Полный текст (1 083 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.
стр. 841
أسماء الصداق
من مكملات النكاح: دفع الصداق، قال الله تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ [النساء:٤] سماه الله صداقاً، قيل: لأنه يدل على صدق الرغبة؛ فإنه ما بذل ماله إلا وهو صادق في رغبته في هذا النكاح، وسماه الله نحلة، والنحلة هي العطية، كما في قول النعمان: (نحلني أبي عبداً) يعني: أعطاني، فسماه الله نحلة؛ وذلك لأنه شبه عطية؛ لأنه في مقابل الاستمتاع، وهو -أي: الاستمتاع- يحصل به منفعة للطرفين، فلذلك سماه الله عطية من الزوج لامرأته، وكذلك سماه الله أجراً في قوله : ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [النساء:٢٤] يعني: متى تمتعتم بهن هذا الاستمتاع المباح فآتوهن أجورهن، وسماه الله فريضة لأنه يفرض، يعني: يقتطع للمرأة من مال الزوج برضاه، فقال تعالى: ﴿فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ﴾ [النساء:٢٤] أي: لا جناح عليك أن تزيد المرأة زيادة على الفريضة لترغبها.
ولا جناح عليها أن تسقط شيئاً من صداقها لترغب الزوج في إمساكها.
وتطيب نفسها بشيء من مهرها، قال تعالى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النساء:٤] أي: متى طابت نفس الزوجة بشيء من الصداق لزوجها فإنه حلال له هنيء مريء مباح له أكله، ولا يلزمه أن يدفعه لها مرة ثانية إذا كانت قد سمحت به.
وسماه الله تعالى نفقة في قوله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ [النساء:٣٤] ، يعني: بما دفعوا من هذا المال، أي: المال الذي دفعه الزوج لزوجته، فبذلك صار له الفضل والرفعة على المرأة: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ [النساء:٣٤] ، ولأن الرجل هو الذي يقوم بالنفقة فله مزية وفضيلة عليها.
والحاصل: أن النكاح لابد فيه غالباً من الصداق.
стр. 842
وجوب الصداق
وقد ذهب بعض العلماء إلى أن الصداق أو تسميته بالعقد شرط للصحة، فجعلوا شروط العقد أربعة أو خمسة: الأول: الرضا من كل من الزوجين.
الثاني: تسمية كل منهما بما يتميز به.
الثالث: الإيجاب والقبول من الولي ومن الزوج.
الرابع: تسمية الصداق، بأن يقال: زوجتك بصداق كذا وكذا، وذلك لأن الله أمر به في قوله: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ [النساء:٤] ، وهذا هو سبب تسميته صداقاً.
واستحقاق المرأة لهذا الصداق لا يكون إلا بالعقد؛ كما ذكر الله تعالى أنه يجب بالعقد، وإذا طلقها قبل أن يفرض لها فليس لها إلا المتاع في قوله تعالى: ﴿لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ﴾ [البقرة:٢٣٦] ، وفي قوله: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة:٢٤١] ، فإذا طلقها ولم يفرض لها فإنه يمتعها بكسوة، يمتعها بحلية، أو نحو ذلك.
стр. 843
استحباب تخفيف المهور وكراهة المغالاة فيها
وقد وردت السنة بالأمر بتخفيف المهر، فورد في حديث: أن أفضل النكاح أيسره مهراً؛ وذلك أنه إذا كان المهر يسيراً فإن الرجل يرغب في الزوجة، ويعاملها معاملة طيبة، حيث إنها لم تكلفه ولم تحمله على دين أو على اقتراض أو على خسارة ظاهرة، فيحسن صحبتها، وهي أيضاً تحسن صحبته ومعاملته إذا رأته لبقاً لين الجانب حسن العشرة حسن الخلق.
فهذا هو السبب في الأمر بتخفيف الصداق، وأيضاً فإن في تخفيفه حملاً للكثير على الزواج، بخلاف ما إذا تشدد الناس وتشدد الأولياء وضاعفوه وأكثروه فإن التقدم من الزوج سيكون متأخراً، وربما يجلس الواحد سنوات يجمع الصداق! فيفوت عليه جزء من عمره قبل أن يتزوج، وربما لا يتزوج إلا أفراد معدودون؛ حيث إن الكثير قد يعجزون عن ذلك الصداق الذي يثقل كواهلهم.
كذلك أيضاً ورد أن رجلاً جاء إلى النبي ﷺ وقال له: أعني؛ فإني تزوجت، فقال له: (وكم دفعت من المهر؟ فذكر له مهراً كأنه استكثره فقال: عشرين مثقالاً؟! كأنما تنحتون الفضة من عرض هذا الجبل) أي: أنه يلومه على أن دفع مهراً عشرين مثالاً من فضة، مع أنها شيء يسير بالنسبة إلى زماننا.
وحصل أن امرأة تزوجت بنعلين، فقال لها النبي ﷺ : (أرضيت من نفسك بنعلين؟ فقالت: نعم، فأجاز نكاحها) ومنه أُخذ استحباب تخفيف الصداق وتقليله حتى لا يثقل على المتزوجين، وحتى لا يتعطل كثير من رجال ونساء.
стр. 844
شرح حديث: (أن رسول الله ﷺ أعتق صفية وجعل عتقها صداقها)
والأدلة من الأحاديث المذكورة واضحة، فالحديث الأول حديث أنس ذكر: (أن النبي ﷺ أعتق صفية، وجعل عتقها صداقها) .
وصفية هي بنت حيي بن أخطب، وهي من بني النضير من اليهود، وكان أبوها من أهل المدينة الذين أجلاهم النبي ﷺ من ديارهم المذكورون في قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ﴾ [الحشر:٢] ولما خرج حيي نزل في خيبر، ثم فتحت خيبر، وكان قد قتل قبل ذلك، وسبيت نساء اليهود الذين استولي عليهم، وكانت صفية من جملة السبي، فكانت من نصيب بعض الصحابة، فأخذها النبي ﷺ ، قيل: إنه أخذها قبله ثابت بن قيس بن شماس.
والحاصل: أنه اصطفاها النبي ﷺ لنفسه وأصبحت ملك يمين، ولما رأى أنه قد قتل أبوها، وقتل زوجها، وقتل أحد إخوتها، وأنها مصابة رأى أن يعتقها حتى يزول ما في نفسها، ورأى أن يتزوجها وأن يجعلها كأمهات المؤمنين، وأن يحجبها كما حجب نساءه، فكان في ذلك ما تسلت به عن هذه المصيبة، فجعل عتقها صداقاً فقال: (أعتقتكِ وجعلت عتقكِ صداقكِ) فرضيت بذلك، وأصبحت إحدى زوجاته يقسم لها كما يقسم لزوجاته، وبقيت في عصمته حتى مات عنها، وهي من أمهات المؤمنين ﵅.
استدلوا بذلك على أنه يجوز أن يكون الصداق غير مال؛ وذلك لأنه لم يسلم لها شيئاً، إنما قيمة نفسها جعلت كصداق لها، وهذا هو مدلول هذا الحديث.
стр. 845
شرح حديث: (أن رسول الله ﷺ جاءته امرأة فقالت: إني وهبت نفسي لك)
أما الحديث الذي بعده ففيه هذه القصة، وكأن هذه امرأة من المهاجرات، ولم يكن لها مأوى فجاءت إما من قرية من القرى أو من بادية من البوادي، ولم يُذكر اسمها، جاءت إلى النبي ﷺ وقالت: (إني قد وهبت نفسي لك) قال الله تعالى: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنكِحَهَا﴾ [الأحزاب:٥٠] وكأنها سمعت هذه الآية فوهبت نفسها للنبي ﷺ لتصبح كزوجة من زوجاته يقسم لها كما يقسم لزوجاته.
ثم لما عرف منها هذا ونظر إليها كما في بعض الروايات: (صعد النظر فيها وصوبه) أي: وطأطأه ولما طال وقوفها جلست تنتظر، ولما طال جلوسها قام رجل من الحاضرين -وهو أيضاً من فقراء المهاجرين- وطلب أن يتزوجها إذا لم يكن للنبي ﷺ حاجة بها، ولما كان الصداق لابد منه في النكاح طلب منه صداقاً، ولكنه فقير من فقراء المهاجرين لا يملك شيئاً، فأمره أن يصدقها شيئاً فلم يجد؛ لأنه لم يكن عنده شيء، ولم يكن له إلا إزار قد شد به عورته حتى لم يبق على ظهره منه شيء، فهو عارٍ حتى من الرداء الذي يستر به ظهره، ومن العمامة التي يستر بها رأسه، فهو إذاً من الفقراء الذين هم في شدة فقر وحاجة، هكذا حالته، فلما لم يجد عنده شيئاًَ طلب منه أن يلتمس، وردده مراراً، حتى طلب منه ولو خاتماً من حديد، والخاتم هو: الذي يوضع في إحدى الأصابع، والحديد معروف يعني: قيمته قد تساوي قرشاً أو نحو ذلك، ولكنه لم يجد حتى هذا الخاتم من حديد؛ وذلك لفقره، فجلس وانتظر، وفي بعض الروايات: (أنه ذهب مولياً) ، ولما رآه النبي ﷺ مدبراً، دعاه وسأله عن الحفظ الذي يحفظه من القرآن، فعدد سوراً يحفظها: سورة كذا، وسورة كذا، فقال له: (زوجتكها بما معك من القرآن) وفي رواية قال: (فعلمها عشرين آية) فجعل تعليمه لها قائماً مقام المال الذي يُدفع لها مقابل نكاحها.
هذا هو مدلول هذا الحديث.
وقد استدل به بعض العلماء على أن تعليم القرآن يصح أخذ الأجرة عليه؛ وذلك لأنه هنا جعله مقام الأجر المطلوب في قوله تعالى: ﴿فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [النساء:٢٤] وجعله قائماً مقام المال المطلوب في قوله تعالى: ﴿وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ [النساء:٣٤] فأصبح مما يؤخذ عليه مال، ومما يصح أن يجعل صداقاً ومهراً ينتفع به، فعُرف بذلك أنه يصح أن يكون تعليم القرآن صداقاً، وبطريق الأولى تعليم غيره من العلوم التي يحتاج إليها، فإذا علمها شيئاً من الفقه، أو من الأحاديث، أو من تفسير بعض الآيات، أو علماً يحتاج إليه كعلم أدب أو علم أخلاق أو علم لغة أو غير ذلك مما يحتاج إلى تعليم صح أن يجعل هذا التعليم صداقاً.
وبذلك يُعرف أنه عليه الصلاة السلام كان يسهل في أمر الصداق؛ بحيث إنه جعل هذا التعليم صداقاً قائماً مقام الأموال التي يدفعها الزوج لزوجته مقابل أن تكون بينهما الزوجية، فإذا جاز تعليمها آيات من القرآن صداقاً أو أحاديث أو تفسير آيات أو تعليم حكمٍ أو أحكام أو مسائل فقهية أو نحو ذلك ويكون ذلك قائماً مقام المال، فبالطريق الأولى أنه يصح صداقها مالاً ولو قليلاً.
والله أعلم.
وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.
стр. 846
شرح عمدة الأحكام [٦٢]
أبغض الحلال إلى الله الطلاق، وقد أباحته الشريعة إذا احتاج الرجل إليه لئلا يبقي امرأة في عصمته وهو لا يحبها فتكثر المشاكل والمفاسد بينهما، وللطلاق أحكام وآداب وسنن ينبغي معرفتها.
стр. 847
حديث النهي عن طلاق الحائض
قال المؤلف رحمنا الله تعالى وإياه: [كتاب الطلاق: عن عبد الله بن عمر ﵄: (أنه طلق امرأته وهي حائض، فذكر ذلك عمر لرسول الله ﷺ ، فتغيظ منه رسول الله ﷺ ثم قال: ليراجعها ثم يمسكها حتى تطهر ثم تحيض فتطهر، فإن بدا له أن يطلقها فليطلقها قبل أن يمسها، فتلك العدة كما أمر الله ، وفي لفظ: (ثم تحيض حيضة مستقبلة سوى حيضتها التي طلقها فيها) ، وفي لفظ: (فحسبت من طلاقها وراجعها عبد الله كما أمر رسول الله ﷺ .
وعن فاطمة بنت قيس: (أن أبا عمرو بن حفص طلقها البتة وهو غائب -وفي رواية: طلقها ثلاثاً- فأرسل إليها وكيله بشعير فسخطته فقال: والله مالكِ علينا من شيء.
فجاءت رسول الله ﷺ فذكرت ذلك له، فقال: ليس لك عليه نفقة -وفي لفظ: ولا سكنى- فأمرها أن تعتد في بيت أم شريك ثم قال: تلك امرأة يغشاها أصحابي، اعتدي عند ابن أم مكتوم فإنه رجل أعمى تضعين ثيابك، فإذا حللت فآذنيني.
قالت: فلما حللت ذكرت له أن معاوية بن أبي سفيان وأبا جهم خطباني.
فقال رسول الله ﷺ : أما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه، وأما معاوية فصعلوك لا مال له، انكحي أسامة بن زيد، فكرهته ثم قال: انكحي أسامة، قالت: فنكحته فجعل الله فيه خيراً كثيراً واغتبطت) ] .
الطلاق: هو تخلية عصمة المرأة بعد أن ربط بينهما وثاق النكاح، فالنكاح هو: رباط بين الزوجين، والطلاق حل لذلك الرباط.
علم الله تعالى أن الزوجين قد تسوء العشرة بينهما، فلا يتلاءم الزوج مع الزوجة، وتسوء صحبتها له أو صحبته لها، ويمل كل منهما من صاحبه، فحينئذٍ جعل لهما مخرجاً بهذا الطلاق، فأباح له أن يطلقها وجعل لذلك شروطاً وجعل له صفات وأسباباً.
ومع كونه مباحاً فإنه مكروه، ورد في الحديث أن النبي ﷺ قال: (أبغض الحلال إلى الله الطلاق) ، فجعله حلالاً ومع ذلك ذكر أنه مكروه عند الله؛ وما ذاك إلا أنه يسبب الفرقة بين الزوجين، وقد يكون بينهما أولاد، وقد يكون بينهما صحبة طويلة، وقد يندم بعدما يطلق ولكن بعدما يفوت الأوان، فهذا ونحوه من أسباب كراهة الطلاق.
وذكر العلماء: أنه يكون مباحاً، إذا احتاج إليه بأن ملّ صحبة المرأة ولم تناسبه ففي هذه الحال هو مباح، ومع ذلك فالصبر أفضل، فينبغي له أن يصبر ويتحمل المشقة، ويعاشر زوجته بما أمر الله بقوله: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء:١٩] فهذا أولى، ولكن إذا حصلت الأسباب التي تسيء الصحبة فإنه يكون حلالاً ومباحاً.
وأما إذا ضجرت منه الزوجة واشتد ضررها، واحتاجت إلى أن تفتدي نفسها وتبذل شيئاً من مالها حتى تفارقه وتتخلص من شره وغضبه، ففي هذه الحال يكون مستحباً؛ لما فيه من إزالة الضرر وتفريج الكربة.
