Полный текст (1 083 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
المضمضة والاستنشاق والاستنثار
ذكر أنه بعد أن غسل يديه أدخل يده في الإناء ليغترف بها، ثم تمضمض واستنشق واستنثر ثلاثاً.
والمضمضة: تحريك الماء في الفم.
والاستنشاق: اجتذاب الماء بالأنف بقوة النفس.
والاستنثار: إخراج الماء من الأنف بعد إدخاله بدفع النفس.
ولم يذكر في أكثر الروايات عدد المضمضة والاستنشاق والاستنثار، وفي بعضها ذكر أنه مضمض ثلاثاً واستنشق واستنثر ثلاثاً، وهذا هو الأرجح؛ أنه يتمضمض ثلاثاً ويستنشق ثلاثاً، والصحيح أنه يجعلهما بثلاث غرفات، كل غرفة بعضها في فمه وبعضها في أنفه فيتمضمض ويستنشق من غرفة واحدة، ثم يغترف غرفة ثانية لمضمضة واستنشاق ثم ثالثة كذلك، هذا هو الأرجح، ويجوز أن يغترف ست غرفات، لكل مضمضة غرفة، ولكل استنشاق غرفة، ويجوز أن يتمضمض ويستنشق من غرفتين، يعني: يتمضمض من غرفة ويستنشق من غرفة، كل غرفة تكفيه ثلاثاً إذا تمكن من ذلك.
والراجح أن المضمضة والاستنشاق من تمام الوضوء ومن تمام غسل الوجه، وإن كان كثير من العلماء يقولون: إنها من السنن، ولكن الأدلة تدل على أنها واجبة، وأن من توضأ ولم يتمضمض ولم يستنشق عمداً فإنه يعيد؛ لأنه ترك جزءاً من أعضاء الوضوء.
فإن الذين نقلوا وضوء النبي ﷺ ذكروا أنه حافظ على المضمضة والاستنشاق، وكذلك أمر بهما في أحاديث كثيرة، كقوله: (إذا توضأت فمضمض) ، وقوله في حديث لقيط بن صبرة: (وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً) ، فهذا أمر بالوضوء وأمر بالمضمضة والاستنشاق فيه.
والذين قالوا: إنها سنة وليست بواجبة، عللوا ذلك بأنها لم تذكر في القرآن، وإنما ذكر غسل الوجه فقط، والوجه ما تحصل به المواجهة، بينما المنخران خفيان، وكذلك الفم خفي فلا تحصل بهما المواجهة.
ويرد عليهم بأن يقال: الأمر ورد بغسل الوجه مجملاً، والرسول ﵊ بينه فذكر أن من تمامه المضمضة والاستنشاق، ولا شك أن القصد الأساسي هو التنظيف، وأن الفم قد يكون محل تغير، فإن كثيراً من الناس تتغير رائحة أفواههم لطول السكوت، أو لأكل شيء يبقى بعضه في الفم، فتتغير رائحة الفم بسبب ذلك، فغسله وتحريك الماء فيه بالإصبع تنظيف له وإزالة لتلك الرائحة، وكذلك الأنف قد يتحلل منه أشياء مستقذرة، فتنظيفه إزالة لما قد يتحلل منه مما هو مستقذر أو مما هو أذى، فشرعية المضمضة والاستنشاق محافظة على تنظيف الظاهر الذي ما يمكن ظهوره، ولا شك أن الفم له حكم الظاهر -والظاهر غير الباطن- ودليل ذلك: أن الصائم لو وضع طعاماً في فمه ثم مجه لم يحكم بأنه أفطر، ولو وضع في فمه خمراً ثم مجها لم يجب عليه الحد، ولو أن طفلاً صُب اللبن من المرأة في فمه ولكنه لم يبتلعه ما عد بذلك راضعاً منها، فهذه أدلة على أن الفم لا يعد من الباطن.
فالحاصل: أن القول الصحيح وجوب المضمضة ووجوب الاستنشاق على ما دلت عليه هذه الأحاديث التي بين فيها النبي ﵊ ما أجمله الله في الآيات.
стр. 37
غسل الوجه وحدُّه
الوجه المأمور بغسله هو ما تحصل به المواجهة، وحد الوجه طولاً من منابت شعر الرأس المعتاد، وله نهاية موجودة في أغلب الناس، ولا عبرة بمن ينحسر شعره كالأصلع، إنما العبرة بأغلب الناس، فأعلى الجبهة هو نهاية منابت الشعر، فهي من جملة الوجه، أما النهاية من أسفله فهو الذقن، والذقن هو مجمع اللحيين، واللحيان: منبت الأسنان السفلى، فأسفل الوجه الذي تحت الشفة يسمى: ذقناً، ولو لم يكن فيه شعر، فليس الذقن اسم للشعر، بل الذقن اسم لأسفل الوجه، فيقال: ذقن المرأة، يعني: أسفل وجهها، وذقن الصبي، يعني: أسفل وجهه، ولو لم يكن فيه شعر، فيغسله إلى الذقن، ويغسل الشعر الذي على الخدين وعلى الذقن وهو الذي يسمى اللحية، فإن كانت اللحية كثيفة اكتفي بغسل ظاهرها، وسن أن يخللها بإدخال أصابعه أو بعركها حتى يدخل الماء بين الشعر، وإن كانت خفيفة غسل داخلها وخارجها؛ لأنها في هذه الحال لم تستر البشرة ستراً كاملاً، فالحاصل أنه يغسل ما فيه من الشعر.
أما حد الوجه عرضاً فإلى أصول الأذنين، حيث يستوفي عرضه الخدين كليهما؛ لأنهما مما تحصل به المواجهة، هذا هو اسم الوجه.
وقد وردت السنة بالتثليث في غسل الوجه، بمعنى أنه يغسل الوجه ثلاثاً كما يتمضمض ويستنشق ثلاثاً.
стр. 38
غسل اليدين وحدُّهما
وبعد غسل الوجه يغسل يديه، وفي هذا الحديث ذكر أن عثمان غسل يديه كل واحدة ثلاثاً، واليد المأمور بغسلها من رءوس الأصابع إلى المرافق وهو مفصل الذراع من العضد، وسمي مرفقاً لأنه يرتفق به، أي: يتكئ عليه ويعتمد عليه، والمرفق داخل في الغسل، كما في حديث طلحة أنه رأى النبي ﷺ يدير الماء على مرفقيه، فدل على أنهما مغسولان، فيغسل المرفق مع الذراع.
وبعض الناس يقتصر على غسل الذراع ولا يغسل الكف، ويدعي أنه قد غسلها في أول الوضوء، وهذا لا يكفي؛ لأن غسلهما قبل الوجه سنة وغسلها بعد الوجه واجب، فلابد أن يغسل كفه من رءوس أصابعه ويخللها، ثم يغسل باطنها وظاهرها، ثم يغسل الذراع، وصفته: أن يغترف غرفة فيغسل الكف ثم الذراع، ثم يغترف ثانية وهكذا، ثم يغسل اليد الأخرى، فيغترف لها باليمنى فيغسل الكف ويخلل الأصابع، ثم يغسل الذراع، ثم يغترف غرفة أخرى ثم ثالثة حتى يغسل كل واحدة ثلاثاً، وهذا هو الأكمل.
стр. 39
مسح الرأس وصفته
أما الرأس فذكر أنه: (مسح برأسه) ، ولم يذكر عدداً، وهذا دليل على أنه لا يكرر؛ لأنه لا يقصد منه إلا مجرد الامتثال، فيمسح برأسه من مقدمته إلى نهايته، وهذا هو الصحيح، والمسألة فيها خلاف بين العلماء، ولكن الجمهور على أنه لابد من تعميم مسح الرأس، والدليل في ذلك قوي.
стр. 40
غسل الرجلين وحدُّهما
ثم بعد ذلك يغسل قدميه كل واحدة ثلاثاً، وقد أمر الله تعالى بغسل القدمين إلى الكعبين، والكعبان داخلان في الغسل فيغسلهما.
