعل هاتين الركعتين جابرة للنقص الذي حصل بهذا السهو، فهو بمنزلة تكميل النقص الذي يحتاج إلى تكميل.

стр. 288

إذا نسي الإمام التشهد الأوسط وتذكره قبل تمام القيام أو بعده تكلم العلماء على ترك التشهد الأول فقالوا: إذا قام الإمام من الركعة الثانية للثالثة ولم يجلس وتذكر قبل أن يستتم رفع رأسه ورفع ظهره ورفع ركبتيه عن الأرض، فإنه يلزمه أن يجلس؛ لأنه لم يستتم قائماً، وحينئذٍ يجلس ويتشهد ويسجد للسهو عن هذه الحركة وهذا القيام. أما إذا قام من السجود في الركعة الثانية ونهض حتى استتم قيامه، ثم تذكر قبل أن يبدأ في القراءة جاز له الرجوع مع الكراهة، وإن استمر وكمل الثالثة وترك التشهد جازت الصلاة وعليه السجود، وإن رجع جازت الصلاة مع الكراهة، فيرجع ويتشهد ثم يقوم ويأتي بالركعتين الباقيتين أو الواحدة، ثم يسجد أيضاً للسهو. أما إذا شرع في القراءة ولم يتذكر أن عليه جلوساً إلا بعدما شرع في القراءة، ففي هذه الحال يستمر ولا يرجع، وإذا رجع وهو عالم بطلت صلاته، أما إذا رجع وهو ناس أو ساه فهو معذور وعليه سجود السهو في كل حال.

стр. 289

شرح عمدة الأحكام [١٧] المصلي يناجي ربه، فلا ينبغي أن يشغل نفسه بشيء أمامه، وقد شرع له اتخاذ السترة حتى لا يمر أحد بين يديه فينشغل به وينقص ثواب صلاته، كما شرع له دفع من يمر بين يديه، وقد بين الفقهاء حكم المرور بين يدي المصلي، وما يشرع للمصلي لاتقاء ذلك.

стр. 290

المرور بين يدي المصلي قال المصنف ﵀: [باب المرور بين يدي المصلي: عن أبي جهيم عبد الله بن الحارث بن الصمة الأنصاري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لو يعلم المار بين يدي المصلي ماذا عليه من الإثم، لكان أن يقف أربعين خيراً له من أن يمر بين يدي المصلي) ، قال أبو النضر: لا أدري أقال أربعين يوماً أو شهراً أو سنة؟ رواه البخاري. وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إذا صلى أحدكم إلى شيء يستره من الناس، فأراد أحد أن يجتاز بين يديه فليدفعه، فإن أبى فليقاتله، فإنما هو شيطان) . وعن عبد الله بن عباس ﵄ قال: (أقبلت راكباً على حمار أتان -وأنا يومئذ قد ناهزت الاحتلام- ورسول الله ﷺ يصلي بالناس بمنى إلى غير جدار، فمررت بين بعض الصف، فنزلت فأرسلت الأتان ترتع، ودخلت في الصف، فلم ينكر ذلك علي أحد) . وعن عائشة ﵂ قالت: (كنت أنام بين يدي رسول الله ﷺ ورجلاي في قبلته، فإذا سجد غمزني فقبضت رجليّ، وإذا قام بسطتهما، قالت: والبيوت يومئذ ليس فيها مصابيح) .

стр. 291

الحكمة من النهي عن المرور بين يدي المصلي هذه الأحاديث تتعلق بالمرور بين يدي المصلي، وفيها ما يدل على أنه ذنب وأنه كبيرة من الكبائر؛ وذلك لأن المصلي عندما يكبر فإنه يشتغل بمناجاة ربه، ويقبل على صلاته بقلبه، وينظر إلى موضع سجوده، ويفرغ لذلك باله، ويتأمل فيما يقوله وفيما يفعله؛ فلأجل ذلك يندب أن يكون حاضر القلب خاشعاً ذليلاً مقبلاً على عبادته، مبتعداً عن كل شيء يشغله عن العبادة. ولأجل هذا نهي أن يستقبل أشياء تصرف قلبه عن العبادة، فقد ثبت عنه ﷺ (أنه كان يصلي مرة وأمامه ستر -يعني: كساء- فيه شيء من النقوش فقال لـ عائشة: أنيطي عني قرامك، فإني إذا نظرته ذكرت الدنيا) يعني: إذا نظرت ذلك القرام وما فيه من تلك النقوش ونحوها تذكرت الدنيا. ومرة صلى وعليه حلة أو كساء، فلما صلى وانصرف قال لبعض أصحابه: (اذهبوا بسترتي هذه إلى أبي جهم وأتوني بأنبجانية أبي جهم؛ فإنها ألهتني آنفاً عن صلاتي) فجعل العلة أنها ألهته عن صلاته، يعني: كأنه نظر إليها فاشتغل قلبه بها، ومطلوب من المصلي أن لا يشغل قلبه بغير ما هو فيه، حتى يكتب له أجر صلاته كاملة.

стр. 292

حقيقة الوقوف واستشعار إثم المرور بين يدي المصلي في الحديث: أن الذي يمر بين يدي المصلي عليه إثم، وهذا الإثم لم يصرح به، ولكنه دل عليه بكونه لو وقف هذه المدة لكان خيراً له من المرور بين يدي المصلي. لم يحفظ الراوي تحديد المدة إلا أنها أربعون، يقول: (لو يعلم ما عليه من الإثم) ، يعني: ما عليه من الوزر وما عليه من الذنب، (لكان أن يقف أربعين خيراً له من أن يمر بين يديه) لم يقل: أربعين سنة أو أربعين شهراً أو أربعين يوماً، قد تكون واحدة منها، كيف لو وقف أربعين يوماً ماذا تكون حالته؟! كأنه يقول: لو علم أنه يأثم هذا الإثم الكبير لآثر أن يقف في مكانه أربعين يوماً؛ ينتظر فراغ هذا المصلي، بل لو وقف أربعين ساعة لتحسر من ذلك! ليته يقف ولو أربعين دقيقة ليته يقف ولو عشر دقائق حتى يفرغ هذا المصلي، ليته يقف ولو أقل من ذلك بقدر ما يفرغ المصلي من صلاته، وبكل حال فعلى الداعية أن يخبر من يريد المرور بين يدي المصلي أن عليه إثماً وأن وقوفه أفضل له، قل له: قف بضع دقائق حتى يفرغ أخوك من صلاته، وذلك لا يفوت عليك شيئاً ولا تمر بينه وبين سترته، ولا تمر بين يديه فتشغل قلبه، وتقطع عليه تفكيره، وتقطع عليه إقباله على ربه، دعه يكمل صلاته وانتظر قليلاً، فإما أن تصلي كما يصلي حتى تفرغ مع فراغه، وإما أن تنتظر حتى ينتهي من صلاته، هؤلاء الذين يتخللون الصفوف كثيراً ويمرون بين يدي المصلي، ساعة ما ينصرف أحدهم من صلاته، أو ساعة ما يفرغ من راتبته، يتسلل أمام من يتم صلاته كمسبوق، أو من قد شرع في النافلة، فيمر بينه وبين موضع سجوده، وبينه وبين موضع سترته، فيلحقه هذا الإثم الكبير الذي ذكر في هذه الأحاديث، ولو علم مبلغ هذا الإثم وعلم مقداره لآثر الوقوف، ولفضل أن يقف أربعين يوماً أو شهراً أو سنة، ولكنه لم يتصور. فالحاصل أن عليه إثماً كبيراً؛ ولذلك يكون هذا المرور كبيرة من كبائر الذنوب التي يعاقب عليها، ولا تكفر مع الصغائر، قال الله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء:٣١] ، وقد ذكر العلماء تعريف الكبيرة فقالوا: الكبيرة ما ورد فيها وعيد، وهذا الفعل قد ورد فيه وعيد، والوعيد إما أن يكون وعيداً بلعنة، أو وعيداً بغضب، أو وعيداً بعذاب، أو وعيداً بنفي إيمان، أو وعيداً بإثم، أو ما أشبه ذلك، فهذا ورد فيه هذا الوعيد الذي هو إثم، فيكون بذلك من كبائر الذنوب.

