← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 7723

شرح عمدة الأحكام لابن جبرين

ابن جبرين

Полный текст (1 083 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

صفة ثياب المرأة في الصلاة أما المرأة فإنها تستر جميع بدنها إلا وجهها؛ ولذلك سألت أم سلمة النبي ﷺ : (هل تصلي المرأة في الدرع الواحد؟ فقال: نعم إذا كان سابغاً يغطي ظهور قدميها) فاشترط أن يغطي ظهور القدمين، يعني: حتى الأصابع. فعلى المرأة أن تستر قدميها، وإذا ألزمت بستر القدمين فمن باب أولى بقية البدن، وتستر أيضاً رأسها وشعرها، ودليل ذلك قوله ﷺ : (لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار) والمراد بالحائض هنا: التي قد بلغت سن المحيض. فإذا بلغت المرأة بالحيض كلفت، ولو كانت بنت عشر أو إحدى عشرة، فمتى بلغت بالحيض وجب عليها أن تستر بدنها كله في الصلاة فلا تبدي من بدنها شيئاً، فمن ذلك الرأس تستره بالخمار الذي يغطي شعرها ويغطي رأسها وعنقها ونحو ذلك، وهذا يتعلق بشروط الصلاة.

стр. 317

حكم دخول المساجد لمن أكل ما له رائحة كريهة قال المؤلف ﵀: [باب ما جاء في الثوم والبصل ونحوها: عن جابر بن عبد الله ﵄، عن النبي ﷺ قال (من أكل ثوما أو بصلاً فليعتزلنا -أو ليعتزل مسجدنا- وليقعد في بيته، وأتي بقدر فيه خضرات من بقول، فوجد لها ريحاً فسأل عنها؟ فأخبر بما فيها من البقول، فقال: قربوها -إلى بعض أصحابه كان معه- فلما رآه كره أكلها قال: كل؛ فإني أناجي من لا تناجي) وعنه ﵁، أن النبي ﷺ قال: (من أكل البصل أو الثوم أو الكرّاث فلا يقربنّ مسجدنا؛ فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو الإنسان -وفي رواية-: بنو آدم) ] . هذه الأحاديث تدل على ضرورة احترام المساجد واحترام العبادات بتجنيبها الروائح المستكرهة، وكذلك احترام المصلين واحترام الملائكة عن الأقذار وعما يستنكر أو تكره رائحته.

стр. 318

العلة من النهي عن أكل الثوم والبصل لمن يأتي المساجد معلوم أن الثوم والبصل والكرّاث من البقول التي خلقها الله وأنبتها، وجعلها مباحة وفيها منفعة، وفيها مصلحة، ويأكلها الناس للعلاج، وفيها منافع وعلاج لكثير من الأمراض، كما ذكر ذلك العلماء في الكلام على منافعها، ومع ذلك فإن فيها رائحة مستكرهة عند الناس، ولما كانت مستكرهة؛ فإن الإنسان إذا شم هذه الرائحة من غيره كره مجالسته وكره القرب منه وابتعد عنه؛ حتى لا يتأذى بهذه الرائحة المستكرهة؛ فلأجل ذلك نهى الرسول ﷺ أن يأتي المسجد من فيه هذه الروائح ونحوها. وكان ﵊ لا يأكلها دائماً، ويعتذر بأنه يناجي الملائكة أو أنه ينزل عليه الملك، والملائكة تتأذى من هذه الرائحة مطلقاً؛ فلأجل ذلك أباح أكلها لبعض أصحابه الذين لا يناجون ما يناجي، فقوله: (فإني أناجي من لا تناجي) المناجاة: هي الكلام الخفي بين اثنين، كما في قوله تعالى: ﴿إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلا تَتَنَاجَوْا بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المجادلة:٩] يعني: إذا تخاطبتم فيما بينكم بخطاب خفي. فيقول: (فإني أناجي من لا تناجي) يعني: أنه ينزل علي الملك ويكلمني ويعلمني القرآن، ولما كان الملك له حرمة فإني أحب أن لا أقابله برائحة مستكرهة، وقد كان ﵊ يكره أن يوجد منه شيء من الروائح المستكرهة، ولذلك لما شرب عسلاً عند إحدى زوجاته قالت له زوجة أخرى: (إني أجد منك ريح مغافير -المغافير: هو شجر من شجر العضاة له رائحة- فقال: إنما شربت عسلاً، فقالت: جرست نحلها العرفط) ، يعني: أن نحلة أكلت من شجر العرفط الذي له رائحة، فعند ذلك كره ذلك العسل مخافة أن يوجد منه رائحة مستكرهة، فهذا دليل على أنه لا يحب أن يشم منه رائحة مستكرهة. كذلك كان يحب الروائح الطيبة، فكان دائماً يستعمل الطيب في بدنه وفي ثيابه؛ وذلك لكي توجد منه الرائحة الطيبة التي يحبها والتي تألفها الملائكة، والتي يحبها المصلون والمؤمنون، وحث على الطيب وأمر به ورغب فيه وأخبر بأنه يحبه، وكل ذلك حرصاً منه على قطع الرائحة الكريهة واستعمال الرائحة الطيبة بحسب المستطاع. ولما اشتكى إليه أناس في يوم الجمعة أنهم يتأذون ببعض الروائح، أمرهم بالاغتسال والتنظف في يوم الجمعة، وأن يستعمل الإنسان من طيب أهله ليوم الجمعة، حتى لا يتأذى بعضهم ببعض مما يحصل منهم من الوسخ وروائح الجلد والثياب المتسخة ونحو ذلك؛ كل ذلك لأجل احترام العبادة وأن يأتي إليها وهو راغب محب لها بكل قلبه، وأن لا يوجد منه ما ينفر منه الملائكة أو ما ينفر منه المصلون، هذه الحكمة من النهي عن هذه الروائح المستكرهة في هذه العبادة التي هي الصلاة. والإنسان مأمور بأن يخشع ويخضع في صلاته وأن يكون قلبه مطمئناً فيها، ومن المعلوم أنه لا يطمئن اطمئناناً كاملاً إذا كان إلى جانبه من يشم منه رائحة مستكرهة، لا يكون في صلاته ولا يحضر قلبه، ولا يتأمل ما يقول لما يتأذى به. نقول: هذا هو السبب في كونه ﵊ نهى عن أن يأتي إلى المساجد من فيه هذه الروائح: (من أكل ثوماً أو بصلاً أو كراثاً فلا يقربنّ مسجدنا) هذه الأشياء موجودة وهي مباحة، والدليل على إباحتها أنه قال لبعض الصحابة: (كل؛ فإني أناجي من لا تناجي) فدل على أنها مباحة وحلال. فإذاً: نهيه في هذا الحديث بقوله: (لا يقربن مسجدنا) فيه أمر بعدم أكلها في الأوقات التي تبقى رائحتها وهو في المسجد، بل يأكلها في الأوقات التي يزول ريحها قبل أن يأتي وقت الصلاة، فإذا أكل بصلاً مثلاً أو كراثاً أو نحو ذلك أكله في الأوقات الطويلة كبعد الفجر وبعد العشاء؛ حتى يزول أثرها قبل أن يدخل وقت الصلاة. وورد عن عمر ﵁ أنه قال: (إذا احتاج أحدكم إلى أكل هذه البقول فليمتها طبخاً) أي: أنها إذا طبخت زال أثر الرائحة منها، هذا إذا احتاج إليها قرب وقت الصلاة، وعلى كل حال فالنهي عنها قرب وقت الصلاة، وأما في الأوقات التي ليس فيها وقت صلاة، أو بالنسبة للمعذور الذي يصلي في بيته لمرض، أو المسافر الذي يصلي وحده أو نحو ذلك، فإن له ذلك، أما المساجد فلا يجوز أن يأتيها من فيه هذه الروائح. وقد علل في الحديث الثاني بقوله: (فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم) أي: أن الملائكة تحضر الصلوات وتحضر المساجد، وحضورها في هذه المساجد وقت الصلاة لأجل مشاهدة صلاة العباد لا شك أن فيه خيراً، ولذلك تشهد للمصلين، حيث يسألهم ربهم عن عباده وهو أعلم بهم؟ فيقولون: (أتيناهم وهم يصلون، وتركناهم وهم يصلون) ، فهؤلاء الملائكة إذا وجدوا هذه الرائحة في المساجد تأذوا بذلك، فلذلك نهي عن استعمال هذه الأشياء قرب وقت الصلاة والإتيان إلى المساجد بها.

стр. 319

حكم من يأكل البصل والثوم والكراث لأجل ترك صلاة الجماعة ثم نقل إلينا أن بعضاً من المتمعلمين جعلوا ذلك عذراً لترك صلاة الجماعة، ذكروا أن الحبشي الذي اشتهر قبل سنوات في لبنان، وكان قد تتلمذ عليه أكثر من عشرين ألفاً، أو انخدعوا به، فقال لهم: كلوا البصل حتى تسقط عنكم صلاة الجماعة وصلاة الجمعة فلا تكونوا مطالبين؛ فإنكم منهيون عن إتيان المسجد إذا أكلتموه. نقول: هذا كذب لا يجوز أن يتخذ عذراً في ترك صلاة الجماعة، والصحابة ماذا فعلوا وماذا فهموا لما أنه أخبرهم بأن الملائكة تتأذى بهذه الرائحة؟ قالوا: (شيء يحرمنا من المسجد لا نريده) ، يعني: لا حاجة لنا في هذا الذي يمنعنا من حضور الصلاة ومن حضور المساجد، فتركوه في الأوقات القصيرة، ولم يأكلوه إلا لحاجة في الأوقات الطويلة التي يذهب معها رائحته، ولم يجعلوه عذراً ولم يقولوا: نأكل البصل ونأكل الكراث ونصلي في البيوت، ما دام أن لنا عذراً؛ لأنهم عرفوا أن صلاة الجماعة واجبة وأن فيها فضلاً، وأنهم مأمورون بحضورها، وأنها تكتب لهم خطواتهم ونحو ذلك، كل ذلك فهموه من النصوص، فلما فهموا هذا من النصوص عرفوا أن ترك المساجد فيه عقوبة، فقالوا: لا حاجة لنا في الشيء الذي يحول بيننا وبين المساجد، فتركوا هذه الأشياء حتى تحصل لهم صلاة الجماعة باطمئنان. إذاً فالذين يجعلون ذلك عذراً لهم، ويتخذون وسيلة يحتالون بها في ترك صلاة الجماعة، كأكل هذه الأشياء التي فيها رائحة ويقولون: نحن منهيون عن حضور المسجد! نقول: إنكم مخطئون باستعمال هذه الأشياء، قد يضطر الإنسان إلى أكل الثوم أو نحوه لعلاج يكون ضرورة أو لا يندفع ألمه أو مرضه إلا به، والثوم يظهر ريحه على البدن ويطول بقاؤه، فإذا كان مضطراً كان له عذر في أن يصلي وحده ولا يؤذي المصلين ولا الملائكة لضرورته، فإذا لم يكن هناك ضرورة لم يجز له استعماله، إلا إذا تحقق أن هناك ما يزيل رائحته، هذا هو الحكم.

