Полный текст (1 083 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.
стр. 421
كيفية صلاة العيد
في هذا الحديث أنه ﷺ صلى بهم ركعتين، وقد ذكروا فيها -أيضاً- التكبيرات الزوائد، وأنها في الأولى سبع تكبيرات بعد تكبيرة الإحرام، وفي الثانية خمس تكبيرات بعد تكبيرة القيام، وكلها تكبيرات زوائد.
ثم بعد التكبيرات يبدأ في القراءة كما هو معروف، ويقرأ جهراً كما يجهر في صلاة الجمعة.
بعد ذلك يخطب، ويضمن خطبته مواعظ وتذكيراً وتنبيهاً، وهذه هي السنة، فالسنة: أن الخطيب يذكر ما يناسب في الحال، فيذكر الناس بربهم، ويذكرهم بنعمه عليهم، ويذكرهم ببعض حقوق الله، ويخوفهم من آثار المعاصي والذنوب، ويقوي هممهم لفعل الطاعات، ويرغبهم في الثواب الأخروي وما أشبه ذلك، وهكذا -أيضاً- يذكر لهم في الخطب شيئاً من الأحكام، فإن كان في خطبة عيد الفطر ذكر لهم زكاة الفطر، وكيف صرفها، وآخر وقتها، وما أشبه ذلك، ويذكر لهم -أيضاً- عملهم في ذلك اليوم، وما ينبغي أن يكونوا عليه من الفرح والسرور بذلك اليوم، وما ينبغي أن يجتنبوه من الأشر والبطر واللهو واللعب وما أشبه ذلك، وإن كان في عيد النحر ذكر لهم الأضاحي، والسنن التي تجب فيها، وما يجزئ فيها وما لا يجزئ، ومصارفها، وما أشبه ذلك.
ويذكرهم -أيضاً- بأركان الإسلام وبواجباته، ويحذرهم من الآثام والمحرمات، وما أشبه ذلك، وهذا معنى قوله: (ذكرهم، وخوفهم) .
стр. 422
خطبة النساء في يوم العيد
في هذا الحديث أنه ﷺ لما انتهى من خطبته للرجال كان النساء في مكان بعيد، وعرف أنهن لم يصل إليهن صوته، ولم يسمعهن، فأتاهن وخطبهن بخطبة خاصة وذكرهن، وكان من جملة ما ذكرهن تخويفهن بقوله: (تصدقن؛ فإنكن أكثر حطب جهنم) يعني: كأنه عرف أو أطلعه الله على أن النساء ممن يأثمن، لكثرة الأعمال التي يذنبن فيها، وكأنهن استغربن ذلك، ففي بعض الروايات أنهن قلن: لمَ؟ وفي هذا الحديث أنها امرأة واحدة كأنها جريئة، وقوله: (سفعاء الخدين) معناه: جريئة على الكلام، ليس معناه: أنها كانت كاشفة عن خديها، إنما كلمة (السفع) يراد بها: المرأة الجريئة التي لا تستحي أن تتكلم أمام غيرها من الرجال، فهي التي نطقت دون هؤلاء النساء مع كثرتهن، وقالت: لماذا نحن أكثر حطب أهل النار؟ فأخبرهن بأنهن يكفرن العشير ويكفرن الإحسان، و (كفر العشير) أي: كفر الزوج، يعني: أنهن يكفرن إحسان الزوج إليهن، ومثل ذلك في بعض الأحاديث بقوله: (لو أحسنت إلى إحداهن الدهر ثم رأت منك شيئاً قالت: ما رأيت منك خيراً قط) .
وبكل حال: هذا وصف أغلبي، وليس عاماً لهن كلهن، بل فيهن ذوات الإيمان وذوات التقوى، وفيهن من تخاف الله وتراقبه وتعبده، والرجال -أيضاً- فيهم كثير ممن هو جاحد للإحسان وجاحد للمعروف، ولكن وصف إنكار المعروف في النساء أغلب، وعلى هذا جرى هذا الحديث في قوله: (إنكن أكثر أهل النار؛ لأنكن تكفرن العشير وتكفرن الإحسان) .
وهذا يدل على أن الإنسان عليه أن يعترف لصاحب الفضل بفضله الذي امتن به عليه، فمن أحسن إليك فلا تنكره، ولا تنكر إحسانه وفضله، واحرص على أن تكافئه، فإن كان إحسانه إحساناً دنيوياً فأحسن إليه بمثل ذلك ما استطعت، قال النبي ﷺ : (ومن صنع إليكم معروفاً فكافئوه، فإن لم تجدوا ما تكافئونه فادعوا له حتى تروا أنكم قد كافأتموه) هذا في الإحسان الذي هو نفع مالي أو نفع بدني أو نحو ذلك.
وأما في الإحسان الذي هو نفع ديني كالفائدة والمعرفة ونحو ذلك فإن عليك -أيضاً- ألا تنكر فضله عليك، بل تدعو له على ذلك، وفي ذلك يقول بعضهم: إذا أفادك إنسان بفائدة من العلوم فلازم شكره أبداً وقل فلان جزاه الله صالحة أفادنيها، وألق الكبر والحسدا ثم لما حثهن النبي ﷺ على الصدقة أخذن يتصدقن من حليهن؛ لأنه ليس معهن إلا الحلي، وليس معهن حلي ذو قيمة أو ثمن رفيع، إنما معهن أقراط وخواتيم، والقرط هو: ما يعلق في الأذن، والخواتيم: ما يجعل في الأصابع، وغالباً تكون من فضة، فجعلت المرأة تخلع القرط من أذنها وتلقيه في ثوب بلال، وتخلع الخاتم الذي في يدها -وهو من فضة غالباً- وتلقيه في ثوب بلال، حتى يجتمع من ذلك ما يجتمع، ويباع ويتصدق بثمنه على المهاجرين والمستضعفين.
стр. 423
شرح حديث أم عطية: (أمرنا أن نخرج في العيدين العواتق وذوات الخدود)
الحديث الثاني: حديث أم عطية، أخذوا منه وجوب صلاة العيد على كل فرد؛ ففي هذا الحديث أنه ﷺ كان يأمرهم أن يخرجوا النساء، حتى يخرجوا المخدرات، فتخرج الأبكار من خدورهن، وتخرج العواتق وذوات الخدور، حتى تخرج الحيض اللاتي لا صلاة عليهن؛ يخرجن ليذكرن الله إذا ذكره المسلمون، وكذلك -أيضاً- يستمعن ويستفدن من هذا الاجتماع، وهكذا تنزل عليهن الرحمة معهم.
ولكن أمر الحيض بأن يعتزلن المصلى، وأن يكن منفردات في مكان ليس ببعيد، ولكنهن ينفردن في مكان خاص لا يختلطن بالمصلين، وأما بقيتهن فيقمن في صفوف الصلاة التي يصلين فيها.
ومن هذا الحديث أخذ بعضهم أن صلاة العيد فرض عين، وقال: ما دام أن النبي ﷺ أمر بأن تخرج النساء حتى الأبكار، وحتى المخدرات اللاتي يحتجبن في خدورهن، وحتى الحيض اللاتي لا صلاة عليهن، أمر بأن يخرج لها كل أحد، حتى النساء فكيف بالرجال الذين هم مكلفون وليس لهم عذر ولا مانع؟! فيلزم -إذاً- أن يخرج كل أفرادهم شيوخاً وشباباً وكهولاً، أي: كل من كان عنده قدرة واستطاعة أن يصل إلى المسجد الذي أعد للصلاة، فاستدلوا بهذا على أنها فرض على كل إنسان بعينه.
وذهب آخرون إلى أنها فرض كفاية، وقالوا: إن الفريضة حصرت في خمس صلوات؛ لأن ذلك الرجل الذي جاء إلى النبي ﷺ وسأله عن فريضة الله قال له: (خمس صلوات في اليوم والليلة، قال: هل علي غيرها؟ قال: لا، إلا أن تتطوع) فأفاد بأنه لا يُطلب منه إلا خمس صلوات فقط، ولم يطلب منه غير ذلك إلا تطوعاً.
ولكن لعل المراد الصلوات اليومية التي يؤديها كل يوم، ولا يدخل في ذلك الصلوات الأسبوعية، أو الصلوات السنوية كهذه الصلاة، وعلى كل حال إذا قلنا: إنها ليست فرض كفاية فإنها مؤكدة، وعلى الإنسان ألا يتركها وهو قادر ليس له عذر.
стр. 424
مشروعية صلاة العيد في المصلى
إذا كانت البلاد واسعة جاز أن تصلى في أكثر من موضع، والأصل أنها تصلى في صحراء، ولا يجوز أن تصلى في المساجد العادية إلا إذا لم يجدوا مكاناً صالحاً لأدائها في الصحراء، أو كانت الصحراء بعيدة لا سيما على الضعفاء والمرضى وكبار السن ونحوهم، فحينئذٍ يجوز أن تُصلى في داخل البلد في المساجد، كما فعل ذلك علي بن أبي طالب ﵁ في الكوفة لما اتسعت، فإنه لما اتسعت الكوفة ترك رجلاً يصلي في المسجد في داخل البلد بالمستضعفين ونحوهم، وخرج هو يصلي بالبقية في خارج البلد.
والأفضل -أيضاً- أن تكون في مسجد واحد أو في مساجد قليلة، ولا يكثر العدد، وفي هذه الأزمنة في هذا البلد خاصة يكثرون المواضع، بحيث إن بعض الخطباء يسمع خطبة الآخر، وهذا خلاف السنة، بل الأفضل أن يختاروا مسجداً واسعاً، أو يختاروا صحراء واسعة، تتسع لعدد كثير ولو عشرين ألفاً أو ثلاثين ألفاً، فالصحارى كثيرة واسعة، والناس عندهم استطاعة، والصلاة إنما هي مرتان في السنة، وعندهم تمكن؛ لأنهم يجدون السيارة ولو بأجرة، فيخرجون إليها، والأفضل عدم التكرار إلا لعذر.
وبكل حال: فإن هذه الصلاة من شعائر الإسلام التي جاء بها وأقرها، واستمر العمل عليها إلى يومنا هذا، وإلى ما شاء الله، ومتى أظهرها المسلمون وتمسكوا بها أظهروا شعائر إسلامهم، وأحيوا سنة نبيهم.
стр. 425
شرح عمدة الأحكام [٢٥]
من رحمة الله بعباده إنذارهم وتخويفهم بما يوجب رجوعهم إليه إذا أكثروا من المعاصي، ومن ذلك ما يحدث في الكون من آيات عظيمة تفزع لها القلوب، كالكسوف والخسوف ونحوهما، ففي حصولهما موعظة وذكرى للذاكرين.
стр. 426
أحكام صلاة الكسوف
стр. 427
معنى الكسوف وأسباب حدوثه
قال المؤلف رحمنا الله تعالى وإياه: [باب صلاة الكسوف.
عن عائشة ﵂: (أن الشمس خسفت على عهد رسول الله ﷺ ، فبعث منادياً ينادي: الصلاة جامعة.
فاجتمعوا، وتقدم فكبر، وصلى أربع ركعات في ركعتين، وأربع سجدات) .
وعن أبي مسعود عقبة بن عمرو الأنصاري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله يخوف الله بهما عباده، وإنهما لا ينكسفان لموت أحد من الناس ولا لحياته، فإذا رأيتم منهما شيئاً فصلوا وادعوا حتى ينكشف ما بكم) .
والله أعلم] .
هذا باب صلاة الكسوف، ويطلق الكسوف والخسوف على انمحاء النيرين، المحو الذي يكون في النيرين -الشمس والقمر- يسمى كسوفاً وخسوفاً، وقد ذكر في القرآن باسم الخسوف في قوله تعالى: ﴿وَخَسَفَ الْقَمَرُ﴾ [القيامة:٨] ، وهذا الخسوف من الحوادث التي تحدث في هذه الكواكب التي سيرها الله تعالى وجعلها آية لعباده، يقول الله تعالى: ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾ [الرحمن:٥] يعني أنهما سائران بحساب محدد.
ويقول في آية أخرى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [يس:٣٨] أي: تجري إلى مستقر لها.
ثم يقول: ﴿لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس:٤٠] ، فهذه الكواكب التي يسيرها الله في هذا السماء هي مسيرة ومذللة بأمر الله تعالى، يشاهدها العباد تطلع وتغرب، ويشاهدون الشمس والقمر تارة مجتمعين ببعضهما كأول الشهر أو آخره، وتارة يكون بينهما بعد ما بين المشرقين، فتكون الشمس في المشرق والقمر في المغرب، أو بالعكس، وذلك دليل على أنهما يسيران بحسبان، فالقمر له منازل، كما في قوله: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ﴾ [يس:٣٩] يعني: جعلنا له كل ليلة منزلة ينزلها.
فهذا دليل على أن الله هو الذي يسيرها ويسخرها كما شاء، قال تعالى: ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [الرعد:٢] أي: كل منهما جار إلى أجل مسمى محدد بأمر الله تعالى.
وأجرى الله تعالى العادة بأنه يحصل اضمحلال في هذين النيرين - الشمس والقمر-، يحصل هذا الاضمحلال والمحو الذي يسمى كسوفاً وخسوفاً، ولا شك أن حصوله تغير ظاهر مشاهد معروف، هذا التغير الظاهر لابد أنه آية من آيات الله.
وبين أيدينا هذا الحديث الذي ذكر فيه أن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، وآيات الله بمعنى الدلالات التي نصبها لعباده ليستدلوا بها على كمال قدرته، وعلى وحدانيته، وعلى أنه المتصرف في الكون وحده دون غيره، فإذا عرف العباد ذلك استدلوا على عظمته وجلاله بهذه الأشياء، فهذا تسميتها آيات، فهما آيتان من آيات الله، أعني الآيات الكونية التي يشهدها العباد ويرونها.
وهذه الآيات التي جعلها الله علامات ودلالات على كمال قدرته وكمال تصرفه يعتريها هذا التغير الذي أجراه الله وجعل له أسباباً خفية أو جلية، وأمرهم إذا شاهدوا هذه الأسباب أن يحدثوا عبادة، وأن يحدث لهم شيء من الخوف وشيء من الوجل، وذلك لأن هذا التغير يحدث تغييراً في النفوس، فيكون ذلك سبباً للخوف، ودليل ذلك قول الله تعالى: ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾ [الإسراء:٥٩] أي: ما نحدث من الآيات الكونية في النيرين وفي السماء وفي الأفلاك وفي النجوم إلا لأجل أن يخاف العباد، فإذا رأوا هذه الأمور متجددة يتجدد لهم الخوف من الله تعالى وتوقيره وتعظيم حدوده.