مر بنا هذا الحديث عن ابن عمر أنه طلق امرأته وهي حائض، فقال النبي ﷺ : (مره فليراجعها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر، ثم إن شاء أمسك وإن شاء طلق قبل أن يمس، فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء) يعني: قول الله تعالى: ﴿يا أيها النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق:١] ، وفسرها بعضهم بقوله: في قُبُلِ عدتهن، أي: في أول العدة، بأن تطلق في مستقبل العدة؛ وذلك لأنه إذا طلقها وهي حائض فإن تلك الحيضة لا تحسب من العدة، فيكون سبباً في تطويل العدة بخلاف ما إذا طلقها وهي طاهر قبل أن يمس فإن ذلك الطهر يكون أول عدتها، أو تكون الحيضة التي بعده هي أول عدتها.
стр. 848
عدم جواز الطلاق في طهر مس امرأته فيه
قوله: (فليطلقها قبل أن يمسها) أفاد أنه إذا جامعها في ذلك الطهر لا يجوز له أن يطلقها، وإذا حاضت لا يجوز أن يطلقها في ذلك الحيض، فعرف بذلك: أن الطلاق في الحيض بدعة، وأن الطلاق في طهر قد وطئها فيه بدعة، وأن من أراد أن يطلق فليطلق وهي طاهر، يعني: ليس عليها حيض ولم يمسها في ذلك الطهر، هكذا ذكروا.
ولعل ذلك لتقليل الطلاق، فإنه إذا عزم على الطلاق وملّ من صحبة زوجته قيل له: لا تطلقها وهي حائض، فإن نفسك تكون كارهة لها في تلك الحال وهي حالة الحيض، فانتظر حتى تطهر، فإذا صبر وانتظر إلى أن تطهر، فيمكن أن نفسه تندفع إليها فيطؤها؛ لأنه قد صبر وهي حائض ستة أو سبعة أيام وهو ينظر إليها، فيقول: سوف أجامعها في هذا الطهر، فإذا جامعها قيل له: لا تطلق ما دمت قد وطئتها في هذا الطهر، لا تطلق في طهر قد وطئتها فيه، فإذا انتظر إلى أن يأتي الحيض الثاني قيل له: لا تطلقها وهي حائض، فإذا طهرت من الحيضة الثانية وعزم على الطلاق فقد لا يصبر ويندفع إليها ويطؤها، فإذا وطئها عرف أنه لا يحلّ له أن يطلقها في ذلك الطهر الذي قد وطئها فيه فيمسكها، وهكذا، وبعد ذلك إما أن تتحسن الحال والعلاقة بينهما، وإما أن يخف الذي وجد في نفسه، فيعزم على إمساكها ويترك طلاقها، فهذا هو السبب في منعه من طلاقها في حيض أو في طهر قد وطئها فيه.
إذاً: متى يطلق؟ لا يطلق إلا وهي في طهر لم يمسها فيه، أو بعدما يتبين حملها، فإذا حملت وتبين حملها جاز له أن يطلق، أو إذا بلغت سن الإياس وانقطع عنها الحيض جاز له والحال هذه أن يطلقها في أية حال، فأما طلاقها في طهر وطئها فيه وهي غير آيسة أو في حيض فإنه طلاق بدعة.
стр. 849
هل يقع طلاق البدعة ؟
هل يقع طلاق البدعة أو لا يقع؟ ابن عمر طلقها وهي حائض، وذلك الطلاق بدعة، وأمره النبي ﷺ أن يردها وقال: (مره فليراجعها) ، كلمة (يراجع) دليل على أنها طلقة؛ لأن الرجعة لا تكون إلا لمطلقة، فأفاد بأن تلك الطلقة حسبت، وسمعنا قوله في هذا الحديث: (وحسبت عليه تطليقة) ، أي: حسبت تلك الطلقة التي في الحيض، وعدت عليه من طلقاتها؛ وذلك لأن الزوج يملك ثلاث طلقات، فإذا طلق المرة الأولى ملك الرجعة ما دامت في العدة، وإذا انتهت العدة قدر على نكاحها بعقد جديد إذا تراضوا بينهم.
وإذا طلقها المرة الثانية سميت أيضاً رجعية، يقدر على أن يستردها في العدة ولو بدون رضاها وبدون عقد، فإذا انتهت العدة من الطلقة الثانية فهي بائن بينونة صغرى، له أن يخطبها، وإذا تراضوا بينهم جدد العقد ورجعت إليه.
فإذا طلقها الطلقة الثالثة بانت منه بينونة كبرى، بحيث لا يستطيع أن يردها، ولا يقدر على ردها، ولا تحل له حتى تنكح زوجاً غيره نكاح رغبة لا نكاح تحليل.
فهذا هو الطلاق الشرعي: أولاً: إذا أراد الرجل أن يطلق امرأته فلا يستعجل مخافة أن يندم، كما حكي عن الفرزدق أنه لما طلق امرأته ندم ندامة شديدة وقال في شعره: ندمت ندامة الكسعي لما غدت مني مطلقة نوار كانت له زوجة اسمها نوار، طلقها وندم عليها ندامة شديدة كندامة الكسعي، فمن تسرع في الطلاق قد يندم، فعليه أن يتريث وأن يصبر.
ثانياً: إذا عزم على الطلاق فإن عليه أن يطلقها وهي طاهر في طهر لم يطأها فيه، لا يطلق في حيض ولا يطلق في طهر قد جامعها فيه إلا أن تكون حاملاً.
ثالثاً: عليه أن يطلق واحدة ولا يزيد، فالزيادة على الواحدة طلقتين أو ثلاث طلقات بدعة، وإن كان يقع عند بعضهم، بل يقتصر على طلقة واحدة.
رابعاً: إذا طلقها فليتركها تبقى في بيتها؛ لأنها في حكم الزوجة ما دامت في عدته ومحبوسة عليه، فهي كزوجة له، يجوز لها أن تتكشف أمامه، ويجوز لها أن تتجمل وأن تتطيب وأن تتعرض له، فإذا غلبته نفسه واندفع إليها ووطئها فلا تمتنع منه، ويكون وطؤه لها كرجعة، يعني: يعتبر أنه راجعها؛ فلأجل ذلك قال الله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ﴾ [الطلاق:١] يعني: المطلقات ﴿وَلا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [الطلاق:١] ، لا تخرج المطلقة إلا إذا كانت بذيئة اللسان، إذا كانت مثلاً شريرة فيها شيء من العتو ومن النفرة ومن الشر والقساوة الشديدة فهذا هو الفاحشة، فالفحش هو الفحش في القول، فإذا أتت بفاحشة مبينة فيجوز له والحال هذه أن يخرجها، فإذا لم تكن كذلك فإنه يتركها في بيتها، ويجوز أن يدخل ذلك البيت، وما دامت في العدة فلها حق أن ينفق عليها، ولها حق أن يبيت عندها، وإن بات عندها وحفظ نفسه ولم يطأها حتى انتهت عدتها فإنها تحل بعد ذلك لغيره، أي: إذا انتهت عدتها وهو لم يراجع ولم يجامع، فتحل لغيره وتحل له أيضاً إن أراد زواجها إذا كان الطلاق رجعياً كما قلنا.
فالنبي ﷺ أنكر على ابن عمر أنه طلقها وهي حائض، وجعل ذلك الطلاق بدعة وقال: (مره فليراجعها) ، فأفاد أن من طلق حائضاً يقال له: راجع.
ما معنى راجع؟ يشهد لقول الله: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَي عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق:٢] فيقول: اشهدا يا فلان وفلان أني قد راجعت امرأتي.
إلى متى هذه الرجعة؟ إذا راجعها أمسكها، فإذا طهرت من تلك الحيضة التي طلقت فيها فالرجعة لها آثار، فلابد من أن يجامعها في ذلك الطهر الذي يلي تلك الحيضة حتى يصدق عليه أنه راجعها؛ لأنه قال: (مره فليراجعها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر) ، فطلاقها في الطهر الذي راجعها في الحيض قبله يعتبر أيضاً بدعة، فيقال له: إذا راجعتها وهي حائض فلا تطلقها في الطهر الذي بعده، ولو لم تمسها، بل لا تتم الرجعة إلا بأن يمسها -أي: يجامعها في ذلك الطهر- ثم يتركها، فإن تبين حملها طلقها بعد الحمل، وإن لم يتبين حملها بل حاضت الحيضة الثانية فإذا طهرت من الحيضة الثانية طلقها وهي طاهر.
فعرفنا بذلك أنه لا يجوز الطلاق في الحيض، ولكن إذا طلق فإنها تحسب عليه طلقة من الثلاث الطلقات التي يملكها، وإذا طلقها وهي حائض فإنه يؤمر أن يستردها، وإذا استردها يؤمر أن يجامعها في الطهر الذي يلي تلك الحيضة، وإذا جامعها وحاضت حيضة بعدها فيؤمر إذا كان راغباً في طلاقها أن يطلقها في الطهر الذي يلي الحيضة الثانية قبل أن يجامعها، فحينئذٍ يكون قد طلقها لعدتها.
والعدة للحائل التي تحيض ثلاثة قروء قال تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة:٢٢٨] أي: ثلاث حيض، فإذا طهرت من الحيضة الثالثة فإنها تحتجب عنه، وتحل لغيره إذا خطبت، وإن خطبها بعد ذلك وتراضيا حلت له، ونكحها على ما بقي له من الطلقات، فهذا هو طلاق السنة.
стр. 850
حكم طلاق الثلاث
الطلاق أكثر من مرة يعتبر طلاق بدعة، والسنة أن يطلق واحدة، فإن طلق اثنتين قيل: هذا طلاق بدعة، وإن طلق ثلاثاً قيل: هذا طلاق بدعة، والطلاق في الحيض بدعة، والطلاق في طهر وطئ فيه بدعة، والجمهور على أنه يقع الطلاق البدعي ويحسب عليه عقوبة له، وقد ثبت أن رجلاً جاء إلى ابن عباس ﵁ فقال: إني طلقت امرأتي مائة طلقة فقال: بانت منك بثلاث طلقات، وسبع وتسعون وبال عليك، اتخذت بها آيات الله هزواً.
فأبانها بينونة كبرى بثلاث، وجعل البقية وبالاً عليه، فهذا دليل على أنها تعد عليه ولو جمعها.
وبكل حال فالطلاق كما عرفنا تخلية نكاح المرأة وفراقها، وقد ذكرنا أنها تتعلق به الأحكام الخمسة، فيكون مباحاً إذا احتاج إلى الطلاق وضجر من الحياة معها، ويكون مندوباً إذا كانت المرأة متضررة من سوء الصحبة وبحاجة إلى أن تفتدي، فيستحب أن يطلقها ولا يحوجها إلى فدية، ويكون حراماً إذا كان الطلاق في حيض أو في طهر وطئ فيه ونحو ذلك، فيعتبر حراماً؛ لأنه طلاق بدعة، ويكون واجباً إذا آلى من زوجته ألا يطأها أكثر من أربعة أشهر، فإنه بعد الأربعة الأشهر يجب عليه أن يرجع عن يمينه أو يطلق.
إذاً: يكون واجباً للإيلاء، وحراماً للبدعة، ومكروهاً لغير الحاجة، فإذا حسنت الصحبة بين الزوجين واستقامت الحال فإنه يكره أن يطلقها؛ لأن أبغض الحلال إلى الله الطلاق، ولأنه قد يندم بعدما يقع الطلاق وقد يصعب بعد ذلك تلافيه.
وقد وردت الأدلة على الأمر بالتغاضي من الزوج عما يرى من زوجته، يقول النبي ﷺ : (إن المرأة خلقت من ضلع، وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه، فإن ذهبت تقيمه كسرته، وإن استمتعت بها استمتعت بها وبها عوج، وكسرها طلاقها) ، فأمره أن يصبر على ما يرى فيها من عوج ومن نقص، ومن عيب، ويتحمل ذلك، ويصبر على ما يسمع أو على ما يرى؛ وذلك لما يتسبب عن الطلاق من الفرقة وشتات الأولاد وندم الزوج أو الزوجة على ما وقع منهما أو من أحدهما.
وكذلك أيضاً المرأة مأمورة أن تتحمل، وذلك فيما إذا كان الزوج سيئ العشرة، سيء الصحبة، شرساً حقوداً غضوباً شديداً شرس الأخلاق، ضيق العطن، بذيء الكلام، سباباً شتاماً ضراباً، شديد الأذى على زوجته، فإنها تتحمل وتصبر وتصابر إلى أن تستقيم حاله، وأما إذا كانت حالته مستقيمة ليس عليها ضرر، فليس لها حق أن تطلب الطلاق؛ وذلك لقول ﷺ : (أيما امرأة سألت الطلاق من غير ما بأس فحرام عليها رائحة الجنة) ، والبأس هو: الضرر.
فإذا كان الزوج قد أوفى لها متطلباتها، وأرغد عليها نفقتها وكسوتها، وقام بحقها ولم تجد منه ضرراً، ولم تجد منه نقصاً ولا قصوراً في شيء من أمور الحياة؛ فلا يجوز لها أن تطلب الفراق حتى ولو تزوج غيرها اثنتين أو ثلاثاً، فليس لها أن تطلب الطلاق ما دام أنه لا ضرر عليها ولا مشقة، فمتى تحمل كل من الزوجين ما يجده من الآخر، وصبر على ذلك؛ استقامت الحال وحسنت الصحبة.
стр. 851
شرح عمدة الأحكام [٦٣]
شرع الله العدة لحق الزوج وبراءة الأرحام، وفي هذه العدد معان وحكم تختلف من عدة إلى أخرى، وهي من محاسن الشريعة في تنظيم المجتمع وحفظ الأنساب.
стр. 852
أنواع العدد
قال المؤلف رحمنا الله تعالى وإياه: [باب العدة.
عن سبيعة الأسلمية: (أنها كانت تحت سعد بن خولة وهو من بني عامر بن لؤي، وكان ممن شهد بدراً، فتوفي عنها في حجة الوداع وهي حامل، فلم تنشب أن وضعت حملها بعد وفاته، فلما تعلت من نفاسها تجملت للخطاب، فدخل عليها أبو السنابل بن بعكك -رجل من بني عبد الدار- فقال لها: ما لي أراك متجملة! لعلك تريدين النكاح؟ والله ما أنت بناكح حتى تمر عليك أربعة أشهر وعشر.
قالت سبيعة: فلما قال لي ذلك، جمعت عليّ ثيابي حين أمسيت فأتيت رسول الله ﷺ فسألته عن ذلك، فأفتاني بأني قد حللت حين وضعت حملي، وأمرني بالتزويج إن بدا لي) ، قال ابن شهاب: ولا أرى بأساً أن تتزوج حين وضعت وإن كانت في دمها غير أنه لا يقربها زوجها حتى تطهر.
وعن زينب بنت أم سلمة قالت: (توفي حميم لـ أم حبيبة فدعت بصفرة فمسحت بذراعيها، وقالت: إنما أصنع هذا؛ لأني سمعت رسول الله ﷺ يقول: لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد فوق ثلاث إلا على زوج) ، الحميم: القرابة] .