стр. 320

حكم الروائح الكريهة غير البصل والثوم والكراث ثم ألحق العلماء بذلك كل ما هو خبيث الرائحة، ومن المعلوم أن هذا الدخان الخبيث المنتن ذو رائحة مستكرهة، وكذلك ما يلحق به من (النارجيل) ، (الجراك) وغيرها من هذه الأشياء الخبيثة؛ من المعلوم أنها ذات رائحة مستكرهة، بل هي أشد من رائحة الثوم والبصل والكراث التي هي من المخلوقات التي فيها نفع، فلا يجوز أن تتعاطى قرب أوقات الصلاة. إذا كان الذي يستعمل (الجراك) يصلي إلى جانبك، فإنك تشم منه هذه الرائحة المستكرهة سيما إذا تعاطاها قريباً، وهكذا أيضاً إذا استعمل الدخان وأكثر منه ظهرت رائحته على ثيابه وعلى فمه، وتأذى من قرب منه، ويلحق بذلك كل شيء فيه رائحة خبيثة فلا يجوز استعماله. معلوم أن المسجد له حرمته فأمر بأن ينظف وأن يطيب، وكان الصحابة في كثير من الأوقات يطيبون مساجدهم بالدخنة التي هي دخان العود، وكذلك كانوا ينضحونه بالطيب وغيره؛ كل ذلك لأجل أن يطمئن المصلون في صلاتهم، وأن تحضر قلوبهم، ولئلا يلقوا شيئاً يشوش عليهم صلاتهم. فإذا كان الإنسان مأموراً بإزالة الروائح المستكرهة، فهو كذلك مأمور باستعمال الروائح الطيبة ونحوها. هذا الحكم في استعمال هذه الأشياء وبكل حال فإننا نهينا عن استعمالها؛ لما يحصل بها من الأذى، ولكن لا يتخذ ذلك حيلة لترك العبادات ولا للتهاون في صلاة الجماعات.

стр. 321

شرح عمدة الأحكام [١٩] من الأركان المشروعة في الصلاة التشهد، وقد ورد بألفاظ مختلفة شرحها العلماء، كما شرعت الصلاة على النبي ﷺ بعد التشهد، وكذلك الدعاء، وقد وردت أدعية كثيرة في ذلك، وللمصلي أن يتخير منها ما شاء.

стр. 322

التشهد في الصلاة وأصح رواية فيه قال المؤلف ﵀: [باب التشهد: وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: (علمني رسول الله ﷺ التشهد -كفي بين كفيه- كما يعلمني السورة من القرآن: التحيات لله، والصلوات، والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله) ، وفي لفظ: (إذا قعد أحدكم للصلاة فليقل: التحيات لله -وذكره إلى آخره- وفيه: فإنكم إذا فعلتم ذلك فقد سلمتم على كل عبد صالح في السماء والأرض وفيه: فليتخير من المسألة ما شاء) . وعن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: (لقيني كعب من عجرة فقال: ألا أهدي لك هدية؟ إن النبي ﷺ خرج علينا، فقلنا: يا رسول الله! قد علمنا كيف نسلم عليك، فكيف نصلي عليك؟ فقال: قولوا: اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد) . وعن أبي هريرة ﵁ قال: (كان رسول الله ﷺ يدعو في صلاته: اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر، ومن عذاب النار، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال) ، وفي لفظ لـ مسلم: (إذا تشهد أحدكم فليستعذ بالله من أربع: يقول: اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم - ثم ذكر نحوه) . وعن عبد الله بن عمرو بن العاص، عن أبي بكر الصديق ﵃: (أنه قال لرسول الله ﷺ : علمني دعاء أدعو به في صلاتي. قال: قل: اللهم إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً، ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك، وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم) . وعن عائشة ﵂ قالت: (ما صلى رسول الله ﷺ -بعد أن نزلت عليه: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ [النصر:١]- إلا يقول فيها: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي) . وفي لفظ: (كان رسول الله ﷺ يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي) ] . في هذين الحديثين ما يقوله في التشهد آخر الصلاة، وسمي تشهداً؛ لأن فيه ذكر الشهادتين، وهذا التشهد يعتبر ركناً من أركان الصلاة؛ وذلك للأمر به في هذه الأحاديث: (إذا قعد أحدكم للصلاة فليقل) والأمر لا صارف له عن الوجوب، فلذلك ذهب أكثر العلماء إلى أن التشهد ركن من أركان الصلاة، وأن تركه يبطلها فلا تتم إلا به كسائر أركان الصلاة، ثم هذا التشهد قد رواه عبد الله بن مسعود، ونقله تلامذته مع كثرتهم ولم يختلفوا فيه، بل كلهم نقلوه نقلاً واحداً دون أن يقع بينهم اختلاف. وروي التشهد أيضاً عن عمر بن الخطاب، ولكن فيه شيء من الزيادة وشيء من النقص، يعني: فيه زيادة كلمة أو كلمتين أو ما أشبهها. وروي التشهد عن جابر وفيه شيء من التغيير، ووقع فيه أيضاً شيء من الزيادة والاختلاف بين الرواة. وقد اختار الإمام أحمد تشهد ابن مسعود حيث لم يقع فيه اختلاف بين تلامذته، إلى أن وصل إلى المؤلفين؛ ولعل ذلك أن ابن مسعود اعتنى به فذكر أنه تلقاه من النبي ﷺ مباشرة دون واسطة، وذكر أن النبي ﷺ اهتم بتعليمه إياه حيث جعل كفه بين كفيه يعني: أن كف ابن مسعود بين كفي النبي ﷺ ؛ ليكون ذلك أدعى إلى الاهتمام، وإلى إقباله بقلبه وقالبه، وكذلك علمه هذا التشهد كما يعلمه السورة من القرآن؛ ولأجل ذلك حفظه وأتقنه كما يحفظ السورة، أي: كما يحفظ الفاتحة والمعوذتين وسائر السور، دون أن يزيد فيها أو يضيف إليها أو يخل بشيء منها، فكذلك نقل هذا التشهد دون أن يغير فيه شيئاً. هذا التشهد مشتملٌ على هذه الجمل، وقد ذكر في بعض الروايات، قال: (كنا نقول قبل أن يفرض علينا التشهد: السلام على الله من عباده، السلام على الله قبل عباده، السلام على جبريل وميكائيل، السلام على فلان وفلان، فقال النبي ﷺ : لا تقولوا: السلام على الله؛ فإن الله هو السلام، ولكن قولوا: التحيات لله) إلى آخره. فعلل أن الله هو السلام، وأنه سبحانه يحيّا ولا يسلم عليه؛ وذلك لأن السلام اسم من أسماء الله، فهو يذكر به، وأيضاً فالسلام دعاء، والله تعالى يدعى ولا يدعى له؛ فلأجل ذلك لم يجز أن نقول: السلام على الله، ولا نقول: عليك السلام، أما التحية فإنها توقير وتعظيم وعبادة، ولأجل ذلك تسمى جميع التعظيمات: عبادة، وتسمى: تحيات. السلام الذي نحن نتبادله يسمى تحية؛ لأنه يحيي به بعضنا بعضاً، قال تعالى: ﴿فَسَلِّمُوا عَلَى أَنفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً﴾ [النور:٦١] ، وقال سبحانه: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ [النساء:٨٦] .

стр. 323

تفسير ألفاظ التحيات ومعناها أذكر تفسير الشيخ محمد بن عبد الوهاب في الثلاثة الأصول وشروط الصلاة وأركانها وواجباتها، ولعلكم تحفظونه، فأذكره وأعلق عليه بعض التعليقات، مع أنه مشهور لا بد أنكم قد قرأتموه مراراً.

стр. 324

معنى التحيات لله لما تكلم على التشهد فسره تفسيراً مختصراً فقال: (التحيات لله) أي: جميع التعظيمات لله تعالى ملكاً وخلقاً وتقديراً، قوله: (التعظيمات) يعني: جميع ما يعظم به، فهو تعالى يعظم بالتكبير ويعظم بالتبجيل ويعظم بالتسبيح، فكل ما فيه وصف له بالرفعة وبالعلو فهو من التعظيمات التي يعظم بها ويحيّا بها، فيدخل فيه: (التحيات لله) .

стр. 325

معنى قوله: (والصلوات) قوله: (والصلوات) قيل: الدعوات، وقيل: الصلوات الخمس، هكذا ذكر الشيخ أن الصلوات: جميع الدعوات، وقيل: الصلوات الخمس. ومعلوم أن الصلاة في اللغة هي الدعاء، ومنه قوله تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ [التوبة:١٠٣] يعني: ادع لهم، وكان يدعو لهم بقوله: (اللهم صل على آل فلان) فنحن إذا قلنا: (الصلوات لله) معناه: الدعوات، يعني: أنه تعالى هو الذي ندعوه ونضرع إليه، ونلح في دعائه. و (الصلوات) أي: التي نتعبد لله بها، التي هي الركوع والسجود والقيام والقعود، والتي فيها تحريم وتسليم لا تصلح إلا لله، فلا يصلى للأموات ولا يصلى للأنبياء ولا يصلى للأولياء ولا غيرهم، إنما تصح الصلاة عبادة لله تعالى.

стр. 326

معنى قوله: (والطيبات) وأما قوله: (الطيبات) ففسرها بأنها الأعمال الطيبة، وهي عامة في كل شيء من الأقوال والأعمال والعقائد ونحوها، والمعنى: أنه تعالى إنما يتقرب إليه بكل طيب؛ لأنه طيب ولا يقبل إلا طيباً، فيستحضر العبد عندما يتشهد هذه الكلمات: (التحيات) يعني: التعظيمات، قوله: (والصلوات) يعني: الدعوات، قوله: (والطيبات) يعني: كل طيب وكل عمل طيب.

