← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 7723

شرح عمدة الأحكام لابن جبرين

ابن جبرين

Полный текст (1 083 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

تعريف الرضاع يراد بالرضاعة هنا أثر الرضاع الذي ذكر في قول الله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [النساء:٢٣] أي: ما تحرمه الرضاعة وما لا تحرمه، وليس المراد البحث في كيفية رضاع المرأة ولدها، المذكور في قوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [البقرة:٢٣٣] ، فإن هذا المقصود منه كيف ترضع المرأة ولدها، ومتى تفطمه ونحو ذلك، وأما هذا ففي إرضاع المرأة غير ولدها، وكيف يكون أثر هذا الرضاع. ذكر العلماء في تعريف الرضاع المحرم أنه: امتصاص الطفل لبناً ناتجاً عن حمل وهو في الحولين. وقوله: (امتصاص) هذا على وجه الأغلب وإلا فلو شرب اللبن شرباً دون امتصاص وهو دون الحولين لحصل منه التأثير والتحريم، وهكذا لو أدخل مع أنفه ووصل إلى جوفه، وتغذى به؛ حصل بذلك الرضاع. ثم الجمهور على أنه لا يحرم إلا إذا كان الرضاع في الحولين، ويستدلون بما في حديث عائشة الأخير وهو قوله ﷺ : (إنما الرضاعة من المجاعة) ، والمجاعة هي الجوع، يعني: الرضاع المحرم هو الذي يرتفع به الجوع، ويحصل به الشبع.

стр. 877

تأثير الرضاع يتعدى إلى أقارب المرضعة لا الرضيع قوله ﷺ في بنت حمزة: (لا تحل لي إنها ابنة أخي من الرضاعة) . ابنة حمزة قتل أبوها وهي صغيرة في مكة، ثم في عمرة القضية سنة سبع أخذوها معهم إلى المدينة، وكفلها ابن عمها جعفر، وكانت زوجته خالتها، وبقيت عند خالتها، وقد عرضها على النبي ﷺ وقيل له تزوجها فقال: (لا تحل لي) ، وذلك لأن حمزة رضع من ثويبة وثويبة أرضعت النبي ﷺ ، فلذلك أصبح أخا حمزة من الرضاع. فهذا دليل واضح على أنه إذا حصل الرضاع من امرأة أجنبية، وأرضعت اثنين؛ أصبحا أخوين من الرضاع، فهذه ثويبة أرضعت النبي ﷺ وليست أمه، وأرضعت حمزة وليست أمه، فصارا أخوين منها، فصار الرضاع من امرأة أجنبية محرماً، وبالطريق الأولى إذا كان الرضاع من أم أحدهما، فإن حليمة السعدية التي أرضعت النبي ﷺ أصبحت أمه، وأولادها الذين ولدتهم أو أرضعتهم يعتبرون أيضا إخوة له، وهذا التحريم يختص بالرضيع ولا يتعدى إلى إخوته، فلذلك لم يتعد إلى إخوة حمزة كـ العباس وأبي طالب، فإن كل واحد منهما ولو كان أخاً لـ حمزة بن عبد المطلب فإنه لا يعتبر أخاً للنبي ﵊، فالإخوة اختصت بالرضيع الذي هو حمزة. وتكون الرضاعة مؤثرة في أقارب المرضعة، فيكون زوجها أباً للرضيع، وأقاربه محارم للرضيع كما في قصة عائشة، فإن امرأة أبي القعيس أرضعتها، ثم هلكت المرأة وهلك أبو القعيس، وجاء أخوه واسمه أفلح واستأذن على عائشة، فامتنعت وقالت: كيف آذن له وهو لم يرضعني، ولم ترضعني امرأته، وإنما أرضعتني امرأة أخيه؟ فأخبرها بأنه عمها وقال: أرضعتك امرأة أخي بلبن أخي، فإن اللبن تسبب من أخيه، فصار أخوه صاحب اللبن أباً لـ عائشة، وزوجة أبي القعيس المرضعة أماً لـ عائشة، وأخا أبي القعيس الذي هو أفلح عماً لـ عائشة، وأولاد أبي القعيس إخوة لـ عائشة من الرضاعة. وهذا يبين أن الرضاعة تتعدى إلى أقارب المرضعة وإلى أقارب زوج المرضعة، ولا تتعدى كما ذكرنا إلى أقارب الرضيع، فإخوة عائشة لم يؤثر فيهم رضاعها من امرأة أبي القعيس، فأخوها عبد الرحمن لم يكن ابناً لـ أبي القعيس، وكذلك أخوها محمد وأختها أسماء ونحوهم، بل اختصت الرضاعة والتحريم والتأثير بالراضعة التي هي عائشة. فلما استأذن عليها استغربت وقالت: كيف آذن له وهو بعيد لم يرضعني هو، ولم ترضعني امرأته، فليست امرأته هي التي أرضعتني وإنما امرأة أخيه، وليس هو الذي أرضعني؟ فلما قال لها: أرضعتك امرأة أخي بلبن أخي، أقر ذلك النبي ﷺ وجعل ذلك مبرراً لكونها تأذن له أن يدخل عليها ويسلم عليها؛ لأنه أصبح عمها، وهذا معنى قوله ﷺ : (ائذني له فإنه عمك تربت يمينك) ، وكلمة (تربت يمينك) ذكر المؤلف أنه لا يقصد بها حقيقة الدعاء، وإنما يقصد بذلك التوبيخ لعدم الفهم، أو لعدم التذكر.

стр. 878

خلاف العلماء في حكم إرضاع الكبير قوله: (إنما الرضاعة من المجاعة) يدل على أن الرضاعة التي تحرم هي التي تكون في الصغر، وينتفع بها من الجوع، فإذا رضع الطفل من المرأة اندفع جوعه وشبع، وحصل له غذاء، ونبت بذلك الرضاع لحمه، ونشز عظمه، فيصبح قد تغذى من لبن تلك المرأة، ونبت منه لحمه، فينسب إليها، ويكون ابناً لها من الرضاع. وقد اختلف في رضاع الكبير، فذهب بعض الصحابة كـ عائشة إلى أنه يحرم، واستدلوا بقصة سهلة امرأة أبي حذيفة، فإن أبا حذيفة كان له مولىً يقال له: سالم، فجاءت امرأة أبي حذيفة وقالت: يا رسول الله! إن سالماً بلغ مبلغ الرجال، وإنه يشق عليّ التحجب منه فقال: (أرضعيه تحرمي عليه) ، وقد كان رجلاً قد نبتت لحيته، فأرضعته خمس رضعات ليكون محرماً لها. ولكن الجمهور على أن هذا من خصائص سهلة، وأنه لا يحل لغيرها أن ترضع كبيراً فتحرم عليه، وما ذاك إلا لضرورة حصلت لها؛ وذلك لأن رضاع الكبير لا يتغذى به بدنه، ولا ينبت منه لحمه، ولا ينبت منه عظمه، وأيضاً فإن الله تعالى قد حدد الرضاع في قوله تعالى: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ [لقمان:١٤] ، وفي قوله: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [البقرة:٢٣٣] ، فلا يمكن أن يزاد على السنتين، والزيادة عليهما زيادة في غير محلها، فالصبي إذا أتم السنتين اكتفى بما يعطى من الأكل ونحوه، واستطاع أن يمضغ الطعام ويتغذى به؛ فلذلك لا حاجة إلى الرضاع بعد الحولين، فإذا أرضع بعد الحولين أو بعد الفطام فهذا الرضاع لا يؤثر ولا يحرم، وهذا هو القول الصحيح، وقصة سالم مولى أبي حذيفة من خصوصيات سهلة، ولو خالف في ذلك من خالف. وذهب بعضهم إلى أنه إذا اضطرت المرأة إلى رجل لا تجد بداً من الكشف له، وأن يكون محرماً لها جاز لها أن ترضعه كما حصل لهذه المرأة التي هي امرأة أبي حذيفة. واستدل الجمهور بقوله ﷺ : (لا رضاع إلا ما كان في الحولين) ، أو (لا رضاع إلا ما كان قبل الفطام) ، وكذلك قوله: (انظرن من إخوانكن، فإنما الرضاعة من المجاعة) ، يعني: الرضاعة المحرمة التي يكون لها تأثير هي ما كانت من المجاعة، وفي حديث آخر أنه ﵊ قال: (لا يحرم من الرضاع إلا ما فتق الأمعاء، وأنشز العظم وأنبت اللحم) ، فالرضاع الذي في الصغر هو الذي ينشز العظم، يعني: ينبت به العظم ويكبر، وإنشاز العظام نموها ونباتها، كما في قوله: ﴿وَانظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا﴾ [البقرة:٢٥٩] ، يعني: ننميها وننبتها، وكذلك قوله: (أنبت اللحم) يعني: نبت اللحم على العظم بذلك الرضاع، فهذا هو الذي يحرم. الرضاع من جملة ما بحث فيه العلماء؛ لأن الله تعالى ذكره بقوله: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [النساء:٢٣] ، والبحث فيه مشهور وأدلته واضحة، وقد جاءت متنوعة في هذه الأحاديث، وأخبر النبي ﷺ أنه يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب، فقالوا: كل قريب يحرم من النسب فإنه يحرم مثله من الرضاعة، فزوج المرأة يسمى أباً من الرضاع، وأولاد المرضعة يسمون إخوة من الرضاع، وإخوان المرضعة أخوال الرضيع، وأخواتها خالات الرضيع، وكذلك أقارب الزوج، فإخوته يصيرون أعماماً للرضيع؛ لأنهم إخوة أبيه، وهكذا بقية الأقارب عملاً بهذا الحديث.

стр. 879

شرح حديث: (كيف وقد زعمت أن قد أرضعتكما) قال المؤلف رحمنا الله تعالى وإياه: [عن عقبة بن الحارث ﵁ (أنه تزوج أم يحيى بنت أبي إهاب، فجاءت أمة سوداء فقالت: قد أرضعتكما، فذكرت ذلك للنبي ﷺ ، قال: فأعرض عني، قال: فتنحيت فذكرت له، قال: وكيف وقد زعمت أن قد أرضعتكما؟ فنهاه عنها) . وعن البراء بن عازب ﵁، قال: (خرج رسول الله ﷺ -يعني من مكة- فتبعته ابنة حمزة تنادي: يا عم، فتناولها علي فأخذ بيدها وقال لـ فاطمة: دونك ابنة عمك، فاحتملتها، فاختصم فيها علي وزيد وجعفر، فقال علي: أنا أحق بها وهي ابنة عمي، وقال جعفر: ابنة عمي وخالتها تحتي، وقال زيد: ابنة أخي، فقضى بها النبي ﷺ لخالتها، وقال: الخالة بمنزلة الأم، وقال لـ علي: أنت مني وأنا منك، وقال لـ جعفر: أشبهت خَلقي وخُلقي، وقال لـ زيد: أنت أخونا ومولانا) ] . الحديث الأول يتعلق بالرضاعة، والشهادة فيه، والحديث الثاني يتعلق بالحضانة: وهي كفالة الطفل وتربيته. ذكر في حديث عقبة، أنه لما تزوج هذه المرأة التي يقال لها: أم يحيى بنت أبي إهاب؛ جاءت أمة مملوكة سوداء، وادعت أنها أرضعت عقبة، وأرضعت المرأة التي تزوج بها، وأنها أصبحت أماً لهذا ولهذه، فيكونان أخوين من الرضاعة، فأنكر ذلك عقبة، ولم يكن قد سمع هذا منها، واتهمها بأنها تريد أن تفرق بينهما، فلم يجرؤ على أن يرد عليها، ولكنه ركب راحلته من مكة إلى المدينة، فقدم على النبي ﷺ وسأله، وذكر له أنها تكذب، وأنه لا يعرف ذلك من قبل، ولكن النبي ﷺ أقرها على ما تدعي، وجعل الأمر راجعاً إليها، وقال: (كيف وقد زعمت أن قد أرضعتكما؟ دعها عنك) ، فعند ذلك فارقها عقبة، وتزوجت غيره، فأخذوا من هذا الحديث: أولاً: أن الرضاع يحرم ولو لم يكن من أم أحد الولدين، فإذا رضعت من امرأة ليست أمك، ورضع منها زيد وليست أمه، صرت أنت وزيد أخوين من الرضاع، لا تحل لك بنته ولا تحل له بنتك، مع أنك لست أخاً له من النسب، ولم ترضع من أمه، ولم يرضع من أمك، وإنما اجتمعتما في رضاع امرأة أجنبية أرضعتكما. ثانياً: أن الرضاع يرجع فيه إلى المرضعة، إذا ادعت ذلك فإنها تصدق؛ وذلك لأنه يورث شبهة، فإذا ادعت أنها أرضعت فإن هذا الكلام يورث شبهة؛ فلأجل ذلك تُتجنب الشبهات؛ لقوله: (ومن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه) . كذلك أيضاً: لا شك أن هذه المرأة لم يتهمها عقبة إلا بتهمة أنها تريد الفراق بينهما، ولم يذكر أنه جرب عليها كذباً، ولا أنها ذات حسد، فلعلها لما سمعت بأنه تزوجها خافت أن يكون بينهما شيء من العلاقة مع تحريم، فأبدت ما عندها، وأظهرت أنهما ولداها من الرضاع، فهذا رضيع منها، وهذه رضيعة منها، فقُبل قولها، وقد عرفت حد الرضاع، فلا بد أنها عرفت أن الرضاع المحرم هو خمس، ولا بد أنها عرفت أن الرضاع المحرم ما كان في الحولين، وأنها ما أقدمت على الحكم بأنهما ولداها من الرضاع إلا وقد عرفت الحكم وتيقنت، فيقبل قولها.

