← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 7723

شرح عمدة الأحكام لابن جبرين

ابن جبرين

Полный текст (1 083 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

ما يلزم المؤذن إذا نسي التثويب في أذان الفجر السؤال إذا نسي المؤذن قول: (الصلاة خيرٌ من النوم) في أذان الفجر، فهل يعيد الأذان؟ الجواب إن تذكر قريباً أتى بعبارة التثويب التي هي (الصلاة خير من النوم) ، وإذا لم يذكر إلا بعدما قد طال الوقت سقطت؛ لأنها من السنن، ولا يعيد لأجلها الأذان كله.

стр. 387

حكم المرور بين يدي المصلي إذا صلى في موضع مرور الناس في العادة السؤال ما الحكم إذا صلى إنسان في مكان مرور الناس كما لو صلى قرب الباب؟ الجواب المرء مأمورٌ بأن يصلي في المكان المناسب لذلك، ولا يصلي في المكان الذي هو مفترق يمر الناس فيه كثيراً فيضايقهم ويحجزهم، أو يؤثمهم بأن يمروا بين يديه، ولكن إذا فعل ذلك ومروا بين يديه، فهو ملوم على كل حال، وهم ملومون أيضاً، والحكم أن الإنسان إذا رأى من يصلي توقف وانتظره أن يتم صلاته، ولو حجزه ذلك مدة، وقد يحدث مثل هذا فيما إذا كان الإنسان مسبوقاً. فإذا قام المسبوق ليصلي ما فاته بعدما يسلم الإمام، يقوم كثير من الناس من أوساط الصفوف ويخرقون الصفوف ويمرون بين يدي المصلين الذين يتمون صلاتهم فيقعون في بعض الإثم. فنقول: عليكم أن تتأنوا قليلاً حتى يصلي إخوانكم ويكملوا صلاتهم، اصبروا دقيقة أو نحوها حتى ينهوا صلاتهم بحيث لا تأثمون ولا تفسدون عليهم صلاتهم أو تنقصوها.

стр. 388

الاكتفاء بالنافلة عن تحية المسجد السؤال إذا دخل الرجل مسجداً بقصد صلاة الضحى، فهل يجب عليه أن يصلي تحية المسجد ثم يصلي صلاة الضحى، وكذلك سنة الفجر؟ الجواب تحية المسجد يكفي أن يصلي ركعتين، فإذا دخل وصلاة الظهر -مثلاً- قد أقيمت كفاه أن يصلي الظهر وتكون تحية للمسجد، وإذا دخل والفجر قد أقيمت اكتفى بالفريضة عن تحية المسجد، وإذا كان للصلاة سنة قبلها كسنة الظهر، وسنة الفجر فصلى ركعتين ينويهما سنة الفجر أو سنة الظهر، اكتفى بهما عن تحية المسجد. وكذلك إذا دخل لصلاة الضحى فيصلي ركعتي الضحى ويكتفي بهما عن تحية المسجد، وإذا دخل للتهجد في الليل أو صلى ركعتين مثلاً اكتفى بهما تهجداً وتحية للمسجد؛ وذلك لأنه حصل له جنس الصلاة.

стр. 389

تأخير الأذان لمن أراد الإبراد بالظهر أو تأخير العشاء إلى ثلث الليل السؤال إذا أراد الجماعة الإبراد بالظهر في شدة الحر، فهل يؤذنون لها عند دخول وقتها أم يؤخرون الأذان؟ وما الحكم أيضاً عند تأخير صلاة العشاء في الأذان؟ الجواب سمعنا: (أنه ﷺ كلما أراد بلال أن يؤذن قال له: أبرد) فهذا يدل على أنهم لا يؤذنون إلا عندما يريدون القيام إلى الصلاة، فلا يؤذنون عند الزوال الذي هو وقت الظهر، بل يؤذنون إذا أرادوا أن يصلوا، أو قبل أن يقيموا الصلاة بربع ساعة ونحو ذلك، وكذلك لو تيسر لهم وأخروا العشاء إلى ثلث الليل أو نحوه فإنهم يؤخرون الأذان إلى قرب إقامتهم للصلاة.

стр. 390

شرح عمدة الأحكام [٢٢] الإسلام دين اليسر والسهولة، ومن ذلك أن الله رخص للمسافر في الجمع بين الصلاتين وقصر الرباعية، إلا أن كثيراً من الناس قد يسيئون استخدام هذه الرخص فيعملون بها في غير محلها، فلذلك كان من الواجب عليهم أن يتعلموا أحكام الجمع والقصر لكثرة الحاجة إليها.

стр. 391

الجمع بين الصلاتين في السفر قال المؤلف ﵀: [باب الجمع بين الصلاتين في السفر: عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: (كان رسول الله ﷺ يجمع بين صلاة الظهر والعصر إذا كان على ظهر سير، ويجمع بين المغرب والعشاء) . باب قصر الصلاة في السفر: عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: (صحبت رسول الله ﷺ فكان لا يزيد في السفر على ركعتين، وأبا بكر وعمر وعثمان كذلك) ] . هذا يتعلق برخص السفر: الجمع في السفر، والقصر في السفر.

стр. 392

تعريف السفر وذكر رخصه والحكمة منها السفر هو: قطع المسافة التي بين البلاد والبلاد، ولَمَّا كان السفر مظنة المشقة وردت فيه الرخص، ورخص السفر أربع: - الفطر لأجل المشقة. - والقصر. - والجمع. - وزيادة توقيت المسح على الخفين. فهذه رخص السفر الأربع. وسبب ذلك: أن السفر مشقة وصعوبة، كما قال النبي ﷺ : (السفر قطعة من العذاب، يمنع أحدكم لذته وراحته، أو طعامه وشرابه، فإذا قضى نهمته فليتبع الفيئة) يعني: الرجوع. فلما كان قطعة من العذاب جاءت السنة بالترخيص فيه، فرخَّص الله تعالى في الإفطار فيه كما سيأتي في الصيام، وجعل سببه اليسر، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة:١٨٥] . أي: رخَّص لكم ذلك لأجل اليسر والسهولة وصرف العسر والمشقة والصعوبات التي على العباد.

стр. 393

حكم الجمع للنازل وقد ترخَّص كثير من الناس وصاروا يجمعون وهم نازلون، وهذا لم يُنقل إلا في حديث لا يثبت، وإلا خاصاً لسبب من الأسباب، وروي حديثٌ لا بأس به (أنه ﷺ جمع مرة وهو في تبوك، بين الظهرَين وبين العشاءين) أي: وهو نازل في تبوك؛ ولكن تلك المرة يمكن أن يكون له عذر، إما مرض وإما شغل أو نحو ذلك مما له سبب، أما بقية أيامه فإنه كان يقصر ويوقت، وأقام في تبوك عشرين يوماً، يصلي كل فرض في وقته؛ ولكنه كان يقصر. وأقام أيضاً في حجة الوداع في الأبطح قبل أن يذهب إلى منى أربعة أيام، يصلي كل صلاة في وقتها، وكذلك أقام في منى أربعة أيام، يصلي كل فرض في وقته، ولم يكن يجمع، إنما كان يقصر الرباعية ركعتين. وكذلك في غزوة الفتح أقام في مكة في الأبطح ستة عشر يوماً أو نحوها يقصر الصلاة؛ ولكنه لم يجمع، إنما يصلي كل صلاة في وقتها. فنقول: إذا كنتَ نازلاً في بلد، وأنت ممن يُباح له القصر فصلِّ كل وقت في وقته مع القصر، وأما الجمع فإنه -على الصحيح- يختص بمن هو جادٌّ به السير، لا يجمع إلا إذا كان بين البلدين، إذا سار -مثلاً- من الرياض إلى المدينة أو إلى تبوك أو إلى البلاد الخارجية كالشام أو مصر أو ما أشبه ذلك عن طريق البر، فإنه بحاجة إلى أن يجمع ما دام في الطريق. إذا عرف -مثلاً- أن الوقوف يتكرر ويقطع عليه وقتاً، فإذا زالت الشمس وقف وصلى الظهر والعصر، ثم واصل سيره إلى أن تغرب الشمس، فينزل فيصلي المغرب والعشاء، ثم يواصل سيره إلى أن يأتي الوقت الذي ينام فيه أو يقف فيه، وهكذا. أو إذا زالت الشمس واصل السير إلى أن ينزل لصلاة العصر في الساعة الرابعة أو الثانية والنصف أو ما أشبه ذلك، ثم يصلي هناك الظهر والعصر، أو إذا غربت الشمس وهو سائر واصل السير حتى ينزل في الساعة التاسعة أو العاشرة، ثم إذا نزل صلى المغرب والعشاء في ذلك الوقت نزولاً واحداً وصلى جمعاً واحداً. أما إذا كان نازلاً فإنه يوقت، إذا كان مسافراً -مثلاً- إلى بلدة في داخل المملكة أو في خارجها ووصل -مثلاً- إلى تبوك أو إلى نجران أو إلى جيزان -مثلاً- وهو مسافر؛ ولكنه سيقيم يومين أو ثلاثة أيام أو مدة، فله أن يقصر الرباعية ويصليها ركعتين، وليس له أن يجمع بين صلاتين لكونه ليس على ظهر سير.

стр. 394

الجمع لعذر المطر والمرض ونحوه ويجوز الجمع أيضاً لبعض الأعذار، كالجمع للمطر والمرض ونحو ذلك. وقد ثبت أنه ﷺ جمع بن الظهرَين للمطر، وجمع بين العشاءين للمطر، وسبب ذلك المشقة، وذلك أن المدينة كانت ضيقةً أسواقُها ودحضاً ومزلَّةً وتمتلئ إذا جاء السيل بالوحل وبالطين ونحو ذلك، فيصعب عليهم أن يصلوا إلى المسجد إلا بمشقة، وربما سقط أحدهم بذلك الحمأ المسنون وتلوثت ثيابه، وصعُب عليه أن يخرج منه، فرُخِّص له فجمع الظهرَين مرةً وجمع العشاءين مراراً لسبب المطر. وأما حديث ابن عباس: (أنه ﷺ جمع بالمدينة من غير سفر ولا مطر) ، فقيل لـ ابن عباس: ماذا أراد بذلك؟ فقال: أراد ألَّا يحرج أمته. فإن هذا دليل على أن هناك عذراً وحرجاً أراد أن يمحوه. فقيل: إنه كان هناك شغل لكثير من صحابته، وقيل: إن هناك مرضاً له أو لغيره، والمرض من الأسباب التي يباح للمريض بها أن يجمع، والمريض يجوز له أن يجمع بين الصلاتين إذا كان يشق عليه أن يذهب إلى دورات المياه لأجل الوضوء كل وقت، وأحب أن يتوضأ للظهرَين وضوءاً واحداً ويصليهما، وللعشاءين وضوءاً واحداً، حتى لا يشق عليه. وكذلك إذا كان يشق عليه الجلوس، فإذا أُجْلِس للظهر صلى معها العصر، وإذا أُجلس للمغرب صلى معها العشاء، حتى لا يشق عليه كثرة الجلوس وكثرة الحركة. فمثل هذا عذر من الأعذار وهو المرض؛ فيجوز له الجمع. وورد أيضاً: الجمع بالنسبة للمرأة التي هي مستحاضة؛ ولكن قال بعضهم: إنه جمع صوري، فالمستحاضة وهي المرأة التي يجري معها الدم ولا ينقطع، أمرت بأن تؤخر الظهر وتعجل العصر وتغتسل لهما غسلاً واحداً تجمع بينهما، وتصلي الظهر في آخر وقتها، والعصر في أول وقتها؛ ولكن جمع صوري -كما يقولون- وليس معه قصر، إنما هو جمعٌ مع الإتمام. فهذه هي الأسباب التي لأجلها يُجمع بين الصلوات. أما القصر في السفر فهو أيضاً من الرخص التي ذكر العلماء أنه يترخص بها إذا وُجد سببها. وبكل حال فهو من الأسباب التي يشرع للإنسان القصر فيها، فيعرف أن الإسلام دين السهولة واليُسر، وأنه جاء بما فيه السهولة ونهى عن الصعوبات ونحوها. ومفاد هذا الحديث: أنه ﷺ كان إذا سافر قَصَر الرباعية ركعتين؛ لأن الله تعالى رخص له في ذلك بقوله: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء:١٠١] ، وأخبر النبي ﵊ بأنها رخصة من الله تعالى وصدقة لقوله: (صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته) .

