← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 7723

شرح عمدة الأحكام لابن جبرين

ابن جبرين

Полный текст (1 083 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

لا يجوز المن بالعطية أو الصدقة ويدخل في ذلك أيضاً المنّ بها وتذكيره إياها، فإن في ذلك شيئاً من التحقير لصاحبها وتكبير النعمة عليه، بحيث إنه يتمنى أنه ما قبل منك هذه الهدية أو هذه الصدقة؛ ولأجل ذلك نهى الله تعالى عن المن بها، وأخبر بأنه يبطل ثوابها، قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ مَا أَنفَقُوا مَنًّا وَلا أَذًى﴾ [البقرة:٢٦٢] ، فالمنّ يدخل فيه أن يذكره، فكلما لقيك أخذ يذكرك: أتتذكر أني أهديتك ثوباً؟ أما تتذكر أني أهديتك لحماً؟ أما تتذكر أني أهديتك قدحاً أو إناءً؟ أما تتذكر أني أهديتك مالاً، أو فراشاً أو ما أشبه ذلك، فلا يزال يذكرك. وربما أيضاً يمنّ عليك فيقول: أنا الذي أركبتك وأنت منقطع أنا الذي أطعمتك وأنت جائع أنا الذي كسوتك وأنت عار أنا الذي أنقذتك وأنت هالك! فلا يزال يمنّ عليك إلى أن تتمنى أنك ما قبلت منه تلك الصدقة ونحوها، ولا شك أن هذا مما يحبط الأجر ويبطل الصدقة؛ فلأجل ذلك نهى الله تعالى عن المنّ وعن الأذى.

стр. 737

فضل الصدقة وإخفائها الصدقة: هي التي يقصد بها المتصدق وجه الله والدار الآخرة، فيجب أن يخلصها لله، بأن يتصدق على الفقير والمسكين وذي الحاجة بقصد رضا الله تعالى وثوابه. والأولى أيضاً أن يخفيها، يقول النبي ﷺ في السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: (ورجل تصدق بصدقة فأخفاها، حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه) ؛ لأن إخفاءها: أولاً: فيه الإخلاص والبعد عن الرياء، وثانياً: أن فيها تخفيفاً للمنة على المتصدق عليه. إذا لم يظهرها بل أخفاها، وكان لا يريد أن يعلم أحد به، وربما لا يعلم المتصدق عليه من صاحب هذه الصدقة، كما إذا وضعها في بيته وهو لا يعلم، أو وضع النقود في جيبه أو في مخبئه وهو لا يدري؛ كان في ذلك إخلاص قوي من المتصدق. أما الهبة والهدية، فقد يراد بها الأجر الأخروي وقد يراد بها المودة في الدنيا، وحصول الأخوة والمحبة بين المهدي والمهدى له، وفي بعض الأحاديث: (تهادوا تحابوا، فإن الهدية تسل السخيمة) يعني: تذهب الضغائن التي في القلب، فإنه إذا أهدى لك إنسان هدية، حتى لو كانت شيئاً يسيراً كفاكهة ولحم وطعام، أو أهداك كسوة فاخرة لها قيمتها، فإن قلبك يوده ويميل إليه، وتحصل بينك وبينه ألفة وصداقة، والشرع جاء بتحصيل الألفة بين المسلمين، وتثبيت المحبة والمودة، وإبعاد الضغائن والشحناء عن القلوب. وقد يقصد بالهدية طلب المكافأة، فإنه إذا عرفت أنه أهدى إليك وأنت أكثر منه مالاً وأغنى منه، وهو من المتوسطين أو من الفقراء، عرفت أنه ما أهدى إليك إلا لتثيبه على الهدية، فلكل هدية ثواب، فقد يريد أكثر من قيمتها، فإذا كافأته عليها وأعطيته أكثر من ثمنها؛ كان ذلك من أسباب القبول، ودخل ذلك أيضاً في أسباب المحبة وثبوت المودة، بين المهدي والمهدى له.

стр. 738

جواز الرجوع في هبة الثواب ما لم يثب فهذا مما يتعلق بالهدية، فنقول: إن الهدية، وكذلك العطية والنحلة والهبة والصدقة وما أشبهها؛ كلها تمليك، والغالب أنها تمليك بدون عوض مسمى، فما دام أنها بدون عوض مسمى فإن الذي يرجع فيها؛ نفسه دنيئة ضعيفة، فلذلك شبه بالكلب يرجع في قيئه، يطلب هديته أو هبته أو صدقته حتى يعود فيها، فهو كالذي يعود في قيئه. وقد استثنى بعض الصحابة هبة الثواب، حيث قالوا: إن الهبة تنقسم إلى قسمين: - هبة تبرر. - وهبة ثواب. فهبة التبرر: هي التي يقصد بها ثبوت المودة، فهي هبة بين اثنين يقصد بها ثبوت المحبة والمودة بين المهدي والمهدى له، وزوال الإحن والبغضاء ونحوها. أما هبة الثواب فهي التي يكون قصده أن يعطى أكثر منها، فإذا أهدى الفقير للغني، فالغالب أنه يريد أن يعطيه الغني ثمنها مضاعفاً؛ لأنه يعرف أنه ليس أهلاً للصدقة، بل هو الذي يتصدق على غيره، ويعرف أن هذا الفقير ليس ممن يتصدق على هذا الغني، فهو ما أهدى له إلا لأجل أن يثيبه، فهذه هي هبة الثواب. ذكروا أن عمر ﵁ أباح رجوع المهدي هبة ثوابٍ إذا لم يثب عليها، فقال: (الرجل أحق بهبته ما لم يثب عليها) ؛ فكأن هذا يعتبر بيعاً، أي: الهبة التي هي هبة ثواب بمنزلة المبايعة بين اثنين، فالذي يبيع الشيء ولا يحصل له ثمنه يطالب باسترجاعه، فإذا باعك إنسان جملاً ولكن لم تدفع له قيمته، فإنه يطالبك بقيمته أو بجمله، فكذلك إذا أهدى لك -مثلاً- جملاً أو فرساً أو شاةً أو بقرةً، أو أهدى لك سيارةً، أو أهدى لك كيساً أو ثوباً، وعرفت من قصده أنه يطلب أضعاف ثمنها أو يطلب مثل الثمن فقط، ولكنك لم تعطه؛ فإن له أن يطالب باسترجاع ما أهداه ولا يدخل ذلك في حديث العائد في قيئه؛ لأن هذا مقصده معروف. ومع ذلك فإن الأولى ألا يكون هذا القصد موجوداً، والأولى أيضاً ألا يحوجه إلا أن يذكره أو يطالبه ويقول: أهديت لك فلم تعطني، لماذا لم تعطني؟ أعطني ثواباً أو رد عليّ هديتي، فيندب أن لا تكون هذه هي المقاصد. وهذا أخف من المن والأذى الذي ذمه الله سبحانه في الآية التي أشرنا إليها، وأخبر بأنه يبطل الأجر في قوله تعالى: ﴿لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأَذَى﴾ [البقرة:٢٦٤] ، أي: لا تبطلوا أجرها، وفي قوله: ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى﴾ [البقرة:٢٦٣] ، والقول المعروف هو: الرد الجميل، إذا جاءك إنسان يستعطيك أو يسألك وهو محتاج، ولم يكن عندك شيءٌ تعطيه، أو لست ممن يتصدق؛ فرددته رداً جميلاً واعتذرت إليه عذراً مسموعاً، وأجملت له بالكلام وقلت له: سوف يأتيك رزق من الله فاصبر وتحمل، فإن الله هو الذي يعطي، ولا تدنس نفسك ولا تدسها وتذلها ولا تخضع للناس، ولا تتواضع لهم، بل اجعل ذلك لله ، وعلق قلبك به، فإن الله تعالى يعزك ويرفع مقامك ويرزقك، ولا يحوجك إلى أحد من الناس إذا علقت قلبه بالله ونصحته بذلك، رجي بذلك أن يكون من الذين يترفعون عن التدني لغيرهم. وحكي أن بعضهم كانوا من الذين بهم حاجة شديدة، ولكنه عز نفسه ونظم أبياتاً يتعلق فيها قلبه بربه، فرزقه الله ووسع عليه؛ قال في أبياته: يا من له الفضل محض في بريته وهو المؤمل في الضرا وفي الباس عودتني عادة أنت الكفيل بها فلا تكلني إلى خلقٍ من الناس ولا تذل لهم من باب عزته وجهي المصون ولا تخضع لهم رأسي وابعث على يد من ترضاه من بشرٍ رزقي وصني عمن قلبه قاسي وذلك دليل على ارتفاع الهمة وعلى التعلق بالله وعدم الدناءة إلى المخلوقين، وإذا كان ذلك كذلك فإن الله تعالى يرزق العبد من حيث لا يحتسب، وهو خير له من أن يتصدق عليه إنسان ثم يمن عليه، ويذكره بصدقته أو يؤذيه بسببها، أو ينتقده فيها، أو ما أشبه ذلك.

стр. 739

التسوية بين الأولاد في العطية قال المؤلف رحمنا الله تعالى وإياه: [التسوية بين الأولاد في الهبة. عن النعمان بن بشير ﵁ قال: (تصدق عليّ أبي ببعض ماله، فقالت أمي عمرة بنت رواحة: لا أرضى حتى يشهد رسول الله ﷺ ، فانطلق أبي إلى النبي ﷺ ليشهده على صدقتي، فقال له رسول الله ﷺ : أفعلت هذا بولدك كلهم؟ قال: لا، قال: اتقوا الله واعدلوا في أولادكم، قال: فرجع أبي فرد تلك الصدقة) . وفي لفظ قال: (فلا تشهدني إذاً؛ فإني لا أشهد على جور) ، وفي لفظ: (فأشهد على هذا غيري) ] .