стр. 327

صفة السلام على النبي وحكمه والحكمة من مشروعيته في التحيات ثم بعد ذلك يسلم على النبي ﷺ فيقول: (السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته) فبعدما تقرب إلى الله بهذه التحية كان من المناسب أن يسلم على النبي ﷺ ؛ لأنه رسول الله المبعوث منه إلى عباده فيناسب أن يسلم عليه. الله تعالى قد أمرنا بذلك في قوله: ﴿صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٥٦] ، فناسب أن يسلم عليه، والسلام عليه مثل السلام على سائر العباد؛ لأنك تقول لمن تسلم عليه: السلام عليك يا أخي، السلام عليكم يا إخوتي، السلام عليكم أيها المسلمون، السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، جاء بهذه التحية: (السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته) وهذه التحية هي تحية المسلمين التي بينها النبي ﷺ ، والله تعالى قال: ﴿فَسَلِّمُوا عَلَى أَنفُسِكُمْ﴾ [النور:٦١] . ما صفة هذا السلام؟ لقد بينه النبي ﷺ ، ثبت: (أنه ﵊ دخل عليه رجل فقال: السلام عليكم، فقال: وعليكم السلام ورحمة الله، ثم جاء آخر، فقال: السلام عليكم ورحمة الله، فقال: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، ثم جاء ثالث فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فقال: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، فقالوا: لماذا لم تزده؟ فقال: إنه لم يترك لنا شيئاً) معنى: أنه أتى بالتحية كاملة وهي إلى قوله: (ورحمة الله وبركاته) ؛ وذلك لأن الله تعالى ذكر الرحمة والبركة في حق آل إبراهيم في قوله تعالى: ﴿رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ [هود:٧٣] فلما ذكرت الرحمة والبركات ناسب أيضاً أن تذكر في التحيات، وناسب أن تذكر في التشهد. ثم تتفاوت الدرجات والحسنات بحسب هذه التحية، ثبت: (أنه جاءه رجل فقال: السلام عليكم، فرد عليه وقال: عشر، ثم جاء آخر فقال: السلام عليكم ورحمة الله، فرد عليه وقال: عشرون، ثم جاء آخر فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فرد عليه وقال: ثلاثون -يعني: ثلاثين حسنة- ثم قال: هكذا تتفاضل الأعمال) يعني: كل من زاد زاد له الأجر، وزادت الحسنات في حقه، فهذا هو الأصل في التحيات وفي السلام. لا شك أن السلام دعاء، ولذلك يقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀: السلام دعاء، والصالحون يدعى لهم ولا يدعون مع الله، ولما قال: (السلام عليك أيها النبي) ، قال: تدعون له والذي يدعى له لا يدعى مع الله. فأفاد أن الله تعالى يدعى ولا يدعى له، وأن النبي ﷺ يدعى له ولا يدعى، إنما الدعاء خالص لله وحق لله تعالى. فهذا هو الأصل في مشروعية السلام على النبي ﷺ ، والدعاء له بالرحمة التي هي زيادة البركة والخير، والدعاء له بالبركة التي هي كثرة الخير. ويعتبر السلام على النبي ﷺ من تتمة التشهد لا يسقط بحال، يعني: هذه التحيات والصلوات والطيبات، والسلام على النبي تعتبر من أصل التشهد، لا يعفى عنه ولا يسقط. أما السلام على عباد الله فإنه سنة، إن أتى به فهو فضيلة وإن لم يأت به لم تبطل صلاته، بخلاف السلام على النبي ﷺ .

стр. 328

حكم السلام على النبي ﷺ بعد موته بكاف الخطاب ثم قولنا: (السلام عليك أيها النبي) الصحيح أنه يؤتى بهذه اللفظة في كل الأوقات وفي كل الأزمنة في حياة النبي ﷺ وبعد مماته، لكن ورد في بعض الروايات عن ابن مسعود أنه قال: (كنا نقول ذلك في حياته وهو بيننا فلما مات قلنا: السلام على النبي) يعني: كأنه يقول: إننا نقول: (السلام عليك) لما كان حاضراً يسمع، فلما توفي قلنا: (السلام على النبي) ، ولم نقل: عليك؛ لعدم التمكن من مخاطبته. ولكن لا مانع من استعمال الخطاب له؛ وذلك لأن السلام يبلغه من أمته كما في قوله ﷺ : (ما من مسلم يسلم عليّ إلا رد الله عليّ روحي حتى أرد ﵇ وقال: (إن لله ملائكة يبلغونني من أمتي السلام) . وقد أمر ﵊ بأن يسلم عليه البعيد والقريب، وأخبر بأنه يبلغه من أي مكان؛ وذلك لقوله ﷺ : (وصلوا عليّ -وفي رواية-: وسلموا عليَّ؛ فإن صلاتكم أو تسليمكم يبلغني حيث كنتم) فنحن إذا قلنا: (السلام عليك أيها النبي) أو (الصلاة على النبي) بلغه ذلك من أي مكان كان، تبلغه إياه الملائكة، ولا شك أيضاً أن في ذلك ثواباً عظيماً؛ لأن الله تعالى أمر به في قوله: ﴿وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٥٦] ولا يأمر إلا بما هو طاعة، فيعتبر هذا ذكراً من الأذكار والأذكار أيضاً يثاب عليها العبد.

стр. 329

صفة السلام على عباد الله الصالحين ومعناه وحكمه فأما قوله: (السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين) فذكر في الحديث أنك إذا قلتها: (سلمت على نفسك وسلمت على كل عبد صالح لله تعالى في السماء والأرض، فإن العباد اسم لكل من هو عبد لله، ولكل من هو عابد متعبد لله، فقد وصف في هذا الحديث بأنه صالح. والصالحون: هم الذين صلحت أعمالهم وأقوالهم ونياتهم، والذين أصلحوا ما بينهم وبين ربهم، فأنت تسلم عليهم سواء كانوا أحياءً أو أمواتاً، وسواء كانوا من الملائكة أو من الآدميين، فأنت تخص الصالحين بهذا الدعاء الذي هو السلام. لا شك أن التسليم عليهم هو الدعاء لهم بالسلامة، كأنك تقول: تغشاهم السلامة من الله، وكأنك تقول: اسم الله عليهم تغشاهم آثاره وبركته. وصفوا بأنهم عباد الله، العباد هنا: العبادة الخاصة؛ لأن العباد يدخل فيها المتعبدون ويدخل فيها العابدون، وهو المراد هنا؛ ولأجل ذلك وصفوا بأنهم صالحون.

стр. 330

معنى الشهادتين ومقتضاهما وحكمهما ثم بعد ذلك ذكر التشهد بقوله: (أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله) ، وفي بعض الروايات لم يذكر فيها: (وحده لا شريك له) ، فهاتان الشهادتان هما تأسيس العقيدة، وتأسيس الدين؛ ولأجل ذلك سمي هذا تشهداً؛ لأن فيه هذه اللفظة. ومعنى (أشهد) كما قال الشيخ محمد: أقر وأعترف أن لا إله في الوجود، أو لا إله يستحق الألوهية إلا الله . والإله: هو المألوه، لا إله يعني: لا مألوه، ولا أحد يستحق أن يؤله، أي: تألهه القلوب وتوده وتحبه وتعظمه وتقر له بالعبودية، غير الله تعالى. وهذه الشهادة تستدعي من العبد أن يتأله الله، أن يتخذه إلهاً، فإنك إذا قلت: أشهد أن لا إله إلا الله فإنه يجب عليك أن تألهه؟! كيف تقر أنه الإله ولا تألهه، عليك أن تألهه وتتألهه بقلبك وبقالبك وبدنك، فترغب إليه، وترهب منه وتحبه وتخافه وترجوه وتتواضع له وتتذلل بين يديه، وتتخذه بذلك إلهاً ومألوهاً ومعبوداً. أما الشهادة الثانية: فهي أيضاً بمعنى الإقرار والاعتراف، فقوله: (أشهد) يعني: أقر وأعترف بأن محمداً عبده ورسوله، ولا شك أن هذه هي مكملة الشهادة، ولا تكفي واحدة منهما، لا بد من الشهادتين؛ وذلك لأن الشهادة الأولى تستدعي العبادة والطاعة لله، والشهادة الثانية تستدعي المتابعة للنبي ﷺ والتأسي به، والاقتداء به فيما بلغه، وطاعته فيما جاء به. وشهادة أن محمداً رسول الله مقتضاها: أن تؤمن بأنه رسول الله، وأن تؤمن بأنه بلغ ما أرسل به، وأن تؤمن بأن على الأمة تصديقه، وأن تؤمن بأنه تجب طاعته، والتحاكم إليه، وامتثال ما أمر به ودعا إليه، وأن تؤمن بأنه بلغ ما أرسل به أتم بلاغ وأتم بيان، وأن تؤمن بأن لا نجاة لأحد إلا باتباعه، وأن الطرق مسدودة إلا من طريقه. وإذا آمنت بذلك ظهرت عليك آثار ذلك بأن تطبق كل ما جاء به وتمتثله، وتقدم أقواله على كل قول، وترضى بالتحاكم إلى شريعته، هذا هو الرسول، والرسول معلوم أنه الذي يحمل الرسالة من الله، أي: فهو مرسل من الله، وهذه الرسالة هي هذه الشريعة التي جاء بها وبلغها قولاً وفعلاً. فهذا هو التشهد الأول، يأتي به بعد الركعتين الأوليين في صلاة الظهر، وبعد الركعتين في العصر، وبعد الركعتين في المغرب، وبعد الركعتين في العشاء.

