Полный текст (1 083 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.
стр. 771
اللقطة
قال المؤلف ﵀: [باب اللقطة: عن زيد بن خالد الجهني ﵁ قال: (سئل رسول الله ﷺ عن لقطة الذهب أو الورق، فقال: اعرف وكاءها وعفاصها، ثم عرفها سنة، فإن لم تعرف فاستنفقها ولتكن وديعةً عندك، فإن جاء طالبها يوماً من الدهر فأدها إليه، وسأله عن ضالة الإبل، فقال: مالك ولها! دعها فإن معها حذاءها وسقاءها، ترد الماء وتأكل الشجر، حتى يجدها ربها، وسأله عن الشاة، فقال: خذها فإنما هي لك، أو لأخيك، أو للذئب) ] هذا الحديث يتعلق باللقطة، واللقطة: هي المال الذي سقط من مالكه، سواء كان متاعاً أو نقداً أو آنيةً أو نحو ذلك مما يتملك، وقد ذكر في هذا الحديث أنه يعرف، ومعنى تعريفه: أنه ينادى عليه: من له مال أو من له متاع، أو نحو ذلك.
стр. 772
شرط تعريف اللقطة
اشترط الفقهاء لتعريف اللقطة: أن يكون المال المفقود مما تتبعه همة أوساط الناس، فأما الأشياء الطفيفة الرخيصة التي لا يهتمون بطلبها، فلا حاجة إلى تعريفها، فإذا وجد الإنسان مثلاً رغيفاً أو قطعة حلواء أو عصا أو حذاءً مستعملاً رخيصاً أو قلنسوة -يعني طاقية- أو ريالاً ونحوه مما لا يهتم أغلب الناس بطلبه؛ فمثل هذا لا يحتاج إلى أن يعرفه، بل يملكه آخذه؛ لكون صاحبه في الغالب قد تركه أو قد أيس منه، ولو أحس بفقده؛ ولكنه لا يرجع ويسأل عنه، ولا يهمه أن يفقده.
والناس بحسب ما يفقد منهم ثلاثة أقسام: القسم الأول: الفقراء والضعفاء ونحوهم، ولاشك أن أحدهم يهمه إذا سقط منه ريالٌ أو قرشٌ أو نحو ذلك؛ لكونه يجد له موقعاً، ويؤثر في اقتصاده وفي ماله، فمثل هؤلاء قليلٌ، ولا يعتد بطلبهم لهذه الأشياء الساقطة أو القليلة.
القسم الثاني: الأثرياء أهل الأموال الطائلة، فهؤلاء لو سقط من أحدهم مائة أو مائتان أو نحو ذلك، فالغالب أنهم لا يهتمون بطلب هذا، ولا يطلبونه؛ لكونه لا يؤثر في اقتصادهم، ولكون أموالهم طائلةً لا يحسون بفقد المائة أو المئات أو ما أشبهها.
ولكن ننظر إلى أغلب الناس، وهم الوسط الذين يهتمون للعشرة وللعشرين وللثلاثين ونحوها، وهؤلاء هم أغلب الناس، فنعد هذه لقطةً تحتاج إلى تعريف.
стр. 773
أنواع اللقطة
اللقطة ثلاثة أنواع: الأول: المتاع والنقود ونحوه.
الثاني: ما لا يحوز التقاطه من بهيمة الأنعام وهي الإبل ونحوها.
الثالث: ما يجوز التقاطه من بهيمة الأنعام كالغنم ونحوها.
فإذا وجدت نقوداً من ذهبٍ أو من فضةٍ أو ما قام مقامها من الأوراق النقدية سواء كانت نقوداً سعودية، أو لدولةٍ أخرى لها قيمة، فهذه النقود لها قيمتها عند أهلها، فماذا يجب عليك أن تفعله قبلها؟
стр. 774
وجوب تعريف اللقطة وكيفيته
يقول في هذا الحديث: اعرف عفاصها ووكاءها وعددها، ثم عرفها سنةً، فإن جاء صاحبها وإلا فاستنفقها، فإذا جاء صاحبها يوماً من الدهر فادفعها إليه.
عفاصها: هي الخرقة التي تكون فيها، فاكتب أو أثبت أنها موجودةٌ في غلاف لونه كذا، أو بخرقةٍ لونها كذا، أو إناء لونه كذا.
وكذلك الوكاء: وهو الخيط الذي تربط به، فاكتب ما كانت مربوطة به من خيط أو سلك أو ما قام مقامه مما تربط به النقود ونحوها.
واعرف أيضاً عددها، يعني: مقدارها من النقود، فمثلاً في بلادنا هذه اعرف ما أنواعها، هل هي من فئة خمسمائةٍ أو من فئة خمسة أو من فئة خمسين أو نحو ذلك، فاكتب عددها، وأنها فئة كذا وكذا حتى ينتبه لها صاحبها؛ وكذلك اعرف موضعها الذي سقطت فيه، أنها سقطت في المكان الفلاني.
كذلك أيضاً اعرف زمنها، أنك وجدتها في اليوم الفلاني، في الساعة الفلانية، كل ذلك تثبته، ولكن إذا عرّفتها فلا تذكر هذا كله؛ لأنه قد يدعيها من ليس بأهل لها، بل تقول: من له الدراهم التي ضلت منه في يوم كذا وكذا؟ أو تقول: وجدت في مكان كذا كذا، فإذا جاءك إنسان وقال: هي لي، فسله واستخبره كم عددها؟ فإذا ذكر عددها فاسأله: ما ألوانها؟ وما وعاؤها الذي هي فيه؟ فإذا وصفها وصفاً دقيقاً عرفت أنه صاحبها، فعند ذلك تدفعها إليه، فإذا لم يطابق وصفه لها، فاعلم أنه متقولٌ أو له لقطةٌ أخرى.
ما هي كيفية التعريف؟ يقول العلماء: إنه في الأسبوعين الأولين يعرفها في كل يوم، أما فيما بعد فيعرفها مثلاً في كل يومين، ثم في كل أسبوع كأيام الجمع والمجتمعات، ثم بعد ذلك يقتصر على تعريفها في المجتمعات كأيام الجمع في كل شهر مرتين أو ثلاث مرات أو ما أشبه ذلك.
ما هي أماكن التعريف؟ لا يجوز تعريفها في المسجد، كما لا يجوز أيضاً إنشاد الضالة في المسجد، فلا يجوز أن تقول في المساجد: من له ضالة؟ أو من فقد ضالة كذا وكذا؟ حتى ولو كانت قليلة القيمة أو كثيرة القيمة، حتى ولو كانت حذاءً مثلاً أو عمامةً أو ما أشبه ذلك، بل يكون التعريف عند أبواب المساجد، فيقف عند باب المسجد، ويقول: من له ضالة؟ من فقد ضالةً من نوع كذا وكذا حذاءً ثوباً نقوداً؟ فإذا جاءه صاحبها ووصفها أعطاه إياها.
وإذا كنت لست من الذين يجرءون على التعريف، فإنك توكل من يعرف وينادي عند أبواب المساجد وفي المجتمعات، فإذا قال: أنا لا أنادي إلا بأجرة، فإنك تعطيه أجرته منها يعني: بشيء تحدده له ولو مثلاً ثلثها أو ربعها وما أشبه ذلك، فتقول: هذا مقدارها، ولك منها كذا وكذا.
стр. 775
حكم اللقطة بعد تعريفها سنة
إذا عرفتها ولم تجد صاحبها، وأنت قد قمت بهذا التعريف قياماً كاملاً، فلك أن تستنفقها أي: تدخلها في مالك، وذهب بعضهم إلى أنها تدخل في ملكه، وتصير له، وورد في بعض الروايات: (فإن جاء صاحبها وإلا فهو مال الله يؤتيه من يشاء) ، وفي بعض الروايات: (فإن علمت وإلا فهي لك) ، ومعناه: أنها أصبحت مملوكة لك، حيث إنك الذي وجدتها، وحيث إنك الذي ناديت عليها، وصبرت على النداء لها، فأنت أحق أن تملكها وتدخل في ملكك.
ولكن لا تدخلها في مالك ألا بعد أن تعرف أوصافها، وقيمتها إذا كانت متقومة، فإذا كانت لها قيمةٌ كالمتاع، كأن تكون قدراً أو ثوباً أو كيساً أو علبةً أو ما أشبه ذلك مما له قيمة؛ فقدر قيمتها عند تمام الحول، واستنفقها وأدخلها في مالك، واكتب أوصافها في ذمتك، فربما يأتيك صاحبها في السنة الثالثة، أو في السنة الخامسة، أو بعد عشر سنين؛ لأنك لا تزال تنشدها، ولا تزال تخبر عنها في المجتمعات، وتقول: إني وجدت من الذهب كذا وكذا، أو وجدت من الفضة كذا، أو جدت كذا من الأواني أو الأمتعة أو الأطعمة أو الفواكه أو ما أشبه ذلك.
وإذا كانت مما لا يبقى سنةً فتباع، فلو وجدت مثلاً علبةً طعام لا يمكن بقاؤها، أو وجدت قطعة لحمٍ، فإنها لا تبقى في العادة، أو وجدت خضرة أو فواكه أو ما أشبه ذلك مما يفسد إذا بقي مدة، أو يحتاج إلى تجميد أو نحوه بأجرة، فهذا لا يبقى، بل تقومه في حينه وتقدر قيمته، ثم تستنفقه أو تبيعه أو تحفظ قيمته، وتعرفه حتى تتم المدة.
стр. 776
حكم ضالة الإبل والبقر والخيل
قال عن ضالة الإبل: (مالك ولها! معها سقاءها وحذاءها، ترد الماء وتأكل الشجر حتى يلقاها ربها) ، الإبل تمتنع من السبع، تمتنع من الذئب، ومن الضبع، ومن السباع الصغيرة، وقد تجتمع عليها الذئاب الكثيرة وتفترسها، أو قد يسلط عليها سبعٌ كبير كالأسد والنمر، ولكن ذلك نادر، فلأجل ذلك نعمل بالأصل، فنقول: إن الأصل امتناعها.
ويلحق بها أيضاً البقر، فالبقر في الغالب تمتنع من السباع، وتقدر أن تتخلص إذا هاجمها ذئب أو نحوه.