стр. 740

الفرق بين العطية والهبة يتعلق هذا الحديث بالعطية، والعطية: هي الهبة بلا ثواب، وأكثر ما تكون عطية الرجل لأولاده أو لأقاربه يقصد بذلك نفعهم، أو يقصد بذلك مجازاتهم، أو نحو ذلك. فالعطية: لها أحكام غير أحكام الهبة، لذلك جاز للأب أن يرجع في عطيته، وأما الواهب فلا يجوز له أن يرجع في هبته، كما تقدم في قوله ﷺ لـ عمر: (لا تعد في هبتك، فإن العائد في هبته، كالعائد في قيئه) . عرفنا أن الهبة صدقة وتبرع لمستحقها من مسكين أو فقير أو نحو ذلك، وأما العطية، فهي تبرع لا يبتغى به الأجر الأخروي غالباً، وإنما يبتغى بها نفع المهدى لهم أو المعطين، أو مجازاتهم أو نفع الولد، أو ما أشبه ذلك. فعلى هذا يجوز أن يعطي الأب أولاده ويجوز أن يعطي إخوته، ويجوز أن يرجع في عطيته إذا لم تستلم ولم يكن هناك لها سبب، إلا الإتيان بأسباب المودة وما أشبهها.

стр. 741

لا يجوز المفاضلة في العطية بين الأولاد نعود إلى القصة: هذه القصة فيها أن النعمان بن بشير بن سعد الأنصاري ذكر أن أباه بشير بن سعد أعطاه عطية، وفي بعض الروايات: أنه نحله عبداً يعني: مملوكاً، وفي بعض الروايات أطلق وقال: نحلني نحلةً، أو: أعطاني عطية. ولم يسمها. وكانت أمه عمرة بنت رواحة، وهي أخت عبد الله بن رواحة؛ كانت تحب ولدها النعمان، فأحبت أن يثبت هذا العطاء، وأن لا يكون فيه إنكار، فقالت: لا أرضى حتى تشهد عليه رسول الله ﷺ ، أي: حتى يثبت إذا شهد به ويقره، ولا يمكن أن ينكر بعد ذلك. ففعل ذلك بشير بن سعد فذهب بولده، ولما جاء إلى النبي ﷺ ، وأخبره بأنه نحل ابنه عطية، وأن أم الابن أرادت أن تشهد على هذه العطية، فلسان حاله يقول: أتيتك لأشهدك على نحلة ابني وعلى عطيته، ولما كان في هذا شيء من الجور وعدم التسوية، استفصل النبي ﷺ وسأل بشيراً: هل لك أولاد غير النعمان؟ فأخبره بأن له أولاداً ذكوراً وإناثاً، فسأله: هل نحلتهم مثلما نحلت هذا؟ أو خصصت هذا بالعطية وحده؟ فأخبر بأنه لم ينحلهم وإنما نحل هذا، وأن هذه العطية خاصة بـ النعمان! وعند ذلك أنكر عليه النبي ﷺ وقال: (اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم) ، أي: ليحملكم خوف الله وتحملكم التقوى على أن تعدلوا وتسووا بين أولادكم، ولا تجوروا فتميلوا مع واحدٍ ميلاً يفهم منه تفضيلكم له على غيره، بل عليكم أن تسووا بينهم ولا تفضلوا واحداً على واحد. كذلك في بعض الروايات أنه قال: (أشهد على هذا غيري) ، أي: إن هذا جور وظلم، فلا أشهد على الظلم ولا أشهد على الجور، فاذهب إلى غيري، وأشهد عليه غيري، فإني لا أشهد عليه، وليس معناه إقرار الشهادة من الغير، بل معناه التحذير منه، فلأجل ذلك التزم بشير ورد تلك العطية لما نهاه النبي ﷺ ، وفي بعض الروايات أنه علل فقال: (أتحب أن يكونوا لك في البر سواء؟ فقال: نعم، فقال: فلا إذاً) أي: ما دمت تحب أن يبروك كلهم ويطيعوك، فلماذا لا تجعلهم كلهم سواء في برك وفي طاعتك، فسو بينهم في عطيتك، حتى يستوي كلهم في طاعتك وفي برك، هكذا علل ﷺ !

стр. 742

الأحكام المستفادة من الحديث ومن هذا الحديث أخذ العلماء استحباب الإشهاد على العطايا والهدايا ونحوها، وذلك لتثبت؛ ما دام أنه ذهب ليشهد النبي ﷺ ، وأخذوا منه إشهاد ذوي الفضل وذوي العلم وذوي المنزلة الرفيعة، حيث لم ترض عمرة بنت رواحة إلا بشهادة النبي ﷺ . ويؤخذ منه أن العطية تثبت بالإقرار وبالإشهاد، وأخذوا منه أن عطية الوالد لولده تملك بالقبض إذا تمت شروطها، أو تملك بعد الهبة إذا تمكن من قبضها واستلامها. وأخذوا منه: وجوب التسوية بين الأولاد لقوله ﷺ : (اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم) ، ولقد كان السلف والعلماء ﵏ يعملون بهذا بقدر ما يستطيعون من العدل بين أولادهم، حتى كانوا يسوون بينهم في القبل، إذا قبّل هذا رحمةً به قبل البقية ذكوراً وإناثاً من باب العدل ومن باب التسوية، فضلاً عن التسوية في الأمور الظاهرة، فإذا اشترى لهذا ثوباً اشترى للثاني وللثالث مثله، وكذلك إذا اشترى لهذا طعاماً أو فاكهة أو أطعمه سوى به الآخرين وأعطاهم مثلما أعطاه. كل ذلك حرصاً على العدل الذي أمر به النبي ﷺ ، وحرصاً -أيضاً- على البر، وذلك لأنه علل بقوله: (أتحب أن يكونوا لك في البر سواء؟ قال: نعم) ، فإذاً لا شك أنه يحب أن يبره هذا ويبره الثاني ويبره الثالث، ويكونوا كلهم بارين بأبيهم، ولا يرضى أن يكون هذا براً وهذا عاقاً، وهذا مطيعاً وهذا عاصياً، بل يحب أن يكونوا كلهم بررة له، هذا هو الذي يرضى به، فهذا معنى قوله: (أتحب أن يكونوا لك في البر سواء) . ذكر العلماء أنه لا يجوز لأحد الرجوع في عطيته إلا الأب وقالوا: لا يحل لأحد أن يرجع في هبته إلا الأب فيما وهب لأولاده أو لولده، أخذاً من هذا الحديث.

стр. 743

أسباب جواز المفاضلة بين الأولاد في العطية

стр. 744

اختلاف الحاجات بين الصغار والكبار والذكور والإناث ثم هذا الحديث محمول على ما إذا لم يكن هناك أسباب لعطية بعض الأولاد وقت حاجتهم، فأما إذا كان هناك أسباب فإنها جائزة، ومعلوم مثلاً أن الوالد ينفق على أولاده بقدر حاجتهم، ويشتري لهم بقدر حاجتهم ولو تفاوتت الحاجات. ومعلوم وجود التفاوت بين الحاجات تفاوتاً مشهوراً ظاهراً، فإذا كان له عدد من الأولاد ذكوراً وإناثا، فحاجات الذكور غير حاجات الإناث، فحاجة الذكر مثلاً أنه يمكنه من الدراسة، ويعطيه ما يحتاج إليه في الدراسة، فإذا احتاج مثلاً إلى سيارةٍ يتنقل عليها ويذهب عليها إلى مدرسته أو جامعته، أعطاه سيارة، وكذلك إذا احتاج إلى زواج زوجه ولو كان إخوته أطفالاً؛ لأن هذا من الحاجات الضرورية، فإذا احتاج مثلاً إلى سكن أسكنه في مكان أو بيت يناسبه إذا كان قادراً؛ لأن هذا من حقه عليه، والوالد عادة إنما يجمع أمواله لأولاده؛ لقوله ﵊: (إنك أن تذر ورثتك أغنياء، خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس) . فالولد مثلاً إذا احتاج إلى النفقة وكان فقيراً، فإن الوالد ينفق عليه ولو كان الولد قادراً على الاكتساب، فإذا عجز عن الاكتساب بأن لم يجد عملاً، أو مثلاً كان منشغلاً بدراسةٍ ونحوها، وكان الأب واجداً وذا مال ألزم بأن ينفق عليه، فإذا كان أحد أولاده مستغنياً في وظيفةٍ وعمل، والآخرون غير مستغنين أنفق على المحتاجين دون غيرهم، ولا يكون هذا جوراً. وإذا كان هذا مضطراً إلى سيارة يتنقل عليها أعطاه ولم يعط الآخرين لصغرهم مثلاً أو لعدم حاجتهم، وإذا كان هذا مضطراً إلى الزواج زوجه، ولو لم يزوج الآخرين إما لعدم طلبهم، أو لصغرهم، وذلك لأن هذا من تمام حق الولد على أبيه وله في مال أبيه حق. كذلك معلوم أن الذكر والأنثى يتفاوتان في الحاجة، فمثلاً هو ملزم بكسوة الذكور والإناث، ومعلوم مثلاً أنهم يتفاوتون، فقد تكون كسوة الأنثى بمائتين وكسوة الذكر مثلاً بخمسين أو نحوها، فهذا وجه التفاوت، والأنثى مثلاً بحاجة إلى الحلي وإلى الجمال، فله أن يعطيها كغيرها ما تتجمل به من الحلي ولو كان رفيع الثمن، وليس الذكر بحاجةٍ إلى ذلك. وهكذا مثلاً إذا مرض أحد أولاده فإنه يعالجه ولو صرف عليه أموالاً طائلة، ولا يقال: أعط أولادك الآخرين مثلما أنفقت عليه؛ لأنه ما أنفق عليه إلا لحاجته أو لضرورته، فهذا من الأسباب التي تستثنى من ذلك.

