← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 7723

شرح عمدة الأحكام لابن جبرين

ابن جبرين

Полный текст (1 083 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

تحريم أكل الحمر والبغال الحمر والبغال كانت حلالاً في أول الإسلام، ثم حرمت في سنة سبع، واستقر الأمر على تحريم هذا الحمار الأهلي، والمراد بالحمر الأهلية الحمر التي تركب وينتفع بها في الركوب وفي الحمل عليها ونحو ذلك، والحمار الأهلي ينتفع به في الركوب، وذلك لأنه يصبر على الركوب، وقد يكون سيره أسرع من سير الإبل أو قريباً منها، وإن كان لا يحمل عليه الأثقال الكبار، ولا يركب إلى البلاد البعيدة؛ لكونه لا يحمل شيئاً كثيراً غير الراكب ونحوه، ولكن هو مما سخره الله للركوب كما في قوله: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ [النحل:٨] ، ولكن ورد ذم صوته: ﴿إِنَّ أَنكَرَ الأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ [لقمان:١٩] وفي هذا ذم له من هذا الوجه، وورد أيضاً ذمه في آية أخرى في قوله: ﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً﴾ [الجمعة:٥] فالحمار معروف أنه لا يستفيد من حمل الأسفار يعني: من حمل الكتب، فجعله مثلاً للذين ﴿حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا﴾ [الجمعة:٥] وهذا يفهم منه أنه مذموم؛ فلأجل هذا ورد تحريم أكل الحمر الأهلية، وذلك أنهم لما كانوا في غزوة خيبر في أول سنة سبع من الهجرة، وحاصروا خيبر، كأنه أصاب بعضهم جوع، فلم يجدوا أقرب من هذه الحمر فذبحوها، سواء كانت ملكاً لهم أو غنيمة مما غنموه من دواب أهل خيبر، فذبحوها ونصبوا القدور في ليلة مظلمة، فسأل النبي ﷺ : (ما هذه القدور؟ أو قال: على أي شيء توقد هذه القدور؟ قالوا: على لحم الحمر الإنسية، فقال: أهريقوها واكسروها -من باب الغضب- قالوا: أونهريقها ونغسلها؟ قال: أو ذاك) ، ومشى هو وبعض صحابته، وأخذوا يهرقون تلك اللحوم التي في القدور، وأخذ يدوسها في التراب ويتربها ونادى في تلك الليال: (إن الله ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحمر الأهلية فإنها رجس) ، وفي رواية: (ركس) ، وتكاثرت الأحاديث في أنه ﷺ نهى في تلك الليالي عن لحوم الحمر الأهلية، ولو كانت من بهيمة الأنعام، ولو كانت مما يركب ويعلف، لكن لم يذكر العلة، ولعله قذارتها، فإنها قد تتغذى بالنجاسات، فقد تأكل العذرة والنجاسات وتتغذى بها، وإن كان ذلك ليس أغلبياً؛ لأنها في الأصل تأكل من النباتات ونحوها. فبكل حال جاءت هذه الأحاديث صريحة بالنهي عنها، وعمل بها جمهور الأمة، وقالوا: إنها محرمة الأكل لهذه الأحاديث، فلا تؤكل وإنما ينتفع بها، واتفقوا على طهارة عرقها؛ لأن النبي ﷺ كان يركب الحمار الأهلي، ويردف عليه، وكان يركبه بدون وقاية، ولا شك أنه قد يعرق وهو عليه، ولم يكن يغسل ثيابه من عرق الحمار، فدل على طهارة عرقه، وكذلك طهارة سؤره، فإذا شرب من ماء فلا بأس أن يشرب منه أو يتوضأ من سؤره إذا عرف أنه لم يأكل نجاسة، فهو من الطاهرات إلا أنه سمى لحمه رجساً في قوله: (فإنها رجس) ، والرجس هو النجس الذي وصف الله به بعض المحرمات كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ [المائدة:٩٠] فكذلك جعل لحوم الحمر الأهلية رجساً فعمل بذلك أغلب الأئمة، وذهب بعض الصحابة -كما روي عن ابن عباس - وبعض الأئمة -وهو رواية عن الشافعي - أنه يباح أكلها كبهيمة الأنعام، وجعلوا النهي عنها خاصاً، وقالوا: إنما نهى عنها في خيبر؛ لأنها كانت حمولة الناس، وخاف أنهم إذا ذبحوها لم يبق لهم ما يحملون عليه أو ما يركبونه، ولكن هذا لا يوافق ما ذكر من قوله: (فإنها رجس) ، وعلى هذا؛ فالقول المعتمد لأئمة المسلمين أنها محرمة الأكل، وأنه لا ينتفع بلحمها لا أكلاً ولا انتفاعاً، وأن لبنها أيضاً نجس، حيث إنها نجسة -يعني: لحمها- فكذلك لبنها، وشحمها، وما يؤخذ منها بعد موتها، كل ذلك منهي عنه بموجب هذه الأحاديث.