ويلحق بها أيضاً الخيل، فهي تمتنع لعدوها أو قوتها من صغار السباع وما أشبه ذلك، فهذه الأصل لا تلتقط، فلا يجوز إذا وجدت بعيراً أو فرساً أو ثوراً كبيراً يمتنع أن تلتقطه، بل يترك إلى أن يجده صاحبه، أو يرد على صاحبه، فالغالب أنه يعرف الأماكن ويعرف الطرق، ويذهب إلى أهله، ويرد المياه التي قد اعتاد ورودها، فلا يجوز تعرضك لهذه الدواب ونحوها، لكن إذا وجدتها قد تردت، فلك أن تأخذها، إذا وجدت مثلاً بعيراً يكاد أن يموت من الظمأ، أو وجدته قد هزل وبرك ولم يكن باستطاعته أن يقوم، فأنقذته وعلفته وسقيته، ففي هذه الحال يكون لقطة، لك أن تأخذه وتملكه، وكذلك إذا وجدته قد عيي وتركه أهله لعيه ولهزاله، وعرفت أنهم لا يريدونه ولا يرغبون فيه، ففي هذه الحال أيضاً لك أن تلتقطه وتملكه لمعرفتك بأن أهله قد زهدوا فيه.
وأولاد البقر وأولاد الإبل تلتقط، ولد الإبل الصغير يسمى فصيلاً، وولد البقر يسمى عجلاً، وولد الخيل يسمى فلواً، فهذه لا تمتنع؛ فلأجل ذلك يجب التقاطه إذا خيف أن يعتدي عليه السبع، وكان في مهلكة ولم يكن مع غيره، والعادة أن البقر إذا اعتدى عليها السبع فإنها جميعاً تتحامل وتطرد السبع، وتنتصر منه، فلا يجوز التقاط مثل هذا.
أما الذي يجوز التقاطه فهو ما لا يمتنع كأولاد البقر الصغار إذا كانت وحدها، أو أولاد الإبل الصغار إذا كانت وحدها، وكذلك الغنم معروف أنها لا تمتنع، وأن السبع يعتدي عليها ويفترسها.
стр. 777
حكم ضالة الغنم وصغار الإبل والبقر
إذا وجدت شاة ضالةً، وعرفت أنه ليس حولها أهلها؛ فإن لك أن تلتقطها، ولهذا قال في هذا الحديث: (خذها فإنها لك أو لأخيك أو للذئب) ؛ إما أن تحفظها لأخيك الذي هو صاحبها الذي افتقدها، وإما أن تتركها فيفترسها الذئب غالباً، وإما أن تأخذها ولا تجد صاحبها فتكون ملكاً لك، وإذا أخذها الملتقط فإنه يبقيها عنده، ويعمل فيها كما يعمل في اللقطه، بمعنى أنه يعرفها.
ومعلوم أنها تحتاج إلى نفقه، وتحتاج إلى من يرعاها، وتحتاج إلى من يسقيها إذا كانت تسقى ولا ترد الماء، وتحتاج علفاً فمثل هذه عليه أن يعلفها إن كان قادراً أو يقدر قيمتها ويدخلها في ملكه، أو يبيعها ويحفظ قيمتها بعد ما يحفظ أوصافها، فإذا لم يجد صاحبها وأدخلها مع غنمه، أو أدخل الفصيل مع إبله أو العجل مع بقره، ثم إنه تنامى وتوالد، وحصل له أولاد، فلمن هؤلاء الأولاد الذين تفرعوا عن هذه الشاة أو عن هذا العجل أو عن هذا الفصيل؟ ومن يملكهم؟ نقول: إذا جاء صاحبها بعد خمس سنين، وقد أصبحت خمساً أو عشراً فليس له إلا الأولى التي وجدت ضالةً منه، وأولادها الذين ولدوا عندك وأنت الذي ربيتهم ورعيتهم وحفظتهم وسقيتهم وعلفتهم، ولدوا في ملكك بعدما دخل في ملكك؛ فأنت أولى بها.
стр. 778
حكم من وجد لقطة فأخفاها
كثير من الناس من يجد اللقطة ولكن يخفيها، وتبقى عنده سنة ويأكلها، ثم بعد ذلك يندم ويسأل ويقول: إني وجدتها ولكني لم أعرفها، هل ينفع أن أعرفها بعد سنتين أو بعد ثلاث سنين؟ نقول: لا ينفع؛ وذلك لأن أصحابها غالباً قد يئسوا منها، فلا يهتمون بطلبها، ولا يسألون عنها، وقد اعتقدوا أنها اختلست منهم أو أخذت سرقة من مكانها، فأنت غررت بهم حيث أخفيتها هذه المدة.
فحينئذ نقول له: لا تملكها والحال هذه سواء كانت من بهيمة الأنعام، وجدتها في طريق أو متأخرة من دواب أو نحو ذلك؛ فأخفيتها وجعلتها مع غنمك، أو كانت نقوداً أخفيتها وجعلتها مع مالك، أو كانت متاعاً أخفيته ككيس وجدته أو علبةً أو كرتوناً أو نحو ذلك، أخفيته إلى أن مضى عليه مدة، وأيس منه أصحابه، ففي هذه الحال نرى أنه لا يملكها، ولكن يبيعها ويقدر ثمنها ثم يتصدق به إذا أيس من أصحابها، وتكون صدقةً مضمونة، بمعنى أنه لو جاء صاحبها بعد سنة أو سنين فيخبره ويقول: أنا وجدت هذا المال، ولكني أخطأت في إخفائه ولم أعرفه في حينه، وبعدما مضت المدة أو زادت تصدقت به، فالآن أنت بالخيار: إما أن يكون أجر الصدقة لك، وإما أن يكون الأجر لي، وأعطيك قيمتها، وإذا لم يفعل أو خاف فله أن يسلمها إلى من يتصدق بها مضمونةً، أو إلى بيت المال إذا كانت ذات قيمة.
وكذلك نقول: في بهيمة الأنعام التي يجدها كثير من الناس أو الأمتعة التي توجد على الطرق ساقطةً من أصحاب السيارات أو نحوهم، فمن يأخذها ويخفيها مدة، ثم بعد ذلك يندم، وكذلك في كل الأموال المجهولة، وكثير من الناس قد يكون عنده دين لإنسان أو أمانة لإنسان أو أجرة عمل أو نحو ذلك، وتبقى عنده مدةً، ويغيب عنه صاحبها ولا يجدها، أو يشتري من بقالة ثم يأتي بعد مدةً ويجد صاحب البقالة قد تغير أو قد نقل أو أن ذلك العامل تنتهي مدة إقامته ويرحل فلا يجده، فما تصنع بالمال الذي عندك؟ نقول: عليك أن تحرص على البحث عن أصحابه، فإن وجدتهم وإلا فتصدق به مضموناً أو أعطه من يتصدق به مضموناً.
стр. 779
شرح عمدة الأحكام [٥٨]
جعل الله للإنسان عند موته ثلث ماله يتصرف فيه بالوصية، وهذه الوصية مستحبة، وقد تجب في حق من عليه حق لا يعلم إلا بوصيته، وللوصايا أحكام كثيرة فصلها أهل العلم ﵏.
стр. 780
الوصايا
قال المصنف ﵀: [باب الوصايا: عن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله صلى عليه وسلم قال: (ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده) .
زاد مسلم قال ابن عمر: (فوالله ما مرت علي ليلة منذ سمعت رسول الله ﷺ يقول ذلك إلا وعندي وصيتي) .
وعن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: (جاءني رسول الله ﷺ يعودني عام حجة الوداع من وجع اشتد بي فقلت: يا رسول الله! قد بلغ بي من الوجع ما ترى، وأنا ذو مال ولا يرثني إلا ابنة، أفأتصدق بثلثي مالي؟ قال: لا.
قلت: فالشطر يا رسول الله؟ قال: لا.
قلت: فالثلث؟ قال: الثلث والثلث كثير، إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس، وإنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت عليها حتى ما تجعله في فيّ امرأتك.
قال: قلت: يا رسول الله! أخلف بعد أصحابي؟ قال: إنك لن تخلف فتعمل عملاً تبتغي به وجه الله إلا ازددت به درجة ورفعة، ولعلك أن تخلف حتى ينتفع بك أقوام ويضر بك آخرون، اللهم أمض لأصحابي هجرتهم، ولا تردهم على أعقابهم! لكن البائس سعد بن خولة يرثي له رسول الله ﷺ أن مات بمكة) .
وعن عبد الله بن عباس ﵄ قال: (لو أن الناس غضوا من الثلث إلى الربع فإن رسول الله ﷺ قال: الثلث والثلث كثير) ] .
стр. 781
تعريف الوصية والوصي
الوصايا: ما يوصي به الإنسان بعد موته، والوصي هو: الوكيل على هذه الوصايا، والإنسان قد يعرف من نفسه أنه سوف يموت، فيحتاج إلى من يخلفه في ذريته، ليكون وصياً عليهم، ويخلفه في ماله ليكون حافظاً له، ومنفقاً منه على ذريته ونحوهم، أو يخلفه في وقفه وفي صدقاته؛ ليوزعها ويعطيها لمن يستحقها وهكذا.
فلأجل ذلك شرعت الوصية، قال الله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ﴾ [البقرة:١٨٠] ، وهذا قد كان مفروضاً، والكتب هو: الإيجاب، كما في قوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة:١٨٣] ، فكان الرجل عند الموت يوصي فيقول: لوالدي من المال كذا، ولأخي من المال كذا، أو لابني أو لزوجي.
ونحو ذلك، يوصي لهم بهذه الوصايا، فإذا أوصى لهم فبعد موته تنفذ تلك الوصايا، ولما نزلت آيات المواريث قال النبي ﷺ : (إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصيه لوارث) فاستقرت الفرائض لأهلها، والوصية لغير الوارث.
стр. 782
الحث على الوصية
على الإنسان أن يهتم بما عنده من الحقوق فيكتبه، ففي هذا الحديث يقول ﷺ : (ما حق امرئ مسلم له شيء يريد أن يوصي فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده) ، والشيء الذي حث على كتابته مثل الأمانات والديون والأوقاف وكذلك وصيته ووصايا أبويه إذا كانت على يديه، فيكتب ما يخرجه من ماله، ويكتب مصارفه الذي يصرف فيها، ويكتب الناظر عليه والوكيل، ويكتب الديون التي في ذمته، والديون التي له مثلاً، ويكتب الحقوق والأمانات التي عنده، ويكتب الأشياء التي قد يجهلها غيره وهو يعلمها من الأملاك أو نحو ذلك، حتى لو فجأة الموت لم يكن مفرطاً، بل وجد ما عنده مكملاً، أما لو فرط ومات فجأةً بقيت ذمته مشغولة، وبقيت حقوق الناس وأماناتهم عنده وديونهم في ذمته؛ لأن الورثة قد لا يعلمون شيئاً عن ذلك، فيقتسمون ما خلف من الأموال، وقد يكون بعضها أو أكثرها لغيره، فيأكلون ما لا يستحقون، وسبب ذلك تفريطه هو حيث لم يثبت ما عنده من الأمور.