стр. 331

معنى الصلاة الإبراهيمية وحكمها وصفتها أما التشهد الأخير الذي هو بعد الركعة الرابعة في الظهر وكذلك في العصر، وبعد الثالثة في المغرب، وبعد الرابعة في العشاء، وبعد الركعة الثانية في صلاة الصبح، وبعد كل ركعتين في التنفلات، فإنه يزيد فيه بالأدعية التي جاءت في بعض الروايات؛ وذلك لقوله: (ثم ليتخير من الدعاء أعجبه إليه، أو ما شاء) فهذه الأدعية مناسبتها أو محلها بعد التشهد الأخير، أي: إذا تشهد التشهد الأخير أتى بما يحضره من الدعاء. ولكن في التشهد الأخير الذي يعقبه السلام، يأتي بالصلاة على النبي ﷺ ، وهي التي في حديث كعب؛ وذلك لأن الله تعالى أمر بهما معاً في قوله: ﴿صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٥٦] فلا بد من الإتيان بهما، فيكره الاقتصار على السلام وحده، أو على الصلاة وحدها، لا بد إذا قلت: اللهم صل على محمد أن تقول: وسلم؛ لأن الله قال: (صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا) ، فلذلك بين النبي ﷺ الصلاة والسلام عليه، فالصحابة يقولون: (قد علمنا كيف نسلم عليك) ، أي: علمتنا بقولك: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، وبقي أن تعلمنا كيف نصلي عليك، ما صفة الصلاة عليك؟ والصلاة عليه يدخل فيها كل دعاء. روي عن بعض الصحابة أنه قال: (يا رسول الله! إني أكثر الصلاة عليك، فهل أجعل لك ربع الصلاة؟ فقال: ما شئت وإن زدت فهو خير لك، قال: أجعل لك ثلث الصلاة؟ قال: ما شئت وإن زدت فهو خير لك، قال: أجعل لك نصف الصلاة؟ قال: ما شئت وإن زدت فهو خير لك، قال: فإني أجعل لك كل صلاتي، أو جميع صلاتي، قال: إذاً تكفى همك ويغفر لك ذنبك) والمراد أنه يجعل له دعاءه يقول: بدل ما أدعو بالمغفرة وأدعو بسؤال الجنة أشتغل بالصلاة على محمد، اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد، أجعل ذلك هو الدعاء كله. قوله: (صلاتي) يعني: دعائي، فجعل ذلك سبباً لغفران الذنوب، وكف الهموم. إذا عرف العبد فضل هذه الصلاة فإنه قد ورد فيها فضائل كثيرة، ذكر جملة كثيرة منها ابن كثير عند تفسير هذه الآية في سورة الأحزاب: ﴿صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٥٦] وأفردت أيضاً بالتأليف والتصنيف في الصلاة عليه ﷺ ، وذكرت فيها الأحاديث الواردة في ذلك وفضيلتها، ويذكرها ويتعرض لها الخطباء في خطبة الجمعة؛ وذلك لأنهم مأمورون بها في يوم الجمعة، ولها مواقيت معروفة ليس هذا موضع تعدادها. وهذه الصلاة هي قولنا: (اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم) إلى آخرها، لا شك أن هذه الصلاة دعاء، ولكن ما هو هذا الدعاء؟ من العلماء من قال: الصلاة رحمة، وهذا قول مشهور عند الفقهاء؛ وذلك لأنهم قالوا: إنه قال: (كما صليت على آل إبراهيم) ، والصلاة الإبراهيمية هي قوله تعالى: ﴿رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ﴾ [هود:٧٣] عبر عن عن الصلاة بالرحمة، ثم عبر عن البركة بالبركة نفسها في قوله: (وبارك على محمد) إلى آخره، فأفاد أن الصلاة هي الرحمة. ومن العلماء من قال: الصلاة من الله ثناؤه على عبده في الملأ الأعلى، هكذا رواه البخاري في صحيحه عن أبي العالية، وهذا هو الأقرب، أي: أننا إذا قلنا: اللهم صل عليه، فمعناه: اذكره بين ملائكتك بالفضل، وإذا صلينا على إنسان فقلنا: عليك صلاة الله، فمعناه: أن يذكرك الله في الملأ الأعلى، مثل قوله: ﷺ : (إن الله يقول: من ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم) . هذه الصلاة تسمى الصلاة الإبراهيمية؛ وذلك لأنه أمر بأن يصلى عليه كما يصلى على آل إبراهيم، ولا شك أن المراد بقولك: (اللهم صلِّ عليه كما صليت على آل إبراهيم) أي: كما أنك ترحمت على آل إبراهيم وباركت عليهم، وليس المراد أن آل إبراهيم أفضل منه، بل إننا نطلب أن يحظى بصلاة من الله، كما أن آل إبراهيم حظوا بصلاة من الله، فصلت عليهم الملائكة بقولهم: ﴿رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾ [هود:٧٣] ، ولهذا ذكر هذين الاسمين في آخر هذه الصلاة. وقوله: (وبارك على محمد) المراد: أكثر عليهم من خيرك ومن فضلك وجودك وامتنانك، وقد ذكرت البركة أيضاً في السلام في قوله: (السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته) ، فالبركات هي الخيرات الكثيرة. والمعنى: أنك تبارك في أعماله وفي أقواله، وتبارك له فيما أعطيته كما ورد في دعاء القنوت: (وبارك لنا فيما أعطيت) ، وتبارك في حسناته بأن تضاعفها، فيدعى لكل مسلم بهذه البركة التي هي كثرة الخير، وهي لا نهاية لها. فإذا علمنا معانيها عرفنا حكم هذه الصلاة، فالصلاة على النبي ﷺ جعلها كثير من العلماء ركناً في التشهد الأخير، واستحب كثير منهم في التشهد الأول أن يأتي بها أو ببعضها، ولكن الصحيح أنها إنما تشرع في التشهد الأخير؛ لأنه الذي يطول فيه الجلوس، وقد جعلها بعضهم من الواجبات بحيث إن من نسيها فإنه يسجد للسهو، وجعلها كثير من الأركان بحيث لا تتم الصلاة إلا بها، ولعل هذا هو القول الراجح. ويكفي منها أن تقول: (اللهم صل على محمد) ، وقال بعضهم: لا بد أيضاً من الصلاة على آله (وآل محمد) ، وإذا أتيت بذلك فالبركة وما بعدها من السنن، وكذلك الأدعية، وستأتينا الأدعية فيما بعد، وهي التي تقال بعد الشهادتين وبعد الصلاة الإبراهيمية. قد تقدم التشهد الذي علمه النبي ﷺ الصحابة وهو قوله: (التحيات لله) إلى آخره، وهذه تقرأ في التشهد الأول وتقرأ في التشهد الأخير كما هو معروف، وتقدم لفظ الصلاة على النبي ﷺ وهي قوله: (اللهم صل على محمد) إلى آخره، وهذه يؤتى بها في التشهد الأخير، واستحب بعض المشايخ أن يؤتى بها أو ببعضها في التشهد الأول، فالواجب في الصلاة أن يأتي بالتحيات وأن يأتي بالصلاة على النبي ﷺ . أما التشهد الذي هو: (التحيات لله) إلى آخره فالجمهور على أنه ركن لا تصح الصلاة إلا به؛ لأن النبي ﷺ علم الصحابة كما يعلمهم السورة من القرآن، وقال: (إذا جلس أحدكم في التشهد فليقل: التحيات الله) إلى آخره، وقال: (لا تقولوا: السلام على الله ولكن قولوا: التحيات لله) فكل ذلك يستدل به على أنه ركن، وأن من تركه لم تصح صلاته، فلو جلس وسلم قبل أن يقرأه بطلت صلاته إذا كان متعمداً، وإذا كان ساهياً رجع وأتى به وسلم بعدما يسجد للسهو، وكل ذلك دليل على أهمية هذا التشهد. أما الصلاة على النبي ﷺ في التشهد الأخير، فذهب جمع من العلماء منهم الإمام أحمد إلى أنها ركن أيضاً كما أن التحيات ركن، بمعنى: أنها لا تصح الصلاة إلا بها، فمن تركها عمداً بطلت صلاته، ومن تركها سهواً رجع وأتى بها إذا تذكر ذلك، فإذا سلم قبل أن يقول: (اللهم صلِّ على محمد) إلى آخره فلا صلاة له. والقدر المجزئ كما ذكرنا سابقاً أن يقول: (اللهم صلِّ على محمد وآل محمد) . وأجاز بعضهم أن يقتصر على الصلاة عليه دون آله، والبقية سنن، يعني قوله: (وبارك على محمد) إلى آخره من السنن، إن أتى بها فمستحب، وإلا فلا حرج.

стр. 332

مشروعية الدعاء بالمأثور بعد التشهد بعد ذلك يأتي بالأدعية في آخر تشهده، أو يأتي ببعضها كما سيأتي في ركوعه وسجوده.

стр. 333

حكم التعوذ بالله من جهنم وفتنة المحيا والممات والقبر والدجال ومعناها فأما الاستعاذة من هذه الأربع فهي بعد الصلاة على النبي ﷺ ، ورد الاستعاذة من النار، وورد الاستعاذة من جهنم، وكلاهما سواء، فإن النار هي جهنم؛ لأن جهنم اسم من أسمائها، قيل: إن النار سبع طبقات، وقيل: إن لها سبعة أسماء مشهورة، فمن أسمائها جهنم. فيقول: (اللهم إني أعوذ من عذاب جهنم -أو يقول: أعوذ بالله من عذاب جهنم- ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال) ، فعذاب جهنم يكون بعد البعث وقد يكون بعضه في البرزخ، فإن الأموات في البرزخ يأتيهم من حرها وسمومها، وعذاب القبر يكون في البرزخ بعد الموت. يؤمن أهل السنة بوجود عذاب القبر وإن لم يكن مشاهداً، يعني: أننا لا نشاهده، وقد نحفر القبر ولا نشاهد فيه نعيماً ولا عذاباً ولا أصواتاً ولا غير ذلك، ولكن الأموات في عالم غير عالمنا؛ لأن الميت قد انتقل من عالم الدنيا، وأصبح في عالم اسمه عالم البرزخ، فالعذاب والنعيم على الروح التي قد انفصلت من الجسد، والروح نحن لا ندركها، ولا ندري ما كيفيتها؛ لأن الله تعالى حجبها عن معرفة البشر، قال تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء:٨٥] . فالعذاب في القبر والنعيم على الأرواح، والأجساد تبع لها، فما دام أننا نؤمن بأن عذاب القبر حق؛ فإننا نستعيذ بالله منه، وإن لم نشاهده بالعين، وكان قد كشف لبعض العلماء عن بعض الأشياء فرأوا بعض العلامات ونحوها. وعلى كل حال عليه أن يستعيذ من عذاب القبر، ثم يستعيذ من فتنة المحيا والممات، والفتنة في الأصل هي الاختبار، ومنه قولهم: فتن الحداد الحديد أو فتن الذهب والفضة، يعني: اختبره حتى ميز ما هو صحيح وما ليس بصحيح، ثم تطلق الفتنة على الابتلاء في الدنيا، كون الإنسان يبتلى بعذاب أو يبتلى بسجن أو بضرب مثلاً أو بأذى من أنواع الأذى، أو يبتلى بمرض أو بفقر أو بفاقة، أو بشدة مئونة، أو بهم وغم أو نحو ذلك من الابتلاء، فهذه من فتن الدنيا فيستعيذ بالله منها، ومن ذلك فتن الشبهات والشكوك التي يروجها المبتدعة، ويروجها دعاة الضلال، ويدعون بها إلى الشك وإلى الشرك وإلى المعاصي وإلى الكفر ونحو ذلك، فيدعو أيضاً بأن يؤمنه الله تعالى ويعيذه من فتنة المحيا، من الفتنة التي تأتي في هذه الحياة، والتي تأتي عند الموت، ويدخل في فتنة الموت عذاب القبر، أو الفتنة عند خروج الإنسان من الدنيا عند الممات، والحاصل أنه يستعيذ من هذه الفتن. كذلك أيضاً من فتنة المسيح الدجال، وهو من أعظم الفتن؛ لأن النبي ﵊ أخبر في عدة أحاديث بأن الدجال يخرج في آخر الدنيا، وأنه يفتتن به خلق كثير، وأنه يدعي أنه هو الرب، ويكون معه آيات أو معجزات يفتن بها الناس، فالإنسان يستعيذ بالله من أن يدركه، أو أن يفتتن به إذا أدركه، وأصل الاستعاذة الاحتماء والتحصن والتحفظ، إذا قال مثلاً: أعوذ بالله، فمعناه: ألتجئ وأعتصم وأتحفظ وأحترس وأستجير بالله تعالى، يشعر بأن هذه الشرور تتوارد عليه، وأن هذه الفتن ونحوها تتكاثر عليه إذا لم يحمه ربه عنها، وخيف عليه أن تفتنه وأن تضله فهو يقول: الله تعالى هو الذي يحفظني منها، وهو الذي يحرسني، وأنا على خطر إذا لم يحفظني ولم يحطني بعنايته، فهذا هو السبب في كونه يقول: أعوذ، يعني: ألوذ وأستجير وأحتمي وأعتصم وأتحصن وأستجير بالله ربي أن يعذبني بعذاب جهنم، أو يسلط عليّ شيئاً من فتن الدنيا، أو من فتن المحيا والممات، أو من فتن المسيح الدجال، فإذا استعاذ بالله تعالى شعر من نفسه بأنه عاجز عن مقاومتها، وأنه لا قدرة له على التحفظ عنها إلا إذا أعاذه الله تعالى وحفظه وحماه، فهو الذي يحفظ العبد منها.