هذا الباب يتعلق بالعدة أي: عدة المطلقة أو المفارقة أو المتوفى عنها، وقد أخبر الله تعالى بأن المطلقة لها عدة قال تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة:٢٢٨] والتربص هو الانتظار، أي: لا تتزوج حتى يمر بها ثلاثة قروء، وفسرت القروء بأنها الحيض أي: حتى تحيض ثلاث حيض، وفسرت أيضاً بأنها الأطهار، أي: حتى تطهر ثلاثة أطهار أي: طهر ثم حيضة ثم طهر ثان ثم طهر ثالث.
المرأة التي يأتيها الحيض منتظماً أو التي لم تزل في سن تحيض فيه أمثالها، عدتها ثلاثة قروء.
وإذا أراد أن يطلقها فقد تقدم أنه ينتظر حتى تطهر من حيضها ثم يطلقها بعدما تطهر قبل أن يجامعها؛ وذلك لقول الله تعالى: ﴿يا أيها النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ﴾ [الطلاق:١] طلقوهن لعدتهن أي: في ابتداء العدة، وأحصوا العدة أي: احفظوا العدة حتى لا تزيدوا عليها في العدة ولا تظلموها.
فهذا يبين أن المرأة المطلقة لها عدة لابد أن تتربصها، هذا إذا كانت ذات أقراء، أما إذا انقطع حيضها للكبر أو كانت لم تحض بعد كالصغيرة فبين الله عدتها في قوله تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطلاق:٤] ، فالكبيرة التي لا تحيض إذا طلقت تربصت ثلاثة أشهر، والصغيرة التي لم تحض إذا طلقت عدتها ثلاثة أشهر أيضاً.
وذكر الله عدة الحامل في قوله تعالى: ﴿وَأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق:٤] ، وذكر عدة المتوفى عنها في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة:٢٣٤] ، فبين الآيتين عموم وخصوص، فقيل: إن آية سورة البقرة أعم، يعني: أن كل متوفى عنها لابد أن تمكث أربعة أشهر وعشراً بعد موت زوجها، فإن كانت حاملاً ووضعت حملها انتظرت بعد وضع الحمل حتى تتم أربعة أشهر وعشراً، وإن لم تكن حاملاً أتمتها.
وهذا قول روي عن بعض السلف، قالوا: وإن أتمت الأربعة أشهر وحملها باقٍ فإنها تنتظر حتى تضع حملها ولو بقي بعد موت زوجها تسعة أشهر، فلا تنقضي عدتها حتى تضع؛ لقوله تعالى: ﴿وَأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق:٤] .
ولكن قصة سبيعة التي ذكرت في هذا الحديث تبين أن الحامل تنقضي عدتها ولو وضعت حملها قبل أن يوارى زوجها أو قبل أن يجهز؛ لعموم الآية: ﴿وَأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق:٤] .
وفي هذه القصة: أن سبيعة كانت تحت سعد بن خولة وهو من بني عامر من قريش، فمات عنها في حجة الوداع في السنة العاشرة، وكانت حاملاً، فوضعت حملها بعد موته بأيام قليلة، فلما وضعت حملها اعتقدت أنها قد حلّت، فلما انتهت من نفاسها أو تعلت من نفاسها تجملت للخطّاب.
وفي هذا الحديث: أن أبا السنابل بن بعكك دخل عليها، وأخبرها بأنها لا تزال في العدة حتى تكمل الأربعة الأشهر والعشر؛ لأنه ما مضى على موت زوجها إلا أيام قليلة، فأنكرت ذلك وقالت: إن الله يقول: ﴿وَأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق:٤] ، فكيف تبقى في العدة بعد أن وضعت الحمل؟ فسألت النبي ﷺ ، فأقرها على ما فهمت، وأجرى آية سورة الطلاق على عمومها، وأن كل حامل متى وضعت حملها انقضت به عدتها، سواء وضعته بعد ستة أشهر أو بعد ستة أيام، أو أقل أو أكثر، فلو وضعت حملها بعد موت زوجها بدقائق انقضت عدتها، ولو وضعت حملها بعد موته بتسعة أشهر؛ بأن مات وقد علقت منه لم تنقض عدتها إلا بعد أن تضعه، ولو تعدد الحمل بأن كان في بطنها اثنان أو أكثر، لم تنقض عدتها إلا بوضع آخر ما في بطنها؛ لعموم الآية: ﴿أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق:٤] .
وإذا أرادت أن تتزوج بعد وضع الحمل فلها ذلك، ولو كانت في دمها، حتى ولو بعد وضع الحمل بدقائق، ولكن معلوم أنه لا يحل وطؤها للزوج الجديد إلا بعد أن تطهر من نفاسها، فهذه هي المتوفى عنها.
أما إذا لم يكن بها حمل فإنها تمكث أربعة أشهر وعشرة أيام كما في الآية، وقد كان الجاهليون تمكث الزوجة بعد زوجها سنة كاملة، ونزل في ذلك آية هي قول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ﴾ [البقرة:٢٤٠] ثم نسخ الحول، واقتصر على أنها تمكث أربعة أشهر وعشرة أيام.
стр. 853
الحكمة من العدة
الحكمة في العدة ظاهرة، فالحامل لا تتزوج حتى تضع حملها؛ لأن هذا الحمل من الزوج السابق، ولا يجوز لها أن تتزوج فيطؤها الزوج الجديد فيختلط الماءان، وقد ورد النهي الشديد عن وطء الحبلى، حتى قال النبي ﷺ : (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يسق ماءه ولد غيره) يعني: لا يطأ الحامل التي حملها من غيره؛ وذلك لأن الوطء يكون زيادة لهذا الحمل أو تنمية له، يزيد المني في سمعه أو في حواسه أو نحو ذلك، فلأجل ذلك سماه سقيا: (لا يسقي ماءه ولد غيره) ، وفي رواية: (زرع غيره) ، حتى لا تختلط الأنساب؛ لأنها إذا تزوجت وهي حامل فربما تنسب الولد إلى الزوج الجديد، وتنكر أنه لزوجها القديم، فيحصل بذلك اختلاط الأنساب، وكون هذا الإنسان انتسب إلى غير أبيه، والأم تعرف أنه قد انعقد الحمل في رحمها، فلا يحل لها أن تتزوج وهي حامل، بل عليها أن تخبر بما في رحمها، قال تعالى: ﴿وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [البقرة:٢٢٨] ، فلا تكتم الحمل الذي في رحمها، ولا تكتم الحبل الذي في رحمها، بل تخبر بحقيقة الأمر، وهي مصدقة ومقبولة الكلام، والأمر يرجع إليها.
أما تربص المطلقة فمعلوم أن الحكمة في ذلك الرفق بزوجها، فإذا طلقها ثلاثاً أو طلقها آخر ثلاث، أو طلقها واحدة أو اثنتين، فإنها لا تتزوج حتى تمكث ثلاث حيض، فإن كانت رجعية بأن كان الطلاق واحداً أو اثنتين أمكنه أن يراجعها في هذه المدة، قال الله تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلاحًا﴾ [البقرة:٢٢٨] أي: في ذلك الوقت والزمان الذي هو العدة، أي: أن الزوج إذا طلقها واحدة ومكثت ثلاثة قروء يمكن أن يستردها بأن يعيدها إلى عصمته، يقول الله تعالى: ﴿لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ [الطلاق:١] فأمره أن يطلقها لعدتها، وأن يتركها في بيتها، وأن تبقى على حالتها معه لا تحتجب عنه، فإذا بدا له في هذه المدة مراجعتها، وتغيرت نيته وراجعها، رجعت إلى عصمته، وعادت الأمور إلى ما كانت عليه، ورجعت الزوجية وحسنت الحال، فقد يحصل تأسف من أحدهما بعد وقوع الطلاق، فإذا كان الطلاق رجعياً وكانت المدة طويلة ثلاثة أشهر أو ثلاث حيض كان في الإمكان أن يتراجعا، فجعلت هذه المدة فسحة للزوج حتى يراجع نفسه.
وكذلك إذا كانت المطلقة تعتد بالأشهر كالآيسة والصغيرة، فإن عدتها ثلاثة أشهر، وفي هذه الثلاثة الأشهر أيضاً فسحة، ربما يتأسف فيعيدها، سيما إذا كانت طويلة الصحبة، وكانت أم أولاده، فإنه قد يندم بعد ذلك، وهي أيضاً قد تندم إذا حصل الطلاق بسبب من قبلها، بأن تكون هي التي طلبت الطلاق أو أساءت المعاملة أو شددت عليه الصحبة، أو في العشرة، ثم وقع الطلاق، وكان الطلاق واحدة أو اثنتين؛ فجعلت العدة لها حتى تراجع نفسها وحتى تنظر في أمرها، فربما تتأسف وتقول له: أريد الرجعة، وأحب أن تعيدني، وسوف أحسن العشرة، وأحسن الخلق، ولا أعود إلى طلب طلاق، ولا أعود إلى سباب، ولا إلى سوء معاملة، ولا إلى عصيان ونشوز ومخالفة.
فعند ذلك يعيدها إلى ما كانت عليه، فعرف أن شرعية هذه العدة سببه الرفق بالزوج، والإحسان إليه.
وأما المتوفى عنها إذا كانت حاملاً فمعلوم أن زوجها لا رجوع له عليها في الدنيا، بل قد بانت منه البينونة الكبرى التي هي الموت، فإذا مات فإنه لا جمع بينهما في الدنيا، فإذاً: تحل لغيره، ولكن بعدما تنقضي عدتها، فإن لم تكن حاملاً انتظرت أربعة أشهر مخافة أن يكون في بطنها حمل وهي لم تشعر به.
والغالب أن الأربعة الأشهر يتقلب فيها الجنين إلى أن ينفخ فيه الروح، أربعة أشهر هي أربعون يوماً نطفة ثم علقة ثم مضغة، ثم بعد الأربعة الأشهر ينفخ فيه الروح فيتحرك، فإذا مضت الأربعة الأشهر جعلت العشرة الأيام احتياطاً حتى تعرف، فإن كان فيها حمل أحست به وبحركته، فإذا لم يكن فيها حمل تبين أنها حائل، وجعلت الأربعة الأشهر وعشرة الأيام لكل مطلقة حتى ولو كان يأتيها الحيض كل شهر، وتتحقق براءة رحمها، فجعلت العدة والاحداد لكل متوفى عنها سواءً كانت حائضاً أو آيسة أو في بطنها حمل لم يتبين، فإذا تبين براءة رحمها في الأربعة الأشهر والعشرة عند ذلك تمت عدتها.
ومعلوم أنها في هذه المدة تستطيع أن تصبر عن الزواج أربعة أشهر، وقد تصبر أيضاً أكثر من ذلك، ولكن هذه المدة هي التي يخشى إذا طالت المدة فوقها أن يضر ذلك بها، فإن لها شهوة كما للرجال شهوة، فجعل الله هذه المدة لأنها مدة مستطاعة لكل من الزوجين، ولكل منهما مراجعة الآخر، والنظر في حاله في الطلاق الرجعي وفي غيره.
أما المطلقة التي طلقت ثلاثاً فمعلوم أنه لا رجعة لزوجها عليها، ومع ذلك تعتد ثلاثة قروء أو ثلاثة أشهر، ولعل الحكمة في ذلك الاحتياط للنكاح حتى لا تكون مثلاً قد انتهت عدتها في شهر أو في نصف شهر فتستعجل النكاح، فجعل لها ثلاث حيض أو ثلاثة أشهر احتياطاً للحمل، واحتياطاً لحفظ الأرحام، ولتكون عدة المطلقة على نمط وباب واحد.
واعلم أن باب العدد قد ذكرت أدلته في القرآن كما أشرنا إلى ذلك، فيعرف بذلك أنه من أهم المهمات، وأن أدلته واضحة في كتاب الله وفي سنة رسوله ﷺ .
стр. 854
شرح حديث: (لا تحد امرأة على ميت فوق ثلاث)
قال المؤلف رحمنا الله تعالى وإياه: [وعن أم عطية أن رسول الله ﷺ قال: (لا تحد امرأة على ميت فوق ثلاث، إلا على زوج أربعة أشهر وعشراً، ولا تلبس ثوباً مصبوغاً إلا ثوب عصب، ولا تكتحل ولا تمس طيباً إلا إذا طهرت نبذة من قسط أو أظفار) العصب: ثياب من اليمن فيها بياض وسواد.
وعن أم سلمة ﵂ قالت: (جاءت امرأة إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله! إن ابنتي توفي عنها زوجها، وقد اشتكت عينها أفنكحلها؟ فقال رسول الله ﷺ : لا، مرتين أو ثلاثاً، ثم قال: إنما هي أربعة أشهر وعشر، وقد كانت إحداكن في الجاهلية ترمي بالبعرة على رأس الحول، فقالت زينب: كانت المرأة إذا توفي عنها زوجها دخلت حفشاً ولبست شر ثيابها، ولم تمس طيباً ولا شيئاً حتى تمر عليها سنة، ثم تؤتى بدابة حمار أو طير أو شاة فتفتض به، فقلما تفتض بشيء إلا مات، ثم تخرج فتعطى بعرة فترمي بها، ثم تراجع بعد ما شاءت من طيب أو غيره) الحفش: البيت الصغير.
تفتض: تدلك به جسدها] .
стр. 855
معنى الإحداد
هذه الأحاديث تابعة للعدة، ولكنها تختص بالإحداد، والإحداد يختص بالزوجة المتوفى عنها، ولا يحد غيرها من المتوفى عنهن، ولا يحد غير المتوفى عنها من سائر المطلقات، فإذا طلقها ثلاثاً فلا تحد، وإذا خالعها فلا إحداد عليها، سواءً كانت صغيرة أو كبيرة، ذات أقراء أو غيرها، إنما الإحداد على من مات عنها زوجها، فهذه هي التي تحد.
والإحداد ترك الزينة، وقد كانت مدته في الجاهلية سنة كاملة، وجاء ذلك في أول الإسلام قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ [البقرة:٢٤٠] ، ففي هذه الآية أن المتاع وعدم الإخراج من المنزل كان في أول الأمر سنةً وافية، ثم بعد ذلك خففه الله وجعله أربعة أشهر وعشرة أيام في قوله: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة:٢٣٤] ، وجاءت السنة بزيادة الإحداد، لأن القرآن جاء فيه التربص، أي: الانتظار، وهو انتظار المتوفى عنها أربعة أشهر وعشرة أيام، وعدم تزوجها حتى تمضي هذه المدة، والسنة جعلت عليها الإحداد في أربعة أشهر وعشر.
والإحداد يختص بوفاة الزوج، فلا تحد المرأة على أبيها ولا على أخيها ولا على ولدها ولا على عمها أو خالها، ولا على أحد من أقاربها إلا على الزوج فإنها تحد عليه هذه المدة.