فلأجل ذلك يقول ابن عمر: (ما أتت عليّ ليلة منذ سمعت رسول الله ﷺ إلا ووصيتي عندي) ، وبعضهم يجعلها تحت رأسه، كلما تجدد له شيء زاد فيها وغير ونقص وأضاف، حتى إذا مات يكون قد أكملها، وقد روي في الآثار عن بعض السلف أنهم كانوا يكتبون في مقدمة وصيتهم: هذا ما أوصيت به، وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وأن عيسى عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وأن الجنة حق، وأن النار حق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور، فهذه وصية بمعنى الشهادة.
وكذلك يوصي أهله فيقول: أوصيكم بما أوصى به إبراهيم بنيه ويعقوب قال الله تعالى: ﴿أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ﴾ [البقرة:١٣٣] وقال تعالى: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ * وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ﴾ [البقرة:١٣١-١٣٢] ، ووصاهم بقوله: ﴿يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة:١٣٢] ، وويوصيهم بتقوى الله، فإنها وصية الله للأولين والآخرين كما قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [النساء:١٣١] ، ويوصيهم بالوالدين مثلاً لقوله تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ﴾ [العنكبوت:٨] .
стр. 783
الوصية في المال
في حديث سعد هذا الوصية بالمال، وقد أمره أن يقتصر على الثلث، فذكر سعد ﵁ أنه مرض مرضاً شديداً في حجة الوداع في سنة عشر، فعاده النبي ﷺ ، وكان في ذلك الوقت ليس له أولاد إلا بنت واحده وعنده أموال، فاستشار النبي ﷺ ؛ وذلك لأنه خاف من الموت، وقال: إن المرض قد بلغ بي ما ترى، فأخبر بأن المرض قد اشتد به، وأنه يخشى أن يفجأه الموت، وأنه له أموال كثيرة، وليس له ورثة إلا زوجته وبنته فيكفيهم بعض ماله، وأراد أن يتصدق بالثلثين، ولكن النبي ﷺ منعه من ذلك، ثم انتقل إلى النصف، فأراد أن يتصدق بنصف المال، ويترك للورثة النصف، ولكن النبي ﷺ منعه أيضاً، فانتقل إلى الثلث، فرخص له في الثلث، ولكن قال له: (الثلث والثلث كثير) .
وابن عباس ﵁ يقول: (لو أن الناس غضوا من الثلث إلى الربع) أي: اقتصروا على الربع فإنه فيه الكفاية، والنبي ﷺ قد أخبر بأن الثلث كثير، فالربع يكون وسطاً، ليس بقليل ولا كثير، وقد نقل عن أبي بكر الصديق ﵁ أنه قال: (أختار لنفسي ما اختاره الله، إن الله تعالى اختار الخمس أو رضي لنفسه الخمس في قوله تعالى: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ [الأنفال:٤١] ) فأوصى بالخمس، وهكذا غيره من الصحابة أوصوا الخمس من أموالهم ليكون صدقة من بعدهم؛ لأجل ذلك يقول العلماء: إن النهاية هو الثلث، فلا يزيد الموصي على الثلث إلا برضا الورثة، إلا إذا لم يكن ورثة فإن له أن يتصدق بجميع ماله؛ لأنه ما منع إلا لأجل الورثة؛ ولهذا قال النبي ﷺ لـ سعد بن أبي وقاص: (إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس) يقول: إنك إذا خلفت مالاً أغنيت ورثتك، وتركت لهم ما يتمتعون به، وما يأكلون منه وينتفعون به، وهذا أفضل لك إذا كانوا أغنياء، فينتفعون ويدعون لك بالرحمة وبالجنة، وتقر أعينهم ويرضون عنك، بخلاف ما إذا تصدقت بأموالك كلها، وتركتهم فقراء يسألون الناس، فإنهم سيمدون أكفهم، هذا معنى قوله: (عالة يتكففون الناس) أي: يسألونهم بأكفهم.
стр. 784
ما يستفاد من حديث سعد
في قصة سعد رضي الله عنة أنه لما قال له النبي ﷺ ذلك، خاف أن يموت بمكة فقال: (يا رسول الله! أخلف بعد أصحابي) يعني: هل أموت في هذا المكان أو أشفى وأخلف؟ فقال: (إنك لن تخلف -يعني: تعافى- فتنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت عليها) ، أية نفقة تنفقها على أهلك حتى اللقمة ترفعها في في امرأتك أي: حتى ما تطعم زوجتك، فإذا ابتغيت بذلك وجه الله فلك أجر عند الله تعالى.
ويقول أيضاً في هذا الحديث: (ولعلك أن تخلف حتى ينتفع بك أقوام، ويضر بك آخرون) ، واستجاب الله دعوة نبيه، فشفي سعد من هذا المرض، ورزق بعد ذلك بأولاد كثير، منهم مصعب وعامر وعمر وغيرهم.
وكذلك انتفع به أقوام، فقاد جيش القادسية الذي حصل به الوقعة العظيمة، وبقي إلى أن أدرك خلافة معاوية، فانتفع به أقوام، ورويت عنه أحاديث، وتضرر به آخرون من أعداء الله الذين قتلوا بسيفه وقتلوا بقيادته، فنفع الله به من أراد الله به خيراً.
ثم دعا النبي ﷺ بقوله: (اللهم أمض لأصحابي هجرتهم، ولا تردهم على أعقابهم، ولكن البائس سعد بن خولة.
يرثي له النبي ﷺ أن مات بمكة) ، وذلك لأن الصحابة ﵃ تركوا مكة لله، هاجروا منها لما أوذوا فيها، واستبدلوا بها دار هجرتهم وهي المدينة، وكانوا يكرهون أن يموتوا في مكة التي انتقلوا عنها، فـ سعد يكره أن يموت بها؛ لأنه قد تركها لله، فدعا له النبي ﷺ : (اللهم أمضي لأصحابي هجرتهم، ولا تردهم على أعقابهم) أي: لا تردهم إلى بلادهم التي تركوها لله، بل اشفهم وامض لهم هجرتهم، أما سعد بن خولة ﵁ فإنه مرض في مكة ومات بها، مع كونه قد هاجر منها، فرثى له النبي ﷺ بما حصل له، وسماه بائساً مع أنه معذور في ذلك؛ لأنه جاء مكة لأجل الحج فأصابه مرض فمات بها.
وبكل حال، الشاهد من هذا الحديث هو: ذكر الوصية التي اشتمل عليها هذا الحديث، وهو: أنه يستحب للإنسان أن يوصي من ماله، فيقال: إذا كان المال كثيراً، وسوف يترك للورثة ما يكفيهم ويغنيهم، جاز أن يتصدق منه بعد موته بثلثه أو بأكثر إذا لم يضر الورثة، ووافق الورثة على ما زاد عن الثلث، أما الثلث فلا خيار لهم فيه، بل يخرجه إذا أراد ولو كره الورثة، وعليهم أن ينفذوه، وقد جعله النبي ﷺ صدقة من الميت على نفسه رحمة من الله تعالى ورخصة له، قال ﷺ : (إن الله تصدق عليكم عند وفاتكم بثلث أموالكم زيادة في أعمالكم) أي: زيادة في حسناتكم أن تخرجوا هذا الثلث، ويكون صدقة منكم على أنفسكم، تجدون ثوابها، ولا تجوز الزيادة على الثلث؛ لأن النبي ﷺ حدده بقوله: (الثلث والثلث كثير) .
стр. 785
الحث على الصدقة في الحياة
الإنسان ما دام حياً فإن له أن يتصدق بما أرد، فقد ثبت أن أبا بكر ﵁ أخرج جميع ماله صدقة لله، في حديث عمر قال: (أمر النبي ﷺ بصدقة فوافق ذلك عندي مالاً فقلت: اليوم أسبق أبا بكر إن كنت سابقاً له.
فأتيت بنصف مالي فقال ﵊: ما تركت لأهلك؟ فقلت: مثله، وإن أبا بكر أتى بجميع ما عنده فقال له: ما تركت لأهلك؟ فقال: تركت لهم الله ورسوله) ، هكذا في الحياة جاء أبو بكر بجميع ماله الذي عنده، ووثق بأن الله سيرزقه وسيجعل له رزقاً، وجاء عمر بنصف ما كان عنده من المال، وترك النصف ليتمتع به، ويعطي منه أهله، وأقرهم النبي ﷺ على ذلك.
وقد ورد الحث على الصدقة في الحياة فقال النبي ﷺ : (أفضل الصدقة أن تصدق وأنت صحيح شحيح، تأمل الغنى وتخشى الفقر، ولا تمسك حتى إذا بلغت الروح الحلقوم قلت: لفلان كذا، ولفلان كذا، وقد كان لفلان) فيرشد إلى أن يخرج الصدقة ويتصدق بها ما دام حياً، وما دام سليماً قوياً، وهذا يدل على أنه أنفقها لله، وابتغاء مرضاة الله؛ ليكون ذلك أجراً له في الآخرة، وهذا يدل على كونه قد وقي شح نفسه ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر:٩] .
أما الذي يمسك أمواله، وكأنه سوف يعمر مئات السنين، ثم إذا حضره الموت أخرج أو قال: تصدقوا وأعطوا وأعطوا، فنقول: لا ينفذ من عطاياه في مرض الموت إلا الثلث، وما زاد عن الثلث فإنه لا ينفذ إلا برضا الورثة، أما الثلث فإنه ينفذ ولو لم يرض الورثة، إلا إذا خص به بعض الورثة، فقد ثبت أنه ﷺ قال: (لا وصية لوارث) ، فلا يعطي أحد أولاده في الحياة أو عند الممات أكثر من الثاني بغير مبرر، ولا يعطي لزوجته أو زوجاته ولا لإخوته إذا كانوا وارثين ولا لغيرهم من الورثة، بل يجعل المال على ما قسمه الله عليه، ويجعل الوصية لغير الوارثين.