стр. 395

شرح عمدة الأحكام [٢٣] شرف الله هذه الأمة بيوم الجمعة، فهو أفضل الأيام، ويختص بصلاة الجمعة التي يجتمع فيها المسلمون ليسمعوا ما ينفعهم في دينهم وما يهمهم لصلاح دنياهم وآخرتهم، ولهذه الصلاة أحكام كثيرة بينها الفقهاء ﵏.

стр. 396

أحكام الجمعة قال المصنف ﵀: [باب الجمعة: وعن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: (من جاء منكم الجمعة فليغتسل) . وعن عبد الله بن عمر ﵄ قال: (كان رسول الله ﷺ يخطب خطبتين وهو قائم، يفصل بينهما بجلوس) . وعن جابر بن عبد الله ﵄ قال: (جاء رجل والنبي ﷺ يخطب الناس يوم الجمعة، فقال: أصليتَ يا فلان؟ قال: لا. قال: قم فاركع ركعتين، وفي رواية: فصلِّ ركعتين) . وعن سهل بن سعد الساعدي ﵁: (أن رجالاً تمارَوا في منبر رسول الله ﷺ مِن أي عودٍ هو؟! فقال سهل: من طرفاء الغابة، وقد رأيت رسول الله ﷺ قام عليه فكبر وكبر الناس وراءه وهو على المنبر، ثم ركع فنزل القهقرى حتى سجد في أصل المنبر، ثم عاد حتى فرغ من آخر صلاته، ثم أقبل على الناس فقال: يا أيها الناس! إنما صنعتُ هذا لتأتموا بي، ولتعلموا صلاتي، وفي لفظ: فصلى وهو عليها، ثم كبر عليها، ثم رفع وهو عليها، ثم نزل القهقرى) ] . باب الجمعة أي: باب صلاة الجمعة. والجمعة: اليوم المعروف، يسمى يوم الجمعة للاجتماع لهذه الصلاة، ولاجتماع أهل القرية جميعاً لأداء هذه الصلاة، فالصلاة تسمى: صلاة الجمعة، واليوم يسمى: يوم الجمعة.

стр. 397

ما يستحب يوم الجمعة ليوم الجمعة فضائل وخصائص كثيرة يطول ذكرها، أوصلها ابن القيم في زاد المعاد إلى ثلاثة وثلاثين خصلة، من أرادها فليقرأها في زاد المعاد، وإنما نحن بحاجة هنا إلى معرفة الأحكام التي يعمل بها العباد. فيوم الجمعة تؤدى فيه صلاة الجمعة، ويوم الجمعة يكثر فيه العباد من الصلاة على النبي ﷺ كما أُمِروا بذلك في قوله ﷺ : (إن مِن أفضل أيامكم يوم الجمعة فأكثروا من الصلاة عليَّ فيه؛ فإن صلاتكم معروضة عليَّ. فقالوا: يا رسول الله! كيف تُعرض عليك صلاتنا وقد أَرِمْتَ -أي: قد بَلِيْتَ- فقال: إن الله حرَّم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء) . كذلك يخبر ﵊ بأن (يوم الجمعة فيه ساعة الإجابة، ساعةٌ يستجاب فيها دعاء العبد المسلم ما لم يدع بإثم أو بقطيعة رحم) . فيكون الإنسان مشتغلاً بأداء الصلاة، وبالاجتهاد في الدعاء؛ رجاء موافقة تلك الساعة التي قد أخِّرت في ذلك اليوم، وقد شُرِع فيه صلاة الجمعة.

стр. 398

الحكمة من الخطبة والجهر في صلاة الجمعة هذه الصلاة الخاصة فيها خطبتان، وفيها جهر بالقراءة، ولا يوجد في بقية الصلاة خطب، ولا في الصلاة النهارية جهر بالقراءة. والحكمة أنه يجتمع في الجمعة خلق من أماكن متباينة متباعدة، فيناسب أن يستمعوا للتعليمات وللنصائح والعظات، فيخطب الإمام بهم خطبة يعلمهم فيها الأحكام، ويعلمهم الحلال والحرام، وينبههم على الأخطاء والخلل الذي قد يقعون فيه، ويرغِّبهم في الدار الآخرة وثوابها، ويزهِّدهم في الدنيا ومتاعها، ويحثهم على الأعمال الصالحة؛ لتؤهلهم لدخول الجنة وتحميهم وتنقذهم من النار، فيجتمع المصلون في هذه المساجد ويتلقون هذه الخطب.

стр. 399

الاجتماع في مسجد واحد لأداء الجمعة والسنة أن يجتمع أهل القرية في مسجد واحد، ولهذا لم يكن في عهد النبي ﷺ إلا جمعة واحدة في مسجده، يأتي إليها أهل العوالي، ويأتي إليها أهل المدينة من مسيرة ساعتين أو أكثر من ساعتين، ثم يصلون جميعاً، ولم يرخص لأحد أن يصلي في مسجد آخر مع حاجتهم، لا في مسجد قبا مع بعده، ولا مساجد أبعد منه.

стр. 400

مشروعية المنبر لخطيب الجمعة سن في هذه الصلاة سنناً، فمنها: أن يكون الإمام مرتفعاً على المأمومين عندما يخطب، فيخطبهم فوق مكان عالٍ، وهو ما يسمى بالمنبر الذي يلتصق بالمسجد. وقد كان النبي ﷺ يخطب على جذع نخلة مغروسة في قبلة المسجد، يرقى عليها ويخطب، ثم صُنع له هذا المنبر من طرفاء الغابة. والطرفاء هو: نوع من الأثل، صنعه نجار كان لبعض الصحابيات مملوكاً عندها، فجعله ثلاث درجات، يعني: أنه قطع من متين عروق الأثل ثلاث قطع، كل قطعة جعلها كدرجة، وكان النبي ﷺ يخطب على الدرجة الثالثة التي هي أرفعها. وهكذا استمر يخطب على هذا المنبر، وأول ما قام عليه وابتدأ في الخطبة حنَّ عليه ذلك الجذع لِمَا فَقَدَ من ذكر الله، فنزل إليه وضمه حتى هدأ وقال: (لو تركتُه لحنَّ إلى يوم القيامة) ثم رجع وكمَّل خطبته، وبعدما أتم الخطبة وأقيمت الصلاة كبر وهو على الدرجة السفلى من ذلك المنبر، وقرأ وهو عليها، وركع وهو عليها، ثم عند السجود نزل القهقرى -أي: رجع خلفه- حتى نزل في الأرض، ثم سجد السجدتين وبينهما جلسة، ثم قام للركعة الثانية، وصعد على الدرجة الأولى، وصلى الركعة الثانية كالأولى. والسبب في ذلك أن يكون الإمام ظاهراً حتى يراه المصلون ليقتدوا ويأتموا به، وحتى يسمعوا خطبته وقراءته وتكبيره، حيث لم يكن هناك مكبر، وكان المسجد مكتظاً وممتلئاً، فلأجل ذلك ارتفع فوق أعلى درجة. هذا هو السبب في كونه صلى بهم وهو على هذه الدرجة من المنبر، وذكر أن السبب أن يأتموا به، ويقتدوا بصلاته، ويسمعوا صوته، وهذا دليل على جواز أن يكون الإمام أرفع من المأمومين شيئاً يسيراً لحاجة تبليغهم ولحاجة سماعهم لقراءته وتكبيراته.

стр. 401

غسل يوم الجمعة من جملة الأحاديث التي مرت بنا: قول النبي ﷺ : (من جاء منكم الجمعة فليغتسل) . والأحاديث في الأمر بالاغتسال يوم الجمعة كثيرة، واعتقد بعضهم أنه واجب، واستدلوا بحديث أبي سعيد في الصحيح أنه ﷺ قال: (غسل الجمعة واجب على كل محتلم) . وذهب آخرون إلى أنه سنة، واستدلوا بقوله ﷺ : (من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل) ، ومعنى قوله: (فبها) يعني: أخذ بالسنة ونعمت السنة ما أخذ، فإذا اقتصر على الوضوء وأخذ به فلا بأس. وقيل: معناه: أخذ بالرخصة. أي: أخذ بالرخصة (وبها ونعمت) . والقول الثالث: إنه يجب الغسل على من كان بعيد العهد بالنظافة وبالاغتسال، ومستحب لغيره. وبكل حال فلما وردت أحاديث كثيرة تدل على الأمر به عرفنا آكديته، فهو آكد السنن، يعني: آكد من كثير من المأمورات التي يذهب بعضهم إلى وجوبها. فمثلاً: الأحاديث التي في نقض الوضوء بأكل لحم الجزور حديثان، والأحاديث التي في الاغتسال للجمعة أكثر من حديثين وثلاثة وأربعة، والأحاديث التي في نقض الوضوء من مس الذكر حديثان أو نحوهما، والأحاديث التي في غسل الجمعة: أكثر وأكثر؛ فلأجل ذلك أكده كثير من العلماء. ولعل القول الثالث هو الأولى، وهو أنه واجب على من كان بعيد العهد بالاغتسال، فمن كان حديث العهد بالاغتسال، وكان نظيف الجسد، فإنه يكون سنة في حقه، ودليل ذلك: ما روته عائشة من سبب الأمر بالاغتسال، وهو أن الناس كانوا يأتون لصلاة الجمعة وهم أهل عمل، وقد اتسخت أبدانهم وثيابهم، فيؤذي بعضهم بعضاً بروائحهم ونتن الوسخ وما أشبه ذلك، فأمروا أن يتنظفوا ليوم الجمعة حتى لا يؤذي بعضهم بعضاً. وهذه حكمة عظيمة، ومعلوم أن الصحابة في ذلك العهد كانوا فقراء، وأغلبهم مهاجرون ليس لهم مأوى، وبعضهم إنما يكون في المسجد وهم أهل الصُّفَّة الذين ليس لهم بيوت وليس لهم أهل، وليس لأحدهم إلا قميص أو رداء وإزار يلتف به كلباس المحرم، وقد يبقى عليه لباسه خمسة أشهر، ولا يجد ما يغيِّره، أو أكثر من ذلك أو أقل، ثم أيضاً لا يتيسر له غسله ولا تنظيفه، حيث إنه لا يملك إلا ذلك القميص أو ذلك الثوب، فيقيم مدةً طويلة لم يغسله، فمع طول المدة يبقى ذلك الثوب متسخاً. كذلك أيضاً كثير منهم أصحاب عمل في مزارعهم وفي أشجارهم، ومع كثرة العمل ومع التعب تتسخ الأبدان، ويكون فيها العرق الذي يتجمد فوقها، ومع اتساخ البدن وطول العهد بالنظافة يتولد القمل، وتتولد الروائح المنتنة التي تؤذي المصلين. فإذا جلس من هذه حالته إلى جانب غيره تأذى برائحته، وتأذى بوسخه، فاشتكوا إلى النبي ﷺ مع أن المسجد لم يكن فيه تهوية، وليس فيه تكييف، بل هو يضيق بهم، ويكتظ بالمصلين، والجو شديد الحر؛ فلذلك ونحوه تضرروا لذلك، واشتكوا إلى النبي ﷺ ، فأرشدهم إلى هذا الأمر الذي هو الاغتسال؛ رجاء أن يخفف هذا الأمر الذي يتأذى منه الكثير، فهذه هي الحكمة في الأمر بالاغتسال، فلذلك نقول: من كانت هذه حالته وجب عليه أن يغتسل، حتى لا يتأذى به المصلون، ولا تتأذى به الملائكة، ومن كان حديث عهد بنظافةٍ وباغتسال فلا يجب ذلك عليه