والقدم: هو الذي يمشي الإنسان عليه.
والكعبان ينتهيان بمستدق الساق، فأدق ما يكون من الساق هو نهاية الكعب، وإذا أراد أن يحتاط فإنه يغسل إلى أن ينتهي الكعب، وقد تقدم لنا أنه ﵇ قال: (ويل للأعقاب من النار) ، وهذا تأكيد لوجوب غسل القدمين حتى لا يتساهل أحد في غسلهما، فإن كثيراً من الناس يتساهلون في غسل القدم، فيغسلونها غسلاً خفيفاً بحيث يبقى مؤخر القدم الأبيض لم يمسه الماء وهو العقب، فلذلك قال: (ويل للأعقاب من النار) وهذا هو الوضوء الكامل.
стр. 41
الوضوء المجزئ والوضوء الكامل
الوضوء المجزي: هو غسل كل عضو مرة واحدة سابغة، فإذا فعل ذلك اكتفى به وحصل الإجزاء، والغسلتان أكمل من الواحدة، والثلاث الغسلات أكمل من الغسلتين وأفضل، ولا تجوز الزيادة على الثلاث؛ لأنه لم ينقل بل ورد النهي عن الإسراف، والإسراف هنا هو استعمال الماء في الوضوء زيادة على ما ورد.
стр. 42
إسباغ الوضوء وإتباعه بصلاة ركعتين سبب لمغفرة الذنوب
في هذا الحديث يقول: (رأيت النبي ﷺ توضأ نحو وضوئي هذا ثم قال: من توضأ نحو وضوئي هذا ثم صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه غفر الله له ما تقدم من ذنبه) ، وقد رتب هذا الثواب على هذا العمل للأسباب التالية: أولاً: أنه امتثل بهذا الوضوء الكامل الشرعي.
ثانياً: أنه أتى به كاملاً وهو التثليث.
ثالثاً: أنه بادر وصلى بعده تطوعاً واختياراً منه.
رابعاً: أنه أخلص في صلاته وكملها.
خامساً: أنه حفظها عما ينقصها، فلم يحدث فيها نفسه بشيء من أمور الدنيا التي تنافي ما هو فيه من العبادة.
فإذا فعل ذلك فإنه دليل على قوة إيمانه وقوة يقينه، فيترتب على ذلك أن يغفر الله له ذنوبه، إذا كان ذلك عن عزم ونية صادقة.
والحاصل: أن هذا من الأحاديث التي بين فيها النبي ﷺ ما أجمله الله تعالى من الآيات، وأمر نبيه ببيانها البيان الفعلي، وقد وردت أحاديث تبين البيان القولي، ومعلوم أن هذا الحديث فيه دلالة على أهمية التعليم بالفعل؛ لأنه قد يكون أتم من التعليم بالقول، والإنسان إذا قلت له: إذا توضأت فقل كذا وافعل كذا وكذا، فقد لا يفهم، حتى تأتي بالماء وتقول: هكذا هو الوضوء، اغسل يديك مثلي هكذا، وامسح رأسك هكذا، فإذا شاهد بعينيه كان ذلك أبلغ لفهمه ومعرفته، هكذا فعل النبي ﵇، وهكذا فعل عثمان وغيره من الصحابة الذين علموا الناس بالأفعال زيادة على التعليم بالأقوال.
стр. 43
شرح حديث عبد الله بن زيد في صفة وضوء النبي ﷺ
[وعن عمرو بن يحيى المازني عن أبيه قال: (شهدت عمرو بن أبي الحسن سأل عبد الله بن زيد عن وضوء رسول الله ﷺ ، فدعا بتور من ماء، فتوضأ لهم وضوء رسول الله ﷺ ، فأكفأ على يده من التور فغسل يديه ثلاثاً، ثم أدخل يديه في التور فمضمض واستنشق واستنثر ثلاثاً بثلاث غرفات، ثم أدخل يده في التور فغسل وجهه ثلاثاً، ثم أدخل يديه فغسلهما مرتين إلى المرفقين، ثم أدخل يديه فمسح بهما رأسه فأقبل بهما وأدبر مرة واحدة، ثم غسل رجليه) ، وفي رواية: (بدأ بمقدم رأسه حتى ذهب بهما إلى قفاه ثم ردهما حتى رجع إلى المكان الذي بدأ منه) ، وفي رواية: (أتانا رسول الله ﷺ فأخرجنا له ماءً في تور من صفر) ، والتور: شبه الطست] .
هذا حديث عبد الله بن زيد بن عاصم من الأنصار من بني مازن، ذكر فيه صفة الوضوء كما ذكر ذلك عثمان، وتوضأ بالفعل؛ وذلك لأن التعليم بالفعل والمشاهدة قد يكون أبلغ من القول، فهو لم يقل: كان وضوء النبي ﷺ كذا وكذا، بل قال: أنا أريكم كيف كان يتوضأ.
ولا شك أن الحديثين -حديث عثمان وحديث عبد الله بن زيد - متقاربان في صفة الوضوء، ولكن أتى المؤلف بهذا الحديث لزيادة الإيضاح، ولأن فيه بعض التعليمات الزائدة على حديث عثمان فنذكر بعضها على وجه الإشارة: أولاً: ذكر أن هذا الوضوء من تور، والتور شبه الطست، يعني: إناء مفلطح واسع الرأس ولكنه صغير، ولذلك تمكن من أن يصغيه، ولم يغمس يده فيه لأول مرة، بل أصغاه فصب على يديه فغسل كفيه.
ثانياً: أنه بدأ بغسل كفيه، وقد ذكرنا أن غسل الكفين بداية لا يغني عن غسلهما بعد الوجه؛ لأن غسلهما ابتداءً هو لتنظيفهما من الأوساخ، ولأنهما الآلة التي يغترف بهما وتدلك بهما الأعضاء.
ثالثاً: ذكر أنه تمضمض واستنشق واستنثر ثلاثاً بثلاث غرفات، ولم يذكر في حديث عثمان عدد الغرفات وهنا ذكر أنها ثلاث، يعني: أن الغرفة الواحدة يجعل بعضها في فمه وبعضها في أنفه، وذكرنا أنه يجوز أن يتمضمض بثلاث غرفات ويستنشق بثلاث غرفات، ولكن الأفضل أن يجعلها ثلاثاً كل غرفة فيها مضمضة واستنشاق، وقلنا: إن هذا الحديث وكذلك الحديث قبله مما يدل على أن المضمضة والاستنشاق من تمام غسل الوجه وأنهما لا يسقطان، وهو القول الصحيح الذي تؤيده الأدلة، خلافاً لمن يقول: إنهما سنة.
ومحافظة النبي ﵊ على المضمضة والاستنشاق وتأكيده عليهما في الأحاديث التي ذكرت دليل على وجوبهما وأنهما تابعان للوجه.
وفي هذا الحديث ذكر أنه غسل وجهه ثلاثاً، وقد عرفنا أن الوجه ما تحصل به المواجهة، وحده طولاً من منابت شعر الرأس المعتاد إلى ما انحدر من اللحيين والذقن، وعرضاً من أصل الأذن إلى أصل الأذن، هذا هو الوجه، وقد يكون فيه شعر، وذكرنا أن شعر اللحية الخفيف يغسل باطنه وظاهره، وأن الشعر الكثيف يكتفى بغسل ظاهره، ويستحب تخليله حتى يغسل داخله، وتغسل أيضاً جلدة الوجه التي تحت الشعر استحباباً، وإن اكتفى بغسل ما ظهر كفاه؛ ذلك لأنه الذي تحصل به المواجهة والمقابلة.
وتثليث الوجه أيضاً من السنن فيمكن أن يكتفى بغسلة واحدة، والثنتان أفضل من الواحدة، والثلاث أفضل من الاثنتين، ولا يزاد على ثلاث.