стр. 982

شرح حديث: (لم يكن بأرض قومي فأجدني أعافه) قال المصنف رحمنا الله تعالى وإياه: [عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: (دخلت مع خالد بن الوليد على رسول الله ﷺ بيت ميمونة، فأتي بضب محنوذ، فأهوى إليه رسول الله ﷺ بيده، فقال بعض النسوة اللاتي في بيت ميمونة: أخبروا رسول الله ﷺ بما يريد أن يأكل، فقلت: تأكله هو ضب؟ فرفع رسول الله ﷺ يده، فقلت: أحرام هو يا رسول الله؟ قال: لا، ولكنه لم يكن بأرض قومي فأجدني أعافه، قال خالد: فاجتررته فأكلته، ورسول الله ﷺ ينظر) قال ﵁: المحنوذ: المشوي بالرضف، وهي الحجارة المحماة. وعن عبد الله بن أبي أوفى قال: (غزونا مع رسول الله ﷺ سبع غزوات نأكل الجراد) . وعن زهدم بن مضرب الجرمي قال: كنا عند أبي موسى فدعا بمائدة عليها لحم دجاج، فدخل رجل من بني تيم الله أحمر شبيه بالموالي فقال: هلم فلتأكل، فتلكأ، فقال له: هلم فإني رأيت رسول الله ﷺ يأكل منه] . هذه الأحاديث تتعلق ببعض الأطعمة، وسياقها يدل على أنها في اللحوم التي قد يشك فيها، فالحديث الأول في حكم أكل الضب، وهو حيوان معروف، وصورته كصورة الوزغ أو السحلية أو سام أبرص أو الورل، ولكن استثني فأبيح، وقد ورد فيه أحاديث كثيرة، ومنها ما يدل على كراهته، ومنها ما يدل على إباحته، فمنها هذا الحديث، وفيه أن النبي ﷺ دخل على ميمونة وهي إحدى أمهات المؤمنين، ودخل معه خالد بن الوليد وهي خالته، فقدم إليه هذا اللحم، وإذا هو لحم ضب محنوذ، يعني: مشوي على الرضف، وهي حجارة محماة، فأهوى بيده ليأكل، فأخبروه بما يريد أن يأكل حتى يعرف حكم ذلك الطعام الذي يأكله هل هو مباح أم مكروه أم حرام؟ ولم يكن عندهم علم بحكم هذا الحيوان الذي هو الضب، فلما أخبروه بأنه الضب تورع عنه ورفع يده، فسألوه: أحرم هو؟ فقال: (لا، ولكنه لم يكن بأرض قومي فأجدني أعافه) ، وكأنه تورع عنه لأنه لم يتعود أكله في أول عمره، وكأنه في ذلك الوقت لم يكن كثيراً حول مكة، وإن كان يوجد بكثرة حول المدينة وحول القرى الأخرى، ولكن لأنه لم يعتاده في أول عمره كرهته نفسه فتورع عنه، فهذا هو السبب في كونه لم يأكله. ولكن اجتذبه خالد بن الوليد فأكله والنبي ﷺ ينظر، واستدلوا بإقراره على أنه مباح، فإنه لا يقر على ما هو مكروه أو ما هو حرام، ودل على أن تركه له إنما هو لأن نفسه تقززت وتوقفت عن أكل شيء لم يكن اعتاده ولا تعودت نفسه على استساغته. وبكل حال فهو دليل على إباحة لحم الضب، فهو من الطيبات؛ وذلك لأنه يأكل من الأعشاب التي تنبت في البراري، فهو من جملة الدواب التي تأكل منها كالظباء والوعول وما أشبهها التي هي من الطيبات، وهو لا يأكل الجيف، ولا يأكل الأقذار ونحوها. وورد في بعض الروايات أنه قال: (لا أحله ولا أحرمه) يعني: لا آكله ولا تستطيبه نفسي، ولكن لا أحرمه، والصحيح الرواية التي فيها: (لا آكله ولا أحرمه) يعني: لا تقبله نفسي، ولا أنهى غيري، ومع كثرة الأحاديث التي فيه؛ فإن الذين لم يألفوه ولم يعرفوه في بلادهم ينكرون أكله، وتنفر منه نفوسهم، فكثير من أهل البلاد النائية ما عرفوه، وإذا رأوه فإن نفوسهم تتوقف عن أكله، وتكرهه، وقد كرهه بعضهم لوجود رائحة فيمن أكله، فإنه يؤثر رائحة فيمن أكله، ولكن ليست تلك الرائحة رائحة كريهة، وإنما هي رائحة واضحة تبين أنه أكل شيئاً من لحم الضب، وهذا لا يبرر كراهيته، فهو من المباحات.