стр. 334

الاعتراف بظلم المرء لنفسه وطلب المغفرة بسبب ذلك أما الحديث الثاني ففيه: أن أبا بكر الصديق ﵁ طلب من النبي ﷺ أن يعلمه دعاء يدعو به في صلاته، فعلمه هذا الدعاء وهو: (اللهم إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم) . هكذا علم الصديق أن يدعو بهذا الدعاء ونحن أحق بأن ندعو به. أمر الصديق بأن يعترف بهذا الاعتراف: (ظلمت نفسي ظلماً كثيراً) وفي رواية: (ظلماً كبيراً) هذا الصديق أبو بكر ﵁ هل يقال: إنه ظلم نفسه ظلماً كثيراً، وهو من أول السابقين إلى الخيرات والمسارعين إلى الأعمال الصالحة، وهو من أهل الإيمان الصادق الثابت الذي لا يتزعزع، وهو من المصدقين لله وللرسول دون تردد، ومع ذلك يقول له: (قل: اللهم إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً) ، إذا كان هذا يقال لـ أبي بكر الصديق، فنحن أولى بأن نكون قد ظلمنا أنفسنا ظلماً كثيراً، وظلم الناس قد يكون بشيء من حقوق النفس، وقد يكون بمطاوعة النفس في شيء من المعاصي والمخالفات، وكل ذلك من ظلم النفس. وقد ذكر الله تعالى الاعتراف بالظلم من عباده أو من بعضهم، كما حكى الله تعالى عن يونس في قوله: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء:٨٧] فيونس ﵇ اعترف أنه من الظالمين، ومع ذلك فإن ظلم النفس عن تقصير في شيء من حقوقها يعفى عنه إذا حافظ العبد على أوامر الله ، ويغفر الله له ذلك، لما نزل قول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام:٨٢] قال الصحابة: أينا لم يظلم نفسه؟! أي: إذا كان الأمن والاهتداء لا يكون إلا لمن لم يلبس إيمانه بأي ظلم، فأينا يحصل على ذلك؟! فقال لهم النبي ﷺ : إن الظلم هاهنا هو الشرك ألم تسمعوا قول العبد الصالح -يعني: لقمان- ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان:١٣] . وعلى كل حال فالظلم الذي وصف به أبو بكر نفسه هو تقصيره في حقوق الله، يعني: فيما يجب لله؛ وذلك لأن العبد مقصر دائماً في حقوق ربه، ولا بد أن يكون قد وقع منه شيء من الغفلة، وشيء من الخطايا والخطرات ونحو ذلك، وكل ذلك من ظلم النفس، وكذلك قد تكلم فيما لا يعنيه، أو نظر إلى ما لا يشتهيه، أو أكل شيئاً بغير حقه أو ما أشبه ذلك، وكل ذلك من الظلم، فعلى الإنسان أن يعترف بهذا الظلم وأن يطلب من ربه أن يغفره. ثم هذا الذكر يأتي به في آخر الصلاة: (اللهم إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم) ليعترف بأنه ولو أدى هذه الصلاة ولو ذكر الله فيها، ولو قرأ كتابه، ولو قرأ ما قرأه، ولو خشع وخضع وركع وسجد، فإنه مع ذلك مقصر فيما يجب عليه لله ، فسبيله أن يطلب العفو، وأن يطلب المغفرة، فهكذا يختم الإنسان صلاته بالاعتراف بالتقصير؛ رجاء أن يتداركه ربه برحمته. هذا الدعاء في هذين الحديثين من السنن، يعني: قوله: (اللهم إني ظلمت نفسي) إلى آخره، أو قوله: (اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم، وعذاب القبر، وفتنة المحيا والممات، وفتنة المسيح الدجال) ، هذا من سنن الصلاة، يعني: يتأكد أن يأتي به، وبعض العلماء يرى وجوبهما، حتى روي أن طاوساً أمر ابنه أن يعيد الصلاة لما لم يقل: (اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم) إلى آخره؛ لأنه ورد في حديث (إذا صلى أحدكم فليستعذ بالله من أربع) . ولعل القول بأنه مستحب لا واجب هو الراجح، والدليل عليه أنه ﵊ قد خير العبد في الدعاء لما ذكر التشهد قال: (ثم ليتخير بعد من الدعاء ما شاء) وفي رواية: (ثم ليتخير من الدعاء أعجبه إليه) ، فلما أمره بأن يتخير من الدعاء ما يناسبه، دل ذلك على أن هذا الدعاء ليس بواجب، وإنما هو مندوب ومستحب. ومع ذلك يحرص على أن يأتي به مهما استطاع، وبعض الأئمة قد يخففون التشهد الأخير، فلا يتمكن المصلون خلفهم إلا من بعض الصلاة على النبي ﷺ ، والواجب أن ترشدوا الأئمة الذين يخففون وتأمروهم بأن يتأنوا بعد أن يقولوا: (اللهم صل على محمد) ، حتى يقول المأمومون خلفهم: (اللهم إنا نعوذ بك من عذاب جهنم، وعذاب القبر، وفتنة المحيا والممات، وفتنة المسيح الدجال) ، وقوله: (اللهم إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً) إلى آخره، وليس في ذلك إطالة على المأمومين ولا مشقة عليهم.

стр. 335

ذكر بعض الأدعية الواردة بعد التشهد كذلك ورد أيضاً أنه ﵊ كان يدعو في آخر الصلاة ويستعيذ من المأثم والمغرم، كان يقول: (اللهم إني أعوذ بك من المأثم والمغرم، فقال له قائل: ما أكثر ما تستعيذ من المغرم؟! فقال: إن الرجل إذا غرم حدث فكذب ووعد فأخلف) ، والمراد بالمغرم الديون التي يتحملها حتى يكون من الغارمين، والغارم: هو المتحمل لحقوق الناس، فشرع له أن يستعيذ من المغرم، والمأثم: هو الذنب الذي يكون به آثماً. ورد أيضاً: أنه يستعيذ من ضيق الصدر وشتات الأمر بعد قوله: (من عذاب القبر) يقول: (وضيق الصدر وشتات الأمر) ، كل ذلك من المستحب أيضاً. واستحب بعض العلماء أن يأتي بالذكر الذي علمه النبي ﷺ لـ معاذ في قوله: (إني أحبك يا معاذ فلا تدع أن تقول دبر كل صلاة: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك) فيقولون: إن دبر الصلاة يعني: آخرها، فيقول في آخر التشهد قبل السلام: (اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك) . والبعض الآخر قالوا: يأتي به بعد السلام، فإن دبر الصلاة يعني: بعد الانتهاء منها. واستحب بعض العلماء أن يأتي بشيء من الثناء مثل قوله: (اللهم بك آمنت ولك أسلمت وعليك توكلت وإليك أنبت، وبك خاصمت وإليك حاكمت، فاغفر لي ما قدمت وما أخرت وما أسررت وما أسرفت) وما أشبه ذلك، إذا تيسر ذلك أتى به؛ لأنه قال في الحديث: (ثم ليتخير من الدعاء أعجبه إليه) يعني: أنه إذا طال جلوس الإنسان في صلاته كأن يصلي وحده وأطال التشهد فإنه يدعو؛ لأنه في صلاة، ولأنه ينتظر الإجابة في آخر الصلاة، فيرجى أن يكون ذلك سبباً في إجابة الدعاء، لأنه لما أتى بهذه العبادة كان الإتيان بها من أسباب قبول الدعاء يعني: كأنه يقول: جعلت الصلاة وسيلة وسبباً فأدعو بعدها بهذا الدعاء رجاء أن يقبل مني.

стр. 336

استحباب قول: (سبحانك اللهم ربنا، اللهم اغفر لي) في الركوع والسجود أما حديث عائشة ذكرت أنه ﷺ كان يكثر أن يقول في صلاته: (سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي) وفي رواية: (سبحان الله وبحمده، أستغفر الله وأتوب إليه) وتقول: (إنه يتأول القرآن) ، وإنه يقول ذلك في ركوعه وفي سجوده، لما أمره الله تعالى بذلك في قوله: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [النصر:٣] فذكر الله التسبيح، وذكر الحمد، وذكر الاستغفار، وذكر التوبة، فيجمع بينهما بقوله: (سبحانك اللهم وبحمدك أستغفرك وأتوب إليك) أو: (سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي) أو: (اللهم اغفر لي وتب عليّ) ، فإذا أتى بهذا أو بما تيسر منه رجي أن يستجاب له؛ لأن الاستغفار طلب المغفرة، والتوبة هي طلب قبولها، كأنه يقول: إذا تبت فاقبل توبتي، والتوبة هي الرجوع إلى الله بعد المعصية وبعد المخالفة وما أشبه ذلك. فهذا يكون في الركوع والسجود، إذا قلت مثلاً: (سبحان ربي العظيم) ، ثلاثاً أو أربعاً أو خمساً تقول بعد ذلك: (سبحانك اللهم وبحمدك اللهم اغفر لي) ، أو (سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي) أو (سبحان الله وبحمده أستغفر الله وأتوب إليه) . وكذلك في السجود إذا قلت: (سبحان ربي الأعلى) (سبحان ربي الأعلى) ما شئت، تقول بعد ذلك: (سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي) امتثالاً لهذه الآية ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [النصر:٣] .