كذلك أيضاً يجعل الوصية في العمل الصالح الذي يعود عليه بالخير وهو الوقف الذي ذكره النبي ﷺ بقوله: (إذا مات العبد انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له) ، فالصدقة الجارية هي الوقف الذي يخرجه في حياته ليتصدق منه بعد موته، أو الوصية التي يخرجها في حياته ليصل إليه أجرها بعد موته.
стр. 786
وجوه مصارف الصدقات
وجوه المصارف كثيرة ومتعددة، وأفضلها الصدقة على الفقراء، فإذا كانت الأوقاف أو الوصايا فيها ثمرات، كبستان فيه نخيل وفيه ثمار، فيقول: هذا النخل قد تصدقت به بعد موتي، ويخرج منه الثلث، ففي هذه الحال يتصدق به على المساكين وعلى المستضعفين من قريب وبعيد، ويخص القريب ويفضله لقول النبي ﷺ : (صدقتك على المسكين صدقة، وعلى ذي الرحم اثنتان: صدقة وصله) .
ومن وجوه الخير: بناء المساجد، وبناء المدارس العلمية لتحفيظ القرآن ونحوه، وطبع الكتب والمصاحف ونشرها، سيما في البلاد التي يعوزها الحصول على الكتب والرسائل ونحوها، وكذلك الأشرطة الإسلامية إذا جعل من ثلثه جزءاً تشترى به هذه الأشرطة الإسلامية وترسل إلى البلاد التي تحتاج إليها، والتي يكون لها نفع وتأثير، زيادة على الرسائل والكتب والخطب وما يشبهها.
ومن وجوه الخير: الجهاد في سبيل الله، فإذا كان هناك جهاد فإنه يشترى بهذه الوصية أسلحة وعدة للمجاهدين، يتقوون بها، ونفقة ينفقون منها على أنفسهم، ولاشك أن ذلك من القربات التي يكون تأثيرها نافعاً لكل من وفقه الله تعالى.
ووجوه الخير كثيرة، ومن جملتها الصدقات، وقد ذكر العلماء أن من الصدقات: الأضاحي التي تذبح في يوم عيد الأضحى، فإذا أوصى بها فإنها تنفذ وصيته، وإذا لم يوص بها فإنه يتصدق على المساكين بما يكون قائماً مقامها، وبالأخص في الأوقات الفاضلة، فالصدقة في رمضان أو في أوقات الجوع وفي البلاد التي يكثر فيها الجوع، ويغلب على أهلها الضرر أفضل، وما أكثرهم في هذه الأزمنة!
стр. 787
واجب الوصي في الوصية
وبكل حال إذا كان الإنسان له أموال كثيرة فإن الثلث لا يضر الورثة، أما إذا كان ورثته محتاجين فالأولى له ألا يوصي، وأن يترك ماله لورثته ليستغنوا به عن التكفف، سيما إذا كانوا ذوي حاجة، وأما إذا لم يكن له ورثة من أولاد وأقارب فإن له أن يتصدق بماله كله في حياته وبعد موته.
وإذا أوصى إلى شخص فإن ذلك الشخص -الذي هو الوكيل- عليه أن يتقي الله وأن يراقبه في ذلك؛ ولهذا قال تعالى: ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة:١٨١-١٨٢] يعني: قد يحيف بعض الموصين على ورثته، ويحاول أن يضرهم، فمثل هذا لا يجوز، فإذا وفقك الله أو كنت حاضراً عنده فأصلح بينهم وأرشده إلى ألا يجور في الوصية، ولا يخرج عن الحد المعتاد؛ حتى يقبل الله منه وصيته، وحتى يرضى عنه ورثته.
стр. 788
شرح عمدة الأحكام [٥٩]
لقد تكفل الله بقسمة الفرائض بنفسه، وفي هذا دليل على أهميتها، وذلك لأن حقوق الآدميين مبنية على المشاحة، بخلاف حقوق الله فإنها مبنية على المسامحة.
وللمواريث شروط وأسباب وموانع فصلها الفقهاء في كتب مستقلة.
وعلم المواريث من أهم العلوم، ويحتاج في تعلمه إلى معرفة قواعد وتطبيقات وأمثلة، وفي كتاب عمدة الأحكام بيان للمعالم الرئيسة المهمة في الفرائض.
стр. 789
أحكام المواريث وبيان الأنصباء
قال المؤلف ﵀: [باب الفرائض: عن عبد الله بن عباس ﵄، عن النبي ﷺ قال: (ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقي فهو لأولى رجل ذكر) ، وفي رواية: (اقسموا المال بين أهل الفرائض على كتاب الله، فما تركت الفرائض فلأولى رجل ذكر) .
وعن أسامة بن زيد ﵄ قال: قلت: (يا رسول الله! أتنزل غداً في دارك بمكة؟ قال: وهل ترك لنا عقيل من رباع أو دور، ثم قال: لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم) ] .
هذان الحديثان في قسمة المواريث بين الورثة، وهو أمر يتعلق بالأموال، ولكن له أهميته؛ وذلك لأن فيه إيصال الحقوق إلى أهلها، والمراد أن الميت إذا مات وخلف مالاً فهذا المال لا شك أن أحق من يأخذه أقارب ذلك الميت الذي جمعه والذي ملكه، فهم أولى بأن يكونوا هم الوارثين له.
стр. 790
أدلة المواريث من القرآن الكريم
لقد أنزل الله تعالى خمس آيات في المواريث.
الآية الأولى مجملة: وهي قول الله تعالى: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَفْرُوضاً﴾ [النساء:٧] .
فهذه الآية أجمل الله فيها نصيب الرجال والنساء، إلا أنه عرف أن للرجل نصيباً من مورثه وللمرأة نصيباً.
حتى جاءت الآية الثانية التي بيّن الله فيها ميراث الأولاد ذكوراً وإناثاً، وبيّن فيها ميراث كل من الأبوين، على التفصيل، وذلك في قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمْ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ﴾ [النساء:١١] يعني: الذكور والإناث، ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ [النساء:١١] .
فهذه الآية ذكر الله فيها أن الميت إذا مات وله أولاد قسم ماله بين أولاده، للذكر سهمان وللأنثى سهم، فإذا لم يكن له إلا بنات، فإنهن لا يزدن على الثلثين ولو كن عشراً فيشتركن في الثلثين، أما إذا كانت واحدة فإنها تستقل بالنصف فتأخذ النصف وحدها.
كذلك ذكر ميراث الأم والأب، فإذا كان للميت أولاد فإن لكل من الأبوين السدس، والبقية للأولاد يقسم بينهم: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ﴾ [النساء:١١] .
وإذا كان هناك أبوان فقط وليس للميت ولد، فإن المال يقسم بين الأبوين، الأب له الثلثان والأم لها الثلث، أما إذا وجد للميت إخوة حجبوا الأم ومنعوها من الثلث وأنزلوها إلى السدس، هذه قسمة أنصباء الأبوين وأنصباء الأولاد.
أما الآية الثالثة فبين الله فيها أنصباء الزوجين والإخوة من الأم، وهي قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمْ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ﴾ [النساء:١٢] ثم قال: ﴿وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ﴾ [النساء:١٢] في هذا ذكر نصيب أحد الزوجين من الآخر، فبيّن الله أنه إذا كان له أولاد ذكور أو إناث؛ واحد أو عدد؛ أن زوجته لا تأخذ إلا الثمن، فإذا لم يكن له أولاد ولا أولاد ابن فإنها تأخذ الربع.
أما الزوج فيأخذ النصف إذا لم يكن للزوجة أولاد ولا أولاد ابن، فإذا كان لها ولد أو ولد ابن فإنه لا يأخذ إلا الربع.
ثم بيّن الله في نفس الآية ميراث الإخوة من الأم في قوله: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً﴾ [النساء:١٢] أي: ليس له أولاد ولا والدان: ﴿وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ﴾ [النساء:١٢] يعني: أولاد أم، ﴿فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾ [النساء:١٢] ، أي: للأخ أو الأخت من الأم السدس، ﴿فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾ [النساء:١٢] أي: الإخوة من الأم لا يزيدون عن الثلث ولو كثر عددهم، فهذه الآية ذكر الله فيها ميراث الزوجين وميراث الإخوة من الأم.
أما الآية الرابعة في آخر سورة النساء وهي قوله تعالى: ﴿إِنْ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾ [النساء:١٧٦] إلى قوله: ﴿فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ﴾ [النساء:١٧٦] ثم قال: ﴿وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالاً وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ﴾ [النساء:١٧٦] ، وفي نفس الآية ذكر ميراث الأخ بقوله: ﴿وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ﴾ [النساء:١٧٦] .
فبيّن ميراث الأخوات، فإذا كانت واحدة أخذت النصف، أو اثنتين فلهما الثلثان، والجماعة ذكوراً وإناثاً يقتسمون المال كما يقتسمه الأولاد للذكر مثل حظ الأنثيين، والأخ الواحد يرث مال أخته كله إذا كان وحده، وكذلك إذا كانوا جماعةً، هذه الآية ذكر الله فيها ميراث الإخوة الأشقاء والإخوة من الأب.
стр. 791
ميراث العصبات
أما الآية الخامسة في آخر سورة الأنفال وهي قول الله تعالى: ﴿وَأُوْلُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ [الأنفال:٧٥] فذكر الله أولي الأرحام، وأن بعضهم أحق ببعض، فإذا كان بعضهم أولى ببعض فإن من أحقيتهم أن يأخذوا ما بقي من المال، وقد بيّن النبي ﷺ أن هذا الأخذ يسمى: تعصيباً، والتعصيب: هو أن يرث المال بدون أن يحدد له جزءاً معيناً، وذلك ما أشار إليه ﷺ في هذا الحديث بقوله: (ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقي فلأولى رجل ذكر) ، وتأكيد وصف الرجل بقوله: (ذكر) من باب التأكيد، وإلا فمعلوم بأن الرجل اسم للذكر، فكلمة: (أولى) يراد بها الأقرب يعني: فلأقرب العصبة وأولاهم بذلك الميت، فإنه هو الذي يأخذ ما بقي، ويسمى أخذه: عصبة.
وبيّن العلماء أن العصبة هم أقارب الميت من الأصول ومن الفروع ومن الحواشي، فالأصول: هم أبوه وجده وجد أبيه، أما فروعه: فهم أبناؤه وأبناء أبنائه وأبناء أبناء أبنائه وإن بعدوا؛ لأنهم تفرعوا منه.