ولا شك أن الخوف يسبب انزعاجاً في النفوس، هذا الانزعاج لابد أن يفزع العباد فيه إلى عبادة ربهم، ومعلوم أن العبادة تتمثل في الصلاة، والصلاة هي أمثل العبادات وأشهرها وآكدها، فلذلك شرعت في الكسوف صلاة تسمى باسمه (صلاة الكسوف) ، وهذه الصلاة ثبتت عن النبي ﷺ ، وثبتت عن صحابته ثبوتاً قطعياً كثبوت كسوف الشمس في عهد النبي ﷺ ، وذلك لما مات ابنه إبراهيم، فقال الناس: كسفت الشمس لموت إبراهيم.
فخطبهم النبي ﷺ بعدما صلى بهم صلاة الكسوف، وأخبرهم بأن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، إنما هما آيتان مما يخوف الله به عباده، فلا يجعلوا سببهما موت فلان أو ولادة فلان أو غير ذلك، بل عليهم أن يعتبروهما من الآيات والدلالات، ويعتبروهما من أسباب التخويف.
قال ﷺ : (فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى الصلاة) ، وفي بعض الروايات أنه حث على الذكر وعلى الصلاة والصدقة والعتق والأعمال الصالحة التي تكون سبباً للنجاة؛ مخافة أن يكون ذلك قرب الساعة أو قرب عذاب، أو مقدمة بين يدي عذاب شديد أثاره غضب الله تعالى على العباد بسبب معاص اقترفوها، فعليهم أن يفزعوا إلى الصلاة.
نقول بعد ذلك: هذا الكسوف الذي يحدث للشمس ويحدث للقمر له أسباب، وأسبابه قد تعرف بواسطة السير وتسيير الشمس والقمر، ولكن معرفتها ومعرفة تحديد أوقاتها لا يدل على أنها ليست آية من آيات الله، ولا يدل على أنها ليست مما يخوف الله به العباد، بل هي آيات الله، وآيات كونية، وهي مما يحصل به التخويف، ولكن مع ذلك كله قد تعرف أسبابها بالحساب وبالمقدمات وبسير الشمس والقمر.
وقد ذكروا أن سبب كسوف الشمس أن القمر في آخر الشهر قد يحول بيننا وبينها، وذلك لأن سير الشمس أسرع من سير القمر، فتدركه وهو سائر؛ لأن القمر في أول الشهر قد يكون أمامها -مثلاً- أو في آخر الشهر فتدركه، فإذا أدركته حال بينها وبيننا، فإذا حال بينها وبيننا عند ذلك اختفت الشمس أو اختفى جزء منها، فاختفى ضوؤها ونورها، فذلك هو الكسوف.
ولا شك أن هذا -أي: الحيلولة دونها- آية من آيات الله، فكيف بقمر هذه علاماته وهذه آثاره، ومع ذلك يغطي ضوء الشمس أو جزءاً من ضوئها، وذلك يسبب لنا الخوف، ويسبب لنا الانزعاج ونحو ذلك.
أما كسوف القمر فذكروا أن الشمس تنير القمر وتضيئه، وأن ضوءه يأخذه من الشمس، فيستمد ضوءه ونوره من الشمس، ففي وسط الشهر تحول الأرض بينه وبينها، فلا تحصل مقابلته لها حتى يشع فيه نورها، فيحصل بذلك هذا الانمحاء الذي في القمر أو في جزء منه.
ولا شك -أيضاً- أن هذا آية من آيات الله، كيف أن هذا الجرم الكبير يحال بينه وبين هذه الشمس البعيدة التي هي بعيدة عنه، أجرى الله ذلك بقضاء وقدر، فما دام كذلك فإنه مما يخاف من حدوثه، ومما يوجب على المسلمين أن يحدثوا عبادة تدل على تعظيمهم لما عظم الله، وخوفهم من آيات الله التي تتجدد، والتي يخشى أن يكون وراءها غيرها، كما قال تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ﴾ [فصلت:٥٣] يعني: نطلعهم على آيات وبراهين ودلالات وحوادث جديدة في الآفاق التي هي الأفق الغربي والشرقي ونحوهما، ونريهم -أيضاً- آيات في أنفسهم، فليعتبروا بذلك.
стр. 428
كيفية صلاة الكسوف
إذا حصل الكسوف شرعت هذه الصلاة التي تسمى صلاة الكسوف، وردت عن النبي ﷺ بصفة في أغلب الصحيحين أنه صلاها ركعتين، كرر الركوع في كل واحدة مرتين كما هو معروف، فقرأ ثم ركع، ثم رفع فقرأ قراءة طويلة دون الأولى، ثم ركع ركوعاً ثانياً، ثم رفع رفعاً عادياً، ثم سجد سجدتين سجوداً عادياً إلا أنه يطوله، ثم قام للركعة الثانية، ثم ركع، ثم رفع فقرأ قراءة طويلة دون الثانية، ثم ركع، ثم رفع فقرأ قراءة طويلة دون الثالثة، ثم ركع، ثم رفع رفعاً عادياً، ثم سجد سجدتين.
فهذه صفة من صفاتها، وهي أشهرها.
وهناك روايات في صحيح مسلم وفي السنن أنه ركع في كل ركعة ثلاثاً، أي أنه قرأ ثم ركع، ثم رفع فقرأ ثم ركع، ثم رفع فقرأ ثم ركع، ثم سجد، ثم قام للركعة الثانية فقرأ ثم ركع، ثم قرأ وركع، ثم قرأ وركع، ثم رفع وسجد، فيكون قد كرر الركوع ثلاث مرات، وهذا -أيضاً- ثابت في الصحيح.
وفي رواية أخرى أنه كرر الركوع أربعاً، فقرأ وركع، ثم قرأ وركع، ثم رفع وقرأ وركع، ثم رفع وقرأ وركع، أربع مرات في كل ركعة، وكل ذلك ثابت.
وحمل ذلك على أنها تعددت الوقعات، أي أن الكسوف وقع متعدداً ولو لم ينقل، ولو أنكر ذلك بعض العلماء الأجلاء كشيخ الإسلام ابن تيمية؛ فإن الروايات الصحيحة الثابتة التي رويت من طرق واضحة لا يمكن أن ترد بتلك الاحتمالات، فالصحيح أننا نقول: إنه تعدد الكسوف، ولا شك أن النبي ﷺ مكث بالمدينة عشر سنين، وخلال هذه العشر لابد أن يقع كسوف للشمس وكسوف للقمر في كل سنة كما هو واقع، أو في كل سنة مرتين، أو في كل سنتين مرة، وفي كل مرة لابد أن يصلي، فتلك الصلاة تارة يطيل فيها ويكرر الركعات ونحوها، وتارة لا يفعل ذلك، بحسب ما يقتضيه الحال.
стр. 429
مميزات صلاة الكسوف
وهذه الصلاة التي شرعت تميزت بميزات خاصة، منها إطالة الأركان، حيث إن القيام يكون طويلاً -أعني القيام الأول-، حتى قال بعضهم: إنه بقدر سورة البقرة.
وسورة البقرة طويلة، والقيام الثاني أقل منه، أي: بقدر سورة آل عمران، وسورة البقرة جزءان وقريب من النصف، وسورة آل عمران نحو جزء وربع أو جزء وثلث، وبكل حال فهي أقل من سورة البقرة بكثير، فجزء وربع أقل من جزئين وزيادة.
فالقيام الأول في الركعة الثانية لو أطاله -مثلاً- بقدر سورة المائدة فهي أقل بكثير من سورة آل عمران، وبعد ذلك إذا قرأ سورة الأنفال في القيام الأخير فلا شك أن هذه القراءة تستدعي ساعتين أو أكثر من ساعتين، سيما مع الترتيل، وكان ﵊ يرتل القراءة، وسيما مع إطالة الأركان، فيذكرون أنه إذا ركع أطال الركوع، فيمكن أن يكون الركوع في ربع ساعة أو قريباً من ذلك، والسجود كذلك، ففي كل سجدة من أربع سجدات قد يمكث فيها ربع ساعة، أو على الأقل عشر دقائق ونحو ذلك، وهكذا الرفع الذي قبل السجود، وهكذا الجلسة بين السجدتين قد يجلس فيها -أيضاً- هذا المقدار، فلا شك أن ذلك يستدعي مدة طويلة، فيدل على أنه أطالها، ولأجل ذلك ذكروا أن الشمس قد انخسفت ولم يبق لها ضوء لما حصل الكسوف، ثم لما انتهى من الصلاة كانت الشمس قد تجلت، قد تجلى ذلك الانكساف الذي بها.
ولا شك أنها عادة إذا خسفت -والقمر كذلك- قد تمكث ثلاث ساعات، وربما أربع ساعات أو ثلاثاً ونصفاً، فيدل على أنه أطال أركان هذه الصلاة، وأنه مدها مداً طويلاً، وهذا في الروايات التي فيها أنه لما حصل الكسوف كرر الركوع، أي: ركع ثلاث مرات، أو ركع أربع مرات، ولعل ذلك لمعرفته أن ذلك الكسوف يمتد ساعات، فأراد أن يصلي إلى أن يزول الكرب، ولأجل ذلك ورد في الحديث أنه ﵊ قال: (إذا رأيتم ذلك فصلوا وادعوا حتى يكشف ما بكم) .
فاستمر على هذا حتى تجلت الشمس وانكشف الكسوف، فلما انكشف سلم، أو علم أنه قد انكشف أو قارب الانكشاف وانقضت صلاته، وبعد صلاته ﵊ حدثهم ببعض ما جرى له، وذلك لأنه في تلك الصلاة رأوا منه أشياء أنكروها، رأوا منه أنه تقدم وهو في الصلاة، ولما تقدم مشوا وراءه إلى أن وصل إلى قرب الجدار، ثم رأوه بعد ذلك تقهقر-أي: مشى وراءه- فتقهقروا وراءهم حتى ردهم الجدار الخلفي، فأخبر بأنه رأى الجنة، وأنه أراد أن يتناول منها، وذلك هو الذي حمله على أن تقدم، وأنه رأى النار، ثم لما رآها تقهقر خوفاً من لهبها، وذلك لما رأوه مشى وراءه.
وأخبرهم في تلك الخطبة أنه رأى أشياء في النار، رأى فيها المرأة التي عذبت في هرة ربطتها حتى ماتت جوعاً، لم تطعمها ولم تتركها تأكل من خشاش الأرض، فرآها تعذب بها، ورأى سارق الحاج الذي هو صاحب المحجن الذي يعلق فيه الأمتعة ويجرها، فإذا فطنوا له قال: تعلق به المحجن دون قصد.
وإذا لم يفطن له أخذه، ورآها فيها عمرو بن لحي بن خندف الذي غير دين إبراهيم ﵇، رآه يجر قصبه في النار، وهذا دليل -أيضاً- على أنه ﵊ بعد الصلاة خطبهم أو ذكرهم تذكيراً يفيدهم ما يعملون وما يفعلون في هذه الصلاة، وكذلك ما يجعلهم يخافون.
وهذه المكاشفات التي حصلت له، والتي فيها هذا التخويف لا تحصل لغيره؛ لأنها من خصائصه، كونه كشف له عن الجنة، وكشف له عن النار، لا يحصل هذا إلا له ﵊، لذلك أخبر بما رآه، وعلى كل حال فهذه الصلاة التي هي صلاة الكسوف من ذوات الأسباب، تفعل عند وجود سببها، ولا تفعل إلا عند كسوف الشمس أو كسوف القمر.
стр. 430
حكم صلاة الكسوف عند الزلازل ونحوها
روي عن ابن عباس ﵄ أنه صلى صلاة الكسوف عند حدوث زلزال وقع في بعض البلاد، فلما حصلت زلزلة في بلد من بلاد المسلمين صلى، أو أمر بصلاة كصلاة الكسوف، فأجاز ذلك بعضهم، أما بقية الحوادث فلا تصلى صلاة الكسوف، فلو حصلت عواصف ورياح شديدة، ولو كانت تقلع الدور، أو تحمل الأمتعة لا يشرع لها صلاة كسوف، وإنما يشرع الدعاء والذكر والصلاة التي هي صلاة عادية مفردة، أو ما أشبه ذلك.
كذلك لو حصل غرق، أو حصلت صواعق مغرقة أو ما أشبه ذلك لا يشرع -أيضاً- أن تصلى صلاة الكسوف، إنما صلاة الكسوف وردت في خسوف أحد النيرين، وصلاة ابن عباس عند حصول الزلزلة اجتهاد منه، وإن صلي فلا بأس بذلك عند الزلازل ونحوها.
стр. 431
إطالة صلاة الكسوف
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [عن عائشة ﵂ قالت: (خسفت الشمس على عهد رسول الله ﷺ ، فقام فصلى رسول الله ﷺ بالناس فأطال القيام، ثم ركع فأطال الركوع، ثم قام فأطال القيام وهو دون القيام الأول، ثم ركع فأطال الركوع وهو دون الركوع الأول، ثم سجد فأطال السجود، ثم فعل في الركعة الأخرى مثلما فعل في الركعة الأولى، ثم انصرف وقد انجلت الشمس، فخطب الناس فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا تنخسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك فادعوا الله وكبروا وصلوا وصدقوا، ثم قال: يا أمة محمد! والله ما من أحد أغير من الله سبحانه من أن يزني عبده أو تزني أمته.
يا أمة محمد! والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً) ، وفي لفظ: (فاستكمل أربع ركعات وأربع سجدات) .
وعن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: (خسفت الشمس على زمن رسول الله ﷺ ، فقام فزعاً يخشى أن تكون الساعة حتى أتى المسجد، فقام فصلى بأطول قيام وركوع وسجود، ما رأيته يفعله في صلاة قط، ثم قال: إن هذه الآيات التي يرسلها الله تعالى لا تكون لموت أحد ولا لحياته، ولكن الله يرسلها يخوف بها عباده، فإذا رأيتم منها شيئاً فافزعوا إلى ذكر الله ودعائه واستغفاره) ] .
