← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 7723

شرح عمدة الأحكام لابن جبرين

ابن جبرين

Полный текст (1 083 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

شرح عمدة الأحكام [١] لا يقبل الله صلاة بغير وضوء، ولا يصح وضوء ما لم يقم المرء بواجباته، وقد بين رسول الله ﷺ ذلك للناس وعلمهم كيفيته.

стр. 2

شرح حديث: (إنما الأعمال بالنيات) بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. وبعد: قال المصنف رحمه الله تعالى: [عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إنما الأعمال بالنيات -وفي رواية: بالنية- وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه) . وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ) ] . الحديث الأول من كتاب الطهارة حديث عمر المشهور، والأحاديث في هذا الكتاب كلها من صحيحي البخاري ومسلم. فهذا الحديث هو أول ما بدأ به البخاري صحيحه، استفتح به للدلالة على حسن النية وجعله قائماً مقام الخطبة للكتاب. يقول ﷺ في هذا الحديث: (إنما الأعمال بالنيات) ، وفي رواية: (إنما الأعمال بالنية) ، وفي رواية: (الأعمال بالنيات) ، وأراد المؤلف بذلك أن النية من شروط الطهارة كما أنها من شروط بقية الأعمال، فإن الطهارة للصلاة عمل، وكل عمل لا بد له من نية، وإذا صحت النية صح العمل، وإذا فسدت فسد العمل، كما روي عن بعض السلف أنه قال: كم من عمل صالح أفسدته النية، وكم من عمل فاسد أصلحته النية يعني: أن الإنسان إذا كانت نيته صادقة ولكن فاتته معرفة كيفية العمل، فعمل على حسب معرفته ووسعه أثابه الله بقدر نيته. وكذلك لو أنفق نفقة ولم ينو بها شيئاً، ثم نوى بها خيراً فإن الله يثيبه على نيته.

стр. 3

اشتراط النية في الطهارة ورد في النية كلام كثير معروف في كتب الحديث، ولكن لما كان الباب متعلقاً بالطهارة فإننا لا نتكلم إلا على نية الطهارة التي نحن في سياقها، فنقول: تشترط النية لكل الأحداث، ورفع الحدث يكون بالوضوء ويكون بالغسل ويكون بالتيمم، وهذه لا بد لها من نية، ولا تشترط النية لإزالة الأخباث، فالذي يغسل وجهه بنية التبرد أو إزالة النعاس لا يكفيه ذلك عن رفع الحدث، ولو أن إنساناً محدثاً غسل وجهه لإزالة النعاس وغسل يديه للنشاط ثم تذكر أن عليه حدثاً فأراد أن يكمّل، فلا يكفيه هذا الغسل، بل لا بد أن يغسل كل عضو بنية رفع الحدث؛ لأن الحدث أمر معنوي، والأمور المعنوية لا بد فيها من النية، فلابد أن يغسل الأعضاء بنية رفع الحدث لا بنية التبرد ولا بنية النشاط ولا بنية إزالة النعاس أو ما أشبه ذلك بل بنية الطهارة. وقد سمعنا أن بعض الناس يتشدد في أمر النية، وهذا التشدد يكون غالباً وسوسةً من الشيطان ليشككه، فيغسل مثلاً وجهه ويديه، ثم يأتيه الشيطان فيقول: إنك نسيت النية، فيعيد غسلهما مرة ثانية، فإذا غسل يديه قال له: إنك سهوت عن نية غسل اليدين، إنما نويت الوجه فبطل غسل اليدين، فأعد غسلهما، فيعيد وهكذا ربما يعيد خمس مرات أو أكثر، وربما يعيد بعدما ينتهي مراراً، ولا شك أن هذا من الوسوسة التي ينبغي اطراحها. يقول العلماء: إن النية ملازمة للإنسان، وأنه يستحيل أن يعمل عملاً بدون نية. فمثلاً: الاغتسال إما أن ينوي به التبرد أو التنظف أو النشاط أو رفع الحدث، فلا بد من نية، فلا يمكن أن يغتسل وهو غافل لا يدري لأي شيء يغتسل، فما دام أن النية ملازمة للعمل فيعتبر فيها بما قاله وما قصده قلبه، ومن الدليل على أن الإنسان ينوي في جميع أعماله: أنك لو سألته وهو ذاهب إلى الحمام: ماذا تريد؟ لقال: أتوضأ أو أرفع الحدث أو أغتسل أو أتطهر، فعرف بذلك أنه قد نوى ولو كان قلبه غافلاً ولو كان فكره شاذاً في حالة مشيه، فلا بد أن تكون هناك نية موجودة. فلينتبه أولئك الذين يأتيهم الشيطان ويوسوس لهم أنهم قد نسوا النية ويأمرهم بالإعادة، يأتيهم في الوضوء ويأتيهم في الغسل، لدرجة أن أحدهم يبقى في الاغتسال ساعة أو أكثر، وكلما غسل عضواً جاءه الشيطان وقال: أعد فإنك ما نويت، فيتكلف ويشدد على نفسه حتى تفوته صلاة الجماعة، أو تثقل عليه الصلاة. فالشيطان يثقل عليه العبادة، ويصعّب عليه هذا الشرط، فإذا رأى أن في الصلاة صعوبة أدى ذلك إلى تركها والعياذ بالله.

стр. 4

حكم التلفظ بالنية النية معتبرة في ثلاث طهارات: معتبرة في الوضوء، ومعتبرة في الاغتسال من الحدث الأكبر، ومعتبرة في التيمم، فلابد فيها كلها من نية، والنية محلها القلب، ولا يجوز التلفظ بها لا في الصلاة ولا في الطهارة، وذهب بعض الشافعية إلى أنه يتكلم بها، وذكروا ذلك في مؤلفاتهم، وقالوا: إن التلفظ بها سنة، وأنه مذهب الشافعي. والصحيح أنه ليس مذهباً للشافعي، ولم ينقل ذلك عنه نقلاً صريحاً، ولم يذكر ذلك في مؤلفاته، ولا في رسائله. والله تعالى هو العالم بما في القلب، وليس للإنسان أن يخبر الله تعالى بما يدور في خلده وبما في قلبه، فالله عالم بما في قلبك، فلا حاجة إلى أن تخبر الله وتقول: نويت كذا وكذا، والله يقول: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [آل عمران:١٥٤] . والعمل قد يكون ظاهره حسناً ولكن تفسده النية، وقد أخبرنا النبي ﵊ عن ذلك بأمثلة، كالذي يقول الله له: (قرأت القرآن ليقال: قارئ) يعني: نيتك أن يقول الناس: قارئ، (تصدقت ليقال: جواد) ، (قاتلت ليقال: شجاع) ، وكذلك قال له رجل: الرجل يقاتل حمية، ويقاتل شجاعة، ويقاتل ليرى مكانه، ويقاتل للمغنم، أي ذلك في سبيل الله؟ فقال: (من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله) وهذه نيات يعلمها الله، فالله يعلم أن هذا قاتل رياءً، وهذا قاتل سمعة، وهذا قاتل ليرى مكانه، وهذا قاتل للشجاعة، وهذا قاتل حمية، وهذا قاتل للغنيمة، الله عالم بذلك ولو لم يتلفظ العبد ويقول: إنني أقاتل لكذا، فلا حاجة إلى أن يقول: نويت بالقتال إعزاز دين الله، أو إعلاء كلمة الله، وكذلك لا يقول: نويت بهذه الطهارة أو بهذا الغسل أن أرفع الحدث، أو نويت أن أغتسل لأرفع الحدث، لا حاجة إلى ذلك؛ لأن الله عالم بما في قلبه.