стр. 293

حكم السترة وتشبيه المار بين يدي المصلي بالشيطان فيدفع المطلوب من المصلي أن يضع أمامه سترة تستره، حتى إذا مر الناس وراء السترة لم يردهم ولم يضروه، ومطلوب منه أن ينظر إلى موضع جبهته، وإذا لم يتيسر له سترة فليقترب من الحائط الذي أمامه، وإذا اتخذ سترة دنا منها، كما في قوله ﷺ : (إذا صلى أحدكم إلى سترة فليدن منها، ولا يدع أحداً يمر بين يديه، فإن أبى فليقاتله، فإن معه القرين) يعني: معه الشيطان. ووقع ذلك أيضاً في حديث أبي سعيد الذي ذكر في هذا الباب، وهو أنه ﷺ أمر المصلي إذا كبر في الصلاة أن يتخذ له شيئاً يستره، فإذا أراد أحد أن يمر بين يديه فعليه أن يدفعه بقوة، ولو أدى ذلك الدفع إلى أنه يسقط ولو أدى إلى قتاله، يقول ﵊: (فإن أبى فليقاتله فإنما هو شيطان) أو: (فإن معه القرين) ، والقرين هو الشيطان، ﴿وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا﴾ [النساء:٣٨] يعني: أن الشيطان هو الذي يدفعه إلى أن يمر، فلذلك شبهه بأنه شيطان، فقال: (إنما هو شيطان) لو قيل لهذا المار: إنك شيطان، أو إن معك شيطاناً لغضب، والنص وارد بأن معه الشيطان الذي يدفعه حتى يخل بصلاة المصلين وحتى ينقصها.

стр. 294

المقاتلة المأمور بها لمن يمر أمام المصلي هي المضاربة علينا أن ننبه هؤلاء الذين يمرون بين يدي المصلي ونأخذ على أيديهم، وقد ابتلي هؤلاء بعدم صبرهم وبكثرة مرورهم، فيكون سبباً في وقوعهم في هذا الإثم، والناس قد غفلوا عنهم، فلا ينكر أحد على من يمر بين يديه، بل يتركه يمر بين يديه ولا ويبالي، وكأنه لن يمتثل هذا الحديث. أنت مأمور بأن تدفعه ما استطعت؛ حتى لا ينقص عليك صلاتك، ومأمور بأن تخبره بأنه شيطان كما أخبر النبي ﷺ ، حتى قال العلماء: لو قدر أنك دفعته بقوة فسقط فحصل له عيب أو انكسر منه عضو فلا إثم عليك؛ وذلك لأنك مأمور بهذا الدفع، فحتى لو حصل له تلف لن يكون عليك بأس؛ لأنك مأمور بأن تقاتله. والمقاتلة: هي المضاربة فقوله: (فليقاتله) يعني: فليضاربه، فيفعل المصلي ذلك ولو مشى قليلاً أو تحرك قليلاً؛ فكل ذلك لأجل إنكار المنكر، وللزجر عن اقتراف هذا الفعل الذي يخل بالصلاة وينقصها.

стр. 295

مرور المرأة والكلب والحمار بين يدي المصلي أما بالنسبة للأحاديث الأخرى فهي فيما يقطع الصلاة، فقد ورد حديث عن عمر، وحديث عن ابن عمر وحديث عن جابر وغيرهم، أن النبي ﷺ قال: (يقطع الصلاة: المرأة، والحمار، والكلب الأسود، فسأله أبو ذر: ما بال الكلب الأسود من الكلب الأحمر من الكلب الأبيض؟ فقال: الكلب الأسود شيطان) . فأخبر بأن هذه الأشياء الثلاثة تقطع الصلاة، وقد ورد في بعض الروايات تقييد المرأة بأنها المرأة الحائض، كما قيد الكلب بأنه أسود، فالمرأة قيدت بأنها حائض، ولكن قال بعضهم في المرأة الحائض: أي المرأة التي قد بلغت سن المحيض، كما قال ﷺ : (لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار) يعني: صلاة بالغة سن المحيض. فهنا ذكر بأن المرأة تقطع الصلاة، وأن الحمار يقطع الصلاة، وأن الكلب الأسود يقطع الصلاة.

стр. 296

المراد بقطع الصلاة عند مرور الحمار والمرأة والكلب وقد اختلف ما المراد بهذا القطع؟ فقال بعضهم: القطع: هو الإبطال، فمن مر بين يديه شيء من هذه الثلاثة بطلت صلاته، فعليه أن يعيدها. وقال آخرون: القطع هنا هو التنقيص، بمعنى: أن ثواب صلاته يكون أنقص، حيث إنه مر بين يديه ما يخل بإقباله على صلاته وما يكون سبباً في انشغال باله بغيرها. ولعل الأرجح هو أن المراد بالقطع هنا هو النقص. فقوله: (يقطع الصلاة) ، يعني: ينقص أجر الصلاة وثوابها، وكأنه أراد بذلك الحث على التحفظ على الصلاة والإقبال عليها، والزجر الشديد عن التهاون بمن يمر بين يدي المصلي، والتهاون بعدم رد المار من رجل أو امرأة أو نحو ذلك.

стр. 297

وجه الاستدلال على أن الحمار لا يقطع الصلاة بحديث ابن عباس والدليل على أن الحمار لا يقطع الصلاة ما ورد في حديث ابن عباس، فقد ذكر فيه أن النبي ﷺ كان بمنى -يعني: في حجة الوداع- وكان يصلي بالناس ولم يكن أمامهم جدار، فكان أمام النبي ﷺ سترة يعني: عصاً قد غرسها في الأرض واتخذها سترة. وأما الجماعة فلم يكن أمامهم جدار يسترهم، بل هم يصلون صفوفاً وقد جعلوا سترتهم سترة إمامهم، ولهذا قالوا: من كان له إمام فسترة الإمام سترة له، والصف الثاني سترته الصف الأول، فلا يمر أحد بين الصفين، فإنه بمروره بين يدي الصف الثاني يكون قد مر بينه وبين سترته وهو الصف الأول، وكذلك المأمومون الذين يمر المار بينهم وبين إمامهم. أو بينهم وبين سترة إمامهم، والحاصل أن ابن عباس ذكر: (أنه كان راكباً على حمارٍ أتان) الحمار الأتان: هو أنثى الحمار، يقول: (وكنت قد ناهزت الاحتلام) يعني: كان عمره قريباً من أربع عشرة سنة في ذلك العام ولما يحتلم، وكان راكباً على تلك الأتان، فمر بين يدي الصف، فيحتمل أنه مر بينهم وبين موضع سجودهم، ويحتمل أنه مر أمامهم، أي: قدام الصف وإن كان بعيداً، فإنه يصدق عليه أن مر بين أيديهم، وهذا هو الأقرب والأليق به؛ لأنه لا يليق بـ ابن عباس أن يقترب من الصف وهو على ذلك الحمار، بل مر قدامهم، ولو كان بينه وبين الصف مثلاً ثلاثة أمتار أو أكثر فإنه يصدق عليه أنه مر من بين أيديهم. فلما حاذاهم نزل وأرسل الأتان ترتع، ودخل في الصف وصلى مع المصلين ولم ينكروا عليه لما مر قدامهم، فاستدل بهذا على أن الحمار لا يقطع الصلاة؛ لأن ابن عباس مر أمامهم. وأجيب بأن هذا المرور ليس بينهم وبين موضع سجودهم بل قدامهم بكثير، أي: بنحو ثلاثة أمتار أو أكثر، وأجيب أيضاً بأن سترة الإمام سترة لهم، فهم قد اكتفوا بسترة إمامهم والذي يمر من بين أيديهم لم يكن مروره بينهم وبين السترة. وعلى كل حال فالمرور حتى ولو كان على الأرجل ممنوع كما دلت عليه الأحاديث، ولكن أخذوا من هذا أن مرور الحمار ونحوه لا يقطع الصلاة القطع المبطل لها، بل ذلك ينقص الصلاة فقط.