стр. 856
الحكمة من الإحداد
الحكمة في الإحداد: أنها تمتنع من الزواج؛ وذلك لأنه لو رخص لها في التجمل وفي التحلي ونحو ذلك، لأدى بها ذلك إلى أن تمتد أطماعها إلى الزواج، وتخبر بانقضاء العدة قبل انقضائها، وتنسى ما هي فيه أو نحو ذلك.
وقيل: إن الحكمة في الإحداد معرفة المرأة حق زوجها في الحياة، إذا كان زوجها هو الذي تحد عليه وتترك بعد موته الزينة وتترك الجمال، فإنه يجب أن تعرف له حقه في الحياة، وأن تطيعه وأن تخدمه وتقوم بخدمته، وأن تعرف له الأقدمية والمكانة، وأن تعرف له حقه عليها فتطيعه ولا تتمنع من حق له عليها.
стр. 857
ترك المحتدة لثياب الزينة والكحل والطيب
والمحدة مدة إحدادها تمتنع من كل أسباب الزينة، فلا تلبس ثياب الزينة، ولا تلبس الثياب التي تتجمل بها أو تلبسها في الحفلات وعند الزيارات ونحوها.
قوله في حديث أم عطية: (ولا تلبس ثوب عصب) ثياب العصب: ثياب تنسج في اليمن، فيها خطوط مستطيلة ومعترضة، وهذه الخطوط تزيدها جمالاً وتكون لافتة للنظر بلبسها، فلا جرم نهي عن لبس هذه الثياب، ويقاس عليها كل الثياب المخططة التي فيها خطوط إما مستطيلة وإما معترضة وإما بقع للزينة أو نحوها، فتؤمر بأن تلبس الثوب الذي ليس فيه إلا لون واحد سواد كله أو حمرة كله أو صفرة كله أو خضرة أو ما أشبه ذلك.
ولا تلبس الثياب التي فيها شهرة بحيث يلتفت إليها من ينظر إليها، أو تلفت نظره بأنها متجملة وبأنها تريد الخطّاب أو نحو ذلك.
كذلك أيضاً في الحديث الذي بعده أنه ﷺ سئل عن تلك المرأة التي مات زوجها، واشتكت عينيها هل تكتحل أم لا تكتحل؟ فقال: (لا تكتحل) مرتين أو ثلاث مرات؛ وذلك لأن الكحل عادة يجمل العينين، ويجمل الحدقتين والأهداب والأجفان، وقد تكحل أيضا حاجبيها فيزيدها جمالاً، فنهيت عن الاكتحال مع أنها قد تحتاج إليه، ولكن يقولون: لا تمتنع من علاج عينها، فإذا رمدت عالجت عينها بإثمد مثلاً أو بمرهم أو بقطرة من القطرات التي تعالج بها العين في الرمد أو ما أشبه ذلك، فهذا مما لا بأس به، وأما الكحل فإنه في الحقيقة يعتبر جمالاً وزينة، ورخص بعضهم فيه إذا احتاجت إليه للضرورة ولم يكن فيه زينة بأن تكحل بالليل وتمسحه في النهار؛ لأن النهار هو الذي يراها فيه الناس غالباً، فتقتصر على وقت الحاجة إذا اضطرت إلى الاكتحال ولم تجد غيره يقوم مقامه، هذا بالنسبة إلى الاكتحال.
كذلك أيضاً تتجنب الطيب سواء كان له رائحة أو له لون، وسواء في بدنها أو في ثيابها، ولا شك أن الطيب يلفت الأنظار.
وفي حديث أم حبيبة لما توفي أبوها أبو سفيان، ومضى عليها ثلاثة أيام دعت بصفرة يعني: طيباً فيه صفرة كالكرمي ونحوه، ومسحت به ذراعيها وقالت: (والله! ما لي بالطيب من حاجة، ولكن سمعت رسول الله ﷺ يقول: لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشراً) .
فتطيبت بعد موت أبيها بثلاثة أيام حتى لا يقال: إنها حادة على أبيها؛ لأن الإحداد لا يكون إلا على الزوج، وطيبها إنما هو بهذه الصفرة التي مسحت بها ذراعيها، فدل على أن الطيب الذي له لون ينافي الإحداد فلا تتطيب بهذا اللون، وبطريق الأولى الطيب الذي له رائحة عبقة، سواء يطيب به الثوب أو يطيب به الشعر أو يطيب به البدن، أو نحو ذلك، وقد دخل النبي ﷺ على أم سلمة وهي حادة على زوجها فرآها قد غسلت رأسها بصبر فيه شيء من الرائحة، فسألها فأخبرته فقال: لا تستعملي هذا الصبر فإنه يشب الوجه، فسألته بأي شيء أغسل رأسي فقال: بالسدر، يعني: بورق السدر المسحوق فإنه لا رائحة له، وهو مع ذلك ينظف الشعر، وينظف البشرة، وليس فيه أثر طيب، وإذا احتاجت الحادة في هذه الأزمنة إلى أن تغسل رأسها غسلت رأسها بالسدر إن كان موجوداً أو غسلته بالصابون الذي لا رائحة له، وأما استعمال الصابون الذي فيه طيب كالممسك فلا تستعمله.
وكذلك لا تدهن رأسها بدهان فيه طيب، وإذا احتاجت إلى أن تدهن رأسها دهنته بدهن لا طيب فيه، كدهن زيت الزيتون ونحوه مما ليس فيه رائحة، بخلاف بقية الأدهان التي فيها رائحة عبقة، والحادة مأمورة أن تتجنب ما له رائحة تلفت الأنظار.
وعلى كل حال فالحادة لا تتطيب.
وفي هذا الحديث رخص النبي ﷺ لها إذا طهرت من الحيض أن تغسل ما أصاب جسدها من دم الحيض، تتخذ نبذة من ظفر أو أقساط تتبع به أثر الدم، والقسط: طيب معروف ولكن ليس له رائحة عبقة، والأظفار: أيضاً نوع من الطيب يوجد عند البقالين، تخلط هذا القسط وهذه الأظفار وتسحقه، وبعد ذلك تضربه بماء وتتبع به أثر الدم على فخذيها أو على ثيابها، فتستعمله بعد طهرها من حيض إن كانت تحيض، فأما في غير الطهر فلا تستعمل القسط ولا غيره من أنواع الطيب.
وكذلك الحادة منهية أن تلبس الحلي؛ لأنه من الزينة فلا تلبسه في رقبتها كالقلادة، ولا تلبسه في أصابعها كالخواتيم، ولا تلبسه في ذراعيها كالأسورة، ولا تلبسه في آذانها كالأقراط، ولا في رجل ساقيها كالخلاخيل، ولا غير ذلك من الألبسة التي يتحلى بها، سواء كانت من الذهب أو من الفضة، ولا شك أن الحلي يلبس للزينة، وتتجمل به المرأة، وتدعو به من يرغب فيها، فإذا لم تتحل فإنه دليل على أنها حادة قد اجتنبت ما يلفت إليها الأنظار، فهذا ما تتركه الحادة.
стр. 858
عادة الجاهلية في إحداد المرأة
أهل الجاهلية كان الإحداد عندهم مدة سنة، وإذا مات زوج المرأة تدخل حفشاً أي: بيتاً صغيراً، وغالباً أنه مكون من قصب أو من جريد أو من سعف أو نحو ذلك، تدخل هذا الحفش وليس عندها مكيفات ولا تهوية ولا غير ذلك، وتبقى في هذا الحفش سنة وافية، لا تغتسل فيه ولا تتنظف، ولا تغير ثيابها، ولا تغسل شعرها في هذه المدة كلها، حتى تمضي عليها سنة وهي على هذه الحال، ولا تأكل إلا القوت الضروري الذي تقوت به نفسها، تعطى خبزة كل يوم أو خبزتين أو نحو ذلك قدر كفايتها، ومن الشراب ما يسد ظمأها فقط، أما أنها تغسل رأسها أو تغسل جسدها فلا، فكانت لا تغسل شيئاً من جسدها ولا من ثيابها مدة سنة، ماذا تكون حالها بعد هذه السنة وهي في هذا الحفش -البيت الصغير- الذي ليس فيه تهوية، وكله وسخ وقذر؟ كيف تكون حالها إذا خرجت منه؟ وبعد تمام السنة تؤتى بدابة كحمار أو طير أو نحو ذلك فتفتض به قبل أن تغتسل، أي: تدلك به جسدها الذي قد تراكم عليه الغبار، وتراكمت عليه الأوساخ، وتراكمت عليه الروائح، فتدلك جسدها بجلد ذلك الحمار أو تلك الدابة أو الشاة ونحوها، حتى أن تلك الدابة قد تموت من رائحتها وقذارتها، قلما ما تفتض -يعني: تدلك- بشيء من الدواب إلا مات، ثم بعد ذلك يأتونها ببعرة، والبعرة هي بعرة الإبل أو نحوه، فترمي بهذه البعرة طوال ما تستطيعه وكأنها تقول: هذه السنة التي مضت عليّ خفيفة كما تخف عليّ هذه البعرة التي أنبذها وأطرحها، وكل ذلك محافظة على حق الزوج، ولكن جاء الإسلام بالتخفيف عنها، فأمرت أن تغتسل متى شاءت، وتغتسل إذا انتهت من الحيض أو نحو ذلك، وإذا احتاجت إلى الاغتسال فإنها تغتسل ولكن كما قلنا: لا تستعمل في غسل جسدها ما له رائحة ونحوه، وذلك من تخفيف الله تعالى، وتخفيف هذه الشريعة عليها، وذلك من سهولة الإسلام وإزالة الآصار والأغلال.
стр. 859
شرح عمدة الأحكام [٦٤]
من الأمور التي شرعها الله للخلاص من المرأة المتهمة في عرضها اللعان، وهو فرقة ناتجة عن تلاعن الزوجين، ويترتب عليها أحكام بينها العلماء.
стр. 860
شرح حديث الملاعنة
قال المؤلف رحمنا الله تعالى وإياه: [باب اللعان.
عن عبد الله بن عمر ﵄ أن فلان ابن فلان قال: (يا رسول الله! أريت أن لو وجد أحدنا امرأته على فاحشة كيف يصنع؟ إن تكلم تكلم بأمر عظيم، وإن سكت سكت على مثل ذلك، قال: فسكت النبي ﷺ فلم يجبه، فلما كان بعد ذلك أتاه فقال: إن الذي سألتك عنه قد ابتليت به، فأنزل الله تعالى هؤلاء الآيات في سورة النور: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ [النور:٦] فتلاهن عليه ووعظه وذكره وأخبره أن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، فقال: لا والذي بعثك بالحق ما كذبت عليها.
ثم دعاها ووعظها وذكرها وأخبرها أن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، فقالت: لا والذي بعثك بالحق إنه لكاذب، فبدأ بالرجل فشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين، والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين، ثم ثنى بالمرأة، فشهدت أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين، والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين، ثم فرق بينهما ثم قال: الله يعلم أن أحدكما كاذب، فهل منكما تائب؟ ثلاثاً -وفي لفظ: لا سبيل لك عليها قال: يا رسول الله! ما لي، قال: لا مال لك، إن كنت صدقت عليها فهو بما استحللت من فرجها، وإن كنت كذبت عليها فهو أبعد لك منها) .
وعن عبد الله بن عمر ﵄: (أن رجلاً رمى امرأته وانتفى من ولدها في زمن رسول الله ﷺ ، فأمرهما رسول الله ﷺ فتلاعنا كما قال الله تعالى، ثم قضى بالولد للمرأة، وفرق بين المتلاعنين) ] .
стр. 861
سبب نزول آيات اللعان
هذه الأحاديث من الأحاديث التي تشرح وتبين ما ورد في كتاب الله تعالى من آيات اللعان، ذكر العلماء أنه لما نزلت آيات القذف وحد القاذف وهي قول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور:٤-٥] ، استثقلها بعض الصحابة وقالوا: إذا رأى أحدنا رجلاً مع امرأته يفجر بها كيف يذهب ويأتي بأربعة شهداء؟ أي أنه لا يتمكن من المجيئ بأربعة شهداء حتى يقضي الفاجر حاجته ويذهب، فعند ذلك تحرجوا ووقعوا في مشكلة، فبين الله تعالى حكم ما إذا قذف الرجل امرأته في هذه الآيات، وبقيت الآيات التي فيها حد القذف خاصة لمن قذف أجنبياً أو أجنبية، فمن قذف رجلاً بفعل فاحشة لا يقبل منه إلا بأربعة شهداء، أو قذف امرأة محصنة فلا يقبل منه إلا بأربعة شهداء، قال الله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾ [النساء:١٥] ، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ [النور:٤] ، وقال تعالى: ﴿لَوْلا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُوْلَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ [النور:١٣] .
أما إذا قذف الرجل امرأته فإنه قد لا يستطيع أن يحضر أربعة شهداء، ففي هذه الحال ماذا يفعل؟ يقول هذا السائل الذي عبر عنه الراوي بقوله: فلان، وقد سمي في بعض الروايات بأنه عويمر العجلاني من بني عجلان من الأنصار، ووقعت مثل هذه القصة لرجل آخر وهو هلال بن أمية أحد الثلاثة الذين تاب الله عليهم في قوله ﴿وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ [التوبة:١١٨] .
هذان الاثنان وقع أن كلاً منهما قذف امرأته وتلاعن معها عند النبي ﷺ بعدما نزلت هذه الآيات، ويمكن أن قصة هلال وقصة عويمر وقعتا في وقت قريب في شهر أو في شهرين، فأنزل الله هذه الآيات في بيان حكم مثل هذه القصة.
دعا النبي ﷺ عويمراً فقرأ عليه هذه الآيات وذكره ووعظه إذا كان كاذباً أن يعترف؛ وذلك لأنه إذا اعترف بأنه كاذب فحده ثمانون جلدة، وإذا أنكر وهو كاذب عليها فعقوبته في الآخرة أشد؛ ولأجل ذلك قال له: إن عذاب الآخرة أشد من عذاب الدنيا، فعذاب الدنيا منقطع، وعذاب الآخرة أشد وأبقى، ولكنه أصر على أن يستمر على قذفه لها، وأنه رآها تزني.
فعند ذلك أمره أن يلتعن ويقول: أشهد بالله على امرأتي هذه أنها زنت، أشهد بالله على زوجتي هذه أنها زنت، أشهد بالله على هذه المرأة أنها زنت، أربع مرات ثم يقول بعد ذلك في المرة الخامسة: لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين، فشهد أربع شهادات أنه صادق، وقال: لقد صدقت عليها فيما قلت، ولعن نفسه في المرة الخامسة إن كان قد كذب عليها.
ولما تم لعانه دعا المرأة واستثبتها ووعظها وذكرها وأخبرها بأن عذاب الآخرة أشد من عذاب الأولى؛ رجاء أن تعترف إن كانت قد فجرت، ولكنها أصرت على الإنكار وتشددت وقالت: قد كذب عليّ، فعند ذلك استحلفها فشهدت أربع مرات، وقالت: أشهد بالله على زوجي هذا أنه من الكاذبين فيما قذفني به، أربع مرات ثم قالت في الخامسة: غضب الله عليها إن كان من الصادقين، فلما شهدت على نفسها أربع مرات، وفي الخامسة دعت على نفسها بالغضب؛ عند ذلك ذكرهما بالتوبة فقال: (الله يعلم أن أحدكما كاذب فهل منكما تائب؟) .