стр. 880

قبول قول المرأة الواحدة في الرضاع يقول العلماء: إذا ادعت امرأة أنها أرضعت هذه المرأة وزوجها، قبل قولها ولو كانت واحدة، أخذاً من هذه القصة، وإذا كانت كاذبة فكما قال تعالى: ﴿وَإِنْ يَكُ كَاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ﴾ [غافر:٢٨] ، فإذا كانت كاذبة فإنها تستحق العقوبة في الآخرة، وربما تعجل لها العقوبة في الدنيا إذا فرقت بين زوجين وهي كاذبة، فتصيبها دعوة مظلوم، وقد يعرف كذبها بقرائن، ولكن لا يُعمل بالقرائن بل يعمل بقولها اتقاءً للشبهات. روي عن ابن عباس أنه قال: إن كانت كاذبة لا تتم السنة حتى تبيض ثدياها. يعني: عقوبة لها يصيبها في ثدييها برص يكون سبباً في عدم قبول أحد لثدييها، وهذا وإن لم يكن مطرداً لكن قد يكون واقعاً في بعض الأحيان.

стр. 881

شرح حديث: اختصام علي وجعفر وزيد في ابنة حمزة الحديث الثاني: يتعلق بقصة ابنة حمزة، وقد تقدم أن علياً عرضها على النبي ﷺ أن يتزوجها، ولكن أخبر رسول الله ﷺ أنها لا تحل له؛ لأن حمزة أخوه من الرضاعة، رضع هو وحمزة من ثويبة مولاة أبي لهب، فهذا حكم: وهو أنها ابنة أخيه من الرضاع، ومع ذلك لم يطالب بحضانتها. فلما قتل حمزة ﵁ سنة ثلاث من الهجرة في وقعة أحد كانت ابنته عمارة في مكة، وكانت صغيرة مع أمها، ولما قدم النبي ﷺ ومن معه في سنة سبع مكة في عمرة القضية، ثم خرجوا من مكة تبعتهم ابنة حمزة تنادي وتقول: يا عم! يا عم! وذلك لأنها قد كبرت عن سن الحضانة، تجاوزت عشر سنين أو نحوها، فأرادت أن تكون مع أهلها، وأمها وأخوالها كانوا لا يزالون مشركين. والحاصل أنها لما تبعتهم أركبها علي ﵁ مع زوجته فاطمة على بعيرها، وقال: دونك ابنة عمك، وذهبوا بها إلى المدينة، فطلب كفالتها هؤلاء الثلاثة، كل منهم يريد أن تكون تحت كفالته؛ ليأخذ أجرها لكونها يتيمة، فـ علي ﵁ يقول: هي بنت عمي، فإنه حمزة عمه وهو عم جعفر وعم النبي ﷺ ، وفاطمة ابنة ابن عمها كأنه يقول: أدلي بقرابتي لها وقرابة امرأتي. أما جعفر فأدلى أيضاً بحجتين وهو أنها بنت عمه، وأن زوجته خالتها أخت أمها، وزوجته هي: أسماء بنت عميس، فطلبها جعفر أيضاً، وكذلك طلبها مولاهم زيد بن حارثة، وكان النبي ﷺ قد آخى بينه وبين حمزة فقال: ابنة أخي، يعني: بالمآخاة، ولكنه ﷺ جعلها تحت كفالة خالتها وكفالة ابن عمها جعفر وقال: (الخالة بمنزلة الأم) الكفالة هنا إنما هي النفقة، وإلا فالحضانة قد ذهب وقتها، الحضانة تكون قبل السبع السنين، وأما بعد سبع سنين فإنه لا يحتاج الطفل إلى حضانة، ولكن لما كانت يتيمة أراد كل من هؤلاء الثلاثة أن يحظى بكفالتها وبالنفقة عليها. قوله ﷺ لـ علي: (أنت مني وأنا منك) يعني: أنت لك الفضل ولك القرابة، القرابة لكونه ابن عم، والقرابة لكونه صهراً، والقرابة لكونه قديم الإسلام، ولكونه قديم الهجرة. وقوله لـ جعفر: (أشبهت خَلقي وخُلقي) فيه فضل عظيم لـ جعفر ﵁. وقال لـ زيد: (أنت أخونا ومولانا) ، فأرضى كل واحد منهم بهذا الأمر، وبكل حال فهذا دليل على تنافس الصحابة ﵃ في فعل الخير، ومسابقتهم إليه، وأن كلاً منهم يحرص على أن يكون من السابقين إلى الخيرات، وأن يكون من الذين يحظون بالأجر في كفالة اليتيم؛ لقوله ﷺ : (أنا وكافل اليتيم كهاتين) أي: في الجنة، يعني: بعضنا يكون مع بعض في الجنة فأشار بأصبعيه السبابة والتي تليها، وفرق بينهما شيئاً. وقد أمر الله تعالى بالإحسان إلى اليتامى، وبمراعاتهم، ونهى عن إضرارهم، وقال: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنْ الْمُصْلِحِ﴾ [البقرة:٢٢٠] .

стр. 882

شرح عمدة الأحكام [٦٦] جاءت هذه الشريعة بالعدل وأمرت بالعدل، وأحكامها كلها عدل، ومن ذلك أنها أوجبت القصاص في النفوس والأطراف، وفي ذلك حكم عظيمة ومصالح عديدة.

стр. 883

شرح حديث: (لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث) قال المصنف رحمنا الله تعالى وإياه: [كتاب القصاص: عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة) . وعنه أيضاً ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (أول ما يقضى بين الناس يوم القيامة في الدماء) . وعن سهل بن أبي حثمة قال: (انطلق عبد الله بن سهل ومحيصة بن مسعود إلى خيبر وهي يومئذ صلح، فتفرقا، فأتى محيصة إلى عبد الله بن سهل وهو يتشحط في دمه قتيلاً، فدفنه ثم قدم المدينة، ثم انطلق عبد الرحمن بن سهل وحويصة بن مسعود إلى النبي ﷺ ، فذهب عبد الرحمن يتكلم، فقال له النبي ﷺ : كبر كبر، وهو أحدث القوم؛ فسكت، فتكلما، فقال: أتحلفون وتستحقون دم قاتلكم أو صاحبكم؟ قالوا: وكيف نحلف ولم نشهد ولم نر؟ قال: فتبرئكم يهود بخمسين يميناً، فقالوا: كيف نأخذ بأيمان قوم كفار؟ فعقله النبي ﷺ من عنده) وفي حديث حماد بن زيد: فقال رسول الله ﷺ : (يقسم خمسون منكم على رجل منهم فيدفع برمته، فقالوا: أمر لم نشهده كيف نحلف؟ قال: فتبرئكم يهود بأيمان خمسين منهم، قالوا: يا رسول الله! كيف نأخذ بأيمان قوم كفار؟) وفي حديث ابن عبيد: (فكره رسول الله ﷺ أن يبطل دمه، فوداه بمائة من إبل الصدقة) ] قوله ﷺ : (لا يحل دم امرئٍ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة) وصفه بأنه مسلم، وأنه يشهد الشهادتين، فإذا أسلم لله تعالى، واستسلم لأمره، وأقر بالشهادتين؛ عصم دمه، وعصم ماله، وحرم قتله وإراقة دمه، وحرم قطع طرفه، وحرم شجه أو جرحه، وحرم الاعتداء عليه؛ لأنه عصم دمه بهذه العقيدة، وبهذا الدين، إلا بثلاثة أشياء: الأول: إذا زنى وهو محصن، والإحصان: هو كونه قد تزوج زواجاً صحيحاً، ودخل بزوجته، ثم بعد ذلك زنى، فهذا ثيب، فيقتل إن زنى بأن يرجم حتى يموت، فهذا سبب أباح دمه، وهو زناه مع الإحصان. الثاني: إذا قتل بريئاً قتل به، لقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ﴾ [البقرة:١٧٨] فمن قتل شخصاً مكافئاً له قتل به، فمن قتل رجلاً مسلماً قُتل به، وكذا لو قتل امرأة مسلمة قتل بها. الثالث: (التارك لدينه المفارق للجماعة) فهذا يباح قتله، ويسمى مرتداً، أو مبتدعاً بدعة مكفرة تلحقه بالردة، فهذا يقتل ولو أقر بالشهادة؛ لأنه أتى بما يبطلها، فمن ترك دينه بعبادة القبور حل قتله، وكذلك من ترك الصلاة وأصر على تركها قتل، وكذلك من منع الزكاة، وكذلك من استحل شيئاً من الحرام، من استحل الزنا وجعله مباحاً، أو استحل الربا، أو استحل الخمر، أو نحو ذلك؛ أُبيح قتله؛ لأنه أتى بمبرر وهو ترك دينه. وكذا إذا فارق جماعة المسلمين وإمامهم وسوادهم الأعظم، فارقهم وأصبح شاذاً، فإنه يقاتل إلى أن يرجع إلى معتقد المسلمين، وجماعة المسلمين هم الذين على عقيدة السلف ولو كانوا أقل من غيرهم.

стр. 884

شرح حديث: (أول ما يقضى بين الناس يوم القيامة في الدماء) الحديث الثاني: قوله ﷺ : (أول ما يُقضى بين الناس يوم القيامة في الدماء) يوم القيامة يكون فيه الحساب، فتوزن أعمال العباد السيئات والحسنات، وتقابل هذه بهذه، ويحاسب العبد على أعماله التي تخصه، فيحاسب على صلاته، ما نقص وما أتم فيها، ويحاسب على زكواته، وعلى أذكاره، وعبادته، وجميع حسناته وسيئاته، ثم إذا انتهى من الحساب الذي بينه وبين ربه، عند ذلك ينظر فيما بينه وبين الناس من المظالم، فلا بد أن يحاسب عليها، وأن ينظر فيها، مظلمة في مال، مظلمة في عرض، مظلمة في حرمة، مظلمة في سباب، أو قذف مظلمة في إراقة دم، في إزهاق نفس، وفي قطع طرف، وفي شجة أو نحو ذلك، هذه كلها مظالم بين العباد، أول ما يُنظر في الحقوق التي بين العباد الدماء، يعني: القتل أو ما يقرب من القتل، فإذا كان بين الناس مظالم بدئ بالقتل ونحوه قبل المظلمة في المال، وإذا كان هذا الإنسان قد قتل وسرق وانتهك حرمة، فيؤخذ حق المقتول منه قبل كل شيء، قبل أن يؤخذ منه حقوق المال ونحوها، وهذا دليل على عظم شأن القتل؛ لأنه اعتداء على روح مسلم بغير حق، وإراقة لدمه بغير مبرر، فقدم على غيره.

стр. 885

شرح حديث: (إن الله قد حبس عن مكة الفيل) قال المصنف رحمنا الله تعالى وإياه: [عن أبي هريرة ﵁ قال: (لما فتح الله تعالى على رسوله ﷺ مكة، قتلت خزاعة رجلاً من هذيل بقتيل كان لهم في الجاهلية، فقام النبي ﷺ فقال: إن الله قد حبس عن مكة الفيل، وسلط عليها رسوله والمؤمنين، ألا وإنها لم تحل لأحد قبلي، ولا تحل لأحد بعدي، وإنما أحلت لي ساعة من نهار، وإنها ساعتي هذه حرام، لا يعضد شجرها، ولا يختلا شوكها، ولا تلتقط ساقطتها إلا لمنشد، ومن قتل له قتيل فهو بخير النظرين: إما أن يقتل، وإما أن يفدى، فقام رجل من أهل اليمن يقال له: أبو شاه فقال: يا رسول الله! اكتبوا لي، فقال رسول الله ﷺ : اكتبوا لـ أبي شاه، ثم قام العباس فقال: يا رسول الله! إلا الإذخر فإنا نجعله في بيوتنا وقبورنا، فقال رسول الله ﷺ : إلا الإذخر) ] . هذا الحديث يتعلق بالقصاص، وفي هذه القصة أن النبي ﷺ غزا مكة في سنة ثمان بعد أن قواه الله تعالى ونصره، وآمن معه من آمن، فاجتمع معه عشرة آلاف، وتوجه بهم إلى مكة بسبب نقضهم العهد الذي تعاهدوا عليه في سنة ست في الحديبية، ولما غزاهم ودخل مكة، أحل الله له القتال فيها، فقاتلوا فيها من أول النهار إلى قرب العصر، ثم بعد ذلك استسلم أهل مكة وأمنهم، واستتب الأمن ولم يعد يقاتلهم. ولما أسلم أهل مكة واطمأنوا، ودخل الناس في مكة، واجتمع بعضهم مع بعض، كان هناك بعض من الجاهليين الذين معهم شيء من حمية الجاهلية، ومن العادات القديمة التي منها الأخذ بالثأر، فكانت قبيلة خزاعة قد قُتل منهم قتيل في الجاهلية، قتلته هذيل، وقيل: إن هذيلاً هي التي كان لها قتيل، فقتلت خزاعة هذلياً، أو قتلت هذيل خزاعياً، وقالوا: ما دام أن مكة زالت حرمتها؛ فلماذا لا نأخذ بالثأر؟ واعتقدوا أن حرمة مكة إنما هي في الجاهلية، وأنها ليست بلدة محرمة، وأنه يجوز أخذ الثأر فيها، ويجوز القتال فيها، فقتلوا القتيل فأخطئوا خطأين: الخطأ الأول: الأخذ بالثأر الجاهلي. الخطأ الثاني: استحلال القتال في البلد الحرام. فلما فعلوا ذلك غضب النبي ﷺ ، وخطب هذه الخطبة في المسجد الحرام، فأخبر بأن هذا البلد حرام حرمه الله تعالى منذ خلق السماوات والأرض، وأنه لا يزال على حرمته، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِناً﴾ [آل عمران:٩٧] ، وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [القصص:٥٧] (حرماً آمناً يجبى إليه) أي: يجلب إليه الثمرات من كل البلاد، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا﴾ [النمل:٩١] البلدة هي مكة، أن أعبد الله حيث إنه حرم هذه البلدة، فهذه الآيات ونحوها تدل على أن هذا البلد الذي هو مكة له أهميته، وله منزلته، وأنه باق على حرمته. والحاصل أنه ﷺ أنكر على هؤلاء الذين قتلوا في مكة، وقد ثبت أيضاً أنه ﷺ خطب خطبة بليغة في حجة الوداع في عرفة، وكان من جملة ما ذكره أنه قال: (إن دماء الجاهلية موضوعة تحت قدمي هاتين، وأول دم أضعه دم بني هاشم) أي: رجل من بني هاشم قتلته هذيل، فوضع دماء الجاهلية، ونعرات الجاهلية، والعادات الجاهلية، فعرف بذلك أن القتل في المسجد الحرام، والقتال فيه؛ لا يجوز، وإذا قيل: إن النبي ﷺ قد أبيح له القتال فيها؟ ف الجواب أن الله أباحه لنبيه، وأذن له ولم يأذن لغيره كما في هذا الحديث، يقول ﷺ : (إن الله حبس عن مكة الفيل، وسلط عليها رسوله والمؤمنين) لما جاء أصحاب الفيل ليستبيحوا حرمة هذا البلد؛ حبسهم الله وردهم ﴿وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبَابِيلَ * تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ﴾ [الفيل:٣-٤] ، أما النبي ﷺ فإن الله سلطه عليهم لما أصروا على الكفر، واستمروا عليه، واستباحوا البلد الحرام بأن جعلوه بلاد كفر وشرك، وردوا الرسالة النبوية، فأمره أن يقاتلهم، وأحل له القتال في هذا البلد هذا اليوم، ثم بعد ذلك عادت حرمة هذا البلد كما كانت، فأخبر أنه عادت حرمته اليوم كحرمته بالأمس، وأخبر أنه يحرم فيه سفك الدماء والقتال؛ وذلك لحرمة المكان، والذي يقتل فيه يعتبر قد فعل جرمين: الأول: أنه سفك دماً حراماً بغير حق، ولو كان مظلوماً. الثاني: أنه تهاون بحرمة البيت الحرام وبحرمة البلد الحرام، فاستحل ما حرم الله.