стр. 745

تشجيع من يستحق التشجيع كذلك أيضاً معلوم أنه قد يحتاج إلى تشجيع بعض أولاده على أمرٍ يستحق عليه التشجيع، فإذا كان أحد أولاده عاكفاً على العلم وعلى الفهم، وعلى التفقه في الدين، والآخرون قد أعرضوا عن ذلك، وعكفوا على اللهو واللعب، وعكفوا على الباطل، وأضاعوا حياتهم وأعمالهم؛ فلا شك أن هذا الذي عكف على العلم الصحيح يستحق أن يشجع وأن يرفع من معنويته، وأن يعطى ما يشجعه وما يكون سبباً لالتفات الآخرين إلى مثله، فإذا قالوا: لماذا لم تعطنا؟ يقول: لا أعينكم على لهوكم ولعبكم، لا أعينكم على الباطل، أما هذا فقد قطع حياته في التعلم والتفقه، فهو أهل أن يشجع على ذلك. وهكذا إذا كان بعضهم عاصياً لأبويه عاصياً لربه، خارجاً عن الطاعة، متمادياً في المعاصي عاكفاً على اللهو واللعب، عاكفاً على شرب المسكرات ونحوها، والآخر متطوعاً لله بأنواع الطاعات، عاكفاً على الطاعة والعبادة ملازماً لعبادة الله، هادياً ومهتدياً صالحاً ومصلحاً؛ لا شك أن هذا الصالح يستحق أن يشجع وأن يفضل على ذلك العاصي الذي خرج عن طاعة أبويه وخرج عن طاعة الله سبحانه، فكان مستحقاً أن يبعد وأن يحرم؛ لأنه إذا أعطاه والحال هذه، فقد أعانه على المعصية، فيعين عاصياً على عصيان.

стр. 746

افتقار بعض الأولاد ونحو ذلك ويقال كذلك فيما إذا كان هناك سبب آخر، فإذا قدر أن أحد الأولاد افتقر لكثرة عياله، وركبته الديون، والآخرون مستغنون إما لقلة العيال وإما لكثرة الكسب ولكثرة الدخل، وليس عليهم ديون ولا غيرها، فلا شك أن الأب له أن يخفف عن هذا الولد الذي تحمل هذا الدين، فله أن يساعده، ولا يقال: أعط البقية كما أعطيت هذا؛ لأنه ما أعطاه إلا لسبب وهو كثرة عياله، أعطاه لفقره وفاقته، فهو في حاجة للنفقة. فمعنى (يساوي بينهم في النفقة) : أن يعطي هذا قدر ما يكفيه هو وعياله، وهذا قدر ما يكفيه وزوجته، وهذا قدر ما يكفيه وحده إذا كان أعزب، وهكذا.

стр. 747

انقطاع بعض الأولاد لعمل أبيه وهناك سبب آخر: وهو إذا أعطاه مجازاة له أو استحقاقاً له؛ وذلك أنه في هذه الأزمنة يجلس بعض من الأولاد عند أبيه في خدمته، وفي العمل بما يأمره به أبوه، فيكون قد قصر نفسه على حاجة أبيه، فتارة يشتغل مع أبيه في تجارته إذا كان أبوه تاجراً، أو في معمله، والبقية يكتسبون لأنفسهم، قد انفردوا وقد استقلوا وصاروا يكتسبون لوحدهم. أو هذا قد اشتغل بحرفة أبيه إذا كان أبوه ذا حرفة، فإذا كان أبوه يعمل خياطاً أو خرازاً أو غسالاً أو بناءً، أو كذلك إذا كان له بستان للزراعة أو غراس أو نحو ذلك، فهو يعمل في تنمية مال أبيه، أو يرعى ماشيته إذا كان له إبلٌ أو بقرٌ أو غنمٌ أو نحوها، أو يكون قد قصر نفسه على تجارة أبيه، ينقل له مثلاً إذا كان له ناقلات في سيارةٍ ونحوها، أو يبيع له الناتج من ثمره. فالحاصل أنه قد قضى مع أبيه عشر سنين أو عشرين سنةً، وهو لم يتفرغ لشغل نفسه ولم يعد لنفسه مالاً، بينما إخوته الآخرون كل مستقل بماله وبعياله وبوظيفته وبحرفته، فلا يكون هذا شريكاً، أما المنقطع في عمل أبيه فلا شك أنه يستحق أن يشركه أبوه فيجعل له نصيباً من هذا المال الذي يكون هو السبب فيه، وقد يكون له مرتب فيدخله مع مال أبيه. فنقول: لا بد أن يجعل له شركةً فلا يقول: إن له أخوات وأخواته لم يعلمن مثل عمله، أو له إخوةٌ أطفال، الأطفال هؤلاء لم يعلموا مثل عمله، وله إخوةٌ مستقلون، فالإخوة الآخرون مستقلون لم يعملوا مثل عمله. فعلى هذا يجوز أن يفضله وأن يعطيه ما يكون مقابلاً لتعبه، فيجعله كشريك أو كأجير أو كعامل عمل عنده، فيعطيه قدر ما يستحقه، ولا يكون ذلك من الظلم إن شاء الله.

стр. 748

شرح عمدة الأحكام [٥٥] قد يملك المرء أرضاً زراعية واسعة، لكنه لا يتمكن من زراعتها واستغلالها، وقد يوجد شخص يحب أن يزرع ويستغل الأرض، لكنه لا يملكها، فلأجل مصلحة الطرفين شرعت المساقاة والمزارعة والمغارسة، كما شرع كراء الأرض بجزء مما يخرج منها أو على أجرة مقدرة، وكل هذه الأمور لها أحكام وضوابط استخرجها العلماء من الأحاديث، فينبغي للمسلم تعلم هذه الأحكام فلعله يصبح في حاجة إليها.

стр. 749

أحكام المساقاة يقول المؤلف رحمنا الله تعالى وإياه: [عن عبد الله بن عمر ﵄: (أن النبي ﷺ عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع) ] .

стр. 750

فتح خيبر ومساقاة أهلها يستدلون بهذا الحديث على المزارعة والمغارسة، وذلك أن النبي ﷺ لما افتتح خيبر في سنة سبع من الهجرة، دخلها بالقوة وفتحها عنوة، وملكها بهذا الفتح، إلا حصناً أو حصنين فإنه دخلهما بالصلح، أما بقية أماكن خيبر فإنه فتحها بالقوة. ومعلوم أنه إذا فتحها بالقوة أصبحت للمسلمين، أرضها وأشجارها ومنازلها وبقاعها، لأن المسلمين تغلبوا عليها، وبتغلبهم عليها ملكوها، فلما ملكوها كان فيها قطع زراعية وأراض واسعة، فتلك القطع قسمها بين الغزاة الذين فتحوها معه، فأعطاهم سهاماً بقدرها، وذلك لسعة الأرض، فجعل هذه البقعة لواحد، وهذه لاثنين ونحو ذلك، وبقيت المزارع والأشجار والنخيل فكانت تحتاج إلى من يحرثها، ومن يزرعها، ومن ينتجها ويعمل فيها حتى تنتج، وكان الصحابة رضوان الله عنهم منشغلين عنها بالجهاد وغيره من الأعمال والتجارات، ولم يكونوا ليتفرغوا للعمل في هذا النخيل ونحوه. وعند ذلك اتفق مع أهلها الذين هم اليهود على أن يبقوا فيها، فقالوا: دعنا لنعمل فيها ولكم نصف الثمر ولنا نصفها، فتركهم فيها عمالاً، أي: عاملين بأجرة، وبقوا على ذلك إلى خلافة عمر ﵁. وفي أثناء خلافة عمر حدث منهم ضرر على بعض أولاده، ذلك أنه أتي أحد أولاده وهو مسافر، أتاه قومٌ في الليل، فضربوه حتى فتوا في عضده أو أعابوه وهربوا، ولم يدر من هم؟ فعرف عمر أنه ليس لنا عدوٌ إلا هؤلاء اليهود، فعند ذلك أجلاهم، وطردهم إلى أذرعات الشام وقال: لا حق لكم! فقالوا: أتطردنا من مكانٍ أقرنا فيه محمد وصاحبك، الذي هو أبو بكر، فاستدل عمر ﵁ بقول النبي ﷺ لهم: (نقركم فيها ما شئنا) ، وبأنه لم يقرهم إلا لحاجة، وذلك لما كان بالمسلمين قلة عن القيام بهذا الحرث ونحو ذلك، فلما كان في زمن عمر ﵁ كان في المسلمين كثرة، وكان عندهم قوة وقدرة أن يعملوا في هذه المزارع وفي هذه الأشجار، وأصبحت ملكاً للمسلمين، فعند ذلك طردهم.

стр. 751

تقويم ابن رواحة لثمر خيبر خرصاً في العهد النبوي، وكذلك في عهد أبي بكر كانوا يحرثون فيها ويزرعون، فإذا زرعوا البقعة فلهم نصف الزرع، وإذا عملوا على النخيل فلهم نصف الثمر وللمسلمين نصفه، وكان يرسل إليهم من يخرص ذلك النخل، فأرسل إليهم عبد الله بن رواحة، فخرصها وقدرها بثمن من الأثمان؛ قدرها مثلاً بعشرة آلاف، قال: هذا النخل يقدر بعشرة آلاف صاع، أو نحو ذلك، فقالوا: إنك قد ظلمتنا يعني: أكثرت علينا. فقال لهم: إذا كنت أكثرت عليكم فادفعوا فنأخذها نحن وندفع لكم النصف، أي: إذا قدرناها بعشرة آلاف نعطيكم خمسة آلاف ولنا الباقي حتى ولو كان ألفاً أو ألفين، أو خذوها وأعطونا النصف الذي هو خمسة آلاف، وقال ما معناه: (إنكم لأبغض الناس إليّ، ولكن بغضي لا يحملني على أن أظلمكم، وإن محمداً ﷺ أحب الناس إليّ، ولا تحملني محبته على أن أجور ولا أن آخذ له ما لا يستحقه) ، أو كما قال، فعرفوا أن هذا هو العدل، وأنه بهذا قامت السماوات والأرض. فعند ذلك استسلموا لذلك؛ فكانوا إذا خرصت عليهم مثلاً بخمسة آلاف دفعوا ألفين ونصفاً ولهم الباقي، وقد يكون الباقي أكثر من ألفين ونصف، ولكن يسمح لهم المسلمون بالزائد؛ وذلك لأنهم في العادة يحتاجون إلى أن يأكلوا منها رطباً قبل أن تجذ، فإذا حدد الذي عليهم عرفوه ودفعوه كاملا. هكذا كانت الحال في خيبر، ولا شك أن هذا دليل على جواز المزارعة، وعلى جواز المغارسة، وعلى جواز المساقاة التي هي مما تدعو إليها الحاجة.