стр. 5

ترتب الثواب والعقاب على النية أما قوله: (وإنما لكل امرئ ما نوى) ، فمعناه: أن الثواب يترتب على النية، فإن كان العمل صالحاً ترتب عليه الثواب، وإلا ترتب عليه العقاب، وضرب لهم مثلاً بالهجرة، والهجرة من الأعمال الشريفة، كان أحدهم ينتقل من بلاده التي هي مسقط رأسه وفيها عشيرته وأهله وأمواله ومساكنه، ينتقل منها لأجل أن يتمكن من عبادة الله؛ لأنه في بلاده يلاقي الأذى. وأخبر النبي ﵊ أن هناك من يهاجر لأجل الله ورسوله، وهناك من يهاجر لمصالح دنيوية، فالذي تكون هجرته إلى الله ورسوله ابتغاء مرضاة الله، ولاتباع الرسول ﵊، والأخذ عنه، فهذا أجره على الله. (فهجرته إلى الله ورسوله) . والذي تكون هجرته لأجل مصالح دنيوية: تجارة، أو وظيفة، أو رئاسة، أو منصب، أو نحو ذلك، أو امرأة يتزوجها، ليس له قصد إلا هذا (فهجرته إلى ما هاجر إليه) يعني: ليس له أجر الهجرة وليس له ثوابها؛ وذلك لأن الله إنما يثيب من الأعمال ما أريد به وجه الله، فهذا مثل ضربه الرسول ﵊ لصلاح النية ولعدم صلاحها، وكذلك بقية الأعمال.

стр. 6

أمور لا تحتاج إلى نية هناك أشياء لا تحتاج إلى نية، ومنها: إزالة النجاسات، فغسلها لا يحتاج إلى نية، فلو كان ثوبك نجساً وعلقته على وتد أو نحوه فنزل عليه مطر فغسله طهر ولو بدون نية، أو تنجس أسفله بشيء من أنواع النجاسات وخضت به في سيل أو نهر وذهب أثر النجاسة طهر، أو وقعت نجاسة على بقعة من الأرض، فنزل عليها مطر فغمرها وذهبت عين النجاسة طهرت، ولا حاجة إلى أن ينوي أحد إزالتها؛ لأن هذا إزالة، والنجاسة إذا زال أثرها طهر المكان، وأما الحدث فإنه أمر معنوي.

стр. 7

شرح حديث: (لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث) يقول ﷺ في الحديث الثاني: (لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ) .

стр. 8

معنى الحدث وشموله لجميع موجبات الوضوء يقول العلماء: إن الحدث أمر معنوي يقوم بالبدن يمنع من الصلاة ومن الطواف ومن مس المصحف، فالحدث الأصغر أمر معنوي وليس حسياً. فلو رأيت اثنين أحدهما على وضوء والآخر محدث، فلا تفرق بين هذا وهذا، فالحدث أمر معنوي يقوم بالبدن كله، والمحدث بدنه كله موصوف بأن عليه حدثاً، ومع ذلك أعضاؤه نظيفة ليس فيها شيء يُعرف أنه قذر أو وسخ، وليس في بدنه نجاسة، حتى ولو كان جنباً، فالجنب بدنه طاهر، فلو غمس يده في ماء فلا يقال: إن ذلك الماء تنجس، فتجوز مصافحته ومؤاكلته، فإن النبي ﵊ لما لقيه أبو هريرة وكان جنباً انخنس وذهب ليغتسل، ولما سأله النبي ﷺ ؟ قال: كرهت أن أجالسك وأنا على غير طهارة، فقال النبي ﷺ : (إن المؤمن لا ينجس) يعني: ليس بدنك نجساً، إنما عليك حدث يمنعك فقط من الصلاة ونحوها، فأما بدنك فلا مانع من أن تأكل، ولا مانع من أن تصافح الناس، ولا مانع من أن تجالسهم. وتسمى موجبات الوضوء أو نواقض الوضوء أحداثاً؛ لأنها تتجدد، أحدث أي: انتقض وضوءه، فإذا أكل لحم إبل مثلاً قيل: أحدث، يعني انتقض وضوءه، وإن كان قد خص أكثرهم الحدث بما ينقض الوضوء من الريح أو الخارج من أحد السبيلين، وقد جاء أن أبا هريرة ﵁ لما حدث بهذا الحديث سأله رجل من أهل حضرموت عن الحدث، ففسره بالريح التي تخرج من الدبر، ولكن لا يعتبر هذا هو الحدث فقط، فالبول حدث، وكذا الغائط، وكذا نواقض الوضوء الأخرى كالمباشرة ومس المرأة بشهوة، أو مس الفرج باليد، أو أكل لحم الإبل، أو تغسيل الميت، هذه كلها نسميها أحداثاً؛ لأنها توجب الوضوء، فإذا انتقض وضوء الإنسان بواحد منها فلا يقبل الله صلاته إلا بعد أن يتوضأ؛ بدليل قوله ﷺ : (لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ) .

стр. 9

معنى الوضوء كلمة الوضوء لفظة شرعية، ولم تكن معروفة عند العرب قبل الإسلام، فهي من الكلمات التي جاءت في الشرع، والوضوء: هو غسل الأعضاء التي أمرنا الله بغسلها، وسمي وضوءاً لآثاره، فإنه ينور هذه الأعضاء تنويراً معنوياً، وينورها في الآخرة تنويراً حسياً، ففي الآخرة يعرف أهل الوضوء بأنهم غر محجلون من آثار الوضوء. والغرة: بياض الوجه. والتحجيل: بياض اليدين وبياض الرجلين من آثار الوضوء. فهذا ضوء حسي، وأما في الدنيا فإنه ضوء ونور معنوي. وسمي وضوءاً من الضوء الذي هو النور، فالوضوء منير للأعضاء، وهو من المسميات الشرعية، وهو: غسل أعضاء مخصوصة بنية رفع الحدث ولاستباحة الصلاة، وقد جعله النبي ﷺ شرطاً للصلاة بقوله: (لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ) .