стр. 886

حكم القصاص في الحرم أجاز العلماء القصاص في الحرم، فإذا قتل إنسان في المسجد الحرام، واستهان بحرمته فإنه يقتل ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة:٤٥] فجزاء قتله أن يقتل، وكذلك أجازوا أن تقام فيه الحدود، بل ويشدد فيها، فمن زنى داخل البلد الحرام جلد الحد إن كان بكراً، ورجم إن كان ثيباً، فيقام عليه الحد؛ لأنه امتهن حرمة البيت، وهكذا يقطع من سرق فيه، ويُجلد من شرب فيه خمراً، وهكذا من ارتد فيه يستحق القتل لردته، وما ذاك إلا أنه تهاون بهذا البلد الحرام، تهاون بحرمته، ولم يعرف قدره، فكان جزاؤه أن يشدد عليه في العقوبة، فيعاقب بعقوبتين، عقوبة جنايته، وعقوبة انتهاكه للبلد الحرام.

стр. 887

حرمة قطع شجر الحرم وتنفير صيده يحرم في مكة قطع الشجر، أخبر النبي ﷺ أنه لا يعضد شجرها، والمراد الشجر الذي أنبته الله، أما الذي ينبته ويغرسه الآدمي فإن له أن يقطع منه ما يريده، فإذا قدر أنه قطع منه شجرة محرمة فإن عليه فدية، إن كانت كبيرة ففيها بدنة، وإن كانت صغيرة ففيها شاة، وإن كان قطع منها أغصاناً فعليه بقدر ما نقص منها. وكذلك لا يختلى خلاها، والخلا هو العشب الذي ينبت منبسطاً على الأرض، وترعاه الدواب، يجوز أن تترك الدواب ترعى فيه سواء من الإبل أو البقر أو الغنم، وأما أن يختلى بمعنى: يُحش؛ فلا يجوز، ومن حشه فإن عليه فديته بقدر ما أخذ منه أو بقيمته يتصدق بها على مساكين الحرم. كذلك لا ينفّر صيدها لعموم قوله: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِناً﴾ [آل عمران:٩٧] ، ولعموم قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنْ النَّعَمِ﴾ [المائدة:٩٥] أي: قتل الصيد، وهو كل ما يقتنص ويصاد، فلا يجوز أن ينفر، ولا يجوز أن يُصاد. ويدخل في الصيد الطيور، ويدخل فيه الدواب المتوحشة التي تقتنص وتصاد، فإذا صاد فإن عليه جزاء. وقد بين العلماء مقدار جزاء الصيد في الكتب الفقهية والحديثية ونحوها، وإذا كان لا يجوز أن ينفر الصيد حتى يطير ولو عصفوراً أو حمامة أو نحو ذلك؛ فبالطريق الأولى لا يجوز أن يُذبح، ويستثنى من ذلك الذي يملك ولا يقال له: الصيد، كالدجاج أو البط من الطيور، وكذلك بهيمة الأنعام من الإبل والبقر ونحوها. واستثنى من ذلك الإذخر، وهو هذا النبات الذي يكون له أعواد دقيقة، وله رائحة طيبة، كانوا يقطعونه فيوقدون به، ويوقد به الحدادون، ويستعملونه عند سقف البيوت يسدون به الخلل، ويجعلونه بين اللبنات في القبور، فهم بحاجة إليه، فطلب العباس أن يرخص لهم في قطع وحش الإذخر، فرخص لهم في ذلك، وقال: (إلا الإذخر) .

стр. 888

(من قتل له قتيل فهو بخير النظرين) قوله ﷺ : (ومن قتل له قتيل فهو بخير النظرين، إما أن يقتل وإما أن يفدى) المعنى: أن الذي يُقتل ظلماً فإن أولياءه بالخيار، إما أن يأخذوا بالدية وإما أن يقتلوا القاتل، وليس لهم غير ذلك إلا إذا عفوا عفواً مطلقاً بدون دية وبدون قصاص، وهذا أفضل لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة:١٧٨] وقوله: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [البقرة:٢٣٧] ، فإذا عفوا فأجرهم على الله، وإذا طلبوا الحق فلهم الخيار بين أن يقتلوا ذلك القاتل وهو القصاص الذي قال الله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البقرة:١٧٨] ، وقال: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة:٤٥] ؛ وإما أن يأخذوا الدية التي قدرت بأنها مائة من الإبل في ذلك الزمان، أو بقدرها من القيمة في هذا الزمان، وتقدر الآن بمائة ألف ريال؛ لأن كل بعير بألف ريال. ليس لهم إلا ذلك، وليس لهم أن يقتلوا غير القاتل فإن هذا ظلم، فإذا هرب القاتل فلا يقتلوا أخاه، أو يقتلوا قريبه، فهذا ظلم، قال الله تعالى: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام:١٦٤] ، فكون الجاني قريباً لهذا لا يلزم أن يكون جانياً، أو يكون مذنباً، بل الجناية تتعلق بالمعتدي، فهو الذي يؤخذ منه الحق دون غيره، وهذا هو حكم الله تعالى. وقد شرع القصاص؛ لأجل الأمن، فتأمن البلاد ويأمن العباد؛ وذلك لأن من يريد أن يقتل إذا تذكر أنه سيقتص منه ارتدع عن القتل، ويقول: ما الفائدة من أن أقتل ما دمت سوف أقتل، ولو أنه سبني، ولو أنه قهرني؟ ما الفائدة من كوني أقتله وآخذ ماله، ثم سأُقتل بعد ذلك؟ فيحصل بذلك ارتداع عن القتل، وتخويف من هذه الفتنة الكبيرة، والذنب الكبير.

стр. 889

حكم طلب أحد الورثة للدية الخيار يكون للأولياء، فالأولياء هم الذين يختارون إما القتل وإما العفو وإما الدية، وإذا تعددوا فلكل منهم أن يختار، فإذا كان أولاده ذكوراً وإناثاً، فطلب أحدهم الدية، أجبروا بأخذها كلهم ولو طلب أكثرهم القصاص، وما ذاك إلا لأن القصاص لا يتجزأ، ولا يمكن أن يعطى هذا نصيبه ويقتص لأجل نصيب الآخرين، ولو كان الذي طلب الدية زوجة له، ولو كانت ابنة له، ولو كانت قريبة للقاتل، ما دام أن لها حقاً في الدية فإن لها طلب الدية، وعند ذلك تُعطى نصيبها من الدية، ويجبر الباقون على أن يأخذوا الدية، ويتركوا القصاص الذي لا يتجزأ. كذلك يجوز أن يعفو بعضهم عفواً مطلقاً، ويأخذ الباقون نصيبهم من الدية، فمن أسقط نصيبه من الدية وطلب الأجر فله أجره، والبقية الذين لم يسقطوا نصيبهم يأخذوه كاملاً أو يأخذوا ما طلبوه. والدية قدرت بمائة من الإبل، وإذا طلبوا القصاص كلهم، أو طلبوا مالاً كثيراً فإن لهم ذلك، وقد روي أن بعض الصحابة عرضوا على أولياء المقتول أربع ديات، وقالوا: له: نعطيك ديتين؟ فقال: لا أريد إلا القصاص، فقالوا: نعطيك ثلاث ديات؟ فقال: لا أريد إلا القصاص، فقالوا: نعطيك أربع ديات؟ فقال: لا أريد إلا القصاص، فلما أصر على ذلك مكنوه من القصاص وقال: لو أعطيتموني عشرين دية لما قبلت، وهذا يدل على أنه يجوز أن يزاد في الدية، ولكن هذا يسمى صلحاً عن الدم، وكأن القاتل يشتري نفسه، يقول: لا تقتلوني وأنا أعطيكم أكثر من الدية، أو يقول أهله وعصبته: نحن نشتريه منكم بما تطلبون، ولو طلبتم خمس ديات أو ست ديات أو عشر ديات أو نحو ذلك، فيجوز أن يصطلحوا على أكثر من الدية، ولكن الأولى العفو والصلح، والإنسان إذا عفا وأصلح فأجره على الله.

стр. 890

شرح حديث دية الجنين قال المصنف رحمنا الله وإياه: [عن عمر بن الخطاب ﵁: (أنه استشار الناس في إملاص المرأة، فقال المغيرة: شهدت النبي ﷺ قضى فيه بغرة عبد أو أمة، فقال: لتأتين بمن يشهد معك! فشهد معه محمد بن مسلمة) إملاص المرأة: أن تلقي جنينها ميتاً. وعن أبي هريرة ﵁ قال: (اقتتلت امرأتان من هذيل، فرمت إحداهما الأخرى بحجر فقتلتها وما في بطنها، فاختصموا إلى رسول الله ﷺ ، فقضى رسول الله ﷺ : أن دية جنينها غرة عبد، أو وليدة، وقضى بدية المرأة على عاقلتها، وورثها ولدها ومن معهم، فقام حمل بن النابغة الهذلي وقال: يا رسول الله! كيف أغرم من لا شرب، ولا أكل، ولا نطق، ولا استهل، فمثل ذلك يطل؟! فقال رسول الله ﷺ : إنما هو من إخوان الكهان) من أجل سجعه الذي سجع. وعن عمران بن حصين رضي الله تعالى عنه: (أن رجلاً عض يد رجل، فنزع يده من فمه فوقعت ثنيتاه، فاختصموا إلى النبي فقال: يعض أحدكم أخاه كما يعض الفحل! لا دية لك) ] .

стр. 891

مقدار دية الجنين تتعلق هذه الأحاديث بالديات وبالجنايات، ففيها دية الجنين إذا جني على أمه فسقط ميتاً ولم يتحرك بعد موته، أما إذا سقط حياً وتحرك حركة حي ثم مات، وكان سبب موته هو الجناية فإن فيه الدية كاملة، أي: ديته إن كان ذكراً دية رجل، وإن كان أنثى دية امرأة، وأما إذا مات في بطنها أو سقط قبل تمام مدته ومات أو سقط ميتاً فإن فيه غرة عبد أو أمة. والغرة هي بياض الوجه كما في قول أبي هريرة (فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل) ، وقوله ﵊: (إن أمتي يدعون يوم القيامة غراً محجلين) فالغرة: بياض الوجه، لكن هنا أطلق الغرة على العبد المملوك أو الأمة المملوكة، فكأنه قال: دية الجنين إذا سقط بجناية فيه عبد أو أمة، وفي هذه الأزمنة: يقلّ وجود عبد أو أمة، ولو قدر وجودهما في بعض البلاد فإن ثمنهما رفيع، بل كان ثمن العبد قبل إلغاء الرق في هذه البلاد أرفع من دية الحر، ولكن العلماء في الزمن الأول قدروا الغرة، واستمروا على تقديره، فقالوا: الغرة التي هي عبد أو أمة قيمتها خمس من الإبل، ولا تزال هذه قيمتها، فالآن إذا سقط الجنين بسبب جناية بأن ضرب رجل بطن امرأة فأسقطت، أو حصل حادث بسببه كحادث اصطدام أو انقلاب فأسقطت المرأة، وحكم عليه بالدية، فإنه يحكم عليه بخمس من الإبل، وسواء كان السقط قد تخلق أو لم يتخلق، ما دام أنه حمل، وسواء طالت مدة الحمل أم لا، فإذا مات في بطنها سواء كان في الشهر التاسع أو الرابع أو الثاني وسقط ميتاً فديته خمس من الإبل، والإبل في هذه الأزمنة تقدر الواحدة بألف، فتكون دية الجنين خمسة آلاف ريال.