стр. 402

نظافة المساجد سن التنظُّف يومَ الجمعة والتطيُّبُ ولُبسُ أحسنِ الثياب والسواكُ وما أشبه ذلك، وكلُّ ذلك لأجل ألَّا يؤذي بعض المصلين بعضاً، وكله لأجل أن يحترموا ذلك اليوم وذلك المكان، فالمساجد لها أهميتها وحرمتها، وكذلك المصلون، وقد أخبر النبي ﷺ عن الملائكة (أنهم يتأذون مما يتأذى منه بنو آدم) ، ولذلك نهاهم عن أكل الثوم والبصل قرب وقت الصلاة حتى لا يتأذى بهم الملائكة أو المصلون؛ لأن الثوم والبصل لهما رائحة مُسْتَنكَهة مُسْتَكرَهة في مَشامِّ الناس، والملائكة تتأذى وإن لم يكن هناك أحد من بني الإنسان، فكل ما فيه رائحة مستكرهة في مشام الناس كالوسخ والقذر والقذى ونحو ذلك فينبغي صيانة المساجد عنها. وقد وردت الأحاديث في تنظيف المساجد والأمر بإزالة القذى عنها، ففي الصحيح أن النبي ﷺ صلى على امرأة كانت تقمُّ المسجد أي: تخرج قمامته وتنظفه-، فلما ماتت قال: (دلوني على قبرها، فصلى عليها) . وكذلك ورد أيضاً قوله ﷺ : (عرضت علي حسنات أمتي وسيئاتها فرأيت في حسناتها القذاة يخرجها الرجل من المسجد) ، يعني: أية قذاة حتى ولو عوداً أو خرقة أو نحو ذلك يدركها البصر، فمن الحسنات إخراجها من المسجد ليبقى المسجد نظيفاً. يقول (ورأيت في سيئات أمتي البصاق يكون في المسجد ولا يدفن) يعني: إذا كان المسجد -مثلاً- رملياً، وقد أنكر ﵊ على الذين يبصقون في المسجد وأمام المصلين، ورأى مرة بصاقاً في حائط المسجد فساءه ذلك وغضِب حتى قال: (أيحب أحدكم أن يُستقبَل وجهُه فيُبصَق فيه؟!) وقال: (إن أحدكم إذا كان يصلي فإنه يناجي ربه، فلا يبصُق قِبَل وجهه) ، (ولما رأى ذلك البصاق حكَّه بعود ودعا بخلوق -يعني: بطيب- وطيب) . وكل ذلك لأجل أن يكون المسجد نظيفاً، ولأجل أن يكون المصلون قد نظفوا أبدانهم وثيابهم. وكذلك أيضاً: حث على الطيب، وأخبر بأنه محبوب لديه، فيستحب للإنسان أن يكون متطيباً، طيب رائحة الثوب والبدن، ونحو ذلك، حتى يوجد منه رائحة طيبة تقوي القلب، وترغب في المسجد، وترغب المصلين في أداء الصلوات وما أشبه ذلك. وفي ذلك أيضاً: تعظيم لهذه العبادة واحترام لها، بأن يأتي وهو نظيف، قد أزال ما عليه من الوسخ والقذر ونحو ذلك، فهذه هي الحكمة في الأمر بالاغتسال.

стр. 403

أحكام الغسل يوم الجمعة وللاغتسال أيضاً أحكام أخرى، منها: أنه يجوز الاغتسال في أول النهار وفي وسطه قبل الصلاة، أما الاغتسال بعد الصلاة فإنه يعتبر قد فات أوانه وذهب وقته؛ وذلك لأن الحكمة فيه -كما عرفنا- الإتيان إلى المسجد وقد نظف بدنه. كذلك أيضاً الاغتسال هو: تعميم البدن بالماء حتى يعمه، وذُكر في بعض الأحاديث: (أن يغتسل كغسل الجنابة) ؛ ولكن إذا كان بعيد العهد من نظافة فإن عليه أن يستعمل ما يزيل الوسخ وينظفه كالسدر أو الأشنان أو الصابون أو ما أشبه ذلك مما هو معروف لإزالة الوسخ ونحوه.

стр. 404

أحكام الخطبة من الأحاديث التي ذُكرت في هذا الباب: حديث الخطبة، والجمعة تُصلى ركعتين، ويُخطب قبل الركعتين بخطبتين، وبينهما جلسة كما هو معروف ومعتاد. والحكمة من ذلك أن المصلين غالباً يأتون من أماكن نائية، وغالباً قد يكون زيادةً في الأحكام، فيجتمعون ويصلون في هذا المكان، ويتلقون هذه التعليمات من هذا الإمام، فينصرفون وقد تزودوا علوماً لم يكونوا قد سمعوها، ويتأثرون بها، ويعملون بما أُمروا، فهذا هو السبب في شرعية هذه الخطبة. وينبغي للخطباء أن يتحروا الأشياء المهمة التي يحتاج إليها الحاضرون المستمعون، فيتطرقون إليها، فإذا رأوا غفلة من المصلين عن الآخرة رغَّبوهم في الدار الآخرة، وإذا رأوا منكراً من المنكرات قد ظهر حذروهم من ذلك المنكر ونهوهم عنه، وإذا رأوا تقصيراً في الطاعات وتكاسلاً وتأخراً عن بعض العبادات نهوهم وحذروهم عن ذلك التقصير، وهكذا. وليس المراد أن يقتصروا على ذكر الموت أو الزهد في الدنيا والتقلل منها دائماً، بل القصد الموعظة التي تحرك القلوب.

стр. 405

شروط الخطبة وما ينبغي أن تشتمل عليه ذكر العلماء خمسة شروط للخطبة، وهي تجتمع في الخطبتين: الشرط الأول: حمد الله والثناء عليه، ولم يكن النبي ﷺ يبدأ خطبه إلا بالحمد، وذلك استفتاحاً لذكر الله تعالى، ولأنه إذا لم يبدأ بذلك الأمر فخطبته بتراء أي: ناقصة البركة. الشرط الثاني: الصلاة على النبي ﷺ ؛ وذلك لأن الخطب تشتمل على تعليمات، وتشتمل على أدعية، والصلاة على النبي ﷺ من أسباب القبول، كما ورد في الحديث: (الدعاء موقوف بين السماء والأرض حتى يُصَلى على النبي ﷺ . الشرط الثالث: الوصية بتقوى الله، يعني: أن يكون هناك تذكير وموعظة وتنبيه للناس وتخويف لهم وما أشبه ذلك، ولو لم تأتِ كلمة التقوى ما دام أن هناك ما يقوم مقامها. الشرط الرابع: الشهادة، فقد ورد في حديث: (كل خطبة ليس فيها تشهد فهي كاليد الجذماء) ، فيأتي بالشهادتين. والحكمة في ذلك: أن فيهما تجديد العقيدة، والتذكير بالتوحيد، وبحقوق (لا إله إلا الله، محمد رسول الله) ، وتنبيه الناس إلى علامات وضمانات تتضمنها هذه الشهادة. الشرط الخامس: أن يقرأ آية من القرآن سواءً في أول الخطبة أو في آخرها أو في وسطها، وذلك لأنه مشتهر أن النبي ﷺ كان يقرأ آيات، ويذكر بمعانيها ويدعو إلى ما تتضمنه. ثم لا بد أن تكون الخطبتان مشتملتين أيضاً على تعليمات للأشياء المهمة، من الأحكام التي يجهلها معظم الناس، من الأوامر والنواهي، ونحوها. ولا بد أن تشتمل الخطبة على تعليمات للأشياء المهمة، فبذلك يستفيد الحاضرون من هذه الخطبة. كذلك أيضاً: لما كانت الجمعة بها ساعة الإجابة نُدب أن يدعو فيها، وقد ورد ما يدل على أن ساعة الإجابة هي: وقت أداء الصلاة، ووقت الخطبتين، وما أشبه ذلك، فقد روي أنه أقرب إلى أن يكون ساعة الإجابة، فلما كان كذلك استُحب للخطيب أن يكثر من الأدعية، وأن يدعو بما يستطيعه، أو بما يتيسر من الأدعية التي هي صلاح عام للإسلام والمسلمين، رجاء أن يصادف ساعة الإجابة، والحاضرون يؤمِّنون على دعائه. ويُستحب إذا دعا أن يرفع يديه، فإن رفع اليدين من أسباب إجابة الدعاء، كما في حديث سلمان (إن ربكم حيي كريم، يستحيي من عبده إذا رفع يديه إليه أن يردهما صفراً) يعني: خاليتين. وإذا رفع الإمام يديه للدعاء فعلى المأموم أن يرفع يديه للتأمين، فالمأمومون يؤمِّنون على الدعاء؛ رجاء أن تُقبل دعوتهم جميعاً، والله قد وعد بإجابة الدعاء ما لم يكن فيه إثم أو قطيعة رحم؛ لقوله تعالى: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر:٦٠] . الشرط السادس: أنه ﷺ كان يخطب الجمعة خطبتين، وكذلك كان في العيد يخطب خطبتين، وكان يجلس بين الخطبتين، وذلك أيضاً دليل على أنه يطيل الخطبة، فإنه ما جلس إلا وقد خطب خطبة طويلة احتاج إلى أن يجلس ليستريح قليلاً ثم يستقبل الخطبة الثانية. وتشتمل الخطبة الثانية أيضاً: على حمد وثناء ووصية بالتقوى، وعلى شهادة وترغيب وترهيب، وعلى قراءة آية وما أشبه ذلك، فهي أيضاً اسمها خطبة، فيخطب خطبتين يفصل بينهما بجلوس.