النبي ﷺ بشر لا يعلم الغيب، ولو كان يعلم الغيب لقال: أنتِ كاذبة، وأنت صادق، أو أنتِ صادقة وأنت كاذب، ولكن الله الذي يعلم فلذلك قال: (الله يعلم أن أحدكما كاذب فهل منكما تائب؟) ، فلما استمر كل منهما على ما يبرر موقفه وأنكر ما يقوله الثاني، عند ذلك فرق بينهما فرقة مؤبدة، فأخذ العلماء من ذلك أن الملاعنة تحرم على الملاعن عقوبة لهما حرمة مؤبدة، حتى لو كذب نفسه بعد ذلك لم يرجع إليها، وكذلك لو كذبت نفسها وسقط عنها الحد أو كانت غير محصنة وجلدت وأقيم عليها الحد لم يتمكن من مراجعتها، لا بعقد ولا بمراجعة ولا بغير ذلك، بل الفرقة بينهما فرقة دائمة لا رجوع بعدها؛ ولأجل ذلك قال: لا سبيل لك عليها، أي: ليس لك سلطان ولا قدرة أن تستعيدها.
وفي بعض الروايات أنه طلقها، وقال: كذبت عليها يا رسول الله إن أمسكتها، أي: إن كنت رضيتها فأنا كاذب عليها، فطلقها ثلاثاً قبل أن يأمره النبي ﷺ ، ولكن هذا الطلاق لا يحتاج إليه؛ لأن الفرقة حصلت قبله، بمجرد تمام التلاعن حصلت الفرقة، ولما طلب ماله الذي دفعه كمهر قطع رجاءه من هذا المال وقال: (إن كنت كاذباً عليها فهو أبعد لك منها، وإن كنت صادقاً فهو بما استحللت من فرجها) أي: أنك قد نكحتها مدة، فهذا المال الذي قد دفعته إليها مقابل استمتاعك بها هذه المدة.
стр. 862
الفوائد المستفادة من حديث الملاعنة
أخذ العلماء من هذه الواقعة ومن هذه الآيات أحكاماً ومنها: أن هذه الفاحشة لا يصبر عليها ولا يقرها في أهله إلا الديوث الذي يقر الخنا في أهله، فهذان اثنان من الصحابة هلال وعويمر، كل منها صبر على فراق زوجته وادعى أنها زانية ولاعنها ولم يقرها أن تبقى معه وهو يعلم أنها قد فجرت، ولو مرة واحدة، وذلك دليل على حماستهم وغيرتهم على نسائهم، لا يرضى أحدهم أن يشاركه في امرأته شخص أجنبي يفسد عليه فراشه، ويدخل عليه من الأولاد ما ليس له، ولا يرضى أن امرأته تخونه فتدخل في بيته من لا يرضاه، وتجلس على فراشه غيره، وتمكن من نفسها غير زوجها، فإن ذلك حرام، وفعلها يعتبر خيانة لزوجها، وإقرار الزوج على ذلك يعتبر دياثة وإقراراً للإثم والحرام، ولم يكن الصحابة يقرون شيئاً من ذلك.
وهكذا أيضاً كل غيور، وكل من عنده حماسة وغيرة على محارمه لا يقر الخنا في أهله، بل متى رأى من امرأته شيئاً من الخيانة أدبها ولو بالإشارة أو نحو ذلك، وإذا لم يستطع أن يقيمها لم يمسكها، بل صبر على فراقها ولو كان معها أولاده، يصبر على فراقها ولو قد خسر عليها مالاً كبيراً، وكذلك يحرص على أن تبرأ ساحته، حتى لا يقال: إنه ظلمها، وإنه كذب عليها؛ فلأجل ذلك يحضر الغيور الذي يغار على محارمه عند القاضي، ويحضر امرأته، ويحضر معه من يشهد عليها ويعرف أنها فلانة امرأة هذا الرجل، فعند ذلك يأمره القاضي بهذا الأمر الذي هو التلاعن.
والقرائن غالباً تكون في جانب الرجل، فهو أولى أن يكون صادقاً؛ وذلك لأنه في الغالب لا يصبر على فراق امرأته، ولا على فراق أولاده، ولا على ذهاب ماله الذي دفعه إلا وقد رأى شيئاً يسوءه، ورأى ما لا صبر له عليه من هذه الخيانة الشنيعة البشعة، فعند ذلك يقدم على قذفها ورميها؛ حتى تبرأ ساحته، وحتى يظهر عيبها وشناعتها، ويظهر خيانتها، ويعرف الناس أنها متهمة فلا يقبلها من هو ذو غيرة، وذو أنفة على نفسه؛ فإذا افتضحت هذه المرأة بأنها قد لاعنت وطلقت، وأن زوجها ليس بمتهم، وأن التهمة أقرب إليها؛ كان ذلك أقرب إلى ألا تفعل شيئاً يسوءها ولا يسوء زوجها.
وفي هذه الأزمنة كثير من الرجال يأتون إلينا ويشتكون ما يرونه من نسائهم أو يسمعون أو يطلعون على أسرار أو على خفايا أو على قرائن أو نحو ذلك، ولعلكم قد سمعتم أكثر مما سمعنا، فنشير عليه بأن يفارقها سراً إذا تحقق أنها قد اتخذت أخداناً، وأنها قد خانته في نفسها وفي فراشه، فنشير عليه أن يفارقها وألا يكشف سترها وسرها، ولكن يخبرها فيما بينه وبينها حتى يكون ذلك عذراً له عندها، فيخبرها بأنه قد اطلع على كذا وكذا، وكثير من الرجال يطلعون على شيء كثير، وفي الأخص في الزمن الأخير بسبب وجود المكالمات الهاتفية، فيسجل عليها مكالمات بينها وبين بعض أخدانها، ويجد أنها قد خرجت معهم، أو أنها قد أدخلتهم في غيبته، وهذه الأشرطة تشهد بكلامها معهم، وبما قد يحصل من ترقيق الكلام، وما أشبه ذلك مما يدل على بشاعة ما حصل منها أو تهمتها في ذلك، أو قد يجد أنها أدخلت في اليوم الفلاني شخصاً أو خرج من عندها من هو متهم، أو نحو ذلك، ولكن ليس عنده يقين، ما رأى بعيني رأسه فعلها للفاحشة ولكن رأى هذه المقدمات، ولا يستطيع أن يقذفها بمجرد هذه المقدمات، ففي هذه الحال يخبرها سراً، ويفارقها ولا يمسكها وهي على هذه الحالة حتى يسلم عرضه، وحتى يسلم نسبه، ولا يدخل في نسبه ولا في أولاده من ليس من أهله، وبذلك يستر نفسه ويستر امرأته، ولا يعرض نفسه للحلف أو للعن أو للشهادات أو ما أشبه ذلك.
أما إذا رأى بعينه وسمع بأذنه، رأى الفاحشة بأن وجد عليها رجلاً أجنبياً، فنقول له في هذه الحال: يحقق هذا الباب الذي هو اللعان، فيرميها، ويحضر معها عند الحاكم كما فعل هذان الصحابيان هلال وعويمر، ويأمره القاضي بأن يشهد هذه الشهادات، ثم بعد ذلك يكون ذلك فضيحة لها وتشهيراً لها حتى يتوب أمثالها من النساء اللاتي فيهن ميل إلى المخادنة وخيانة أزواجهن، ويعرفن أن هذه الفضيحة كما أتت عليها قد تأتي على إحداهن أو على جميعهن، فيقل بذلك الشر وينتشر الخير.
стр. 863
شرح حديث: (وهذا عسى أن يكون نزعه عرق)
قال المؤلف رحمنا الله تعالى وإياه: [عن أبي هريرة ﵁ قال: (جاء رجل من بني فزارة إلى النبي ﷺ فقال: إن امرأتي ولدت غلاماً أسود، فقال النبي ﷺ ، هل لك إبل؟ قال: نعم.
قال: فما ألوانها؟ قال: حمر.
قال: فهل يكون فيها من أورق؟ قال: إن فيها لورقاً، قال: فأنى أتاها ذلك؟ قال: عسى أن يكون نزعه عرق، قال: وهذا عسى أن يكون نزعه عرق) .
وعن عائشة ﵂ قالت: (اختصم سعد بن أبي وقاص وعبد بن زمعة في غلام فقال سعد: يا رسول الله هذا ابن أخي عتبة بن أبي وقاص، عهد إليّ أنه ابنه، انظر إلى شبهه! وقال عبد بن زمعة: هذا أخي يا رسول الله! ولد على فراش أبي من وليدته، فنظر رسول الله ﷺ إلى شبهه، فرأى شبهاً بيناً بـ عتبة، فقال: هو لك يا عبد بن زمعة، الولد للفراش، وللعاهر الحجر، واحتجبي منه يا سودة، فلم تره سودة قط) .
وعن عائشة ﵂ أنها قالت: (إن رسول الله ﷺ دخل عليّ مسروراً تبرق أسارير وجهه، فقال: ألم تري أن مجززاً نظر آنفاً إلى زيد بن حارثة وأسامة بن زيد فقال: إن بعض هذه الأقدام لمن بعض) ، وفي لفظ: (كان مجزز قائفاً) ] .
الحديث الأول فيه بعض القذف، وهل يكون هذا قذفاً أم لا؟ هذا رجل ولد له غلام، ورأى لونه وبشرته مخالفة لبشرة أبويه وأجداده وإخوته، فشك في نسبته وفي صحة أنه منه، فأراد أن يعرّض بامرأته أنها زنت، وأن هذا الولد ليس مني، كيف يكون مني وهو أسود الجلد مع أن أبويه ليسا كذلك؟! فبيّن له النبي ﷺ أن هذا السواد ليس دليلاً على أنه من غيرك، وضرب له المثل بالإبل: إذا كان لك إبل، فالإبل عادة يكون أولادها مثلها، فإن كان الأبوان حمراً كان الأولاد كذلك، وإن كانوا سوداً أو بيضاً أو صفراً أو نحو ذلك كان الأولاد كذلك، إلا إذا اجتذبه عرق ولو بعيد، فأخبره بأن له إبلاً وأن ألوانها حمر، وكانوا يغالون في حمر النعم، أي: الحمر من الإبل، فسأله: (هل فيها أورق؟ يعني: أسود- فقال: إن فيها لورقاً) يعني: لمجموعة ورق، أي: سود، قال: من أين جاءت هذه الورق؟ قال: لعله نزعه عرق، فقال: وهذا الولد الأسود يمكن أنه قد نزعه عرق، فلعل أحد أجداده ولو كان بعيداً أو جداته فيه شيء من السواد أو السمرة أو نحوها، فلا تستغرب أن يكون ولدك بهذه الصفة.
ومعلوم أن الأب ينسب إليه أولاده، وثبت أنه ﷺ كان ينسب الأولاد إلى من ولدوا له كما سيأتي، ففي هذا الحديث أن الولد ينسب إلى أبيه، وأنه لا يجوز له أن يتبرأ من ولده الذي ولد من زوجته التي هي فراشه يستمتع بها، ويطؤها حلالاً، وحملت ووضعت وهي تحته فراشاً له، فلا يجوز أن ينفيه، سيما إذا عرفها بالعفة وبالنزاهة وبالبعد عن أن تمكن من نفسها غيره، أو البعد عن أن تتهم بفاحشة؛ لأن ذلك الرجل زكى زوجته، وشهد لها أنها بعيدة عن الشبهات، وبعيدة عن أن تتهم بتهمة سيئة.
ولما كان هو زوجها وكانت هي امرأته وليست متهمة، فإنه ينسب إليه أولادها مهما كانت ألوانهم، ولو كان هو أبيض وهم سود أو هو أحمر وهم بيض أو غير ذلك؛ فأولادها تبع لزوجها، ينسبون إلى زوجها، هذا هو القول الصحيح، ولا عبرة في مغايرة اللون، فالله تعالى هو الذي خلق الإنسان وغيّر ألوان الناس كما في قول الله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ﴾ [الروم:٢٢] فجعل اختلاف الألسن واختلاف الألوان من آيات الله؛ ليكون ذلك عبرة، فهؤلاء كلهم بنو آدم، وجعل الله منهم الأسود والأحمر والأبيض، وجعل الله منهم القصير والطويل، وجعل الله منهم كامل الخلق وناقص الخلق، والمشلول والمعيب ونحوهم، وكلهم خلق الله تعالى، ومع ذلك فاوت بينهم ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ﴾ [الروم:٢٢] .
стр. 864
شرح حديث: (الولد للفراش وللعاهر الحجر)
قصة عبد بن زمعة هي: أن زمعة الذي هو أبو سودة أم المؤمنين وهو من أكابر قريش، كانت له أمة مملوكة، وتسمى وليدة؛ لأنه استولدها فكان يطؤها فولدت له أولاداً فسميت وليدته، يعني: أم أولاده، مع كونها مملوكة له.
وكان الإماء في الجاهلية لا يتورعن من الزنا، ثم إن عتبة بن أبي وقاص وهو أخو سعد زنى بها، ولما زنى بها كان يمكن أنها حملت من ذلك الزنا، ويمكن أنها حملت من سيدها الذي هو زمعة، ولكن عتبة اعتقد أن الحمل الذي علقت به منه، فولدت غلاماً فكان شبيهاً بـ عتبة شبهاً ظاهراً، فلما حضره الموت قال لأخيه سعد: إذا فتحتم مكة فاقبض إليك ابن وليدة زمعة فإنه مني، إنه ولد لي؛ لأني جامعت تلك الأمة في الجاهلية وحملت به، فهو ولدي، وهو مني ومخلوق من مائي، فخذه فإنه ابن أخيك.
ولما فتحت مكة، ذهب سعد إلى أولاد زمعة، وطلب منهم أن يسلموا إليه ذلك الغلام، وقال: إنه ابن أخي فقالوا: بل هو أخونا وابن أمة أبينا، فلا نسلمه لك، فهو من أولاد زمعة، فاختصموا إلى النبي ﷺ .
فاحتج سعد بحجتين: الحجة الأولى: أن أخاه قد عهد إليها أنه وطئ وزنى بتلك الوليدة، وأنها حملت منه.
الحجة الثانية: أن الولد شبيه بـ عتبة في الخلقة الظاهرة وفي الصورة وفي الهيئة، فحينئذٍ يكون أولى به.
وأما عبد فاحتج بالحجة الشرعية، وهو أن أمة زمعة كانت حلالاً له، وكانت أم أولاده، وكانت فراشاً له يطؤها وطأً حلالاً، وليس أحد يستنكر أنها أمته التي أبيح له وطؤها لكونها مملوكته، وأن الولد ولد منها وهي فراش له، بمعنى أنها كالفراش يفترشها لكونها حلالاً له، فهذا الولد ولد على فراش زمعة، هذه حجته.