стр. 983

شرح حديث: (غزونا مع رسول الله سبع غزوات نأكل الجراد) قوله: (غزونا مع رسول الله ﷺ سبع غزوات نأكل الجراد) ، الجراد معروف، وهو هذه الحشرات الصغيرة التي تطير، وتوجد بكثرة في بعض الأوقات، وهي شبيهة ببعض الأشياء المحرمة كالزنابير والدبر وغيره، ولكن لها خاصية في أنها تأكل الأعشاب ونحوها وتتغذى بالنبات وما أشبهه، فلا إثم في أكلها، وأيضاً فهي مما يسلطها الله على بعض الناس، فتكثر فتأكل الثمار وتتسلط على الزروع وعلى البساتين، وإذا سلطها الله تعالى على قوم تكون من جملة العذاب الذي يرسله الله، وقد ذكر الله تعالى أنها من جملة ما أرسل على آل فرعون، فقال الله تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ﴾ [الأعراف:١٣٣] يعني: سلط الله عليهم هذه الأشياء، فسلط عليهم الجراد فأكل ثمارهم، وأكل أشجارهم، عذاب من الله لا يقدرون على رده؛ وذلك لكثرته وعدم استطاعة مقاومته إذا سلط، وما يؤخذ منه أو يصاد لا ينقصه، فالناس يصطادون منه شيئاً كثيراً، ثم بعد ذلك إذا أصبحوا وذهب إلى البلاد الأخرى وجدوه كأنه لم ينقص، فيصيدون منه، ثم في الصباح يطير ويذهب إلى قرية أخرى، فيجدونه كأنه لم ينقص، وهكذا ليس له نهاية إلا إذا سلط الله عليه ما شاء. إذاً: هذا الجراد من جملة ما يسلطه الله على عباده، ولما كان من جملة الطيبات، وأكله من الأشجار ونحوها؛ أبيح أكله، وجعل من الدواب التي لا تحتاج إلى تذكية، ففي الحديث: (أحلت لنا ميتتان ودمان: فأما الميتتان فالجراد والحوت، وأما الدمان فالكبد والطحال) ، فتباح ميتته، وإذا وجد ميتاً أبيح طبخه أو شيه، وكذلك إن صيد وهو حي فإنه لا يحتاج إلى ذبح، بل يشوى أو يطبخ وهو حي، ويحل أكله بعد ذلك، وما ذاك إلا لأنه ليس فيه دم إذا ذبح، وما يسيل منه لا يسمى دماً، وإنما يسيل منه شيء وهو حي شبه لعابه، فلا يسمى دماً، والميتة حرمت لأنها إذا ماتت تحجر الدم في عروقها وأفسد لحمها، بخلاف الجراد فإنه ليس فيه دم، فلذلك يباح أكله بعد ما يطبخ ولو لم يذبح. المصنف ذكر هذا الحديث لأن فيه خلافاً، وكثير من أهل البلاد الإسلامية ينكرون أكله؛ وذلك لأنهم لم يتعودوه، ولم يألفوه، لأنه غريب في بلادهم، أو أنه يأتيهم أحياناً، ولم يتعودوا اصطياده وطبخه، فلذلك يكون من جملة المكروه نفسياً، ولكن لما ثبت أن النبي ﷺ أكله، ولما ثبت أنه أباحه وإن لم يذك، وثبت أن الصحابة أكلوه؛ دل ذلك على أنه من جملة المباحات ومن جملة الطيبات، فهو غذاء يغني عن الطعام ويغني عن اللحوم، وقد يتلذذ بأكله، ويتفكه به، فلا كراهة فيه، ولكن لا يلزم كل أحد أن يأكله، إنما يأكله من اشتهاه، ولكن لا يعيبه أحد ولا يحرمه.