هذه الأحاديث من تمام الأحاديث التي تتعلق بصلاة الكسوف، وقد ذكرنا أن الكسوف هو انخساف أحد النيرين الشمس والقمر، وفي هذه الأحاديث أنه ﷺ صلى ركعتين في كل ركعة ركوعان وسجودان، ولكن ذكر فيه أنه أطال القيام وأطال الركوع إطالة لم تكن معهودة، كان من آثارها أنه لما انصرف كانت الشمس قد تجلت، مع أنها لما كسفت أظلمت الدنيا، مما يدل على أنها اضمحلت، بمعنى أن الكسوف قد عم الشمس حتى لم يبق لها ضوء ولا نور، ولا شك أنها إذا كانت كذلك تستمر نحو ثلاث ساعات أو أكثر لا تتجلى، فدل على أنه أقام في هذه الصلاة ما لا يقل عن ثلاث ساعات أو قريباً منها، وذلك يستدعي إطالة القيام، وقد ذكرنا أن بعضهم قدره بسورة البقرة -أي: في الركعة الأولى-، وأنه في القيام الثاني في الركعة الأولى أطال القيام أيضاً، ولكن دون القيام الأول، وكذلك القيام الأول من الركعة الثانية دون القيام الثاني من الأولى، وأقلها القيام الرابع الذي هو في الركعة الثانية، وعلى كل حال فلا شك أنه أطال القراءة في هذا القيام، وهكذا -أيضاً- أطال الركوع في كل الركعات الأربع، أطاله بما لا يقل عن ربع ساعة أو ثلث ساعة في كل ركوع، وكذلك السجود، ففي السجدات الأربع لا يقل السجود -أيضاً- عن ربع ساعة أو نحو ذلك، وبذلك تكون هاتان الركعتان أو الأربعة الركوعات تستغرق نحو ثلاث ساعات أو أربع ساعات، وهذا بالنسبة إلى نفس الصلاة ما بين التحريم والتسليم.
стр. 432
تعليم النبي ﷺ أمته بعض الأحكام المتعلقة بالكسوف
وبعدما انقضى من هذه الصلاة ابتدأ يعلم أمته ﵊ بعض الأحكام، فعلمهم شيئاً مما يقولونه أو يفعلونه عندما يرون مثل هذه الآيات، وكذلك أخبرهم بأنها من آيات الله ، فالشمس والقمر آيتان من آيات الله، قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾ [فصلت:٣٧] أي: من الآيات التي جعلها علامة يعرف بها كمال قدرته وكمال تصرفه، فهي من أعظم الآيات، والآيات يراد بها الدلالات والبراهين التي يعرف ما وراءها، فأنت تستدل بهذه الشمس وطلوعها وغروبها وسيرها سيراً معتدلاً لا تختلف فيه بوقت من الأوقات على أن لها مدبراً، وأن لها مصرفاً، ولها آمراً، ولها خالقاً، لا تتأخر ولا تتقدم عن موعدها، فلا شك أن هذا تقدير العزيز العليم، وهذا كونها آية من آيات الله، وهكذا سير القمر في فلكه، وكونه على حد محدود، وكونه لا يتقدم ولا يتأخر، بل سيره منتظم، ففي كل يوم له سير، وفي كل ليلة له منزلة ينزلها تتأخر عن المنزلة التي في اليوم الذي قبله، وهكذا يسير سيراً منتظماً، كما في قول الله تعالى: ﴿لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ﴾ [يس:٤٠] يعني: أن تستولي على القمر وتذهب آياته.
وعلى كال حال فهي آية من آيات الله، وقد ذكر الله أنها من آياته في قوله تعالى: ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾ [الرحمن:٥] يعني: كل منهما يمشي بحساب محدد مقدر لا يتقدم ولا يتأخر، فذلك آية من آيات الله.
وذكرنا فيما سبق أن الكسوف الذي كان في عهد النبي ﷺ -كسوف الشمس- وافق يوم موت إبراهيم بن النبي ﷺ ، وكانوا يعتقدون أن الشمس تكسف لموت عظيم أو نحوه، فقالوا: كسفت لموت إبراهيم.
فأخبر النبي ﷺ أن هذا اعتقاد خاطئ، وأنها لا تكسف لموت أحد ولا لحياته، ولكنها من آيات الله التي يخوف الله بها عباده كالآيات التي تحدث في هذا الكون، فيحدث في هذا الكون آيات كزلازل وصواعق وقحط وجدب وغرق أحياناً وفيضانات، ويحصل -أيضاً- في الأفلاك العلوية تغيرات ورياح شديدة وخفيفة، ونحو ذلك، وكل هذه من آيات الله التي يتعرف بها إلى عباده، ويعرفهم كمال قدرته وكمال تصرفه.
فهكذا -أيضاً- سير الشمس وسير هذا القمر، وما يجري عليهما من انمحاء وكسوف وخسوف، كل ذلك من آيات الله التي يخوف بها عباده، يقول الله تعالى: ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾ [الإسراء:٥٩] ، فإذا رأى عباد الله هذه الآيات فعليهم أن يحدثوا لله عبادة، وعليهم أن يظهروا أثر الخوف، وأن يظهروا المخافة الشديدة من الله، وأن يأتوا بما يستطيعونه من العبادات، ومن جملة ذلك هذه الصلاة الخاصة التي تصلى في هذه المناسبة، ومن ذلك -أيضاً- كثرة الأذكار، أن يكثروا من ذكر الله سبحانه، وكثرة الصدقات التي تدفع العذاب، والتي تكون سبباً لنزول رحمة الله تعالى واندفاع أسباب سخطه، وعليهم -أيضاً- أن يكثروا من ذكر الله ومن دعائه حتى ينكشف ما بهم، وذلك لأن هذه الآيات تسبب لهم مخافة، فتسبب لهم أنهم يخافون من هذه الأشياء التي نزلت بهم، فيحدث لهم هذا الخوف عبادة جديدة يكون من آثارها صلاة وصدقات ونحو ذلك رجاء أن يدفع الله عنهم ذلك العذاب.
وقد ذكرنا أن بعض العلماء استحبوا الصلاة كصلاة الكسوف عند حدوث الآيات، فروي أن ابن عباس لما حصل زلزال في بقعة من البقاع صلى بهم صلاة الكسوف لدفع أثر ذلك الزلزال الذي حصل في تلك الأرض، وذهب بعضهم إلى أنه لو حدث -مثلاً- صواعق تنزل من السماء محرقة أو عذاب أو نحو ذلك كان مما يستحب أن يصلى له، ولكن ليس على ذلك دليل، بل الدليل جاء على كسوف الشمس والقمر، وأما الصواعق وكذلك الزلازل وكذلك الرياح الشديدة والرعود والبرق وما هو كذلك كالغرق وما أشبهه فلم يعهد لذلك صلاة، إلا صلاة الكسوف كما سيأتي، إلا أنه يصلى لأجل طلب الله الرزق، ودفع الألم والضرر، وبذلك يُعرف أن الشريعة مشتملة على ما يذكر الإنسان بعبادة الله ، وأن الله تعالى هو المعبود في كل وقت وفي كل حال، وأنه كلما حدثت آية فزع العباد إلى ربهم وخافوه، وعرفوا أنه هو الملجأ وحده، لا ملجأ ولا منجى من ألمه ومن عذابه ومن آياته ومن أسباب سخطه إلا بالفزع إليه.
والنبي ﷺ لما صلى صلاة الكسوف ذكّر العباد بهذه التذكيرات، كقوله ﷺ : (لا أحد أغير من الله أن يزني عبده أو تزني أمته) ، وقوله ﷺ : (يا عباد الله -ينادي المسلمين-! لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً -وفي بعض الروايات: ولما تلذذتم بالنساء على الفرش-، ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله) ، وذلك لأنه ﵊ أطلعه الله على ما لم يطلع عليه أمته، أطلعه على أهوال الآخرة، وعلى أفزاعها وشدائدها، وعلى ما فيها من الآلام والعذاب، فالإنسان لو علم ذلك وتفاصيله، وعلم ما بعده لما تلذذ بهذه الحياة، ولما تنعم بالنعيم الذي فيها، ولما استقرت له الحياة على هذه الحال، بل لتكدر عليه صفو عيشه، وأفزعه ذلك الذي يعلمه، ولأسهر ليله بالدعاء والعبادة، ولأظمأ نهاره وأتعب جسمه وأنهكه خوفاً من العذاب، وقد ذكر مثل هذه الأحوال عن كثير من العبّاد الصالحين الذين لا يهنأ لهم المنام، كلما نام أحدهم ونعس قليلاً قام فزعاً يقول: لم أهنأ بالمنام وأنا أتذكر النار، منعني ذكر النار من أن أنام نومة كاملة أو نومة مستمرة، أو نحو ذلك، هؤلاء هم أهل المعرفة بالله الذين عرفوا أو أيقنوا، فالنبي ﵊ يقول في هذا الحديث: (لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً) أي: لكان بكاؤكم أكثر من ضحككم.
ومعلوم أن البكاء لا يكون إلا من الخوف، يعني: إنكم ستخافون مما أمامكم خوفاً شديداً يحملكم على أن لا تهنئوا بالمقام، وأن يكثر بكاؤكم ونحيبكم خوفاً من سوء العاقبة، ولا تغركم زينة الدنيا، ولن تضحكوا من المضحكات ولا العجائب ولا غيرها.
وأما الغيرة التي ذكرها عن الله تعالى بقوله: (لا أحد أغير من الله أن يزني عبده أو تزني أمته) فالغيرة هي الأنفة والحمية التي تكون من الولي إذا زنا أحد من أهل بيته، وقد ذكر النبي ﷺ أنه يغار في قوله: (إن الله يغار، وإنني أغار) ، وذلك لما ذكر له كلام سعد بن عبادة لما ذكر له أنه يقول: لو وجدت رجلاً على امرأتي لضربته بالسيف غير مصفح.
فقال: (أتعجبون من غيرة سعد؟! لأنا أغير منه، والله أغير مني) ، فالله تعالى يغار على عباده إذا زنا عبده أو زنت أمته، وغيرته لها آثار، هذه الغيرة يكون من آثارها أنه ينتقم من هذا العبد الزاني، ويعاقبه إما عقوبة عاجلة وإما عقوبة آجلة، ولم يذكر في هذا الحديث إلا الزنا، وذلك لأنه الذي تكون منه الغيرة، وذلك لأن الإنسان يغار إذا زنت ابنته، ويغار إذا زنت زوجته، ويغار إذا زنت أمه أو أخته، وتأخذه أنفة وحمية إلى أن يفعل بها ما يردعها، أو يفعل بذلك الزاني الذي اعتدى على حرماته، فهكذا الرب إذا زنا عبده أو زنت أمته فإنه -ولابد- سيعاقب هذا الزاني إما عاجلاً وإما آجلاً، وعلى كل حال فهذا مثال من الأمثال التي حذر بها النبي ﷺ من أسباب العذاب، فالعذاب له أسباب كثيرة، عذاب الله تعالى في الآخرة له أسباب كثيرة، ومن أمثلتها وقوع هذه الفاحشة التي مثل بها، وهي فاحشة الزنا، وعلى المسلم أن يجتنب كل الأسباب التي تكون سبباً لنزول العذاب.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 433
شرح عمدة الأحكام [٢٦]
العبادة أمر تكليفي توقيفي، ولما كانت الصلاة عبادة معلومة الهيئات والصفات كان المطلوب الإتيان بها على صفاتها الشرعية، إلا أنه لما تعذر ذلك حال الخوف أيام قتال العدو خفف الشارع فيها فوردت لها صفات سميت بصفات صلاة الخوف، وفيما يلي ذكر بعضها.
стр. 434
أحكام صلاة الخوف
стр. 435
مشروعيتها
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [بسم الله الرحمن الرحيم باب صلاة الخوف.
عن عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄ قال: (صلى بنا رسول الله ﷺ صلاة الخوف في بعض أيامه التي لقي فيها العدو، وقامت طائفة معه وطائفة بإزاء العدو، فصلى بالذين معه ركعة ثم ذهبوا، وجاء الآخرون فصلى بهم ركعة، وقضت الطائفتان ركعة ركعة) .
وعن يزيد بن رومان عن صالح بن خوات بن جبير عمن صلى مع رسول الله ﷺ صلاة ذات الرقاع صلاة الخوف (أن طائفة صفت معه وطائفة وجاه العدو، فصلى بالذين معه ركعة، ثم ثبت قائماً فأتموا لأنفسهم، ثم انصرفوا فصفوا وجاه العدو، وجاءت الطائفة الأخرى فصلى بهم الركعة التي بقيت ثم ثبت جالساً، وأتموا لأنفسهم، ثم سلم بهم) الرجل الذي صلى مع رسول الله ﷺ هو سهل بن أبي حثمة] .
صلاة الخوف هي صلاة الجماعة التي يصلونها عند مقابلة العدو إذا خافوا أن يفجأهم العدو وأن يأتيهم وهم في نفس الصلاة فيبيتهم ويجتاح أموالهم ويأخذهم على غرة وغفلة.
وقد ذكرها الله تعالى في سورة النساء، فقال تعالى: ﴿وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً﴾ [النساء:١٠٢] يعني: تمنى الكفار أن تغفلوا عن أسلحتكم فيأخذونها، أو تغفلون عن أمتعتكم فينتهبونها، أو تشتغلون بالصلاة فيميلون عليكم وأنتم في نفس الصلاة.
وكان سببها أنهم كانوا في غزوة من الغزوات، ولما كانوا قبل العدو صلوا صلاة الظهر ركعتين؛ لأنهم مسافرون، فلما رآهم المشركون تمنوا أنهم أتوهم وهم في الصلاة، فقالوا: لماذا لم نمل عليهم في الصلاة؟ فعند ذلك صلى بهم العصر صلاة الخوف كما في هذه الأحاديث، وقد ورد أنه ﷺ صلاها مراراً، ولها صفات متعددة كلها ثابتة في الصحيح، والأصل فيها الإباحة، فكل صفة من صفاتها ثبتت عن النبي ﷺ فلا بأس بفعلها.
стр. 436
دلالتها وصفاتها
وقد استدل بشرعية صلاة الخوف على أهمية الجماعة، وذلك لأنها لم تسقط حتى في شدة الخوف إذا أمكن الإتيان بها جماعة، مع أنها لما شرعت في هذه الحالة أسقط فيها أشياء، وتسومح فيها في أشياء كانت تبطل الصلاة لولا شرعية الجماعة على هذه الحالة، كما سيأتي في هذه الصفات.