стр. 406

مقدار الخطبة لا يُستنكر إطالة الخطبة ما دام أنه ﷺ كان يجلس بينهما، فالحكمة في هذا الجلوس الاستراحة، ومعلوم أنه لا يحتاج إلى استراحة إذا كانت الخطبة عشر دقائق أو خمسة عشر دقيقة، فدل على أنه يطيل، فتكون الخطبة -مثلاً- نصف ساعة أو ثلثي ساعة، يخطب خطبة ثم أخرى بعدما يجلس بينهما، فلأجل هذا لا يُستنكر على الخطيب الذي يخطب ثلث ساعة أو خمس وعشرين دقيقة أو ثلاثين دقيقة، لا يُستنكر عليه، فإن الجلوس بينهما دليل على أنه يطيل في هذه الخطبة. والأدلة تدل على أنه ﷺ كان يخطب خطبة متوسطة، ليست بالطويلة التي تستغرق عدة ساعات، وليست بالقصيرة التي تكون في خمس دقائق أو في عشر دقائق، والتي لا يتمكن فيها من تبليغ ما يريد. وقوله ﷺ : (إن قصر خطبة الرجل وطول صلاته مئنة من فقهه) يدل على أنه يحث على قصر الخطبة، والمراد بالخطبة القصيرة: التي تبلغ -مثلاً- عشرين دقيقة أو ثلاثين دقيقة، فهذه تعتبر قصيرة، أما الطويلة فهي التي تستغرق ساعة أو ساعتين، هذه هي الخطبة الطويلة التي نهى عنها. إذاً: هو الوسط في اختيار الخطب، وبذلك يعرف أن الحكمة من الخطبة هو التعليم، وذلك لأن الكثير من الناس لا يسمعون إلا إلى الخطب، ولا ينصتون إلا للخطبة، إذا قام واعظ يعظهم بعد الصلاة نفر الكثير منهم، ولم يبق إلا أفراد، وإذا كان هناك محاضرات في أماكن كالمساجد ونحوها لم يحضر إلَّا قلة قليلة، أما الأكثرون فلا يحضرون، وإذا كان هناك مجالس علم لم يحضرها إلَّا أفراد، وإذا كان هناك تعليمات أخرى ببعض الوسائل الحديثة كنشرات أو كتب دينية أو أشرطة دينية لم يستعملها إلا أفراد قلة من الناس، وهم أهل الخير والصلاح، أما هؤلاء العامة الباقون فلا يحضرون إلا خطبة الجمعة، فمن المناسب أن يخطبهم الخطيب بخطبة تناسبهم، وأن يعلمهم التعليمات البليغة، ولا يُستنكر عليه إذا أطال إلى نصف ساعة أو ثلثي ساعة أو ما أشبه ذلك على حسب القدرة، لكن قد يؤمر بالتخفيف إذا رأى منهم نفرة أو شدة كراهية لهذا، وسموا ذلك إطالة، كما كانوا أيضاً يكرهون إطالة الصلاة.

стр. 407

الإنصات للخطيب قال المصنف رحمنا الله تعالى وإياه: [عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (إذا قلت لصاحبك: أنصت، يوم الجمعة، والإمام يخطب، فقد لغوت) . وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (من اغتسل يوم الجمعة ثم راح في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشاً أقرن، ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة، فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر) . وعن سلمة بن الأكوع -وكان من أصحاب الشجرة- ﵁ قال: (كنا نصلي مع رسول الله ﷺ صلاة الجمعة، ثم ننصرف وليس للحيطان ظل نستظل به. وفي لفظ: كنا نجمِّع مع رسول الله ﷺ إذا زالت الشمس، ثم نرجع فنتتبع الفيء) . وعن أبي هريرة ﵁ قال: (كان رسول الله ﷺ يقرأ في صلاة الفجر: ﴿الم * تَنزِيلُ﴾ [السجدة:١-٢] السجدة، وفي الثانية: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ﴾ [الإنسان:١] ) . هذه الأحاديث كلها تتعلق بصلاة الجمعة، ومنها ما يتعلق بالمأموم، ومنها ما يتعلق بالوقت والزمان، ومنها ما يتعلق بيوم الجمعة وما يكون فيه. فالحديث الأول يتعلق بالمأمومين في حالة الخطبة، والخطبتان اللتان للجمعة شُرعتا للعظة وللتذكير وللتعليم، والمأمومون الذين يحضرون جاءوا للاستفادة والتعليم، فيلزمهم أن يكونوا متعلمين، وأن يستفيدوا من هذه الخطب، فينصتوا لذلك، فإذا لم ينصتوا لم يستفيدوا، ومع ذلك يحصلون على ضد ذلك وهو نقصان أجرهم، فالمأموم مأمور بأن ينصت للخطبة ويستمع لها، ويطيع لما يقال ولما يلقى، ومنهي عن أن يتكلم أو يتحرك أو يضطرب أو يرفع صوته، ورد في الحديث: (من مس الحصى فقد لغى) ؛ لأن حركته بتسوية الأرض أو تسوية الحصى قد تشوش عليه، وقد تلفت الأنظار نحوه، فيكون ذلك نقص في الصلاة. كذلك أيضاً الكلام، أدنى كلمة في الخطبة ممنوعة كالحديث بكلمة (أنصت) ، فإذا قلت لصاحبك: أنصت، والإمام يخطب؛ فقد لغوت أي: أتيت باللغو، وقد ورد أن اللغو يبطل الصلاة أو ينقصها، وفي بعض الروايات: (ومن لغى فلا جمعة له) وهذا على وجه التهديد، وهو زجر وتهديد عن اللغو في حالة الخطبة. فيؤمر المصلي في حالة الخطبة أن ينصت للخطيب وأن يصيخ له، وأن يرعي سمعه لما يقوله الخطيب، وأن يترك الحركة والالتفات والاضطراب ونحو ذلك حتى لا تبطل صلاته. وكلمة (أنصت) قد تكون مفيدة، وهي أمر بالمعروف ونهي عن المنكر، ففيها نهي عن منكر تراه من إنسان يتكلم، فتقول له: أنصت، ومع ذلك أخبر في هذا الحديث بأن الذي يقولها يعتبر لاغياً: (فقد لغى، ومن لغى فلا جمعة له) . قد يُستثنى من ذلك: ما إذا احتيج إلى أن يتكلم مع الإمام، فقد ثبت (أن رجلاً دخل والنبي ﷺ يخطب، فوقف وناداه طالباً له أن يستسقى) كما ي الحديث المشهور، ويأتينا في الاستسقاء إن شاء الله. كذلك أيضاً كلام الإمام مع غيره، وجوابه له، وقد تقدم أنه لما دخل رجل والنبي ﷺ يخطب قال له: (أصليت؟ قال: لا. قال: قم فاركع ركعتين) فهنا الكلام من الخطيب لذلك المأموم، والمأموم أجابه بقوله: (لا) . ثم أمره بقوله: (صلِّ) ، فيجوز من الإمام لأحد الحاضرين، ويجيبه إذا سأله. فأما من مأموم لمأموم أو من مستمع لمستمع فلا يجوز؛ لكن إذا رأيت من يعبث فأشر إليه إشارة، والإشارة تكفي حتى لا تلفت أنظاراً نحوك، أو ارمقه وانظر إليه ليدل على إنكارك له ونحو ذلك. وقد يُتسامح في بعض الحركات اليسيرة، مثل رفع الأيدي في الدعاء عندما يدعو الخطيب ويرفع يديه، فالمأمومون يرفعون أيديهم للتأمين على دعائه، هذا مستثنىً وفيه فائدة، فإنه من أسباب قبول الدعاء. كذلك أيضاً: بعض الإخوة يسأل عن استعمال السواك في حالة خطبة الخطيب؟ فنقول: نرى أنه لا يَشْغَلُ، إذا رأى أنه يتسوك والإمام يخطب، فهذه حركة يسيرة لا تَشْغَل البالَ ولا تلفت الأنظار، وليست شبيهةً بتسوية الحصى. كذلك كل مَن رأيتَه -مثلاً- يتخطى رقاب الناس فلك أن تشير إليه، والنبي ﵇ رأى رجلاً يتخطى الرقاب من صف إلى صف، فقال له: (اجلس فقد آذيت) . وفي رواية: (آذيت وآنيت) فإذا رأيته وأشرت إليه بأنه قد آذى هؤلاء المصلين الذين كونه يتخطى رقابهم، فمثل هذا يكفي فيه الإشارة إليه دون الكلام أو إمساكه ورده حتى لا يتأذى به المصلون؛ لأنه كلما تخطى صفاً التفتوا إليه، وشوش عليهم، وتحركوا لأجل أن يفرِّجوا له فرجةً، وليس له ذلك إلا إذا رأى فرجة في صف من الصفوف قد أخلوا بها، فله والحال هذه أن يتخطاهم حتى يسد تلك الفرجة، وما ذاك إلا لأنهم هم الذين فرطوا وأسقطوا حقهم بترك هذه الفرجة في أثناء الصف. كذلك يقع كثيراً -لا سيما في بعض الأماكن الجامعة حتى في الحرمين- تخطي أولئك الذين يتسولون، بحيث إنهم يؤذون ويتكلمون ويسألون ويطلبون والإمام يخطب، فمثل هؤلاء: يُمنعون؛ لأنه إذا مُنع من كلمة (أنصت) والإمام يخطب ومن حركة تسوية الحصى فكيف يمكنون من كونهم يسيرون بين الصفوف، وكونهم يتخطون الرقاب، ويخرقون الصفوف، ويتكلمون ويشغلون كثيراً من الذين ينظرون إليهم. فعلى الأئمة أن يأمروا بإجلاسهم ومنعهم إذا فعلوا ذلك، وعلى المأمومين إذا رأوهم يتسولون أن يمسكوهم ويقبضوهم ويؤخروهم حتى لا يشوشوا على المأمومين. وبكل حال فالفائدة من ذلك هي: حصول الإنصات والاستماع، وترك ما يشوش على المصلي.