стр. 892

شرح حديث: (أن امرأتين من هذيل اقتتلتا) حديث أبي هريرة: (أن امرأتين من هذيل اقتتلتا) أي: تشاجرتا وتخاصمتا (فضربت إحداهما الأخرى بحجر) وفي رواية: (بعمود فسطاط) (فقتلتها وما في بطنها) كانت المقتولة حاملاً، بعض الرواة يقول: إنها رمتها بحجر أصابت بطنها فماتت وجنينها، وبعضهم يقول: ضربتها بعمود فسطاط، والفسطاط الخيمة، وكانوا يجعلون عند مدخلها عموداً يعني: عصا أو عصاتين يرفعان المدخل حتى يدخل منه، وليس المراد العمود الذي في وسط الخيمة الذي ترتفع عليها، فإن تلك يصعب حملها، ففسروا عمود الفسطاط بالعصا التي تكون عند المدخل، وهي عصاً دقيقة يستطيع الواحد أن يحركها ويضرب بها، ولو كان بعمود خيمة كبيرة لكان القتل عمداً، لكن هذا قتل شبه العمد، وهو القتل بالشيء الذي لا يقتل غالباً، فإن الضربة الواحدة بعصا لا تقتل في الغالب إلا إذا صادفت مقتلاً، أو إذا كرر الضرب على موضع واحد، أو ضرب بشدة وبقوة وكان قوي الضرب، أو نحو ذلك، ولكن المعتاد أن العصا المحمولة التي يحملها الإنسان بيده ويتوكأ عليها إذا ضرب بها إنساناً فالغالب أن هذه الضربة لا تصل إلى القتل، ولكنها تردي، ولكن صادف أن هذه العصا قتلت المرأة، وقتلت ما في بطنها، فترافعوا وتحاكموا إلى النبي ﷺ ، فجعل هذا القتل شبه عمد، ولم يجعله عمداً حتى يقتص من القاتلة، بل جعله شبه عمد، وجعل الدية على العاقلة، والعاقلة: هم قرابة الجاني، أي: تحمل تلك الدية أقارب المرأة القاتلة.

стр. 893

دية الخطأ وشبه العمد على العاقلة اتفق العلماء على أن دية الخطأ ودية شبه العمد تكون على العاقلة؛ حتى لا يتحمل القاتل أشياء عليه فيها ضرر، فإنه قد يعجز مع عذره، ومعلوم أنه معذور حيث إنه لم يتعمد، وبالأخص إذا كان مخطئاً، وقد يحصل موت كثير بسبب الخطأ، كالانقلاب والاصطدام ونحوه، فقد يموت معه عشرة أو عشرات، ولو تحمل ديتهم وحده لعجز، فمما جاءت به الشريعة أن خففت عنه، وجعلت عليه جزءاً يسيراً من الدية أو لم يجعل عليه شيء، وجعلت على عاقلته الذين هم أقاربه. ولما كانت الدية تحملها العاقلة، والعاقلة ما جنت، قسمت على ثلاث سنين، ويكون عليهم في كل سنة ثلثها، فتفرق على إخوة القاتل وبنيهم، وأعمامه وأبناء عمه، وأبناء عم أبيه وبنيهم، وهكذا إلى الجد الخامس أو الجد السادس، وربما إلى الجد السابع أو الثامن إذا قلوا، فتقسم الدية عليهم، هذا معنى تحمل العاقلة لدية الخطأ ودية شبه العمد. في هذا الحديث حكم بالدية على العاقلة، وحكم بدية السقط غرة عبد أو أمة، وأن الذي يحمله نفس الجاني، العاقلة لا تحمل الصلح، ولا تحمل الإقرار، ولا تحمل العمد، ولا تحمل ما دون الثلث؛ فلذلك أنكر ولي المرأة أن يفدى هذا السقط، وتكلم بهذا الكلام، وهو قوله: كيف نفدي من لا أكل، ولا شرب ولا استهل، فمثل ذلك يطل؟ هكذا تلفظ، فقال النبي ﷺ : (إنما هذا من إخوان الكهان) من أجل سجعه الذي سجع، ومعروف أن الكهان يتعاطون السجع في كلامهم، ويحرصون على الكلام المتوازن، وهذا فيه سجع كما سمعنا: كيف نفدي من لا أكل، ولا شرب، ولا استهل، فمثل ذلك يطل؟ يعني: الجنين ما أكل، مات قبل أن يحتاج إلى الأكل، ولا شرب، ولا استهل عندما ولد أي: ما ظهر أنه استهل، واستهلال المولود هو أن يصيح ساعة ولادته، فهذا ما استهل، فمثل ذلك يطل يعني: يهدر، ويترك، ويهمل، ولا يكون له دية، فالنبي ﷺ أنكر عليه كلامه وقال: (إنه من إخوان الكهنة) .

стр. 894

شرح حديث: (يعض أحدكم أخاه كما يعض الفحل ؟) في حديث عمران أن رجلين تقاتلا، وكان أحدهما مولى لـ يعلى بن أمية، وحصل أن أحدهما قاتل بفمه، فقبض بأسنانه وبثنيته على أصابع الآخر، وعض عليها بشدة، ولما أحس الآخر بحرارة العض وبحرارة الأسنان لم يجد بداً من أن ينتزع يده بقوة انتزاعاً شديداً، وكان من آثار انتزاعه أن سقطت ثنية العاض، ولما سقطت كانت هذه جناية، والثنية فيها دية، فترافعا إلى النبي ﷺ ، وطلب دية ثنيته، مع أنه لا بد أنه جرح أصابع ذلك الذي عضه، فلما أخبره بالقصة، لم يلم الذي انتزع يده، فمعلوم أنه لا يضع يده ولا يلقيها في فم ذلك العاض، فلا بد أن ينتزعها، ولا لوم عليه إذا انتزعها وقد أحس بحرارة أثر الأسنان، وأهدر دية تلك الثنية، وقال: (لا دية لك) أي: أنت الجاني؛ حيث إنك استعملت العض بالأسنان، فأنت الذي جنيت، فلا دية لك ولا قصاص، والله تعالى قد أخبر أن في السن قصاص، قال تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنفَ بِالأَنفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ﴾ [المائدة:٤٥] ، فلو أن إنساناً جنى على آخر بأن ضربه في فمه حتى أسقط سناً أو أسناناً، سواء بيده أو بدبوس أو بعصاً لها رأس كبير أو ضربه بحجر؛ فكسر سناً أو قلعه؛ فإن فيها القصاص إذا كان عمداً، وفيها الدية إذا كان خطأ، القصاص السن بالسن، والدية في كل سن خمس من الإبل، أي: الأسنان المتقدمة، وفي الأسنان الوسط والمتأخرة ثلاث أو اثنتان، فأما إذا كان هو الجاني، وهو المبتدي والمعتدي؛ فإنه لا دية له، وهكذا كل من تسبب في إضرار أخ له؛ ولم يجد بداً إلا أن يدفعه؛ فإنه لا دية فيما يحصل بالدفع؛ ولهذا ورد في حديث أنه ﷺ جاءه رجلٌ فقال: (إن جاءني رجل يريد أخذ مالي! قال: لا تعطه، قال: أرأيت إن قاتلني؟ قال: قاتله، قال: أرأيت إن قتلته؟ قال: هو في النار، قال: أرأيت إن قتلني؟ قال: أنت شهيد) لماذا أمره بقتاله؟ أمره بقتاله؛ لأنه ظالم معتد لطلبه أخذ مالك أو سفك دمك، أو الاعتداء عليك بغير حق، أو الاعتداء على محارمك، فلك أن تدفعه، فإذا رأيته يقاتل فقاتله، وإذا رأيته يخاصم فخاصمه، أو ينازع فنازعه، أو يشاجر فشاجره، فدافعه بما يندفع به، فإن لم يندفع إلا بقتله فلك قتله. روي أن لصاً دخل إلى بيت ابن عمر ﵁، ولما رآه ابن عمر شهر سيفه، وقال: دعوني أقتله، يقول الراوي: لولا أنّا دفعناه ومنعناه لقتله، واستدل بحديث: (من قُتل دون ماله فهو شهيد) . وبكل حال هذه القصة شبيهة بمن يدافع عن نفسه، وهي في عض الإصبع، ويلحق بذلك غيره من أنواع الاعتداء، فإذا اعتدى برمي حجر، فرد حجره عليه، ولو قاتل بعصا فلك أن ترد عصاه عليه، ولو قتل بها نفسه أو قتلته بها، وكذلك إذا قاتل بأظافره فإن لك أظافر دافعه بما يندفع به، ويسمى هذا الدفاع برد الصائل. ومعلوم أن الخصومات التي تحدث بين اثنين ويحصل بينهما شجار ونزاع، يكون من آثارها أنهما يتشادان، ويحصل من آثار المشادة قتال، وكل منهما يقاتل أو يدفع عن نفسه ويدافع، ويحصل من آثار هذه المشادة أن أحدهما قد يكون أقوى من الآخر، فإذا انفصل هذا النزاع رجع بعد ذلك إلى المقاصة والأرش، فتتقابل الجروح بعضها ببعض، هذا السن بهذا السن مثلاً، أو هذا الجرح بهذا الجرح، هذه الشجة بهذه الشجة، هذا العضو بهذا العضو، وينظر بعد ذلك في الزائد فيكون فيه إما قصاص وإما دية حيث يقتضيه العمد.

стр. 895

شرح حديث: (بادرني عبدي بنفسه، حرمت عليه الجنة) قال المصنف ﵀: [عن الحسن بن أبي الحسن البصري قال: حدثنا جندب في هذا المسجد وما نسينا منه حديثاً وما نخشى أن يكون جندب كذب على رسول الله ﷺ ، قال: قال رسول الله ﷺ : (كان فيمن كان قبلكم رجل به جرح فجزع، فأخذ سكيناً فجز بها يده، فما رقأ الدم حتى مات، قال الله : بادرني عبدي بنفسه حرمت عليه الجنة) ] . في هذا الحديث: أن هذا الرجل كان من الأمم السابقة، قتل نفسه؛ فعوقب بأن حُرِم ثواب الله تعالى وجنته. ذكر أنه كان به جراح في يديه أو في قدميه، فكأنه تألم من هذه الجراح واشتد عليه الوجع، ولما اشتد عليه الألم والوجع لم يتحمل ولم يصبر، فرأى أن السلامة قطع ذلك العضو أو تلك اليد أو الرجل التي فيها الجرح يريد أن يريح نفسه من هذا الألم والوجع الشديد الذي يحس به؛ ولكنه لما قطع ذلك العضو خرج الدم واستمر في خروجه إلى أن خرجت نفسه، فمات بسبب قطع يده أو قطع ذلك العضو الذي كان يؤلمه، مات بسبب نفسه، فحرمه الله تعالى ثوابه، فقال الله تعالى: (بادرني عبدي بنفسه، حرمت عليه الجنة) أي: سابقني بنفسه، وتسبب في قتل نفسه، ولم يتحمل هذا الألم الذي أنزلته به، فصار قتله لنفسه سبباً في حرمانه ثواب الله تعالى، وفي حرمانه الجنة. وهذا دليل على أن الإنسان لا يجوز له أن يتسبب في قتل نفسه الذي يسمى في هذه الأزمنة: الانتحار، يعني: كون الإنسان يقتل نفسه، إما لألم أو لهم أو غم أو لضيق حال أو ما أشبه ذلك، فإذا فعل ذلك تسبب في حرمان نفسه من ثواب الله تعالى، وأقدم على عقابه. وورد أيضاً أن رجلاً في عهد الصحابة يقال له: قزمان، كان يقاتل معهم في غزوة أحد، ذُكر للنبي ﷺ ، فقال: (إنه في النار) فشكُّوا في أمره، قاتل قتالاً شديداً في غزوة أحد، فلما كان في آخر أمره أصابته جراحة، فتألم من هذه الجراحة، فوضع سيفه في وسطه، وتحامل على السيف حتى خرق جوفه وخرق ظهره بالسيف، وقتل نفسه، فتبين صدق النبي ﷺ في أنه من أهل النار؛ لأنه قتل نفسه. فلما فعل ذلك الرجل ما فعل قال النبي ﷺ : (إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس وهو من أهل النار، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار فيما يبدو للناس وهو من أهل الجنة) . الأعمال بالخواتيم، فخاتمة هذا الرجل الذي كان مع الصحابة خاتمته لَمَّا قتل نفسه أن حُكم عليه بأنه في النار، فهذا يبين أن الذي يتسبب في قتل نفسه يعذب بهذا العذاب.

стр. 896

عذاب قاتل نفسه في الآخرة ورد عذاب شديد في حديث صحيح رواه مسلم وغيره أن النبي ﷺ قال: (من تردى من شاهق فقتل نفسه فهو يتردى في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً، ومن وجأ نفسه بحديدة فقتلها فهو يجأ نفسه -يعني: يطعن نفسه- في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً، ومن تحسى سُمَّاً -يعني: التهم سُمَّاً- فقتل نفسه فهو يتحساه في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً) . فهو تسبب في قتل نفسه، ونفسه ليست ملكاً له، بل هي ملك لله، وخالف ما تقتضيه الطباع، فالعادة أن الإنسان يحب نفسه ويكره الموت، ويؤثر الحياة، كما في قوله تعالى حكاية عن اليهود: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ﴾ [البقرة:٩٦] ، وقد ورد أنه ﷺ نهى عن تمني الموت بقوله: (لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به) والمراد بالضر هنا: عموم ما يضر الإنسان، سواء كان ضرراً بدنياًأو ضرراً قلبياً، أو ضرراً مالياً، فلا يتمنى الموت، فضلاً عن أن يتعاطاه بأن يحمل على نفسه ويقتلها. والسبب أنه قد يجزع في هذه الدنيا مما يصيبه من الألم، ويعتقد أنه إذا قتل نفسه أراحها من هذا الهم ومن هذا الغم الذي يلاقيه، وأنه لا يجد بعد ذلك شيئاً يؤلمه، وهذا خطأ كبير، وما ذاك إلا أنه ينتقل إلى ما هو أشد من هذا الألم الذي يحس به، ينتقل إلى غضب الله وعذابه، ينتقل إلى العذاب الشديد بدل العذاب السهل الخفيف الذي يمكن تحمله في الدنيا، سواءً كان هما ًأو غماً أو عذاباً بدنياً أو نحو ذلك.