أما أقاربه الآخرون: فهم إخوته وبنو إخوته وبنو بنيهم، وكذلك إخوة أبيه الذين هم أعمامه، وبنو أعمامه وبنو بنيهم، ثم أعمام أبيه، ثم بنوهم، ثم أعمام جده وهكذا، ويسمون عصبة؛ لأنهم في الغالب يتعصبون لقريبهم ويحمونه ويجتمعون معه؛ فلأجل ذلك كانوا هم ذوي أرحامه، وأمر النبي ﷺ بأن يعطوا حقهم مما بقي بعد أهل الفروض، فمعنى قوله: (ألحقوا الفرائض بأهلها) يعني: أعطوا أهلها حقهم من الفرائض وما بقي فأعطوه الأقارب من ذوي الأرحام أو من العصبة، هذا معنى الإلحاق أي: سلموها وأعطوها لهم، والباقي أعطوه من يستحقه من ذوي العصبات ونحوهم.
стр. 792
ميراث أهل الفروض مع العصبات
وقوله: (ألحقوا الفرائض بأهلها) يعني: أعطوهم فروضهم على ما في كتاب الله تعالى، فإذا كان أهل الفرائض إناثاً كما لو لم يكن له إلا بنتان أو ثلاث بنات أعطيناهن الثلثين والباقي نعطيه أقرب العصبة من الورثة كالابن أو ابن الابن مثلاً، أو الأخ أو ابن الأخ أو نحوهم؛ لأنه أولى رجل وأقرب رجل بعد البنات.
وهكذا لو كان أهل الفروض زوجاً، فإن كان الزوج يأخذ النصف فالبقية للأخ أو ابن الأخ أو العم أو ابن العم إذا كان أقرب من غيره، وهكذا إذا كان صاحب الفرض أخاً لأم فإنا نعطيه السدس والبقية نعطيه لأقرب العصبة كأخ شقيق، أو أخ لأبٍ، أو ابن أخ، أو عم، فننظر أقرب الأقارب من ذوي الأرحام فيأخذ بقية المال الذي تركته الفرائض.
كذلك لو كان الميت لم يخلف إلا أمّاً من أهل الفروض أخذت نصيبها وهو الثلث، والبقية يأخذه العاصب كالعم أو ابن العم أو ابن الأخ أو نحوهم، ننظر من هو أقربهم.
стр. 793
التقديم بين العصبات في الإرث
معلوم أن الأب له قرابة والابن له قرابة، لكن قرابة الابن أقوى؛ وذلك لأن الغالب أن الجامع الذي يجمع المال يحرص على أن يورثه لأولاده، وقد ورد ذلك في قوله ﷺ كما تقدم: (إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس) فإذا كان للميت ابن وأب، فالأب يعتبر صاحب فرض وهو السدس، والبقية نعطيها للابن فهو أولى رجل ذكر، يعني: أقرب الورثة، ولا يقال: إن الأب أحق منه؛ لأن الله جعل للأب فرضاً ولم يجعل للابن فرضاً، بل جعل الابن يأخذ المال كله، أو يأخذ ما بقي من المال بعد أهل الفروض، أما إذا لم يكن هناك ابن فإن الأب يكون أقوى وأولى من غيره، فإذا كان هناك مثلاً زوجة وأب، فإن الزوجة تأخذ الربع فرضاً والأب يأخذ الباقي فهو أولى رجل ذكر.
كذلك إذا لم يكن عندنا ابن ولا أب، فأقرب الأقارب هم إخوة الميت، فننظر أقواهم فنعلم أن الأخ من الأبوين أقوى من الأخ من الأب، فإذا كان عندنا جدة وأخ شقيق وأخ من الأب أعطينا الجدة سدسها والباقي أعطيناه الشقيق؛ لأنه أقوى حيث يدلي جهتين: جهة الأبوة وجهة الأمومة، ونسقط الأخ من الأب لقوة الأخ الشقيق، فإذا لم يكن عندنا أخ شقيق فالأخ من الأب أقوى من العمومة وأقوى من بني الإخوة ونحوهم، فإذا لم يكن عندنا إخوة ولا بنوهم فلا شك أن العم الذي هو أخو الأب ينزل منزلة الأخ أو ينزل منزلة الأقرب فيعطى بقية المال، أو يعطى المال كله إذا لم يكن هناك ذوو فرض.
وهكذا فيقدم الابن ثم يقدم الأب ثم يقدم الأخ الشقيق ثم الأخ من الأب ثم ابن الأخ الشقيق ثم الأخ من الأب ثم بعد ذلك ابن العم الشقيق ثم ابن العم من الأب، ثم ينقل إلى عم الأب ثم عم الجد وما تفرع عنهما، هذا معنى قوله: (فلأولى رجل ذكر) .
وهذا العلم الذي هو علم الفرائض هو من أهم العلوم، ويحتاج في تعلمه إلى معرفة قواعد ومعرفة تطبيقات ومعرفة أمثلة، ولأجل ذلك اهتم به العلماء المتقدمون والمتأخرون، وألفوا فيه مؤلفات خاصة لا يمكن أن تذكر في مثل هذه الحلقات العامة.
لا بد أن تبدأ من أوائله وقواعده وشروطه ونحوها، تبدأ من أوله، فالذي يريد معرفته عليه أن يأخذ فكرة عن كيفية ابتدائه وكيفية تطبيقه، والشروط التي تشترط له، ولكن كتب الفقه والأحكام اقتصرت في علم الفرائض على مهمات المسائل.
стр. 794
موانع الإرث
ذكروا أن للتوارث ثلاثة شروط، وأن له ثلاثة أركان، وله ثلاثة أسباب، وله ثلاثة موانع، وقد توسعوا فيها كلها، ولا نحب أن نبحث فيها لطولها، وإنما نذكر الموانع التي ذكر في الحديث بعضها.
فالموانع التي تمنع الإرث: الرق، والقتل، واختلاف الدين.
стр. 795
المانع الأول: الرق
فالرق: هو العبودية، والرقيق: هو المملوك الذي ليس له تصرف في نفسه بل ملكيته لسيده الذي يملكه، فهذا لا يرث ولا يورث؛ لأنه ليس له مال، ولأنه لو ورث من أبيه الحر لأخذ ذلك المال سيده، وسيده ليس بينه وبين عصبة أبيه قرابة.
стр. 796
المانع الثاني: القتل
إذا قتل إنسان قريبه حرم من ميراثه، ولو كان القتل خطأً؛ وذلك سداً للذريعة حتى لا يعمد أحد إلى قتل قريبه لأجل أن يرثه، فيتخذ القتل وسيلة لإرث قريبه حتى يأخذ المال.
ومشهور أن رجلاً من بني إسرائيل كان عمه ثرياً كثير المال، وكان له ابنةً واحدة، وليس يرثه إلا ابن أخيه وابنته، فخطب ابنة عمه فرفض عمه أن يزوجه بها فقال: سأقتل عمي وآخذ ماله وأتزوج ابنته، فعند ذلك قتله، وهو الذي نزل فيه قصة البقرة التي أمرهم الله بذبحها، فقاموا بعد تردد بذبح البقرة، فأخذ موسى عضواً من أعضائها فضرب به ذلك الميت فحيي وقال: قتلني ابن أخي، ثم عاد ميتاً، فمن ثم حرم القاتل من الميراث حتى ولو لم يكن متعمداً.
وكذلك حوادث السيارات إذا كان الذي يقودها له نسبة من الخطأ ولو قليله، ومات معه أحد أقاربه لم يرث منه، أما إذا كانت نسبة الخطأ كلها على الطرف الثاني؛ فإنه يرث ممن مات معه من أقاربه، أما لو كان متسبباً ولو بجزء قليل من الخطأ، مثل أن يكون على هذا ثمانون في المائة من الخطأ وعليه هو عشرون في المائة، فما دام أن عليه عشرين في المائة فإنه محروم من ميراث من مات معه من أقاربه، أما إذا لم يكن له نسبة، بل الخطأ على الطرف الثاني كله فلا يمنع من الإرث.
стр. 797
المانع الثالث: اختلاف الدين
من المعلوم أن من موانع الإرث: اختلاف الدين، وقد جاء في الحديث أنه ﷺ لما افتتح مكة سنة ثمان قال له أسامة بن زيد: (أين تنزل غداً في مكة؟ فقال: وهل ترك لنا عقيل من رباع، ثم قال: لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم) .
بيان ذلك أن عقيل بن أبي طالب وهو أخو علي بن أبي طالب لما مات أبو طالب لم يرثه إلا عقيل، ولم يرث منه علي ولم يرث منه جعفر؛ لأنهما مسلمان، وعقيل باق على كفره فهو الذي ورث أباه أبا طالب.
قول أسامة: (أين تنزل غداً؟ فقال: وهل ترك لنا عقيل من رباع) الرباع: البيوت والرحبات التي حولها، والأماكن التي كان يملكها أبو طالب، فورثها بعده عقيل بن أبي طالب واستبد بها، وأسلم وهي له ولم يرث غيره أحد من إخوته.
فدل هذا على أن الكافر لا يرث المسلم ولا المسلم يرث الكافر، فإذا مات ميت كافر فإن ميراثه لقرابته الكفار، فإذا لم يكن له قرابة من الكفار فميراثه لبيت المال ويعتبر فيئاً، وكذلك لو مات رجل مسلم وأقاربه كلهم كفار فماله لبيت المال، لا يعطى أقاربه الذي ليسوا على دينه من ماله شيئاً؛ وذلك لأن الإسلام فرق بين المسلم والكافر، وجعل كلاً منهما بعيد الصلة عن الآخر، قال الله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة:٧١] فجعل الولاية للمؤمن على المؤمن، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾ [الأنفال:٧٣] أي: لا توالوا الكفار بل اجعلوا ولايتهم فيما بينهم، لا تجعلوا ولاية لكم عليهم؛ لأنه لا ولاية ولا قرابة بين مسلم وكافر، فمن آثار قطع الولاية أنهم لا يتوارثون حتى ولو كانوا مجتمعين في بيت واحد أو في بلد واحد.
والكفر هنا هو كل عمل يخرج صاحبه من الإسلام، ولو لم يكن على ملة، فالنصراني الذي أبواه مسلمان لا يرث منهما؛ وذلك لاختلاف الدين، وكذلك لو كان بوذياً وأبواه مسلمان؛ فإنه لا يرثه أبواه ولا يرث هو من أبويه.