стр. 298

وجه الاستدلال بحديث عائشة على أن المرأة لا تقطع الصلاة أما الحديث الذي بعده فقد ذكرت عائشة أن النبي ﷺ كان يصلي بالليل وهي نائمة، وكانت آنذاك صغيرة يعني: ابنة ثنتي عشرة أو ثلاث عشرة سنة أو نحوها؛ فكانت صغيرة في أول الأمر، والصغير قد يغلبه النوم، فكانت ربما يغلبها النوم والنبي ﷺ يصلي، فلما كان يكبر كانت البيوت ليس فيها مصابيح أي: لا يوجد فيها سراج ولا مصابيح يستضيئون بها، حتى تعرف متى يسجد، أو حتى تراه. فكانت تمد رجليها في قبلته؛ وذلك أيضاً لضيق المكان، فلم تجد بداً من أن تنام معترضة قدامه وهو يصلي، فإذا أراد أن يسجد كانت رجلاها في موضع سجوده، فكان يغمز رجليها فتقبضهما، وإذا قام بعد السجود مدت رجليها وبسطتهما، فاستدلت ﵂ بذلك على أن المرأة لا تقطع الصلاة؛ حيث إنها اعترضت قدامه كاعتراض الجنازة كما في بعض الروايات، أو مدت رجليها في قبلته كما في هذه الرواية، فأفاد أن المرأة لا تقطع الصلاة إذا مرت، ولكن ليس في هذا الحديث مرور إنما فيه اعتراضها، أو إنما فيه مد رجليها قدامه. وعلى كل حال حتى لو قيل مثلاً: إنها مرت بين يديه، فما دام المكان مظلماً وهي لم تمر مروراً تاماً، فإن ذلك لا يدل على أنها لا تقطع الصلاة. والقول الأرجح أنه لا يقطع الصلاة شيء ولكن ينقصها، ورد ذلك أيضاً في حديث عن أبي سعيد أن النبي ﷺ قال: (لا يقطع الصلاة شيء، وادرءوا ما استطعتم) يعني: ادفعوا المار مهما تستطيعون، فمهما كنت مستطيعاً فادفع من يمر بين يديك ولو كان لا يقطع الصلاة، أي: ولو كان لا يبطل ثوابها كلياً بحيث تستأنف، ولكن ينقصها، فادفعوا ما استطعتم ممن يمر بين أيديكم.

стр. 299

وجه استثناء الحرم في جواز المرور بين يدي المصلي وأما استثناء الحرم المكي أو المدني فلم يرد فيه حديث، في كون هذه الأشياء لا تقطع الصلاة فيه، ولكن معلوم أن الزحام شديد قرب المطاف، وأن الناس يكثرون بل كلما كبر واحد فجاء آخرون، فلو وقف الإنسان لطال وقوفه دون أن يفرغ المكان، فلذلك رخصوا في المرور بين يديه إذا كان قريباً من المطاف، واستدلوا بما روي؛ (أنه ﷺ كان مرة يصلي عند المقام والناس يمرون بين يديه) وعلل ذلك بأنه كان لأجل ضيق المطاف وكثرة الطائفين فلم يردهم. وأما بقية أركان المسجد غير المطاف فإن حكمها كحكم سائر المساجد، فإذا كنت مثلاً في المصابيح أو كنت في الرحبة بعيداً عن المطاف، فإياك أن تمر بين يدي أحد، وإياك أن تترك أحداً يمر بين يديك، بل اعمل معه كما تعمل في سائر البلاد، بأن ترده كما ترده إذا مر بين يديك في أي مكان؛ لأن الأوامر عامة، فهذه الأحاديث التي منها: (لو يعلم المار بين يدي المصلي ماذا عليه؛ لكان أن يقف أربعين خير له من أن يمر بين يديه) لم يقل: إلا في المسجد الحرام أو إلا في المسجد النبوي، بل أطلق، فدل على أن الحكم واحد وأن المساجد كلها يشملها حكم واحد، إنما استثني المطاف لكثرة الطائفين ولاستمرارهم.

стр. 300

شرح عمدة الأحكام [١٨] للصلاة حرمة عظيمة في الإسلام، لذلك حرص الشرع على توفير أسباب الخشوع للمصلي وتجنيبه ما يشغل عليه فكره، فحرم الله الكلام في الصلاة، وشرع الإبراد بالظهر في الحر الشديد، ونهى عن إيذاء المصلي بما فيه رائحة كريهة كالثوم والبصل. ولما كان الإنسان قد ينسى الصلاة أو ينام عنها حتى يفوت وقتها، فقد شرع له صلاتها حين يذكرها، وكل ما ذكرناه قد فصل العلماء أحكامه وأحواله.

стр. 301

تحريم الكلام في الصلاة وبطلانها به قال المؤلف ﵀: [عن زيد بن أرقم قال: كنا نتكلم في الصلاة، يكلم الرجل منا صاحبه، وهو إلى جنبه في الصلاة، حتى نزلت: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة:٢٣٨] ، فأمنا بالسكوت، ونهينا عن الكلام. عن عبد الله بن عمر وأبي هريرة ﵄ عن رسول الله أنه قال: (إذا اشتد الحر فأبردوا عن الصلاة؛ فإن شدة الحر من فيح جهنم) ] .

стр. 302

الكلام الخارج عن أذكار الصلاة ومصلحتها يبطلها حديث زيد دليل على أن الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس؛ وذلك لأن الصلاة عبادة، فكانوا أول ما فرضت الصلاة كأنهم يحتاجون أن يتسامح معهم؛ لكونهم حديثي عهد بالإسلام، فرخص لهم في أن يكلم أحدهم صاحبه في حاجته أو يرد عليه أو نحو ذلك، ثم بعدما عقلوا وبعدما فهموا نهوا عن الكلام في الصلاة، ففي هذا الحديث دليل على النهي. وهذه الآية في سورة البقرة: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة:٢٣٨] ، فالقيام لله معناه الوقوف في العبادة، والقنوت: هو دوام الطاعة، ولكن يفهم من القنوت الخشوع، والخشوع يستلزم الإقبال على الصلاة، وأن التكلم في نفس الصلاة فيه شيء من المنافات للقنوت؛ فلأجل ذلك أمروا بالسكوت ونهوا عن الكلام. والكلام الذي نهوا عنه هو الكلام الذي يكون خارجاً عن الصلاة ولا يتعلق بمصلحتها، ومعلوم أن الصلاة ليس فيها سكوت مطلق، بل الإنسان لا يسكت إلا إذا كان خلف الإمام والإمام يقرأ، فإنه يسكت ويستمع لقراءته، أما في غير ذلك فإنه يقرأ، ففي حالة القيام يقرأ الإمام والمنفرد السورة والفاتحة، وكذلك المأموم في السرية يقرأ، وكذلك في الركوع كل منهم يسبح، يقول: (سبحان ربي العظيم) ، أو يثني على الله، وفي السجود يسبح، وفي جلسته بين السجدتين يدعو، وفي التشهد يتشهد، وفي الرفع بعد الركوع يأتي بالثناء على الله تعالى، فليس في الصلاة سكوت بل فيها كلام، ولكنه مناجاة بين العبد وربه. فالكلام الذي نهوا عنه هو الكلام الذي كان يجهر بعضهم لبعض به، فيأمر أحدهم صاحبه بحاجته، ويكلم خادمه، ويردون السلام بالكلام ونحو ذلك، ثم نهوا عن ذلك وأمروا أن يتركوا الكلام الذي لا صلة له بالصلاة.