وذكر في هذا الحديث أنه أدخل يديه في الإناء أو في التور، وأنه غسل كل واحدة منها مرتين.
وغسل اليدين يبدأ من رءوس الأصابع إلى المرفقين، والمرفق: هو المفصل الذي بين الذراع والعضد، وسمي بذلك لأنه يرتفق به، أي: يتكأ عليه، وفي هذا الحديث ذكر أنه غسلهما مرتين، يعني: أنه غسل وجهه ثلاثاً واليدين كل واحدة غسلها مرتين إلى المرفقين.
стр. 44
دلك أعضاء الوضوء لتحقيق معنى الغسل
من المعلوم أن مسمى الغسل لا يكون إلا مع الدلك، وقد ذهب بعض العلماء إلى أنه يكفي الابتلال، فلو ابتلت اليد والذراع بالماء ولو لم يمر يده عليها كان ذلك كافياً، ولكن الصحيح أن هذا لا يسمى غسلاً، فلابد في غسل كل يد أن يدلكها بيده الأخرى، فيدلك اليمنى بيده اليسرى ويدلك اليسرى بيده اليمنى، حتى يتحقق من ابتلالها بالماء وبذلك يسمى غاسلاً لها.
وقد رأيت بعضهم عندما يتوضأ من هذه الصنابير يضع يده ويمدها ويترك الماء يصب عليها دون أن يفركها، وهذا في الحقيقة لا يسمى غسلاً، ما دام أن باستطاعته أن يدلكها ولم يفعل، فإن كان عاجزاً أو مقطوع اليد دلك بقدر المستطاع، ولو بركبته أو ما أشبه ذلك، حتى يتحقق أنه قد غسلها، فإن الذي يترك الصنبور يصب على يده قد يبقى في يده شيء لم يصله الماء، وقد يصله ولكنه لم يبتل به، والقصد من الغسل هو تنظيفه، وذلك إنما يحصل بتبليغ الماء له بدلكه وبفركه ولو مرة واحدة، هذا هو حقيقة الغسل.
والذي يغمس الإناء في الماء ثم يرفعه لا يقال: إنه غسله، حتى يدلكه، والذي يغمس الثوب في الماء ثم يرفعه، يقال: غسله، حتى يدلكه ويفركه، فكذلك غسل الوجه لا يكون إلا بإمرار اليد عليه، وغسل اليد لا يكون إلا بإمرار اليد الأخرى عليها، وغسل الرجل كذلك.
стр. 45
حكم تخليل الأصابع في الوضوء
ومن تمام غسل اليدين أن يخلل أصابع يديه بإدخال بعضهما في بعض حتى يتحقق أن ما بينهما قد تبلل، هكذا قال بعض العلماء، وبعضهم يقول: يكتفي بتحريك أصابعه، فإن تحريكهما يبللهما ويكون ذلك غسلاً لهما.
ولكن التخليل أولى.
стр. 46
وجوب تعميم جميع الرأس بالمسح
أما مسح الرأس فذكر أنه لابد من مسح الرأس كله، وفي هذا الحديث أنه أقبل بيديه وأدبر، والواو هاهنا لا تقتضي الترتيب، والصواب أنه أدبر وأقبل، أي: أنه بل يديه بالماء ثم بدأ بمقدم رأسه -وهو الناصية- ومر بيديه إلى قفاه، يعني إلى مؤخر الرأس، ثم رد يديه إلى المكان الذي بدأ منه، فمرت يداه على جميع رأسه.
ويؤخذ من صفة مسح الرأس في هذا الحديث ما يلي: أولاً: أنه لم يقتصر على بعض الرأس بل مسحه كله.
ثانياً: أنه لم يكمل المسح ثلاثاً بل مسحه مسحة واحدة واكتفى بها.
ثالثاً: أنه أمرَّ يديه على جميع الرأس.
فذلك دليل على تعميم الرأس، وقد ذهب بعض العلماء إلى أنه يكفي مسح جزء يسير من الرأس حتى ولو كان شعرة واحدة، ولكن هذا في الحقيقة لا يسمى مسحاً، وذهب بعضهم إلى أنه يكفي مسح المقدمة التي هي الناصية، وهذا أيضاً ليس بصحيح، بل لابد من تعميم مسح الرأس على ما في هذا الحديث، ولم يأت حديث يدل على الاقتصار على مسح بعض الرأس، إلا حديث المغيرة الذي فيه (أن النبي ﷺ مسح بناصيته وعلى العمامة والخفين) ، وهذا الحديث دل على أنه كان قد أخرج ناصيته، يعني مقدم رأسه، وكان على رأسه عمامة قد شدها، وأحكم شدها فمسح على الناصية وكمل المسح على العمامة ولم يقتصر على الناصية، فلا دلالة في هذا الحديث على الاقتصار على بعض الرأس.
والذين قالوا: إنه يجوز الاقتصار على مسح بعض الرأس، قالوا: إن الباء في قوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة:٦] للتبعيض، فقالوا: المعنى: امسحوا بعض رءوسكم، وهذا ليس بصحيح، بل الباء فيها للإلصاق، أي: ألصقوا المسح برءوسكم، هذا هو الصحيح في معنى هذه الآية، فعرف بذلك أنه لا دليل يوجب الاقتصار على مسح بعض الرأس؛ بل الأصل مسح الرأس كله.
وهذا المسح لا يكرر وذلك لأنه تعبد، ولا يحصل منه تنظيف ولا تنشيط، وقد يكون على الرأس شعر فلم يشرع غسله للمشقة فاكتفي بمسحه لامتثال الأمر، ولإجراء الحكم بأداء هذه العبادة.
стр. 47
مسح الأذنين وغسل الرجلين
أما الرِجلان فذكر أنه غسل رجليه ولم يذكر عدداً، وتقدم في الحديث قبله أنه غسلهما ثلاثاً.
لم يذكر في هذا الحديث الأذنين ولا في الحديث الذي قبله، وقد ذكرنا أن الأذنين يمسحان مع الرأس، وأنه ورد حديث بلفظ: (الأذنان من الرأس) ، وورد كيفية مسح الأذنين بأن يبل إصبعيه السبابة والإبهام، فيدخل السبابتين في الصماخين ويمسح بالإبهامين ظاهر الأذنين، ولا يلزمه أن يتتبع الغضاريف الداخلية للأذان بل يكتفي بمسح الظاهر.
وأما الرجلان فلابد من غسلهما كما تقدم، وقد تقدم الوعيد الشديد على التهاون في غسل الرجلين، وذلك في قوله ﵊: (ويل للأعقاب من النار) ، ففيه التأكيد على غسلهما، وأن الغسل لابد فيه من الدلك والفرك، ولا يسمى غاسلاً إلا إذا دلك المغسول، فيصب الماء على الرجل المغسولة ويدلكها بيده أو بيديه حتى يتأكد من بلوغ الماء إلى جلدة الرجل.
والرِجل هي مظنة الوسخ؛ لأنها تلاقي التراب والغبار ونحو ذلك، فلأجل ذلك يتأكد من تنظيفها ولكن بدون مبالغة وبدون كثرة صب للماء، بل يصب عليها بقدر ما يحصل به النظافة، ويثلثها أيضاً كما تقدم، ويتعاهد أصابع الرجلين، وغالباً أنها تكون متلاصقة فيتعاهد ما بينها، فيخلل ما بين أصابع رجليه بأصابع يديه، وبذلك يحصل تمام الغسل.