стр. 10

أقسام الحدث الحدث نوعان: حدث أكبر يوجب الغسل، وحدث أصغر يوجب الوضوء. ولم يذكر في هذا الحديث الحدث الأكبر، لم يذكر إلا الحدث الأصغر، ولكن الحدث الأكبر مراد أيضاً؛ وذلك لأنه أولى بأن يهتم به، والله تعالى قد نبه على الحدث الأكبر في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة:٦] ، وفي قوله: ﴿وَلا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ [النساء:٤٣] . إذاً نقول: لا يقبل الله صلاة من عليه حدث أكبر حتى يغتسل، والاغتسال هو غسل البدن كله بنية رفع الحدث، وعلى هذا فالحدث يرتفع بالوضوء إن كان أصغر ويرتفع بالاغتسال إن كان أكبر.

стр. 11

هل يرتفع الحدث بالتيمم ؟ التيمم: هو استعمال التراب عند فقد الماء، وهو مسح الوجه واليدين بالتراب، هذا تحل به الصلاة، إذا فقد الماء، فالله تعالى يقول: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء:٤٣] يعني: اقصدوا صعيداً طيباً فامسحوا ولكن هل يرتفع الحدث به أم لا يرتفع؟ الصحيح أنه يرتفع ارتفاعاً مؤقتاً، بمعنى أنه تباح به العبادات التي لا تباح إلا بالوضوء حتى يجد الماء، فإذا وجد الماء لزم استعماله، وقد ثبت في الحديث عن أبي ذر ﵁ عن النبي ﷺ قال: (الصعيد الطيب طهور أحدكم وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجد الماء فليتق الله وليمسه بشرته) ، أي: أنك متى وجدت الماء وعليك حدث، فإن عليك أن تستعمله لرفع ذلك الحدث، فارتفاعه بالتيمم إنما هو لأجل التيسير، قال الله تعالى: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة:٦] . يستفاد من هذين الحديثين: أن الطهارة شرط لكل صلاة، وأن الصلاة لا تقبل إلا بهذه الطهارة التي هي الوضوء أو الاغتسال إن كان الحدث أكبر، أو التيمم إن لم يوجد الماء، فإذا صلى بغيرها والماء موجود وهو محدث فهو متلاعب بصلاته، لا يقبل الله صلاته إلا بعد أن يفعل ما أمر الله تعالى به في قوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا﴾ [المائدة:٦] الآية.

стр. 12

متى تجب الطهارة الصحيح أن الطهارة إنما تجب بعد الحدث، وذهب بعض أهل العلم إلى أنها تجب لكل صلاة، واستدل بالآية: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا﴾ [المائدة:٦] ، والصحيح أن تفسير الآية: إذا قمتم وأنتم محدثون ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة:٦] ويقدرها بعضهم: إذا قمتم من النوم فاغسلوا، ولكن الأصل أن الوضوء إنما يجب على من هو محدث لهذا الحديث: (لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ) . ويستفاد أيضاً: أن النية من شروط الوضوء، وأن الوضوء من شروط الصلاة، وأن الصلاة من أعظم وأهم العبادات، وسيأتينا إن شاء الله أحاديث تؤكد أهميتها، وكذلك يأتينا بقية أحاديث الطهارة. فعلى المسلم أن يتنبه إلى أهمية الطهارة، وأهمية العبادة، ومن جملتها شروط الصلاة التي تتقدمها كالطهارة والنية وما أشبهها، فإذا علم ذلك فعليه أن يطبق ما علمه، ليكون منتفعاً بعلمه إن شاء الله.

стр. 13

شرح حديث: (ويل للأعقاب من النار) [وعن عبد الله بن عمرو بن العاص وأبي هريرة وعائشة ﵃ قالوا: قال رسول الله ﷺ : (ويل للأعقاب من النار) . وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (إذا توضأ أحدكم فليجعل في أنفه ماء ثم لينتشر، ومن استجمر فليوتر، وإذا استيقظ أحدكم من نومه فليغسل يديه قبل أن يدخلهما في الإناء ثلاثاً، فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده) ، وفي لفظ لـ مسلم: (فليستنشق بمنخريه من الماء) ، وفي لفظ: (من توضأ فليستنشق) ] . هذه الأحاديث تتعلق بالوضوء. فالحديث الأول قوله ﷺ : (ويل للأعقاب من النار) ، والأعقاب: هي مؤخر الأقدام.

стр. 14

سبب ورود الحديث سبب الحديث: أنهم كانوا في سفر، فلما نزلوا في وقت متأخر توضئوا مسرعين، فجاء إليهم النبي ﷺ وأعقابهم تلوح بيضاء لم يمسها الماء، فنادى بأعلى صوته: (ويل للأعقاب من النار) مرتين أو ثلاثاً؛ ليبين لهم أنه يجب عليهم إسباغ الوضوء، وبالأخص غسل القدمين؛ وذلك لأن القدم من جملة ما أمرنا بغسله، والقدم قد يحتاج إلى زيادة إسباغ وتعهد؛ لأنه قد يكون عليه تراب أو غبار أو نحو ذلك، فيحتاج إلى تعهد أكثر، وقد يكون العقب -الذي فوق العرقوب- لكونه منخفضاً يزل عنه الماء إذا توضأ الإنسان مسرعاً، وبالأخص إذا كان الماء بارداً، والرجل وسخة بعيدة العهد بالماء أو نحو ذلك.

стр. 15

الفرق بين العقب والعرقوب جاء في بعض الروايات: (ويل للعراقيب من النار) ، والعرقوب: هو مؤخر القدم، ولكن العقب: هو المكان المنخفض خلف الكعب، فخلف كل كعب من الكعبين مكان منخفض، وهو الذي يكون إلى جانبي العصبة التي تمتد من العرقوب إلى الساق، فما كان بجانبي هذه العصبة فهو الأعقاب، فعلى الإنسان أن يتعاهد غسل القدم، ويتعاهد العقب الذي هو مكان منخفض، ويتعاهد أيضاً الأخمص الذي هو بطن القدم؛ وهو المكان المنخفض في وسط القدم.