стр. 303

العفو عن الكلام في الصلاة لمصلحتها ثم قد يحتاجون إلى أن يتكلموا لمصلحة الصلاة، كما إذا سها إمامهم ولم يجدوا بداً من أن يفتحوا عليه، ففي هذه الحال لهم أن يكلموه بقدر الحاجة لا أكثر، وذلك إذا لم يفهم فيتكلمون معه بقدر الحاجة، كما تقدم في حديث ذي اليدين: (أنه ﷺ لما صلى ركعتين وانصرف واعتقد أن الصلاة قد تمت، فتكلم معه ذو اليدين فقال: أنسيت أم قصرت الصلاة؟ فقال: لم أنس ولم تقصر، فقال: بلى قد نسيت، فقال: أكما يقول ذو اليدين؟ فقالوا: نعم) ، كل هذا كلام ليس من جنس الصلاة، ولكنه من مصلحتها، فللمأمومين أن يكلموا إمامهم إذا سها ولم يفهم إلا بإيضاح ذلك. أما من تكلم ساهياً أو جاهلاً فإنه يعذر؛ وذلك لحديث معاوية بن الحكم السلمي لما أسلم وكان جاهلاً بالصلاة وصلى معهم؛ يقول: (فعطس رجل فقلت: يرحمك الله -يعني: وهو في الصلاة- فنظر الناس إليّ -يعني: استنكاراً- فقلت: واثكل أمياه، ما لكم تنظرون إليّ؟! فجعلوا يضربون أفخاذهم يسكتونني، فسكت، فلما انصرف النبي ﷺ استدعاني يقول: فوالذي نفسي بيده ما رأيت معلماً أحسن منه، فوالله ما كهرني ولا زجرني، ولكنه قال: إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هو الذكر والدعاء وقراءة القرآن) ، فهذا هو الذي يشرع في الصلاة، وهو ذكر الله ودعاؤه وقراءة كلامه، أما الكلام العادي الذي بين الناس فإنه لا يجوز التكلم به. فمن تكلم وهو جاهل فإنه معذور كما في قصة معاوية هذا، وأما من تكلم عامداً عالماً بالحكم فإنه تبطل صلاته. وقد وقع في زمن أبي موسى أنه صلى مرة بأصحابه فتكلم رجل خلفه فقال: (ويحك! أقرنت الصلاة بالبر والزكاة، فلما سلم أبو موسى سأل: من الذي تكلم بهذه الكلمة؟ فسكتوا كلهم، ثم علمهم واستدل بقول النبي ﷺ : (إذا كبر الإمام فكبروا، وإذا قرأ فأنصتوا) والإنصات معناه السكوت والاستماع، يعني: لا تتكلموا بشيء ليس من جنس الصلاة. فالواجب على كل من يعرف أهمية الصلاة وحرمتها أن يخشع فيها ويحضر قلبه، وأن ينكر على من رآه متساهلاً فيها، فكما أن الكلام يبطلها فكذلك كثرة الحركات قد تكون أشد من الكلام، فتبطل بذلك.

стр. 304

الحكمة من تأخير صلاة الظهر عند شدة الحر والإبراد بها أما الحديث الذي بعده فيقول ﷺ : (إذا اشتد الحر فأبردوا عن الصلاة -أو فأبردوا بالصلاة- فإن شدة الحر من فيح جهنم) ، يعني بذلك صلاة الظهر. هذا الحديث يتعلق بالمواقيت، وهو أن الصلاة إذا كان في شدة الحر فإنها تؤخر إلى أن تنكسر شدة الحر، ولعل السبب في ذلك هو الإقبال على الصلاة، فإنهم إذا كانوا في حر شديد لم يقبلوا عليها ولم يخشعوا فيها، والمطلوب الخشوع، وهو لب الصلاة وروحها. كانوا يصلون في المسجد وقد تكون دورهم بعيدة، قد يكون بين بعضهم وبين المسجد نحو أكثر من كيلو، وكانوا يأتون على أرجلهم مع شدة الحر وشدة الرمضاء، والمسجد أيضاً ليس فيه مكيفات، وليس فيه مراوح كهربائية، بل فيه حر شديد وعرق فهم عند أدائهم للصلاة قد يلاقون هذا الحر الشديد، فلا يقبلون على صلاتهم، ولا يطمئنون فيها، ويتمنون أن ينصرفوا؛ لما يجدون من التعب ومن المشقة، فلهذا الغرض أمرهم بأن يبردوا بالصلاة. وقد روي: (أنه ﵊ كان يبرد بالصلاة حتى في السفر) ، وذكروا: (أنه كان مرة في سفر فأراد بلال أن يؤذن فقال: أبرد، ثم أراد أن يؤذن فقال: أبرد؛ حتى رأوا فيء التلول) ، والتلول: هي كثب الرمل المجتمع، ومفردها تل، قوله: (حتى رأوا فيئها) أي: رأوا لها ظلاً، وذلك لا يكون إلا بعد أن تزول الشمس وتمشي كثيراً؛ فيكون ذلك سبباً لخفة الحر وحصول الإبراد.

стр. 305

استحباب الإبراد عند شدة الحر دون غيره ثم أحاديث الإبراد كثيرة وقد عللت بأن شدة الحر من فيح جهنم، وعلى هذا التعليل فالحكم عام؛ لأنه إذا كان ذلك من فيح جهنم، فإن المسلمين لا يشتغلون ولا يصلون في هذا الوقت، وقد ورد أن هذا الحر الذي يكون في وسط النهار هو حر الشمس، ولكن الشمس لا بد أن الله يوقدها ويشدد حرارتها، أو أن تلك الحرارة هي من فيح النار، وفي الحديث المشهور: (اشتكت النار إلى ربها، فقالت: يا رب! أكل بعضي بعضاً، فأذن لها بنفس في الصيف ونفس في الشتاء، فأشد ما تجدون من الحر من سموم جهنم -أو من فيح جهنم- وأشد ما تجدون من البرد من زمهرير جهنم) . وإذا كان هذا من فيح جهنم؛ فإنه يسن الإبراد على كل حال، ولكن الجمهور من العلماء فهموا أن الأمر بالإبراد منوط بالعلة وبالسبب، وهو أن الحر لا يحصل معه خشوع ولا إقبال على الصلاة، بل يصلي أحدهم وهو منشغل مشتت الفكر غير مقبل على صلاته، بل يتمنى الخروج منها، فإذا زالت هذه الأسباب فلا داعي للإبراد. أما حالتنا نحن في هذه الأزمنة وفي هذه البلاد ونحوها، فإنه ليس علينا مشقة؛ وذلك لقرب الدور من المساجد، ولأن المساجد مفروشة وفيها مراوح كهربائية ومكيفات، فلم يبق هناك ما يشق معه الجلوس والانتظار، إذاً: فلا داعي إلى الإبراد.