стр. 752

معنى المزارعة وحكمها أما المزارعة فصورتها: أن يكون لك أرض لا تقدر على الزرع فيها، وهناك رجلٌ لا يملك أرضاً ولكنه متفرغ يحسن أن يزرعها، فتتفقان على أن منك الأرض ومنه الزرع، وأن لك نسبة من هذا الزرع؛ إما الثلث أو الربع أو النصف، بقدر ما تتفقان عليه، فلا بأس بذلك. ويجوز أن تدفع شيئاً ويدفع هو شيئاً، فمثلاً: إذا دفعت أنت البذر وزدت في نصيبك جاز ذلك، ولا يجوز أن تقول: أدفع البذر مثلاً مائة صاع وإذا حصد الزرع أخذت المائة مقدماً والباقي بيننا نصفين، لماذا لا يجوز؟ مخافة أن يقل الزرع وأن يقل البر الذي يحصد منه بسبب مصيبة أو برد أو جراد أو نحو ذلك، فلا يغل إلا قدر البذر ونحوها، فيذهب سعيه وتعبه خسارة، فلذلك قالوا: لابد أن يكون للعامل نسبة كنصف أو ثلث أو نحو ذلك. وهذا يسمى المزارعة، وتصح المزارعة بأجرة معينة محددة وتكون كأنك أجرت أرضك بدراهم معينه، وقلت: ازرع هذه السنة وأعطني أجرتها ألف ريال أو ألفين، فيجوز ذلك إن شاء الله. فالحاصل أن المزارعة تصح حسب ما يتفق عليه الطرفان، ولابد أن يكون بينهما شروط، والمسلمون على شروطهم، فإذا شرط العامل مثلاً أن النفقة على رب الأرض، يعني: الماكنة مثلاً، أو الرشاش الجديد، أو عليه البترول والوقود الذي توقد به الماكينة، والزيوت التي تحتاجها، فله شرطه؛ فإن شرطها صاحب الأرض على العامل فله شرطه، ويقوم العامل بقسط من المال الذي تحتاجه هذه المزرعة، أو بالمال الذي تحتاجه. وبكل حال فالمزارعة من المرافق التي جاء الإسلام بالحث عليها أو إباحتها، وذلك لأن هذه الأرض لو بقيت معطلة فلن يحصل الانتفاع بها، وليس كل من ملك أرضاً يقدر على استغلالها، فلأجل ذلك جاز أن يتفق الطرفان على استغلالها. وليس كل إنسان له القدرة على العمل وعلى الحرث يجد أرضاً، فإذا تساعدا فكان من هذا الأرض والوقود والنفقة، ومن هذا العمل، وكان الناتج بينهما على حسب ما يتفقان عليه، انتفع كل واحد منهما وحصل له مصلحة. هذا بالنسبة إلى المزارعة؛ وذلك لأن خيبر كانت فيها أرض تزرع فكانوا يزرعونها بالنصف، ولم يذكر أن المسلمين يدفعون البذر، ولم يكونوا يدفعون شيئاً من النفقة في إخراج الماء، وذلك لأن أرض خيبر في ذلك الزمان كان فيها عيون تنبع من الأرض، ثم يفجرونها ويسقون بها الزرع ويسقون بها النخيل، أما في هذه الأزمنة فقد غارت تلك العيون، وإن كان بقي منها قليل إذا حفر نبع، ولكنها نزلت كثيراً، وإذا كثرت السيول زادت ونفعت، فمع ذلك كان المسلمون لهم النصف من الزرع؛ لأن النفقة يسيرة، وإنما كانوا يفجرون هذا النهر ثم يسقون به هذا الزرع. كان منهم البذر والحرث والحصاد والتصفية، ومن المسلمين الماء، لأن هذا النبع ملك للمسلمين، والأرض ملك للمسلمين، ومع ذلك صار لهؤلاء النصف لعملهم ولبذرهم، ولهؤلاء النصف لملكيتهم الأرض والماء. أما النخل فبلا شك أنه كان فيها نخل كثير، وكان لها ثمر كثير، بل يضرب المثل بخيبر حتى قال بعض الصحابة: (ما شبعنا من التمر حتى فتحت خيبر) ، أي: حتى فتحوها وصار لهم النصف، فكان يأتيهم من التمور الشيء الذي يأكلون منه ويشبعون ويبيعون ويتصدقون، ويبقى النصف لأهل خيبر الذين هم اليهود. فالنخيل فيها منافع كثيرة ومتنوعة بأنواع كثيرة، وكلما سقطت نخلة غرس بدلها أخرى في مكانها أو قريباً منها، فهذا بالنسبة للنخل. كذلك النخل يحتاج إلى سقي وإن كان الماء نابعاً، ويحتاج إلى زبر وهو قطع الشوك، ويحتاج إلى تلقيح كما هو معروف، وإلى تركيب بأن يركب القنو على سعف النخل وجريده، حتى لا يسقط، ويحتاج أيضاً إٍلى تصفية فهو يحتاج إلى عمل، فلليهود النصف مقابل عملهم، وللمسلمين النصف مقابل مالهم وملكيتهم. فأخذوا من ذلك أنه يجوز أن يؤجر صاحب النخل نخله لمن يحرثه، ولمن يسقيه، وله قسط من ثمرته، حسب ما يتفقان عليه، فإن دفع المالك نفقة السقي والماكنة -مثلاً- وإصلاحها ونحو ذلك، ولم يبق على العامل إلا العمل، فله ما يعادل عمله أو يقاربه، وإن لم يدفع له شيئاً وقال: أسقها وعليك مئونة السقي، جاز ذلك أيضاً. فالحاصل أن هذا جائز، وإذا كان فيها شجر غير النخل كالعنب مثلاً والتين والزيتون والخضار، والفواكه الأخرى كالليمون والبرتقال وما أشبهه؛ فإن ثمارها أيضاً تقسم بينهما حسب ما يتفقان عليه؛ وذلك لأن ذلك كله مما يحتاج إلى سقي، ويحتاج إلى إصلاح ويحتاج إلى عمل، فالعامل يريد قسطاً من ثمره، وإنما ينتفع بالثمر غالباً ولا ينتفع بالأعواد ولا بالأوراق، هذا بالنسبة إلى المساقاة.

стр. 753

معنى المغارسة وحكمها أما المغارسة، فصورتها: أن يملك أرضاً ولا يقدر على زرع الغرس فيها، فيتفق مع آخر على أن يغرس فيها وله بعض من الغراس، فيقول: هذه أرضٌ تصلح لأن يغرس فيها وأنا لا أقدر على ذلك، وأنت تقدر فلك -مثلاً- نصفها على أن تغرس فيها من النخل كذا وكذا، ومن العنب كذا، ومن الزيتون كذا، ومن الرمان كذا، وما أشبه ذلك. فإذا أثمرت وأينعت وحصل أنها انتهت وما بقي إلا الاستغلال فأعطني نصفها ولك نصفها، أو ثلثها ولك ثلثاها، أو ما أشبه ذلك، بحسب ما يتفقان عليه، فيكون من هذا الأرض، ومن هذا الشجر والغرس والسقي ونحو ذلك، إلى أن تثمر، ثم بعد ذلك يقتسمانها. ولا شك أن هذه الأشياء مما يحتاج إليها، ومما يحصل فيها مصالح عامة، أعني أن المزارعة وكذلك المساقاة وكذلك المغارسة، يحصل فيها مصالح للمسلمين، فتستغل هذه الأرض -بدل ما كنت بوراً قاحلةً لا ينتفع فيها- بغراسٍ مثلاً أو سقيٍ أو نحو ذلك، وتسقى هذه النخيل، لأنها لو أهملت لماتت، فيسقيها عامل بجزء من ثمرها، وكذلك تزرع هذه الأرض ويأخذ من زرعها وغلتها ما يمكن أن ينتفع به، فيكون بذلك مصلحةٌ أولى من إهمالها وإماتتها، وذهاب منفعتها على مالكها. وذلك يدل على أن الشرع جاء بكل المصالح التي فيها نفع للعباد، ويقاس على ذلك من المصالح أنواع كثيرة، مثل المضاربة، التي هي الاتجار بالمال، وصورة ذلك: أن يكون عندك مال ولكنك لا تحسن الاتجار به، ويكون هناك رجل ليس عنده مال، ولكنه قادر على أن يتجر، ويعرف كيفية استغلال الأموال وكيف يربح في البضائع، فتعطيه المال وهو الذي يعمل فيه وينميه، فمنه العمل ومنك المال، فتتفقان على جزء من الربح، فإذا ربح مقداراً من الربح أعطاك نصيبك من الربح وأخذ نصيبه، فهو شبيهٌ بالمزارعة التي هي استغلال أرضك بجزء من غلتها، وشبيه بسقي شجرك بجزء من ثمره، وكل ذلك مما فيه المصلحة للعباد وبقاء هذه الأموال ينتفع بها حتى لا تتعطل وتذهب منفعتها.

стр. 754

أحكام كراء الأرض قال المؤلف رحمنا الله تعالى وإياه: [عن رافع بن خديج قال: (كنا أكثر الأنصار حقلاً، وكنا نكري الأرض على أن لنا هذه ولهم هذه، فربما أخرجت هذه ولم تخرج هذه، فنهانا عن ذلك، فأما الورق فلم ينهنا) . ولـ مسلم عن حنظله بن قيس قال: (سألت رافع بن خديج عن كراء الأرض بالذهب والورق؟ فقال: لا بأس به، إنما كان الناس يؤاجرون على عهد رسول الله ﷺ بما على الماذيانات وأقبال الجداول وأشياء من الزرع، فيهلك هذا ويسلم هذا، ويسلم هذا ويهلك هذا، ولم يكن للناس كراء إلا هذا، ولذلك زجر عنه، فأما شيء معلوم مضمون فلا بأس به) . الماذيانات: الأنهار الكبار، والجدول: النهر الصغير] .