стр. 408

التبكير إلى الجمعة الحديث الذي بعده يتعلق بفضل التبكير إلى صلاة الجمعة، وقد تقدم لنا حكم الاغتسال، وذكرنا أن الراجح: أنه واجب على من هو بعيد العهد بالنظافة، متسخ البدن أو الثياب أو نحو ذلك؛ لقوله ﷺ : (غسل الجمعة واجب على كل محتلم) وأما إذا كان نظيفاً وحديث عهد بنظافة وليس في بدنه شيء من الوسخ ولا من الروائح المستكرهة؛ فإنه يكون مستحباً في حقه. قوله ﷺ : (من راح في الساعة الأولى ومن راح في الساعة الثانية ومن راح في الساعة الثالثة) إلخ، يدل على فضل التقدم، وأن الإنسان كلما أسرع وتقدم فإنه له أجر أكبر. و (التقرب) هو: التصدُّق، والقربان هو: ما يُتَقَرب بلحمه، والقرابين هي: التي تُقرَّب إلى الله تعالى، قال تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَاناً﴾ [المائدة:٢٧] يعني: تقربا به إلى الله تعالى، فالقرابين هي: الذبائح التي تذبح للتقرب بها إلى الله تعالى، ومنه تسمى الأضاحي قرابين، كما في قول ابن القيم: ولأجل ذا ضحى بجعد خالد القـ ـسري يوم ذبائح القربانِ شكرَ الضحيةَ كلُّ صاحب سنةٍ لله درك من أخي قربانِ فالقربان هو: الأضاحي والهدايا ونحوها، وسميت بذلك لكونها تقرب إلى الله تعالى. وهذا التقريب معنوي في قوله: (فكأنما قرب بدنة فكأنما قرب بقرة فكأنما قرب كبشاً أقرن) والبدنة هي: الواحدة من الإبل، والبقرة معروفة، والكبش هو ذكر الضأن، والدجاجة والبيضة معروفتان، والمعنى: كأنه تصدق بها قرباناً، وهذا دليل على فضل التبكير. وبين كل واحد والآخر ساعة، (في الساعة الأولى في الساعة الثانية) والساعة هي الساعة الزمنية؛ لأنها معروفة قديماً، وهذه الساعة التي هي ستون دقيقة هي: الساعة الزمنية. ورد في حديث في سنن ابن ماجة وغيره: أن النبي ﷺ قال: (يوم الجمعة -يعني: النهار غالباً- اثنا عشر ساعة، منها ساعة لا يوافقها عبد مسلم يسأل الله فيها إلا أعطاه) ، فجعل النهار اثني عشرة ساعة، يعني: النهار المتوسط: اثنا عشرة، والليل: اثنا عشرة، فدل على أن المراد بالساعة هي: الساعة الزمنية، فمعناه: أن الذي يذهب في الساعة الأولى بينه وبين الذي يذهب في الساعة الثانية ستون دقيقة، وهكذا. ومعنى هذا: أنه يذهب مبكراً في أول النهار، والذي يريد أن يكون متقرباً ببدنة، هو الذي يذهب في أول النهار، وكانت الساعة في ذلك الوقت بالتوقيت الغروبي، فكانت الساعة الأولى بعد طلوع الشمس وانتشارها بقليل، فتبدأ الساعة الأولى وتستمر إلى الساعة الثانية، والأذان والخطبة غالباً يكونان في الساعة السادسة إلى عهد قريب. قبل عشرين سنة أو نحوها كان التوقيت بالتوقيت العربي الذي يبدأ من غروب الشمس في كل البلاد، ويبدأ أيضاً من طلوع الشمس أو نحوها، وإذا كان الليل اثني عشرة ساعة من الغروب إلى الطلوع، والنهار اثنا عشر من الطلوع إلى الغروب فتكون الصلاة أداؤها قريب الساعة السادسة أو نحوها. فالنبي ﵊ حث على التبكير، وحثنا على أن نتقدم وأن نحظى بهذا الأجر، ونحرص أن نكون الذي يذهب في الساعة الأولى وكأنه قرب بدنة، ولا نكون مثل الذي يذهب في الساعة الخامسة وكأنه قرب بيضة، ما قيمة هذه البيضة التي يتصدق بها؟! وماذا تغني؟ ما هذا إلَّا شيء يسير لا أهمية له ولا قيمة له، فيفوته خير كثير، ولو تقدم ساعة أو ساعتين أو ثلاثاً لحصل على هذا الأجر الكبير. فعلى الإنسان ألَّا يزهد في هذا الخير، لا سيما إذا كان عنده وقت فراغ، وعنده سعة وقت، فعليه أن يتقدم، فإنه في تقدمه يشتغل بالأذكار في جلوسه، أو القرآن، أو يستمع لقارئ، أو يصلي ما كُتب له، ولو صلى عشر ركعات، ولو صلى عشرين ركعة، ولو أطال الصلاة أو خففها، فيتقرب بالصلاة والذكر، ويشتغل بالقرآن، ويشتغل بالعلم، وينصت لكلام الله، ولو سكت ولم يتكلم ولم يقرأ لَكُتب في صلاة حيث إن الصلاة هي التي تحبسه، فإنه في صلاة ما دامت الصلاة تحبسه، والملائكة تستغفر له تقول: (اللهم اغفر له، اللهم ارحمه، ما دام في مصلاه) ، وما دام لا يمنعه أن ينصرف إلا انتظار الصلاة. فما أعظم ذلك من فائدة! وما أكثر الأجر الذي يترتب على ذلك! وما أعظم زهد الناس في ذلك! فأنت تأتي المسجد الجامع قبل أن يؤذن الأذان الأخير بعشر دقائق، فلا تجد فيه إلا صفاً أو صفين، أو ربما أقل من ذلك، ولا يأتي أكثرهم إلا بعد سماع الأذان الأخير الذي هو أذان الخطبة، فتفوتهم هذه الخيرات التي هي هذه القربات، فيفوتهم أجر انتظار الصلاة بعد الصلاة، ويفوتهم استغفار الملائكة لهم، وإذا ما حصلوا هذه الخيرات فما الذي حصلوا عليه؟! ماذا حصلوا عليه من جلوسهم؟! جلوسُهم غالباً إما على فرش مضطجعين عليها وليس لهم شغل، وإما مع أطفال يلعبون معهم، وإما على لهو أو نظرٍ إلى ملاهٍ أو آلات لهوٍ أو نحو ذلك، وإما مع مجموعة يتكلمون في فلان أو علان، ويخوضون في قيل وقال وما لا فائدة فيه، وما علموا قدر ما فاتهم، وما علموا أن هذا الذي فوَّتوه لا يُقْدَر قَدْرُه. فالنبي ﵊ حثنا على أن نتقرب بالقربات المعنوية التي هي الصدقات المعنوية، والصدقات الحسية فيها أجر، فلو أن الإنسان -مثلاً- رأى حاجة بالناس وشدة جوع، وذبح كل أسبوع بدنة وتصدق بلحمها، لكَثُر الذين يدعون له، وصاروا يترحمون عليه، ويأكلون ويدعون له بأن يتقبل الله منه، أو -مثلاً- تصدق بلحم بقرة وأعطى ذوي الحاجة ونحوها كل أسبوع لكان ذلك خيراً كثيراً، فهذا يحصل له بمجرد أن يتقدم هذه الساعات، ويتقدم هذا الزمان، ويجلس ينتظر الصلاة، ويترك الأشغال، ويشتغل بعبادة الله تعالى، ويترك اللهو والسهو. وذَكر في هذا الحديث أنه إذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر، ورد في بعض الآثار وفي بعض الأحاديث: (أن الملائكة يقفون على أبواب المساجد يوم الجمعة يكتبون الأول فالأول -الأول فلان، الثاني فلان- حتى إذا قام الإمام وخرج للخطبة طوَوا صحفهم وجلسوا يستمعون الذكر) ، فمعناه: أن الذين يأتون بعد الأذان لا يُكتبون في تلك الصحف، وتفوتهم هذه الكتابة التي هي كشاهد على أنهم تقدموا أو على أنهم من أهل الصلاة الذين جاءوا راغبين فيها. صحيحٌ أنه يُحكم بأن الجمعة ابتُدئ في فعلها: من وقت الأذان، ولأجل ذلك يحرم الاشتغال بالأمور الدنيوية بعد الأذان، ولا يجوز البيع ولا الشراء ولا الحرف ولا الأشغال الدنيوية بعد سماع الأذان الأخير، بل كلها تلغى لقوله تعالى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة:٩] ؛ ولكن التقدم فيه خير، والتقدم إلى المسجد والاشتغال بالقربات فيه أجر وخير كبير، يفوت هؤلاء الذين يجلسون ويشتغلون بأمورهم الدنيوية، هذا يتعلق بالتبكير ونحوه.

стр. 409

وقت صلاة الجمعة حديث سَمُرة يتعلق بوقت الصلاة، يقول فيه: (إن النبي ﷺ كان يصعد المنبر بعد الزوال) يعني: يبدأ بالخطبة بعد الزوال مباشرة، (ثم ينصرف وليس للحيطان ظل يُستظل به) ولا يجدون ظلاً يستظلون به، إنما هو ظل قصير ولا يمكن أن يجلس فيه الواحد، وحيطانهم كانت قصيرة، يمكن أن يكون الحائط متراً أو مترين أو نحو ذلك، فإذا انصرفوا يتتبعون الظل، يجدون ظلاً يكفي لأن يضعوا فيه أقدامهم احترازاً من الرمضاء؛ ولكن لا يجدون ظلاً يكفي لأن يجلسوا فيه. فأخذوا من هذا أنه ﵊ كان يبكر في الصلاة، فيصلي بعد الزوال مباشرة، وأن صلاته وخطبته قد تستغرق -مثلاً- نصف ساعة أو ثلثي ساعة أو ساعة إلا ربع، أو نحو ذلك، حتى يكون للحيطان ظل؛ ولكنه لا يكون ظلاً يكفي للجلوس، وهذا معنى قوله: (ظل يُستظل به) . ومعنى قوله: (نتتبع الفيء) أي: نتتبع الظل لنمشي فيه، فعُرف بذلك أنه يُهتَم بالصلاة ويُبكَّر بها بعد الزوال مباشرة، وربما أباح بعضهم أن تُصلى أو بعضها قبل الزوال. وقد ذهب بعضهم إلى أن وقتها واسع، وأنه يبدأ من خروج وقت النهي. أي: من دخول وقت صلاة العيد، وصلاة العيد معروف أنها تبدأ بعد ارتفاع الشمس قيد رمح، فيقولون: الجمعة كذلك؛ ويستمر وقت الجمعة إلى نهاية وقت الظهر وإلى دخول وقت العصر، وكله وقت الجمعة، فإذا فات ذلك فاتت الجمعة، وإذا دخل وقت العصر وهي لم تُصَلَّ فات وقت الجمعة، فأما ما دام وقت الظهر باقياً فإنهم يصلوا، حتى ولو قبل العصر بنصف ساعة أو بساعة أو نحو ذلك، فلو انشغلوا ولم يأتِهم خطيب إلا قرب وقت العصر صلوها جمعةً كما كانوا يصلونها.