стр. 16

وجوب غسل الرجلين، والرد على الرافضة في ذلك هذا الحديث من أدلة أهل السنة على أن الرجلين تغسلان، وذهبت الرافضة إلى أن الرجل تمسح، واستدلوا بقراءة في القرآن: (وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلِكُمْ) بالخفض، وأجاب العلماء عنها بأنها مجرورة على الإتباع، أو أن المراد بمسح الرجل: الغسل الخفيف؛ لأن الرجلين مظنة الإسراف، والعرب قد تسمي الوضوء مسحاً كقولهم: تمسحت للصلاة، يعني: غسلت أعضائي غسلاً خفيفاً. وعلى كل حال فقد تكاثرت الأحاديث أن النبي ﵊ كان يغسل قدميه، ولم يأت حديث أنه كان يمسح القدمين، ولو كان يمسح القدمين لما كان هناك حرج في بياض يحصل في العقبين، بل توعد بقوله: (ويل للأعقاب من النار) فدل على وجوب غسل الرجلين وعدم الاكتفاء بالمسح كما يقول الرافضة، فهذا الحديث يدل دلالة واضحة على وجوب غسل القدمين في الوضوء كما يجب غسلهما في الاغتسال. وقد حدد الله الغسل بقوله: ﴿إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة:٦] ، والتحديد دليل على وجوب الغسل وأنه لا يكتفى بالمسح، وقد فسرت ذلك السنة النبوية، كما تكاثرت بذلك الأحاديث، وكل الذين نقلوا صفة وضوء النبي ﵊ ذكروا أنه كان يغسل قدميه ولم يقل أحد إنه مسح عليهما. ومن الأدلة أن الله تعالى أدخل الممسوح -وهو الرأس- بين المغسولين وهما اليدان والرجلان، وبلا شك أن غسلهما فيه تنظيف؛ لأن الرجل تكون مظنة لوسخ أو قذر أو نحو ذلك، والوضوء شرع لأجل تنشيط البدن ولأجل الإعانة على العبادة، وشرع أيضاً لأجل إزالة الوسخ والقذر ونحو ذلك. وشرعية غسل الوجه وغسل اليدين وغسل الرجلين في الوضوء لا بد له من حكمة، حيث اقتصر الله على هذه الأعضاء فقال: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ﴾ [المائدة:٦] ، فالوجه غسله يزيد نشاطاً ويذهب الكسل، وفيه أيضاً أغلب الحواس، ففيه حاسة البصر وحاسة الشم وحاسة الذوق وحاسة السمع، وهما الأذنان، فالأمر بغسله لأجل تطهيره حسياً، والوجه قد يتعرض للغبار ونحو ذلك فلا بد من غسله. واليدان هما الآلة التي يعمل الإنسان بهما، وغالباً يكون فيهما تراب أو وسخ أو نحو ذلك، فشرعية غسلهما زيادة في النشاط وإزالة الكسل، وفيه التنظيف. وكذلك الرجلان غسلهما لأجل التنظيف؛ لما يتعرضان له من غبار أو تراب أو نحو ذلك، وما دام كذلك فإن الفرض غسلهما لا مسحهما خلافاً للروافض، ولا أحد يكتفي بالمسح على الرجلين إلا الرافضة فقط، مع أنهم ينكرون المسح على الخفين، ولا يعتقدونه، مع ثبوته بالسنة، والاستدلال عليه بالأدلة الواضحة، فخالفوا في هذا، وخالفوا في هذا!

стр. 17

معنى (ويل) قوله: (ويل للأعقاب من النار) الويل: هو العذاب الشديد، وقيل: إنه اسم واد في جهنم، وهي أيضاً كلمة وعيد يتوعد بها، كما ذكر الله في آيات كثيرة كقوله تعالى: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ [الهمزة:١] ، ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ [المطففين:١] ، ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون:٤-٥] ، وفي الأحاديث أيضاً. ومعنى: (ويل للأعقاب من النار) أي: أن النار تنالها حيث إنها لم تغسل الغسل الكامل، وقيل معناه: ينالها العذاب وحدها، وقيل: إنها تكون سبباً لدخول صاحبها النار؛ وذلك إذا بطلت صلاته استحق العذاب، والذي لا يسبغ الوضوء ولا يكمله ترد صلاته، ومن ردت صلاته استحق العذاب، وإذا أدخل النار كان سبب دخوله هذه القدم أو هذه العقب، فتنال العذاب، ويزاد في تألمها، وكأنها تسلط على صاحبها النار، أو أن العذاب يتسلط على صاحبها بسببها.

стр. 18

شرح حديث: (إذا توضأ أحدكم فليجعل في أنفه ماءً) الحديث الثاني فيه ذكر ثلاثة أشياء تتعلق بالطهارة:

стр. 19

صفة الاستنشاق والاستنثار أولها: الاستنشاق والاستنثار، يقول: (إذا توضأ أحدكم فليجعل في أنفه ماء ثم لينتثر) ، هذا يسمى الاستنشاق، وصفته: أن يجعل الماء في يده ثم يجعله في منخريه ثم يجتذبه بنفسه إلى داخل خياشيمه، ثم بعد ذلك يخرجه بقوة نفسه، فاجتذابه يسمى: استنشاقاً، وإخراجه يسمى: استنثاراً، وهذا الحديث دليل على وجوب الاستنثار، فإن الأمر ظاهره الوجوب (فليجعل) (ثم لينتثر) فدل على وجوب الاستنشاق ووجوب الاستنثار الذي هو الإخراج بالنفس.

стр. 20

الأمر بالمبالغة في الاستنشاق وقد ورد الأمر بالمبالغة في الاستنشاق، قال ﷺ في حديث لقيط بن صبرة: (وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً) ، فأمر بالاستنشاق وأمر بالمبالغة فيه، يعني: اجتذابه إلى الخيشوم بقوة، والحكمة في الاستنشاق: تنظيف الخيشوم، الذي هو داخل الأنف، ويخرج منه أوساخ لا بد من تنظيفها؛ حتى يأتي الصلاة وقد نظف ما يمكن تنظيفه وأزال ما يمكن إزالته من القذر والأذى، وكذلك غسل داخل الأنف -داخل المنخرين- الذي يمكن غسله، ولا حاجة إلى أن يدخل إصبعيه في منخريه، بل يكتفي باجتذاب الماء إلى داخل الخيشوم، ويخرجه بعد ذلك، فيكون هذا كافياً في تنظيف المنخرين.