стр. 306

جواز الصلاة في شدة الحر وعلى هذا فالغرض من الإبراد هو أن يحضر الإنسان قلبه في الصلاة، فلا يصلي وقلبه منشغل بشيء يمله أو يضجره أو نحو ذلك، ومنه الحديث الذي يذكر فيه: (أنهم كانوا يصلون مع النبي ﷺ في شدة الحر، حتى إن أحدهم إذا سجد يفرش طرف ردائه أو كمه ويسجد عليه) ، فهذا دليل على أنهم قد يصلون أحياناً في مكان شديد الحرارة. ومعلوم أيضاً أنهم كانوا يصلون على الأرض، وقد تكون الأرض حصباء، فإذا وقعت عليها الشمس حميت تلك الحصباء، ولا تبرد إلا في قرب وقت العصر، فيضطرون إلى أن يصلوا، فلا يجد أحدهم بداً من أن يفرش طرف ردائه أو يفرش طرف كمه أو طرف عمامته ويسجد عليه، ليقي جبهته من ذلك الحر الشديد. وأما بقية أعضاء بدنه فيصبر على الحرارة التي تصيبها كيديه وقدميه ونحو ذلك، فهذا دليل على أنه يجوز أن يصلي ولو مع شدة الحر. لكن الأولى أن يقبل على صلاته إقبالاً كلياً، وأن يفعل فيها الأفعال التي إذا أتى بها عن رغبة وعن محبة وعن إقبال أثيب عليها.

стр. 307

من موانع الخشوع في الصلاة وقد ذكروا أشياء مما يشتت على الإنسان فكره، فمنها ما تقدم من أنه ﷺ قال: (لا صلاة بحضرة طعام، ولا وهو يدافعه الأخبثان) ، إذاً: لا يصلي وهو يشتهي الطعام، كالصائم شديد الحاجة إلى الطعام؛ لأنه إذا صلى قبل أن يتناول شهوته من الطعام لم يقبل على صلاته، وكذلك إذا خشي أن يؤكل الطعام قبل رجوعه، فيبقى قلبه متعلقاً بذلك الأكل حال صلاته، فأمر بأن يقدم الأكل على الصلاة. كذلك صلاته وهو يدافعه الأخبثان: البول والغائط؛ وذلك لأنه إذا صلى لم يقبل على صلاته، بل يصلي وهو في حالة ملل وضجر وفي حالة شدة، ويتشوش عليه فكره وذهنه؛ فلأجل ذلك أمر بأن يتخلى وبأن يزيل عنه هذا الخبث؛ حتى يقبل على صلاته وقلبه فارغ ليس فيه ما يكدره، فكذلك لا يصلي في حر شديد ولا يصلي في برد شديد وهو يجد ما يخفف ذلك الحر وذلك البرد، كل ذلك لأجل تحصيل الخشوع في الصلاة والإقبال عليها. وإذا اضطر إلى ذلك وخاف فوت الوقت، فإنه يصلي ويتقي الحر بما يستطيع من طرف عمامته الذي يسجد عليها أو طرف كمه أو طرف ثوبه أو نحو ذلك.

стр. 308

قضاء الفوائت بنوم أو نسيان أما حديث: (من فاتته صلاة وخرج وقتها، فإنه يصليها، ولا عذر له بتركها) ، فمثلاً: فوات الصلاة إما أن يكون للنسيان، وإما أن يكون للنوم، فمن تركها للنوم فالنوم عذر، ولكن لا ينبغي للإنسان أن ينام في الوقت الذي يغلب على ظنه أنه يستغرق وقت الصلاة، إلا أن يجعل من يوقظه إذا حضرت الصلاة، فإذا وكل أحداً يوقظه فنسي ولم يوقظه حتى طلعت الشمس أو حتى ارتفعت، فإنه معذور، وفي الحديث (ليس في النوم تفريط إنما التفريط في اليقظة) ، فإذا نام واستغرق في النوم ولم يوقظه أحد أو كانت عادته أنه ينتبه ولكن غلبه النوم، فهو معذور. ومتى يصلي؟ جاء في الحديث: (من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها) . وهكذا أيضاً إذا غفل عن الصلاة بأن انشغل ونسي وقتها، كما إذا قدم من سفر فاشتغل ونسي، أو أخرها يعتقد أنه سيصليها ثم نسيها، فالناسي أيضاً معذور، ولكن يصليها إذا تذكرها. فإذا تذكرها بادر بأدائها ولو كان في وقت نهي، فإذا تذكر صلاة الفجر بعد أن شرقت الشمس وقبل أن ترتفع صلاها في ذلك الوقت، وكذلك إذا تذكر صلاة العصر أو استيقظ لصلاة العصر وقد تضيفت الشمس للغروب، فإنه لا يؤخرها بل يصليها في ذلك الوقت، وهكذا لو غفل ونسي صلاة الظهر ولم يذكرها إلا بعد العصر فإنه يصليها في ذلك الوقت، وقد استدل النبي ﷺ بهذه الآية وهي قوله تعالى في سورة طه ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه:١٤] ، قيل معنى الآية: أقم الصلاة لتذكرني بها، وقيل معنى الآية: أقم الصلاة إذا تذكرتها، وكلا المعنيين صحيح، كما سيأتي في الأحاديث التي ذكرها المؤلف.

стр. 309

قضاء الصلاة الفائتة بسبب النسيان قال المؤلف ﵀: [عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها، لا كفارة لها إلا ذلك، وتلا قوله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه:١٤] ولـ مسلم: من نسي صلاة أو نام عنها، فكفارتها أن يصليها إذا ذكرها) . وعن جابر بن عبد الله ﵄: (أن معاذ بن جبل كان يصلي مع رسول الله ﷺ العشاء الآخرة، ثم يرجع إلى قومه فيصلي بهم تلك الصلاة) . وعن أنس ﵁ قال: (كنا نصلي مع رسول الله ﷺ في شدة الحر، فإذا لم يستطع أحدنا أن يمكن جبهته من الأرض، بسط ثوبه، فسجد عليه) . وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لا يصلي أحدكم في الثوب الواحد، ليس على عاتقه منه شيء) ] . هذه الأحاديث تتعلق بالصلاة، فالحديث الأول يتعلق بقضاء الصلاة الفائتة: (من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها، لا كفارة لها إلا ذلك، وتلا قوله الله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه:١٤] ) . فالآية ظاهرها الدلالة على مشروعية الصلاة لأجل الذكر وهو صحيح، فإن الصلوات شرعت لأجل ذكر الله تعالى؛ لأن الصلاة تذكر بالله، فمن حين يسمع المؤذن وهو يسمع ذكر الله، مثل: تكبيرات الأذان وكذلك الشهادتان، وهكذا أفعال الصلاة تذكر بالله، وهكذا الأقوال فيها تذكر بالله، فهي كلها ذكر لله. ولكن يدخل في ذلك أيضاً الإتيان بالصلاة عند ذكرها بعد النسيان، فمثلاً: إذا نسي صلاة أو غفل عنها حتى خرج وقتها لشغل أو لغيبة أو لسفر ثم تذكرها، فإنه يبادر في تلك الساعة ويصليها ولو كان في وقت نهي، فإذا تذكر صلاة الظهر بعد العصر صلاها في ذلك الوقت، وإذا تذكر صلاة العشاء بعد الفجر صلاها في ذلك الوقت، وكذلك لو قدر أنه نام عن صلاة العشاء غفلة أو غلبة أو نحو ذلك، ثم استيقظ وصلى الفجر، ولما صلى الفجر تذكر أنه لم يصل العشاء، فإنه يبادر ويصليها في حينه ولا يؤخرها، ولو كان في وقت نهي، وهكذا بقية الصلوات كلما تذكر صلاة بادر وأتى بها دون تأخير.