стр. 897

الوعيد الشديد لمن قتل نفسه يكثر في هذه الأزمنة ما نسمعه من قصص الانتحار حيث يقتل أحدهم نفسه لأدنى سبب، إذا جاءه خبر يحزنه أو نحو ذلك قتل نفسه، أو إذا وقع به هم أو غم أو مضايقة أو نحو ذلك قتل نفسه بأي حيلة يقدر عليها، فمنهم من يطعن نفسه بحديدة، ويقطع بها مجاري الدم في حلقه إلى أن يموت، ومنهم من يقتل نفسه برصاص أو نحوه، ومنهم من يحرق نفسه، ومنهم من يسقط من عمارة على أم رأسه إلى أن يموت، لأدني شيء يؤلمه أو يحزنه أو نحو ذلك، لماذا هذا؟! يقولون عنه: إنه لا يتحمل الصبر على هذا الحزن أو على هذا الألم أو ما أشبه ذلك!! والواجب على الإنسان أن يصبر على ما يصيبه من أذىً أو على ما يصيبه من ألم أو نحو ذلك، وما ذاك إلا لأن الله تعالى يبتلي العباد في هذه الدنيا بأنواع من البلايا ابتلاءً واختباراً لهم، فمنهم من يُبتلى بالجوع والضيق والجُهد، ومنهم من يبتلى بالأمراض والعاهات في بدنه، ومنهم من يُسلط عليه بنو جنسه، ومنهم من يبتلى بالسجن والضرب والمضايقات ونحوها. فالواجب على الإنسان أن يصبر على ذلك، وأن يتحمل، وأن يرضى بقضاء الله تعالى وقدره، ولو عُذِّب ولو أوذي ولا يقول: إنني لا أتحمل، أريد أن أريح نفسي بالانتحار حتى أسلم من هذه الآلام والعذاب ونحوه. إنك تتعاطى ما لا يحل لك إذا انتحرت، إنك تتصرف في شيء لا تملكه، إن نفسك ملك لربك وليست ملكاً لك، إنك مأمور بالصبر والتحمل بقدر ما تستطيع، ولو أوذيت غاية الأذى، ولو وصل بك الأذى ما وصل، مأمور بأن تصبر على ذلك، وتعلم أن هذا فيه أجر كبير، فإذا صبرت عليه أثابك، فإما أن يكون هذا الذي أصابك ابتلاء بقوة الإيمان ولضعفه، فإذا صبرت صار إيمانك قوياً، وإما أن يكون عقوبة على ذنوب اقترفتها، فإذا صبرت على ذلك كُفِّرت تلك الذنوب بهذا البلاء وبهذه الأمراض والعاهات ونحو ذلك، وإما أن تكون تلك البلايا والمصائب ونحوها رفعاً لدرجاتك، ونحو ذلك من الأسباب. إذاً: المسلم إذا ابتُلي صبر كما ورد في الآثار: (عنوان سعادة العبد أنه إذا أعطي شكر، وإذا أذنب استغفر، وإذا ابتُلي صبر) أي: تحمل وصبر على ما يصيبه. أما هؤلاء الذين إذا حصل عليهم أدنى شيء بادر أحدهم وقتل نفسه، فمثل هؤلاء لم يتحملوا الصبر، ويزعمون أنهم يريحون أنفسهم، وما دروا أن أحدهم كالمستجير من الرمضاء بالنار، كالذي يفر من الرمضاء إذا أحرقت قدميه، ثم يقع في النار فتحرقه كله! وذلك أن عذاب الدنيا منقطع هين يمكن تحمله، أما عذاب الآخرة الذي هو سخط الله وعقوبته وعذابه الشديد فإنه دائم أبدي سرمدي.

стр. 898

من أحكام قاتل نفسه ذكروا أن من قتل نفسه فإن من عقوبته ألَّا يصلي عليه الإمام الأعظم أو الإمام العام، وما ذاك إلا للزجر عن هذا الذنب الذي اقترفه. كذلك أيضاً: إذا تُحُقِّق إمام المسجد أن القاتل قتل نفسه فليس له أن يصلي عليه، وأما الذين لم يعرفوا فلهم أن يصلوا عليه. أما أقاربه ومن له صلة فيصلون عليه، ويدعون له ويترحمون عليه، رجاء أن يخفف عنه هذا الذنب، ولو كان ذنباً كبيراً؛ لأن كثيراً من العلماء لم يخرجوه به من الإسلام، ولم يحكموا بكفره، وتأولوا الأحاديث التي فيها الوعيد الشديد عليه بأنها من باب الزجر والنهي عن مثل هذه الكبائر، ومن باب محافظة الإنسان على حرمة نفسه، وعلى حرمة المسلمين. ولا شك أن المسلم له حرمة، رُوي أن ابن عمر طاف مرة بالكعبة وقال: (ما أعظمك وأعظم حرمتك! وإن حرمة المؤمن أعظم عند الله من حرمتك) فالمؤمن له حرمة، ومن حرمته ألا يُتَعدَّى عليه، فإذا كان الله تعالى توعد من قتل نفسَاً بغير حق بأشد الوعيد، فكذلك الوعيد أيضَاً ينصب على من تسبب في قتل نفسه والعياذ بالله. فننتبه لمثل هذا، ونحذِّر هؤلاء الذين يتساهلون في الانتحار، وما أكثرهم! ولكنهم قليلون -والحمد لله- في البلاد الإسلامية، وإنما يكثرون في البلاد التي يكون الإسلام فيها ضعيفاً أو أنهم يقلدون الدول الكافرة الذين يقتل أحدهم نفسه بأدنى سبب يخالف ما يهواه. فالأخبار تنقل أن في دولة كذا وكذا: انتحر في هذا الشهر عدد كذا وكذا، قتلوا أنفسهم سواء كانوا رجالاً أو نساء ونحو ذلك، وإذا عرّفنا للناس خطأهم، وبعدهم عن العقل وعن الدين، انتبه الناس لمثل ذلك، فلا يفعل مثل ذلك إلا من هو مسلوب العقل والمعرفة والعياذ بالله.

стр. 899

شرح عمدة الأحكام [٦٧] جاءت الشريعة بحفظ النفوس والأموال والأعراض، وسدت كل طريق يوصل إلى انتهاكها، وقررت الأحكام الشديدة الزاجرة لكل من تسول له نفسه استباحتها، ومن أشد تلك الأحكام أحكام المحاربين الذين يفسدون في الأرض، فجزاؤهم أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض.

стр. 900

أحكام الحرابة والمحاربين قال المصنف رحمنا الله تعالى وإياه: [كتاب الحدود. عن أنس بن مالك ﵁ قال: قدم ناس من عكل أو عرينة فاجتووا المدينة، فأمر لهم النبي ﷺ بلقاح، وأمرهم أن يشربوا من ألبانها وأبوالها، فانطلقوا، فلما صحوا قتلوا راعي النبي ﷺ ، واستاقوا النعم، فجاء الخبر أول النهار؛ فبعث في آثارهم، فلما ارتفع النهار جيء بهم، فأمر بهم فقطعت أيديهم وأرجلهم، وسمرت أعينهم، وتركوا في الحرة يستسقون فلا يسقون. قال أبو قلابة: فهؤلاء سرقوا وقتلوا، وكفروا بعد إيمانهم، وحاربوا الله ورسوله. أخرجه الجماعة] . هذا الحديث في حكم المحاربين والحرابة، وقد ذكر المحاربون في القرآن، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الأَرْضِ﴾ [المائدة:٣٣] قال ابن عباس ﵁: (إن قتلوا وأخذوا المال قتلوا ثم صلبوا، وإن قتلوا ولم يأخذوا المال قتلوا ولم يصلبوا، وإن أخذوا المال ولم يقتلوا قطع من كل واحد منهم يد من جانب ورجل من جانب، وإن أخافوا السبيل نفوا من الأرض) . وقيل: إن نفيهم: أن يسجنوا في الحبس. والمحاربون هم: الذين يعترضون الناس في الطرق وفي البراري، فيعترضون المسافر فيقطعون عليه سيره، فإما أن يقاتلوه لأجل أن يأخذوا ما معه من مال إن كان، وإما أن يقصدوا فعل جريمة الزنا بمحارمه إذا كان معه محارم، وهكذا، فهؤلاء هم المحاربون. وقد دخل فيهم أهل هذه القصة، وفي هذه القصة: أن هؤلاء قوم -قيل: عددهم ثمانية من قبيلتين: قبيلة عكل، وقبيلة عرينة، وهما قبيلتان من قحطان ومن عدنان- جاءوا إلى المدينة وأظهروا أنهم أسلموا، وبايعوا النبي ﷺ ، ولما أقاموا في المدينة أياماً اصفرت ألوانهم، وتغيرت عليهم البيئة والمكان والطعام والشراب، وانتفخت بطونهم بمرض يسمى الجواء، فلما رأى تغير حالتهم رحمهم ورفق بهم، وعرف أنهم كانوا أهل دواب وأهل أغنام وأهل إبل، وقد عاشوا عليها، وأن أحسن حالهم أن يرجعوا إلى التغذي بألبان الإبل ونحوها، فأرسلهم إلى إبل الصدقة، وهي إبل كانت ترعى في طرف المدينة، وأمرهم أن يتغذوا بألبانها، ويتعالجوا بأبوالها، ويشربوا الأبوال علاجاً ودواءً، ويشربوا الألبان غذاء، ففعلوا، وذهبوا مع تلك الإبل، واستمروا في هذا العمل يشربون ويتعالجون حتى عادت إليهم صحتهم، وسمنوا وقووا. فعند ذلك بدا لهم أن يكفروا بعد إسلامهم، وأن يستبدوا بهذه الإبل التي وجدوا منها هذه المنفعة، فقتلوا الراعي الذي كان يرعى تلك الإبل -وكان راعياً مسلماً- ومثلوا به، فجدعوا أنفه، وفقئوا عينيه، وبقروا بطنه، وقطعوا أطرافه، ثم هربوا بالإبل، وصاروا بهذا محاربين لله ولرسوله، فجاء الخبر إلى النبي ﷺ بما فعلوه من هذا الجرم وكفران النعم، فبعث في آثارهم من يردهم، روي أن جرير بن عبد الله البجلي كان أميراً على السرية التي بُعثت في آثارهم، فأدركهم الطلب أثناء الطريق وهم هاربون مشتدون في الهرب، فأسروهم وجاءوا بهم، ولما جاءوا بهم -وكانت جريمتهم جريمة شنيعة- عاقبهم النبي ﷺ بعقوبة شنيعة تماثل جريمتهم، فقطع أيديهم وأرجلهم، وترك الدم يسيل منهم، أي: لم يحسمهم حتى يتوقف الدم، وأمر بمسامير من حديد فأحميت في النار، فكحلت بها أعينهم، وهو معنى: (سمل أعينهم) ، وكان ذلك عقاباً لهم؛ لأنهم فعلوا ذلك بالراعي، وتركهم في حرة المدينة يستسقون فلا يسقون حتى ماتوا، وهم على تلك الحال. روي أن الحجاج أمير العراق المشهور لما سمع هذا الحديث أخذ يستدل به على عقوبته لبعض المجرمين، ويقول: انظروا إلى عقوبة النبي ﷺ لهؤلاء الأشخاص، وما ذنبهم إلا أنهم أخذوا ذوداً من الإبل لا تساوي إلا عدة دنانير، فعاقبهم بهذه العقوبة الشنيعة، وقد لام بعض المحدثين من حدث الحجاج بهذا الحديث وبهذه القصة؛ لأنه صار يستدل بها على سفكه للدماء بأدنى شبهة، ولما اشتهر استدلاله بذلك اعتذر عن هذا الحديث أبو قلابة الذي روى هذا الحديث عن أنس فقال: هؤلاء -يعني: هؤلاء الذين أذنبوا هذا الذنب- سرقوا -أي: سرقوا الإبل- وقتلوا ذلك الراعي، وحاربوا الله ورسوله أي: نصبوا الحرب للرسول ﵊، وارتدوا بعد إسلامهم أي: كفروا؛ لأن فعلهم هذا ردة؛ حيث إنهم هربوا إلى الكفار، ففعلهم هذا ردة، أي: لم يبقوا على إسلامهم، فكانت هذه عقوبة لهم. وبلا شك أن المحارب الذي يقطع الطريق على المسلمين، ويقتل لأجل أخذ المال، وينهب المال بالقوة، ويفعل ما يقدر عليه؛ لا شك أن رده وصده واجب على المسلمين؛ حتى لا تكثر الفوضى، وحتى لا تشتد المنكرات، وحتى لا يكون الضعيف نهبة للقوي، وحتى لا تسفك دماء المسلمين، وتنتهك أعراضهم بالزنا والفواحش وما أشبهها، فلأجل ذلك يؤخذ على أيدي هؤلاء المحاربين، ويعاقبون بما يرتدعون به. ومن ذلك عقوبة هؤلاء المحاربين الذين في هذا الحديث، فإن من عقوبتهم: القتل؛ لأنهم قتلوا، فلما قتلوا ذلك الراعي بغير حق قتلوا، وقد اتفق جمهور العلماء على أن الجماعة إذا قتلوا واحداً قتلوا كلهم، وهؤلاء ثمانية قتلوا واحداً وهو الراعي، فقتلهم النبي ﷺ به قصاصاً، وإن كانوا قتلوا لأجل أنهم مرتدون، ولكن لما قتلوه قتلوا، ومثل بهم، والمثلة قد ورد النهي عنها، ولكن تجوز على وجه المقابلة، كما قال النبي ﷺ في حديث بريدة: (اغزوا ولا تغلوا ولا تغدروا، ولا تمثلوا) أي: لا تمثلوا بالقتلى يعني: لا تشوهوا منظر القتيل بقطع أنفه، أو بفك شدقيه، أو بفقأ عينيه، أو بقطع مذاكيره، أو ببقر بطنه، أو بإخراج كليته، أو نحو ذلك، فما دام أنه قتل ومات فلا تمثلوا به هذا التمثيل. ولكن إذا رؤي أن في ذلك زجراً لأمثالهم، وأنهم إذا رأوا هذا الفعل بهم انزجر أمثالهم فلا يفعلون كفعلهم؛ جاز بقدر الحاجة، والنبي ﷺ هنا مثل بهم، أي: فقأ أعينهم بهذا الحديد المحمي، وكذلك قطع أيديهم وأرجلهم، أي: قطع من كل واحد منهم يداً ورجلاً، وكذلك لم يحسمهم، والحسم هو: أن يكوى طرف اليد المقطوعة حتى يتوقف الدم، بأن يغلى زيت وإذا غلي واشتد حره غمست فيه اليد بعدما تقطع، فتقطع اليد من المفصل وتغمس في ذلك الزيت حتى يتوقف جريان الدم؛ لأنها إذا لم تحسم استمر خروج الدم إلى أن يموت الذي قطعت يده، بخلاف ما إذا حسمت، فهو ﵇ ما حسمهم. وكذلك تركهم في الحرة يطلبون ماءً ويطلبون طعاماً فلم يُسقوا ولم يُطعموا، وتركوا تجري دماؤهم إلى أن ماتوا، ولا شك أن هذه العقوبة البشعة الشنيعة دليل على عظم جرمهم، فهي عقوبة على خيانتهم، وعلى حربهم لله ورسوله، وعلى قتلهم إنساناً بريئاً محسناً إليهم، وعلى ردتهم وارتدادهم عن الإسلام وتبديلهم دينهم، فيدخلون في قوله ﷺ : (من بدل دينه فاقتلوه) ، وهؤلاء جمعوا بين هذه الأمور، ففعلت بهم هذه الأفعال، فجمعوا بين كونهم حاربوا الله ورسوله، وصاروا من المحاربين، فكان جزاؤهم كما قال الله: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً أَنْ يُقَتَّلُوا﴾ [المائدة:٣٣] ، وكذلك ارتدوا عن الإسلام، وردتهم تعتبر كفراً وتبديلاً للدين، وكذلك كفروا المعروف، وكفروا العشير، وكفروا الإحسان، وكفروا الفضل والخير الذي حصل لهم، وجازوا الإحسان بالإساءة، فحصل لهم ما يستحقونه من هذه العقوبة. ولا شك أن الجزاء من جنس العمل، وأن من فعل مثل هذه الأفعال أو قريب منها يجازى بذلك، فإذا قدر على هؤلاء القطاع الذين يقفون في الطرق، ويخدعون بعض الناس حتى ينخدع معهم، ويسرقون ما معه من المال، أو يهددونه بالسلاح ويأخذون ما معه قهراً، وما أشبه ذلك، فإذا قدر عليهم فيجوز للحاكم أن يقتلهم، لا سيما إذا قامت القرائن على خيانتهم وعلى شرهم وعلى ضررهم بالمسلمين، أو اعترفوا أو قامت قرائن على أنهم يخيفون السبل، ويخيفون الآمنين، وأنهم يحاولون الاعتداء بأخذ المال وبقتل المسلم بغير حق ليتمكنوا من ماله أو ما أشبه ذلك. فإن كانوا أخذوا المال على وجه المغالبة وعلى وجه القهرية، بأن قالوا: أعطنا ما معك من المال من النقود أو من الذهب أو ما أشبه ذلك وإلا قتلناك، فيخرجون السلاح ويهددونه بإطلاق النار، فأعطاهم ليكف شرهم؛ فعقوبتهم إذا قدر عليهم أن يقطع من كل منهم يد ورجل، ويحسموا حتى لا يموتوا؛ لأن ذنبهم لا يصير إلى القتل، لكونهم لم يقتلوا مع استرجاع الأموال التي أخذوها بالمغالبة، أما إذا كان اعتداؤهم على الأعراض بأن فعلوا جريمة الزنا أو اللواط، وقامت البينات على ذلك منهم باعترافهم، أو بوجود العلامات الظاهرة، فيقام عليهم الحد، فحد اللواط هو القتل، لقوله ﵇: (اقتلوا الفاعل والمفعول به) ، يعني: المفعول به إذا كان مختاراً، وأما حد الزنا فهو الحد المعروف: جلد مائة وتغريب عام إن كان بكراً، والرجم إذا كان قد تزوج، كما دلت عليه الأحاديث.