стр. 337

شرح عمدة الأحكام [٢٠] ذِكْر الله على نوعين: أولهما: ذكر مطلق لا يتقيد بزمان معين ولا مكان محدد، والثاني: ذكر مقيد إما بزمان أو بمكان، وهو فيما قيد به أفضل من الذكر المطلق. ومن هذا النوع الثاني الأذكار بعد الصلوات الخمس، فهي سبب في تكفير السيئات ورفع الدرجات، وهي وصية رسول الله لأصحابه وأحبابه كما وردت بذلك النصوص.

стр. 338

شرح حديث: (ذهب أهل الدثور بالأجور) قال المصنف ﵀: [عن سمي مولى أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام عن أبي صالح السمان، عن أبي هريرة ﵁: (أن فقراء المهاجرين أتوا رسول الله ﷺ فقالوا: يا رسول الله! ذهب أهل الدثور بالدرجات العلى والنعيم المقيم، فقال: وما ذاك؟ قالوا: يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون ولا نتصدق، ويعتقون ولا نعتق، فقال رسول الله ﷺ : أفلا أعلمكم شيئاً تدركون به من سبقكم، وتسبقون به من بعدكم، ولا يكون أحد أفضل منكم، إلا من صنع مثلما صنعتم؟ قالوا: بلى يا رسول الله! قال: تسبحون وتكبرون وتحمدون دبر كل صلاة ثلاثاً وثلاثين مرة. قال أبو صالح: فرجع فقراء المهاجرين إلى رسول الله ﷺ فقالوا: يا رسول الله! سمع إخواننا أهل الأموال بما فعلنا ففعلوا مثله، فقال رسول الله ﷺ : ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. قال سمي: فحدثت بعض أهلي بهذا الحديث، فقال: وهمت، إنما قال: تسبح الله ثلاثاً وثلاثين، وتكبر الله ثلاثاً وثلاثين، وتحمد الله ثلاثاً وثلاثين، فرجعت إلى أبي صالح فذكرت له ذلك، فقال: قل: الله أكبر وسبحان الله والحمد لله حتى تبلغ من جميعهن ثلاثاً وثلاثين) رواه مسلم. عن عائشة ﵂: (أن النبي ﷺ صلى في خميصة لها أعلام، فنظر إلى أعلامها نظرة، فلما انصرف قال: اذهبوا بخميصتي هذه إلى أبي جهم وائتوني بأنبجانية أبي جهم فإنها ألهتني آنفاً عن صلاتي) ] .

стр. 339

حرص الصحابة على الخير الحديث الأول يتعلق بالذكر بعد الصلاة، وفيه قصة فقراء المهاجرين الذين كانوا ذوي أموال في بلادهم، ولكنهم تركوها وهاجروا لله، كما قال تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الحشر:٨] . فهؤلاء المهاجرون أسلموا في مكة أو في غيرها من القرى، ثم تركوا أموالهم وبلادهم؛ لكون تلك البلاد بلاد كفر، وذهبوا بأنفسهم ونجوا برقابهم، وقصدهم بذلك أن يسلموا من الفتن، وأن يهربوا بدينهم، فجاءوا إلى المدينة وليس معهم رءوس أموال، فصاروا محلاً للصدقات والنفقات، فكانوا يشتغلون في النهار فيكتسبون ما يقوتون به أنفسهم وأهليهم، وفي الليل يصلون ويتهجدون، ولما رأوا أصحاب الأموال من أهل المدينة من الأنصار عندهم فضل من أموالهم يتصدقون ويعتقون وينفقون ويجهزون الغزاة في سبيل الله ونحو ذلك، غبطوهم على هذا الفعل، وعرفوا أنهم لا يدركونهم في ذلك. فأرادوا أن يكون لهم بدل هذا الأمر عمل يعملونه، فجاءوا إلى النبي ﷺ شاكين حالتهم، وأخبروه بما ساءهم من هذا الشيء الذي لا يستطيعونه، ووصفوا له أهل الدثور، وهم أهل الأموال الطائلة الكثيرة الموجودة بأيديهم، وأنهم تفوقوا عليهم، وأنهم عملوا أكثر منهم، فهم أهل بأن يذهبوا في الآخرة بالدرجات العلى وبالنعيم المقيم، فسألهم النبي ﷺ عن السبب الذي به تفوقوا عليهم، فأخبروه بأنهم يشتركون معهم في الأعمال البدنية، وقالوا: إنهم يصومون كما نصوم، ويصلون كما نصلي، ويجاهدون بأبدانهم كما نجاهد، ويتهجدون كما نتهجد، ونشاركهم في الأذكار وفي القراءة، ولكن لا نستطيع أن نحصل على مثل أموالهم، فهم يعملون أعمالاً مالية لا نستطيع أن ندركها، ومن ذلك الصدقات التي مدح الله أهلها بقوله تعالى ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة:٢٧١] ، وحث على الصدقة على الفقراء في قوله: ﴿الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة:٢٧٤] . ومعلوم أن أثرياء الصحابة من الأنصار ﵃ كان عندهم من الأموال ما يتصدقون بفضله على الفقراء، ويواسون به المساكين، بل ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة، ويعطون المستحقين؛ لأجل ذلك عرف فقراء المهاجرين أنهم لا يدركونهم في هذا الأمر الذي هو الصدقة والنفقة في وجوه الخير، حيث إنهم يجهزون الجيوش في سبيل الله تعالى، ويجاهدون بأموالهم وأبدانهم، بخلاف الفقراء فإنهم يجاهدون بالأبدان دون الأموال. وكذلك غبطوهم بأنهم يعتقون الرقاب، ويفكون العاني وهو الأسير إذا أسره المشركون بأموالهم، وإذا أسلم أحد من عبيد المشركين اشتروه وأعتقوه، والعتق من الأعمال الخيرية التي ورد فيها الوعد بالخير والثواب، فهذه هي التي غبطوا بها هؤلاء الأثرياء.

стр. 340

الذكر يقوم مقام الصدقات ولما أخبروا النبي ﷺ بذلك دلهم على الذكر بعد الصلاة، وأخبرهم بأن هذا الذكر يقوم مقام الصدقات، ففي بعض الروايات أنه قال: (إن لكم بكل تسبيحة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وأمر بمعروف صدقة، ونهي عن منكر صدقة، وكل خطوة إلى الصلاة صدقة) حتى قال: (وفي بضع أحدكم صدقة -يعني: في إتيانه لأهله- فقالوا: يأتي أحدنا شهوته ويكون له أجر؟! فقال: أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه وزر؟) فحثهم على هذه الأقوال التي هي الأذكار، وقد أخذ العلماء من هذا: أن الذكر بعد الصلاة يقوم مقام الصدقات.

стр. 341

صفة الذكر بعد الصلاة والذكر هو التسبيح والتكبير والتحميد ثلاثاً وثلاثين كما في هذا الحديث الذي رواه سمي مولى أبي بكر، وهو من علماء التابعين، وهو عتيق لـ أبي بكر بن عبد الرحمن بن حارث بن هشام وأبو بكر هو أحد فقهاء المدينة السبعة، وقد أعتق سمياً هذا، فتعلم سمي العلم وحفظ الحديث، وروى هذا الحديث عن أبي صالح السمان. وأبو صالح هو تلميذ أبي هريرة، رواه عن أبي هريرة، وذكر سمي أنه حدث به بعض أهله، وأنهم قالوا له: إنك وهمت إنما هو: (تكبرون ثلاثاً وثلاثين، وتحمدون ثلاثاً وثلاثين، وتسبحون ثلاثاً وثلاثين) ، وهذا هو مراد أبي صالح، فهو يقول: (تكبرون وتحمدون وتسبحون ثلاثاً ثلاثين) ، أي: يكرر كل واحدة ثلاثاً وثلاثين؛ ولأجل ذلك ورد في حديث آخر أنه ﵊ قال: (ويقول تمام المائة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير) ، فدل على أنه يقول: سبحان الله والحمد الله والله أكبر، ثم يكررها حتى يبلغ ثلاثاً وثلاثين، فتكون تسعاً وتسعين، فالتسبيحات ثلاث وثلاثون، والتكبيرات ثلاث وثلاثون، والتحميدات ثلاث وثلاثون. قال العلماء: هو مخيّر بين أن يقول: سبحان الله ويكررها حتى يكمل ثلاثاً وثلاثين، ثم يسرد التكبير فيقول: الله أكبر، ويكررها حتى يكمل ثلاثاً وثلاثين، ثم يسرد الحمد فيقول: الحمد لله، ويكررها إلى أن يكمل ثلاثاً وثلاثين. وإن شاء جمعها بقوله: سبحان الله والحمد لله والله أكبر هذه واحدة، ثم يكرر ذلك إلى أن يبلغ ثلاثاً وثلاثين فيكون الجميع تسعاً وتسعين، ثم يهلل تمام المائة. ويجوز أن يقدم بعضها على بعض، فقد ثبت أنه ﷺ قال: (ألا أخبركم بأفضل الكلام بعد القرآن وهن من القرآن، سبحان الله والحمد الله ولا إله إلا الله والله أكبر) ، وذكر أن هذه الأربع هي الباقيات الصالحات التي مدح الله أهلها، وكذلك بين أنه يجوز البداءة بأي واحدة منهن، قال (أربع بعد القرآن لا يضرك بأيهن بدأت: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر) وعلى كل حال فهذا الذكر المشروع جعله النبي ﷺ قائماً مقام الصدقات، ومقام إعتاق الرقاب ومقام النفقات في سبيل الله، ومقام الأعمال المالية التي تنفق في المشاريع الخيرية، فدل على ميزته وفضيلته وأنه يشرع للإنسان المحافظة عليه.