وهكذا الديانات أو العقائد الفاسدة مثل: النصيرية الموجودة في سوريا وغيرها، لا شك أنهم كفار فلا يتوارثون مع المسلمين ولو كانوا أقارب لهم.
والقاديانية: وهم يوجدون بكثرة في الهند وفي باكستان ونحوها، لا شك أنهم كفار، فلا يتوارثون مع أقاربهم المسلمين.
الدروز: وهم يوجدون في لبنان وسوريا، لا شك أنهم كفار، فلا يتوارثون مع أقاربهم المسلمين.
وكذلك الباطنية: والباطنية يقول فيهم العلماء: ظاهرهم الرفض وباطنهم الكفر المحض، فلا يتوارثون مع أقاربهم المسلمين.
وإذا حكمنا بكفر أهل ملة فإننا نقطع الصلة بينهم وبين أقاربهم، فإذا حكمنا مثلاً بكفر تارك الصلاة المصر على تركها المعاند فيها، الذي لا يصلي أصلاً لا وحده ولا مع جماعة قلنا: لا يرثه أقاربه ولا يرث من أقاربه بل يكون ماله لبيت المال، وإن كنا نحكم بأنه إذا كان كذلك يصير مرتداً، والمرتد لا يقر على ردته، بل يستتاب فإن رجع وإلا قتل.
وكذلك العقائد السيئة التي يكفر بها، وقد ذكر العلماء من العقائد التي يكفر بها: عقيدة الجهمية الذين يبالغون في تحريف القرآن في باب الصفات، وكذلك الذين يقولون بالجبر والإرجاء ونحوها، هؤلاء كثير من العلماء يكفرونهم ويخرجوهم من الإسلام، وعلى هذا فلا يتوارثون مع المسلمين.
وكذلك أيضاً غلاة الرافضة لا شك أنهم كفار، الذين يطعنون في القرآن، أو يطعنون في أجلاء الصحابة الذين نقلوا لنا الدين ويكفرونهم، أو كذلك الذين يشركون ويدعون غير الله تعالى في الشدائد والملمات ونحوها يكفرون، وعلى هذا فلا يتوارثون مع أقاربهم من المسلمين.
فعرفنا بذلك أن الإسلام حث أهله على أن يوالوا كل مسلم ولو كان بعيداً في النسب، ويقاطعوا كل كافر ولو كان قريباً في النسب.
стр. 798
حكم بيع الولاء وهبته
قال المؤلف ﵀: [عن عبد الله بن عمر ﵄: (أن النبي ﷺ نهى عن بيع الولاء وهبته) .
وعن عائشة ﵂ قالت: (كان في بريرة ثلاث سنن: خيرت على زوجها حين عتقت، وأهدي لها لحم، فدخل عليّ رسول ﷺ والبرمة على النار، فدعا بطعام فأتي بخبز وأدم من أدم البيت، فقال: ألم أر البرمة على النار فيها لحم، قالوا: بلى يا رسول الله، ذلك لحم تصدق به على بريرة، فكرهنا أن نطعمك منه، وقال: هو عليها صدقة وهو منها لنا هدية، وقال رسول الله ﷺ فيها: إنما الولاء لمن أعتق) ] .
قوله: (أن النبي ﷺ نهى عن بيع الولاء وهبته) ، الولاء هنا: ولاء العتاقة، ورد في بعض الأحاديث: (الولاء لحمة كلحمة النسب، لا يباع ولا يوهب ولا يورث) ، والمراد به أن الرجل إذا كان يملك عبداً فأعتقه، فذلك العبد العتيق يصير مولىً لذلك المعتق، وكأنه أحد أسرته وأحد أقاربه، ينتمي إلى تلك القبيلة التي هي قبيلة المعتق، وينتسب إليهم، ويكون كأحد أفرادهم، فلا يجوز أن تباع قرابته ولا أن توهب ولا أن تورث، بل تصير منة المعتق عليه أنه يلحق بنسبه ويكون كأحد أفراد النسب، هذا المراد بالولاء.
ولهذا شبه بالنسب: (لحمة كلحمة النسب) ، والنسب لا يجوز أن يباع ولا يجوز أن يوهب، فلو أن إنساناً مثلاً من قبيلة مشهورة أراد أن يخرج عن هذه القبيلة ويقول: أنا أبرأ من هذه القبيلة، وأنا أنتسب إلى قبيلة أخرى، كما لو كان مثلاً من قبيلة تميم وأراد أن ينتسب إلى غطفان، هل يجوز له ذلك؟ لا يجوز، هل يجوز لبني تميم أن يبيعوا واحداً منهم، ويقولون: نبيعكم يا غطفان، نبيعكم يا بني حنظلة، نبيعكم يا رباب هذا الرجل الذي كان منا ويكون واحداً منكم وينتسب إليكم؟ نقول: هذا أيضاً لا يجوز.
فإذا لم يجز بيع النسب فكذلك بيع الولاء.
يقول: (نهى عن بين الولاء وهبته) البيع: أخذ العوض على المبيع، والهبة: الهدية بلا عوض أو بلا عوض مسمى.
بمعنى أنه لا يجوز للمعتق أن يقول لإنسان أجنبي: بعتك قرابتي من هذا العبد الذي أعتقته بكذا وكذا، أو أهديتك قرابتي منه أو ولايتي منه، كما لا يجوز أن يبيع أولاده، فلا يجوز أن يقول: بعتك ولدي هذا، أو قرابتي من هذا الولد، أو أهديتك قرابتي من هذا الولد، أو قرابتي من هذا الأخ أو من هذا العم، أو نحو ذلك.
كما لا يجوز للرجل أن ينتسب إلى غير أبيه، ولا يتولى غير مواليه، هكذا ورد في بعض الأحاديث: (نهى أن ينتسب الرجل إلى غير أبيه، أو يتولى غير مواليه) ، مواليه: هم الذين أعتقوه، وقد أخبر الله تعالى بأن العتق نعمة، قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب:٣٧] يعني: أن زيد بن حارثة أنعم الله عليه بالإسلام وأنعمت عليه بالعتق، فجعل إعتاقه وتحريره نعمة، فالسيد إذا أعتق عبده أصبح ذلك العبد يملك نفسه ويتصرف في نفسه، ولكن لسيده الذي أعتقه عليه الولاء، بحيث إنه يواليه وينتسب إليه وينصره، ويصير كأنه فرد من أفراد أسرته، هذا هو الولاء الذي هو ولاء العتاقة، وهو أيضاً من أسباب الميراث، يقول الرحبي: أسباب ميراث الورى ثلاثه كل يفيد ربه الوراثه وهي نكاح وولاء ونسب ما بعدهن للمواريث سبب فجعل الولاء سبباً من أسباب الإرث، ومعناه: أنه يرث عبده الذي أعتقه، إذا لم يكن للعتيق أحد من أقاربه من النسب، فإنه يرثه حينئذٍ معتقه أو عصبة معتقه من الرجال، فإذا مات هذا العتيق فإن كان له أولاد أو إخوة أو أعمام أو بنو عم ورثوه، فإذا لم يكن له أحد من هؤلاء فلمن يكون ماله؟ يكون لمعتقه.
المعتق: هو الذي أنعم عليه فهو أحق بتركته يرثه كما يرث بالنسب؛ لأجل أن النبي ﷺ شبهه بالنسب: (الولاء لحمة كلحمة النسب لا يباع ولا يوهب) .
стр. 799
الولاء لمن أعتق
في الحديث الثاني: قصة بريرة وكانت أمة مملوكة ولكنها أعتقت؛ وذلك لأنها مملوكة لقوم من قريش، فاشترت نفسها منهم بثمن مؤجل، وأرادت أن تشتغل حتى تؤدي ثمنها، فجاءت إلى عائشة تطلب منها أن تعينها في دفع الثمن، وعرفت عائشة فيها الأهلية والكفاءة والحذق فاختارت أن تعينها على العتق، فقالت: أنا أدفع لك كامل الثمن لتعطيه مواليك ويكون الولاء لي، يعني: أنا أدفع لهم الثمن فكأنهم باعوكِ لي وأعطيتهم الثمن، ولكن يكون الولاء لي، الولاء الذي هو الانتساب، ولكن أولئك الذين كانوا يملكونها أصروا أو امتنعوا إلا أن يكون الولاء لهم، يريدون أن يأخذوا الثمن، ومع ذلك يكون الولاء لهم.
стр. 800
حكم اشتراط الولاء لغير المعتق
فلما علم بذلك النبي ﷺ أخبر بأن هذا خلاف شرع الله وخلاف حكم الله، وأن الولاء لمن أعتق، فقال: (ما بال رجال يشترطون شروطاً ليست في كتاب الله، كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل، قضاء الله أحق وشرط الله أوثق، وإنما الولاء لمن أعتق) ، فأصبحت هذه قاعدة من القواعد الشرعية: الولاء لمن أعتق.
الولاء: هو ولاء العتاقة، يعني: العتيق يوالي من أعتقه وينتسب إليه، ولا يكون لغير من أعتق؛ وذلك لأنه مقابل هذه النعمة.
стр. 801
السنن المستفادة من قصة بريرة
ذكرت في هذا الحديث أن في بريرة ثلاث سنن: السنة الأولى: أنها خيرت لما عتقت بالبقاء مع زوجها المملوك فاختارت نفسها، وقد كان لها زوج يقال له: مغيث، فلما عتقت كانت بلا شك أفضل منه؛ لأنها حرة وهو عبد، فعند ذلك خيرت، قيل لها: أتختارين البقاء مع زوجكِ، أم تختارين فراقه؟ فقالت: لا أريده، ولا رغبة لي فيه، فأصبح ذلك سنة، أن الأمة إذا كانت زوجة لمملوك فعتقت فإنها تخير، إما أن تختار البقاء تحت ذلك العبد، وإما أن تختار التحرر وعدم البقاء معه، فتطلق منه إذا اختارت.
أما إذا كان زوجها حراً فلا خيار لها؛ وذلك لأنها تصبح مثله، هو حرٌ وهي قد أصبحت حرة، قد كانت مملوكة قبل ذلك ثم أعتقت وزوجها حرٌ فليس لها اختيار، بل تبقى في عصمته، ولا تقدر على أن تخلص نفسها، بخلاف المملوك، فإنها تخلص نفسها منه، إن شاءت بقيت وإن شاءت تحررت وطلقت، يقولون: عتقها طلاق لها إذا شاءت.