فلو كانت تصح فرادى لقال لهم: صلوا كما أنتم، فصلوا -يا عشرة- جماعة، وصلوا -يا خمسة- جماعة، وصل -يا واحد- وحدك ونحو ذلك، ولا حاجة إلى أن تجتمعوا كلكم خلف إمام.
لكنهم لما أمروا بأن يصلوا خلف إمام واحد، وأن يهتموا بأداء الصلاة جماعة دل على أنها لا تسقط، وإذا لم تسقط في حالة الخوف وفي حالة مقابلة العدو فكيف تسقط في الأمن؟ وكيف يتخلى عنها المصلي ويصلي في بيته وهو آمن، وهو قريب من المساجد، وهو قوي وليس عنده ما يمنعه؟! فلا شك أن التخلف عن صلاة الجماعة قد يؤدي إلى إبطالها، أو يؤدي إلى نفيها؛ حيث لم تسقط في صلاة الخوف أو في شدة الخوف، فكيف تسقط في الأمن وفي الرخاء والطمأنينة والقوة والفراغ؟! وقد ذكرنا أنها رويت بصفات متعددة، وأن كلها جائزة، ففي حديث ابن عمر أنه قسمهم طائفتين: طائفة قابلت العدو تحرس المسلمين المصلين، وطائفة صفت مع النبي ﷺ ، فصلى بالتي معه ركعة وانصرفوا، ثم وقفوا مقابل العدو وهم في نفس الصلاة، وجاءت الطائفة التي كانت تحرس فصلى بهم الركعة الباقية ثم سلم، فلما سلم قضى هؤلاء ركعة وأولئك المصافون -أيضاً- ركعة، كل واحد صلاها لنفسه بمفرده، فهذا مضمون هذا الحديث.
ولا شك أن فيه عملاً كثيراً، فهذه الطائفة الأولى انصرفوا وهم في نفس الصلاة لا يتكلمون، وجاءوا إلى الذين كانوا مصافين للعدو وقاموا مقامهم، ووقفوا مقابل العدو وهم لا يزالون في نفس الصلاة، ووجهوا أو سددوا سهامهم مقابل العدو حتى يحرسوا أنفسهم ويحرسوا إخوتهم الذين يصلون وهم لا يزالون في الصلاة، فساروا بعيداً، وانصرفوا عن القبلة، ولكن كل ذلك محافظة على الجماعة.
والطائفة الذين صلى بهم الركعة الباقية كبروا معه وصلوا معه الركعة الأخيرة، ولما سلم قاموا وهم في مكانهم وصلوا الركعة التي بقيت عليهم، وصلى أولئك الركعة التي لم يصلوها معه، فكان لكل واحد منهم ركعة صلاها مع النبي ﷺ جماعة وركعة صلاها بمفرده بعد السلام، فهذا شرع لأجل حرصهم على أن يصلوا جماعة، وأن يحظوا بالصلاة خلف النبي ﷺ .
هذه هي الصفة في حديث عبد الله بن عمر، أما حديث سهل بن أبي حثمة الذي رواه صالح بن خوات كما عرفنا فذكر أنه جعلهم طائفتين: طائفة قابلت العدو بأسلحتها وبحذرها، تحرس وتحمي ظهور المسلمين، وطائفة جاءت وصفت خلف النبي ﷺ ، فصلى بالتي معه الركعة الأولى وهم في نفس الصلاة، ولما صلى ركعة واحدة أشار إليهم أن يفارقوه وأن يتموا لأنفسهم، فأتموا لأنفسهم، ففارقوا إمامهم في نفس الصلاة وأتموا لأنفسهم ركعة وسلموا، وبقي واقفاً ينتظر الطائفة الأخرى، فجاءت الطائفة التي كانت وجاه العدو، ووقفت هذه الطائفة التي صلت وجاه العدو مقامهم، فجاء الذين يحرسون وصلى بهم الركعة التي بقيت من صلاته، وجلس ينتظرهم، فقاموا قبل أن يسلم، وصلوا لأنفسهم كل واحد ركعة، ثم جلسوا، فلما أحس بأنهم قد انتهوا من التشهد سلم وسلموا معه.
وهذه الصلاة هي أقرب إلى الصلاة التي ذكرت في الآية، فالله تعالى يقول: ﴿فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا﴾ [النساء:١٠٢] يعني: صلوا ركعة؛ فالركعة لابد فيها من سجود، أي: إذا سجدوا لأول مرة.
قال تعالى: ﴿فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ﴾ [النساء:١٠٢] يعني: يحرسونكم.
﴿وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا﴾ [النساء:١٠٢] يعني: ما سبق أنهم صلوا قبل.
فإذا جاءت الطائفة الأخرى الذين لم يصلوا فليصلوا معك بقية صلاتك.
فهذه الصفة التي في حديث سهل هي أقرب إلى الآية، ولأجل ذلك رجحها الإمام أحمد ﵀، وهي متفق عليها وثابتة، ففيها أنه قسمهم إلى قسمين: قسم وجاه العد يحرسون ومعهم أسلحتهم، وقسم يصلون معه، فلما صلى بالذين معه ركعة واحدة وقف، وأشار إليهم فأطال الوقوف، ولا شك أنهم فهموا أو علمهم أنه سيقف ويطيل الوقوف، فهم ركعوا لأنفسهم، وكل واحد منهم نوى الانفراد فركع لنفسه ورفع، وسجد لنفسه سجدتين، وتشهد وسلم، وأخذوا سلاحهم، فقاموا وذهبوا حتى جاءوا مكان الطائفة التي صافت العدو، وكانت وجاه العدو فوقفوا مكانهم، وأشاروا إليهم أن: اذهبوا وصلوا مع نبيكم بقية صلاتكم.
فهذه الطائفة التي كانت مصافة للعدو أخذت أسلحتها وذهبت، وجاءت والنبي ﷺ لا يزال واقفاً ينتظرهم، فلما تكاملوا خلفه ركع بهم ورفع وسجد بهم سجدتين وجلس للتشهد، ولما علموا أنه جلس للتشهد أشار إليهم وهو جالس، فقام كل واحد منهم ناوياً شبه انفراد، فصلى كل واحد منهم ركعة لنفسه بركوعها وبسجدتيها وجلس للتشهد، ولما أحس بأنهم أكملوا التشهد سلم بهم فسلموا معه، وتمت صلاته، فالأولون صلوا معه الركعة الأولى، والآخرون صلوا معه الركعة الثانية، هذه هي صلاة الخوف.
стр. 437
صلاة المسايفة ونحوهما مما يأخذ حكمها
تشرع صلاة الخوف بصفاتها تلك إذا كان العدو مقابلهم، أو يخافون أن يفجعهم أو يأتيهم على غرة فيتركون من يحرسهم، أما إذا دخل الوقت وهم في حالة القتال، وفي حالة المسايفة يتقاتلون بالأسلحة اليدوية سواء بالرصاص أو بالسيف أو بالرمح أو بالخناجر أو نحو ذلك، ويخشون أن تفوت الصلاة، فماذا يفعلون؟ قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة:٢٣٩] يعني: إذا كان الخوف شديداً فإن لكم أن تصلوا كيف كنتم، وأن يصلي كل منكم لنفسه راجلاً -أي: على رجليه- أو راكباً على فرسه، (فرجالاً أو ركباناً) ، فيصلي حتى ولو كان يتحرك بيديه أو برجليه، ولو كان مستقبلاً جهة غير القبلة، يصلي مستقبل القبلة أو غير مستقبلها، ويصلي ولو كان يسير ويسعى في طلب العدو ونحو ذلك، وقد أقر النبي ﷺ رجلاً صلى وهو يمشي لما كان طالباً لعدو يخشى أن يفوته، فقد أرسل رجلاً من الصحابة ليقتل بعض المشركين من الذين آذوا المسلمين، وذلك المسلم الذي أرسله رأى العدو بعيداً، ودخل عليه وقت الصلاة، فخاف أن تفوته، فصلى وهو يمشي، صلى يومئ إيماءً حتى وصل إليه فقتله.
وكذلك ذكروا -أيضاً- أنه تجوز الصلاة للراكب إذا كان مستعجلاً إذا كان يخشى فوات شيء عليه فيصلي أينما كان وجهه إذا كان هارباً أو طالباً، فالهارب هو الذي هرب من عدو إذا قبضه أتلفه أو أهلكه وقتله، فيجوز أن يصلي ولو بالإيماء ولو لغير القبلة راكباً أو ماشياً، كذلك إذا كان طالباً كما ذكرنا، حتى ذكروا أنه لو خاف أن يفوته الوقوف بعرفة، وهو سائر مواصل للسير جاز أن يصلي على بعيره ولو لغير القبلة، ولو لم يأتِ بأركان الصلاة كاملة حتى يدرك الوقوف بعرفة، وهكذا سائر الأحوال المطلوبة.
وقد ثبت أيضاً أنه ﷺ صلى على راحلته بأصحابه كإمام لما كانوا مرة مسافرين والسماء تمطر فوقهم والأرض تسيل تحتهم ولا يستطيعون النزول، فصفوا رواحلهم، وصار متقدماً لهم على راحلته، فصلى بهم على رواحلهم يومئون إيماءً، ويجعلون الركوع أقرب من السجود.
كذلك -أيضاً- في هذه الأزمنة يرخص في الصلاة إذا خيف أن تفوت، فيرخص في الصلاة في المراكب الحديثة؛ وذلك لسعتها، ولتمكن المصلي من أن يستقبل القبلة ويستدير نحوها، ففي السيارة قد لا يتمكن من استقبال القبلة إذا كانت المقاعد موجهة أمام الراكب والسير إلى جهة مخالفة لجهة القبلة، كالذي تكون القبلة خلفه أو عند أحد جانبيه، ففي هذه الحال إن استطاع أن يقف ويستقبل القبلة إذا خشي أن يفوته الوقت لكونه هارباً أو طالباً، أو لا يتمكن من النزول، أو لم يقفوا له حتى يصلي جاز أن يصلي ولو على سريره إذا خشي أن يفوت الوقت.
وأما في الطائرة فإن الطائرة قد تستمر ست ساعات أو اثنتي عشرة ساعة في مسيرها ولا تنزل، ففي هذه الحال قد يمر عليه وقتان أو أكثر، ولو لم يصلها لفات الوقت، فله أن يصلي إن وجد متسعاً يصلي فيه صلاة بطمأنينة فإنه يصلي، وإذا لم يجده صلى ولو على كرسيه مستقبلاً أو غير مستقبل؛ لقوله: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:١٦] ، وأما القطار فالقطار فيه أماكن متسعة يتمكن المصلي من أن يستدير نحو القبلة، وجهته محددة، فإذا استطاع أن يستقبل القبلة لم تسقط عنه، ويقال كذلك في المراكب البحرية كالبواخر الكبيرة أو الصغيرة إذا كان فيها أماكن متسعة وجهتها محددة، فيستطيع أن يستقبل القبلة وأن يصلي قائماً، إلا أن يكون هناك ما يخشى معه من الوقوف كريح شديدة، أو عواصف، أو أمواج، أو اضطرابات بحرية أو نحو ذلك، فله أن يصلي جالساً، وعلى كل حال فالصلاة إذا خشي فوات وقتها لا يجوز تركها، بل يصليها على حسب حاله.
وهذا بالنسبة إلى الفرائض، وأما النوافل فإنها تصلى على أية حالة، فصلاة النافلة يجوز أن يصليها إذا كان مستعجلاً وهو في سيارته يومئ بها إيماءً، كما يجوز أن يصليها وهو ماش على قدميه، أو راكب على بعير أو على حمار كما كان الصحابة يفعلون كذلك، وبطريق الأولى إذا كان على سيارة أو طيارة -مثلاً- فيجوز أن يصليها، وأمرها أسهل، حتى ولو كانت مؤكدة كصلاة الوتر، وسنة الفجر، وراتبة الظهر التي قبلها والتي بعدها، وراتبة المغرب أو العشاء، وقيام الليل، وصلاة الضحى يجوز أن يصليها وهو يسوق سيارته ولو لغير القبلة يومئ بها إيماءً، ويجعل سجوده أخفض من ركوعه؛ ليكون قد أتى بما يستطيعه، فإذا تمكن -مثلاً- من أن يستقبل القبلة في حالة الاستفتاح فعل، وإذا لم يتمكن سقط ذلك عنه كله، وذلك لقوله تعالى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة:١١٥] .
стр. 438
شرح عمدة الأحكام [٢٧]
الموت قضاء الله تعالى الذي قضاه على كل نفس منفوسة، إلا أن الله تعالى جعل في شرعه لبني آدم تكرمة لهم وتمييزاً أحكاماً خاصة يلزم المسلمين تطبيقها، وذلك كغسل الميت وتكفينه والصلاة عليه وحمله ودفنه، مما فيه الكرامة للميت والأجر للمشتغل به.
стр. 439
أحكام الميت
стр. 440
تغسيل الميت وتجهيزه وممن يكون
قال الله المؤلف رحمنا الله تعالى وإياه: [باب في صفة تغسيل الميت وتشييع الجنازة.
عن أم عطية الأنصارية قالت: (دخل علينا رسول الله ﷺ حين توفيت ابنته زينب، فقال: اغسلنها بثلاث أو خمس أو أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك بماء وسدر، واجعلن في الآخرة كافوراً أو شيئاً من كافور، فإذا فرغتن فآذنني، فلما فرغنا آذناه فأعطانا حقوه، فقال: أشعرنها إياه -تعني إزاره، وفي رواية: أو تبعاً- وقال: ابدأن بميامنها ومواضع الوضوء منها، وأن أم عطية قالت: وجعلنا رأسها ثلاثة قرون) .
وعن عبد الله بن عباس ﵄ قال: (بينما رجل واقف بعرفة إذ وقع عن راحلته فوقصته -أو قال: فأوقصته-، فقال رسول الله ﷺ : اغسلوه بماء وسدر، وكفنوه في ثوبيه، ولا تحنطوه ولا تخمروا رأسه؛ فإنه يبعث يوم القيامة ملبياً) ، وفي رواية: (ولا تخمروا وجهه ولا رأسه) .
وقال المصنف ﵀: الوقص: كسر العنق] .