стр. 310

قضاء الصلاة الفائتة بسبب النوم وهكذا يقال في النوم، قد ثبت: (أنه ﷺ كان مرة في سفر، ثم إنهم ساروا أكثر الليل، ولما كان آخر الليل نزلوا ليريحوا أنفسهم، فغلبهم النوم كلهم، ولم يستيقظوا إلا بعدما طلعت الشمس، فلما استيقظوا توضئوا من حينهم، وصلوا صلاة الصبح بعدما طلعت الشمس وانتشرت ولم يؤخروها) ، فصار ذلك سنة فيمن فاتته صلاة لنوم أو لغفلة أو لنسيان أو نحو ذلك أن يبادر ويصليها حين يذكرها. ولا يجوز للإنسان أن يكثر الاشتغال عن الصلاة بما يسبب غفلته، وكذلك لا يجوز له تعاطي الأسباب التي تجعله ينام عن الصلاة حتى يمضي وقتها، بل على المؤمن أن تكون له همة للمحافظة على الصلاة، وأن يكون له ميل إليها ورغبة شديدة تحمله على أن لا يغفل عنها، وتحمله على أن ينتبه لها في وقتها، فإذا انتبه لها وأتى بها كان إتيانه بها في وقتها، هكذا حالة من يكون حريصاً على العبادة. وقد ذكر العلماء أن أوقات النهي تقضى فيها الفوائت، فالصلاة التي فاتت وخرج وقتها إذا تذكرها وهو في وقت نهي فإنه يصليها في ذلك الحين، ودليلهم هذا الحديث: (فليصلها إذا ذكرها؛ لا كفارة لها إلا ذلك) ، هذا وجه الدلالة من هذا الحديث.

стр. 311

حكم صلاة المفترض خلف المتنفل والعكس أما حديث معاذ بن جبل ﵁ ففيه أنه كان حريصاً على ملازمة النبي ﷺ للتعلم وللقراءة، فكان يحضر معه المغرب، ويتعلم منه ما ينزل من الوحي، وما يتجدد من الأحكام، ويطيل ملازمته، ويمكث على ذلك أكثر الوقت ثم يحضر صلاة العشاء، وبعدما يصلي مع النبي ﷺ العشاء ينصرف إلى قومه، وحيث إنه أقرؤهم، حيث كان من حملة وحفظة القرآن مع كونه من شبابهم، حيث كان في ذلك الوقت شاباً دون العشرين، فكان لذلك مقدماً في قومه، فلذلك كانوا يقدمونه في الصلاة، وينتظرونه ولو تأخر عليهم، فيصلي بهم تلك الصلاة التي صلاها مع النبي ﷺ . وقد تقدم أنه ﷺ أمره بأن يرفق بهم وأن لا يطيل عليهم، وقد ذكرنا أنه كان يتأخر؛ وذلك لأن النبي ﵊ غالباً ما يؤخر صلاة العشاء حتى يمضي من الليل ساعتان وربما ثلاث ساعات، ثم الطريق من المسجد النبوي إلى العوالي يستغرق ساعة أو قريباً منها، فلا يأتيهم إلا وقد مضى نحو ثلث الليل أو قريب منه. وقد كانوا أهل عمل وأهل حرفة، فلأجل ذلك نصح وأمر بأن يرفق بهم وأن لا يطيل عليهم وأن يقرأ من قصار المفصل، ولكن الشاهد في هذا الحديث أنه كان يصلي بهم وهم مفترضون وهو متنفل؛ وذلك لأنه قد أدى الفريضة خلف النبي ﷺ ، فأفادنا أنه يجوز أن يصلي المفترض خلف المتنفل، والمفترض هو الذي يصلي الفرض، والمتنفل هو الذي صلاته نفل. اشتهر عن بعض الفقهاء ﵏ أنه لا يجوز أن يصلي المفترض خلف المتنفل؛ وذلك لأن صلاة المفترض أقوى، فلأجل ذلك لا يكون الضعيف إماماً للقوي، ولكن هذا الحديث يخالف ما اختاره، حيث إن فيه دليلاً على أنه يجوز. وإذا جاز هذا جاز العكس، وهو كون المتنفل يصلي خلف المفترض وتكون له نافلة، فقد ثبت: (أنه ﷺ رأى رجلين معتزلين في ناحية المسجد، وكان في مسجد الخيف بمنى، فلما انصرف من صلاة الفجر، أمر بهما فجيء بهما فقال لهما: لماذا لم تصليا معنا؟ فقالا: قد صلينا في رحالنا، فقال: لا تفعلا، إذا صليتما في رحالكما ثم أدركتما الجماعة فصليا معهم، وتكون لكما نافلة) . فأفاد أنه يجوز أن يصلي المتنفل خلف المفترض وذلك بأن تصلي مع الجماعة في المسجد النائي، ثم بعد ذلك تأتي وتجد جماعة يصلون فتعيد تلك الصلاة معهم، وتكون الثانية هي النافلة، ولو صليت الأولى وأنت منفرد، فإنك تصلي الثانية مع الجماعة، وتكون الثانية هي النافلة، والفريضة هي التي أديت في أول وقتها.

стр. 312

حكم الصلاة في الثوب الواحد ووجوب ستر المنكبين وأما حديث الصلاة في الثوب الواحد فقد ثبت: (أنه ﷺ سئل: هل تصح الصلاة بالثوب الواحد؟ فقال: أو لكلكم ثوبان؟! -وفي رواية-: أوكلكم يجد ثوبين؟!) وهذا يفيد أنه يجوز أن يصلي المرء في ثوب واحد ولكن إذا كانت الصلاة فريضة فإنه يستر منكبيه أو أحد منكبيه، وإذا كانت نافلة اكتفى بستر عورته من السرة إلى الركبة فقط ويصلي؛ لأن النافلة أمرها أخف من الفريضة.

стр. 313

مسمى الثوب عند العرب مسمى الثوب يدخل فيه كل قطعة تستر جزءاً من البدن، فيسمى الإزار الذي يلبس على العورة ثوباً، والرداء الذي يرتديه الإنسان على ظهره يسمى ثوباً، والقميص الذي له جيب وأكمام يسمى ثوباً، والسراويل التي تفصل على العورة تسمى ثوباً، وهكذا بقية الأغطية كل واحد منها يسمى ثوباً. والحديث ورد في القطعة التي ليست مخيطة، والتي كانت هي غالب لباسهم في ذلك الوقت؛ لأنه لم يتوفر عندهم خياطة القمص التي لها جيوب ولها أكمام، فكان أغلب لباسهم الأزر والأغطية كلباس المحرم، هذا أغلب ما كانوا يلبسونه، فكثيراً ما يصلي أحدهم وليس عليه إلا قطعة واحدة، ولكن يتأكد في الصلاة المفروضة أن يستر منكبيه أو أحد منكبيه، بأن يلتحف بهذه القطعة فيضعها على منكبيه ثم يلفها على بدنه إلى ما تحت الركبة، وبذلك يكون قد ستر عورته وظهره ومنكبيه. وأما النافلة فورد في الحديث: (إذا كان الثوب ضيقاً فأتزر به، وإن كان واسعاً فالتحف به) ، فأفاد أنه إذا كان قطعة واسعة كالرداء العريض ألقاه على ظهره والتحف به حتى يستر عورته ويستر ركبتيه إلى ساقيه، وإذا كان الثوب ضيقاً فيكتفى بأن يأتزر به، يعني: يجعله على عورته كالإزار الذي يستر العورة، فهذا ونحوه هو الذي ورد في الحديث.