стр. 755

النهي عن كراء الأرض ببعض ما يخرج منها في بقعة معينة هذا الحديث يتعلق بكراء الأرض، ذكر فيه أنهم كانوا في الجاهلية وفي أول الإسلام يكرون الأرض بزرع بقعة معينة، فيقول صاحب الأرض: ازرع أرضي هذه، ولي زرع هذه البقعة ولك زرع هذه، فإذا نبتت ربما كانت هذه لا تنبت، أو لا يكون فيها إلا قليل، وهذه فيها كثير، فيحصل بذلك ضرر على بعضهم وغبن له، والإسلام ينهى عن كل شيء فيه مضرة على أحد الطرفين؛ فلأجل ذلك نهى النبي ﷺ عن هذا. الأحاديث أو الروايات الكثيرة التي في النهي عن المحاقلة محمولة على المحاقلة الجاهلية التي هي كراء الأرض بزرع بقعة معينة. وكانوا يؤجرون الأرض بما على الماذيانات وأقبال الجداول، وفسر الماذيانات بأنها الأنهار الكبيرة، والجداول بأنها الأنهار الصغيرة، والأقبال بأنها حافات الجدول. والجدول: هو الساقية التي يجري فيها الماء، فإذا كانت صغيرة سميت جدولاً، وفي هذه الأزمنة قد اكتفى بإجراء الماء في المواسير، وكانوا قديماً يحفرون حفراً كذراعٍ أو نحوه وعرضه كشبر يجري معه الماء من البئر أو إلى منتهى الزرع، ثم يفرق من هنا ومن هنا، فهذا المجرى يسمى جدولاً، وإذا كان المجرى كبيراً يسمى ماذياناً، يعني: نهراً كبيراً يجري معه الماء. ولا شك أن حافات الجداول تشرب دائماً، فيكون الزرع الذي ينبت عليها له أفضلية، ويكون أكثر سنبلاً وأكثر نباتاً، فإذا أخذ ذلك هذا المالك غبن الزارع، فيقول: أنا الذي زرعته وسقيته وبذرته ثم أخذه مني وما بقي لي إلا الأطراف التي يكون نباتها قليلاً، ويكون سنبلها صغيراً أو ما أشبه ذلك. فهذا لا شك أنه غرر، وعليه يحمل النهي الذي جاء في هذه الأحاديث.

стр. 756

جواز كراء الأرض بقدر معين مما يخرج منها أو بالنقود أما إذا كان الأجرة بشيءٍ معين أو بنقود فلا مانع من ذلك، وذلك مثل أن يقول: أجرتك أرضي لتزرعها ولي ربع الزرع، أو عشر الزرع، أو نصف العشر، أو ما أشبه ذلك، يتفقان على شيء للمالك مقابل كراء أرضه، والبقية للعامل. كذلك أيضاً: إذا كانت الأجرة بنقود، كأن يقول: أجرتك الأرض تزرعها أو تغرس فيها سنة أو سنين كل سنةٍ مثلاً بمائة ريال أو ألفٍ أو ألوف؛ لأنه كراء عقار بمنزلة كراء الدكاكين وكراء العمارات وما أشبه ذلك، ولا مانع من الكراء، وعلى المكتري أن ينتفع بها فيما اتفق عليه من الانتفاع. أما الأحاديث التي وردت في النهي عن كراء الأرض فقد اختلف فيها واختلفت ألفاظها، فالمؤلف هنا اقتصر على الأحاديث التي فيها الإذن، وإلا فنفس الأحاديث من رواية رافع قد ورد أنه نهى عن كراء الأرض مطلقاً، وقال: (من كان له أرضٌ فليزرعها، أو ليمسكها، أو ليمنحها أخاه) ، وظاهر هذا أنه منعهم من أن يكروها بأجرةٍ أو بقسطٍ من الناتج أو نحو ذلك، وأمرهم بأن يمسكوها أو يمنحوها إخوتهم، ولكن لعل هذا كان في أول الأمر، ثم رخص لهم بعد ذلك أن يؤجروها بقسطٍ مما يخرج منها أو بالدراهم والدنانير. أو لعل النهي كان عن العمل الجاهلي، أي: كأنه قال: إذا كانت لك أرض وأنت تؤجرها بالأجرة الجاهلية، أي: بما على أقبال الجداول أو بما على الماذيانات وما أشبه ذلك، فلا تؤجرها بهذا، بل إما أن تمسكها، وإما أن تمنحها أخاك، وإما أن تبيعها. فهذا يحمل عليه الأحاديث التي فيها النهي الشديد عن تأجير الأرض، ولا شك أن الذي ملك الأرض وأحياها -ملكها بالإحياء أو بالشراء أو نحو ذلك- لأنه قد صار أحق بغلتها، وأحق بغرسها أو بزرعها، فما دام أنها في ملكه فهي كسائر الأملاك له أن ينتفع بها، وله أن يؤجرها، وله أن يمنحها، وله أن يعيرها، وينتفع بها ببقية أنواع الانتفاع كما ذكر في هذا الحديث وكما ذكر في أحاديث غيره.

стр. 757

شرح عمدة الأحكام [٥٦] يكثر النزاع بين الناس على الأراضي غروراً بالدنيا وطمعاً في زخارفها، وقد جاء الشرع بتحديد الحدود التي يجب على المسلم التزامها تجاه إخوانه وجيرانه، وتوعد من ظلم قيد شبر من الأرض بالوعيد الشديد، بل أمر المسلم أن لا يمنع جاره من الانتفاع بجداره إذا احتاج إليه لوضع خشبة مالم يضره، وعلّمه إذا أعمر أحداً داراً أو عقاراً أن يحتاط فلا يفسد ماله.

стр. 758

أحكام العمرى والرقبى يقول المؤلف رحمنا الله تعالى وإياه: [عن جابر بن عبد الله ﵄، قال: (قضى رسول الله ﷺ بالعمرى لمن وهبت له) . وفي لفظ: (من أعمر عمرى له ولعقبه، فإنها للذي أعطيها، لا ترجع للذي أعطاها؛ لأنه أعطى عطاءً وقعت فيها المواريث، وقال جابر: إنما العمرى التي أجازها الرسول ﷺ ، أن يقول: هي لك ولعقبك، أما إذا قيل: هي لك ما عشت، فإنها ترجع إلى صاحبها) . وفي لفظٍ لـ مسلم، (أمسكوا عليكم أموالكم، ولا تفسدوها، فإنه من أعمر عمرى فهي للذي أعمرها، حياً وميتاً، ولعقبه) ] .

стр. 759

معنى العمرى والرقبى يتعلق هذا الحديث برواياته بباب العطية، أو الهبة، وتسمى العمرى، وتسمى أيضاً الرقبى، وهي نوعٌ من العطية، وظاهر هذه الروايات الاختلاف، ونذكر قبل ذلك صورتها ثم نذكر الراجح فيها. ونمثل بالسكنى في الدار: إذا كان عنده منزل زائد عن حاجته أعطاه قريباً له أو صديقاً، وقال: قد أعمرتك هذه الدار، أي: جعلتها لك حياتك ومدة عمرك، أو يقول: قد أرقبتك هذه الدار لتسكن فيها، أو مثلاً أرضاً أرقبتها لتزرعها أو نحو ذلك، تسمى عمرى ورقبى، وسميت عمرى لأنها له مدى عمره، وسميت رقبى لأن صاحبها يرتقب موته حتى تعود إليه تلك الأرض التي وهبها هبةً مؤقتة، هذا مثالها في العقار. وتكون أيضاً في المنقول: فقد يعطيه مثلاً سيفاً ويقول: هو لك ما عشت، أو هو لك عمرك تقاتل به مثلاً، أو يعطيه إناءً يطبخ فيه، ويقول: هو لك حياتك، هو لك عمرك، أو يعطيه مثلاً دابةً يركبها ويقول: هي لك حياتك، يعني ما دمت حياً، كفرس يقاتل عليها، أو خلفةً يحلبها أو يركبها أو ما أشبه ذلك، فيعطيه إياها عطية مؤقتة، وتكون بمنزلة العارية التي لها حدٌ وهو منتهى حياته، فهذه تسمى العمرى وتسمى الرقبى، هذا اسمها قبل الإسلام. فلما جاء الإسلام وكانت العمرى والرقبى مشهورة في تلك المجتمعات التي صارت مجتمعات إسلامية، تغيّر الحكم، فاختلفت الأحاديث: هل تكون هبةً يملكها المهدى له، أم ترجع إلى المهدي والمعطي بعد موت المهدى له؟ في ذلك خلاف.