هذه الأحاديث فيها صفة تغسيل الميت وتكفينه، وقد ذكر لنا أن تغسيله وتكفينه من فروض الكفايات، وفروض الكفايات هي التي إذا قام بها بعض المكلفين سقط الإثم عن الباقي، وإذا تركوها كلهم وهم قادرون أثموا كلهم، فيدل على أنهم مكلفون.
فإذا مات إنسان بين أهل بلد ففرض عليهم أن يقوموا بتغسيله، ثم بتكفينه، ثم بحمله والصلاة عليه، ثم بدفنه، فريضة عليهم، فإذا قام به بعضهم سقط الإثم عن الباقين، فإذا تركوه كلهم وهم قادرون أثموا كلهم، أي: لحقهم الإثم.
وذلك لأن من كرامة ابن آدم أنه بعد موته لا تبقى جثته على الأرض تأكلها السباع والطيور ونحوها لحرمة ابن آدم، بل شرعت مواراته، وشرع دفنه ومواراة جثته، يقول الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾ [عبس:٢١] أي: شرع أن يقبر.
ويقول: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ﴾ [طه:٥٥] فهذا دليل على أن دفن المسلم بعد موته من فروض الكفايات، وأما الكفار فلا يعترفون بذلك، بل يحرقون أمواتهم، أو يشرحونهم -كما يقولون-، أو ما أشبه ذلك.
ففرض -أولاً- تغسيله رجلاً كان أو امرأة، ففي حديث ابن عباس الذي ذكره المصنف تغسيل الرجل، وفي حديث أم عطية تغسيل المرأة، فدل على أن الرجل أو المرأة بعد الموت كل منهما يغسل، فالمرأة يغسلها النساء والرجل يغسله الرجال.
стр. 441
الحكمة من تغسيل الميت
في حديث أم عطية أن زينب إحدى بنات النبي ﷺ ، وهي أكبر بناته، وقد ماتت سنة تسع، أي: قبله ﷺ بسنة.
ولما ماتت تولى النساء تجهيزها، ومنهن أم عطية، واسمها نسيبة الأنصارية، وهي من الصحابيات اللاتي حملن الحديث عن النبي ﷺ .
فذكرت أنه لما أمرهن بالتغسيل أمرهن أن يغسلنها عدداً يحصل به النظافة، فالقصد من التغسيل تنظيف جسد الميت إذا كان فيه وسخ أو نحوه، فإن كان نظيفاً فتغسيله تعبد، كأن ذلك تطهير له، واعتبر بعضهم أن الموت كالحدث يسبب وجود الغسل لا للنظافة ولكن للطهارة، فإن الإنسان إذا أحدث حدثاً أكبر -كما لو وطئ مثلاً أو احتلم- ولو كان حديث العهد بالاغتسال والنظافة فإن عليه أن يغتسل مرة ثانية، ليس للنظافة ولكن لرفع الحدث، فيقولون: إن الموت حدث، فيغسل الميت لتطهيره من ذلك الحدث الذي هو الموت، حتى إذا صلي عليه يكون قد نظف وقد طهر، فتكون الصلاة من طاهر على طاهر.
أما إذا كان متسخ البدن بعيد العهد بالنظافة فإنه يغسل بما يزيل الدرن والوسخ الذي عليه، ففي هذا الحديث أن النبي ﷺ قال لهؤلاء النساء: (اغسلنها ثلاثاً، أو خمساً، أو سبعاً، أو أكثر من ذلك -إن رأيتن ذلك- بماء وسدر، واجعلن في الآخرة كافوراً) أمرهن بأن يكون غسلهن وتراً، فالثلاث وتر، فإذا لم ينق إلا برابعة غسل خامسة، فإذا احتاج إلى سادسة فما نظف إلا بست غسلات زيد سابعة، حتى يقطع على وتر؛ لأن الله وتر يحب الوتر، هذا معنى أن يغسلنها ثلاثاً أو خمساً أو سبعاً، ومن العلماء من يقول: إذا زاد عن السبع فلا يحتاج إلى الوتر؛ لأنه قال: (أو أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك) .
стр. 442
كيفية الغسل والمواد المستخدمة فيه
والغسل يبدأ من رأسه إلى قدميه، ويدلك بماء وسدر، فيمر يده عليه ويغسله بالماء والسدر إلى أن يصل إلى قدميه، ثم يعود مرة ثانية ويغسل رأسه إلى قدميه، ثم ثالثة من رأسه إلى قدميه يدلكه، ويبدأ بجنبه الأيمن ثم الأيسر، وبفخذيه الأيمن ثم الأيسر، وبساقيه الأيمن ثم الأيسر، وهكذا.
فإذا نقي بالثلاث لم يحتج إلى زيادة.
والسدر ورق السدر المعروف، فإذا قطع ورق السدر ويبس وسحق فإنه ينظف به، وكانوا يستعملونه كما نستعمل الصابون في تنظيف الأواني وفي تنظيف الثياب، ويكون له رغوة إذا خلط بالماء، أو رغوة تكون فوقه، فيأخذ تلك الرغوة ويغسل بها شعر رأسه، ويغسل بها شعر لحيته حتى لا يدخل شيء من حبات السدر بين الشعر، فيغسل الرأس والشعر بالرغوة، وأما حثالة السدر فيغسل بها بقية جسده؛ لأنها تزول إذا صب عليها الماء.
وحيث إن القصد من الغسل بالسدر التنظيف فقد ذهب بعضهم إلى أن السدر تعبدي، وأنه يستعمل في الغسيل ولابد منه، وذهب آخرون إلى أنه للتنظيف، فيقوم مقامه الصابون أو الأشنان، والأشنان معروف، وهو ثمر شجر يشبه الرمث المعروف، ينبت في شجر من البلاد، تؤخذ زهرته وتسحق بعد أن تيبس، ويقوم مقام الصابون في تنظيف الأواني وتنظيف الثياب ونحوها.
فيجوز أن يجعل بدل السدر أشنان أو صابون أو غير ذلك من المنظفات؛ لأن القصد إزالة الوسخ وتنظيف البدن وإزالة ما علق به من درن أو نحوه، وذلك حاصل بالصابون ونحوه.
فالحاصل أنه أمر بغسلها ثلاثاً أو خمساً أو سبعاً بماء سدر.
يقول بعضهم: إن السدر يجعل في إناء، والماء يجعل في إناء، فيؤخذ غرفة من السدر ويدلك بها الجسد، ثم يصب عليها ماءً حتى يزول أثرها -الذي هو حبات السدر- وتنظف، وكذلك إذا جعل الصابون في قدح ثم أخذ منه غرفة وغسل بها، ثم بعد ذلك أتبع هذا الماء حتى يزيل أثرها ولزوجتها.
ثم في هذا الحديث أنه أمر بأن يبدأ بالميامن وبمواضع الوضوء، والمعنى أنه يبدأ بأعضاء الوضوء؛ لأن ذلك يعتبر حدثاً، والمحدث الذي هو عليه حدث أكبر إذا اغتسل بدأ بأعضاء الوضوء ويتوضأ، كما نقل ذلك مرفوعاً عن النبي ﷺ ، فكذلك الميت يغسل، يبدأ بمواضع الوضوء منه، ومواضع الوضوء الوجه واليدان والرجلان، أي: أعضاء الوضوء، فيبدأ بالمضمضة، ولكن لا يدخل الماء في فمه لئلا يحرك النجاسة في باطنه، بل ينظف فمه بإصبعه أو نحو ذلك دون أن يدخل الماء في فمه، وكذلك ينظف المغسل منخريه ولا يدخلهما الماء لهذا السبب؛ لأنه قد يحرك النجاسة، فيقتصر على المسح.
ووجهه يغسله كما يغسل بقية بدنه، وذراعاه يغسلهما كذلك، ويمسح برأسه ويغسله، ويغسل بعد ذلك قدميه، وإذا انتهى من أعضاء الوضوء بدأ في التغسيل، فيغسل رأسه، ويبدأ بجانبه الأيمن قبل الأيسر، وذكرنا أنه يغسل برغوة السدر أو بالصابون بعدما يذوب، ثم بعد ذلك يغسل عضده ومنكبه الأيمن ثم الأيسر، وكذلك جنبه الأيمن إلى نصف الصدر ونصف الظهر، ثم يقلبه ويغسل جنبه الأيمن قبل الأيسر، كذلك بعدما يغسل جنبيه إلى حقويه يبدأ فيغسل رجليه، الرجل اليمنى من الفخذ إلى العقب، ثم الرجل اليسرى من الفخذ إلى العقب أو إلى الإبهام، فيغسل الرجل كلها، وهكذا، فهذه تعتبر غسلة، وبعد ذلك يعود مرة ثانية وثالثة إلى أن ينتهي وإلى أن ينظف، فإن لم ينقضِ الوسخ زيد حتى ينقى.
أما الغسلة الأخيرة فيجعل فيها كافوراً كما في الحديث، والكافور هو الذي يباع في أماكن العطورات ونحوها، فهذه القطع البيضاء ونحوها تسحق، ثم تخلط بالماء، ثم تجعل في الغسلة الأخيرة، والحكمة فيه أنه يصلب الأعضاء، فقد يكون الماء الذي غسل به حاراً فتستأكل مفاصله وأعضاؤه، فهذا الكافور يكون صلابة في مفاصله وفي أعصابه، فهذه الحكمة في غسله في الأخيرة بالكافور أو بما يقوم مقامه.
وبعدما يغسل وينظف ينشف بثوب أو نحوه، ثم بعد ذلك يكفن، وقد تقدم أن النبي ﷺ كفن في ثلاثة أثواب، وذكرنا أنه وضع فوقها بعدما بسط بعضها فوق بعض، ثم يرد الطرف الأعلى طرفاه بعضهما إلى بعض، ثم الأوسط طرفاه بعضهما على بعض، ثم الأسفل طرفاه بعضهما، ثم بعد ذلك يعقد بالعقد التي تمسكه.
стр. 443
غسل الميت المُحرِم
والحديث الثاني حديث ابن عباس، وفيه أن رجلاً كان محرماً مع النبي ﷺ في حجة الوداع في عرفة، وفي أثناء وقوفهم في آخر النهار سقط عن دابته وهو محرم، ولما سقط سقط على رأسه فاندقت رقبته فمات وهو محرم، فأمرهم النبي ﷺ أن يجهزوه، فأمرهم بالتغسيل، مما يدل على أنه يجب أن يغسل كل ميت حتى ولو كان نظيفاً؛ لأن العادة أن المحرم يكون نظيفاً، فأمر بأن يغسل.
وأمر بأن يغسل بماء وسدر (اغسلوه بماء وسدر) ، وهذا دليل على أن السدر كان مستعملاً عندهم لكل ميت؛ لأنه يحصل به التنظيف.
وفي رواية أخرى أنه (نهى أن يحنط) ، والتحنيط: هو تطييب الميت بعد أن يغسل، فالحنوط: طيب يجمع من أنواع من العطورات، كالورد والمسك وما أشبههما، فتجمع وتسحق، ثم بعدما ينتهون من تغسيله يجعلون من ذلك الطيب بين إليتيه وفي إبطيه، وفي بطون ركبتيه، وكذلك في سرته وتحت حلقه، وفي أذنيه، وفي المواضع الرقيقة منه، وقد يجوز أن يطيب كله، فهذا يسمى الحنوط.
وكل ميت يحنط إلا المحرم، وذلك لأن المحرم باق على إحرامه بعد موته، فلا يحنط -أعني: لا يطيب-، كما أن المحرم في حياته لا يقرب الطيب؛ لأن الطيب من المرفهات، فكذلك بعد موته، أما غير المحرم فيحنط، فيجعل فيه من أنواع هذه الأطياب، والسبب في ذلك ألا تتغير رائحته بسرعة، وأن يبقى معه رائحة طيبة بعد دفنه.
وعلى كل حال فقد وردت أدلة تدل على أنه يحنط الميت ويطيب بعدما يغسل.
أما المحرم فيكفن في ثوبيه، ومعلوم أن المحرم يكون عليه ثوبان إزار ورداء، والإزار هو الذي يجعل على عورته، والرداء على ظهره، فيكفن فيهما، ولكن لا يغطى وجهه ولا رأسه، بل يكشف؛ لأن المحرم مأمور بكشف رأسه في حالة الإحرام إذا كان رجلاً، فيبقى مكشوف الرأس؛ لأنه يبعث يوم القيامة محرماً ملبياً، وهذا من خصائصه، فيدفن مكشوف الرأس، ويجعل الكفن ساتراً للرقبة وللمنكبين ولبقية البدن، حتى القدمين يسترهما، فالإزار والرداء اللذان هما لباس المحرم يلف فيهما ويعقد ويدفن فيهما فقط، هكذا وردت السنة بدفنه فيهما وعدم تحنيطه وعدم تغطية رأسه.
وهذه صفة تكفينه، وصفة تغسيله أنه يغسل بماء وسدر حتى ينقى.
стр. 444
كيفية تكفين الرجل والمرأة وعدد لفائفهما
أما تكفين المرأة فذكر في حديث أم عطية أن النبي ﷺ ناولهن حقوه وقال: (أشعرنها إياه) ، والحقو هو الإزار، كان عليه إزار يلبسه، وغالباً يكون أبيض كإزار المحرم؛ لأنه خفيف، فأمرهن أن يشعرنها إياه، والشعار: هو اللباس الذي يلي الجسد.
والدثار: هو اللباس الظاهر الذي فوق الشعار.
ولهذا في الحديث أن النبي ﷺ قال للأنصار: (الأنصار شعار والناس دثار) يعني: الناس لحاف أعلى وهم لباس داخلي، يعني أنهم مقربون لديه.
وقوله: (أشعرنها إياه) يعني: اجعلنه شعاراً لها.
أي: لباساً يلي جسدها.
وذكرت أم عطية في رواية أخرى أنه ألقى إليهن خمسة أثواب، مما يدل على أن المرأة تكفن في خمسه، فذلك الشعار الذي هو إزار تشد به العورة كالإزار، ثم خرقة أخرى يلف بها الرأس تسمى الخمار، يلف بها الرأس والوجه والعنق والرقبة، ثم بعد ذلك قميص، وهو ثوب طويل ليس بمخيط، يشق في وسطه خرق للرأس، ويجعل نصفه لحافاً ونصفه فراشاً، فيعتبر كالثوب، إلا أنه ليس بمخيط الطرفين، وهذا لباس ثالث.