стр. 342

مشروعية عد الذكر بالأنامل والمشروع أن يسبحه بعد كل صلاة، ويشرع أيضاً أن يعد التسبيحات والتكبيرات بأصابع يديه اليمين واليسار، وقد ثبت أنه ﷺ قال لبعض أمهات المؤمنين: (اعقدن بالأنامل فإنهن مسئولات ومستنطقات) والأنامل: هي أصابع اليدين معاً، فيدل على أنه يشرع أن يعد بالأصابع كلها، لا يقتصر على اليد اليمنى كما اشتهر عن بعض المتأخرين أنهم اختاروا عدّ التسبيح باليد اليمنى، ولم يعهد هذا عن المتقدمين الذين قرأنا لهم، فالمتقدمون لم يخصوا اليد اليمنى بالعدّ فقط، بل يذكرون أنه يعد التسبيح بأصابعه أو بأنامله ويستدلون بهذا الحديث: (اعقدن بالأنامل فإنهن مسئولات ومستنطقات) يعني أن جميع هذه الأصابع تشهد وتنطق بما عدته من هذه الأذكار ونحوها. وقد ورد أن النبي ﵊ حث على أن تعد هذه الأذكار فقال ﷺ : (من قال: سبحان الله وبحمده مائة مرة حطت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر) ومعلوم أن مائة مرة تحتاج إلى العد بالأصابع كلها لا بيد واحدة، فإن العد بيد واحدة قد يسبب الغلط والخطأ، وكذلك التهليل الذي ورد مائة مرة أيضاً. وأما الحديث الذي يستدل به في سنن أبي داود فهو حديث صحيح، عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه ﷺ كان يعلم أصحابه الذكر، ويقول لهم: (عليكم أن تسبحوا وتكبروا دبر الصلوات) ، فقال عبد الله بن عمرو بن العاص: (رأيت النبي ﷺ يعقد التسبيح بيده) هكذا الرواية، وكلمة (بيده) اسم جنس يدخل فيها اليد اليمنى واليد اليسرى، وكثيراً ما تطلق اليد ويراد بها اليدان، أما رواية: (بيمينه) فقد انفرد بها راوٍ واحد تفرد عن عدد من الرواة فأبدل كلمة (بيده) بكلمة (يمينه) ، ولا شك أن تطرق الخطأ إليه أولى من تطرق الخطأ إلى عشرين راوياً كلهم يقولون: (بيده) . فيقال أولاً: إن هذا المقام مقام تعليم، وإنه ﵊ إنما كان يعد التسبيح بيده ليعلم أصحابه، فيمكن أن يكون اقتصر على يدٍ واحدة، يحتمل أنها اليد اليسرى ويحتمل أنها اليد اليمنى. ويقال ثانياً: قد يطلق اسم اليد على اليدين، (بيده) يعني بجنس اليد، فيدل على أنه عدّ التسبيح باليدين معاً، ولكن ذكر إحداهما كقوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ [الملك:١] وكقوله: ﴿بِيَدِكَ الْخَيْرُ﴾ [آل عمران:٢٦] مع قول النبي ﷺ (الخير بيديك) ، فاليد هنا اسم للجنس يعم اليدين، وعلى كل حال: لا شك أن عدها باليدين وعدّ التسبيح بالأصابع كلها أفضل لكونه عبادة استعمل فيها جوارحه، واستعمال الجوارح الكثيرة أفضل. وأما استدلالهم بقول عائشة (كان النبي ﷺ يحب التيمن في ترجله وتنعله وطهوره وفي شأنه كله) فهو حديث صحيح، ولكن ليس معناه أنه يقتصر على اليد اليمنى، بل معناه أن يبدأ بها، فإذا توضأ غسل اليمنى قبل اليسرى، وإذا انتعل لبس اليمنى قبل اليسرى، وإذا ترجل بدأ بالشق الأيمن قبل الأيسر، فكذلك إذا سبح، يبدأ العد بأصابعه اليمنى ثم بأصابعه اليسرى، فليس فيه أنه يقتصر على واحدة، فعرف بذلك أن الأفضل والسنة أن يستعمل أصابع يديه كلها، ولا حرج في استعمال اليسرى في عدّ الأصابع لأنها إحدى يديه؛ ولأنها طاهرة، ولا يقال: كيف يعد بها التسبيح وهو يستنجي بها أو نحو ذلك؟! فإنها يد طاهرة، ويتكئ عليها في الركوع، ويسجد عليها في السجود، وتوضع على الفخذ في التشهد. وهي إحدى يديه، فلا مانع من أن يعد بأصابعها التسبيح، والتسبيح ليس باليد ولا بالأصابع إنما هو باللسان، ولكنها مجرد ضبط عدد حتى لا يخطئ. وعلى كل حال فهذا التسبيح الذي ورد في قوله ﷺ : (تسبحون وتكبرون وتحمدون ثلاثاً وثلاثين) يدل على فضيلة ومزية الذكر، وأن على الإنسان أن يحرص على الإتيان بهذه الأذكار بعد الصلوات الخمس، فإذا انصرف من الصلاة يقول: اللهم أنت السلام إلى آخره، ثم يبدأ بقوله: سبحان الله، والحمد لله، والله أكبر حتى يكمل ثلاثاً وثلاثين.

стр. 343

الاهتمام بمعاني الأذكار بعد الصلوات وعلى المصلح أن يهتم بمعاني هذه الألفاظ ويستحضرها حتى يكون تأثيرها أقوى، فالتسبيح معناه التنزيه، فإذا قال: سبحان الله فمعناه: أنزه الله تعالى عن النقائص والعيوب، وأنزه الله سبحانه وتعالى عما يصفه به المشركون من الشريك والولد والوالد والكفء والند والشبيه والمثيل والنظير وما أشبه ذلك، أنزه الله عن النقائص من الجهل والسِنَةِ والنوم واللغوب وما أشبه ذلك، هذا مقتضى سبحان الله، يعني: تنزيهاً لله وتقديساً له، وتعظيماً له. إذا قال: الحمد لله، فإن معناه أنه يثني عليه بصفاته التي هي صفات كمال، ويعترف بأنه المنعم المتفضل عليه وعلى غيره، وأن حمده له مقابل نعمه، ومقابل فضله ومقابل صفاته الاختيارية ونحوها. وإذا قال: الله أكبر، فإن معناه التعظيم والإجلال والإكبار، وأن العبد صغير وحقير بالنسبة إلى كبرياء الله سبحانه، فالتكبير معناه التعظيم والإجلال، فإذا قال: الله أكبر، أي أنه أكبر وأعظم وأجل من كل شيء، وما سواه صغير حقير وهكذا، فيستحضر هذه المعاني عندما يقولها فيكون لها أثر في عقيدته، هذا هو السبب في شرعية هذه الأذكار التي جعلها النبي ﷺ قائمة مقام الصدقة، وهي لا تستغرق وقتاً كثيراً يقولها، فقد يقولها الإنسان في خمس دقائق أو أقل، ولكن الكثير من الناس عندما ينصرفون من الصلاة يستبقون الأبواب ويذكرهم الشيطان بحوائجهم، أو يذكرهم بأمور تهمهم، وقد لا يكون لهم أغراض إلا مجرد الخروج والمسابقة إلى الأبواب، فيفوتهم هذا الخير، ولو أنهم حبسوا أنفسهم حتى يأتوا بهذا الذكر لحصلوا على هذا الخير الذي جعله النبي ﷺ قائماً مقام الصدقات وقائماً مقام العتق ومسبباً للحاق بالصالحين. وفي هذا الحديث أن أثرياء الصحابة وأغنيائهم لما سمعوا الفقراء يسبحون سألوهم: ما هذا التسبيح والتكبير؟ فأخبروهم بأن النبي ﷺ علمهم ذلك، فصار أغنياء الصحابة يسبحون ويكبرون دبر الصلوات ثلاثاً وثلاثين، فذهب فقراء الصحابة إلى الرسول وقالوا: يا رسول الله! قد علم إخواننا أهل الأموال بما فعلنا ففعلوا مثله، وأنت تقول: (إنه لا يدرككم أحد إلا من عمل مثل ما عملتم) ، فقال النبي ﷺ : (ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء) أي: أن الله تعالى هو الذي تفضل عليهم وأعطاهم الأموال، وجعلها رخيصة عندهم بحيث إنهم ينفقونها في وجوه الخير، ولا يقتصرون على البعض، بل ينفقونها ويجودون بها، ثم أعانهم على الأعمال البدنية والأعمال القولية فهو فضل الله ومنته يؤتيه من يشاء، فيدل على أن الغني إذا عمل في ماله وعمل ببدنه أدرك من سواه.

стр. 344

شرح حديث: (اذهبوا بخميصتي هذه إلى أبي جهم) أما الحديث الذي يتعلق بالخشوع في الصلاة ففيه أنه ﷺ صلى مرة وعليه خميصة لها أعلام، فلما انصرف نظر إليها وقال: (اذهبوا بخميصتي هذه إلى أبي جهم وأتوني بأنبجانية أبي جهم فإنها ألهتني آنفاً عن صلاتي) .

стр. 345

معنى الخميصة الخميصة كساء له أعلام، أي: فيه شيء من الخطوط الممتدة، وقد تكون في طوله وقد تكون في عرضه، وهذه الخطوط قد ينظر إليها الإنسان فيحدث بها نفسه، أو ينشغل قلبه بالأشياء التي يراها أمامه، فأحب النبي ﷺ أن يكون لبه وقلبه وحديثه في الصلاة كله حاضراً فيما يتعلق بالصلاة، ولا يحدث نفسه بشيء خارج عن عبادته، فعرف أن هذه الخطوط التي في هذه الخميصة قد تشغل قلبه ولو كان قليلاً، فأحب أن يهدي هذه الخميصة إلى غيره، فأرسل بها إلى بعض الصحابة من المهاجرين وهو أبو جهم وأمره بأن يعطيه بدلها أنبجانية يعني: كساء ليست فيه تلك الخطوط حتى إذا صلى فيها لم يكن هناك ما يشغله في صلاته.

стр. 346

الابتعاد عما يشغل في الصلاة فهذا الحديث فيه بيان أن الإنسان عليه أن يحضر قلبه ولبه في صلاته، ولا يحدث نفسه بشيء من أمور الدنيا وأن يتجنب الأشياء التي تشوش عليه وتذكره الدنيا، أو تشغل شيئاً من قلبه. وجاء في حديث آخر أنه ﷺ كان يصلى النافلة في بيت عائشة، وكان أمامه قِرام قد سترت به عائشة سهوة لها، يعني: نافذة، فقال: (أميطي عني هذا القِرام فإن تماثيله تعرض لي كلما نظرت إليه ذكرتُ الدنيا) ، أي: أن فيه شيئاً من الخطوط والتماثيل، وليست صور حيوانات ولكنها نقوش أو ما أشبهها، فإذا نظر إليها ذكر الدنيا، فأحب أن لا يخطر على باله وفي قلبه شيء من الأمور الدنيوية وهو في صلاته، فأحب أنه متى دخل في الصلاة استقر قلبه فيها وانشرح لها وأقبل بقلبه كله على عبادته حتى تكون الصلاة كلها له لا نقص فيها. فيؤخذ من هذا أن على الإنسان أن يتجنب الأشياء التي تشوش عليه في صلاته، فإذا كان أمامه شيء مما يشوش عليه فإنه يزيله؛ ولأجل ذلك حرص العلماء على أن لا يكون في جدران المساجد التي أمام المصلين خطوط أو كتابات تشغل المصلين إذا نظروا إليها، بل كره بعضهم الأنوار التي تكون في قبلة المصلي، وكل ذلك لأجل تحصيل حضور القلب للصلاة ليستفيد منها، لأنه ورد في الحديث أنه (ليس للعبد من صلاته إلا ما عقل) يعني: ما أقبل بقلبه عليها وعقلها. أما الذي يحدث نفسه في صلاته ويجول قلبه فيها، فلا يدري ما قرأ الإمام ولا يدري ما سبح ولا ما كبر ولا عدد ما دعا به، ولا يقبل بقلبه على الدعاء، فمثل هذا لا يستفيد من صلاته ولا تؤثر فيه ولا تنهاه عن الفحشاء والمنكر، ولا تزيده إيماناً إلا أن يشاء الله. فعلى المسلم أن يحرص على الأشياء التي يحضر بها قلبه في صلاته ويبعد ما يشوش عليه في صلاته.