стр. 901

شرح عمدة الأحكام [٦٨] الزنا من أعظم الفواحش، ومفاسده كثيرة، وأضراره عديدة، ولذا فقد حرمه الله في جميع الشرائع، وحد له عقوبة في الدنيا تزجر عنه، وهي تختلف بحسب الإحصان وعدمه، والحرية وعدمها.

стр. 902

حد الزنا قال المصنف رحمنا الله تعالى وإياه: [عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن أبي هريرة وزيد بن خالد ﵄ أنهما قالا: إن رجلاً من الأعراب أتى إلى رسول الله ﷺ فقال: (يا رسول الله! أنشدك الله إلا قضيت بيننا بكتاب الله، فقال الخصم الآخر -وهو أفقه منه-: نعم، فاقضِ بيننا بكتاب الله وائذن لي، فقال رسول الله ﷺ : قل، فقال: إن ابني كان عسيفاً على هذا فزنى بامرأته، وإني أُخبرت أن على ابني الرجم، فافتديت منه بمائة شاة ووليدة، فسألت أهل العلم فأخبروني: إنما على ابني جلد مائة وتغريب عام، وأن على امرأة هذا الرجم، فقال رسول الله ﷺ : والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله، الوليدة والغنم ردٌّ عليك، وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام، واغد يا أنيس -لرجل من أسلم- على امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها. قال: فغدا عليها فاعترفت، فأمر بها رسول الله ﷺ فرجمت) . وعن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني ﵄ قالا: (سئل رسول الله ﷺ عن الأمة إذا زنت ولم تحصن، فقال: إن زنت فاجلدوها، ثم إن زنت فاجلدوها، ثم إن زنت فاجلدوها، ثم بيعوها ولو بضفير) . قال ابن شهاب: لا أدري أبعد الثالثة أو الرابعة! والضفير: الحبل] . هذه الأحاديث تتعلق بحد الزنا، وقد عُرف أن الله تعالى حرمه وجعله فاحشة من أعظم الفواحش، قال تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلَاً﴾ [الإسراء:٣٢] ، وجعل حده الجلد فقال تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ [النور:٢] أي: لا ترحموهما ولا ترقُّوا لهما: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور:٢] . فهذا دليل على عظمة هذا الذنب. والمفاسد التي تترتب عليه كثيرة ومشهورة، وقد توسع العلماء في ذكرها، وبينوا الأضرار التي تحصل في المجتمعات إذا فشت فيها فاحشة الزنا، وكذلك أيضاً ما يحصل فيها من العقوبات الأخروية أو العقوبات السماوية بسبب فُشُوِّ هذه الفاحشة. ولأجل ذلك جعل الله حد الزنا -أي: العقوبة التي تترتب على فعله- من أبشع العقوبات وأشنعها، فإذا كان الزاني قد من الله عليه بالزواج، وقد أحصن فرجه يعني: قد نكح نكاحاً صحيحاً ثم بعد ذلك زنى فذنبه أكبر، فيستحق أن يُرجم، ولو كان قد طلق زوجته أو توفيت ما دام أنه قد تزوج زواجاً صحيحاً ودخل بزوجته، وهكذا المرأة التي تزوجت ودُخل بها ثم زنت، فإن عقوبة كل منهما أن يُرجم بالحجارة حتى يموت، وأن يجتمع عليه جماعة ويرجموه ويقذفوه بالحجارة إلى أن يموت، وذلك لأن الله تعالى عاقب قوم لوط بمثل ذلك كما في قوله تعالى: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ * مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ﴾ [هود:٨٢-٨٣] . (مِنْ سِجِّيْلٍ) : قيل: إنها من النار. (مَنْضُودٍ) أي: منضَّدة مهيأة، (مُسَوَّمَةً) أي: موسومة مهيأة لمن تقع عليه وتقتله، ﴿وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ [هود:٨٣] . وكانت فاحشتهم شنيعةً، وهي أنهم كانوا يأتون الذكران من العالمين، فكذلك كل من فعل هذه الفاحشة وهي جريمة الزنا، ومثلها أو أبشع منها جريمة الفعل في الذكور، كل ذلك يستحق أصحابه هذه العقوبة التي هي الجلد أو الرجم، فإن كان لم يسبق أن تزوج بل لا يزال بكراً رجلاً كان أو امرأة فإنه يُجلد مائة جلدة، ويُشدد عليه في الجلد لقوله تعالى: ﴿وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ [النور:٢] ، ويُشهر أمره لقوله: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور:٢] أي: يكون جلده على مشهد من جمع من الناس. ويجلده الجلاد وهو إما قائم وإما مضطجع، ويفرق الجلد على جسده. الجلد هو الذي ذكر في القرآن، وفي هذه القصة أن البكر عليه جلد مائة، وعليه مع ذلك تغريب عام، وأن الرجم يكون على المحصن. وهذه القصة فيها أن رجلاً كان له ابن شاب فاستُخدم في أحد البيوت، وأصبح خادماً عند صاحب بيت من البيوت، وكان فيه نزعة الشباب، وفيه قوة الشهوة، فسولت له نفسه أن زنى بامرأة صاحب البيت، وكأنها لم يكن عندها من الورع ما يمنعها من هذه الفاحشة، فمكنَّته من نفسها، واعترف هو بالفعل، واعترفت أيضاً، وعرف كل منهما أنه وقع في ذنب، وأراد كل منهما التخلص والتطهير لَمَّا وقعا في هذه الفاحشة التي دفعتها إليهما الشهوة. والعسيف هو الأجير، فوالد الأجير اعتقد أنه يكفي أن يدفع عنه هذه الفدية، فدفع عنه مائة من الغنم كفدية، ودفع عنه وليدةً أي: مملوكة أراد أن يبذلها حتى يخلص ولده من الرجم، ولما سأل أُخبر بأنه ليس عليه رجم؛ لأنه لم يُحصن، وأن الرجم يكون على المرأة، وأن عقوبته الجلد والتغريب، وأقر النبي ﷺ هذه الفُتيا، وأخبره بأن مائة من الغنم والوليدة ترجع إليك، ولا تُقبل الفدية عن الحدود، وأن عقوبة ولدك أن يُجلد مائة جلدة وأن يغرَّب. والتغريب هو: أن يُنفى عن بلده إلى بلاد بعيدة ينقطع خبره عن أهله، ويكون غريباً في تلك البلاد بحيث لا يرى من يعرفه، رجاء أن تتغير حاله إلى أحسن، هذا هو التغريب، ويرى بعضهم أنه يُكتفى بالسجن إذا خيف أنه إذا غرِّب زاد شره وزاد فساده، فإن كثيراً من البلاد البعيدة قد يكون فيها فساد، وقد يكون فيها منكر، فلذلك رأوا أنه يُسجن لمدة سنة، وكل ذلك حفاظاً على الحرمات، وغَيرةً على الأنساب؛ لأن هذه الفاحشة تفسد الأخلاق، وتفسد البيوت، وتختلط الأنساب، وتُدخل المرأةُ على الرجل من ليس من أولاده؛ فيعظُم الشر والضرر، هذه عقوبة هذا الزاني. أما المرأة فلما كانت محصنة أرسل النبي ﷺ إليها هذا الرجل فاعترفت، فأمر بها فرُجمت، أي: قذفت بالحجارة، واجتمع عليها مَن رجَمها إلى أن ماتت، فاستقرت الشريعة على أنه يُرجم من كان محصناً، ويُجلد من لم يكن محصناً.

стр. 903

حد الأمة المملوكة إذا زنت قال الله تعالى في الإماء: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء:٢٥] وفهم الصحابة أنها إذا كانت قد أحصنت فعقوبتها نصف عقوبة المحصنات، وظنوا أن الإحصان هو النكاح، فبين النبي ﷺ أنه لا رجم على الأمة، ولا رجم على العبد، وما ذاك إلا أنه مملوك لغيره، ولا يزول ملك الغير بسبب ذلك الجاني، فكانت عقوبته الجلد. وما مقدار عقوبة العبد أو الأمة؟ مقداره: خمسون جلدة، نصف جلد الحر رجلاً كان أو امرأة، فتُجلد الأمة خمسين، ويُجلد العبد خمسين، ولو كان قد تزوج، ولا رجم عليه؛ لأن الرجم لا يمكن أن يتنصف. ثم في هذا الحديث أنه فوَّض جلدها إلى السيد الذي يملكها، وأمره أن يقيم الحد عليها، فقال: (إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها الحد، ولا يثرِّب -يعني: لا يوبخها، قال:- ثم إن زنت فليجلدها، ثم إن زنت فليجلدها، ثم إن زنت فليبعها ولو بحبل من شعر) ، يعني: أنها لا خير فيها ما دام أنها تكرر منها الزنا أربع مرات، ولم تتب بهذا الجلد وبهذا الحد. ولا يجوز إكراهها على الزنا كما قال تعالى: ﴿وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنَاً﴾ [النور:٣٣] . وبكل حال فهذه الآية تدل على أن الزنا فاحشة محرمة، وأن البغي التي تزني وتمكن من نفسها إذا كانت أمة لا يجوز إمساكها، وإذا كانت زوجةً لا يجوز إبقاؤها، بل يفارقها إذا خاف أن تفسد عليه فراشه، ومعلوم أن هذا كله محافظة على الفُرُش، وأن الرجل تأخذه غَيرة شديدة أن يرى امرأته تفعل الفاحشة، وكذلك يرى أمته أو يرى أحد محارمه يفعل مثل هذه الجريمة. ولا شك أن هذا يوجب على كل مسلم أن يكون حذراً غيوراً، قال النبي ﷺ : (لا أحد أغير من الله أن يزني عبده أو تزني أمته) أي: كلكم عبيد الله، وكل نسائكم إماء الله، فالله تعالى يغار، كما أن الإنسان يغار، والإنسان الذي لا يغار إذا زنت امرأته يسمى ديوثاً، وهو الذي يقر الخنا في أهله، فالذي يغار إما أن يقتلها أو يقتل ذلك الذي فعل الجريمة معها، كما رُوي أن سعدا ﵁ قال: (لو وجدتُ مع امرأتي رجلاً لضربته بالسيف غير مصفِّح، فقال النبي ﷺ : أتعجبون من غَيرة سعد! والله لأنا أغير منه، واللهُ أغير مني) ، وسعد بن عبادة من سادات الأنصار من الخزرج، وهذه غيرته. وذكروا أن رجلاً من الصحابة وجد مع امرأته رجلاً، ولما وجدهما في الفراش سل سيفه وضربهما وهو لا يشعر بما حصل منه ولا يدري، وكانت ضربته قد قطعتهما نصفين، وجاء حتى وقف إلى أمير المؤمنين عمر ﵁ فقالوا له: ما فعلت؟ فقال: لا أدري، إلا أني رأيت شيئاً وضربته ولا أدري كيف ضربته، فذهبوا وإذا هو قد قدَّهما نصفين، ولا شك أن ذلك كله من الغَيرة على محارم الله تعالى، والإنسان تحمله هذه الغَيرة على ألَّا يأتي أية فاحشة، ولا أن يقرها في أهله؛ مخافة أن يفسد المجتمع بمثل إقرار وانتشار هذه الفواحش، ومتى أقيمت الحدود على مثل هؤلاء الزناة وقُمعوا واضطُهدوا وأُذلُّوا؛ قلت الفواحش، وذلَّ أهلها، وإذا تُسُوهل بهذه الحدود وتُرك أهلها يفعلون هذه الجرائم خُشي أن يفسد المجتمع وأن تنتشر العقوبات، وأن تنزل الآفات والأمراض والعاهات التي لم تكن في سلف من أسلاف الأمم، كما ورد ذلك في الحديث: (ما ظهر الزنا في قوم حتى أعلنوه إلا ابتلوا بالعقوبات والأمراض التي لم تكن فيمن قبلهم) .