أما السنة الثانية: فهي أنه ﷺ دخل مرة فدعا بطعام، فأتوه بشيء من طعام البيت من خبز وإدام من خلٍ أو نحوه، وكان قد رأى على النار برمة فيها لحم، فقال: (ألم أر البرمة على النار فيها لحم؟ فقالوا: بلى، ولكنه صدقة) ، أي: وأنت لا تأكل الصدقة.
كان الطعام صدقة تصدق به على بريرة؛ لكونها مملوكة أو لكونها كانت أمة، فهذه صدقة تصدق به عليها، فقال النبي ﷺ : (قربوه فهو لها صدقة ولنا هدية) ، أي هو عليها صدقة لكونها تستحق الصدقة، ولكن الصدقة قد بلغت محلها فكأنها أهدته إليه، فأكل منه ﵊.
فمعروف أنه ﷺ ما كان يأكل الصدقة بل يأنف منها ويقول: (إن الصدقة لا تحل لبني هاشم، وإنما هي أوساخ الناس) ، سواء كانت صدقة فرض كالزكوات أو صدقة تطوع، بل كان لا يأكل منها أحد من بني هاشم ولا من أقاربه، ولكنه كان يقبل الهدية، فهذا اللحم هدية أهدي إليه ﷺ ، كأنها لما تصدق به عليها لم تكن تأكل ذلك اللحم كله، فأعطته لأهل بيت النبي ﷺ ، فقبله وصار هدية فأكل منه.
السنة الثالثة: أن الولاء لمن أعتق؛ فهذه ثلاث سنن في هذه المملوكة التي تحررت وأصبحت مولاة لـ عائشة.
وبكل حال الشاهد: أن الولاء الذي هو قرابة سببه نعمة المعتق على عبده بالعتق، فإنه يرثه هو أو عصبته الذين هم الرجال دون النساء، فإذا مات العتيق ولم يكن له أقارب ورثه المعتق، فإذا لم يكن هناك معتق، ورثه أولاد المعتق أو إخوة المعتق أو أقارب المعتق ويكونون أحق به؛ لكونه منسوباً إليهم، وهكذا مثلاً لو انقطع نسب المعتق، المعتق الذي من بالعتق، وليس له وارث إلا عبده الذي أعتقه فإنه يرثه؛ وذلك لقوة الصلة بينهما، هذا هو القول الراجح الصحيح، وهذا هو مناسبة ذكر الحديث في الفرائض.
стр. 802
الأسئلة
стр. 803
حقيقة الرافضة وسبب انخداع كثير من الناس بهم
السؤال
يوجد مجموعة من المتكلمين في هذه الأزمنة يقولون: إنه ليس ثمة فروق بيننا وبين الرافضة، وإنما الفرق بيننا وبينهم هو بمقدار شيء ضئيل، وقد انطلى هذا القول على كثير من الناس، ومع أن الذي ندين الله به أن الفرق بيننا وبينهم كما هو الفرق بين الكفر والإسلام، فما هو رأي الشرع في ذلك، وفيما يقوله هؤلاء المتكلمون؟
الجواب
هذا قول خاطئ؛ وذلك لأنهم انخدعوا بالرافضة، انخدعوا بهم لما يرون مثلاً من سلاسة أقوالهم، ومن تحسين أخلاقهم، ومن لين كلامهم، ومن ملاطفتهم لغيرهم، ومن وفائهم مثلاً بالعهود، ومن إظهارهم للأمانة، ومن إظهار نصحهم للولاة ونحو ذلك.
وكذلك من حسن معاملتهم في البيع والشراء، وإظهارهم للأمانة فيما ائتمنوا عليه ونحو ذلك، فيقولون: هذه الأخلاق لا يمكن أن يتحلى بها الكفار، فدل على أنهم مسلمون.
نقول: هذه الأخلاق قد يتحلى بها الكفار، فالكفار قبل الإسلام فيهم من هم أهل صدق وأهل كرم وأهل وفاء وأهل عهود وأهل أمانة وأهل سخاء، فلا يستبعد أن يتخلق الرافضة بهذه الأخلاق، وقصدهم من التخلق بها أن يستميلوا أكثر الناس، وأن يخدعوا أغلب الناس بأن يقولوا: نحن نتحلى بأخلاق المسلمين ونحن نتأدب بآداب القرآن، ونحن نعمل بتعاليم الدين فنحن من أهل هذا الدين، هذا هو ما يظهرونه.
ومعلوم أنهم يظهرون لأغلب الناس أنهم معهم، وأنهم ينطقون بلا إله إلا الله، محمد رسول الله، وأنهم قد يصلون معهم إذا اضطروا إلى ذلك، وأنهم يسمعونهم قراءة القرآن وما أشبه ذلك؛ فهم يخدعون كثيراً من الناس، مع أنهم في الحقيقة منافقون.
ومعلوم أن المنافقين الذين في عهد النبي ﷺ كانوا يغزون مع المسلمين، ويتصدقون مع المسلمين، ويصلون معهم في مسجدهم، ولكن كما قال الله: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ [البقرة:١٤] ، فهذا معتقد الرافضة في هذه الأزمنة، كانوا قبل ثلاثين سنة أو نحوها أذلة، فلم يكونوا يظهرون شيئاً من معتقداتهم، ولكن نشطوا في الأزمنة المتأخرة فأظهروا شيئاً من معتقداتهم، والآن قد بنوا لهم مساجد خاصة يسمون الواحد حسينية، وصاروا يتعبدون فيها، وإذا دخل معهم أهل السنة يصلون فيها أخرجوهم وقالوا: هذا مسجدنا، ولا يخالطون المسلمين في مساجدهم، بل لا يعترفون بإمام من أهل السنة ولا يستبيحون أن يصلوا خلف واحد منا، ويعتقدون أن الصلاة لا تصح إلا خلف من هو معصوم، فأئمتنا وخطباؤنا وعلماؤنا عندهم لا تصح الصلاة خلفهم؛ لأنهم ليسوا من المعصومين، فهم يكفرون من ليس على طريقتهم، هذا مشهور عنهم وأمر ظاهر، ودليل ذلك أنهم حتى في غير بلادهم التي هي في الأصل الأحساء وفي القطيف، لكن الآن تمكنوا في أماكن كثيرة في الدمام وفي الخبر، بل وتمكنوا كذلك في الرياض وفي الحجاز ونحوها.
فلا جرم في أنهم صاروا يداهنون أحياناً، ولكن الغالب أنهم يظهرون ما هم عليه، فتجدهم لا يصلون في مساجد المسلمين في تلك البلاد.
على كل حال الفرق ظاهر، هذا من حيث الظاهر، أما الباطن فأمره أجل وأجل؛ وذلك لأنهم يعتقدون كفر أهل السنة، بل يتمنون أن يتمكنوا من كل سني فيقضون على حياته، وكذلك حقدهم على الصحابة وبغضهم لكل الصحابة ونيلهم منهم، وتمنيهم أن يتمكنوا من لعنهم وشتمهم علناً، وقد ذكر لنا بعض الإخوان أنهم في يوم عاشوراء هذه السنة أعلنوا بدعتهم، وصاروا يصفقون في الأسواق بشتم الصحابة وبلعن وسب أبي بكر وعمر، وأكثر الصحابة الذين خانوا في زعمهم، وأخذوا الولاية من صاحبها، أعلنوا ذلك في هذه السنة، وإن كانوا من قبل في السنوات الماضية يتسترون.
فعلى هذا لا شك أن الفرق كبير بيننا وبينهم، وقد ذكرنا أن المسائل التي يُكفّرون بها ثلاث: أولاً: طعنهم في السنة، وذلك أنهم إذا طعنوا في الصحابة فالسنة كلها مكذوبة ولو كانت في الصحيحين، لأنهم هم الذين نقلوها لنا.
ثانياً: طعنهم في القرآن، إذا كان الصحابة كفرةً فالقرآن الذي نقلوه لنا مطعونٌ فيه.
ثالثاً: غلوهم في علي حتى جعلوه مع الله إلهاً يملك الضر والنفع، وصاروا يدعونه ويدعون أولاده ويعبدونهم من دون الله.
стр. 804
حكم توريث العلمانيين والحداثيين مع المسلمين
السؤال
هناك طوائف ظهرت في هذا الزمان ليست يهوداً ولا نصارى، ولكنهم علمانيون وحداثيون، فهل يورثون إذا توفي قريب لهم؟
الجواب
لا بد أن نبحث عن معتقدهم، وأن نتحقق من عملهم أنهم على معتقد مكفّر، فمثلاً عقيدة من يسمون بالبعثيين عقيدة سيئة تئول إلى الكفر، وهي التي يعتقدها ويعتنقها حاكم العراق وغيره، لاشك أنها مكفرة ولا نطيل في شرح معتقدهم.
كذلك أيضاً العلمانيون عقيدتهم أن الدين اختياري، وأن الإنسان مخير له أن يختار ما يشاء، وما يقدر عليه من أمور الدين والدنيا، ولا حرج عليه إذا ترك عبادة وفريضة وركناً من أركان الإسلام ونحو ذلك، وأن الدين ليس له علاقة بالدنيا، فمثل هذا إذا كان يعتقد اعتقاداً جازماً وصرح بذلك حكم بكفره، ولن يرث من أهله المسلمين، أما إذا كان يتهم بذلك لمجرد عمل فقد لا يكون ذلك العمل صادراً عن عقيدة، وإنما هو عن تأويل، أو عن تساهل وتكاسل.
стр. 805
مدة صناعة الجيران الطعام لأهل الميت
السؤال
قال النبي ﷺ : (اصنعوا لآل جعفر طعاماً، فقد أتاهم ما يشغلهم) أو كما قال ﷺ ، السؤال: كم عدد الأيام التي يصنع لأهل المصاب الطعام، حيث جرت العادة بثلاثة أيام، والبعض يرى يوماً، بل وقال آخرون: الحديث مطلق ولم يقيد عدد الأيام، فما رأي فضيلتكم؟
الجواب
ذكر الفقهاء أنه لا يتجاوز ثلاثة أيام؛ لأن الغالب أن الحزن يكون في هذه الأيام وأن أهل المصاب يبقى معهم الحزن والأسف على ميتهم وحر المصيبة ثلاثة أيام، وبعدها يتسلون ويخف أثر المصيبة، ففي هذه الثلاثة لا بأس أن يصنع لهم جيرانهم أو أصدقاؤهم طعاماً، حيث إنهم فيها مشغولون رجالاً ونساء عن الاهتمام بإصلاح الطعام، فلا مانع من ثلاثة أيام، أما بعدها فيتوقف.