стр. 21

حكم المضمضة والاستنشاق أراد المؤلف بإيراد هذا الحديث إثبات أن الاستنشاق تابع للغسل في الوجه، والله تعالى أمر بغسل الوجه، والأنف له حكم الظاهر فيدخل في حكم الوجه، وكذلك الفم له حكم الظاهر فيدخل في حكم الوجه، والمضمضة: هي تحريك الماء في الفم، وهي مشتقة من مضمض بمعنى حرك، ومعناها: أن يجعل في فمه ماءً ثم يدلك أسنانه بالماء ويحركه بلسانه، ثم يمجه، هذه هي المضمضة. وقد ذهب أحمد إلى أن المضمضة والاستنشاق من الوجه، وأنه لا يصح الوضوء إلا بهما، وأن من أخلّ بهما فكأنه ترك بقعة في وجهه، والذي يترك بقعة في وجهه لم يغسل وجهه، والله أمر بالغسل، فلا بد أن يكون الغسل مستوفياً للعضو، كما لو ترك بقعة في يده أو في رجله، فإذا كان الذي يترك بقعة خفية في مؤخر رجله متوعداً بالنار: (ويل للأعقاب من النار) ، فهكذا من ترك بقعة في عينيه أو تحت وجنتيه أو ما أشبه ذلك، فلا بد أن يغسل وجهه كله، ويدخل في ذلك الفم والأنف. وذهبت الشافعية وغيرهم إلى أن الاستنشاق ليس بواجب، بل هو سنة، وكذلك المضمضة، وقالوا: إنهما من سنن الوضوء لا من واجباته، والإمام الشافعي ﵀ عالم كبير مجتهد، ولكنه لم يكن متوغلاً في معرفة الحديث، فعلى كل هو اجتهد. ومن أدلتهم: أن الوجه ما تحصل به المواجهة، والله تعالى أمر بغسل الوجه، والأنف يغسل ظاهره، وأما داخل المنخرين فليس مما تحصل بهما المواجهة، وكذا داخل الفم، فيقولون: نقتصر على ما تحصل به المواجهة والمقابلة، هذا دليل الشافعية. ولكن لما كانت السنة مفسرة للآية ومبينة لها عرفنا بذلك أن هذا هو معنى الغسل، وأن الأنف والفم داخلان في غسل الوجه ولا بد منهما، والذين وصفوا وضوء النبي ﷺ لم يذكروا أنه تركهما، بل ذكروا أنه كان يتمضمض ويستنشق ثلاثاً، وسيأتينا حديث عثمان وفيه ذكرهما.

стр. 22

الاستجمار الجملة الثانية في الحديث هي الوتر في الاستجمار: (ومن استجمر فليوتر) ، وسيأتينا إن شاء الله بعض ما يتعلق بالتبرز -الذي هو قضاء الحاجة- وما يلزم منه. والاستجمار هو مسح أثر الغائط بالحجارة أو ما يقوم مقامها، وكانوا يكتفون به عن الغسل، وسيأتي فيه أحاديث إن شاء الله. وهذا الحديث دليل على أنه إذا استجمر قطعه على وتر، فإن مسح مثلاً بحجرين زاد ثالثة، وإن لم ينق إلا بأربع أضاف إليها خامسة حتى تكون وتراً، وإن لم ينق إلا بست أحجار جعل معها سابعة، فإن لم يحصل الإنقاء إلا بثمان أضاف تاسعة، هذا معنى الوتر، يعني: يقطع على وتر ثلاثاً أو خمساً أو سبعاً أو تسعاً وهكذا. وأما إذا غسل المحل بالماء -وهو ما يسمى بالاستنجاء- فإنه يغسله إلى أن ينظف المكان ويعود إلى خشونته من غير تحديد بعدد. والوتر في الاستجمار ليس بواجب؛ لأنه قد ورد في رواية: (من استجمر فليوتر، من فعل فقد أحسن ومن لا فلا حرج) فدل على أنه لا حرج فيمن استجمر وشفع، إذا استجمر أربعاً أو ستاً أو نحو ذلك فلا حرج، ولكن الأفضل القطع على وتر.

стр. 23

غسل اليدين بعد النوم قبل إدخالهما في الإناء الجملة الثالثة: غسل اليدين إذا استيقظ من نوم الليل: (وإذا استيقظ أحدكم من نومه فليغسل يديه قبل أن يدخلهما في الإناء ثلاثاً، فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده) ، وهذا النوم مختص بنوم الليل؛ لأنه قال: (أين باتت) ، والبيتوتة هي نوم الليل، ولكن يستحب لمن نام في أول النهار أو في وسطه أن يغسلهما بعد الاستيقاظ أيضاً؛ لأن العلة موجودة، وبلا شك أن علينا أن نتبع النص وإن لم نعرف السبب، فعلى المسلم إذا استيقظ من نومه أن يغسل يديه، والمراد باليدين هنا: الكفان، يعني: إلى المفصل، ومفصل الكف من الذراع يسمى كوعاً، فتغسلهما إلى الكوع، والكوع: هو المفصل بين الكف والذراع، هكذا ورد غسلهما إلى الكوعين (ثلاثاً) حتى تنظف اليد، ويلزم ذلك بكل حال، حتى لو لبست قفازين، فبعد أن تستيقظ تغسلهما ولو أمنت عليهما؛ وذلك لأن نوم الليل يعتبر بنفسه حدثاً موجباً لغسل اليدين، فيغسل يديه أولاً قبل أن يغسل بهما بقية جسده. وذكر كثير من العلماء أنه إذا غمس يديه في ماء قبل غسلهما فإن ذلك الماء لا يكون طهوراً، ولكن الصحيح إن شاء الله أنه إذا بقي على طبيعته ولم يتغير طعماً ولا ريحاً ولا لوناً، فإنه يرفع الحدث، ولكن مع ذلك نتبع النص: (لا يغمس يده حتى يغسلها) ، وليس هذا خاصاً بالغمس بل حتى الاغتراف، فلو صب عليهما ماءً من الصنبور أو نحوه، فإن الماء الذي يقع عليهما قبل الغسل يعتبر غير طهور، فلا بد أن يصب الماء عليهما ويغسلهما، حتى إذا اغترف بهما أو صب فيهما ماءً للمضمضة كان ذلك الماء الذي وقع فيهما طهوراً يرفع الحدث. هذا حكم غسلهما.

стр. 24

حكم غسل غير المستيقظ من النوم يده قبل الوضوء غير المستيقظ يسن له غسلهما من غير وجوب، فإذا أراد أن يتوضأ لصلاة الظهر أو لصلاة المغرب أو العشاء وهو لم ينم، استحب له أن يغسلهما من باب التنظيف؛ لأنهما الآلة التي يغترف بهما والتي يباشر بهما غسل الأعضاء، فيغسل وجهه بهما، ويغترف الماء بهما، فغسلهما هذا يعتبر للنظافة، وإذا توضأ الإنسان ثم غسل وجهه ثم غسل يديه فعليه أن يغسلهما من رءوس الأصابع إلى المرفقين، ولا يغسل مجرد الذراع ويقول: الكف مغسولة من قبل ولا حاجة إلى غسلها، فلابد من غسلها؛ لأن غسلها الأول يعتبر سنة، وغسلها بعد الوجه من الأظافر إلى المرفق هو الواجب، وقد سمعت أن بعض الناس بعد أن يغسل وجهه يقتصر على غسل الذراع من المفصل إلى المفصل ويترك الكف، وهذا خطأ، بل عليه أن يغسل اليدين من رءوس الأصابع إلى المرفق، اليد اليمنى واليد اليسرى، فبهذا يتم وضوءه وتتم طهارته إن شاء الله.