فالنبي ﷺ لم يلتفت إلى الشبه الظاهر في ذلك الغلام، بل حكم بالظاهر، وقال: الولد لك يا عبد، هو أخوك وينسب إلى أبيك؛ لأنه ولد على فراشه، وحكم بهذا الحكم وقرر هذه القاعدة: الولد للفراش وللعاهر الحجر.
الولد سواء كان ذكراً أو أنثى ينسب إلى صاحب الفراش الذي هو الزوج أو السيد الذي يستمتع بأمته، فالولد ينسب إليه، وأخذوا من هذا أن الزاني لا ينسب إليه الولد مهما كان، ولو اعترف بأن الولد منه، ولو اعترفت الزانية بأنه فجر بها وبأنها حملت منه، وبأنه ليس له شريك في هذا الولد، فنقول: لا ينسب إليه الولد، ولا يستحقه؛ وذلك لأن نكاحه نكاح حرام، فلا ينسب إليه مهما كانت الحالة، ولو كان شبيهاً به، ولو اعترف الأبوان بأنه منه، فلا ينسب إليه بل ينسب إلى أمه، فإذا ولد بينهما ولد من زنا يقال: ابن فلانة، هذا هو النسب الصحيح، ولا يجوز له والحال هذه أن يتزوجها وهي حامل حتى ولو كان الحمل منه.
стр. 865
حكم زواج الزاني بمن زنى بها وهي حامل منه
مشهور الآن أن بعض الناس يخدع فتاة، ثم يواقعها مرة أو مراراً، فإذا حملت وتبين أنها حامل وخشي فضيحتها ذهب وخطبها ووافقت عليه، وبعد ذلك يعقد عليها وهي حامل من الزنا، ويدخل بها ويقول: أريد أن أسترها، فإذا وضعت حملها فلا حاجة لي فيها فسوف أطلقها، فنقول: هذا لا يجوز؛ وذلك لأن لا يجمع بين ماء حلال وماء حرام، ولو كان الماءان له، فلا يجوز له ولا يجوز لها هذا النكاح، بل متى حملت منه أو من غيره من زنا فإنه لا يقربها أحد حتى تضع حملها.
والمرأة المزوجة لو غاب زوجها مثلاً فوطئت بشبهة أو زنت وحملت من الزنا أو من وطء الشبهة حرمت على زوجها، ولم يجز له أن يجامعها حتى تضع ذلك الحمل، وإذا لم تحمل فعليه أن يتجنبها حتى يعلم براءة رحمها، وأنها لم تعلق من ذلك الزنا أو ذلك الوطء بشبهة، فلا يجامعها حتى تحيض حيضة يعلم به براءة رحمها من الحمل.
فإذا زنى إنسان بامرأة فلا يجوز له أن ينكحها ولو كان قصده أن يسترها، بل لا حرمة لها ولا حرمة له، وإذا ثبت زناها واعترفت أقيم عليها الحد الذي هو العقوبة الشرعية، فإن كانت ثيباً أقيم عليها الرجم إلا إذا ادعت أنها مكرهة، وإن كانت بكراً أقيم عليها الجلد والتغريب، وهو الحد الشرعي الذي ثبت بالسنة، وأما هو فإذا اعترف بأن هذا الحمل منه، وأنه وطئها؛ فإن كان اغتصبها فلا عقوبة عليها لكونها مغصوبة مكرهة، وإن كان باختيارها فإن العقوبة عليهما معاً، وعقوبته هو كعقوبتها: إن كان قد تزوج زواجاً صحيحاً، ودخل بزوجته -وهو المحصن- فحده أن يرجم بالحجارة حتى يموت، وإن كان بكراً لم يسبق أن تزوج، فحده أن يجلد ويغرب كما يأتينا إن شاء الله في الحدود.
فأما أن يقول: سوف أتزوجها حتى أسترها أو حتى لا تفتضح؛ فلا يجوز، بل تترك حتى تفتضح وحتى يفتضح هو أيضاً، وإقامة الحدود والعقوبات الشرعية سبب لقلة المنكرات، وسبب لقلة الفواحش، وترك ذلك سبب لفشوها، فإذا رخص لهم في هذا كثر الزنا، وكثر الفحش، وصار كل من زنى وواقع امرأة حرص على أن يتزوجها ثم يطلقها، وطلاقه لها قد يكون الحامل له عدم ثقته بها، يقول: إذا زنت وهي غير متزوجة فيمكن أن تزني وهي متزوجة، فلا آمنها فراشاً لي.
وبكل حال فهذه القصة التي قال فيها النبي ﷺ : (الولد للفراش وللعاهر الحجر) تبين أن المرأة إذا ولدت مولوداً نسب إلى زوجها الذي هو زوجها وتحل له، ولا ينسب إلى الزاني، ولا حق للزاني فيه ولا كرامة.
стр. 866
شرح حديث مجزز المدلجي القائف
دخل النبي ﷺ على عائشة وهو مسرور تبرق أسارير وجهه أي: يظهر عليه الفرح، فبشرها وقال لها: (ألم تري أن مجززاً المدلجي رأى آنفاً أسامة بن زيد وزيداً وقد غطيها رءوسهما وبدت أقدامها فقال: إن هذه الأقدام بعضها من بعض) .
стр. 867
فضل زيد بن حارثة
كان النبي ﷺ يحب زيداً، ويقال لـ زيد بن حارثة: حب رسول الله ﷺ ؛ وذلك لأنه كان قد اعتقه، وقد ملكته خديجة في الجاهلية، ثم وهبته للنبي ﷺ فأعتقه وتبناه، ولما نزل الوحي على النبي ﷺ صدقه، وكان هو أول من صدق النبي ﷺ من الموالي، فصار محبوباً عنده ﷺ ، وزوجه بابنة خالته التي هي زينب بنت جحش، ولما أراد أن يطلقها قال له: (أمسك عليك زوجك واتق الله) ، ثم إن الله تعالى قدر أنه يطلقها حتى ينكحها النبي ﷺ فأنزل الله: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ [الأحزاب:٣٧] فالله تعالى هو الذي زوجه زينب أي: عقد له عليها وهو ربها، وكانت تفتخر فتقول: زوجكن أهاليكن، وزوجني الله من فوق سبع سماوات.
والحكمة في تزويجه قوله تعالى: ﴿لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا﴾ [الأحزاب:٣٧] ، حيث كان زيد يدعى زيد ابن محمد، فأنزل الله فيه ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾ [الأحزاب:٤] ، وقال تعالى في تحريم زوجة الابن: ﴿وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ﴾ [النساء:٢٣] حتى لا يدخل فيها المتبنى الذي ليس هو ابناً، وإنما يسمى مولى.
والحاصل أنه ﷺ كان يحبه، وقد تزوج أولاً بـ أم أيمن، وكانت أيضاً مولاة للنبي ﷺ ، وكانت سوداء، وزيد لونه أبيض أو أحمر، فولدت له أسامة، وكان لون أسامة أسود، فطعن الناس في نسبه وقالوا: كيف يكون الأب أبيض، والولد أسود؟ يمكن أنه ليس منه، يمكن أنه من زنا، فطعنوا في نسبه، ومعروف أنه ينسب إلى أبيه الذي هو صاحب الفراش، ومعروف أن زيداً ﵁ من السابقين الأولين، وأنه لا يمكن أن يتبنى من ليس ابناً له، ومعروف أيضاً أن أم أيمن التي هي أم أسامة من السابقات، ومن المؤمنات، ومن العفيفات، فهي بعيدة عن فعل الفاحشة، ولكن كان لونها أسود فصادف أن الولد صار لونه كلونها، وهو أسامة، وقد رزق أيضاً محبة النبي ﷺ ، فكان يسمى الحب ابن الحب، كان يحبه ويحب أباه، وقال لما أمره على الجيش الذي أراد أن يبعثه إلى الشام وطعنوا في إمارته: (إنه لمن أحب الناس إليّ -يعني: زيداً - وإن هذا -يعني: ولده- لمن أحب الناس إليّ بعده) .
فلما كان يحبهما كان حريصاً على إبطال الشبهة التي يطعن بها فيهما، وفي نسب أسامة، وأنه ليس ابناً لأبيه، فجاء هذا القائف، وبنو مدلج يعرفون بالقيافة، والقيافة هي معرفة الشبه، بحيث إن أحدهم يعرف الإنسان ويعرف ولده ولو لم يكن بينهما تماثل في الألوان، فنظر إليهما مجزز وقد غطيا وجوههما، وغطيا رءوسهما في لحاف، وبدت أقدامهما، هذا أقدامه حمر وهذا أقدامه سود، فقال: إن هذه الأقدام بعضها من بعض، يعني: أن هذا ولد هذا أو جده أو نحوه، ففرح النبي ﷺ بهذا؛ ليكون مبطلاً لقول من طعن في نسب أسامة، حيث إن هذا القائف معروف بالصدق والذكاء وبالقيافة، ومعرفة الشبه، هو وأسرته وقبيلته، وهم في منزلة بني مرة في هذا الزمان الذين يعرفون الشبه ويعرفون الأثر، وكذلك كثير من القبائل الآن معهم قوة في الذكاء ومعرفة الشبه، بحيث يعرفون أن هذا ولد لهذا، ويعرفون أن هذا الأثر لأخوة أو نحو ذلك.
стр. 868
اعتبار قول القائف
الحاصل أن في هذا دليل على اعتباراً قول القافة الذين يعرفون الشبه، وأنه إذا شهد واحد منهم مجرب الإصابة بأن هذا النسب صحيح قبل قوله.
وأخذوا من ذلك لو أن اثنين وطئا امرأة في طهر واحد، أحدهما زوجها، والآخر وطئها خطأً يعتقدها امرأته أو نحو ذلك، وعلقت بولد، واعترانا الشك هل هذا الولد لهذا أو لهذا؟ لمن يكون الولد؟ أو مثلاً كانا شريكين في أمة يملكانها، واعتقد كل منهما أنه يجوز له وطؤها، فوطئها هذا، ووطئها هذا، وعلقت بحمل، ولا ندري هل هو لهذا أو لهذا، كيف نفعل؟ وكذلك اللقيط، إذا وجدنا لقيطاً ساقطاً، ثم جاء اثنان وكل منهما يدعيه، هذا يقول: هو ولدي، وهذا يقول: هو ولدي، طرحته أمه عجزاً أو نحو ذلك، فكيف نفعل؟ نعرضه على القافة العارفين بالشبه، فإذا قالوا: إنه ابن هذا؛ ألحق به وثبت نسبه بذلك.
والشرع حريص على اتصال الأنساب؛ حتى لا يبقى مسلم بين المسلمين مجهول النسب؛ فإذا تحقق أو قارب أنه من فلان نسب إليه.
بعض العلماء يقول: لابد من اثنين من أهل القيافة يشهدان بأنه ابن فلان أو يقران بذلك، وبعضهم يكتفي بواحد لما في هذه القصة، وهو أن أسامة نسب إلى أبيه بدون شك، ولكن قد عرفنا أن أسامة ولد على فراش زيد، وقد تقدم قوله ﷺ : (الولد للفراش، وللعاهر الحجر) ، فـ أسامة ولد على فراش زيد من زوجته التي هي حل له، فهو أنه ينسب إليه، وصدق ذلك كلام مجزز المدلجي: إن هذه الأقدام بعضها من بعض، فثبت النسب، وبطل قول من يطعن في نسبه بأنه ليس ابناً له، وأما إذا لم يكن هناك فراش، ولم تكن المرأة خاصة بأحد الرجلين أو نحو ذلك فيقول بعض العلماء ولعله القول الأرجح: لابد من قائفين معروفين بالإصابة، فيتفقان على أنه ابن هذا، فإذا اختلفا رجع إلى غيرهما، فإذا تنازع اثنان في ولد، كل منهما يقول: إنه ابني؛ لأنه وطء أمه لشبهة، عرض على القافة، فإذا عرض على اثنين، فأحدهما قال: هو ابن هذا، والثاني قال: بل هو ابن هذا، أتينا بقائفين آخرين حتى يتفقوا أو يخير بأن ينتسب إلى أيهما شاء إذا لم يعرف بيقين أنه ابن لأحدهما بسبب اختلاف القافة، فالقافة بشر ليسوا يعلمون الغيب، وإنما يحكمون بما يظهر لهم، وليس الظاهر جلياً لكل أحد، فقد يختلفان فيقول هذا قولاً، ويخالفه آخر أو آخرون، وعلى كل حال فالشريعة حريصة على صلة الأنساب، وعلى تقليل الأفعال التي يكون فيها ضياع للأنساب.
стр. 869
شرح أحاديث العزل
قال المؤلف ﵀: [عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: (ذكر العزل لرسول الله ﷺ فقال: ولم يفعل ذلك أحدكم؟ -ولم يقل: فلا يفعل ذلك أحدكم- فإنه ليست نفس مخلوقة إلا الله خالقها) .
وعن جابر بن عبد الله ﵄ قال: (كنا نعزل والقرآن ينزل، قال سفيان: لو كان شيئاً ينهى عنه لنهانا عنه القرآن) .
وعن أبي ذر ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: (ليس من رجل ادعى لغير أبيه وهو يعلمه إلا حرم الله عليه الجنة، ومن ادعى ما ليس له فليس منا وليتبوأ مقعده من النار، ومن دعا رجلاً بالكفر أو قال عدو الله، وليس كذلك إلا حار عليه) كذا عند مسلم وللبخاري نحوه، وحار بمعنى رجع] .
سئل ﷺ عن العزل، فقال: (ولم يفعل أحدكم ذلك؟ ولم يقل: فلا يفعل ذلك أحدكم، فإنه ما من نفس مخلوقة إلا الله خالقها) ، وكذلك الحديث الثاني قول جابر: (كنا نعزل والقرآن ينزل، قال سفيان: لو كان شيئاً ينهى عنه لنهانا عنه القرآن) .
هذان الحديثان يتعلقان بالعزل، وقد ورد فيه هذان الحديثان اللذان يفهم منهما إباحة العزل، والعزل يتعلق بالجماع، وذلك أن الإنسان قد يحتاج إلى الجماع ولكن لا يحب أن تحمل زوجته؛ لسبب: إما لمرض فيها، وإما لضعفها عن أن تربي أولادها، وإما لكونها مملوكة له ولا يحب أن تلد منه، بل يريد بيعها، أو لقلة ماله ولا يستطيع أن يعول الأولاد ونحوهم، أو لأن أولاده يخرجون ضعافاً مهزولين، أو نحو ذلك من المقاصد، فيحتاج إلى منع الحمل بأسباب تمنعه.