стр. 48
الدعاء بعد الفراغ من الوضوء
وبعد الانتهاء من الغسل لم يذكر الدعاء، وقد وردت أحاديث في أن من انتهى من وضوئه فإنه يدعو بما ورد، ومن ذلك التشهد بأن يرفع نظره إلى السماء ويقول: (أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله) ، ورد أن من قال ذلك بعد الوضوء طبع عليها بطابع فلا تفتح إلا يوم القيامة عند الحساب؛ لأنها شهادة بعد أداء هذا العمل، فكأنه يقول: إنني توضأت لله الذي هو الإله الحق، ولا يصلح أن يكون إلهاً غيره، فيستفيد بذلك إخلاص عمله، هذا هو الأصل، ويدعو إذا تيسر له الدعاء بأن يقول مثلاً: (اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين) ، أخذاً من قول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة:٢٢٢] في سورة البقرة، يعني: اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين حتى أكون من الذين تحبهم، وزاد بعضهم: (واجعلني من عبادك المؤمنين الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون) ، وذلك للآيات التي فيها مدح عباد الله بأنه لا خوف عليهم ولا هم يحزنون.
فعلى كل حال هذا هو الوارد.
стр. 49
حكم التسمية قبل الوضوء
لم يذكر في هذا الحديث التسمية قبل الوضوء، وقد وردت في ذلك أحاديث تدل على أنها واجبة، كقوله ﵊: (لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه) ومحلها عند ابتداء غسل اليدين أو عند ابتداء المضمضة، يقول: (باسم الله) ، ويرى بعض العلماء أنها واجبة ولكنها تسقط عن الناسي والجاهل، وأما المتذكر فإنه يأتي بها بقوله: (باسم الله) ، ويكتفي بذلك، وإن أتمها بقوله: بسم الله الرحمن الرحيم، جاز ذلك.
ويسأل كثير من الإخوة فيما إذا توضأ بداخل الحمامات، ففي تلك الأماكن المستقذرة لا يؤتى بذكر الله؛ بل يقتصر على ذكر الله تعالى بقلبه، وقبل أن يدخل يأتي بالبسملة، ولعل ذلك كافٍ، ويستحب أن يستنجي في داخل الحمام، وبعد ذلك يخرج ليؤدي الوضوء خارج الحمام؛ حتى يتمكن من التسمية حيث لا محذور.
стр. 50
حكم الإتيان بأذكار مخصوصة عند غسل أعضاء الوضوء
وأما الأذكار التي عند كل عضو، فقد ذكر بعضها النووي في كتابه الأذكار، وذكر أنه إذا غسل وجهه قال: (اللهم بيض وجهي يوم تبيض وجوه وتسود وجوه) ، وإذا غسل يده قال: (اللهم أعطني كتابي بيميني ولا تعطني كتابي بشمالي) ، فإذا مسح رأسه قال: (اللهم أظلني تحت ظل عرشك) ، وإذا غسل رجليه قال: (اللهم ثبت قدمي على الصراط) ، ولكن هذه الأدعية لا دليل عليها، وإن كانت غير محظورة، وهي أدعية مفيدة لكن تخصيص هذا المكان بها لم يكن وارداً شرعاً.
стр. 51
شرح حديث: (كان رسول الله ﷺ يعجبه التيمن)
قال المصنف ﵀: [عن عائشة ﵂ قالت: (كان رسول الله ﷺ يعجبه التيمن في تنعله وترجله وطهوره وفي شأنه كله) .
وعن نعيم المجمر عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال: (إن أمتي يدعون يوم القيامة غراً محجلين من آثار الوضوء، فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل) ، وفي لفظ لـ مسلم: (رأيت أبا هريرة يتوضأ فغسل وجهه ويديه حتى كاد يبلغ المنكبين، ثم غسل رجليه حتى رفع إلى الساقين، ثم قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن أمتي يدعون يوم القيامة غراً محجلين من أثر الوضوء، فمن استطاع منكم أن يطيل غرته وتحجيله فليفعل) ، وفي لفظ لـ مسلم: سمعت خليلي ﷺ يقول: (تبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء) ] .
стр. 52
مشروعية البدء باليمين في الوضوء
دلالة الحديث الأول، وهو قول عائشة ﵂: (كان النبي ﷺ يحب التيمن في تنعله وترجله وطهوره وفي شأنه كله) ، فيه دلالة على أنه يبدأ بغسل الميامن قبل غسل المياسر، فتقدم اليد اليمنى في الوضوء على اليسرى، وتغسل الرجل اليمنى قبل اليسرى، هكذا كان ﵊ يفعل؛ وذلك لأنه يحب التيمن، والتيمن مشتق من اليُمن، واليُمن: هو البركة وكثرة الخير، فاليمين مقدمة على اليسار، ولذلك فضل الله أصحاب اليمين وجعلهم أهل السعادة، بينما جعل أصحاب الشمال أهل الشقاوة.
стр. 53
مشروعية البدء باليمين في سائر الأمور الفاضلة
وفي هذا إشارة إلى أنه ﷺ كان يحب التيمن في الأمور الفاضلة، ففي الوضوء يغسل اليمنى قبل اليسرى من اليدين والرجلين، وفي الاغتسال يبدأ بغسل شقه الأيمن قبل الأيسر، وكذلك في تنعله، أي: في لبس النعل أو الخف كان يلبس اليمنى قبل اليسرى، وقد ثبت عنه أنه قال: (إذا انتعل أحدكم فليبدأ باليمين -يعني: إذا لبس- وإذا خلع فليبدأ بالشمال، ولتكن اليمنى أولهما تنعل وآخرهما تخلع) ، وإذا دخل المسجد قدم رجله اليمنى، وإذا خرج أخّر رجله اليمنى، لتكون اليمنى أول ما يدخل وآخر ما يخرج، وإذا دخل بيته قدم اليمنى وإذا خرج أخّر اليمنى، لتكون اليمنى أول ما يدخل في البيت فهو أشرف من السوق ونحوه، وإذا دخل بيت الخلاء ونحوه قدم اليسرى، وإذا خرج أخّر اليسرى لتكون اليمنى آخر ما يدخل وأول ما يخرج؛ وذلك لأنه مكان مستقذر فتكرم فيه اليمنى.
كذلك أيضاً في ترجله -أي تسريح شعره- إذ كان له ﷺ شعر يبلغ إلى شحمة الأذن أو إلى العاتق، كان إذا غسله بدأ بغسل شقه الأيمن قبل الأيسر، وإذا رجله بدأ بالأيمن قبل الأيسر.
وهكذا أيضاً في لبس الثوب يدخل كم اليد اليمنى قبل اليسرى، وكذا في السراويل وأشباه ذلك، ولا شك أن القصد من ذلك كله تكريم اليد اليمنى، وهكذا أيضاً في الأكل، فقد شرع الأكل باليمنى؛ وذلك لأنها محل اليُمن والبركة والخير، وأمر بالمصافحة باليد اليمنى، وكذلك الأخذ والإعطاء فقال ﵇: (إذا أكل أحدكم فليأكل بيمينه، وإذا شرب فليشرب بيمينه، فإن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله) .
وكان يأخذ بيمينه ويعطي بيمينه، ويصافح بيمينه، كل ذلك لأجل تفضيل اليمين.
стр. 54
استخدام الشمال في الشئون المستقذرة
وجعل اليد اليسرى للأشياء المستقذرة، ونهى أن يستنجى باليمين، كما سيأتي في قوله ﷺ : (لا يمسكن أحدكم ذكره بيمينه وهو يبول ولا يتمسح من الخلاء بيمينه) ، فجعل ذلك لليد اليسرى؛ لأن هذا شيء مستقذر.
فاليمين مشتقة من اليمن وهو البركة وكثرة الخير، فالشرع جاء بتقديم اليمين في الأشياء المحبوبة، وجعل الشمال للأشياء المستقذرة كالاستنجاء والاستجمار والامتخاط وإزالة الأقذار وما أشبه ذلك، وكل منهما يد ولكن اليمنى تقدم تفاؤلاً باليمن والبركة والخير.