стр. 25

شرح حديث: (لا يبولن أحدكم في الماء الدائم) قال المصنف ﵀: [عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري ثم يغتسل فيه) ، ولـ مسلم: (لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جنب) . وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (إذا شرب الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعاً) ، ولـ مسلم: (أولاهن بالتراب) . وله في حديث عبد الله بن مغفل أن رسول الله ﷺ قال: (إذا ولغ الكلب في الإناء فاغسلوه سبعاً، وعفروه الثامنة بالتراب) ] . قوله ﷺ : (لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري ثم يغتسل فيه) ، وفي الرواية الثانية: (لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جنب) .

стр. 26

النهي عن البول في الماء الدائم وحكم تنجسه بذلك في هذه الأحاديث الأمر بالمحافظة على النظافة والنزاهة والبعد عن الأقذار والنجاسات، وذلك أن المياه يُحتاج إليها للشرب وللسقي وللطبخ وللطهارة، ولا شك أن البول فيها والانغماس فيها يفسدها إما عاجلاً وإما آجلاً، فنهى ﵊ عن البول في الماء الدائم، والماء الدائم: هو الراكد الذي لا يجري ولا يتحرك من موضعه، كمياه الثغبان والخزانات التي هي مستقرة وليست تستخلص وليست تجري ونحو ذلك. فهذا الماء الراكد الذي في هذا الخزان أو في هذه الجابية أو نحوه لا شك أنه راكد، والبول فيه لأول مرة قد لا يظهر أثره، ولكن قد يكثر البول فيفسده ويظهر أثره، وقد تكرهه النفوس، فإذا رأى الإنسان شخصاً -ولو صغيراً- يبول في هذا الماء ولو كان كثيراً اشمأزت نفسه منه وكرهته، وقد يكثر من يبول فيه فينجسه فيظهر بعد ذلك أثر هذه النجاسة ويصير الماء نجساً نجاسة عينية. ولا شك أن الإنسان مأمور بالابتعاد عن الأشياء التي تفسد عليه أو على غيره شيئاً محتاجاً إليه، ومعلوم أن الحاجة إلى الماء حاجة ضرورية، ولو لم يكن إلا للدواب، فالدواب قد تشم فيه روائح البول ونحوه فتستقذره. فالحاصل: أنه ﵊ أدّب الأمة بالنهي عن التبول في المياه الراكدة، كالمستنقعات ونحوها، ولا شك أنه إذا كثر التبوّل فيها ظهر أثر ذلك ولو بعد حين، فحينئذ تكون نجسة، ولكن لو وقع مرة واحدة ولم يظهر تغير في ذلك الماء فإنه لا ينجس إن شاء الله؛ لأن النجاسة إنما تكون بالتغير، والتغير إما أن يكون بتغير طعم الماء، أو ريحه، أو لونه، ومع ذلك فإنه منهي عن استعماله في هذه الحال لقوله: (لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ثم يغتسل فيه) ، كأنه يقول: إنه إذا اغتسل منه أو توضأ منه هو أو غيره بقي في نفسه شك في أنه تطهر بماء غير طهور، فلا تطمئن نفسه في العبادة.

стр. 27

النهي عن انغماس الجنب في الماء الدائم كذلك الراوية الثانية التي فيها النهي عن الانغماس في الماء إذا كان الإنسان جنباً، يقول ﷺ : (لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري وهو جنب) يعني: إذا كنت جنباً فلا تنغمس في هذا الماء الراكد وتقول: قد طهرت؛ إذ يمكن أن تطهر بانغماسك لكن مع كثرة الانغماس من هذا ومن ذاك قد يتغير الماء بعد حين فيسلب الطهورية. وقد قيل لـ أبي هريرة: كيف يصنع به؟ فقال: يتناوله تناولاً. فإذا لم يكن معه إناء فإنه يقف على حافته ويغترف منه ولا ينغمس فيه، حتى لا يفسده على نفسه أو على غيره. والصحيح: أن الماء لا ينجس إلا إذا تغير أحد أوصافه الثلاثة: لونه أو طعمه أو ريحه، ولكن بعض العلماء يقول: بموجب هذا الحديث فإن البول فيه ينجسه ولو لم يتغير. ولكن الصحيح أنه إذا لم يتغير فهو طهور؛ لقوله ﵊: (الماء طهور لا ينجسه شيء) ، وفي رواية: (إلا ما غلب على ريحه أو طعمه أو لونه بنجاسة تحدث فيه) .

стр. 28

شرح حديث: (إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم) أما حديث غسل الإناء إذا ولغ فيه الكلب فهو واجب لهذين الحديثين، فإنه ﵊ أمر بغسل الإناء بعد ولوغ الكلب وتكرار الغسل بالإضافة إلى تعفيره بالتراب.

стр. 29

صفة غسل الإناء إذا ولغ فيه الكلب في الحديث الأول: يكون الغسل بسبع أولاهن بالتراب، وفي الثاني: أنهن سبع بالماء والثامنة بالتراب، ويجمع بين الحديثين بأن يقال: إنه جعل الغسلة التي فيها تراب عن اثنتين؛ واحدة بماء وواحدة بتراب، وصفة ذلك أن يغسله المرة الأولى بماء وتراب ويدلكه، ثم بعد ذلك يغسله ست مرات بدون تراب حتى ينظفه، ولابد -على الصحيح- من التراب، وسبب اختيار التراب أنه يزيل آثار لعاب الكلب.

стр. 30

الحكمة من استعمال التراب في غسل ما ولغ فيه الكلب ذكر العلماء أن لعاب الكلب قوي يستمسك بالإناء، فلا تزول لزوجته إلا بالتراب، وذكر بعضهم أن في لعابه جراثيم سامة، وأنها تلتصق بالإناء فلا تزول إلا بالتراب الذي يقتلها ويزيلها، وقد قام بعضهم بعمل تجربة بأن غسل الإناء بأشنان وصابون، ثم ألقاه في النار لإزالة النجاسة، لكنها لم تَزل، فلما غسله بتراب ماتت الجراثيم وزالت النجاسة ولم يبق لها أثر. وهذا يدل على أنه ﵊ ما أخبر بذلك وما أمر به إلا لحكمة أطلعه الله عليها، ولما جاء العلم الحديث أثبتت المكبرات المجهرية وجود هذه الجراثيم في لعاب الكلب، وأثبتت التجارب أنها لا تزول إلا بهذا التراب.