стр. 760

اختلاف الأحاديث في الرجوع في العمرى والرقبى فكثيرٌ من الروايات التي سمعنا تفيد أنها لا ترجع بل تجري فيها المواريث، أي: هذه الدار التي قلت لصاحبك: هي لك ما عشت، أو هي لك حياتك، أو هي لك عمرك، في الرواية الأولى وفي كثير من الروايات: أنها تدخل ملكه، وتقع فيها المواريث وتقسم بين ورثته على قدر سهامهم، فتكون بمنزلة العطية المنجزة أو الهدية المملوكة، سواء كانت عقاراً أو منقولاً، وسواء نقصها الاستعمال أو لم ينقصها. هذا مقتضى أكثر الروايات، حتى الروايات التي قال فيها: (أمسكوا عليكم أموالكم لا تفسدوها، من أعمر شيئاً فإنه للذي أعمر) ، يعني: أنه يبقى للذي أعمر. ولكن الرواية الأخرى تقتضي أنها ترجع إلى مالكها الأول؛ لأنه وقَّت عطاءه، حيث قال: هي لك ما عشت أو هي لك حياتك، فإذا مات رجعت إلى مالكها بمنزلة العارية المحددة، هذا مقتضى الرواية الثانية التي قال: (إنها ترجع إلى صاحبها) . وذلك بمنزلة العواري: فإذا أعرت صاحبك كتاباً وقلت له: اقرأ فيه حتى تقضي حاجتك منه، فقد أردت أن تسترده، كذلك إذا حددت وقتاً وقلت مثلاً: هذا الكتاب عارية عندك تقرأ فيه، أو هذا القدر عارية عندك تطبخ فيه، أو هذه السكين عارية عندك تقطع بها، ولم تحدد، جاز لك أن تسترده ولو بعد يوم أو بعد شهر، وجاز لك أن تبقيه ما دمت مستغنياً عنه، ولكنه لا يدخل في ملك المعار، بل هو عارية مستردة ومؤداة. وأما إذا حددت المدة فإنك لا ترجع فيه إلا بعد نهايتها، فلو قلت مثلاً: هذا البيت لك تسكنه عشر سنين، ففي هذه الحال لا ترجع قبل تمام عشر سنين، وذلك لأنك أعطيته والمسلم لا يرجع في عطيته، وقد تقدم قول النبي ﷺ : (العائد في هبته كالعائد في قيئه) . والعطية والهبة تعم المنافع وتعم الأعيان، فأنت مثلاً إذا أعطيته عيناً ينتفع بها كقدر، وقلت: هو لك، فلا يجوز لك أن تعود فيه، أو ثوباً يلبسه وقلت: هو هدية لك أو هبة لك، لم يجز أن تسترده، أو مثلاً بقرة يحلبها لم يجز لك أن تستردها، لأنك أعطيته عطية وهبة. فكذلك إذا حددت فقلت مثلاً: لك هذه الشاة تحلبها ما دام فيها لبن، فلا ترجع فيها بعد شهر أو بعد شهرين مادام فيها لبن، فإذا نشف لبنها فإن لك الرجوع. أو حددت مدة، قلت مثلاً: هذا القدر لك أن تطبخ فيه لمدة سنة، فبعد السنة يحق لك أن تعود فيه وترجع. فيقال كذلك في الأموال التي تحدد بأوقات: فإذا أعطيته هذه الدار يسكنها، وقلت: هي لك حياتك، فإذا مات فإن لك أن تستعيدها، لأن عطيتك له هو، لا للوارث، بل هي خاصة بذلك الذي أعطيته، فلا تجري فيها سهام الورثة، هذه هي العمرى التي ذكر في الأحاديث أنها ترجع إلى صاحبها. أما إذا قال: هي لك ولعقبك، يعني: أولادك ومن جاء بعدك، أو هي لك ولذريتك، فمثل هذه نسميها عطية منجزة وهبة، فليس له أن يرجع فيها، سواء في حياة المعطى أو بعده، فإن رجوعه في هذه يسمى رجوعاً في الهبة وعوداً فيها، والعائد في هبته كالعائد في قيئه. كذلك إذا حدد الوقت فليس له أن يرجع فيها قبل نهاية الوقت، فرجوعه قبل نهاية الوقت يكون رجوعاً في الهبة، وكأنه عائدٌ في قيئه.

стр. 761

الراجح في حكم الرجوع في العمرى والرقبى فالحاصل أن العمرى تنقسم إلى قسمين: - قسم يحدد فيه المدة بأن يقول: هي لك حياتك، أو لك عشر سنين، أو لك شهراً، فلا يرجع إذا جعلها شهراً إلا بعد نهايته، أو بعد نهاية عشر سنين، أو بعد انتهاء حياته يرجع بعد موته. - وقسم يقول: هي لك ولعقبك، أو يقول: هي لك ويسكت، ففي هذه الحال نعتبرها هبة تدخل فيها سهام المواريث. وقد ثبت أنه ﷺ قال: (المسلمون على شروطهم) ، ومعلوم أنه إذا شرط في الهبة أنها ترجع فإنها تعتبر مؤقتة، يعني: كالعارية، أباح لك أن تنتفع بها، وعند حاجته يرجع فيها، أو عند نهاية المدة، أو عند استغنائك، فإذا حدد المدة باستغنائك بأن قال: هي لك حتى تستغني عنها، فإذا استغنيت ووجدت ما يقوم مقامها، فإنه يملك استرجاعها، هذه هي العمرى والرقبى.

стр. 762

حكم منع الجار من غرز خشبته في الجدار قال المؤلف رحمنا الله تعالى وإياه: [عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: (لا يمنعن جار جاره أن يغرز خشبه في جداره) ، ثم يقول: أبو هريرة ﵁: (مالي أراكم عنها معرضين، والله لأرمين بها بين أكتافكم) ] .

стр. 763

الحث على حسن الجوار وكف الأذى عن الجار هذا الحديث في حسن الجوار، وقد وردت أدلة وأحاديث تحث المسلم على أن يحسن إلى جاره وأن يتحمل منه ما يسمعه، وأن يكف عنه أذاه، وقد ثبت في الحديث قوله ﷺ : (ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه) ، أي: يجعله من الورثة. كذلك أيضاً، يقول ﷺ : (لا يؤمن من لا يأمن جاره بوائقه) ، يعني: غوائله وخياناته، فالذي لا يأمنه جاره أن يخونه، ولا يأمن أن يغتاله، ولا يأمن أن يختلس منه جاره، هذا ليس بمؤمن كامل الإيمان. وقد وردت الأدلة في إحسان الجوار أيضاً، بل أمر بأن تحسن إلى جارك، وأن تتحفه وتهدي إليه، وأن تطعمه إذا علمت خصاصةً به، حتى ورد قوله ﷺ : (إذا طبخت مرقة فأكثر ماءها وتعاهد جيرانك) . وكذلك قال ﷺ : (لا يؤمن من بات شبعان وجاره جائع إلى جانبه) أو كما في الأحاديث. وسألت عائشة: (إن لي جارين فإلى أيهما أهدي، فقال: إلى أقربهما باباً) ، ففضل القريب باباً على غيره، ولا شك أن هذا كله يحث على حسن الجور، ومن ذلك ما تضمنه هذا الحديث، يقول ﷺ : (لا يمنعن جار جاره، أن يغرز خشبةً في جداره) ، وفي رواية: (أن يغرز خشبه في جداره) .

стр. 764

يجب تمكين الجار من وضع خشبه على جدار الجار ما لم يضره والعلماء ذكروا أن الجار قد يحتاج إلى أن يسقف له حجرةً أو غرفةً، ويكون بحاجةٍ إلى أن يمد خشبه أو حديده إلى جدار جاره الملاصق، والعادة أن الجيران يأتون غالباً متلاصقين، هذا ملاصق لهذا، فإذا كان جداره ملاصقاً لجدارك واحتاج إلى أن يسقف حجرةً أو غرفةً وأن يمد خشبه أو حديده، ويجعله على هذا الجدار أو هذه العمد، ويحفر لها فيه، فليس لك منعه، ولكن بشرط أن لا يضر الجدار. فإن كان الجدار لا يتحمل، فيلزمه أن يقيم إلى جانبه جداراً؛ لأن بعض الجدر قد تكون رقيقةً دقيقه، إذا وضع عليها خشب من هنا ومن هنا، فقد لا تتحمل فتسقط، فيحتاج إلى إقامة جدار إلى جانب جدار، حتى يجتمع ويتحمل ذلك الخشب. فأما إذا كان الجدار قوياً يمكنه أن يتحمل، فليس للجار أن يمنعه، وحيث ورد بلفظ الجمع: (أن يغرس خشبه) ، فإنه يكون على وجه العموم، فمتى احتاج إلى خشب ولو كثيرة فإنه له ذلك ولا يمنع. فهذا معنى قوله: (لا يمنع جار جاره أن يغرز) ، والغرز: هو النحت، بأن يحفر لها ثم يغرزها في الجدار، ثم يسقف عليها بعدما يمسكها في الجدار، وإذا كان الأمر كما كانت الغرف قديماً يجعل لها سقف تعرض عليه الخشب، فاحتاج إلى أن يجعل السقف على هذا الجدار، وكان الجدار يتحمل، فله ذلك، فإن كان لا يتحمل فإنه يضع عموداً، أي: ساريةً تتحمل ذلك السقف، ثم بعده يعرض الخشب عليه. وعلى كل حال فهذا كمثال في حاجة الجار إلى شيء مما يتصل بجاره، لأن الجار قد يحتاج إلى أحد حيطان جاره لوضع خشبه عليه، سواء كان جدار سورٍ من الأسوار التي تحيط بالمباني، أو جدار غرفةٍ أو حجرةٍ يلي هذا الجار، فإنه يمكنه من أن يسقف عليه. لما حدث أبو هريرة هذا الحديث كأنه استثقله بعضهم وأنكره، وقال: كيف أمكنه وأنا الذي بنيت هذا الجدار وقمت به وتوليته، وينتفع به غيري؟ فـ أبو هريرة لم يبال بذلك فيقول: (مالي أراكم عنها معرضين) ، يعني: عن هذه السنة أو عن هذا الحديث، (والله لأرمين بها بين أكتافكم) أو (بين أكنافكم) ، يعني: لأحدثن بهذا الحديث ولا أبالي من كره ذلك، لأنه لما تحقق أنه من كلام النبي ﷺ ، لم ير بداً من أن يحدث به، ولو كره ذلك واستثقله بعضهم. كذلك يقول بعضهم: إن الضمير يعود إلى الخشب، أي: لأرمين بالخشبة بين أكتافكم، يعني: ولو لم أجد إلا كتف أحدكم أضعه عليه -من المبالغة- يعني: عند الحاجة لأفعلن ما أمرني به الرسول وما أمر به الأمة، وما نهاهم عنه بقوله: (لا يمنع) . ثم الأولى بالجيران أن يتعاونوا فيما بينهم، فإذا كان هناك جدار حاجز بين اثنين، فالأولى أن يشتركا في النفقة عليه، وأن يجعلاه متحملاً لخشب هذا وهذا، أو لصبة هذا وهذا، حتى لا يقع بينهما شيء من المنافسة أو من الامتنان، أو من الكراهية لانتفاع جاره به أو نحو ذلك. لكن إذا سبق أحدهم وانفرد بإقامة هذا السور أو بإقامة هذا الجدار، ثم جاء إلى جانبه آخر وأقام منزله واحتاج إلى التسقيف على جداره؛ فليس له منعه؛ هذا مقتضى الحديث.

стр. 765

النهي عن الظلم في الأرض قال المؤلف رحمنا الله تعالى وإياه: [عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: (من ظلم قيد شبرٍ من أرضٍ طوقه من سبع أرضين) ] .