стр. 806
حكم التسمية للوضوء داخل الحمامات
السؤال
تكون المغسلة في بعض المنازل داخل الحمام -أكرمكم الله- فكيف تكون التسمية لمن أراد الوضوء؟ وهل تكون سراً، أرجو التوضيح جزاكم الله خيراً؟
الجواب
ورد في الحديث أنه ﷺ قال: (لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه) ومحل التسمية عندما يريد أن يغسل وجهه، يقول: باسم الله، لكن المعلوم أنه لا يجوز رفع الصوت باسم الله في ما يسمى بالمراحيض التي هي أماكن قضاء الحاجة، والتي هي أماكن النجاسات، فتنزه أسماء الله أن تذكر في تلك الأماكن المستقذرة، ولو كانت في هذه الأزمنة مبلطة ونظيفة، لكن لما كانت محلاً لإلقاء النجاسات نزّه اسم الله عن ذكره فيها.
إذاً بعض المشايخ يقولون: يكتفي بالتسمية عند الدخول، عندما يريد أن يقدم رجله اليسرى داخلاً يقول: (باسم الله، أعوذ بالله من الخبث والخبائث، ومن الرجس النجس الشيطان الرجيم) كما ورد ذلك في بعض الأحاديث، فتكفيه هذه التسمية.
وبعضهم يقول: لا تكفيه، ولكن يسمي بقلبه، إذا أراد أن يتمضمض ويستنشق ويغسل وجهه سمى، ولكن لا يجهر بل بقلبه أو سراً.
وبعضهم يقول: بل إذا استنجى وستر عورته وابتدأ الوضوء، فإنه لا بأس أن يسمي؛ وذلك لأنه مأمور بأن يذكر اسم الله في هذه الحال، ولقول عائشة: (كان النبي ﷺ يذكر الله على كل أحيانه) .
والمختار أن يستنجي في محل قضاء الحاجة ثم يخرج إلى المغسلة خارجة ويكمل وضوءه ويسمي، هذا هو الأحسن.
стр. 807
حكم من أحيا أرضاً دون إذن من الدولة
السؤال
لدي أرض وأحييتها بإجراء الماء فيها، وحفرت فيها بئراً وأخرجت منه الماء، فهل يكون لي فيها حق شرعاً، مع العلم أن إحياء الأراضي في هذا الوقت ممنوع وموقف من قبل الدولة، أرجو الإفادة عن هذا الأمر وفقكم الله؟
الجواب
من العلماء من اشترط إذن الإمام في الإحياء، فقال: إن الإحياء لا بد أن يكون مأذوناً فيه من الدولة أو من رئيس الدولة؛ وذلك سداً للنزاعات وردعاً عن الخصومات، فعلى هذا لا يحصل الإحياء إلا بإذن من الدولة، وهذا هو الذي اصطلحوا عليه في هذه الدولة.
ومن العلماء من يقول: إنه يملكها بالإحياء مطلقاً، والدولة لا تمنع من ذلك إذا لم يكن هناك من ينازعه، ولم يكن فيها خصومة ولا حق لأحد يكون قد سبقه إليها؛ فإنه أحق بها؛ لعموم الأدلة (من أحيا أرضاً ميتة فهي له) .
стр. 808
صفة من يدفع الله بهم البلاء عن الأمة
السؤال
سمعت طلبة العلم يقولون: إن العلماء هم الذين عصموا الناس من الهلكة، أو كانوا سبباً لعصمة الناس من الهلكة، فهل هذا صحيح؟
الجواب
ليس بصحيح مطلقاً، بل الذين يدفع الله بهم العذاب هم العباد، وكذلك الضعفاء ونحوهم، ورد في حديث مرفوع أن النبي ﷺ قال: (لولا شيوخ ركع وبهائم رتع وأطفال رضع، لصب البلاء عليكم صباً) ، فجعل من جملة الذين يدفع الله بهم البلاء: الشيوخ الركع، والمراد بالشيوخ: المسنون، يعني: كبار السن الذين اشتغلوا بالعبادة، وأجل العبادة الصلاة التي يركعون فيها ويسجدون، فهؤلاء يدفع الله بهم البلاء، فلو لم يكن الشيوخ الركع والأطفال الرضع والبهم الرتع لصب من فوقنا العذاب صباً.
فنحن نقول: على المسلمين جميعاً أن يتقوا الله وأن يعبدوه وأن يخافوه وأن يشتغلوا بطاعته سبحانه.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.
стр. 809
شرح عمدة الأحكام [٦٠]
ركب الله تعالى في النوع الإنساني غريزة النكاح لتكون سبباً في التناسل وبقاء جنس الإنسان، ولكن هذه الغريزة قد تكون سبباً لاختلاط الأنساب وضياعها إن ترك لها العنان، فجاء الشرع الحكيم لينظم هذه الغريزة بعلاقة شرعية لها ضوابط وشروط تحقق حاجة الإنسان ومقصد الشرع من بقاء التناسل في بني آدم استمراراً للخلافة في الأرض.
стр. 810
مشروعية النكاح والحث عليه
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
قال المؤلف رحمنا الله تعالى وإياه: [كتاب النكاح: عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال لنا رسول الله ﷺ : (يا معشر الشباب! من استطاع منكم الباءة فليتزوج؛ فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم؛ فإنه له وجاء) .
وعن أنس بن مالك ﵁: (أن نفراً من أصحاب النبي ﷺ سألوا أزواج النبي ﷺ عن عمله في السر؟ فقال بعضهم: لا أتزوج النساء.
وقال بعضهم: لا آكل اللحم، وقال بعضهم: لا أنام على فراش.
فبلغ النبي ﷺ ذلك فحمد الله وأثنى عليه، وقال: ما بال أقوام قالوا كذا وكذا؟ لكني أصلي وأنام، وأصوم وأفطر، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني) .
التبتل: ترك النكاح، ومنه قيل لمريم: البتول.
] .
تتعلق هذه الأحاديث بالترغيب في النكاح وبأفضليته، وسبب ذلك معروف: أولاً: الله جعل في البشر شهوة وميلاً إلى هذا النكاح، وجعل ذلك سبباً لبقاء النوع البشري والجنس الإنساني، فجعل في الرجل شهوة تدفعه إلى المرأة، وجعل في المرأة أيضاً شهوة تدفعها إلى الرجل، وجعل بين الزوجين مودةً ورحمة، كما أخبر بذلك في قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الروم:٢١] .
وكثيراً ما يخبر الله تعالى بأنه خلق الأزواج لنسكن إليها، فأول ما خلق الله حواء لآدم قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾ [الأعراف:١٨٩] ، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾ [النساء:١] ، خلق الله زوج آدم من ضلع من أضلاعه ليسكن إليها، فلما وجد منها الأولاد بعد ذلك صاروا يتوالدون فيما بينهم، ثم بعد أن حصلت منهم هذه الولادة حرم نكاح الأخ لأخته بعد أولاد آدم، وأصبح النكاح فيما بينهم مشروعاً، فهذه سنة الله تعالى.
ولا شك -أيضاً- أن الزواج قد يكون ضرورياً وواجباً، وذكر العلماء أن الزواج قد تتعلق به أكثر الأحكام، فيجب تارةً، ويسن تارةً، ويكره تارة، ويحرم تارة، فيقولون: إذا كان الإنسان قوي الشهوة يخشى على نفسه أن يقع في الفاحشة ويقدر على مئونة النكاح فإنه يجب عليه، فإذا لم يفعل فإنه يأثم، وذلك لأنه ترك واجباً، ولأنه إذا لم يفعل فلا بد أن يقع منه الحرام الذي هو الزنا أو مقدمات الزنا، والشيء الذي يوقع في الحرام يجب أن يبتعد عنه.
فمن خاف على نفسه الزنا وكان قادراً قلنا: واجب عليك أن تتزوج، أما من لم يخف على نفسه ولكن عنده قوة وشهوة، وهو مع ذلك يملك نفسه ويقدر على إقناعها فهذا مستحب في حقه، ولكن لا يصل إلى حد الوجوب.
فالحديث الأول قوله ﷺ : (يا معشر الشباب! من استطاع منكم الباءة فليتزوج؛ فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصيام؛ فإنه له وجاء) .
فالنداء هنا للشباب، وخصهم لأنهم غالباً أقوى شهوة، ولأن غريزة الشهوة الجنسية فيهم تدفعهم إلى فعل الفاحشة أو إلى مقدماتها، ولأنهم أقل تجربة أو أقل معرفة أو أقل تأثراً، فلأجل ذلك يؤكد على الشباب يؤكد عليهم في الزواج المبكر ويرغبهم فيه.
والشباب يكون ما بين العاشرة إلى الثلاثين سنة، أما ما قبل العاشرة فإنه صبي أو غلام، فإذا بلغ العاشرة سمي شاباً حتى سن الثلاثين، ثم من بعدها يصير كهلاً إلى الستين، ثم يبدأ بالشيخوخة بعد الستين.
ومعلوم أن هذه السن التي بين البلوغ وبين الثلاثين سنة أن الشاب فيها عنده قوة الشهوة وقوة الغلمة والشبق الذي يكون غالباً يدفعه ويندفع به، فلأجل ذلك يؤكد عليه أن يتزوج في هذه السن حتى يحفظ نفسه.
والباءة التي أخبر بها النبي ﷺ هي مئونة النكاح، وليست الباءة الشهوة؛ لأنه لو لم يكن له شهوة لم يحتج إلى ما يهونها أو يخففها، بل الباءة هي مئونة النكاح، يعني: من استطاع منكم مئونة النكاح كالمهر والنفقة والسكنى والحاجات التي يتطلبها إذا كان متزوجاً وما أشبه ذلك.
فهذه تسمى (باءة) من المباءة التي هي التبوء، يقال: تبوء منزلاً مباءة.
وباء بكذا بمعنى: حصل عليه.
بمعنى أن من قدر منكم على المهر وعلى التكلفة وعلى النفقة وعلى التأثيث وعلى السكنى فإن عليه أن لا يتأخر عن الزواج، سواء أكانت قدرته من نفسه أم من ولي أمره الذي يتولى أمره كأبيه أو وصيه أو نحو ذلك، فليبادر بالزواج.
следующие страницы →