وبعد ذلك يلف فوقه لفافتين كلفافتي الرجل تلف إحداهما فوق الأخرى، فهذا تكفين المرأة في خمسة أثواب، أولاً الإزار الذي على العورة، ثم الخمار الذي على الرأس، ثم القميص الذي له شبه الجيب فتحة في وسطه، ثم بعد ذلك اللفافتان، أما الرجل فإنه يجعل في ثلاث لفائف كما تقدم؛ لما في الحديث الذي فيه أنه ﵊ كفن في ثلاثة أثواب بيض سحولية من كرسف -أي: من قطن- ليس فيها قميص ولا عمامة.
فهذه صفة التكفين وصفة الغسل، وبعدهما صفة الصلاة تأتينا إن شاء الله.
стр. 445
أحكام الجنازة
стр. 446
حكم اتباع الجنازة للرجال والنساء
قال المؤلف رحمنا الله تعالى وإياه في باب صفة تغسيل الميت وتشييع الجنازة: [عن أبي هريرة ﵁: عن النبي ﷺ قال: (أسرعوا بالجنازة؛ فإن تك صالحة فخير تقدمونها إليه، وإن تك سوى ذلك فشر تضعونه عن رقابكم) رواه البخاري.
باب في موقف الإمام من الميت.
عن سمرة بن جندب ﵁ قال: (صليت وراء رسول الله ﷺ على امرأة ماتت في نفاسها فقام في وسطها) .
باب في تحريم التسخط بالفعل والقول.
عن أبي موسى عبد الله بن قيس ﵁: (أن رسول الله ﷺ برئ من الصالقة والحالقة والشاقة) قال المصنف: الصالقة: التي ترفع صوتها عند المصيبة] .
هذه الأحاديث تتعلق بأحكام الجنائز، فمن أحكامها اتباع النساء الجنائز، حيث ورد النهي عن زيارتهن المقابر ولعنهن على ذلك، فقال ﷺ : (لعن الله زائرات القبور) ، وفي رواية: (لعن الله زوارات القبور) ، ولا شك أن اللعن دليل على التحريم، فهذا يدل على أنه لا تشرع لهن زيارة القبور، كذلك النهي عن اتباع المرأة للجنائز، ومعلوم أن اتباع الجنائز فيه فضل وأجر ثبت فيه قوله ﷺ : (من صلى على جنازة فله قيراط، ومن تبعها حتى تدفن فله قيراطان.
قيل: يا رسول الله! وما القيراط؟ قال: مثل الجبل العظيم -أو القيراطان مثل الجبلين العظيمين-) يعني: من الأجر.
وجعل النبي ﷺ من حقوق المسلمين بعضهم على بعض اتباع الجنائز في قوله: (للمسلم على المسلم ست بالمعروف: يسلم عليه إذا لقيه، ويشمّته إذا عطس، ويعوده إذا مرض، ويتبع جنازته إذا مات، ويجيبه إذا دعاه، ويحب له ما يحب لنفسه) ، ومعنى (يتبع جنازته) أنه إذا مات شيعه وتبعه إلى أن يدفن، فإن ذلك من حقه، ودليل على بقاء المودة له، ومن مواساة ذويه وأهله.
ولكن بالنسبة للنساء لا يحق لهن ذلك، وما هو السبب؟ هو ضعف نفوسهن، وقلة تحملهن، وكثرة الجزع والفزع فيهن أكثر من الرجال، وكذلك الفتنة بهن، وقد ثبت أنه ﷺ رأى نسوة تبعن ميتاً فقال لهن: (هل تُدلين فيمن يُدلي؟ قلن: لا.
قال: هل تَدْفِنَّ فيمن يَدْفِن؟ قلن: لا.
فقال: ارجعن مأزورات غير مأجورات؛ فإنكن تفتن الحي وتؤذين الميت) علل بهذا، فأمرهن بالرجوع ولم يمكنهن من الذهاب، أي: تؤذين الأموات بالصراخ وبالنياحة وغير ذلك، وتفتن الأحياء، فالنظر إلى المرأة حتى ولو كانت متحجبة قد يكون فتنة، فلأجل ذلك أمرهن بالرجوع ونهاهن عن الاتباع، وأخبر بأنهن ليس لهن حظ في التشييع، وأن الجنائز يشيعها الرجال، وهم الذين يتولون مواراتها.
وثبت -أيضاً- في سنن أبي داود والترمذي بسند صحيح: (أن النبي ﷺ رأى فاطمة جاءت من قبل البقيع، فقال: من أين أتيتِ؟ فقالت: من أهل ذلك الميت عزيتهم في ميتهم.
قال: لعلك بلغت معهم الكدأ - والكدأ هو المكان الصلب الذي يعد للمقابر- فقالت: معاذ الله وقد سمعتك تنهى عن ذلك! فقال: لو بلغت معهم الكدأ ما دخلتِ الجنة -أو ما رأيتِ الجنة- حتى يراها جد أبيك) يعني الذي مات كافراً، فهذا فيه وعيد شديد، مع أنها فاطمة الزهراء، وهي ابنة النبي ﷺ ، والعمل الذي هو زيارة للقبر فيه هذا الوعيد الشديد لا شك أنه دليل على التحريم، وهو من أحاديث الوعيد التي يرد فيها الزجر عن بعض الأعمال، فيستدل به العلماء على أنه حرام.
فعلى هذا نقول: زيارة النساء للقبور حرام ما دام الوعيد قائماً عليها؛ لأنهن يرجعن مأزورات غير مأجورات، فإذا كانت فاطمة الزهراء لن ترى الجنة حتى يحصل كذا وكذا فلا شك أن هذا دليل على أنه محرم، ولا يغتر بمن كتب يؤيد أو يدعو النساء إلى الزيارة ويفتح لهن الأبواب ويرخي لهن الحجاب، ولا شك أن الذين كتبوا في ذلك واشتهروا بهذا الكتاب قوم رأوا المرأة في تلك البلاد شاركت الرجال، وأصبحت كأنها مع الرجال إلى جنب الرجل، فقالوا: نعطيها -أيضاً- حريتها وحقها في أن تزور القبور كما يزورها الرجل، وأن تشيع الجنائز، وأن تفعل كما يفعل الرجال.
واستدلوا بأدلة ليس فيها معنى، قالوا: إن عائشة زارت قبر أخيها.
وصحيح أنها زارت قبر أخيها عبد الرحمن، ولكن لم يكن في مقبرة، إنما كان مدفوناً في مكان، مرت عليه في الطريق وعدلت قريباً، حتى إنها اعتذرت عن ذلك وقالت: (لو شهدتك -أي: عند موتك- ما زرتك) أرادت أن تأتي إلى قبره وتسلم عليه وتدعو لأخيها عبد الرحمن حين مات في الطريق بين مكة والمدينة، فلا دلالة في هذا على زيارة القبور.
واستدلوا -أيضاً- بأن عائشة قالت: (يا رسول الله! ما أقول إذا زرت القبور؟ فقال: قولي: السلام عليكم) ، ونقول: هذا فيما إذا كانت عابرة طريق فمرت، فإذا مرت المرأة وهي تسير -مثلاً- في سيارة أو راكبة أو ماشية والقبور إلى جنبها قريباً منها وهي عابرة التفتت وقالت: السلام عليكم.
أما كونها تدخل داخل الأسوار وتقف عند القبور.
وتقول: هذا قبر فلان وهذا قبر فلان -كما هو مشاهد- فهذا ما فعله الصحابيات، ولا فعله المؤمنون.
وعلى كل حال المسلم يتمسك بذلك، فليس في ذلك تنقص للمرأة، فالمرأة ما دام أنها عارفة بالأحكام فلا يضرها كونها ممنوعة من الخروج أو ممنوعة من زيارة القبور أو نحو ذلك، ولا ينقصها ذلك، بل يزيد ذلك في كرامتها وفي حشمتها وفي رفعة منزلتها متى عملت بالشريعة كما ينبغي.
وأما قول أم عطية في هذا الحديث: (نهينا عن اتباع الجنائز ولم يعزم علينا) فالنهي لابد أن يكون بقول: أنهاكم أنهاكن أو بقول: لا تزوروا المقابر لا تأتوا المقابر لا تتبعوا الجنائز، وإذا كان ذلك فالأصل في النهي للتحريم، ولكن فهمت من ذلك أنه لم يكرر، فإنه لما لم يكرر النهي ظنت أنه للكراهة لا للتحريم، فلذلك قالت: لم يعزم علينا.
ولكن الأصل أنه للتحريم، فهذا فيما يتعلق باتباع النساء للجنائز.
стр. 447
كيفية مشي الرجال بالجنازة
أما اتباع الرجال فورد فيه حديث أبي هريرة، وهو قوله ﷺ : (أسرعوا بالجنازة؛ فإن تك صالحة فخير تقدمونها إليه، وإن تك سوى ذلك فشر تضعونه عن رقابكم) .
يقول بعضهم: الإسراع هو سرعة السير، فقوله: (أسرعوا بها) يعني: أسرعوا السير، فإذا حملتموها على رقابكم فسيروا سيراً حثيثاً وسيراً سريعاً.
وروي أن بعض الصحابة أو بعض المسلمين حملوا جنازة وصاروا يخبون بها خباً، أي: يسرعون بها السير، فهذا محتمل أن يكون المراد به السرعة بها، ثم قال: (إن تك صالحة فخير تقدمونها إليه) أي: تعجلونها إلى الخير الذي أعد لها في القبر، وإن تك سوى ذلك -غير صالحة- فشر تضعونه عن رقابكم، قد حملتموه على أكتافكم فتضعون عن رقابكم هذا الشر.
والاحتمال الثاني -ولعله أوجه- أن المراد بالسرعة هنا سرعة التجهيز، أي: أسرعوا بتجهيز الجنائز فإذا مات الإنسان فأسرعوا بتجهيزه ولا تؤخروه، ولا تتباطئوا في تجهيزه وتحبسوه مدة طويلة، بل بادروا بعد موته وواروه ولا تؤخروه، فإنه إذا كان صالحاً قدمتموه إلى جزائه الذي ينتظره في المعاد، وإذا كان غير صالح ارتحتم من الحمل الذي تحملتموه، وهو الاهتمام بتجهيزه.
ومعلوم أن قوله: (فشر تضعونه عن رقابكم) هو أنه إنما يحمله بعضهم، فقد يشيعه -مثلاً- مائة ولا يحمله إلا أربعة -مثلاً- أو عشرة، فعرف أن قوله: (تضعونه عن رقابكم) يعني: تضعون همه، وتضعون شغله، وتضعون العمل الذي تعملونه، يعني: كأنكم حملتم على أكتافكم شيئاً من الهم ومن الأعمال، فإذا جهزتموه وواريتموه فقد وضعتم ذلك الذي حملتموه وقد انتهيتم منه، فهذا هو الأقرب، أن المراد السرعة في تجهيزه.
وقد ورد في الإسراع حديث آخر، يقول ﷺ : (لا ينبغي لجيفة مسلم أن تحبس بين ظهراني أهله) أي: بعد موته يصبح جيفة ليس فيه حركة وليس فيه روح، فلا ينبغي أن تحبس هذه الجثة بين أهله، بل يسارع في مواراته، فيسرع أهله في تجهيزه تغسيلاً وتكفيناً وصلاة عليه ودفناً، حتى لا يحبس عمَّا هو معد له.
فهذا هو الأرجح، ومع ذلك نقول: لا بأس بالسرعة إذا لم يكن فيها مشقة إذا حملوه، وكان الأصل أن الميت يحمل على الرقاب، فيحملونه على رقابهم إلى أن يضعوه عند شفير قبره، لكن في هذه الأزمنة لبعد المسافة استثقلوا ذلك وصاروا يحملونه على السيارات، ولا بأس بذلك، والسيارة معلوم أن سيرها محدود، لا يتمكن من الإسراع بها إسراعاً زائداً عن القدر المحدد، ومع ذلك إذا كان الطريق -مثلاً- خالياً فلا يتباطأ بالسير تباطؤاً تطول مدته، بل يسير السير المعتاد.
وهذا عند الحاجة، أعني الحمل على السيارة عند الحاجة لبعد المكان ونحوه، فأما إذا لم يكن هناك بعد ولم يكن هناك مشقة فالحمل على الأكتاف هو الأصل.
стр. 448
موضع حمل الجنازة، وما يستحب لحاملها
وأخذوا من قوله: (تضعونه عن رقابكم) أنه يحمل على الرقاب؛ لأن قوائم النعش تحمل على المنكب، وتوضع على الجانب الأيمن أو الأيسر، وقد ورد عن بعض الصحابة أنهم يتربعون في حمله، يحمله أحدهم حتى يستقل به، ويحمله أربعة، فإذا ابتدأ فحمل مقدمه الذي هو عند رأسه من اليمين، وحمله -مثلاً- مسيرة عشرين متراً أو مائة متر انتقل وحمل في الطرف الثاني في المقدمة، وهو يسار مقدمته، ثم بعد مدة انتقل وحمل في المؤخرة، ثم انتقل وحمل في المؤخرة الثانية حتى -كما يقولون- يستقل به، وهكذا غيره، فكلما حمله واحد وسار به هذه المدة حمله الثاني، حتى يشاركوا في حمله كله، وهذا استحباب، أعني التربيع في حمله، وإن حمله في موضع إلى أن انتهى فلا مانع.
стр. 449
موقف الإمام في الصلاة على الجنازة
أما الحديث بعده فيتعلق بموقف الإمام، فإذا صلى الإمام على الجنازة فأين يقف؟ في هذا الحديث أنه يقف من المرأة عند وسطها، وورد في حديث آخر أنه يقف من الرجل عند صدره، وفي حديث آخر عند رأسه، فهذه هي السنة، فالمرأة يقف عند وسطها، والرجل إما عند صدره أو عند رأسه أو بينهما؛ فإن الصدر والرأس متقاربان، فإن وقف قرب الصدر وقرب الرأس فإنه يكفي ذلك، وعلى كل حال هذا هو المستحب، وإن غير ذلك فلا مانع، فلو وقف عند وسط الرجل أجزأ ذلك، وإذا اجتمعت جنائز رجال ونساء فإنه يجعل وسط المرأة محاذياً لصدر الرجل، فيكون رأس المرأة مقدماً على رأس الرجل، حتى يكون وسطها وصدره متحاذيين فيقف عندهما.