стр. 766

الطرق الشرعية لملك الأرض دون ظلم هذا الحديث يحذر فيه النبي ﷺ من الظلم، ويمثل بظلم الأرض، يعني: اقتطاع الأرض، ومعلوم أن الأرض ملك لله تعالى يورثها من يشاء، قال تعالى: ﴿إِنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ [الأعراف:١٢٨] ، ويقول الله تعالى: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾ [الأعراف:١٣٧] ، فأخبر بأنها لله وأنه يملكها من يشاء، وقد أخبر النبي ﷺ بأن الأرض تملك بالإحياء، فقال: (من أحيا أرضاً ميتة فهي له) . وذكر العلماء أنواع الإحياء الذي تملك به الأرض، فقالوا: يحصل بحفر الآبار، فقد ورد أن من حفر بئراً حتى وصل إلى الماء، فإنه يملك تلك البئر ويملك حريمها، أي: ما حولها، قيل: إنه يملك مد رشائها، وقيل: يملك من كل جانب خمسةً وعشرين ذراعاً إن كانت بئراً منتزعة، وأما إذا كانت قديمةً فإنه يملك خمسين ذراعاً، أما إذا كانت بئراً زراعيةً حفرها للزراعة، فإنه يملك ثلاثمائة ذراع من كل جانب، وبكل حال فهذا مما تملك به الأرض. كذلك أيضاً تملك بالسقي، فإذا جلب الماء إلى الأرض وسقاها فإنه يملكها إذا أخرج ماءً من بئرٍ فسقى به تلك الأرض، سواء كان فيها زرع أو شجر أو ليس فيها. وكذلك إذا أجرى الماء إليها: فإذا أجرى الماء في ساقيةٍ أو مواسير أو نحوها، إلى أن وصل إلى هذه الأرض وسقاها، ملكها بذلك، ولا يملكها إذا صب الماء فيها من إناء أو نحوه. فلو أن إنساناً ملأ سيارةً مما يسمى بالوايت، وجاء إلى أرضٍ صحراء وصب الماء عليها، لم يملكها بذلك إلا أن يكون قد غرس فيها أو زرع، فأما إذا جلب الماء إليها ولو من بعيد فإنه يملكها مع الساقية ونحوها. كذلك أيضاً يملكها بالبناء: فإذا بنى حولها قدر ما يستر الواقف حائطاً مستديراً من كل جهاتها فإنه يملكها وتدخل في ملكه بمثل ذلك. فعرفنا بذلك أنه إذا أحياها فقد ملكها. (من أحيا أرضاً ميتةً فهي له) ، والميتة: هي التي ليس فيها آثار تدل على أنها قد ملكت قبله، بل لم يكن لها مالك، فهذا دليل على أنه يملكها بهذا الإحياء، فإذا ملكها فلا شك أنه أحق بها، ولا يجوز لأحد أن يعتدي عليها ولا أن يتقدم ويأخذ ويتملك منها شيئاً ولو كان قليلاً.

стр. 767

الوعيد الشديد لمن أخذ من مال غيره توعد النبي ﷺ في هذا الحديث، بأن (من ظلم شبراً) ، أي: من اقتطع شبراً (من الأرض) يعني: أخذه من غير حقه، (طوقه من سبع أرضين) ، أي: جعل يوم القيامة طوقاً في عنقه، وفي بعض الروايات: (خسف به إلى سبع أرضين) ، فكونه طوقاً بمعنى أنه يحمله من سبع أرضين! فماذا يحمل الإنسان؟ وماذا يستطيع أن يحمل في رقبته؟ فلا شك أن هذا دليل على عظم شأن هذا الظلم. في حديث متفق عليه عن سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل ﵁، وهو أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، أن امرأة من جيرانه يقال لها: أروى، ادعت عليه عند بعض الخلفاء وقالت: إنه أخذ أرضي، أو اقتطع بعض أرضي، فترافعوا إلى الأمير؛ فقال سعيد: كيف آخذ أرضها وقد سمعت ما سمعت! فقالوا: ما سمعت؟ فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من اقتطع شبراً من الأرض بغير حق، طوقه من سبع أرضين) فقال ذلك الأمير: لا نطلب منك بينةً بعد ذلك! ولكنه ترك ذلك ودعا عليها فأصابتها دعوته. وقد ورد أيضاً اللعن لمن اقتطع شيئاً من الأرض، فقال النبي ﷺ : (لعن الله من غير منار الأرض) ، ومنار الأرض هو حدودها ورسومها، وذلك أن الذي يملك الأرض يجعل لها حدوداً وتسمى رسوماً، وهي نصب ينصبونها تميز أرض هذا عن هذا، وتبين الحد الفاصل بين الأرضين، فهذه تسمى مناراً، فالذي يأتي مثلاً ويقلع هذا النصب، ثم يقدمه في أرض جاره، ليأخذ قطعة من هذه الأرض، ويقلص من أرض جاره، فلا شك أن هذا داخل في هذا الوعيد الذي هو اللعن: (لعن الله من غير منار الأرض) ، وهذا وعيد شديد. وإذا كان هذا في ظلم الأرض، فلا شك أن بقية أنواع الظلم داخل في ذلك، فظلم الأرض هو اقتطاع شيء من حق الغير ولو شيئاً يسيراً، هذا إذا كانت مملوكةً لأحد، أما إذا كانت حرةً غير مملوكة، فإن الأرض لمن سبق إليها، لقوله: (من سبق إلى مال فهو أحق به، أو: فهو له) .

стр. 768

تحذير من يخاصم على أرض وهو يعلم أنه لا حق له فيها ومعلومٌ ما يقع من المنازعات ومن المخاصمات في الأراضي، وكيف أن الناس يختلفون على هذه الأرض وأنهم يعرفون أو بعض منهم أنها ليست ملكاً لهم، ومع ذلك يحملهم الطمع على أن يأخذوا ما ليس لهم، وهم يعرفون هذا الوعيد الشديد! كثير من الخصومات وكثير من القضايا التي في المحاكم إنما هي حول بقاع أو قطع من الأرض، هذا يدعي أنها له، وهذا يدعي أنها له، ولو علموا أن فيها هذا الوعيد الشديد لزهدوا فيها كلها، كما روي أن النبي ﷺ ترافع إليه رجلان من الصحابة في مواريث بينهما قد اندرست، يمكن أن يكون منها أراض وعقارات وبقع قد اندرست، ولا يعلمون ما حق هذا من حق هذا، فعند ذلك وعظهم ﷺ وقال: (من قضيت له بحق أخيه، فإنما أقطع له قطعة من النار، فليأخذها أو ليدعها) ، وكان أولئك الصحابة ذوي ورع وذوي مخافة، فلما سمعوا هذا الوعيد خاف كلٌّ منهم أن يأخذ شيئاً من حق أخيه فقال: أنا أتنازل عنها كلها، ولا أريدها إذا كانت عاقبة هذا الظلم أو عاقبة هذا العدوان النار، فلا حاجة لي فيها. فعند ذلك أرشدهم ﷺ إلا أن يتحروا الصواب ويقتسموها على ما يقرب من الحق، ثم بعد ذلك يستبيح كل منهم صاحبه، فنحن نقول: إذا كان بينك وبين جارك، أو بينك وبين شريكك خلاف في شيء من الأرض، أنت تقول: هذا لي وهو يقول: هذا لي؛ فاعلم أنك إذا أخذته وأنت تعلم أنه ليس من حقك، فإنك متعرض لهذا الوعيد، ومتعرض لأن تحمل هذه الأرض يوم القيامة كلها طوقاً في عنقك من سبع أرضين، أو متعرض لأن يخسف بك في هذه الأرض كلها إلى سبع أرضين، ومتعرض للَّعن الذي توعد به في هذه الأحاديث. فإذاً نقول: عليك أن تصطلح مع جارك أو شريكك، على أن تقتسما هذه الأرض ويستبيح كل منكم صاحبه، أي: تتنازل عنها إذا كنت تعرف أنه لا حق لك فيها، وأنك ظالم ومعتد بأخذك ما ليس لك. ومعلوم أن كثيراً من المتخاصمين يعرفون خطأهم، وأنهم في نفس الأمر ليس لهم حق في هذه البقعة، وأنهم معتدون في دعواهم، لكن ما الذي يحملهم على هذه المخاصمات وهذه المرافعات والشكايات التي قد تطول مدةً طويلة، والواحد منهم يجعل من يحامي ويجادل عنه، ويلصق الأكاذيب ويلفق الحجج، فيجمعها وهو في نفس الأمر يعرف أنه كاذب وأنه لا حق له؟ فالذي يحمله هو الطمع الذي يريد به أن يكتسب مالاً أو يكتسب بقعاً لا حق له فيها، أو إنما هي ملك الله يؤتيه من يشاء، فتكثر في ذلك المنازعات، مع أنه يعرف الحق من الباطل.

стр. 769

الحذر من دعوة المظلوم فننصح كل من عرف خطأه وعرف أنه لا حق له؛ أن يخاف من الحساب ويخاف من الظلم، ويعرف أنه ظالم لهذا، وأن النبي ﷺ قال: (اتقوا الظلم؛ فإن الظلم ظلمات يوم القيامة) . فقد تكون أنت أيها الظالم أقوى حجةً، وأمكن في الكلام وألحن، وتلصق ما تلصق، وربما تأتي بشهود كذبة، وتعطيهم على أن يشهدوا معك، وربما تجمع وثائق لا أساس لها ولا أصل لها، فينخدع القضاة ويعتقدون أنك صادق، فيقضون لك بتلك البقع أو بتلك الأراضي، وتأخذها وهي ليست لك، وتظلم أصحابها أو أهلها الذين ملكوها والذين أحيوها، فماذا تكون حالتهم؟ يدعون عليك ويطلبون من ربهم أن ينتقم لهم منك، وهذا فيه خطر كبير، فقد ثبت أنه ﷺ قال: (اتق دعوة المظلوم، فإنه ليس بينها وبين الله حجاب) ، بمعنى: أن المظلوم الذي ظلمه ظاهرٌ وواضح، إذا رفع يديه يدعو على من ظلمه، سيما في أوقات الإجابة؛ فإن دعوته لا تحجب، فدعوة المظلوم غير محجوبة، بل تخرق الحجب ويرفعها الله تعالى فوق السماء، ويقول: لأنصرنك ولو بعد حين. فعلينا أن نحذر من هذا الاعتداء، وسواء كان الظلم في الأراضي أو في غيرها من الأموال، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة.