стр. 904

رجم الزاني المحصن قال المصنف رحمنا الله تعالى وإياه: [عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: أتى رجل من المسلمين رسول الله ﷺ وهو في المسجد، فناداه فقال: (يا رسول الله! إني زنيت، فأعرض عنه، فتنحى تلقاء وجهه فقال: يا رسول الله! إني زنيت، فأعرض عنه، حتى ثنى ذلك عليه أربع مرات، فلما شهد على نفسه أربع شهادات دعاه رسول الله ﷺ فقال: أبك جنون؟ قال: لا، قال: فهل أحصنت؟ قال: نعم، فقال رسول الله ﷺ : اذهبوا به فارجموه) ، قال ابن شهاب: فأخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن أنه سمع جابر بن عبد الله ﵁ يقول: (كنت فيمن رجمه، فرجمناه بالمصلى، فلما أذلقته الحجارة هرب، فأدركناه بالحرة فرجمناه) . الرجل هو: ماعز بن مالك، وروى قصته جابر بن سمرة، وعبد الله بن عباس، وأبو سعيد الخدري، وبريدة بن الحصيب الأسلمي ﵃] . هذا الحديث في رجم الزاني، وقد ذكر الله تعالى الزنا في أول الأمر فقال تعالى: ﴿وَاللاَّتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً﴾ [النساء:١٥] ، وثبت أنه ﷺ قال: (خذوا عني خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلاً: البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم) ، فهذا يعتبر إيضاحاً لهذه الآية؛ حيث أمر الله بإمساكهن بالبيوت إلى أن يجعل لهن سبيلاً، وأمر بإيذاء الرجل بقوله: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا﴾ [النساء:١٦] فأمر في الأول بإيذائهما إلى أن يتوبا، وبعد ذلك نزل الحد في قوله: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور:٢] ، فذكر الله حد الزنا أنه جلد مائة، وأن هذا الجلد يكون شديداً بلا رأفة ولا رحمة، وأنه يكون معلناً أمام طائفة من المؤمنين، ثم جاءت السنة بأنه إذا كان ثيباً -يعني: قد تزوج- فإنه يرجم ولا يرحم، بل يرجم بالحجارة إلى أن يموت، فتكون الآية في البكر الذي لم يتزوج، فإنه يجلد مائة جلدة رجلاً كان أو امرأة، أما إذا كان قد تزوج فإن حده الرجم. وهذا الرجل الذي في هذه القصة هو ماعز الأسلمي، حصل منه الزنا، وكان قد تزوج، فلما حصل منه الزنا الصريح خاف على نفسه من هذا الذنب، فقالوا له: اذهب إلى رسول الله ﷺ فإنه سوف يطهرك، فجاء واعترف هذا الاعتراف، فنادى: يا رسول الله! إني قد زنيت، فأعرض عنه النبي ﷺ ، ثم كرر ذلك، ثم كرره ثالثة ثم رابعة، ولما اعترف أربع مرات كان هذا بمنزلة أربعة شهود المقصودين في قوله: ﴿فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾ [النساء:١٥] فأقر على نفسه أربع مرات، فكان هذا سبباً في ثبوت الحد عليه، وثبوت الفعل هو الذي يوجب إقامة الحد، ولا شك أن هذا دليل على خوف السلف ﵏ من معرة الذنب، فعلم أن هذا الذنب ذنب كبير، وأنه من عظائم الإثم، لقوله تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً﴾ [الإسراء:٣٢] ، فعرف أن هذا ذنب كبير، وخاف أن يوبقه ذنبه، وخاف أن يهلك بسبب ذلك، فعند ذلك احتاج إلى أن يطهر، فجاء واعترف هذا الاعتراف، وكرر ذلك. ولما اعترف سأله النبي ﷺ ليتثبت: (أبك جنون؟) أي: هل أنت ناقص العقل أو فاقده؟ ولكنه اعترف بأنه كامل العقل، وأنه كامل الإدراك، وليس في عقله نقص ولا خلل، فكان في ذلك ما يدل على حرصه على أن يطهر من هذا الذنب؛ لأنه كأنه قال: ماذا تريد من هذا الاعتراف؟ قال: أريد أن تطهرني، فأقيم عليه الحد وهو الرجم، بعد ما تثبت النبي ﷺ ، وفي بعض الروايات أنه استفصل منه وقال: (لعلك قبلت، أو لمست، أو غمزت -يعني: أنك فعلت مقدمات الزنا ولم تفعل الزنا- فقال: لا، فقال: أتدري ما الزنا؟ قال: نعم، أتيت منها حراماً ما يأتي الرجل من أهله حلالاً) ، فلما اعترف بذلك أمر ﷺ بأن يرجم. وذكروا أنه رجم في المصلى، والمصلى كان قرب المقابر، وهو مكان متسع كانوا يصلون فيه على الجنائز، ثم لما بدءوا يرجمونه أذلقته الحجارة وأحس بحرها فهرب، فتبعوه حتى أدركوه بالحرة الشرقية، فرجموه حتى مات. والرواية التي فيها أنه قال لما هرب: (هلا تركتموه؟) يقال: إنها لم تثبت، وعلى تقدير ثبوتها أراد بذلك أن يتثبت منه، وبكل حال فالحق قد ثبت عليه، والحد قد وجب عليه باعترافه أربع مرات بأنه زنا، واعترافه بأنه ليس به جنون، واعترافه بأنه محصن، واعترافه بأن الزنا وقع منه حقيقة وليس مقدمات الزنا، ولما ثبت ذلك عنه لم يكن بد من إقامة الحد.

стр. 905

الحكمة من شرعية الحدود الحدود جعلها الله تعالى تطهيراً للعباد، وإقامتها فيه مصلحة كبيرة، وهذه المصلحة هي أمن الناس على محارمهم، وأمنهم على دمائهم وعلى أموالهم وعلى أعراضهم وعلى أديانهم. والعقوبة في الزنا هي: إن كان محصناً يرجم حتى يموت، وإن كان غير محصن يجلد مائة جلدة، ويغرب سنة عن بلده، والحكمة في ذلك: أولاً: الزجر عن هذا الذنب الكبير، والتحذير من سوء مغبته، فإنه من أكبر الذنوب. ثانياً: الحرص على حفظ أعراض الناس وحفظ أنسابهم؛ لأنه إذا فشا الزنا اختلطت الأنساب، وفسدت الأعراض، وذهبت الغيرة والحماسة، والإنسان مأمور بأن يكون غيوراً على محارمه؛ لأنه إذا لم يكن كذلك وكان يقر الخنا في أهله لقب بالديوث، وفي الحديث: (لا يدخل الجنة ديوث) ، وهو الذي يقر الخنا في أهله. وإذا كان هناك من يقيم الحدود ومن يأخذ الحقوق أمن الناس، وأمنت البلاد واطمأنت، وأمن الناس على محارمهم، وصار المذنب أو العاصي يخاف على نفسه من مثل هذه العقوبة، ويفكر ويقول: ما فائدة من هذا الذنب الذي أقترفه؟ أصبر على نفسي وأصبر على قمع شهوتي ولا أتعرض للعذاب، ولا أتعرض للأذى، ولا أعرض نفسي لأن أقتل قتلاً شنيعاً، ونحو ذلك. قالوا: الحكمة في شرعية الرجم أنه لما عدل عن الحلال، وتلذذ جسمه كله بهذا الحرام الذي هو فعل هذه الفاحشة ناسب أن يُرجم، وأن يُؤلم جسده كله. وأما كيفية الرجم فقيل: إنه يحفر له حفرة قدر ذراع أو نحوه، ثم يوقف فيها، وتربط يده من خلفه، ثم يأخذون حجارة ملء الكف، ثم يقذفونه بها، ويرمونه مع رأسه ومع بطنه ومع ظهره ومع عضديه ومع فخذيه، إلى أن تذلقه الحجارة وينصرع ويموت.

стр. 906

الصلاة على من رجم في الزنا في بعض الروايات أنه ﷺ استغفر لذلك الرجل الذي هو ماعز الأسلمي، وأنه صلى عليه.

стр. 907

لا رجم على العبد العقوبة بالرجم تختص بالحر، أما العبد فإنه لا رجم عليه، وما ذاك إلا أن قتله فيه إذهاب لماليته، وماليته لسيده، فهو مملوك للسيد، والسيد لم يذنب حتى يفوّت عليه ماليته وما يملكه، فلأجل ذلك يقتصر على جلده، فيجلد خمسين جلدة، ويكون الذي يتولى إقامة الحد عليه هو سيده.

стр. 908

فائدة إقامة الحدود إقامة الحدود في البلاد سبب للأمن والطمأنينة، وقد ورد في بعض الأحاديث: (لحد يقام في الأرض خير من أن يمطروا أربعين صباحاً) ، ومعلوم انتفاعهم من المطر، لكن الفائدة قد تكون دنيوية، وأما إقامة الحد ففيه إظهار أوامر الله، وتطبيق شرعه، والعمل بسنة نبيه، وفيه عقوبة المجرم على جريمته، وزجره وزجر أمثاله عن هذه الجرائم والذنوب الشنيعة، ولا شك أنها مصلحة دينية تتعلق بالعباد، وتتعلق بالبلاد، وتتعلق بالمحارم، فكان فيها هذا الخير، فكلما أقيمت الحدود كان ذلك سبباً للأمن والطمأنينة. وفي هذه الأزمنة كثير من البلاد التي تنتمي للإسلام عطلت فيها الحدود، بل أبيح فيها الزنا إذا كان برضا من الرجل والمرأة، فإذا تراضيا فليس عليهما جناح، ولا يقام عليهما حد، ولو كانت المرأة مزوجة، واختارت خليلاً لها وحبيباً، ولو كان لها أب لا يرضى ما دام أنها رضيت بذلك!! ولا شك أن هذا إباحة للحرام، وتغيير للفطر، ومخالفة للشرائع، وإذهاب للحماس والغيرة، وتعطيل لحدود الله تعالى، وسبب في ظهور الفواحش والمحبة لها، وقد توعد الله على ذلك بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ﴾ [النور:١٩] ومن أعظم الفواحش فاحشة الزنا، وفاحشة اللواط ومقدماتها؛ لأن هذه الفاحشة من أشنع الفواحش، فالذين يحبونها توعدهم الله بقوله: (لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ) ، فإذا عرف المسلم حكمة الله تعالى في أوامره ونواهيه، فعليه أن يحرص على تطبيق تلك الأحكام.