стр. 314

خلاف العلماء في وجوب ستر المنكبين في الصلاة ذهب بعض العلماء إلى أنه لا يلزم ستر المنكبين بل يجزئ أن يصلي وهما مكشوفان، سواء كانت الصلاة فرضاً أو نفلاً، أخذاً من قوله ﷺ : (إذا كان الثوب ضيقاً فأتزر به) ، وذهب آخرون وهو الصحيح: إلى أنه يفرق بين الفرض والنفل، ففي النافلة يتسامح فيجوز أن يقتصر على ستر العورة بإزار يشده على عورته من السرة إلى الركبة، فلو صلى وهو مكشوف الظهر ومكشوف الرأس ومكشوف الساقين صحت نافلته. وأما الفريضة فلها أهمية، فلا بد أن يستر فيها ما بين السرة والركبة وهذه هي العورة، ثم مع ذلك يستر الظهر، فيلقي على ظهره كساء يستره، ويستر منكبيه أو أحد منكبيه، وإذا كان عليه قميص واحد مفصل بالجيب والأكمام، وقد ستر ما تحت الركبة اكتفى بذلك ولو كان حاسر الرأس.

стр. 315

حكم الصلاة بالثياب الشفافة يلاحظ أنه لا بد أن يكون الثوب الذي يصلي فيه صفيقاً أي: متيناً لا يصف البشرة، فإنه يلاحظ أن كثيراً من الذين يلبسون الثياب الشفافة الرقيقة ويلبسون تحتها تباناً -وهي السراويل القصيرة- أنه يظهر بعض عورتهم، بحيث يظهر الفخذ أو بعض الفخذ لرقة الثوب، فلا بد أن يكون الثوب متيناً غليظاً إذا كان واحداً، فإن كان الثوب رقيقاً فلا بد أن يلبس تحته سراويل أو إزاراً؛ ليستر العورة التي هي ما بين السرة والركبة كما هو معروف. وأما بقية الجسد فلا يلزم، فلو صلى مثلاً وهو مكشوف الرأس لم يكن عليه بأس في ذلك، وكذلك بقية أجزاء الجسم كاليدين والرجلين ونحو ذلك، هذا كله بالنسبة إلى الرجل.

стр. 316

صفة ثياب المرأة في الصلاة أما المرأة فإنها تستر جميع بدنها إلا وجهها؛ ولذلك سألت أم سلمة النبي ﷺ : (هل تصلي المرأة في الدرع الواحد؟ فقال: نعم إذا كان سابغاً يغطي ظهور قدميها) فاشترط أن يغطي ظهور القدمين، يعني: حتى الأصابع. فعلى المرأة أن تستر قدميها، وإذا ألزمت بستر القدمين فمن باب أولى بقية البدن، وتستر أيضاً رأسها وشعرها، ودليل ذلك قوله ﷺ : (لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار) والمراد بالحائض هنا: التي قد بلغت سن المحيض. فإذا بلغت المرأة بالحيض كلفت، ولو كانت بنت عشر أو إحدى عشرة، فمتى بلغت بالحيض وجب عليها أن تستر بدنها كله في الصلاة فلا تبدي من بدنها شيئاً، فمن ذلك الرأس تستره بالخمار الذي يغطي شعرها ويغطي رأسها وعنقها ونحو ذلك، وهذا يتعلق بشروط الصلاة.

стр. 317

حكم دخول المساجد لمن أكل ما له رائحة كريهة قال المؤلف ﵀: [باب ما جاء في الثوم والبصل ونحوها: عن جابر بن عبد الله ﵄، عن النبي ﷺ قال (من أكل ثوما أو بصلاً فليعتزلنا -أو ليعتزل مسجدنا- وليقعد في بيته، وأتي بقدر فيه خضرات من بقول، فوجد لها ريحاً فسأل عنها؟ فأخبر بما فيها من البقول، فقال: قربوها -إلى بعض أصحابه كان معه- فلما رآه كره أكلها قال: كل؛ فإني أناجي من لا تناجي) وعنه ﵁، أن النبي ﷺ قال: (من أكل البصل أو الثوم أو الكرّاث فلا يقربنّ مسجدنا؛ فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو الإنسان -وفي رواية-: بنو آدم) ] . هذه الأحاديث تدل على ضرورة احترام المساجد واحترام العبادات بتجنيبها الروائح المستكرهة، وكذلك احترام المصلين واحترام الملائكة عن الأقذار وعما يستنكر أو تكره رائحته.

стр. 318

العلة من النهي عن أكل الثوم والبصل لمن يأتي المساجد معلوم أن الثوم والبصل والكرّاث من البقول التي خلقها الله وأنبتها، وجعلها مباحة وفيها منفعة، وفيها مصلحة، ويأكلها الناس للعلاج، وفيها منافع وعلاج لكثير من الأمراض، كما ذكر ذلك العلماء في الكلام على منافعها، ومع ذلك فإن فيها رائحة مستكرهة عند الناس، ولما كانت مستكرهة؛ فإن الإنسان إذا شم هذه الرائحة من غيره كره مجالسته وكره القرب منه وابتعد عنه؛ حتى لا يتأذى بهذه الرائحة المستكرهة؛ فلأجل ذلك نهى الرسول ﷺ أن يأتي المسجد من فيه هذه الروائح ونحوها. وكان ﵊ لا يأكلها دائماً، ويعتذر بأنه يناجي الملائكة أو أنه ينزل عليه الملك، والملائكة تتأذى من هذه الرائحة مطلقاً؛ فلأجل ذلك أباح أكلها لبعض أصحابه الذين لا يناجون ما يناجي، فقوله: (فإني أناجي من لا تناجي) المناجاة: هي الكلام الخفي بين اثنين، كما في قوله تعالى: ﴿إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلا تَتَنَاجَوْا بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المجادلة:٩] يعني: إذا تخاطبتم فيما بينكم بخطاب خفي. فيقول: (فإني أناجي من لا تناجي) يعني: أنه ينزل علي الملك ويكلمني ويعلمني القرآن، ولما كان الملك له حرمة فإني أحب أن لا أقابله برائحة مستكرهة، وقد كان ﵊ يكره أن يوجد منه شيء من الروائح المستكرهة، ولذلك لما شرب عسلاً عند إحدى زوجاته قالت له زوجة أخرى: (إني أجد منك ريح مغافير -المغافير: هو شجر من شجر العضاة له رائحة- فقال: إنما شربت عسلاً، فقالت: جرست نحلها العرفط) ، يعني: أن نحلة أكلت من شجر العرفط الذي له رائحة، فعند ذلك كره ذلك العسل مخافة أن يوجد منه رائحة مستكرهة، فهذا دليل على أنه لا يحب أن يشم منه رائحة مستكرهة. كذلك كان يحب الروائح الطيبة، فكان دائماً يستعمل الطيب في بدنه وفي ثيابه؛ وذلك لكي توجد منه الرائحة الطيبة التي يحبها والتي تألفها الملائكة، والتي يحبها المصلون والمؤمنون، وحث على الطيب وأمر به ورغب فيه وأخبر بأنه يحبه، وكل ذلك حرصاً منه على قطع الرائحة الكريهة واستعمال الرائحة الطيبة بحسب المستطاع. ولما اشتكى إليه أناس في يوم الجمعة أنهم يتأذون ببعض الروائح، أمرهم بالاغتسال والتنظف في يوم الجمعة، وأن يستعمل الإنسان من طيب أهله ليوم الجمعة، حتى لا يتأذى بعضهم ببعض مما يحصل منهم من الوسخ وروائح الجلد والثياب المتسخة ونحو ذلك؛ كل ذلك لأجل احترام العبادة وأن يأتي إليها وهو راغب محب لها بكل قلبه، وأن لا يوجد منه ما ينفر منه الملائكة أو ما ينفر منه المصلون، هذه الحكمة من النهي عن هذه الروائح المستكرهة في هذه العبادة التي هي الصلاة. والإنسان مأمور بأن يخشع ويخضع في صلاته وأن يكون قلبه مطمئناً فيها، ومن المعلوم أنه لا يطمئن اطمئناناً كاملاً إذا كان إلى جانبه من يشم منه رائحة مستكرهة، لا يكون في صلاته ولا يحضر قلبه، ولا يتأمل ما يقول لما يتأذى به. نقول: هذا هو السبب في كونه ﵊ نهى عن أن يأتي إلى المساجد من فيه هذه الروائح: (من أكل ثوماً أو بصلاً أو كراثاً فلا يقربنّ مسجدنا) هذه الأشياء موجودة وهي مباحة، والدليل على إباحتها أنه قال لبعض الصحابة: (كل؛ فإني أناجي من لا تناجي) فدل على أنها مباحة وحلال. فإذاً: نهيه في هذا الحديث بقوله: (لا يقربن مسجدنا) فيه أمر بعدم أكلها في الأوقات التي تبقى رائحتها وهو في المسجد، بل يأكلها في الأوقات التي يزول ريحها قبل أن يأتي وقت الصلاة، فإذا أكل بصلاً مثلاً أو كراثاً أو نحو ذلك أكله في الأوقات الطويلة كبعد الفجر وبعد العشاء؛ حتى يزول أثرها قبل أن يدخل وقت الصلاة. وورد عن عمر ﵁ أنه قال: (إذا احتاج أحدكم إلى أكل هذه البقول فليمتها طبخاً) أي: أنها إذا طبخت زال أثر الرائحة منها، هذا إذا احتاج إليها قرب وقت الصلاة، وعلى كل حال فالنهي عنها قرب وقت الصلاة، وأما في الأوقات التي ليس فيها وقت صلاة، أو بالنسبة للمعذور الذي يصلي في بيته لمرض، أو المسافر الذي يصلي وحده أو نحو ذلك، فإن له ذلك، أما المساجد فلا يجوز أن يأتيها من فيه هذه الروائح. وقد علل في الحديث الثاني بقوله: (فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم) أي: أن الملائكة تحضر الصلوات وتحضر المساجد، وحضورها في هذه المساجد وقت الصلاة لأجل مشاهدة صلاة العباد لا شك أن فيه خيراً، ولذلك تشهد للمصلين، حيث يسألهم ربهم عن عباده وهو أعلم بهم؟ فيقولون: (أتيناهم وهم يصلون، وتركناهم وهم يصلون) ، فهؤلاء الملائكة إذا وجدوا هذه الرائحة في المساجد تأذوا بذلك، فلذلك نهي عن استعمال هذه الأشياء قرب وقت الصلاة والإتيان إلى المساجد بها.