стр. 770

شرح عمدة الأحكام [٥٧] كثيراً ما يفقد الناس أموالاً من نقود وأمتعة وبهائم فيجدها غيرهم، وقد أوجب الشرع على من وجد مالاً ضائعاً له قيمة أن يعرفه سنة، فإن لم يجد صاحبه فله أن يتملكه ويبقى في ذمته بحيث لو جاء صاحبه يوماً من الدهر أعطاه، وللفقهاء خلاف في بعض أحكام اللقطة بينها الشيخ في هذه المادة.

стр. 771

اللقطة قال المؤلف ﵀: [باب اللقطة: عن زيد بن خالد الجهني ﵁ قال: (سئل رسول الله ﷺ عن لقطة الذهب أو الورق، فقال: اعرف وكاءها وعفاصها، ثم عرفها سنة، فإن لم تعرف فاستنفقها ولتكن وديعةً عندك، فإن جاء طالبها يوماً من الدهر فأدها إليه، وسأله عن ضالة الإبل، فقال: مالك ولها! دعها فإن معها حذاءها وسقاءها، ترد الماء وتأكل الشجر، حتى يجدها ربها، وسأله عن الشاة، فقال: خذها فإنما هي لك، أو لأخيك، أو للذئب) ] هذا الحديث يتعلق باللقطة، واللقطة: هي المال الذي سقط من مالكه، سواء كان متاعاً أو نقداً أو آنيةً أو نحو ذلك مما يتملك، وقد ذكر في هذا الحديث أنه يعرف، ومعنى تعريفه: أنه ينادى عليه: من له مال أو من له متاع، أو نحو ذلك.

стр. 772

شرط تعريف اللقطة اشترط الفقهاء لتعريف اللقطة: أن يكون المال المفقود مما تتبعه همة أوساط الناس، فأما الأشياء الطفيفة الرخيصة التي لا يهتمون بطلبها، فلا حاجة إلى تعريفها، فإذا وجد الإنسان مثلاً رغيفاً أو قطعة حلواء أو عصا أو حذاءً مستعملاً رخيصاً أو قلنسوة -يعني طاقية- أو ريالاً ونحوه مما لا يهتم أغلب الناس بطلبه؛ فمثل هذا لا يحتاج إلى أن يعرفه، بل يملكه آخذه؛ لكون صاحبه في الغالب قد تركه أو قد أيس منه، ولو أحس بفقده؛ ولكنه لا يرجع ويسأل عنه، ولا يهمه أن يفقده. والناس بحسب ما يفقد منهم ثلاثة أقسام: القسم الأول: الفقراء والضعفاء ونحوهم، ولاشك أن أحدهم يهمه إذا سقط منه ريالٌ أو قرشٌ أو نحو ذلك؛ لكونه يجد له موقعاً، ويؤثر في اقتصاده وفي ماله، فمثل هؤلاء قليلٌ، ولا يعتد بطلبهم لهذه الأشياء الساقطة أو القليلة. القسم الثاني: الأثرياء أهل الأموال الطائلة، فهؤلاء لو سقط من أحدهم مائة أو مائتان أو نحو ذلك، فالغالب أنهم لا يهتمون بطلب هذا، ولا يطلبونه؛ لكونه لا يؤثر في اقتصادهم، ولكون أموالهم طائلةً لا يحسون بفقد المائة أو المئات أو ما أشبهها. ولكن ننظر إلى أغلب الناس، وهم الوسط الذين يهتمون للعشرة وللعشرين وللثلاثين ونحوها، وهؤلاء هم أغلب الناس، فنعد هذه لقطةً تحتاج إلى تعريف.

стр. 773

أنواع اللقطة اللقطة ثلاثة أنواع: الأول: المتاع والنقود ونحوه. الثاني: ما لا يحوز التقاطه من بهيمة الأنعام وهي الإبل ونحوها. الثالث: ما يجوز التقاطه من بهيمة الأنعام كالغنم ونحوها. فإذا وجدت نقوداً من ذهبٍ أو من فضةٍ أو ما قام مقامها من الأوراق النقدية سواء كانت نقوداً سعودية، أو لدولةٍ أخرى لها قيمة، فهذه النقود لها قيمتها عند أهلها، فماذا يجب عليك أن تفعله قبلها؟

стр. 774

وجوب تعريف اللقطة وكيفيته يقول في هذا الحديث: اعرف عفاصها ووكاءها وعددها، ثم عرفها سنةً، فإن جاء صاحبها وإلا فاستنفقها، فإذا جاء صاحبها يوماً من الدهر فادفعها إليه. عفاصها: هي الخرقة التي تكون فيها، فاكتب أو أثبت أنها موجودةٌ في غلاف لونه كذا، أو بخرقةٍ لونها كذا، أو إناء لونه كذا. وكذلك الوكاء: وهو الخيط الذي تربط به، فاكتب ما كانت مربوطة به من خيط أو سلك أو ما قام مقامه مما تربط به النقود ونحوها. واعرف أيضاً عددها، يعني: مقدارها من النقود، فمثلاً في بلادنا هذه اعرف ما أنواعها، هل هي من فئة خمسمائةٍ أو من فئة خمسة أو من فئة خمسين أو نحو ذلك، فاكتب عددها، وأنها فئة كذا وكذا حتى ينتبه لها صاحبها؛ وكذلك اعرف موضعها الذي سقطت فيه، أنها سقطت في المكان الفلاني. كذلك أيضاً اعرف زمنها، أنك وجدتها في اليوم الفلاني، في الساعة الفلانية، كل ذلك تثبته، ولكن إذا عرّفتها فلا تذكر هذا كله؛ لأنه قد يدعيها من ليس بأهل لها، بل تقول: من له الدراهم التي ضلت منه في يوم كذا وكذا؟ أو تقول: وجدت في مكان كذا كذا، فإذا جاءك إنسان وقال: هي لي، فسله واستخبره كم عددها؟ فإذا ذكر عددها فاسأله: ما ألوانها؟ وما وعاؤها الذي هي فيه؟ فإذا وصفها وصفاً دقيقاً عرفت أنه صاحبها، فعند ذلك تدفعها إليه، فإذا لم يطابق وصفه لها، فاعلم أنه متقولٌ أو له لقطةٌ أخرى. ما هي كيفية التعريف؟ يقول العلماء: إنه في الأسبوعين الأولين يعرفها في كل يوم، أما فيما بعد فيعرفها مثلاً في كل يومين، ثم في كل أسبوع كأيام الجمع والمجتمعات، ثم بعد ذلك يقتصر على تعريفها في المجتمعات كأيام الجمع في كل شهر مرتين أو ثلاث مرات أو ما أشبه ذلك. ما هي أماكن التعريف؟ لا يجوز تعريفها في المسجد، كما لا يجوز أيضاً إنشاد الضالة في المسجد، فلا يجوز أن تقول في المساجد: من له ضالة؟ أو من فقد ضالة كذا وكذا؟ حتى ولو كانت قليلة القيمة أو كثيرة القيمة، حتى ولو كانت حذاءً مثلاً أو عمامةً أو ما أشبه ذلك، بل يكون التعريف عند أبواب المساجد، فيقف عند باب المسجد، ويقول: من له ضالة؟ من فقد ضالةً من نوع كذا وكذا حذاءً ثوباً نقوداً؟ فإذا جاءه صاحبها ووصفها أعطاه إياها. وإذا كنت لست من الذين يجرءون على التعريف، فإنك توكل من يعرف وينادي عند أبواب المساجد وفي المجتمعات، فإذا قال: أنا لا أنادي إلا بأجرة، فإنك تعطيه أجرته منها يعني: بشيء تحدده له ولو مثلاً ثلثها أو ربعها وما أشبه ذلك، فتقول: هذا مقدارها، ولك منها كذا وكذا.

стр. 775

حكم اللقطة بعد تعريفها سنة إذا عرفتها ولم تجد صاحبها، وأنت قد قمت بهذا التعريف قياماً كاملاً، فلك أن تستنفقها أي: تدخلها في مالك، وذهب بعضهم إلى أنها تدخل في ملكه، وتصير له، وورد في بعض الروايات: (فإن جاء صاحبها وإلا فهو مال الله يؤتيه من يشاء) ، وفي بعض الروايات: (فإن علمت وإلا فهي لك) ، ومعناه: أنها أصبحت مملوكة لك، حيث إنك الذي وجدتها، وحيث إنك الذي ناديت عليها، وصبرت على النداء لها، فأنت أحق أن تملكها وتدخل في ملكك. ولكن لا تدخلها في مالك ألا بعد أن تعرف أوصافها، وقيمتها إذا كانت متقومة، فإذا كانت لها قيمةٌ كالمتاع، كأن تكون قدراً أو ثوباً أو كيساً أو علبةً أو ما أشبه ذلك مما له قيمة؛ فقدر قيمتها عند تمام الحول، واستنفقها وأدخلها في مالك، واكتب أوصافها في ذمتك، فربما يأتيك صاحبها في السنة الثالثة، أو في السنة الخامسة، أو بعد عشر سنين؛ لأنك لا تزال تنشدها، ولا تزال تخبر عنها في المجتمعات، وتقول: إني وجدت من الذهب كذا وكذا، أو وجدت من الفضة كذا، أو جدت كذا من الأواني أو الأمتعة أو الأطعمة أو الفواكه أو ما أشبه ذلك. وإذا كانت مما لا يبقى سنةً فتباع، فلو وجدت مثلاً علبةً طعام لا يمكن بقاؤها، أو وجدت قطعة لحمٍ، فإنها لا تبقى في العادة، أو وجدت خضرة أو فواكه أو ما أشبه ذلك مما يفسد إذا بقي مدة، أو يحتاج إلى تجميد أو نحوه بأجرة، فهذا لا يبقى، بل تقومه في حينه وتقدر قيمته، ثم تستنفقه أو تبيعه أو تحفظ قيمته، وتعرفه حتى تتم المدة.
следующие страницы →