وتكون المرأة مما يلي القبلة، والرجل مما يلي المصلي، هكذا ترتيبهم، يقرب الرجل إليه ويجعل المرأة بعده إذا كان في الجنازة رجال ونساء، وإن كان هناك أطفال جعلهم في الوسط بين الرجال والنساء، فهذا ترتيبهم.
стр. 450
حكم النياحة على الميت ونحوها
أما الحديث بعده فيتعلق بالنهي عن النياحة، والنياحة: رفع الصوت عند الميت بالندب وبالصراخ والصياح ونحو ذلك.
ففي هذا الحديث أنه ﷺ برئ من الصالقة والحالقة والشاقة، وفسره الصحابي بأن الصالقة التي ترفع صوتها عند المصيبة، والحالقة التي تحلق شعرها أو تنتفه، والشاقة التي تشق ثوبها أو جيبها أو شيئاً من ثيابها من حر المصيبة.
وفي حديث آخر أنه ﷺ قال: (ليس منا من ضرب الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية) ، وهذا يعم الرجال والنساء، يعني أن النياحة ليست خاصة بالمرأة، بل إذا ناح الرجل وصاح وشق ثوبه ونتف شعره من حر المصيبة -في زعمه- دخل في الوعيد الشديد: (ليس منا من ضرب الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية) ، وكان في الجاهلية يدعون عند الميت بالويل والثبور، إذا مات لهم ميت يقولون: وا ثبوراه! واويلاه! أو دعوى الجاهلية أن يندب ذلك الميت، فيندبه إما باسمه كأن يقول: وا سعداه! وا محمداه! وإما بقرابته كأن يقول: وا ولداه! وا أخيَّاه!، وإما بصفته كأن يقول: وا مطعماه! وا كاسياه! فهذه من دعوى الجاهلية، وهي داخلة في الصياح الذي برأ منه النبي ﷺ من الصالقة التي ترفع صوتها، والشاقة التي تشق ثوبها، والحالقة أو الناتفة التي تنتف شعرها، ويعم ذلك الرجال والنساء.
فإذا عرفنا أن ذلك منهي عنه نعرف الحكمة فيه، ذلك لأن المصيبة مقدرة، فالله تعالى قدر على الإنسان هذه المصيبة وقضاها، ولا راد لقضائه، فإذا علم العبد أنه لا منجى له من هذه المصيبة فليرض بذلك، الرجل تصيبه مصيبة فيعلم أنها من عند الله فيرضى ويسلم، وهذا تعليل.
وتعليل ثان: نقول لهذا النادب وهذا الصائح: ماذا ينفعك هذا الصياح؟ وماذا يزيدك؟ وماذا يؤثر فيك؟ هل يرد فائتاً؟ هل يحيى ميتك؟ هل يرد عليك ما فقدته منه؟ لا يفيدك، بل يضرك ويفوتك أجر الصبر الذي هو الاحتساب وطلب الأجر، فأنت إذا لم تصبر على هذه المصيبة كان ذلك مفوتاً لك حارماً لك من أجر المصيبة، والله تعالى قد وعد على الصبر بأجر عظيم في قوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة:١٥٧] ، فالذي يجزع هذا الجزع يفوته هذا الأجر.
стр. 451
مخالفة تناقض التوحيد
стр. 452
الشرك المتعلق بالقبور
قال المؤلف رحمنا الله تعالى وإياه: [عن عائشة ﵂ قالت: (لما اشتكى النبي ﷺ ذكر بعض نسائه كنيسة رأينها بأرض الحبشة يقال لها مارية، وكانت أم سلمة وأم حبيبة أتتا أرض الحبشة، فذكرتا من حسنها وتصاوير ما فيها، فرفع رأسه رسول الله ﷺ وقال: أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح بنو على قبره مسجداً ثم صوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله) .
وعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ في مرضه الذي لم يقم منه: (لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، قالت: ولولا ذلك لأبرز قبره ﷺ ، غير أنه خشي أن يتخذ مسجداً) .
وعن عبد الله بن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (ليس منا من ضرب الخدود، وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية) .
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (من شهد الجنازة حتى يصلى عليها فله قيراط، ومن شهدها حتى تدفن فله قيراطان.
قيل: وما القيراطان؟ قال: مثل الجبلين العظيمين) ، ولـ مسلم: (أصغرهما مثل أحد) ] .
الحديثان الأولان يتعلقان بالعمل عند القبور، وفتنة القبور، وما كان لها من الآثار بسبب الجهل، وأم سلمة هند بنت أبي أمية إحدى أمهات المؤمنين، وأم حبيبة رملة بنت أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية، إحدى أمهات المؤمنين، وكلتاهما هاجرتا مع زوجيهما إلى الحبشة، فـ أبو سلمة رجع بـ أم سلمة وتوفي بالمدينة، فتزوجها النبي ﷺ بعده، وأم حبيبة توفي زوجها بالحبشة، وتزوجها النبي ﷺ بالحبشة، وأرسل عمرو بن أمية الضمري فجاء بها.
ذكرتا للنبي ﷺ في مرض موته تلك الكنيسة، والكنيسة: هي معبد النصارى، فالمعابد التي يتعبدون فيها يسمونها كنائس، ولا تزال تسمى كنائس إلى اليوم، ولا يزالون يتعبدون في كنائسهم.
تلك الكنيسة فيها تصاوير وفيها قبور، فأخبرتا بما فيها من حسن، وبما فيها من تصاوير، ولكن ذمهما النبي ﷺ على هذا الأمر.
أخبر النبي ﷺ وهو في مرض موته بأن هذه الكنيسة أقيمت على صور وقبور، كانوا إذا مات فيهم الرجل الصالح من نبي أو رجل صالح من أهل الصلاح ودفنوه صوروا صورته ونصبوها في تلك الكنيسة، وبنوا على قبره مسجداً، أو جاءوا به إلى تلك الكنيسة المبنية ودفنوه فيها.
فبنوا على قبور الصالحين أبنية ومعابد، وصوروا فيها صورهم، هذا قبر الولي فلان وهذه صورته، وهذا قبر الولي فلان والنبي فلان وهذه صورته، فيتعبدون في تلك الكنائس التي قد ملئت بتلك القبور وبتلك الصور، يقول ابن القيم -أو ينقل عن بعض السلف-: هؤلاء جمعوا بين الفتنتين: فتنة الصور، وفتنة القبور.
ولا شك أن القبور إذا بني عليها وإذا تعبد حولها اتخذت أوثاناً، ولا شك أن الصور إذا نصبت وعظمت اتخذت أوثاناً، كما حصل من قوم نوح لما صوروا تصاوير أولئك الصالحين فطال عليهم الأمر فعبدوهم، قال تعالى: ﴿وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ [نوح:٢٣] ، وهذه أسماء رجال صالحين كانوا في قوم نوح، فلما ماتوا أوحى الشيطان إليهم أن انصبوا في مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها صوراً أو تماثيل، وسموها بأسمائهم ولم تعبد، حتى إذا هلك أولئك ونسي العلم عبدت، جاءهم الشيطان وقال: ما صوروها إلا لعبادتها، فصاروا يعبدونها ويتمسحون بها ويخضعون لها، فإذا دخلوا ركعوا أو فعلوا شبه ركوع، وكانوا يدعون أصحابها ويهتفون بهم، وكذلك -أيضاً- كانوا يذبحون لها وينذرون لها، ونحو ذلك، فمثل هذا خافه النبي ﷺ على أمته، ففي مرض موته خشي أن يفعل أصحابه به كما فعل أولئك من نَصبِ صورته -مثلاً- منحوتة أو منقوشة، ومن البناء على قبره ونحو ذلك، فذكرت عائشة في الحديث الثاني أنه لما مرض المرض الذي ماته فيه ولم يقم منه، قال: (لعن الله اليهود والنصارى؛ اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد.
يحذر مما صنعوا، تقول: ولولا ذلك لأبرز قبره، غير أنه خشي أن يتخذ مسجداً) ، وفي بعض الروايات أنه لما نزل به الأجل وصار في سياق الموت طفق يطرح خميصة له على وجهه -والخميصة: كساء له أعلام- فإذا اغتم بها كشفها فقال -وهو كذلك-: (لعن الله اليهود والنصارى؛ اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) .
ويقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀: فقد نهى عنه ﷺ في آخر حياته، ثم إنه لعن وهو في السياق من فعل ذلك، ثم قال: والصلاة عندها من ذلك وإن لم يبنَ مسجد، وهو معنى قولها: (خشي أن يتخذ مسجداً) يعني: مصلى.
فإن الصحابة لم يكونوا ليبنوا على قبره لو كان بارزاً مسجداً، فكل موضع قصدت الصلاة فيه فهو مسجد، بل كل موضع يصلى فيه يسمى مسجداً، قال ﷺ : (جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً) يعني: موضعاً للصلاة.
والحاصل أن في هذا دليلاً على أنه لا يجوز البناء على القبور، خصوصاً قبور الصالحين؛ وذلك لأن البناء عليها ورفعها سبب لتعظيمها، وإذا عظمت صرف لها شيء من حق الله، مع أن أصحابها أموات قد انقطع أملهم، فليس لهم ملكية تصرف.
ولما تمادى الجهل واستمر في الأمة من يعظم القبور عبدت القبور، ولا يزال إلى الآن في كثير من البلاد التي تُسمى بأنها بلاد إسلامية يبني الناس عليها بيوتاً، أو يأتون بالصالحين ويدفنونهم في المساجد التي يصلى فيها، وكلما صلوا جاءوا إلى القبر وتمسحوا به، أو أخذوا من ترابه، أو قصدوا الصلاة عنده وزعموا أن الصلاة عنده تقبل أو يضاعف فيها الأجر أو نحو ذلك، فكانوا بذلك متسببين في أن عظموا مخلوقاً غير الله، ولا شك أن هذا التعظيم يؤول بهم إلى الشرك والكفر؛ لأنه عبادة لغير الله، وصرف العبادة لغير الله شرك.
فهذا هو السبب في أنه ﵊ لعنهم على هذا، وأخبر في الحديث الأول بأنهم شرار الخلق، ولا شك أن هذا ذم لهم، ولم يذكر لهم ذنب إلا أنهم يبنون على القبور ويصورون صور الصالحين، فهذا ذنبهم الذي صاروا به شرار الخلق.
стр. 453
اتخاذ القبور مساجد
وذكر في الحديث الثاني اللعن، فقال: (لعن الله اليهود والنصارى) ، ولم يذكر ذنبهم إلا أنهم اتخذوا قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، وعرفنا أن المساجد المراد بها: المصلى، سواء أكانت مبنية كهيئة المساجد ذوات المحاريب، أم كهيئة الكنائس والصوامع والأديرة التي يتعبدون فيها، أم كانت مقصودة للصلاة عندها وإن لم يكن هناك مسجد، بل يقصدونها لأداء الصلاة عندها، فهؤلاء كلهم قد تشبهوا باليهود الذين يقصدون القبور ويسمونها مشاهد ويعمرونها بالصلاة عندها، قد تشبهوا باليهود، وقد استحقوا ما استحقه اليهود من اللعن (لعن الله اليهود والنصارى؛ اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) قال ذلك في آخر حياته، فلما علم أن أجله قد قرب خشي أن يتخذ قبره مسجداً.
وأما إدخال القبر في المسجد -كما هو عليه الآن- فهذا حصل بعد ذهاب الصحابة، وبعد موت الصحابة بالمدينة كلهم، وفي عهد أحد خلفاء بني أمية لما أراد توسعة المسجد واضطر إلى توسعته من الجهات كلها أدخل في ذلك حجر أمهات المؤمنين، ورأى أن ذلك من الضرورة لتوسعته، ولكن جعلوا القبر في زاوية من زواياه، وجعلوا عليه ثلاثة جدران على هيئة المثلث، حتى لا يتمكن أحد من استقباله، وذلك لأنه ﷺ قد دعا الله بقوله: (اللهم! لا تجعل قبري وثناً يعبد) ، فأجاب رب العالمين دعاءه فأحيط بثلاثة جدران.
وعلى كل حال فلا يزال -بحمد الله- محفوظاً، لا أحد يعبده ولا يطوف به ولا يتمسح به ولا يهتف باسمه ولا غير ذلك، ولو كان في جانب المسجد، والمسجد معروف انفصاله ومعروف أصله، وعلى كل حال فلا يقال إنه وقع ما حذر منه، بل هو دفن في حجرته التي مات فيها، والتي هي حجرة عائشة، ودفن معه أبوها أبو بكر، ثم دفن معهما عمر، فالثلاثة دفنوا في حجرة عائشة، وكانت منفصلة عن المسجد، ولولا أنه خاف أنه إذا أبرز يأتي إليه الجهلة ويتمسحون به ويطوفون به ويذبحون عنده ويتخذونه وثناً أو يصورون صورته وينصبونها وينحتونها أو نحو ذلك، لولا ذلك لأبرز قبره، فلما سمعوا تحذيره من فعل اليهود والنصارى لم يبرزوه خوفاً عليه، بل تركوه بمكانه حتى يكون محفوظاً مراقباً من جهة أهل المسجد، ومن جهة سكان الحجرات ونحو ذلك.
فهذا يدل على أنه لا يجوز البناء على القبور، وقد وردت أدلة كثيرة في النهي عن البناء على القبور، والنهي عن اتخاذ السرج عليها، والنهي عن تجصيص القبر وتشييده، وكل ذلك مخافة أن يغتر به الجهلة، فالجهلة إذا رأوا هذا القبر مشيداً مرفوعاً مجصصاً قالوا: هذا دليل على أنه قبر شريف وقبر فيه صالح.
فينخدعون بذلك ويتمسحون به، ويصرفون له شيئاً من حق الله تعالى.
стр. 454
أفعال الجاهلية عند المصائب
أما الحديث بعده فيتعلق بالنهي عن الأفعال الجاهلية التي يفعلونها عند المصيبة، يقول ﷺ : (ليس منا من ضرب الخدود، وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية) .