стр. 410

ما يقرأ في فجر يوم الجمعة في الحديث الأخير: ما يُقرأ في فجر يوم الجمعة، ففيه: (أنه ﷺ كان يقرأ في صلاة الفجر يوم الجمعة بهاتين السورتين: سورة ﴿الم * تَنزِيلُ﴾ [السجدة:١-٢] السجدة، وسورة: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ﴾ [الإنسان:١] ) . ويذكر العلماء أن تخصيص هاتين السورتين لمعنىً فيهما، لا لأجل اختيار السجدة -مثلاً-، بل لمعنىً في السورتين، فيقولون: إن هاتين السورتين قراءتهما في صبح الجمعة سنة مؤكدة، كان ﵊ يداوم على ذلك أو يكثر من قراءتهما في صلاة الصبح. سورة ﴿ألم﴾ [السجدة:١] مشتملة على المعاد، مشتملة على الثواب والعقاب، ففيها مبدأ خلق السماوات: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ * يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ﴾ [السجدة:٤-٥] إلى قوله: ﴿وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنسَانِ مِنْ طِينٍ﴾ [السجدة:٧] . فذكر خلق السماوات، ثم ذكر خلق الإنسان وأنه بدأه من طين، ثم ذكر بعد ذلك نهايته: ﴿يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ﴾ [السجدة:١١] . ثم ذكر بعد ذلك البعث في قوله: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُوا رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [السجدة:١٢] . والذي يسمعها يتذكر مبدأ الخلق؛ خلق السماوات وخلق الإنسان ووفاته والبعث بعد الموت والحضور عند الرب تعالى في ذلك اليوم، وكون الحاضرين ناكسي رءوسهم يقولون: ﴿رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا﴾ [السجدة:١٢] . كذلك أيضاً: ذكر الثواب والعقاب في أثناء هذه السورة في قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ﴾ [السجدة:٢٠] ، ولما ذكر ثواب هؤلاء ذكر عقاب هؤلاء. فالحكمة في قراءتها: ما اشتملت عليه من المبدأ والمعاد والوعد والوعيد، وليس لأجل السجدة كما يفعله بعض العامة ويعتقدونه، ويعتقدون أن القصد هو السجدة، فيقرأ بعضهم سورة: ﴿اقْرَأْ﴾ [العلق:١] ويقول: سجدت، ويقرأ بعضهم سورة: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ﴾ [الانشقاق:١] ويقول: سجدت، وليس ذلك هو المقصود، بل نفس السورة هي المقصودة. كذلك السورة الثانية أيضاً فيها ذكر المبدأ والمعاد، وذكر الله تعالى فيها المبدأ والمعاد، وذكر فيها الثواب والعقاب. مبدأ الإنسان: ﴿لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً﴾ [الإنسان:١] . ومبدأ خلقه: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً﴾ [الإنسان:٢] إلى قوله: ﴿إِنَّ الأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ﴾ [الإنسان:٥] ، هذا هو الثواب، كذلك العقاب: فيما ذَكَرَه. فالحاصل: أن هاتين السورتين مقصودتان بالذات، فالذي يريد السنة يقرأهما، وبعض الأئمة يقتصرون على قراءة واحدة منهما، وربما بعض واحدة، وهذا لم يأتِ في السنة، ولا تكون السنة إلا إذا قرأهما كاملتين كما هما، فهذه هي السنة الثابتة عن النبي ﷺ ، وبعض العلماء يكره المداومة عليهما مخافةَ أن يُعتقد أن قراءتهما واجبة، وأن الذي لا يقرأهما لا صلاة له، والصحيح: قراءتهما سنة وليس بواجب.

стр. 411

شرح عمدة الأحكام [٢٤] يوما العيد في الإسلام هما يومان يفرح فيهما المسلمون بإتمام عبادتين عظيمتين: عبادة الصيام ويأتي بعدها عيد الفطر، وعبادة الحج ويأتي بعدها عيد الأضحى، وللعيدين آداب وصلوات وأذكار بينها العلماء، فعلى المسلم أن يحرص على معرفتها.

стр. 412

أحكام العيدين بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب العيدين: وعن عبد الله بن عمر ﵄ قال: (كان النبي ﷺ وأبو بكر وعمر يصلون العيدين قبل الخطبة) . وعن البراء بن عازب ﵄ قال: (خطبنا النبي ﷺ يوم الأضحى بعد الصلاة فقال: من صلى صلاتنا ونسك نسكنا فقد أصاب النسك، ومن نسك قبل الصلاة فلا نسك له، فقال أبو بردة بن نيار -خال البراء بن عازب -: يا رسول الله! إني نسكت شاتي قبل الصلاة، وعرفت أن اليوم يوم أكل وشرب، وأحببت أن تكون شاتي أول ما يذبح في بيتي، فذبحت شاتي وتغديت قبل أن آتي الصلاة، قال: شاتك شاة لحم، قال: يا رسول الله! فإن عندنا عناقاً، هي أحب إلينا من شاتين، أفتجزئ عني؟ قال: نعم، ولن تجزىء عن أحد بعدك) . وعن جندب بن عبد الله البجلي ﵄ قال: (صلى رسول الله ﷺ يوم النحر، ثم خطب، ثم ذبح، وقال: من ذبح قبل أن يصلي فليذبح أخرى مكانها، ومن لم يذبح فليذبح باسم الله) ] .

стр. 413

معنى العيد والحكمة من مشروعيته قوله: (باب صلاة العيدين) العيد في الأصل: كل يوم يكون فيه اجتماع على فرح وسرور، وقد كان في الجاهلية أعياد يجتمعون فيها، فجاء الإسلام بالأعياد الشرعية، فالأعياد الشرعية هي عيد الفطر، وعيد الأضحى، ويتبع عيد الأضحى أيام التشريق التي هي من تمامه، هذه هي الأعياد الشرعية، ولا شك أن لها مناسبة، فمناسبة عيد الفطر: الإتمام لصيام رمضان، فإذا أتم المسلمون صيام رمضان وقيامه، والعبادة التي فيه، وقاموا بحقوق الله عليهم، ووفقهم ربهم لذلك وأعانهم عليه حتى أتموه، كان ذلك فضلاً كبيراً، ونعمة عظيمة، وعملاً صالحاً كثيراً يكون لهم به أجر كبير، فيفرحون بتوفيق ربهم لهم إذ أتموا صيامهم وعبادتهم، فيكون من آثار هذا الفرح أن يجعلوا عيداً بعد هذا الشهر، هذا العيد لا شك أنهم يشكرون ربهم فيه، ويعبدونه، ويحمدونه على تمام العمل، ويسألونه أن يقبل منهم أعمالهم، وأن يعطيهم ثوابهم؛ ولأجل ذلك يُسمى يوم العيد يوم الجوائز، وكأن الناس بعد انصرافهم من صلاة العيد ينصرف كل منهم بجائزة قد أخذها، لا تشبه جوائز الأمراء، فهذه هي الحكمة في شرعية عيد الفطر، فإنه في غاية المناسبة. وأما عيد الأضحى، فشرع في وقت مناسب، بل هو غاية المناسبة، وهو أداء نسك الحج؛ وذلك لأن الله تعالى لما فرض الحج حدد له زماناً وهو يوم عرفة، ويوم النحر، وأيام التشريق، وجعل هذا الزمان هو الزمان الذي لا يصلح أن يُؤدى الحج إلا فيه، فإذا وفق الله العباد إلى أداء هذا الحج وتكميله ناسب أن يكون هناك عيد يجتمعون فيه، ويؤدون فيه عبادات خاصة أو عامة. كذلك -أيضاً- العشر الأول من ذي الحجة لها مزيتها، ولها فضيلتها، وجميع العباد في كل مكان مأمورون أن يجتهدوا فيها في العبادات، فيصوموا منها ما يتيسر، وأن يصلوا فيها، وأن يكبروا الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام، ومأمورون بأن يتعبدوا بعبادات خاصة، كالتسبيح والتكبير والتهليل والصدقة والصلة وما أشبه ذلك، ثم إذا كان آخرها -وهو يوم عرفة- أمروا بأن يحتسبوه ويصوموه، ويجتهدوا في العبادة فيه، فإذا كملوا هذه العشر ناسب أن يكون في آخرها يوم عيد يوم فرح يوم سرور بنعمة الله عليهم، وهو توفيقهم للأعمال الصالحة في هذه المواسم.

стр. 414

الفرق بين عيدي الإسلام وأعياد الكفار لا شك أن شرعية عيد الفطر وعيد الأضحى من باب الشكر لله ، ولأجل ذلك لم يبدءوها باللهو واللعب، ولم يبدءوها بالغناء والطرب، ولم يبدءوها بالأشر والبطر، بل ابتدءوها بالصلاة، وهذا دليل على أنها أيام شكر، ولأجل ذلك فالمسلمون في كل مكان إذا أصبحوا في عيدهم -عيد فطر أو عيد أضحى- خرجوا خارج البلاد في طرفها، واجتمعوا رافعين أصواتهم بالتكبير، وصلوا لله لا لغيره صلاة متميزة بالتكبير؛ لأن فيها تكبيراً لا يُكبر في غيرها، وتفتتح كل ركعة بعدد تكبيرات، ثم بعدها يخطبهم الخطباء بخطب تناسبهم، ويبينون لهم الأعمال التي يعملونها في ذلك اليوم، ويبينون لهم ما يجب عليهم، فينصرفون من كل صلاة عيد وقد ازدادوا حسنات، وقد عرفوا الحِكَم والأحكام التي شرعت لها هذه العبادات. وهذا بخلاف أعياد الكفار وأعياد الملاحدة وأعياد الجهلة ونحوهم؛ فإنها أعياد أَشَرٍ وبطر، أعياد لهو ولعب، أيام يتخذون فيها الطبول والرقص والضرب بالدفوف وما أشبه ذلك، يجتمعون فيها على قيل وقال، أو على لهو ولعب، أو على طرب ونحوه، أو على مآكل محرمة، أو ما أشبه ذلك، وقليل ذكر الله عندهم، وقليل شكره، وقليل الاعتراف بفضله، فأين هذا من هذا؟! فأعياد الإسلام مشتملة على ذكر الله وتعظيمه وإجلاله، ولأجل ذلك كان كثير من السلف في أيام الأعياد يحزنون، ويخشون ألا تقبل أعمالهم، كما رئي بعضهم في ليلة عيد وهو ينوح ويبكي على نفسه ويقول: بحرمة غربتي كم ذا الصدود ألا تعطف علي ألا تجود سرور العيد قد عم النواحي وحزني في ازدياد لا يبيد لئن كنت اقترفت خلال سوء فعذري في الهوى ألا أعود فهذا ونحوه هو من الذين يخشون أن ترد أعمالهم؛ فلأجل ذلك يظهر عليهم الحزن. ورأى بعض السلف قوماً في يوم العيد يضحكون فقال: (إن كان هؤلاء قُبِلَ صيامهم فما هذا فعل الشاكرين، وإن كان رُدَّ صيامهم فما هذا فعل الخائفين) ، وهذا يدل على أنهم كانوا يحزنون، مع أن اليوم يوم فرح.

стр. 415

صلاة العيد قبل الخطبة صلاة العيد التي يُبدأ بها العيد تتميز عن غيرها، فتقدم قبل الخطبة، وهذا بخلاف الجمعة، فالجمعة يُبدأ فيها بأداء الخطبتين وبعدهما الصلاة، وأما العيد فيبدأ بالصلاة ركعتين، ثم بعدها يأتي الخطيب بخطبتين: خطبة بعد خطبة يجلس بينهما، هذا هو المشروع. وفي عهد خلفاء بني أمية كان بعض الخطباء يجعل في خطبته شيئاً من التنقص لـ علي ﵁ لما كان بينهم أو لاتهامهم له بأنه شارك في قتل عثمان ﵁، فكان الناس إذا بدأ الإمام في الخطبة خرجوا ولم يستمعوا له، فاحتال بعض أمرائهم فقدموا الخطبة قبل الصلاة حتى ينحبس الناس وينتظروا الصلاة، وأنكر عليهم كثير من الصحابة، وقالوا: إن الصلاة تقدم في العيد قبل الخطبة. وانقطع ذلك العمل الذي عمله ذلك الخطيب أو ذلك الأمير والحمد لله، ورجع الناس إلى السنة، وهي: البداءة بالصلاة ثم الخطبة.