стр. 319

حكم من يأكل البصل والثوم والكراث لأجل ترك صلاة الجماعة ثم نقل إلينا أن بعضاً من المتمعلمين جعلوا ذلك عذراً لترك صلاة الجماعة، ذكروا أن الحبشي الذي اشتهر قبل سنوات في لبنان، وكان قد تتلمذ عليه أكثر من عشرين ألفاً، أو انخدعوا به، فقال لهم: كلوا البصل حتى تسقط عنكم صلاة الجماعة وصلاة الجمعة فلا تكونوا مطالبين؛ فإنكم منهيون عن إتيان المسجد إذا أكلتموه. نقول: هذا كذب لا يجوز أن يتخذ عذراً في ترك صلاة الجماعة، والصحابة ماذا فعلوا وماذا فهموا لما أنه أخبرهم بأن الملائكة تتأذى بهذه الرائحة؟ قالوا: (شيء يحرمنا من المسجد لا نريده) ، يعني: لا حاجة لنا في هذا الذي يمنعنا من حضور الصلاة ومن حضور المساجد، فتركوه في الأوقات القصيرة، ولم يأكلوه إلا لحاجة في الأوقات الطويلة التي يذهب معها رائحته، ولم يجعلوه عذراً ولم يقولوا: نأكل البصل ونأكل الكراث ونصلي في البيوت، ما دام أن لنا عذراً؛ لأنهم عرفوا أن صلاة الجماعة واجبة وأن فيها فضلاً، وأنهم مأمورون بحضورها، وأنها تكتب لهم خطواتهم ونحو ذلك، كل ذلك فهموه من النصوص، فلما فهموا هذا من النصوص عرفوا أن ترك المساجد فيه عقوبة، فقالوا: لا حاجة لنا في الشيء الذي يحول بيننا وبين المساجد، فتركوا هذه الأشياء حتى تحصل لهم صلاة الجماعة باطمئنان. إذاً فالذين يجعلون ذلك عذراً لهم، ويتخذون وسيلة يحتالون بها في ترك صلاة الجماعة، كأكل هذه الأشياء التي فيها رائحة ويقولون: نحن منهيون عن حضور المسجد! نقول: إنكم مخطئون باستعمال هذه الأشياء، قد يضطر الإنسان إلى أكل الثوم أو نحوه لعلاج يكون ضرورة أو لا يندفع ألمه أو مرضه إلا به، والثوم يظهر ريحه على البدن ويطول بقاؤه، فإذا كان مضطراً كان له عذر في أن يصلي وحده ولا يؤذي المصلين ولا الملائكة لضرورته، فإذا لم يكن هناك ضرورة لم يجز له استعماله، إلا إذا تحقق أن هناك ما يزيل رائحته، هذا هو الحكم.

стр. 320

حكم الروائح الكريهة غير البصل والثوم والكراث ثم ألحق العلماء بذلك كل ما هو خبيث الرائحة، ومن المعلوم أن هذا الدخان الخبيث المنتن ذو رائحة مستكرهة، وكذلك ما يلحق به من (النارجيل) ، (الجراك) وغيرها من هذه الأشياء الخبيثة؛ من المعلوم أنها ذات رائحة مستكرهة، بل هي أشد من رائحة الثوم والبصل والكراث التي هي من المخلوقات التي فيها نفع، فلا يجوز أن تتعاطى قرب أوقات الصلاة. إذا كان الذي يستعمل (الجراك) يصلي إلى جانبك، فإنك تشم منه هذه الرائحة المستكرهة سيما إذا تعاطاها قريباً، وهكذا أيضاً إذا استعمل الدخان وأكثر منه ظهرت رائحته على ثيابه وعلى فمه، وتأذى من قرب منه، ويلحق بذلك كل شيء فيه رائحة خبيثة فلا يجوز استعماله. معلوم أن المسجد له حرمته فأمر بأن ينظف وأن يطيب، وكان الصحابة في كثير من الأوقات يطيبون مساجدهم بالدخنة التي هي دخان العود، وكذلك كانوا ينضحونه بالطيب وغيره؛ كل ذلك لأجل أن يطمئن المصلون في صلاتهم، وأن تحضر قلوبهم، ولئلا يلقوا شيئاً يشوش عليهم صلاتهم. فإذا كان الإنسان مأموراً بإزالة الروائح المستكرهة، فهو كذلك مأمور باستعمال الروائح الطيبة ونحوها. هذا الحكم في استعمال هذه الأشياء وبكل حال فإننا نهينا عن استعمالها؛ لما يحصل بها من الأذى، ولكن لا يتخذ ذلك حيلة لترك العبادات ولا للتهاون في صلاة الجماعات.
следующие страницы →