стр. 870
معنى العزل وحكمه
من أسباب منع الحمل العزل: وهو الإنزال خارج الفرج، إذا أحس بالإنزال نزع وأنزل في غير الرحم حتى لا ينعقد الولد، وهذا العزل قد يحصل به مقصد الرجل وهو فتور أو قضاء وطره وشهوته، ولكن المرأة قد تتضرر؛ وذلك لأن لها حقاً ولها شهوة، فإذا نزع قبل أن تقضي وطرها تألمت وتضررت؛ لذلك ورد حديث -وإن كان في إسناده مقال- أنه ﷺ سئل عن العزل، فقال: (ذلك الوأد الخفي) فسماه وأداً، يعني: قاتلاً للأولاد، ولكنه قاتل خفي، وهو أن العرب كانوا يقتلون الإناث ويسمون ذلك وأداً كما في قوله: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ [التكوير:٨-٩] ، وقال ﷺ : (إن الله حرم عليكم عقوق الأمهات، ووأد البنات، ومنع وهات) .
فهكذا ورد أن العزل يسمى الوأد الخفي، ولكن هذه الأحاديث أصح من ذلك الحديث، فـ جابر يقول: (كنا نعزل والقرآن ينزل) ، وأكثر ما كانوا يعزلون عن الإماء حتى لا تحبل الأمة فلا يتمكن من بيعها، ومع ذلك لم ينههم القرآن أي: لم ينزل في القرآن نهي عن استعمال العزل، وسواء كان القصد منه عدم إضرار المرأة، أو القصد منه عدم الحمل أو منع الحمل أو نحو ذلك، فهذا سبب من أسباب منع الحمل، يعني: الإنزال في غير الرحم، وظاهر الحديث أنه جائز، والدليل من الحديث الأول قوله: (ولم يفعل أحدكم ذلك؟ ولم يقل: لا يفعله) ، كأنه يقول: لماذا يفعله؟ (ما من نفس مخلوقة إلا الله خالقها) .
وفي بعض الروايات: أن رجلاً جاء وقال: (يا رسول الله! إن لي أمة، وإني لا أريد أن تحمل وإني أعزل عنها، فقال: ما عليك ألا تفعل -يعني: جائز لك أن تفعل وألا تفعل- فإنه إذا أراد الله أن يخلقه لم تستطع أن ترده) ، وفي رواية: (لو وضعت هذا المني على صخرة وقد قدر الله أن يخلق منه ولداً لخلقه) .
وكثيراً ما يتحفظ الإنسان فينزع وينزل في خارج الرحم، ولكن قد يسبقه ولو قطرة يسيرة ينعقد منها الولد، فيحصل الحمل وإن لم يقصده، وإن لم يرده، وقد جاء في الرواية إن ذلك الرجل جاء إلى النبي ﷺ وقال: (إن الأمة التي حدثتك عنها قد حملت، فقال: قد أخبرتك أنك لا تقدر أن ترد ما قدر الله) ، إذا قدر الله خلق ولد من هذا الوطء فإنك لا تستطيع أن ترده، ولكن بكل حال هناك أسباب يحصل بسببها منع الحمل، ويحصل بسببها الحمل، وقد ذكر العلماء والأطباء أسباباً كثيرة تعين على الحمل، فإذا أراد أن تحمل زوجته من ذلك الوطء، فهناك صفات وأسباب تكون سبباً غالباً في عدم الحمل من ذلك الوطء وإن لم تكن مطردة.
стр. 871
حكم الحبوب التي تمنع الحمل
يكثر السؤال في هذه الأزمنة عن فعل الأسباب التي تمنع الحمل، حيث إن كثيراً من المتزوجين وهم شباب يحاولون عدم الإنجاب، فيأتون بأسباب تمنع أن يولد لأحدهم، وفي زعمه أنه لا يريد الأولاد في ذلك السن المبكر، ويريد أن يبقى مع زوجته وحيداً حتى يتفرغ أو تتفرغ هي لتنشئة الأولاد، أو حتى يجمع مالاً، أو حتى تتفرغ أو تنهي مثلاً دراستها وعملها، أو ما أشبه ذلك، فيعملون حيلاً لمنع الإنجاب، فمنها: استعمال هذه الحبوب التي تمنع انعقاد الحمل، فتبتلع المرأة هذه الحبوب فتبقى عدة سنوات لا يحصل منها أولاد.
وقد ذكر الأطباء أن هذه الحبوب مضرة، ولا شك أن لها ضرراً على المرأة، على الرحم وعلى أثر العادة؛ لأنها تغير عادتها، فالعادة الشهرية التي هي الحيض المستمر أو المعتاد تتغير بهذه الحبوب، زيادة على أن احتباس هذا الدم يؤثر عليها مرضاً، وقد ذكر الأطباء أن المرأة لا تستعمل الحبوب إلا بعد أن تعرضه على طبيب مختص فيشير عليها، إما بأن تستعمل أو لا تستعمل، ومع ذلك فإنها منتشرة وفاشية كثيراً، وبيعها في الصيدليات قد يكون أكثر من بيع كثير من الحبوب التي تستعمل للصحة أو للعلاج.
فنقول: لا شك أن هذه مصيبة، كيف أنك تضيق بالأولاد، فالواجب أن ترضى بما قدر الله، وأن تفرح إذا رزقك الله ولداً، لا تضيق بالأولاد ذرعاً فإن الله تعالى هو الذي خلقهم، وهو الذي يتكفل برزقهم، يقول الله تعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ﴾ [الأنعام:١٥١] ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ﴾ [الإسراء:٣١] ، فهو الذي يتكفل برزقهم، وكم رأينا وكم رأيتم من إنسان كان فقيراً لما كان وحده، ولما تزوج ورزق أولاداً وسع الله عليه، ورزق بسبب أولاده، ولما انفصل عنه أولاده وبقي وحده عاد إلى فقره وحاجته، فوجود الأولاد سبب للرزق، فلا يضيق أحدنا بكثرة الأولاد مهما كثروا، وقد ثبت أنه ﷺ أمر بتزوج الودود الولود في قوله: (تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة) ، فهو يحب أن تكثر أمته، وأن يكثر أولادهم الذين هم على سنته، متبعون لشريعته؛ حتى يباهي بهم الأمم، وإن كان الله تعالى قد قدر من سيخلقه، وعلم عدد الخلق الذين قدر وجودهم، ولكنه جعل لذلك أسباباً وجودية أو أسباباً سلبية.
فننصح هؤلاء الذين لا يريدون الإنجاب، ويملون وجود الأولاد، حتى ولو كانوا في شبابهم، حتى ولو كثر الأولاد لديهم، فلا يضيقون بذلك، فإن رزقهم على الله تعالى، كما في قوله تعالى: ﴿وَكَأَيِّن مِنْ دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ﴾ [العنكبوت:٦٠] .
стр. 872
الحالات التي يجوز منع الحمل فيها
رخص العلماء في منع الحمل في ثلاث حالات: الحالة الأولى: الزوجة قد تكون مريضة يشق عليها الحمل والوضع والحضانة والتربية، أو كانت مثلاً نحيفة ضعيفة لا تتحمل ذلك، ومتى حملت أضر بها ولقيت أوجاعاً ونحو ذلك، فلها والحال هذه أن تتعاطى ما يمنع الحمل.
الحالة الثانية: إذا كان أولادها ضعافاً، يعني: يخرجون وهم نحاف ضعاف عجاف مرضى، ويتتابعون وهم على هذا، ويكون في ذلك لمشقة عليها أن تحضنهم وأن تربيهم وأن تعالجهم وهم على هذه الحالة، فيؤدي ذلك إلى تضررهم مع كثرتهم؛ فلذلك قد يباح في هذه الحال علاجها بما يقطع أو بما يقلل الحمل.
الحالة الثالثة: لو قدر مثلاً أن الأبوين في بلاد كفر، وأنهم متى ولد بينهم أولاد تربوا على ما تربى عليه أهل تلك البلاد، درسوا دراسة الكفار، وخرجوا مع الكفار، فصار أولادهم زيادة في الكفرة، ففي هذه الحالة قد يقال: بجواز المعالجة التي تقلل الحمل أو تمنعه، وما ذاك إلا مخافة أن يرى أولاده يعتنقون الكفر ولا يستطيع أن يردهم.
وإذا عرفنا ذلك فنقول: كثير من الناس الآن يشتكون من كثرة الأولاد بحيث إن المرأة تلد في كل سنة ولداً إذا لم تتعالج بهذه العلاجات، ولم تتعاط الأسباب التي تمنع من الحمل، وهذا لم يكن معهوداً في الأزمنة المتقدمة قبل ثلاثين أو أربعين سنة.
ما كانوا على هذه الحال، ولعل السبب في ذلك أن المرأة قديماً كانت ترضع ولدها من ثدييها فكلما ولد لها ولد ألقمته ثدييها وحنت عليه وأشفقت عليه ودرت عليه، واعتقدت أن لبنها دواء وشفاء وأثر من آثار المحبة، ولا تحمل عادة ما دامت ترضع ولدها من صدرها، حيث إن الدم الذي هو دم الطمث الذي يكون غذاءً للحمل يقلبه الله لبناً، فإذا كانت ترضع فإنها في العادة لا يأتيها دم الحيض، فتبقى سنتين ما دام فيها لبن لا ترى الحيض، أين ذلك الحيض؟ ينقلب لبناً يمتصه الطفل من الثديين ويتوقف الحيض، وكانت هذا عادة كثير من النساء، فتبقى سنتين وهي ترضع الولد، ولو كان زوجها يجامعها كل ليلة فإنها لا تحمل، بل المني ينقلب أيضا لبناً، والحيض ينقلب لبناً، وكل ذلك يكون غذاءً لرضيعها، لكن بعض النساء قد تكون بنيتها قوية، وغذاؤها كثيراً، ودمها قوياً، فيؤثر أنه يصير فيها لبن ويصير أيضاً معها حيض، فينعقد الحمل ولو كانت ترضع، وأما التي لا ترضع ولدها، بل حينما تلده ترضعه من الألبان الصناعية، ويتوقف منها اللبن وتنشف، ويأتيها الحيض بعدما تخرج من الأربعين مباشرة، فالغالب أنه ينعقد حملها مباشرة بعد أول وطء، وهذا هو الواقع الآن كثيراً؛ ولذا يشتكون من كثرة الأولاد.
فنقول للزوج: لماذا لا تلزمها أن ترضع ولدها حتى يتوقف الحمل مدة سنتين أو سنة أو نحو ذلك، هذا في الأمر الأغلب؟ فهذا سبب.
السبب الثاني: يقولون: لو جامعها بعد الطهر بيوم أو يومين لا تحمل، أما بعد الطهر بثلاثة أيام أو بأربعة إلى نصف الطهر أو ثلثيه فإنها تكون قد أنزلت البويضة التي يخلق منها الحمل، فإذا جامعها في هذه الفترة انعقد الحمل بإذن الله، أما إذا جامعها في آخر الطهر أي: قبل الحيضة الثانية بعشرة أيام أو أسبوع ونحوه فإن ذلك الجماع لا ينعقد معه الحمل؛ وذلك لأنه قد انعقد أو قد اجتمع الدم الذي هو دم الطمث فلا ينعقد بذلك حمل إلا إذا قدر الله تعالى الحمل، فهذا سبب من أسباب توقف الحمل.
стр. 873
حكم استخدام اللولب لمنع الحمل
من الأسباب الجديدة لمنع الحمل ما يسمى باللولب الذي تركبه المرأة في رحمها، لكن فيه مضار، وكثير من النساء يحصل بسببه مشقة عليها؛ وذلك لأنه يزيد في مدة الحيض، فبدل ما كان حيضها ستة أيام يكون عشرة؛ لأنه يقلل خروج الدم، ويكون أول الدم ووسطه وآخره على حد سواء بسبب هذا اللولب، زيادة على أنه يستلزم تكشفها أمام غيرها عند معالجتها وما أشبه ذلك.
وهناك أسباب أخرى قد تكون معروفة عند المتخصصين ولكنا ننصح الإنسان ألا يمل مما خلق الله منه، فالله تعالى شرع للإنسان هذه الشهوة التي تدفعه إلى الوطء، وجعل أيضاً في المرأة دافعاً نحو الرجل حتى يحصل من هذه الشهوة اندفاع من الرجل والمرأة، كل منهما يطلب الاتصال بالآخر؛ ليكون ذلك سبباً في هذا التوالد، وفي وجود هذا النوع الإنساني الذي قدر الله أنه يعمر هذه الأرض، ويكون مكلفاً عليها، ولو أن الناس عزفوا عن ذلك وتركوا النكاح لانقطع هذا النوع الإنساني، والله تعالى قد قدر أنه يبقى.
الله تعالى شرع هذا النكاح الحلال، وأمر الإنسان أن يبذل السبب لوجود الأولاد، وله في الأولاد مصلحة حيث إنهم ينفعونه في الدنيا، وينفعونه أيضاً بعد موته كما في قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [الفرقان:٧٤] ، هذا دعاء حكاه الله تعالى عن عباده المؤمنين، مما يدل على أن الأولاد قرة أعين لآبائهم.
وكذلك يستفيد منهم بعد موته إذا كانوا صالحين، يقول ﷺ : (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له) ، فعلى الإنسان أن يحرص على أن يرزقه الله أولاداً صالحين ذكوراً وإناثاً يكونون له قرة أعين، وينفعه الله بهم في دنياه، ويزودونه بأدعية نافعة في آخرته، وألا يمل من وجودهم، وأن يثق أن ربه هو الذي خلقهم وأوجدهم، وهو الذي تكفل برزقه وبرزقهم ﴿نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ﴾ [الإسراء:٣١] ، وأن يعتقد أن الله تعالى قد يسهل له الرزق بواسطتهم أو بسببهم، فإذا فعل ذلك رزقه الله من حيث لا يحتسب.
стр. 874
شرح عمدة الأحكام [٦٥]
جعل الإسلام الرضاع رابطة تربط بين الرضيع والأسرة التي رضع منها، فيحرم من الرضاع ما يحرم من النسب، وذلك يعد من عظمة الإسلام في توثيق الروابط وشد الصلات.
стр. 875
شرح حديث: (يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب)
قال المؤلف رحمنا الله تعالى وإياه: [كتاب الرضاع: عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ في بنت حمزة: (لا تحل لي، يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب، وهي ابنة أخي من الرضاعة) .
وعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : (إن الرضاعة يحرم ما يحرم من الولادة) .
وعنها قالت: (إن أفلح أخا أبي القعيس استأذن عليّ بعدما أنزل الحجاب، فقلت: والله لا آذن له حتى أستأذن رسول الله ﷺ فإن أخا أبي القعيس ليس أرضعني، ولكن أرضعتني امرأة أبي القعيس، فدخل عليّ رسول الله ﷺ فقلت له: يا رسول الله إن الرجل ليس هو أرضعني، ولكن أرضعتني امرأته، فقال: ائذني له فإنه عمك تربت يمينك) .
قال عروة: (فبذلك كانت عائشة تقول: حرموا من الرضاع ما يحرم من النسب) .
وفي لفظ: (استأذن عليّ أفلح فلم آذن له، فقال: أتحتجبين مني وأنا عمك؟ فقلت: كيف ذلك؟ قال: أرضعتك امرأة أخي بلبن أخي، قالت: فسألت رسول الله ﷺ فقال: صدق أفلح ائذني له تربت يمينك) تربت يمينك أي: افتقرت، والعرب تدعو على الرجل ولا تريد وقوع الأمر به.