هذا من أحاديث الوعيد التي يشدد فيها ﷺ على بعض المعاصي؛ حتى يكون أبلغ في الزجر، وذلك لأن هذه الأفعال كانت منتشرة في الجاهلية، والجاهلية: ما قبل الإسلام، سميت بذلك لكثرة جهلهم، وعبادتهم صادرة عن جهالة، فمنها أنهم كانوا إذا مات الميت فمن حزنهم عليه ومن شدة وجدهم يضرب أحدهم خده، أو يضرب صدره على وجه الحزن، وعلى وجه التوجع، وضرب الخدود تسخط من قضاء الله، فالذي يفعل ذلك كأنه سخط قضاء الله وقدره، ولم يرض بما قدره ولا بما أصابه، وذلك ينافي الصبر، والله تعالى أمر بالصبر عند المصيبة في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ﴾ [البقرة:١٥٣] إلى قوله: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة:١٥٥-١٥٦] ، فكونه -مثلاً- يضرب خده بيديه أو صدره أو فخذه أو جنبه، يظهر بذلك التسخط ينافي الرضا، وينافي الإيمان بالقدر والقضاء، وينافي الصبر.
كذلك قوله: (من شق الجيوب) ، والجيب هو مدخل الرأس، والفتحة التي يدخل منها الرأس معروفة، كما في قوله تعالى: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ [النور:٣١] ، فالعادة أنه إذا سمع بالمصيبة أو سمعت المرأة بالمصيبة أنه مات فلان، أو مات أخوه أو أخوها، فأقرب شيء جيبه يمسكه ويشقه، حتى يشق الثوب كله، وربما بقي عرياناً إذا لم يكن عليه سراويل أو إزار، وقد يشق غير الجيب، فيشق الأكمام -مثلاً- أو يشق الثوب من أسفله أو من أحد جانبيه، وكل ذلك تسخط لقضاء الله، وكذلك لو شق -مثلاً- عباءته أو شق عمامته أو نحو ذلك، فكل ذلك من التسخط، ولا شك أن هذا ينافي الصبر، وكذلك دعوى الجاهلية كالتشكي باللسان، وذلك لأنه ينافي الصبر، وقد ثبت أنه ﷺ لما مات ابنه دمعت عيناه، فكأن الصحابة استنكروا منه، فقال: (إن الله لا يعذب بدمع العين، ولا بحزن القلب، ولكن يعذب بهذا أو يرحم -وأشار إلى لسانه-) يعني أن العذاب على التسخط باللسان، وعلى الصياح والنياحة ونحو ذلك، فالصياح والكلام الرفيع يسمى نياحة، والنائح: هو الذي يدعو بدعوى الجاهلية، فهو الذي ينوح ويندب ويصيح بأعلى صوته لحر المصيبة -في زعمه- في قلبه.
ودعوى الجاهلية سميت بذلك لأنهم هم الذين يفعلونها، وسميت (دعوى) ، وتسمى -أيضاً- (ندباً) ، وتسمى (نياحة) ، وقد ورد أنه ﵊ قال: (النائحة إذا لم تتب تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران ودرع من جرب) ، والسربال: هو الثوب الذي يلبسه المقاتل، وكذلك الدرع من حديد يلبس في القتال.
يقول: إنه يلتصق بجلدها هذا السربال الذي يستر البدن كله، والدرع الذي يستر البدن إلى نصفه إلى الحقوين أو نحو ذلك، والقطران معروف، وهو الذي تطلى به الإبل، وهو مادة سوداء شديدة الحرارة، إذا التصقت بالجلد تمزق الجلد، يطلى بها البعير إذا أصابه الجرب فينسلخ شعره في حينه، وهو معروف باسمه القطران، والجرب معروف، وهو الذي يتشقق به الجلد، حكة تكون في الدواب يتشقق منها الجلد.
وعلى كل حال فهذا من العذاب الذي يعذب به النائح، والنياحة -كما فسرت- هي: ندب الميت إما باسمه، كأن يقول: وا محمداه! وا إبراهيماه! وا سعداه! ونحو ذلك يناديه باسمه، وإما بقرابته منه، كأن يقول: وا أبواه! وا أخياه! وا ولداه! وا صديقاه! وما أشبه ذلك، وإما بصفة يصفه بها، كأن يقول: وا مطعماه! وا كاسياه! وا كافلاه! وا ناصراه! يصفه بأنه كذلك، وورد في بعض الأحاديث أن الميت يتألم من هذا الندب، فكلما قالوا له: وا مطعماه! يضرب أو يوبخ فيقال: هل أنت المطعم؟ هل أنت الكاسي؟ هل أنت الكافل؟ هل أنت الناصر؟ فيؤلمه ذلك ويؤلمه كلام أهله.
فهذا ونحوه دليل على الزجر عن أفعال الجاهلية من النياحة ومن الصياح ونحو ذلك.
стр. 455
أجر الصلاة على الميت وتشييعه
أما الحديث بعده فيتعلق بالصلاة على الميت وبتشييع الميت، ففيه أن من صلى على جنازة المسلم كان له قيراط من الأجر لا يعلم قدره إلا الله، ومثل بأنه مثل جبل أحد، وإذا تبعها حتى تدفن كان له قيراط آخر، وهذا أجر كبير، ولا شك أن الصلاة عليه فيها شفاعة له ودعاء له بالرحمة، ولأجل ذلك يستحب تكثير المصلين؛ لأن كلاً منهم يدعو للمسلم بالرحمة، وكذلك التشييع، حيث يدعون له في حالة مسيرهم خلفه، وكذلك عند جلوسهم عند قبره، في كل ذلك -أيضاً- يدعون له، وبعد دفنه يدعون له، فهو يصله بذلك أجر، وهم -أيضاً- لهم أجر، كما ذكر في هذا الحديث أن أحدهم يحصل على هذا الأجر، وهو قيراط.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 456
شرح عمدة الأحكام [٢٨]
الزكاة من أركان الإسلام، وهي سبب لحصول البركة والنماء في المال، وقد أوجبها الله في بهيمة الأنعام من الإبل والبقر والغنم، وأوجبها أيضاً في الزروع والثمار وفي الذهب والفضة، ولكن بشروط لابد من معرفتها كالنصاب والحول وغير ذلك مما بينه العلماء وشرحوه.
стр. 457
أحكام الزكاة
стр. 458
تعريف الزكاة وأهميتها وحكمتها
قال المؤلف رحمنا الله تعالى وإياه: [كتاب الزكاة.
عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ لـ معاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن (إنك ستأتي قوماً أهل كتاب، فإذا جئتهم فادعهم أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فإن هم أطاعوك بذلك فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوك بذلك فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم، فإن هم أطاعوك بذلك فإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم، فإنه ليس بينها وبين الله حجاب) .
وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (ليس فيما دون خمس أواق صدقة، وليس فيما دون خمس ذود صدقة، وليس فيما دون خمسة أوسق صدقة) .
وعن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: (ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة، وفي لفظ: إلا زكاة الفطر في الرقيق) ] .
ابتدأ في كتاب الزكاة، والزكاة قرينة الصلاة، وقد ذكرت الزكاة والصلاة في القرآن في مواضع عديدة قد تصل إلى ستين موضعاً أو نحوها، ولا شك أن اقترانها بالصلاة دليل على أهميتها، وذلك لأن الصلاة عبادة بدنية، والزكاة عبادة مالية، فكما أن الله تعبد الإنسان في بدنه بعبادة محضة من قيام وركوع وسجود وذكر ودعاء وقراءة ونحوها فإنه قد تعبده في ماله، فهذا المال الذي رزقه الله إياه ويسر له أسبابه قد فرض عليه فيه حقاً، هذا الحق هو هذا الجزء المعين المعلوم منه الذي أمره الله بإخراجه، وسماه (زكاة) .
والزكاة في اللغة: النماء أو الطهارة.
يقولون: زكا المال إذا نما وكثر، أو إذا طهر ونقي، وزكيت الشيء: إذا طهرته ونقيته.
ومنه تزكية النفس، وهو تطهيرها وإزالة ما علق بها، قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ [الشمس:٩] ، وقال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾ [الأعلى:١٤] يعني: طهر نفسه من الأدناس ونحوها، فسميت الزكاة بذلك لأنها تطهر المال وتنميه؛ ولأنها قربة إلى الله وطاعة لأمره، وقد أكد الله تعالى الأمر بها، قال تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة:١٠٣] أي: تطهر أموالهم وتزكي أموالهم.
يعني: تنميها بهذه الزكاة، فهذا من الحكمة في شرعيتها.
ومن الحكمة أنها طعمة للفقراء، قال الله تعالى: ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [الذاريات:١٩] ، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ * لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [المعارج:٢٤-٢٥] .
فجعل الله الزكاة حقاً، والحق هو الواجب، وجعلها في أموالهم، وبين مستحقها وأنه المحروم الذي هو فقير ولكنه لا يسأل، والسائل هو الذي يطلب من الناس ويستجدي، فهذان من جملة أهلها.
стр. 459
حكم الزكاة
وقد اتفق الصحابة ﵃ على قتال من منع الزكاة، فلما مات النبي ﷺ منع قوم الزكاة، فعند ذلك اجتمع الصحابة مع أبي بكر على قتالهم، وقال أبو بكر: إن الزكاة حق المال.
وقال: (لو منعوني عقالاً كانوا يؤدونه إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم على منعه) .
قال عمر: (فما هو إلا أن رأيت الله قد شرح صدر أبي بكر للقتال فعلمت أنه الحق) .
واستدلوا على ذلك بآيات وبأحاديث، فمن الآيات قول الله تعالى: ﴿فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة:٥] ، فما أمر بتخلية سبيلهم إلا بالتوبة من الشرك، وبالصلاة، وبالزكاة.
وثبت في الصحيح قوله ﷺ : (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها) ، فهذا دليل من السنة، وقد جعلها النبي ﷺ ركناً من أركان الإسلام في قوله: (بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت) ، جعل هذه أركاناً، وجعل الصلاة والزكاة ركنين مجتمعين لا متفرقين، لا يجوز أن يؤتى بواحد دون الآخر، فمن صلى ولم يزك لم تقبل صلاته، كما أن من لم يصل وزكى لم تقبل زكاته، فعرف بذلك أهمية هذا الحق.
стр. 460
كيف يتصرف العامل عليها فيها
وقد كان النبي ﷺ يبعث الجباة الذين هم عمال الزكاة العاملون عليها لجبايتها، ويبعثهم لتفريقها وإعطائها لمستحقيها، ومن ذلك ما في حديث معاذ هذا الذي رواه ابن عباس، وكان مبعث معاذ إلى اليمن في أول سنة عشر، وتوفي النبي ﷺ سنة إحدى عشرة وهو باليمن، بعثه يدعوهم إلى الله، ولهذا قال: (فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله) أي: يدعو إلى الإسلام، وبعثه معلماً وذلك لأنه من أعلم الصحابة بكتاب الله وبأحكام الله كما شهد له بقوله: (أعلمكم بالحلال والحرام معاذ بن جبل) .
وبعثه يفرق الزكاة بعد جبايتها، وقال له في هذا الحديث: (واتق دعوة المظلوم) يعني: لا تأخذ منهم أكثر من الواجب عليهم فوظيفته أنه يدعوهم إلى الله تعالى وإلى الإسلام، وبعد ذلك يعلمهم الأحكام والشرائع، ثم بعد ذلك يقبض منهم الحقوق التي عليهم، يقبض الزكاة ويفرقها، ويقبض الجزية ممن هي عنده ويرسلها إلى المدينة، أو يعطي منها من هو مستحق، وهكذا كان عمله الذي بعث به، ويقضي بينهم فيما اختلفوا فيه، فهذا شخص واحد وصحابي واحد بعث إلى قطر من الأقطار ودولة من الدول مترامية الأطراف، وهو وحده قام بهذه الأعمال كلها، قام بالدعوة إلى الله، وقام بجباية الزكوات وتفريقها، وقام بالقضاء بينهم عند اختلافهم، وقام بتعليمهم ما يخفى عليهم من أحكام الله وشرائعه.
وأوصاه النبي ﷺ في هذا الحديث وأخبره بأن فيهم أهل كتاب، أي: من هم من أهل الكتاب يهوداً أو نصارى، وذلك لأن أهل الكتاب معهم شيء من الجدل، ومعهم شيء من الحجج، فلابد أن يلقاهم مستعداً لمخاصمتهم ومجادلتهم بالتي هي أحسن حتى يظهر الحق على باطلهم، وهكذا كان معاذ ﵁ كلما لقي من عنده شيء من الشبهات أزالها وخاصمهم إلى أن يقبلوا الحق وينيبوا إليه.
فأولاً كان يبدأ بالدعوة إلى التوحيد، وذكر في هذا الحديث إحدى الشهادتين؛ وذلك لأن فيها النزاع؛ لأنهم كانوا يقولون: (لا إله إلا الله) ، ولكن يجعلون معه آلهة أخرى وإن لم يسموها آلهة، وقد أخبر النبي ﵊ بأنهم يعظمون الأموات، وإذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره وصوروا صورته وعظموها، وذلك تعظيم وتأليه لها وإن لم يسموها آلهة، فقد بطل بذلك توحيدهم، فأمره بأن يجدد لهم التوحيد، وأن يحققوا كلمة لا إله إلا الله.
ولا شك -أيضاً- أنه لابد من الشهادة الثانية، وهي الشهادة بأن محمداً رسول الله، وذلك لأن الرسول ﵊ هو الواسطة، وهو الذي أمره بأن يدعو إلى التوحيد، فلابد أن يشهد العبد له بالرسالة حتى يتلقى الشريعة منه، ويتلقى رسالته التي هي هذا الدين.
بعد ذلك أمره بأن يدعوهم إلى الصلاة؛ لأنها عمود الإسلام، فإذا دخلوا في الإسلام بالشهادتين فكأنهم دخلوا في الدين، والدين لابد أن يكون قائماً، والصلاة عماد الدين، فهي بمنزلة عمود الخيمة الذي لا تقوم الخيمة إلا عليه، فأمره بأن يؤكد لهم هذه الصلاة، وأن يخبرهم بأنها فريضة، ويخبرهم بأنها خمس صلوات في كل يوم وليلة، ولم يذكر له النوافل لأنها زائدة، ولأن معاذاً ﵁ سيخبرهم بالنوافل وبالرواتب وبالوتر وبذوات الأسباب من العبادات ونحو ذلك، اكتفاءً بأنه كان من أعلم الصحابة بالأحكام، فاكتفى بمعرفته، واكتفى بعلمه.
следующие страницы →