стр. 55
الإنكار على من يستعمل الشمال في الطيبات ويترك اليمين
وقد أنكر النبي ﵇ على رجل رآه يأكل بشماله فقال: (كل بيمينك، قال: لا أستطيع، فقال: لا استطعت، ما منعه إلا الكبر) ، فعوقب ذلك الرجل بأن أجيبت دعوته ﵇ فيه فلم يستطع بعد ذلك أن يستعمل يمينه في الأكل ولا في غيره، عقوبة له لما امتنع وتكبر عن الأكل باليمين، وقد رأينا وسمعنا كثيراً من الذين خالفوا هذه السنة والشريعة فصار أحدهم يأكل ويشرب بشماله ولا يبالي بالإرشادات النبوية، وربما أن بعضهم يفضل العمل بها ويدعو إلى ذلك، ويذكر أن الذين يعملون بالشمال نجحوا في أعمالهم وأنهم وأنهم، ولا شك أن هذا مصادمة للشريعة، وطعن في تعاليم الإسلام.
فعلى المسلم أن يتجنب أولئك وأن يعمل بالشريعة بقدر المستطاع.
стр. 56
حكم تقديم شمائل الأعضاء قبل ميامنها في الوضوء
وتقديم اليمين على اليسار في الوضوء من السنن والمكملات، ولو أن شخصاً غسل يساره قبل يمينه ارتفع الحدث عنه ولم يؤمر بالإعادة، سواء في اليدين أو في الرجلين، ولكنه ترك الأفضل والسنة، فالسنة والأفضلية في تقديم اليمين كما تقدم في سائر الأشياء المحبوبة.
стр. 57
شرح حديث: (إن أمتي يدعون يوم القيامة غراً محجلين)
أما الحديث الثاني في صفة الوضوء فقد جاء عن نعيم المجمر، وهو من التابعين، وكان يجمر المسجد، يعني: يطيبه بالدخنة، فيأتي بالجمر وبالدخنة التي يطيب بها المسجد فاشتهر باسم نعيم المجمر، وقد روى عن أبي هريرة صفة الوضوء، فنقل أن أبا هريرة لما توضأ غسل يديه إلى العضد حتى كاد أن يبلغ إلى المنكب، وغسل الرجلين فرفع حتى غسل نصف الساق أو نحو ذلك.
стр. 58
معنى الغرّة والتحجيل ومفهوم الزيادة فيهما
وقوله ﷺ : (إن أمتي يدعون يوم القيامة غراً محجلين) ، الغرة: بياض الوجه، والتحجيل: بياض اليدين والرجلين.
وقد صح هذا الحديث عنه ﷺ من عدة طرق، وأخبر بأن أمته تعرف بين الأمم ببياض الوجوه وببياض اليدين والرجلين، فالذين يحافظون على الوضوء، ويحافظون على الطهارة، ويحافظون على الصلاة، تكون لهم علامة وميزة يتميزون بها، وهو أنهم يأتون بيض الوجوه، وهو معنى الغرة، كما يأتون بيض الأيدي والأرجل، وهو معنى التحجيل.
فأخذ أبو هريرة من هذا الحديث أنه يستحب أن تطول الغرة ويطول التحجيل، ولكن الغرة لا يمكن تطويلها؛ لأن الوجه يغسل كله فلا يمكن أن يزاد فيه، وكذلك يمسح الرأس ولا يزاد فيه الرقبة؛ لأنها لا تمسح ولا تغسل على الصحيح، فالذي يغسل هو الوجه كله، وهو الذي يكون بياضه غرة، فلا يمكن إطالة الغرة ولا الزيادة فيها، ولا يجوز النقص منها، ولا يجوز أن يقتصر على بعض الوجه ولا أن يغسل الرأس، فالرأس فرضه المسح كما هو معروف.
وقد اجتهد أبو هريرة فغسل بعض العضد، وغسل بعض الساق، وقصد بذلك أن يكون البياض في اليدين أطول، فلا يقتصر التحجيل على بياض الذراع وبياض القدم، بل يكون العضد أبيض، وكذلك الساق.
وقد استدل أبو هريرة بهذا الحديث، واستدل أيضاً بقوله ﵊: (تبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء) ، والحلية: هي الزينة التي يحلى بها أهل الجنة، فقد ذكر الله أنهم: ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ [فاطر:٣٣] ، فمعناه أن أهل الجنة يحلون -بمعنى: يلبسون- حلياً للزينة وللكرامة، وتلك الحلي تكون في اليد وفي العضد ونحو ذلك، فالحلية تكون إلى منتهى الوضوء، فاستحب بعض العلماء أنه إذا توضأ يغسل بعض العضد ويغسل بعض الساق حتى يكون البياض أكثر.
стр. 59
قوله: (فمن استطاع أن يطيل غرته) مدرج وليس من الحديث
وعلى الصحيح فإن آخر الحديث الوارد عن أبي هريرة وهو قوله: (فمن استطاع أن يطيل غرته وتحجيله فليفعل) ، مدرج من كلام أبي هريرة، والحديث المرفوع انتهى عند قوله ﵊: (إن أمتي يدعون يوم القيامة غراً محجلين) ، فيعرفهم نبيهم ﷺ بهذه العلامة إذا وردوا عليه الحوض، فإن علامتهم بارزة ظاهرة يعرفهم ويميزهم من بين من ليسوا من أمته، سواء كانوا ممن لم يدخل في الإسلام من هذه الأمة، ولم يطبق شريعة الإسلام ولم يأت بهذه الطهارة، أو من الأمم غيرهم، فيتميزون عن غيرهم بالغرة والتحجيل، فهو ﵇ قائد الغر المحجلين.
وبكل حال نقول: إن هذه الأمة تميزت بهذه الميزة الظاهرة، فمن استطاع أن يطيل غرته وتحجيله فليفعل.
стр. 60
حكم الزيادة في غسل الأعضاء
ذهب بعض من العلماء إلى أنه يستحب أن يزاد في غسل الأعضاء، فيغسل بعض العضد ويغسل بعض الساق حتى يكون البياض أكثر.
وذهب آخرون إلى أنه لا حاجة إلى الزيادة، وأن الرسول ﵊ لم يذكر هذه الزيادة ولا فعلها، وإنما أخبر بعلامة أمته في الآخرة، وأن الله يكرمهم بأن يجعل لهم ميزة يتميزون بها وهي الغرة والتحجيل، ويكرمهم أيضاً إذا دخلوا الجنة بأن يحليهم بالذهب في الموضع الذي يبلغه الوضوء، فتحلى أيديهم إلى منتهى الوضوء؛ سواء إلى العضد أو إلى منتهى الذراع، فهذه ميزة وكرامة ميز الله بها هذه الأمة.
ومعنى ذلك أن من لم يكن من المحافظين على هذه الطهارة فلا حظ له في هذه العلامة، ومن لم يكن محافظاً على هذه الصلاة لم يكن من الذين يحضون بالعلامة الأخرى وهي موضع السجود، فقد ذكر النبي ﷺ أن من دخل النار من أهل الصلاة لم تأكل النار منه مواضع السجود فقال: (إن الله حرم على النار أن تأكل أثر السجود) ، فمن لم يكن من أهل السجود في الصلاة لم يحض بهذه العلامة، وهذا دليل على أهمية هذه الطهارة وهذه الصلاة، وأن الذين يحافظون على الطهارة يحضون بعلامة بارزة ظاهرة، وأن الذين يحافظون على الصلاة يعتق الله أعضاءهم من النار حتى ولو عذبوا، فيكونون إلى النجاة ولو دخلوا النار بسيئات وبأعمال اقترفوها.
إذاً يستحب عند بعض العلماء أن يغسل إلى نصف الساق أو ربع الساق، وأن يغسل إلى نصف العضد أو نحو ذلك، وإذا لم يفعل واقتصر على ما أمر الله به في قوله: ﴿إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة:٦] ومنتهى الكعب هو مستدق الساق، وإلى المرفقين، وبمعنى: يغسل المرفقين ويدير الماء عليهما، فإذا فعل ذلك فقد كفى إن شاء الله وحصل على المطلوب، وهو رفع الحدث.