وعنها قال: (دخل عليّ النبي ﷺ وعندي رجل فقال: يا عائشة من هذا؟ قلت: أخي من الرضاعة، فقال: يا عائشة! انظرن من إخوانكن، فإنما الرضاعة من المجاعة) ] .
стр. 876
تعريف الرضاع
يراد بالرضاعة هنا أثر الرضاع الذي ذكر في قول الله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [النساء:٢٣] أي: ما تحرمه الرضاعة وما لا تحرمه، وليس المراد البحث في كيفية رضاع المرأة ولدها، المذكور في قوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [البقرة:٢٣٣] ، فإن هذا المقصود منه كيف ترضع المرأة ولدها، ومتى تفطمه ونحو ذلك، وأما هذا ففي إرضاع المرأة غير ولدها، وكيف يكون أثر هذا الرضاع.
ذكر العلماء في تعريف الرضاع المحرم أنه: امتصاص الطفل لبناً ناتجاً عن حمل وهو في الحولين.
وقوله: (امتصاص) هذا على وجه الأغلب وإلا فلو شرب اللبن شرباً دون امتصاص وهو دون الحولين لحصل منه التأثير والتحريم، وهكذا لو أدخل مع أنفه ووصل إلى جوفه، وتغذى به؛ حصل بذلك الرضاع.
ثم الجمهور على أنه لا يحرم إلا إذا كان الرضاع في الحولين، ويستدلون بما في حديث عائشة الأخير وهو قوله ﷺ : (إنما الرضاعة من المجاعة) ، والمجاعة هي الجوع، يعني: الرضاع المحرم هو الذي يرتفع به الجوع، ويحصل به الشبع.
стр. 877
تأثير الرضاع يتعدى إلى أقارب المرضعة لا الرضيع
قوله ﷺ في بنت حمزة: (لا تحل لي إنها ابنة أخي من الرضاعة) .
ابنة حمزة قتل أبوها وهي صغيرة في مكة، ثم في عمرة القضية سنة سبع أخذوها معهم إلى المدينة، وكفلها ابن عمها جعفر، وكانت زوجته خالتها، وبقيت عند خالتها، وقد عرضها على النبي ﷺ وقيل له تزوجها فقال: (لا تحل لي) ، وذلك لأن حمزة رضع من ثويبة وثويبة أرضعت النبي ﷺ ، فلذلك أصبح أخا حمزة من الرضاع.
فهذا دليل واضح على أنه إذا حصل الرضاع من امرأة أجنبية، وأرضعت اثنين؛ أصبحا أخوين من الرضاع، فهذه ثويبة أرضعت النبي ﷺ وليست أمه، وأرضعت حمزة وليست أمه، فصارا أخوين منها، فصار الرضاع من امرأة أجنبية محرماً، وبالطريق الأولى إذا كان الرضاع من أم أحدهما، فإن حليمة السعدية التي أرضعت النبي ﷺ أصبحت أمه، وأولادها الذين ولدتهم أو أرضعتهم يعتبرون أيضا إخوة له، وهذا التحريم يختص بالرضيع ولا يتعدى إلى إخوته، فلذلك لم يتعد إلى إخوة حمزة كـ العباس وأبي طالب، فإن كل واحد منهما ولو كان أخاً لـ حمزة بن عبد المطلب فإنه لا يعتبر أخاً للنبي ﵊، فالإخوة اختصت بالرضيع الذي هو حمزة.
وتكون الرضاعة مؤثرة في أقارب المرضعة، فيكون زوجها أباً للرضيع، وأقاربه محارم للرضيع كما في قصة عائشة، فإن امرأة أبي القعيس أرضعتها، ثم هلكت المرأة وهلك أبو القعيس، وجاء أخوه واسمه أفلح واستأذن على عائشة، فامتنعت وقالت: كيف آذن له وهو لم يرضعني، ولم ترضعني امرأته، وإنما أرضعتني امرأة أخيه؟ فأخبرها بأنه عمها وقال: أرضعتك امرأة أخي بلبن أخي، فإن اللبن تسبب من أخيه، فصار أخوه صاحب اللبن أباً لـ عائشة، وزوجة أبي القعيس المرضعة أماً لـ عائشة، وأخا أبي القعيس الذي هو أفلح عماً لـ عائشة، وأولاد أبي القعيس إخوة لـ عائشة من الرضاعة.
وهذا يبين أن الرضاعة تتعدى إلى أقارب المرضعة وإلى أقارب زوج المرضعة، ولا تتعدى كما ذكرنا إلى أقارب الرضيع، فإخوة عائشة لم يؤثر فيهم رضاعها من امرأة أبي القعيس، فأخوها عبد الرحمن لم يكن ابناً لـ أبي القعيس، وكذلك أخوها محمد وأختها أسماء ونحوهم، بل اختصت الرضاعة والتحريم والتأثير بالراضعة التي هي عائشة.
فلما استأذن عليها استغربت وقالت: كيف آذن له وهو بعيد لم يرضعني هو، ولم ترضعني امرأته، فليست امرأته هي التي أرضعتني وإنما امرأة أخيه، وليس هو الذي أرضعني؟ فلما قال لها: أرضعتك امرأة أخي بلبن أخي، أقر ذلك النبي ﷺ وجعل ذلك مبرراً لكونها تأذن له أن يدخل عليها ويسلم عليها؛ لأنه أصبح عمها، وهذا معنى قوله ﷺ : (ائذني له فإنه عمك تربت يمينك) ، وكلمة (تربت يمينك) ذكر المؤلف أنه لا يقصد بها حقيقة الدعاء، وإنما يقصد بذلك التوبيخ لعدم الفهم، أو لعدم التذكر.
стр. 878
خلاف العلماء في حكم إرضاع الكبير
قوله: (إنما الرضاعة من المجاعة) يدل على أن الرضاعة التي تحرم هي التي تكون في الصغر، وينتفع بها من الجوع، فإذا رضع الطفل من المرأة اندفع جوعه وشبع، وحصل له غذاء، ونبت بذلك الرضاع لحمه، ونشز عظمه، فيصبح قد تغذى من لبن تلك المرأة، ونبت منه لحمه، فينسب إليها، ويكون ابناً لها من الرضاع.
وقد اختلف في رضاع الكبير، فذهب بعض الصحابة كـ عائشة إلى أنه يحرم، واستدلوا بقصة سهلة امرأة أبي حذيفة، فإن أبا حذيفة كان له مولىً يقال له: سالم، فجاءت امرأة أبي حذيفة وقالت: يا رسول الله! إن سالماً بلغ مبلغ الرجال، وإنه يشق عليّ التحجب منه فقال: (أرضعيه تحرمي عليه) ، وقد كان رجلاً قد نبتت لحيته، فأرضعته خمس رضعات ليكون محرماً لها.
ولكن الجمهور على أن هذا من خصائص سهلة، وأنه لا يحل لغيرها أن ترضع كبيراً فتحرم عليه، وما ذاك إلا لضرورة حصلت لها؛ وذلك لأن رضاع الكبير لا يتغذى به بدنه، ولا ينبت منه لحمه، ولا ينبت منه عظمه، وأيضاً فإن الله تعالى قد حدد الرضاع في قوله تعالى: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ [لقمان:١٤] ، وفي قوله: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [البقرة:٢٣٣] ، فلا يمكن أن يزاد على السنتين، والزيادة عليهما زيادة في غير محلها، فالصبي إذا أتم السنتين اكتفى بما يعطى من الأكل ونحوه، واستطاع أن يمضغ الطعام ويتغذى به؛ فلذلك لا حاجة إلى الرضاع بعد الحولين، فإذا أرضع بعد الحولين أو بعد الفطام فهذا الرضاع لا يؤثر ولا يحرم، وهذا هو القول الصحيح، وقصة سالم مولى أبي حذيفة من خصوصيات سهلة، ولو خالف في ذلك من خالف.
وذهب بعضهم إلى أنه إذا اضطرت المرأة إلى رجل لا تجد بداً من الكشف له، وأن يكون محرماً لها جاز لها أن ترضعه كما حصل لهذه المرأة التي هي امرأة أبي حذيفة.
واستدل الجمهور بقوله ﷺ : (لا رضاع إلا ما كان في الحولين) ، أو (لا رضاع إلا ما كان قبل الفطام) ، وكذلك قوله: (انظرن من إخوانكن، فإنما الرضاعة من المجاعة) ، يعني: الرضاعة المحرمة التي يكون لها تأثير هي ما كانت من المجاعة، وفي حديث آخر أنه ﵊ قال: (لا يحرم من الرضاع إلا ما فتق الأمعاء، وأنشز العظم وأنبت اللحم) ، فالرضاع الذي في الصغر هو الذي ينشز العظم، يعني: ينبت به العظم ويكبر، وإنشاز العظام نموها ونباتها، كما في قوله: ﴿وَانظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا﴾ [البقرة:٢٥٩] ، يعني: ننميها وننبتها، وكذلك قوله: (أنبت اللحم) يعني: نبت اللحم على العظم بذلك الرضاع، فهذا هو الذي يحرم.
الرضاع من جملة ما بحث فيه العلماء؛ لأن الله تعالى ذكره بقوله: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [النساء:٢٣] ، والبحث فيه مشهور وأدلته واضحة، وقد جاءت متنوعة في هذه الأحاديث، وأخبر النبي ﷺ أنه يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب، فقالوا: كل قريب يحرم من النسب فإنه يحرم مثله من الرضاعة، فزوج المرأة يسمى أباً من الرضاع، وأولاد المرضعة يسمون إخوة من الرضاع، وإخوان المرضعة أخوال الرضيع، وأخواتها خالات الرضيع، وكذلك أقارب الزوج، فإخوته يصيرون أعماماً للرضيع؛ لأنهم إخوة أبيه، وهكذا بقية الأقارب عملاً بهذا الحديث.
стр. 879
شرح حديث: (كيف وقد زعمت أن قد أرضعتكما)
قال المؤلف رحمنا الله تعالى وإياه: [عن عقبة بن الحارث ﵁ (أنه تزوج أم يحيى بنت أبي إهاب، فجاءت أمة سوداء فقالت: قد أرضعتكما، فذكرت ذلك للنبي ﷺ ، قال: فأعرض عني، قال: فتنحيت فذكرت له، قال: وكيف وقد زعمت أن قد أرضعتكما؟ فنهاه عنها) .
وعن البراء بن عازب ﵁، قال: (خرج رسول الله ﷺ -يعني من مكة- فتبعته ابنة حمزة تنادي: يا عم، فتناولها علي فأخذ بيدها وقال لـ فاطمة: دونك ابنة عمك، فاحتملتها، فاختصم فيها علي وزيد وجعفر، فقال علي: أنا أحق بها وهي ابنة عمي، وقال جعفر: ابنة عمي وخالتها تحتي، وقال زيد: ابنة أخي، فقضى بها النبي ﷺ لخالتها، وقال: الخالة بمنزلة الأم، وقال لـ علي: أنت مني وأنا منك، وقال لـ جعفر: أشبهت خَلقي وخُلقي، وقال لـ زيد: أنت أخونا ومولانا) ] .
الحديث الأول يتعلق بالرضاعة، والشهادة فيه، والحديث الثاني يتعلق بالحضانة: وهي كفالة الطفل وتربيته.
ذكر في حديث عقبة، أنه لما تزوج هذه المرأة التي يقال لها: أم يحيى بنت أبي إهاب؛ جاءت أمة مملوكة سوداء، وادعت أنها أرضعت عقبة، وأرضعت المرأة التي تزوج بها، وأنها أصبحت أماً لهذا ولهذه، فيكونان أخوين من الرضاعة، فأنكر ذلك عقبة، ولم يكن قد سمع هذا منها، واتهمها بأنها تريد أن تفرق بينهما، فلم يجرؤ على أن يرد عليها، ولكنه ركب راحلته من مكة إلى المدينة، فقدم على النبي ﷺ وسأله، وذكر له أنها تكذب، وأنه لا يعرف ذلك من قبل، ولكن النبي ﷺ أقرها على ما تدعي، وجعل الأمر راجعاً إليها، وقال: (كيف وقد زعمت أن قد أرضعتكما؟ دعها عنك) ، فعند ذلك فارقها عقبة، وتزوجت غيره، فأخذوا من هذا الحديث: أولاً: أن الرضاع يحرم ولو لم يكن من أم أحد الولدين، فإذا رضعت من امرأة ليست أمك، ورضع منها زيد وليست أمه، صرت أنت وزيد أخوين من الرضاع، لا تحل لك بنته ولا تحل له بنتك، مع أنك لست أخاً له من النسب، ولم ترضع من أمه، ولم يرضع من أمك، وإنما اجتمعتما في رضاع امرأة أجنبية أرضعتكما.
ثانياً: أن الرضاع يرجع فيه إلى المرضعة، إذا ادعت ذلك فإنها تصدق؛ وذلك لأنه يورث شبهة، فإذا ادعت أنها أرضعت فإن هذا الكلام يورث شبهة؛ فلأجل ذلك تُتجنب الشبهات؛ لقوله: (ومن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه) .
كذلك أيضاً: لا شك أن هذه المرأة لم يتهمها عقبة إلا بتهمة أنها تريد الفراق بينهما، ولم يذكر أنه جرب عليها كذباً، ولا أنها ذات حسد، فلعلها لما سمعت بأنه تزوجها خافت أن يكون بينهما شيء من العلاقة مع تحريم، فأبدت ما عندها، وأظهرت أنهما ولداها من الرضاع، فهذا رضيع منها، وهذه رضيعة منها، فقُبل قولها، وقد عرفت حد الرضاع، فلا بد أنها عرفت أن الرضاع المحرم هو خمس، ولا بد أنها عرفت أن الرضاع المحرم ما كان في الحولين، وأنها ما أقدمت على الحكم بأنهما ولداها من الرضاع إلا وقد عرفت الحكم وتيقنت، فيقبل قولها.
стр. 880
قبول قول المرأة الواحدة في الرضاع
يقول العلماء: إذا ادعت امرأة أنها أرضعت هذه المرأة وزوجها، قبل قولها ولو كانت واحدة، أخذاً من هذه القصة، وإذا كانت كاذبة فكما قال تعالى: ﴿وَإِنْ يَكُ كَاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ﴾ [غافر:٢٨] ، فإذا كانت كاذبة فإنها تستحق العقوبة في الآخرة، وربما تعجل لها العقوبة في الدنيا إذا فرقت بين زوجين وهي كاذبة، فتصيبها دعوة مظلوم، وقد يعرف كذبها بقرائن، ولكن لا يُعمل بالقرائن بل يعمل بقولها اتقاءً للشبهات.
روي عن ابن عباس أنه قال: إن كانت كاذبة لا تتم السنة حتى تبيض ثدياها.
يعني: عقوبة لها يصيبها في ثدييها برص يكون سبباً في عدم قبول أحد لثدييها، وهذا وإن لم يكن مطرداً لكن قد يكون واقعاً في بعض الأحيان.
следующие страницы →