стр. 416

الذبح في الأضحى بعد الصلاة من أحكام عيد الأضحى أن يبدأ بالصلاة قبل الذبح، ففي عيد النحر يتقرب الناس بذبح أضاحي قربة إلى الله تعالى، فيذبحونها للنسك، ويسمونه عند الذبح، فهذا النسك الذي يذبحونه يحيون به سنة أبيهم إبراهيم، فإنه عندما امتحنه الله بذبح ولده فداه سبحانه كما قال: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ [الصافات:١٠٧] فقال النبي ﷺ في هذه الأضاحي: (إنها سنة أبينا إبراهيم) ، وأخبر بأن لهم فيها أجراً، وجعل من أحكامها أنها لا تذبح إلا بعد الصلاة، فلما صلى وخطبهم أخبرهم بأن من ذبح قبل الصلاة فلا نسك له، يعني: كأنه لم يذبح أضحية، وأن وقت الذبح بعد الانتهاء من الصلاة والخطبتين، ولما أخبر بذلك قام هذا الرجل الذي هو خال راوي الحديث البراء بن عازب، وهو أبو بردة بن نيار، وسأله عن هذا الحكم، وهو أنه ذبح قبل الصلاة، وأراد أن تكون شاته أول ما يؤكل في بيته، فذبحها آخر الليل، وطبخ منها، وأكل قبل أن يأتي إلى الصلاة، فأخبره النبي ﷺ بأن شاته شاة لحم، وليست أضحية، وأنها كسائر الذبائح التي تذبح لأجل الصدقة أو لأجل الكرامة أو لأجل اللحم أو نحو ذلك، ولا تكون أضحية إلا إذا ذبحت بعد الصلاة. وحيث إنه ذبحها جاهلاً بالحكم، ولم يكن عنده أضحية يذبحها أخرى إلا عناقاً صغيرة لم تبلغ أن تكون مجزئة، ولكنها أغلى عنده من شاتين -يعني: لسمنها أو للرغبة فيها- فأخبره ﷺ بأنها تجزئه، ولا تجزئ عن أحد غيره لجهله. وأخذوا من ذلك أنه لابد أن تشتمل الخطبة على بعض أحكام الأضاحي ونحوها، فالخطباء يشرحون للناس أحكام الأضحية حتى يعرفها الناس، وأخذوا من ذلك أن وقت الذبح بعد الصلاة لا قبله، وأن من ذبح لم تجزئه تلك الذبيحة، بل تكون شاة لحم كسائر اللحوم التي تذبح لأجل التفكه ونحو ذلك، وأخذوا من ذلك أن من ذبح قبل الصلاة فعليه أن يذبح أخرى. وقد استدل به بعضهم على أن الأضحية واجبة على من وجد الثمن؛ ولقوله في حديث آخر: (من وجد سعة فلم يضحِ فلا يقربن مصلانا-) ، ولكن لعل هذا من باب التأكيد لها، فالجمهور على أنها مستحبة ولا تصل إلى الوجوب. وعلى كل حال فهي من شعائر الإسلام، وعلى المسلمين أن يهتموا بها، وأن يذبحوا ما تيسر لهم. ولها موضع آخر في باب: الذبائح والأضاحي، وسيأتي في آخر الحج إن شاء الله، وعلى كل حال فمحل ذبحها -كما في هذه الأحاديث- بعد الصلاة وبعد قدر الخطبتين، ومن ذبح فعليه أن يعيد الذبح مرة أخرى. وأخذ من هذا أيضاً أن الذبح يكون باسم الله كما في الحديث الأخير، وهو قوله: (ومن لم يذبح فليذبح باسم الله. فهذا ونحوه دليل على أنه ﵊ كان يجعل في الخطبة شيئاً من التعاليم ومن العلوم التي تهم المسلمين، ويهتمون بتعلمها وبتعليمها.

стр. 417

شرح حديث جابر: (شهدت النبي ﷺ يوم العيد، فبدأ بالصلاة قبل الخطبة) قال المصنف رحمه الله تعالى: [وعن جابر ﵁ قال: (شهدت مع رسول الله ﷺ يوم العيد، فبدأ بالصلاة قبل الخطبة بلا أذان ولا إقامة، ثم قام متوكئاً على بلال، فأمر بتقوى الله، وحث على طاعته، ووعظ الناس وذكرهم، ثم مضى حتى أتى النساء فوعظهن وذكرهن، فقال: يا معشر النساء! تصدقن؛ فإنكن أكثر حطب جهنم، فقامت امرأة من سطة النساء سفعاء الخدين، فقالت: لم يا رسول الله؟! قال: لأنكن تكثرن الشكاة، وتكفرن العشير. قال: فجعلن يتصدقن من حليهن، يلقين في ثوب بلال من أقرطتهن وخواتيمهن) رواه مسلم. وعن أم عطية نسيبة الأنصارية ﵂ قالت: (أمرنا -تعني: النبي ﷺ أن نخرج في العيدين العواتق وذوات الخدور، وأمر الحيض أن يعتزلن مصلى المسلمين) ، وفي لفظ: (كنا نؤمر أن نخرج يوم العيد حتى نخرج البكر من خدرها، وحتى نخرج الحيض؛ فيكبرن بتكبيرهم، ويدعون بدعائهم؛ يرجون بركة ذلك اليوم وطهرته) ] . قد ذكرنا أن العيد اسم لما يعود ويتكرر مع الاجتماع العام على وجه مخصوص، ويصحبه شيء من الفرح والابتهاج، وأن أعياد المسلمين هي: عيد الفطر، وعيد الأضحى، وهي تعود كل سنة، وعيد الأسبوع هو يوم الجمعة، وذكرنا أن هذه الأعياد شرعت لأجل الابتهاج بنعمة الله تعالى على إكمال ما أتمه لهم، فعيد الأسبوع فيه الفرح والسرور بما يسر الله لهم في ذلك الأسبوع من إقامة العبادة التي هي هذه الصلوات الخمس مدة أسبوع، ثم بعد ذلك يجتمعون في مسجد واحد، ويؤدون هذه الصلاة الخاصة. وعيد الفطر فرح وابتهاج بإكمال الصوم الذي هو ركن من أركان الإسلام، فبعدما يكملونه يظهرون الفرح والسرور، ويصلون هذه الصلاة الخاصة. وعيد الأضحى فرح وابتهاج بإكمال ركن آخر من فرائض الإسلام وهو الحج، وإن لم يكونوا كلهم أدوه، ولكن أداه إخوتهم الذين حجوا وكانوا في المناسك، وهم شاركوهم في بعض الأعمال: من تكبير، وصوم، وذكر، وذبح قرابين، وما أشبه ذلك. هذه هي الحكمة في شرعية هذه الأعياد، وهي أعياد الإسلام، ولا يجوز أن يضاف إليها أعياد أخرى، وقد جاء الإسلام بالاقتصار على هذه الأعياد، فلا يجوز مشاركة اليهود والنصارى في أعيادهم كعيد الميلاد النصراني، وعيد النيروز، وعيد المهرجان، ونحوها من أعياد أهل الكتاب وغيرهم، بل يقتصر المسلمون على أعيادهم الشرعية. وما يعمله المسلمون في هذه الأعياد مخالف لما يعمله أولئك، فاليهود والنصارى ونحوهم يجعلون أعيادهم أشراً وبطراً، ولعباً ولهواً، ومعاصٍ، ومآكل آثمة، ومشارب محرمة، واختلاط رجال بنساء، وغير ذلك من المآثم. وأعياد المسلمين بخلافهم، فهي مشتملة على ذكر، وعلى شكر، مبدوءة بالتكبير في الصباح وفي الليل، ومبدوءة في أول النهار بهذه الصلاة الخاصة التي تختص بالعيد، والتي يكثر فيها المصلون من التكبير الذي أمروا به في قوله تعالى: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ [البقرة:١٨٥] ، فهذه هي أعياد الإسلام وما اشتملت عليه.

стр. 418

الخروج في العيد إلى المصلى ومخالفة الطريق في هذا الحديث أن النبي ﷺ صلى بهم العيد، وأنه لم يكن هناك أذان ولا إقامة، وذلك لأنهم خرجوا في ظاهر البلد، فالسنة أن يكونوا في مكان قافر نظيف في خارج البلد، وفي طرف من أطرافها في صحراء، ولعل الحكمة في ذلك: أنهم ببروزهم يفارقون البلد وما فيها، وأنهم بذلك يؤجرون؛ لأنهم متعبدون كلهم لله. ومن الحكمة -أيضاً-: تكثير مواضع العبادة؛ فإنهم يأتون بعبادات في طريقهم، ويأتون بعبادة في مجتمعهم ذلك الذي في خارج البلد. وقد ذكروا -أيضاً- من السنن أن المصلي يخالف الطريق، فإذا خرج من طريق رجع من طريق ثانٍ، هكذا ثبت عن النبي ﷺ ، ولعل الحكمة في ذلك -أيضاً-: تكثير مواضع العبادة، أو تفقد أحوال البلاد، أو إغاضة المنافقين وتفريح المؤمنين، أو غير ذلك من الحكم.

стр. 419

صلاة العيد ليس فيها أذان ولا إقامة وفي هذه الأحاديث أنه صلى العيد بلا أذان ولا إقامة، وسبب ذلك: أن وقت الصلاة واضح لا حاجة إلى تبيينه، ولا حاجة إلى إيضاحه بشيء زائد، بل هو معلوم ظاهر، فلم يحتج إلى أذان، ولما كانوا قد اجتمعوا، وتكاملوا في ذلك المكان، ورأوا النبي ﷺ جميعاً قد أقبل متوجهاً إلى المكان الذي أعد للصلاة فيه؛ لم يحتاجوا إلى إقامة، بل قاموا فور وصوله إليهم، فهذا يفيد أنه لا يؤذّن ولا يقام لصلاة العيدين. وفي هذا الحديث أنه بدأ بالصلاة قبل الخطبة، وتقدم ذلك -أيضاً- في الأحاديث التي قبله، وهذه هي السنة: أن يقدم الصلاة، ثم يأتي بعدها بالخطبتين، خلافاً لما في صلاة الجمعة، فإن الجمعة -كما هو معروف- تقدم الخطبتان، ثم يأتي بالصلاة، وقد حدث في عهد ولاية مروان بن الحكم على المدينة أنه قدم الخطبة قبل الصلاة، وتعلل بأن الناس لا يجلسون للخطبة؛ لأنهم كانوا إذا صلوا انصرفوا، وقد أنكر عليه أبو سعيد الخدري، وأنكر عليه من معه من الصحابة، ثم استقر أمر المسلمين على تقديم الصلاة في جميع بلاد الإسلام.