стр. 347

شرح عمدة الأحكام [٢١]

стр. 348

حكم من سبق الإمام بالتسليم ثم جبر ذلك بالإتيان بركعة خامسة السؤال بعد التشهد الأخير في صلاة الظهر سلمت قبل أن يسلم الإمام ناسياً، وعندما تذكرت انتظرت إلى أن سلم الإمام فقمت وأتيت بركعة خامسة جهلاً مني بالحكم، فماذا علي في ذلك؟ الجواب أخطأت في هذه الزيادة، وكان عليك أن تسجد وحدك للسهو جبراً لذلك بعد أن يسلم إمامك، ومن العلماء من يقول: إن الإمام يتحمل عن المأموم ولا سجود عليه. على كل حال: هذه الزيادة خطأ، وتعتبر مجزئة لك لعذر الجهل.

стр. 349

حكم من صلى العشاء مع الإمام بنية المغرب السؤال دخلت المسجد قرب إقامة صلاة العشاء، وكنت لم أصل المغرب، فدخلت مع الإمام في صلاة العشاء، ولكني في الركعة الثالثة بقيت جالساً حتى سلم الإمام ثم سلمت معه، ثم أقمت الصلاة وصليت العشاء، فهل فعلي هذا صحيح؟ الجواب أجازه بعض المشايخ، إلا أن العلماء الأوائل وأهل المؤلفات لا يجيزون مثل هذا، بل يأمرونك بأن تصلي وحدك صلاة المغرب، ثم بعد ذلك تدخل معهم في بقية صلاة العشاء، ولكن أفتى بعض مشايخنا، ومنهم الشيخ عبد العزيز بن باز وفقه الله بأنه يجوز أن تدخل معهم في عشائهم وتجعلها مغرباً وتصلي معهم ثلاثاً وتنوي السلام، أو تنتظرهم حتى يسلموا وتنويها مغرباً لك وتصلي بعدها العشاء. وإن كان هذا لم يكن عليه نقل، ولكن أجازوه من باب الاغتنام لصلاة الجماعة، والأفضل أن يصلي وحده صلاة المغرب، ثم بعد ذلك يصلي ما بقي من صلاة العشاء مع الإمام. مداخلة: لو دخل مع الإمام في صلاة العشاء كاملة ثم صلى بعدها المغرب؟ الشيخ: أما تقديم العشاء على المغرب فلا يجوز ما دام الوقت متسعاً؛ وذلك لترتيب الصلوات، وقد مر بنا الحديث الذي جاء فيه أنه ﵇ صلى العصر ثم صلى بعدها المغرب.

стр. 350

حكم قول: أقامها الله وأدامها، بعد قول المؤذن: قد قامت الصلاة السؤال ما رأيكم في قول بعض المصلين عندما يسمعون جملة: قد قامت الصلاة، يقولون: أقامها الله وأدامها؟ وهل لها أصل في السنة؟ الجواب ورد فيها حديث ولكنه ضعيف، ومع ذلك استحبها كثير من العلماء، وذكروها في مؤلفاتهم وفي أدعيتهم، وإن لم يكن الدليل قوياً؛ وذلك لأنهم اعتبروها دعاء، والدعاء لا يحتاج إلى توقيف بل يدعو الإنسان بما تيسر، وقد كان النبي ﷺ يقر أصحابه على كثير من الأدعية لم يكن علمهم إياها بل استحسنوها فدعوا بها فأقرهم على ذلك، فهذا دعاء فيه خير لإقامة الصلاة ولاستمرارها ودوامها، فلا مانع من القول بذلك إن شاء الله.

стр. 351

أفضل صفوف النساء في المساجد المفصولة فصلاً تاماً عن مساجد الرجال السؤال يكون في المساجد هذه الأيام قسم خاص كمصلى للنساء ينعزل فيه النساء عن الرجال، فيحصل أن يصطف بعض النساء في مقدمة المصلى ويتركن المؤخرة، وفي نفس الوقت تأتي بعض النساء ويقفن في المؤخرة ويتركن المقدمة، فما هو رأيكم فيما يقع من اختلاف الصفوف وعدم إقامتها إقامة تامة؟ الجواب ما دام أنه محجوز بينهن وبين الرجال بحاجز، ويوجد المكبر الذي يوصل الصوت، فنرى أن صفوفهن كصفوف الرجال، فيكون أفضلها هو المقدم، أما قوله ﷺ : (خير صفوف النساء آخرها وشرها أولها) ، فهذا فيما إذا كانت الصفوف متصلة ليس بينها وبين صفوف الرجال حاجز، فجعل أفضلها أبعدها عن الرجال، وشرها أقربها من صفوف الرجال مخافة الاختلاط ومخافة السماع، أما وقد انعزلن بحاجز قوي لا يمكن معه الرؤية ولا الملامسة ولا الاتصال فصفوفهن كصفوف الرجال يبدأ بالأول؛ ومعلوم أنهن إذا صففن في مؤخرة الصفوف فإن من بعدهن يدخلن بعد اكتمال الصف فيحتجن إلى أن ينشئن صفاً ثانياً متقدماً، وستضطر عندها كل من دخلت إلى المرور أمام المصليات وهكذا، فيحصل بذلك شيء من التشويش، فالأولى كما قلنا أن يبدأ بالصفوف المتقدمة الأول فالأول.

стр. 352

مشروعية صلاة تحية المسجد بعد غروب الشمس ولو لم يؤذن المؤذن السؤال إذا غربت الشمس والمؤذن لم يشرع في الأذان ثم دخل رجل المسجد، فهل يصلي تحية المسجد أم ينتظر؟ الجواب يصلي ما دام أن الشمس قد غربت؛ لأن النهي يمتد إلى غروب الشمس، يقول الحديث: (لا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس) ولم يقل: حتى يؤذن المؤذنون، فإذا تحققت أن الشمس قد غربت فلك أن تصلي.

стр. 353

مشروعية التكلم مع الإمام لمصلحة الصلاة عند عدم فهمه للتسبيح عند السهو السؤال هل يجوز التكلم لتنبيه الإمام، مثل قول: قم، أو اجلس بعد عدم فهمه لقولنا: سبحان الله؟ الجواب يقولون: إذا احتيج إلى الكلام في مصلحة الصلاة مع كون الإمام لم يفهم المطلوب، فيمكن أن يختار كلمة من القرآن إذا كان يستحضر، فمثلاً: إذا أراد منه أن يقوم قرأ عليه: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة:٢٣٨] يعني: أمر بالقيام، وإذا أراد له أن يجلس أو أن يقعد جاء بمثل قوله تعالى: ﴿وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ﴾ [التوبة:٤٦] أو نحو ذلك. وكذلك إذا أراد منه الركوع قرأ عليه: ﴿ارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة:٤٣] أو أراد منه السلام، قرأ عليه: ﴿وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٥٦] وما أشبه ذلك فإذا لم يستحضر ذلك، وقال له: اسجد بدون كلمة ((واقْتَرِبْ)) أو قال له: اجلس، عفي عن ذلك؛ لأنه من مصلحة الصلاة.

стр. 354

بقاء أثر النجاسة بعد غسلها ودلكها بالماء وزوال عينها السؤال إذا أصاب الإنسان نجاسة في بدنه وغسلها عدة مرات، وبعد ذلك اكتشف أن هناك رائحة نجاسة في بدنه، فهل تكون هذه الرائحة مانعة من الصلاة؟ الجواب لا تكون ما دام أنه قد غسلها عدة مرات؛ وذلك لأن الأصل أن النجاسة تزول بالغسل بالماء، فإذا كانت على يديه مثلاً أو على ساقيه وغسلها ودلكها -ولو لم يكن معه صابون أو منديل أو نحو ذلك- اكتفى بذلك، كذلك إذا كانت على الثوب وغسلها حتى لا يبقى إلا ما لا يزيله الماء، وقد ثبت أنه ﵊ سئل عن دم الحيض يصيب الثوب فقال للمرأة: (يكفيك الماء ولا يضرك أثره) أي: اغسليه حتى يزول ولو بقيت بقعه في الثوب فإنه لا يضر ذلك، كذلك لو بقيت رائحة -وإن كان ذلك نادراً- فإن ذلك أيضاً لا يضر.

стр. 355

قول شيخ الإسلام والظاهرية ببطلان الصلاة في حضرة الطعام ودليلهم على ذلك السؤال ما دليل الظاهرية وكذلك شيخ الإسلام ابن تيمية على بطلان صلاة من صلى بحضرة طعام؟ الجواب أخذوه من ظاهر قوله ﷺ : (لا صلاة بحضرة طعام) ، فهذا النهي يدل على أنه ترك واجباً، يقول شيخ الإسلام في قواعده: إن الله ورسوله لا ينفيان مسمى اسم شرعي إلا للإخلال ببعض واجباته، فهنا نفي اسم شرعي وهو كلمة (الصلاة) مثل قوله: (لا صلاة لمن أحدث حتى يتوضأ) ، ومثل قوله: (لا صلاة إلا بوضوء، ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله) ، أخذوا من وجوب ذكر التسمية عند الوضوء مع التذكر أن من صلى وهو متعلق القلب بالطعام، أو متعلق القلب بإخراج البول أو الغائط أنه لا يقبل على صلاته ولا يطمئن فيها، والطمأنينة ركن من أركان الصلاة، والخشوع روح الصلاة ولبها، فهذا مذهب الظاهرية أنهم تشبثوا بهذا الحديث، ولكن الجمهور قالوا: تنعقد الصلاة مع الكراهة.
следующие страницы →