стр. 909

شرح حديث: (إن اليهود جاءوا إلى رسول الله ﷺ فذكروا له أن امرأة منهم ورجلاً زنيا) قال المصنف رحمنا الله تعالى وإياه: [عن عبد الله بن عمر ﵄ أنه قال: (إن اليهود جاءوا إلى رسول الله ﷺ ، فذكروا له أن امرأة منهم ورجلاً زنيا، فقال لهم رسول الله ﷺ : ما تجدون في التوراة في شأن الرجم؟ فقالوا: نفضحهم، ويجلدون، قال عبد الله بن سلام: كذبتم؛ إن فيها آية الرجم، فأتوا بالتوراة فنشروها، فوضع أحدهم يده على آية الرجم، فقرأ ما قبلها وما بعدها، فقال له عبد الله بن سلام: ارفع يدك، فرفع يده فإذا فيها آية الرجم، فقال: صدق يا محمد، فأمر بهما النبي ﷺ فرجما، قال: فرأيت الرجل يجنأ على المرأة يقيها الحجارة) . يجنأ: ينحني. الرجل الذي وضع يده على آية الرجم هو عبد الله بن صوريا. وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (لو أن رجلاً -أو قال: امرأً- اطلع عليك بغير إذنك فخذفته بحصاة ففقأت عينه ما كان عليك جناح) ] . هذا الحديث يتعلق بحد الزنا مع الإحصان كالحديث الذي قبله، وقد ذكرنا أن جريمة الزنا من أشنع الجرائم؛ وذلك لما فيها من الاعتداء على حرمات المسلمين، واستحلال ما حرم الله طواعية لشهوة قد توقع صاحبها في الإثم أو في العقوبة أو في القتل، والله ركب في الإنسان هذه الشهوة إلى الوطء، ثم أباح له النكاح الذي يكون فيه مصالح عديدة، ففيه إعفافه وإعفاف زوجته، وفيه تحصيل الذرية الصالحة ونحو ذلك، وحرم عليه أن يعتدي على نساء غيره، وأن يعتدي على محارم غيره اللاتي يحرمن عليه، وجعل في ذلك هذه العقوبة الزاجرة، وأنزل ذلك في الكتب السماوية، فكتاب التوراة الذي أنزل على موسى اشتمل على آية فيها ذكر أن الزاني يرجم إذا كان محصناً. ولما كثر الزنا في اليهود وفشا فيهم ذكروا أنه زنى رجل من أشرافهم، فلم يقيموا عليه الحد الذي هو الرجم؛ وذلك لكونه شريفاً في قومه، ثم بعد أيام زنى رجل من أطرافهم لم يكن شريفاً ولم يكن له منعة فأرادوا أن يرجموه، فقال أقاربه: لا ترجموه حتى ترجموا فلاناً الذي زنى قبله، فعند ذلك تفكروا وعرفوا أنهم لا يقدرون على أن يسووا بين الشريف والطريف، فعزموا على تغيير هذا الحد أو هذه العقوبة، فاصطلحوا على عقوبة يسمونها: التحميم، وهي أنهم يسودون وجه الزاني ووجه الزانية، ويطوفون بهما على حمار منكسين، أي: ظهره ملاصق لظهرها على الحمار، ويكون هذا إشهاراً لهما وفضيحة، ويجلدونها جلداً خفيفاً أيضاً، فجعلوا ذلك مكان الرجم، وأسقطوا حكم الله به الذي أنزله في كتابه، وهو الرجم حتى يموت. وفي عهد النبي ﷺ كان في المدينة بعض من اليهود، فزنا منهم رجل بامرأة وثبت زناهما، عند ذلك قالوا: لماذا لا نأتي محمداً ونسأله، فإن أفتانا بالرجم لم نقبل منه، وإن أفتانا بالجلد والتحميم قبلنا منه، وكان ذلك حجة لنا عند الله، وقلنا: إنه قد أفتانا نبي من الأنبياء؛ فيكون ذلك عذراً لنا عند الله، ففعلوا ذلك. وبعدما جاءوا وسألوه عن حكم من زنا لم يفتهم لأول مرة، بل أراد أن يقيم الحجة عليهم من دينهم ومن شريعتهم، فسألهم: (ماذا تجدون في كتابكم؟) وهي التوراة المنزلة على موسى، ولو كان فيها شيء من التحريف والتغيير، فعند ذلك قالوا: ليس فيها ذكر الرجم، وكان هذا بحضور رجل من اليهود قد أسلم وهو عبد الله بن سلام ﵁، وقد عرف الحق من أول يوم قدم فيه النبي ﷺ ، فلما قالوا ذلك وهو حاضر قال: كذبتم؛ إن فيها الرجم؛ لأنه يعرف ما فيها؛ ولأنه كان من علمائهم وأحبارهم، فعند ذلك قال: فائتوا بالتوراة إن كنتم صادقين، فجاءوا بالتوراة، وكانوا يعرفون مكانها، فلما نشرها الذي كان يقرأ -ويقال له: عبد الله بن صوريا - وضع يده على آية الرجم وقرأ ما قبلها وما بعدها، ففطن له عبد الله بن سلام فقال: ارفع يدك، واقرأ هذا الذي تحتها، فلم يكن بد من أن يقرأه، فإذا فيها آية الرجم تلوح، فعند ذلك قال: صدق يا محمد! فيها آية الرجم، ولكن كان عذرنا في تركها كذا وكذا، ولم يكن لنا بد من أن نفعل ذلك. فأنزل الله فيهم من القرآن قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنْ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنْ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ﴾ [المائدة:٤١] يعني: التحميم ﴿وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا﴾ [المائدة:٤١] أي: إن أوتيتم الرجم فاحذروا، إلى قوله: ﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمْ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ﴾ [المائدة:٤٣] ، ففضحهم، ثم قال النبي ﷺ : (اللهم إني أحييت سنة قد أماتوها) ، وأمر بهما فرجما.

стр. 910

كيفية الرجم الرجم هو: أن يوقف الزاني أو يجلس ثم يرجم بحجارة متوسطة تملأ اليد، يضرب بها جسده ورأسه ووجهه وصدره وظهره إلى أن يموت بهذا الرجم، هذا يرجمه من هنا، وهذا يرجمه من هنا إلى أن يموت، وهذا الرجم شرع لأجل أن يتألم جميع بدنه الذي تلذذ بالحرام، فعوقب بأن يتألم هذا الألم؛ وذلك لأنه آثر شهوة عاجلة على ثواب أخروي، فلو أنه قهر نفسه وقمع شهوته، وصبر عليها، وصابر نفسه، وتذكر مآل هذه الشهوة، وأنها تمتع في وقت قصير، وتلذذ في زمن يسير، ثم يكون بعدها عقوبة عاجلة أو عقوبة آجلة، لما أقدم عليها؛ ففيها فضحية نفسه؛ لأنه إذا اتضح ذلك منه فسُيفضح بين الناس، وفيها هذه العقوبة التي هي تأليم جسده حتى يموت، وفيها أيضا ًعقوبة أخروية إذا لم يتب، وهي عقوبة فيها بشاعة وشناعة، وفيها أيضاً شهرة سيئة، وانتشار سمعة سوء، وفضيحة له، وعار عليه، مع أن سبب ذلك تمتع بشهوة يسيرة، ولو تفكر في قول الشاعر: تفنى اللذاذة ممن نال صفوتها من الحرام ويبقى الإثم والعار تبقى عواقب سوء لا مصير لها لا خير في لذة من بعدها النار لو تفكر في أن هذه اللذة لذة ساعة تفنى ويبقى عارها، ويبقى شنارها، ويبقى إثمها، لو تفكر في أنه يفسد فراش مسلم، ويخبب عليه زوجته، ويدخل عليه ولداً ليس له، لو تفكر أنه يسبب اختلاط أنساب، وأنه يفسد أخلاقاً، ويفرق بين زوجين قد يكون بينهما مودة ورحمة؛ لأنه إذا علم الزوج أن امرأته قد خانته سبب ذلك فراقه لها؛ لما أقدم على ذلك، ولكن هذه المفاسد كلها يغيبها عنه الشيطان في تلك اللحظة التي تغلبه فيها هذه الشهوة البهيمية. وبكل حال هذه عقوبة الزاني إذا كان محصناً، فإنه يُرجم كما سمعنا؛ وذلك لأن الله تعالى قد منَّ عليه بالنكاح الحلال، وقد وفقه لأن تزوج زواجا ًحلالاً فعدل عن الحلال إلى الحرام أو أنه ترك ما أحل الله وهو يقدر عليه وآثر الحرام، فكان جزاؤه هذه العقوبة الشنيعة.

стр. 911

حد الزاني غير المحصن إذا لم يكن الزاني محصناً -وهو الذي لم يسبق أن تزوج- فعقوبته أخف؛ عقوبته أن يجلد مائة جلدة، ولكن يشدد عليه في الجلد، قال الله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور:٢] الرأفة: الرحمة، أي: لا ترحموا الزناة، ولا تخففوا عنهم الجلد، بل شددوا عليهم، وزيدوا في شدته؛ وذلك لتأليم أجسامهم، فهذه الأجسام التي تلذذت في حرام ألجموها بهذا الألم، وبهذا الجلد، وشددوا فيه ليكون ذلك زاجراً لهم عن مقارفة هذه المعصية البشعة الشنيعة، وشددوا عليهم حتى لا يعودوا لمثلها، وحتى ينزجر أيضاً غيرهم، وأمر بأن يعلن جلد الزاني، وأن يكون على مشهد من الناس حتى يشتهر، فيقام هذا الزاني أمام جمع من الناس في المكان الذي تجتمع فيه الجموع الكثيرة، ويشهر أمامهم، ويقال: هذا زانٍ، ثم يجلد سواء كان قائماً أو مضطجعاً، ويزال ما عليه من الثياب الغليظة كفراء أو عباءة غليظة، ويترك عليه ثوب يستره، ثم يجلد هذا الجلد. وله عقوبة أخرى، وهي: التغريب، ففي صحيح مسلم من حديث عبادة بن الصامت ﵁ أن النبي ﷺ قال: (خذوا عني خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلاً، البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم) ، هذا الحديث وضح فيه النبي ﷺ الآية الكريمة التي في سورة النساء، وهي قوله تعالى: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً﴾ [النساء:١٥] فقال: (إن الله قد جعل لهن سبيلاً) ، والسبيل هو: بيان ما يجب عليهن، فالبكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، فيجلد مائة ثم ينفى سنة إلى بلاد بعيدة، ويفرق بينه وبين أسرته، بينه وبين أبويه أو إخوته أو أقاربه، ينفى إلى بلاد بعيدة ويكون غريباً حتى يبتعد عن أصدقائه وخلطائه الذين كانوا يوقعونه في هذه الفواحش أو يزينونها له، فربما إذا فارقهم هذه المدة تاب وتغيرت حاله. وذهب بعضهم إلى أن التغريب يحصل في السجن، فيسجن لمدة سنة حتى يتوب.

стр. 912

الجمع بين الجلد والرجم على الزاني المحصن كما في حديث عبادة أنه يجمع عليه بين الجلد والرجم، وقد روي أن علياً ﵁ رفعت إليه امرأة زانية يقال لها شراحة، فجلدها في يوم الخميس مائة جلدة، ثم رجمها في يوم الجمعة، وقال: جلدتها بكتاب الله، ورجمتها بسنة رسول الله، يعني: أنه عمل بالآية: ﴿فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور:٢] ، فبدأ بالجلد، ولما علم أن النبي ﷺ من سنته الرجم رجمها؛ لكونها قد تزوجت، فذهب إلى هذا بعض العلماء، وهو أن يجمع بين الجلد أولاً ثم الرجم. والمشهور والأرجح أنه يكتفى بالرجم؛ وذلك لأنه اكتفى به ﷺ في رجم ماعز الأسلمي كما تقدم، وفي رجم الغامدية التي زنت بعدما وضعت حملها، وفي رجم اليهوديين الذين ذكرنا قصتهما، وفي رجم صاحبة العسيف الذي استؤجر لأجل خدمة فزنى بامرأة الرجل، فرجمت ولم تجلد قبل الرجم، فاقتصاره على الرجم يدل على أنه يكتفى بذلك دون أن يكون قبله جلد، والله أعلم.

стр. 913

شرح عمدة الأحكام [٦٩] من قواعد الشريعة حفظ الأموال لأصحابها، ولهذا حرمت الشريعة أخذ مال المسلم بغير حق، ومن أخذ مالاً بغير حق من حرز وقد بلغ النصاب فهو سارق تقطع يده، والسرقة لها أحكام بينها العلماء.

стр. 914

أحكام السرقة قال المصنف رحمنا الله تعالى وإياه: [باب حد السرقة: عن عبد الله بن عمر ﵄ (أن النبي ﷺ قطع في مجن قيمته -وفي لفظ: ثمنه- ثلاثة دراهم) . وعن عائشة ﵂ أنها سمعت رسول الله ﷺ يقول: (تقطع اليد في ربع دينار فصاعداً) ] . هذا الباب يتعلق بحد السرقة، والسرقة هي: أخذ المال من حرزه على وجه الاختفاء، ويُسمى الآخذ له لصاً، والمتلصص هو: الذي يسرق الأموال.

стр. 915

أنواع أخذ المال بغير حق أخذ المال له عدة مسميات: الأول: الغصب، فالذي يغتصب المال ويأخذه بالقوة وبالغلبة وبالقهر يُسمى غاصباً، كأن يقول الإنسان: أعطني كذا من المال وإلا قتلتك، أو يقهره فيأخذ ما معه من نقود أو من أي مال، هذا هو الغاصب، وحده: التعزير، فإذا قُدر عليه فإنه يُعزر، فيرد المال الذي أخذه، ويُعاقب عقوبة تردعه وتردع أمثاله، سواء بجلد أو بحبس أو بتنكيل أو بأخذ مال أو نحو ذلك؛ حتى لا يجرأ أحد على أخذ المال بغير حق، وإذا تكرر ذلك منه جاز تعزيره ولو بأن يقتل، زجراً له ولأمثاله. الثاني: الاختطاف والنهب، وهو أن يهتبل الخاطف غفلة آخر فيختطف ما معه، فإذا كان إنسان عنده مال قد نشره في الأرض ليبيعه مثلاً، فجاء آخر إنسان واختطف منه شيئاً وهرب به، فمثل هذا يُسمى: مختطفاً ومنتهباً، وهذا النهب لا شك أنه ذنب كبير، قال النبي ﷺ : (لا ينتهب نهبة ذات شرف يرفع الناس إليها أبصارهم حين ينتهبها وهو مؤمن) ، ومتى قدر على هذا المنتهب فإنه يعاقب بما يرتدع به، فيرد المال الذي انتهبه ويُجلد أو يُحبس أو يُعزر أو يغرم مالاً، أو نحو ذلك. الثالث: المختلس، وهو الذي يهتبل غفلة الإنسان الذي عنده مال ويأخذه وهو لا يدري، كأن يدخل إلى دكان -مثلاً- فإذا رأى صاحبه قد صد أخذ منه ثوباً أو نعلاً أو قدحاً أو نقداً أو نحو ذلك بخفية ويخرج كأنه لم يأخذ شيئاً، ولم يتفطن له صاحب المال، فهذا يُسمى: مختلساً، فإذا عُرف أو اعترف أو شُهد عليه أو رآه من شهد عليه فلابد من عقوبته، بأن يعزر بما يرتدع به هو وأمثاله، ويرد المال الذي اختلسه. الرابع: السارق، وهو الذي تقطع يده، قال تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة:٣٨] ، وذكر في سورة يوسف في قوله تعالى: ﴿قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ [يوسف:٧٥] ، وكانت عقوبة أولاد يعقوب أنهم يسترقّون السارق، فإذا سرق السارق فإن المسروق منه يؤخذ رقيقاً يتصرف فيه كبقية المال.
следующие страницы →