стр. 420

حكم سماع خطبتي العيد دل الحديث على أن سماع الخطبتين سنة، ولكنه مؤكد؛ لأن المسلمين ما خرجوا إلا ليستفيدوا، وما أتوا إلى هذه الصلاة إلا ليستفيدوا مما يسمعوا، ولكن لا يلزمهم الجلوس، بل يجوز بعد الصلاة الانصراف، والأولى جلوسهم حتى يستمعوا تلك المواعظ والنصائح، ويستفيدوا منها.

стр. 421

كيفية صلاة العيد في هذا الحديث أنه ﷺ صلى بهم ركعتين، وقد ذكروا فيها -أيضاً- التكبيرات الزوائد، وأنها في الأولى سبع تكبيرات بعد تكبيرة الإحرام، وفي الثانية خمس تكبيرات بعد تكبيرة القيام، وكلها تكبيرات زوائد. ثم بعد التكبيرات يبدأ في القراءة كما هو معروف، ويقرأ جهراً كما يجهر في صلاة الجمعة. بعد ذلك يخطب، ويضمن خطبته مواعظ وتذكيراً وتنبيهاً، وهذه هي السنة، فالسنة: أن الخطيب يذكر ما يناسب في الحال، فيذكر الناس بربهم، ويذكرهم بنعمه عليهم، ويذكرهم ببعض حقوق الله، ويخوفهم من آثار المعاصي والذنوب، ويقوي هممهم لفعل الطاعات، ويرغبهم في الثواب الأخروي وما أشبه ذلك، وهكذا -أيضاً- يذكر لهم في الخطب شيئاً من الأحكام، فإن كان في خطبة عيد الفطر ذكر لهم زكاة الفطر، وكيف صرفها، وآخر وقتها، وما أشبه ذلك، ويذكر لهم -أيضاً- عملهم في ذلك اليوم، وما ينبغي أن يكونوا عليه من الفرح والسرور بذلك اليوم، وما ينبغي أن يجتنبوه من الأشر والبطر واللهو واللعب وما أشبه ذلك، وإن كان في عيد النحر ذكر لهم الأضاحي، والسنن التي تجب فيها، وما يجزئ فيها وما لا يجزئ، ومصارفها، وما أشبه ذلك. ويذكرهم -أيضاً- بأركان الإسلام وبواجباته، ويحذرهم من الآثام والمحرمات، وما أشبه ذلك، وهذا معنى قوله: (ذكرهم، وخوفهم) .

стр. 422

خطبة النساء في يوم العيد في هذا الحديث أنه ﷺ لما انتهى من خطبته للرجال كان النساء في مكان بعيد، وعرف أنهن لم يصل إليهن صوته، ولم يسمعهن، فأتاهن وخطبهن بخطبة خاصة وذكرهن، وكان من جملة ما ذكرهن تخويفهن بقوله: (تصدقن؛ فإنكن أكثر حطب جهنم) يعني: كأنه عرف أو أطلعه الله على أن النساء ممن يأثمن، لكثرة الأعمال التي يذنبن فيها، وكأنهن استغربن ذلك، ففي بعض الروايات أنهن قلن: لمَ؟ وفي هذا الحديث أنها امرأة واحدة كأنها جريئة، وقوله: (سفعاء الخدين) معناه: جريئة على الكلام، ليس معناه: أنها كانت كاشفة عن خديها، إنما كلمة (السفع) يراد بها: المرأة الجريئة التي لا تستحي أن تتكلم أمام غيرها من الرجال، فهي التي نطقت دون هؤلاء النساء مع كثرتهن، وقالت: لماذا نحن أكثر حطب أهل النار؟ فأخبرهن بأنهن يكفرن العشير ويكفرن الإحسان، و (كفر العشير) أي: كفر الزوج، يعني: أنهن يكفرن إحسان الزوج إليهن، ومثل ذلك في بعض الأحاديث بقوله: (لو أحسنت إلى إحداهن الدهر ثم رأت منك شيئاً قالت: ما رأيت منك خيراً قط) . وبكل حال: هذا وصف أغلبي، وليس عاماً لهن كلهن، بل فيهن ذوات الإيمان وذوات التقوى، وفيهن من تخاف الله وتراقبه وتعبده، والرجال -أيضاً- فيهم كثير ممن هو جاحد للإحسان وجاحد للمعروف، ولكن وصف إنكار المعروف في النساء أغلب، وعلى هذا جرى هذا الحديث في قوله: (إنكن أكثر أهل النار؛ لأنكن تكفرن العشير وتكفرن الإحسان) . وهذا يدل على أن الإنسان عليه أن يعترف لصاحب الفضل بفضله الذي امتن به عليه، فمن أحسن إليك فلا تنكره، ولا تنكر إحسانه وفضله، واحرص على أن تكافئه، فإن كان إحسانه إحساناً دنيوياً فأحسن إليه بمثل ذلك ما استطعت، قال النبي ﷺ : (ومن صنع إليكم معروفاً فكافئوه، فإن لم تجدوا ما تكافئونه فادعوا له حتى تروا أنكم قد كافأتموه) هذا في الإحسان الذي هو نفع مالي أو نفع بدني أو نحو ذلك. وأما في الإحسان الذي هو نفع ديني كالفائدة والمعرفة ونحو ذلك فإن عليك -أيضاً- ألا تنكر فضله عليك، بل تدعو له على ذلك، وفي ذلك يقول بعضهم: إذا أفادك إنسان بفائدة من العلوم فلازم شكره أبداً وقل فلان جزاه الله صالحة أفادنيها، وألق الكبر والحسدا ثم لما حثهن النبي ﷺ على الصدقة أخذن يتصدقن من حليهن؛ لأنه ليس معهن إلا الحلي، وليس معهن حلي ذو قيمة أو ثمن رفيع، إنما معهن أقراط وخواتيم، والقرط هو: ما يعلق في الأذن، والخواتيم: ما يجعل في الأصابع، وغالباً تكون من فضة، فجعلت المرأة تخلع القرط من أذنها وتلقيه في ثوب بلال، وتخلع الخاتم الذي في يدها -وهو من فضة غالباً- وتلقيه في ثوب بلال، حتى يجتمع من ذلك ما يجتمع، ويباع ويتصدق بثمنه على المهاجرين والمستضعفين.

стр. 423

شرح حديث أم عطية: (أمرنا أن نخرج في العيدين العواتق وذوات الخدود) الحديث الثاني: حديث أم عطية، أخذوا منه وجوب صلاة العيد على كل فرد؛ ففي هذا الحديث أنه ﷺ كان يأمرهم أن يخرجوا النساء، حتى يخرجوا المخدرات، فتخرج الأبكار من خدورهن، وتخرج العواتق وذوات الخدور، حتى تخرج الحيض اللاتي لا صلاة عليهن؛ يخرجن ليذكرن الله إذا ذكره المسلمون، وكذلك -أيضاً- يستمعن ويستفدن من هذا الاجتماع، وهكذا تنزل عليهن الرحمة معهم. ولكن أمر الحيض بأن يعتزلن المصلى، وأن يكن منفردات في مكان ليس ببعيد، ولكنهن ينفردن في مكان خاص لا يختلطن بالمصلين، وأما بقيتهن فيقمن في صفوف الصلاة التي يصلين فيها. ومن هذا الحديث أخذ بعضهم أن صلاة العيد فرض عين، وقال: ما دام أن النبي ﷺ أمر بأن تخرج النساء حتى الأبكار، وحتى المخدرات اللاتي يحتجبن في خدورهن، وحتى الحيض اللاتي لا صلاة عليهن، أمر بأن يخرج لها كل أحد، حتى النساء فكيف بالرجال الذين هم مكلفون وليس لهم عذر ولا مانع؟! فيلزم -إذاً- أن يخرج كل أفرادهم شيوخاً وشباباً وكهولاً، أي: كل من كان عنده قدرة واستطاعة أن يصل إلى المسجد الذي أعد للصلاة، فاستدلوا بهذا على أنها فرض على كل إنسان بعينه. وذهب آخرون إلى أنها فرض كفاية، وقالوا: إن الفريضة حصرت في خمس صلوات؛ لأن ذلك الرجل الذي جاء إلى النبي ﷺ وسأله عن فريضة الله قال له: (خمس صلوات في اليوم والليلة، قال: هل علي غيرها؟ قال: لا، إلا أن تتطوع) فأفاد بأنه لا يُطلب منه إلا خمس صلوات فقط، ولم يطلب منه غير ذلك إلا تطوعاً. ولكن لعل المراد الصلوات اليومية التي يؤديها كل يوم، ولا يدخل في ذلك الصلوات الأسبوعية، أو الصلوات السنوية كهذه الصلاة، وعلى كل حال إذا قلنا: إنها ليست فرض كفاية فإنها مؤكدة، وعلى الإنسان ألا يتركها وهو قادر ليس له عذر.

стр. 424

مشروعية صلاة العيد في المصلى إذا كانت البلاد واسعة جاز أن تصلى في أكثر من موضع، والأصل أنها تصلى في صحراء، ولا يجوز أن تصلى في المساجد العادية إلا إذا لم يجدوا مكاناً صالحاً لأدائها في الصحراء، أو كانت الصحراء بعيدة لا سيما على الضعفاء والمرضى وكبار السن ونحوهم، فحينئذٍ يجوز أن تُصلى في داخل البلد في المساجد، كما فعل ذلك علي بن أبي طالب ﵁ في الكوفة لما اتسعت، فإنه لما اتسعت الكوفة ترك رجلاً يصلي في المسجد في داخل البلد بالمستضعفين ونحوهم، وخرج هو يصلي بالبقية في خارج البلد. والأفضل -أيضاً- أن تكون في مسجد واحد أو في مساجد قليلة، ولا يكثر العدد، وفي هذه الأزمنة في هذا البلد خاصة يكثرون المواضع، بحيث إن بعض الخطباء يسمع خطبة الآخر، وهذا خلاف السنة، بل الأفضل أن يختاروا مسجداً واسعاً، أو يختاروا صحراء واسعة، تتسع لعدد كثير ولو عشرين ألفاً أو ثلاثين ألفاً، فالصحارى كثيرة واسعة، والناس عندهم استطاعة، والصلاة إنما هي مرتان في السنة، وعندهم تمكن؛ لأنهم يجدون السيارة ولو بأجرة، فيخرجون إليها، والأفضل عدم التكرار إلا لعذر. وبكل حال: فإن هذه الصلاة من شعائر الإسلام التي جاء بها وأقرها، واستمر العمل عليها إلى يومنا هذا، وإلى ما شاء الله، ومتى أظهرها المسلمون وتمسكوا بها أظهروا شعائر إسلامهم، وأحيوا سنة نبيهم.

стр. 425

شرح عمدة الأحكام [٢٥] من رحمة الله بعباده إنذارهم وتخويفهم بما يوجب رجوعهم إليه إذا أكثروا من المعاصي، ومن ذلك ما يحدث في الكون من آيات عظيمة تفزع لها القلوب، كالكسوف والخسوف ونحوهما، ففي حصولهما موعظة وذكرى للذاكرين.
следующие страницы →