فالواجب على المسلم أن يفعل المأمور به ويحرص على المندوب، فعندنا مأمور به وهو مفروض واجب، وعندنا مسنون أي من سنن الوضوء، فالحرص عليه والعمل به يكون من تمام العبادة ومن أسباب قبولها إن شاء الله.
стр. 61
الأسئلة
стр. 62
الجمع بين رواية: (أولاهن بالتراب) ورواية: (وعفروه الثامنة بالتراب)
السؤال
كيف نوفق بين قوله: (سبعاً أولاهن بالتراب) وقوله: (وعفروه الثامنة بالتراب) ؟
الجواب
التوفيق أن الغسلة الأولى تعد عن اثنتين؛ لأن فيها ماءً وتراباً، فتكون غسلة من حيث أنها مرة واحدة، وغسلتين من حيث أنه اجتمع فيها الماء والتراب.
стр. 63
طهارة الإناء إذا ولغ فيه الخنزير
السؤال
هل حكم الخنزير مثل حكم الكلب إذا ولغ في الإناء؟
الجواب
من العلماء من جعله مثله أو أشد منه لأنه نجس العين، ولكن إذا نظرنا إلى الحكمة وإلى ما يتعلق بنجاسة الريق ولزوجته فإننا نجعله خاصاً بالكلب؛ لأن الكلب هو الذي في لعابه لزوجة، وهذه اللزوجة ليست موجودة في الخنزير ولا في غيره، حتى قالوا: إن بول الكلب كسائر النجاسات، فيغسل حتى يزول أثر النجاسة -وهو في ذلك كبول الآدمي وغيره- ولا يلزم التقييد فيه بغسله سبع مرات أو أقل أو أكثر، ولا بوجود التراب في أول الغسل أو آخره.
стр. 64
متى يستخدم التراب في أول الغسل أم في آخره ؟
السؤال
إذا ولغ الكلب في الإناء فهل يكون التراب في أول غسلة أم في آخر غسلة؛ لأنه قد جاء في بعض ألفاظ الحديث: (أولاهن) وفي بعضها: (أخراهن) ؟
الجواب
يدل هذا على الجواز، بمعنى أنه يجوز أن تكون أولاهن وأن تكون أخراهن، ولكن نختار الأولى حتى لا يحتاج إلى غسلة تاسعة؛ لأن التراب إذا كان في الثامنة احتيج إلى تاسعة ليزال بها أثر التراب.
стр. 65
شرح عمدة الأحكام [٢]
الإسلام خير الأديان نظافة وآداباً، ولم يترك رسول الله ﷺ لأتباعه أمراً إلا بينه لهم، حتى آداب قضاء الحاجة وما يتعلق بها من التباعد عن النجاسات ونحو ذلك.
стр. 66
شرح حديث: (اللهم إني أعوذ بك من الخبث)
قال المصنف ﵀: [باب دخول الخلاء والاستطابة: عن أنس بن مالك ﵁: (أن النبي ﷺ كان إذا دخل الخلاء قال: اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث) ، وعن أبي أيوب الأنصاري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة بغائط ولا بول ولا تستدبروها، ولكن شرقوا أو غربوا، قال أبو أيوب: فقدمنا الشام فوجدنا مراحيض قد بنيت نحو الكعبة فننحرف عنها ونستغفر الله ] .
هذا الباب من تمام الطهارة، يعقده العلماء في مؤلفاتهم لمسيس الحاجة إليه، ولو كان شيئاً طبيعياً عادياً، ولو كان شيئاً مما يستحيا من ذكره، ولكن لا حياء في الدين، والله لا يستحي من الحق، وهذا الباب يتعلق به أحكام وأدعية لابد من معرفتها؛ فلأجل ذلك بينه الرسول ﷺ لأصحابه وعلمهم كيفية ذلك.
وثبت في صحيح مسلم: أن اليهود قالوا لـ سلمان الفارسي: (علمكم نبيكم كل شيء حتى الخراءة -يعني: حتى ما تفعلونه عند التخلي- فقال: نعم، والله لقد نهانا أن نستقبل القبلة ببول أو غائط، ونهانا أن نستنجي باليمين، وأن نستجمر بها، وأن نمس عوراتنا باليمين، وأن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار) ، فبين لهم صحة ما قالوا وأن في ذلك علماً وفائدة.
فالأحكام التي بينها النبي ﷺ في هذا الباب كلها ذات أهمية، وكذلك الأدعية التي يدعى بها.
كذلك أيضاً نقول: إن الله علم نبيه ﷺ ونبيه علم أمته، وهذه التعاليم تعاليم لها أهميتها.
فمنها ما يتعلق بالأدعية التي فيها حفظ الإنسان من الشرور.
ومنها ما يتعلق بالآداب التي فيها حفظ للإنسان من النجاسة.
ومنها ما يتعلق بالأحكام التي فيها الامتثال وتعظيم حرمات الله .
فهذا الحديث الأول يتعلق بالأدعية.
وقد ثبت في الحديث أن النبي ﷺ قال: (إن هذه الحشوش محتضرة) ، (محتضرة) يعني: تحضرها الشياطين، فأمر بأن يتحصن الإنسان من الشياطين بذكر الله، ومعلوم أن الشياطين تألف الأماكن المستقذرة، وتألف الأماكن النجسة، فإذا لم يتحفظ الإنسان من الشياطين عبثت به، وورد أيضاً في بعض الأحاديث أن الشياطين تلعب بمقاعد بني آدم، فإذا لم يتحفظ منها ولم يتحصن منها عبثت به فأوقعته في نجاسة أو في خبث حسي أو معنوي، والحسي يتمثل بأن يتقذر بالنجاسة ولا يبالي، وأما معنوي فبأن يوسوس ويتوهم ويقع في وساوس شيطانية تدوم معه، فلأجل ذلك أمر بالاستعاذة وبذكر اسم الله تعالى.
стр. 67
ما يقال عند دخول الخلاء ومعنى الخبث والخبائث
والثابت عند الدخول إلى الخلاء أن يذكر اسم الله للتحصن، وأن يدعو بهذا الدعاء فيقول: (بسم الله) ، يعني أتحصن وأتحفظ باسم ربي ليحصنني ويحفظني من كل سوء ومن كل شر.
ثم يقول: (أعوذ بالله من الخُبْث -أو من الخُبُثْ- والخبائث) .
والخُبُث: الذكور، والخبائث: الإناث.
أو الخُبْث يعني: الشر، والخبائث: الأشرار.
فيستعيذ من ذكران الشياطين وإناثهم، أو من الشر وأهل الشر.
هذا هو المعنى في هذه الجملة، فكأنه يقول: أعوذ بك يا ربي! وأتحفظ بك وأتحصن بك وأستجير بك من الشرور ومن أهل الشرور، فإذا قال ذلك وهو صادق حماه الله وحفظه من شر هذه الشياطين.
وقد ورد زيادة في بعض الروايات أنه يقول: (أعوذ بالله من الخبث والخبائث ومن الرجس النجس الشيطان الرجيم) فيخصص بعدما يعمم، فنقول: (من الرجس النجس) ، الرجس والنجس معناها واحد، ثم فسره بأنه الشيطان الرجيم، فخص الشيطان بعدما عم الشر وأهل الشر، أو الذكران والإناث من الشياطين، سواء من شياطين الجن أو مردتهم أو من شياطين الإنس، فيكون قد استعاذ من الشر وأهله.
стр. 68
الإتيان بدعاء دخول الخلاء قبل دخوله
هنا مسألة: متى يقول هذا الذكر؟ يقوله عندما يريد أن يدخل بيت الخلاء؛ لأنه لا يستحب أن يقوله في نفس المكان المعد للتخلي؛ لأنه مكان مستقذر، فتنزه أسماء الله أن يؤتى بها في ذلك المكان، وإن كان يجوز أن يذكر الله بقلبه.
فيكون الذكر المشروع عند دخول الخلاء: أولاً: التسمية.
ثانياً: الاستعاذة من الخبث والخبائث ومن الرجس النجس الشيطان الرجيم.