стр. 31

نجاسة الكلب ولعابه وعلى كل حال فإن هذا دليل على أن الكلب نجس وأن ريقه ولعابه نجس، وأنه لابد من تكرار الغسل حتى يطهر ذلك الإناء، سواء كان ذلك الإناء إناء شراب أو إناء أكل أو نحو ذلك، فلا يستعمل هذا الإناء في أكل ولا في شرب أو نحو ذلك إلا بعد أن يُطهَّر كما جاء في الحديث. وأما إذا شرب الكلب من البرك أو الخزانات أو السواقي أو الأواني الكبيرة أو نحو ذلك فلا يلزم غسلها، وعلى كل حال فالماء الذي يُتطهر به لابد أن يكون طهوراً حتى يرتفع به الحدث؛ لأن الحدث الذي نزل لابد أن يزال بما يزيله.

стр. 32

شرح حديث حمران مولى عثمان في صفة الوضوء قال المصنف: [عن حمران مولى عثمان بن عفان: (أنه رأى عثمان ﵁ دعا بوضوء فأفرغ على يديه من إنائه فغسلهما ثلاث مرات، ثم أدخل يمينه في الوضوء ثم تمضمض واستنشق واستنثر، ثم غسل وجهه ثلاثاً، ويديه إلى المرفقين ثلاثاً، ثم مسح برأسه، ثم غسل كلتا رجليه ثلاثاً، ثم قال: رأيت النبي ﷺ توضأ نحو وضوئي هذا وقال: من توضأ نحو وضوئي هذا ثم صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه غفر الله له ما تقدم من ذنبه) ] . هذا حديث يتعلق بصفة الوضوء، وهو من أصح وأكمل الأحاديث في صفة الوضوء. والوضوء مشتق من الضوء، قيل: إنه سمي بذلك لأنه يضيء الأعضاء وينيرها، لقوله ﷺ : (إن أمتي يدعون يوم القيامة غراً محجلين من آثار الوضوء) ، والوضوء: اسم شرعي لم يعرف إلا في الإسلام.

стр. 33

مشروعية الوضوء في الكتاب والسنة شرع الله تطهير هذه الأعضاء وغسلها وتنظيفها عند القيام إلى الصلاة أو عند وجود حدث؛ حتى يصير المصلي نظيف البدن، وحتى يحصل له النشاط والقوة، وحتى يُقبل على الصلاة بصدق ومحبة ورغبة. وقد بين الله تعالى أصل الوضوء في القرآن فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة:٦] فالآية بينت أعضاء الوضوء، وأنها أربعة: الوجه واليدان والرأس والرجلان، وهذا فيما يتعلق بالحدث الأصغر. ثم جاءت السنة ففصلت ذلك بفعل النبي ﷺ وقوله؛ لأن الله أمره بالبيان بقوله تعالى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل:٤٤] ، فبينه بقوله وبينه بفعله، وحفظ ذلك صحابته وبينوه بأفعالهم، فهذا عثمان ثالث الخلفاء الراشدين ﵁ حفظ عنه هذه الصفة في الوضوء.

стр. 34

الفرق بين الوَضوء والوُضوء جاء في هذا الحديث أنه -أولاً-: (دعا بوضوء) . والوَضوء بفتح الواو: هو الماء الذي يكون في الإناء ليتوضأ به. والوُضوء بضم الواو: هو استعمال الماء في الأعضاء الأربعة. هذا هو الفرق بين الوَضوء والوُضوء. وقوله: (دعا بوَضوء) يعني: بماء يستعمله في غسل أعضاء الوضوء الأربعة. ولم يذكر في هذا الحديث الاستنجاء الذي هو غسل أثر النجاسة من السبيلين؛ لأنه ليس من أعضاء الوضوء وإنما هو إزالة نجاسة، وكذلك الاستجمار بالأحجار ليس من أعضاء الوضوء وخلافاً لما يعتقده بعض العامة، فإن الاستنجاء والاستجمار إنما هو تطهير للمحل المتنجس وإزالة لأثر النجاسة منه.

стр. 35

حكم غسل الكفين في الوضوء وأعضاء الوضوء هي التي ذكرت في هذا الحديث، وذكر في هذا الحديث أنه أولاً غسل يديه، والمراد بهما الكفان، أي: غسل كفيه ثلاثاً، وهذا الغسل سنة وليس بواجب، والحكمة فيه أن ينظف اليدين، حيث إنهما الآلة التي يغسل بهما أعضاءه، فباليد اليمنى يغترف، وباليدين جميعاً يباشر غسل الوجه ويباشر غسل اليدين والرجلين، ويمسح بهما الرأس، فغسلهما هنا لأجل التنظيف، وغسلهما يكون ثلاث مرات وهي كافية، وقد تقدم أن من استيقظ من نوم الليل لزمه غسلهما قبل أن يدخلهما في الإناء، وأما غسلهما لغير نوم فهو سنة وليس بواجب، إنما هو لأجل التنظيف، فإذا كانت يداه نظيفتين، فلا مانع من أن يستعملهما ولو لم يغسلهما، ولكن الأصل أنه يسن لكل متوضئ تنظيف يديه وغسلهما قبل استعمال الماء.