стр. 69
ما يقال عند الخروج من الخلاء
أما عند الخروج من الخلاء فإنه يقول: (غفرانك) ، كما ورد في بعض الأحاديث، ومناسبة طلب المغفرة أنه لما أحس بخفة من ثقل الأذى تذكر ثقل الذنوب فسأل الله المغفرة، فقال: أسألك تخفيفاً من الذنوب كما خففتني من الأذى.
وقد ورد أيضاً أنه ﵊ كان يقول بعد الخروج: (الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني) ، وفي بعض الروايات أو بعض الأحاديث أنه كان يقول: (الحمد لله الذي أذاقني لذته وأبقى فيَّ منفعته وأذهب عني أذاه) وكل ذلك اعتراف بفضل الله تعالى ونعمته.
فيكون الدعاء عند الدخول بالاستعاذة من الشيطان، وعند الخروج بحمد الله تعالى وشكره على ما أنعم به على عبده، وهذا ما يتعلق بما يأتي به في هذا المكان من الأدعية.
стр. 70
شرح حديث: (إذا أتيتم الغائظ فلا تستقبلوا القبلة)
أما الحديث الثاني فجاء به لأجل تبيين كيفية الجلوس أثناء قضاء الحاجة، فأخبر بهذا الحديث لأن النبي ﷺ يحترم الكعبة المشرفة التي هي قبلة الصلاة، فنهاهم أن يستقبلوها بغائط أو بول، وأمرهم بأن يستقبلوا المشرق أو المغرب، حتى تكون القبلة عن يمين أحدهم أو عن يساره؛ وذلك لأنه يخاطب أهل المدينة، وأهل المدينة يستقبلون الجنوب ويستدبرون الشمال في الصلاة، فيكون المصلي قد جعل المشرق عن يساره والمغرب عن يمينه، فأمرهم في التخلي أن يجعلوا القبلة عن يمين أحدهم أو عن يساره، إما أن يشرقوا فتكون القبلة عن اليمين، أو يغربوا فتكون القبلة عن اليسار، فلا يستقبلون القبلة فيجعلونها أمامهم وهم يقضون الحاجة، ولا يستدبرونها فيجعلونها خلف ظهورهم عند ذلك التخلي؛ احتراماً للقبلة التي هي قبلة المصلي، فتنزه هذه الجهة التي هي قبلة الصلاة عن أن يستقبلها الإنسان في حالة التخلي، هكذا أرشدهم ﵊.
стр. 71
عموم النهي عن استقبال القبلة عند قضاء الحاجة في الأبنية وغيرها
وهذا الحديث عام في جميع الحالات، وقد عمل به الصحابة، فهذا أبو أيوب راوي الحديث يقول: (فقدمنا الشام فوجدنا مراحيض قد بنيت نحو الكعبة فننحرف عنها ونستغفر الله ، لما فتحت الشام في عهد عمر دخلها المسلمون واستوطنوها، وصارت أماكن التخلي في داخل البيوت بخلاف أهل المدينة، فإن أهل المدينة كانوا في قرية وكانوا يقضون حوائجهم في البقيع، فيذهب أحدهم إلى خارج البلد ويقضي حاجته في الصحراء، ولكن لما توسعت المدن احتاجوا إلى أن يجعلوا بيوت الخلاء في داخل الدور، لبعد الصحراء التي كانوا يتخلون فيها، كما في هذه البلاد وغيرها، حيث أصبحت أماكن التخلي في داخل البيوت، وهي التي تسمى بالحمامات، وقديماً كانت تسمى صهاريج أو نحو ذلك، وتسمى أيضاً مراحيض ودورات مياه أو بيوت خلاء أو كُنُف، وهي: جمع كنيف، وهي الأماكن المعدة لقضاء الحاجة.
فنهوا أن يستقبلوا القبلة أو يستدبروها ببول أو بغائط، فيقول أبو أيوب: لما قدمنا الشام وجدنا المراحيض، أي المقاعد وجدناها مهيأة ومركبة باتجاه القبلة، فلم نتجرأ أن نجلس فيها، فصار أحدنا إذا جلس انحرف عن يمينه أو عن يساره واستغفر الله عما يقع فيه من الخطأ ونحو ذلك، وذلك دليل على أنهم عمموا الحكم واعتقدوا أن المنع عام في داخل البيوت كالحمامات، وفي خارجها كالصحاري ونحوها، فالحكم فيها على عمومه ليس له مخصص، هذا هو الذي فهمه هذا الصحابي ﵁.
وقد أباح بعض العلماء استقبال القبلة أو استدبارها إذا كان في داخل المباني أو نحوها، واستدلوا بحديث ابن عمر الذي ذكر بعد هذا الحديث، ولكن الصحيح أن الحكم عام، وهو الذي رجحه الأئمة كشيخ الإسلام ابن تيمية وابن حزم في (المحلى) والأئمة الثقات المعلومون المشهورون، وقد اعتذروا عن الأحاديث التي فيها شيء من الرخصة بأنها محمولة على وجود عذر، أو لأنها من الخصائص أو نحو ذلك، فعلى الإنسان أن ينتبه إذا دخل الخلاء، فمتى كان موجهاً للقبلة فإن عليه أن ينحرف ويميل عنها قليلاً حتى لا يستقبل القبلة ولا يستدبرها، وكذلك أيضاً يُنتبه عند تأسيس الدورات ألا تكون مستقبلة القبلة حتى لا يعتقد من يدخلها أن ذلك جائز؛ لأن الأحاديث عامة، كما فهم ذلك أبو أيوب من هذا الحديث، وكما هو ظاهر في عمومات النصوص التي فيها النهي عن استقبال القبلة ببول أو غائط، وكذلك حديث سلمان: (نهانا أن نستقبل القبلة ببول أو غائط وأن نستدبرها) .
وهذا لأجل احترام جهة القبلة التي هي جهة المصلي؛ لأنها أشرف الجهات وأفضلها، هذا هو الاحتياط في هذا الباب، وإن كان قد رخص أكثر العلماء في استقبال القبلة واستدبارها إذا كانت المراحيض في داخل البناء، ولكن الأحوط والأرجح هو العمل بالعموم.
стр. 72
شرح حديث: (رأيت النبي ﷺ يقضي حاجته مستقبل الشام)
قال المصنف ﵀: [وعن عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄ قال: (رقيت يوماً على بيت حفصة فرأيت النبي ﷺ يقضي حاجته مستقبل الشام مستدبر الكعبة) .
وعن أنس بن مالك ﵁ أنه قال: (كان رسول الله ﷺ يدخل الخلاء فأحمل أنا وغلام نحوي معي إداوة من ماء وعنزة فيستنجي بالماء) ، والعنزة: الحربة الصغيرة.
والإداوة: إناء صغير من جلد.
وعن أبي قتادة الحارث بن ربعي الأنصاري ﵁، أن النبي ﷺ قال: (لا يمسكن أحدكم ذكره بيمينه وهو يبول، ولا يتمسح من الخلاء بيمينه، ولا يتنفس في الإناء) ] .
هذه الأحاديث تتعلق بقضاء الحاجة، وقد عرفنا أن الشرع الشريف تطرق إلى كل شيء تمس إليه الحاجة، ولا شك أن مما تمس إليه الحاجة أمور الطهارة، ولا شك أن الأقذار من البول ونحوه نجسة العين، فالشرع جاء بتعليم الإنسان كيف يتوقاها، وكيف يتطهر منها، وعلمه أيضاً كيف يجلس وكيف يتنزه وما أشبه ذلك، مما يدل على كمال هذه الشريعة وتضمنها لكل ما تمس إليه الحاجة، وقد ذكرنا أن اليهود قالوا لـ سلمان: (علمكم نبيكم كل شيء حتى الخراءة.
قال: نعم، لقد نهانا أن نستقبل القبلة ببول أو غائط، وأن نستنجي باليمين، وأن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار) .
وتقدم لنا في حديث أبي أيوب قوله ﷺ : (لا تستقبلوا القبلة ببول ولا غائط ولا تستدبروها، ولكن شرقوا أو غربوا، قال أبو أيوب: فقدمنا الشام فوجدنا مراحيض قد بنيت نحو الكعبة فننحرف عنها ونستغفر الله ، وأخذنا من هذا الحديث أنه لا يجوز استقبال القبلة ولا استدبارها حالة التبول ونحوه، سواء في داخل البيوت أو خارجها، حيث إن أبا أيوب فهم الأمر على الإطلاق، فصار هو والصحابة إذا دخلوا تلك المراحيض وتلك المقاعد المبنية نحو الكعبة ينحرفون عنها ويخالفون ما بنيت عليه.
стр. 73
اختلاف العلماء في حكم استقبال القبلة واستدبارها داخل البناء
وقد ذهب بعض العلماء إلى أنه يجوز الاستدبار في داخل البيوت أو الاستقبال، واستدلوا بحديث ابن عمر، حيث ذكر أنه رأى النبي ﷺ مستدبر القبلة مستقبل الشام، وكان ذلك في المدينة، وعليه فتكون القبلة في جهة الجنوب والشام في جهة الشمال، فهو يقضي حاجته مستقبل الشام مستدبر القبلة.
فجاء عن بعض العلماء أنه قال: يجوز الاستدبار فقط أخذاً بهذا الحديث، وبعضهم قال: لا يجوز الاستقبال ولا الاستدبار، وحملوا هذا الحديث على أنه من خصائص النبي ﷺ ، وبعضهم قال: يحمل هذا على البنيان، ويحمل حديث أبي أيوب ونحوه على الصحراء، فإذا كنت في الصحراء فلا تستقبل القبلة ولا تستدبرها، وإذا كنت في داخل البيوت فلك ذلك، جمعاً بين الأدلة، ولكن الراجح من حيث الدليل عموم النهي في الأدلة الموجهة إلى الأمة، وأن هذا الحديث يعتبر من خصائص النبي ﷺ .
ويمكن أن يكون هناك عذر، حيث إنه لو شرق أو غرب لكان مقابلاً للمارة أو الناس، ويمكن أن يكون استدباره للكعبة ليس استدباراً كلياً بل يكون مائلاً عنها يمنة أو يسرة.
فالحاصل: أن أحاديث النهي عامة موجهة إلى الأمة، فالأحوط للإنسان ألا يستقبل ولا يستدبر حتى في داخل البيوت، وإذا بنيت المراحيض موجهة إلى الكعبة أو مستدبرة لها فإن عليك أن تنحرف يمنة أو يسرة ولو قليلاً، حتى لا يصدق عليك الاستقبال ولا الاستدبار، ولعل ذلك تشريف لجهة القبلة التي هي جهة الصلاة، والتي هي جهة بيت الله الحرام، فيشرف وينزه عن أن يستقبل في هذه الحالة المستقذرة، وهذا هو الراجح من حيث الدليل.
стр. 74
شرح حديث أنس في إثبات استنجاء النبي بالماء بعد قضاء الحاجة
ومن الأحاديث في هذا الباب حديث أنس في الاستنجاء، فقد ذكر أنه كان إذا دخل النبي ﷺ للخلاء أو ذهب ليتخلى حمل إداوة من ماء وعنزة ليستنجي بها النبي ﷺ ، فقوله: (يدخل الخلاء) يعني: يذهب للتبول أو للغائط، وقوله: (أحمل أنا وغلام نحوي) أي: مثلي ومقارب لي في السن، وذكر أن هذا الغلام من الأنصار، فيحمل أحدهما الإداوة مرة والآخر يحمل العنزة، ومرة يكون العكس.
والإداوة: قدح يتخذ للشرب يصنع من حجارة أو يصنع من خشب أو من صفر أو نحاس.
والعنزة: هي العصا التي في رأسها حديدة، وهي الحربة الصغيرة، والفائدة من العنزة إما أنه يحفر بها الأرض حتى يلين التراب إذا وقع البول عليه حتى يأمن رشاشه، أو أنها تركز ويجعل عليها ستر يستتر به، أو نحو ذلك.
стр. 75
مشروعية الاستنجاء أو الاستجمار بعد قضاء الحاجة، وأفضلية الجمع بينهما
ذكر في هذا الحديث أن النبي ﷺ كلما ذهب إلى الخلاء تبعه غلام بماء ليستنجي به ويتبع أحيانا ًبعنزة ليستتر بها، وقد فعل ذلك مع النبي ﷺ كثير من الصحابة: فتبعه ابن عباس بماء مراراً، وكذلك المغيرة بن شعبة، وكذلك أبو هريرة وغيرهم، وأحياناً لا يذكرون الماء، وإنما يذكرون أنه يطلب منهم حجارة يستجمر بها، كما نقل ذلك ابن مسعود وأبو هريرة، وفي هذا دليل على الاكتفاء بالاستجمار ودليل على الاكتفاء بالاستنجاء أحياناً والأفضل الجمع بينهما إذا تيسر.
والاستجمار: هو مسح أثر الغائط بالحجارة ونحوها ليزول جرم النجاسة، والاستنجاء: غسل أثرها بالماء حتى يطهر المكان، فإذا تيسر الجمع بينهما قدم الاستجمار ثم أتبعه الاستنجاء، وإن اقتصر على أحدهما فالاقتصار على الاستنجاء أفضل؛ لأن الماء ينقي أكثر مما ينقي التمسح.
والاستجمار أكثر ما يستعمل فيه الحجارة، ولكن قد يكتفى بكل ما يزيل أثر النجاسة، ومما يستعمل لذلك في هذه الأزمنة المناديل الورقية ونحوها، فإنها تكفي في إزالة أثر النجاسة وتنقية المكان، فإذا نظف المكان بإزالة أثره وبمسحه بهذه المناديل أو نحوها طهر المكان ولم يحتج إلى غسل، وإن غسل فمن باب الزيادة في الطهارة ومن باب النظافة وإزالة أثر النجاسة إزالة كلية.
وإن لم يحصل المسح بالأحجار ولا بالمناديل ونحوها وغسل بالماء اكتفي بذلك.
والغسل: هو أن يصب الماء ويدلك باليد اليسرى إلى أن يعود المكان إلى خشونته ويزول أثر النجاسة ولزوجتها ورائحتها ونحو ذلك، والاستنجاء يكون بالماء والاستجمار بالأحجار.
وقد ورد الجمع بينهما في قصة أهل قباء الذين أنزل الله فيهم قوله تعالى: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ [التوبة:١٠٨] ، فسُئلوا: ما هذه الطهارة؟ فأخبروا بأنهم يتبعون الحجارة الماء، أي: يتمسحون بالحجارة لتزيل جرم النجاسة ثم يغسلون فروجهم بالماء ليزيل الماء أثرها، فمدحوا بذلك، وجعلت هذه هي الطهارة: ﴿يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ [التوبة:١٠٨] ، وحيث ثبت الاستنجاء في حديث أنس وفي غيره من الأحاديث وأنه يقتصر عليه، وأكثر الناس يقتصرون على الاستنجاء الذي هو الغسل، ولكن قد يبالغ كثير من الناس في الغسل بالماء، ويوسوس إليه الشيطان أنه لم ينظف المحل، فيمضي عليه زمن طويل وهو يغسله ويخيل إليه أنه لم ينظف.
وقد ذكر بعض العلماء أن الغسل لا يكون بأكثر من سبع غسلات، ولكن الأولى أن يقال: إنه يغسل الدبر إلى أن يعود إلى خشونته وتزول عنه لزوجة الغائط ونحوه، هذا هو الأصل، ولا حاجة إلى عدد، فقد ينظف بأقل من سبع، وقد يحتاج بعض الناس إلى أكثر، ولكن لا يبالغ ولا يتمادى مع الوساوس والأوهام.
следующие страницы →