стр. 36

المضمضة والاستنشاق والاستنثار ذكر أنه بعد أن غسل يديه أدخل يده في الإناء ليغترف بها، ثم تمضمض واستنشق واستنثر ثلاثاً. والمضمضة: تحريك الماء في الفم. والاستنشاق: اجتذاب الماء بالأنف بقوة النفس. والاستنثار: إخراج الماء من الأنف بعد إدخاله بدفع النفس. ولم يذكر في أكثر الروايات عدد المضمضة والاستنشاق والاستنثار، وفي بعضها ذكر أنه مضمض ثلاثاً واستنشق واستنثر ثلاثاً، وهذا هو الأرجح؛ أنه يتمضمض ثلاثاً ويستنشق ثلاثاً، والصحيح أنه يجعلهما بثلاث غرفات، كل غرفة بعضها في فمه وبعضها في أنفه فيتمضمض ويستنشق من غرفة واحدة، ثم يغترف غرفة ثانية لمضمضة واستنشاق ثم ثالثة كذلك، هذا هو الأرجح، ويجوز أن يغترف ست غرفات، لكل مضمضة غرفة، ولكل استنشاق غرفة، ويجوز أن يتمضمض ويستنشق من غرفتين، يعني: يتمضمض من غرفة ويستنشق من غرفة، كل غرفة تكفيه ثلاثاً إذا تمكن من ذلك. والراجح أن المضمضة والاستنشاق من تمام الوضوء ومن تمام غسل الوجه، وإن كان كثير من العلماء يقولون: إنها من السنن، ولكن الأدلة تدل على أنها واجبة، وأن من توضأ ولم يتمضمض ولم يستنشق عمداً فإنه يعيد؛ لأنه ترك جزءاً من أعضاء الوضوء. فإن الذين نقلوا وضوء النبي ﷺ ذكروا أنه حافظ على المضمضة والاستنشاق، وكذلك أمر بهما في أحاديث كثيرة، كقوله: (إذا توضأت فمضمض) ، وقوله في حديث لقيط بن صبرة: (وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً) ، فهذا أمر بالوضوء وأمر بالمضمضة والاستنشاق فيه. والذين قالوا: إنها سنة وليست بواجبة، عللوا ذلك بأنها لم تذكر في القرآن، وإنما ذكر غسل الوجه فقط، والوجه ما تحصل به المواجهة، بينما المنخران خفيان، وكذلك الفم خفي فلا تحصل بهما المواجهة. ويرد عليهم بأن يقال: الأمر ورد بغسل الوجه مجملاً، والرسول ﵊ بينه فذكر أن من تمامه المضمضة والاستنشاق، ولا شك أن القصد الأساسي هو التنظيف، وأن الفم قد يكون محل تغير، فإن كثيراً من الناس تتغير رائحة أفواههم لطول السكوت، أو لأكل شيء يبقى بعضه في الفم، فتتغير رائحة الفم بسبب ذلك، فغسله وتحريك الماء فيه بالإصبع تنظيف له وإزالة لتلك الرائحة، وكذلك الأنف قد يتحلل منه أشياء مستقذرة، فتنظيفه إزالة لما قد يتحلل منه مما هو مستقذر أو مما هو أذى، فشرعية المضمضة والاستنشاق محافظة على تنظيف الظاهر الذي ما يمكن ظهوره، ولا شك أن الفم له حكم الظاهر -والظاهر غير الباطن- ودليل ذلك: أن الصائم لو وضع طعاماً في فمه ثم مجه لم يحكم بأنه أفطر، ولو وضع في فمه خمراً ثم مجها لم يجب عليه الحد، ولو أن طفلاً صُب اللبن من المرأة في فمه ولكنه لم يبتلعه ما عد بذلك راضعاً منها، فهذه أدلة على أن الفم لا يعد من الباطن. فالحاصل: أن القول الصحيح وجوب المضمضة ووجوب الاستنشاق على ما دلت عليه هذه الأحاديث التي بين فيها النبي ﵊ ما أجمله الله في الآيات.

стр. 37

غسل الوجه وحدُّه الوجه المأمور بغسله هو ما تحصل به المواجهة، وحد الوجه طولاً من منابت شعر الرأس المعتاد، وله نهاية موجودة في أغلب الناس، ولا عبرة بمن ينحسر شعره كالأصلع، إنما العبرة بأغلب الناس، فأعلى الجبهة هو نهاية منابت الشعر، فهي من جملة الوجه، أما النهاية من أسفله فهو الذقن، والذقن هو مجمع اللحيين، واللحيان: منبت الأسنان السفلى، فأسفل الوجه الذي تحت الشفة يسمى: ذقناً، ولو لم يكن فيه شعر، فليس الذقن اسم للشعر، بل الذقن اسم لأسفل الوجه، فيقال: ذقن المرأة، يعني: أسفل وجهها، وذقن الصبي، يعني: أسفل وجهه، ولو لم يكن فيه شعر، فيغسله إلى الذقن، ويغسل الشعر الذي على الخدين وعلى الذقن وهو الذي يسمى اللحية، فإن كانت اللحية كثيفة اكتفي بغسل ظاهرها، وسن أن يخللها بإدخال أصابعه أو بعركها حتى يدخل الماء بين الشعر، وإن كانت خفيفة غسل داخلها وخارجها؛ لأنها في هذه الحال لم تستر البشرة ستراً كاملاً، فالحاصل أنه يغسل ما فيه من الشعر. أما حد الوجه عرضاً فإلى أصول الأذنين، حيث يستوفي عرضه الخدين كليهما؛ لأنهما مما تحصل به المواجهة، هذا هو اسم الوجه. وقد وردت السنة بالتثليث في غسل الوجه، بمعنى أنه يغسل الوجه ثلاثاً كما يتمضمض ويستنشق ثلاثاً.

стр. 38

غسل اليدين وحدُّهما وبعد غسل الوجه يغسل يديه، وفي هذا الحديث ذكر أن عثمان غسل يديه كل واحدة ثلاثاً، واليد المأمور بغسلها من رءوس الأصابع إلى المرافق وهو مفصل الذراع من العضد، وسمي مرفقاً لأنه يرتفق به، أي: يتكئ عليه ويعتمد عليه، والمرفق داخل في الغسل، كما في حديث طلحة أنه رأى النبي ﷺ يدير الماء على مرفقيه، فدل على أنهما مغسولان، فيغسل المرفق مع الذراع. وبعض الناس يقتصر على غسل الذراع ولا يغسل الكف، ويدعي أنه قد غسلها في أول الوضوء، وهذا لا يكفي؛ لأن غسلهما قبل الوجه سنة وغسلها بعد الوجه واجب، فلابد أن يغسل كفه من رءوس أصابعه ويخللها، ثم يغسل باطنها وظاهرها، ثم يغسل الذراع، وصفته: أن يغترف غرفة فيغسل الكف ثم الذراع، ثم يغترف ثانية وهكذا، ثم يغسل اليد الأخرى، فيغترف لها باليمنى فيغسل الكف ويخلل الأصابع، ثم يغسل الذراع، ثم يغترف غرفة أخرى ثم ثالثة حتى يغسل كل واحدة ثلاثاً، وهذا هو الأكمل.

стр. 39

مسح الرأس وصفته أما الرأس فذكر أنه: (مسح برأسه) ، ولم يذكر عدداً، وهذا دليل على أنه لا يكرر؛ لأنه لا يقصد منه إلا مجرد الامتثال، فيمسح برأسه من مقدمته إلى نهايته، وهذا هو الصحيح، والمسألة فيها خلاف بين العلماء، ولكن الجمهور على أنه لابد من تعميم مسح الرأس، والدليل في ذلك قوي.

стр. 40

غسل الرجلين وحدُّهما ثم بعد ذلك يغسل قدميه كل واحدة ثلاثاً، وقد أمر الله تعالى بغسل القدمين إلى الكعبين، والكعبان داخلان في الغسل فيغسلهما. والقدم: هو الذي يمشي الإنسان عليه. والكعبان ينتهيان بمستدق الساق، فأدق ما يكون من الساق هو نهاية الكعب، وإذا أراد أن يحتاط فإنه يغسل إلى أن ينتهي الكعب، وقد تقدم لنا أنه ﵇ قال: (ويل للأعقاب من النار) ، وهذا تأكيد لوجوب غسل القدمين حتى لا يتساهل أحد في غسلهما، فإن كثيراً من الناس يتساهلون في غسل القدم، فيغسلونها غسلاً خفيفاً بحيث يبقى مؤخر القدم الأبيض لم يمسه الماء وهو العقب، فلذلك قال: (ويل للأعقاب من النار) وهذا هو الوضوء الكامل.
следующие страницы →