стр. 984

شرح حديث: (رأيت رسول الله يأكل الدجاج) الحديث الذي بعده يتعلق بأكل لحم الدجاج، وفيه هذه القصة، وهي أن أبا موسى ﵁ قدم إليه طعام وعليه لحم دجاج، وعنده رجل من بني تيم، فتلكأ لما دعي لأكله، فأخبر أبو موسى بأنه رأى النبي ﷺ يأكله، ولكن ذلك التيمي اعتذر بأنه رآه يأكل شيئاً فكرهه، وفي بعض الروايات فسر بأنه رآه يأكل النجاسات، فكرهته نفسه، وامتنع من أكله. وبكل حال الدجاج المعروف من جملة ما ذلل للإنسان، فهو من الدواب التي لا تنفر من الناس، بل تألف الناس، وتكون في البيوت، وهي لا تطير كما يطير غيرها من الطيور؛ ولهذا يقول بعضهم: كذا دجاج البيوت لهن ريش ولكن لا يطرن مع الحمامة فهي ولو كانت لها أجنحة لكن ليست مما ينفر من الناس ويذهب، بل تألف البيوت، وتتوالد عند الناس، ثم إذا أراد أهلها الذين يملكونها أن يأكلوها أمسكوها وذبحوها، وأكلوا لحمها، وأكلوا أيضاً من بيضها، فهي من جملة ما سخر للإنسان. وهذا الدجاج غذاء كثير من الناس، وقد لا يستغني عنه غالباً أهل بيت إلا ما شاء الله، فهو من جملة الأطعمة الحلال المباحة، لكن قد يقال: إنه أحياناً يتغذى بالنجاسة، فيأكل النجاسات، ولعله سبب كون ذلك التيمي كرهه، وهو قد يتغذى أحياناً بالنجاسات، إذا وجد العذرة أو نحوها من النجاسات يأكل منها، وحينئذ يكون له حكم الجلالة، والجلالة هي التي تأكل العذرة أي: النجاسات ورجيع الآدمي، وقد وردت أحاديث في النهي عن أكلها ما دام عرف ذلك عنها حتى تطهر، فقالوا: إذا كانت الناقة أو الجمل أو البقر جلالة -يعني: تأكل من النجاسات- فإنها تحبس، قيل: أربعين يوماً، وقيل: سبعة أيام، وتطعم طعاماً طيباً من النبات أو الشعير أو نحوه إلى أن يطيب لحمها، ويذهب عنها ذلك الغذاء الخبيث. أما إذا كانت من الغنم فقالوا: يكفي حبسها سبعة أيام حتى ينظف بطنها، ويزول ما فيها من ذلك الغذاء النجس، وأما إذا كانت من الدجاج فإنها تحبس ثلاثة أيام، وتطعم من الحبوب التي تتقوت بها غالباً كالبر ونحوه حتى يطيب لحمها أو يطيب غذاؤها، فيكتفى بحبسها ثلاثة أيام. وذهب كثير من العلماء إلى أنه لا يجوز أكلها حتى ينبت لها لحم غير ذلك اللحم أو يتغير، وفي هذا شيء من التشديد، وعلى كل حال يقول العلماء: إن هذا النجاسة التي أكلتها ولو أنها أثرت في بدنها وفي لحمها ولكن تأثيرها قليل، فاللحم موجود، وآثار ذلك الغذاء يرى في عروقها وفي أمعائها، ولكن بعد ما تحبس وتطعم الطعام الطيب يزول ذلك الأثر. ومعروف أن الدجاج في هذه الأزمنة قد تطعم طعاماً نجساً، الدواجن الموجودة الآن التي يبيعها أهلها يذكرون أنهم يغذونها بأغذية مستوردة قد يكون فيها شيء من النجاسات، يأخذون الدم أو غيره ويخلطونه بأشياء، ثم يجعلونه غذاء لهذه الطيور كالحمام والأوز والدجاج وما أشبهها حتى تتغذى به، لكن ذهب بعض العلماء إلى أنه طاهر؛ وذلك لأنه تحال، وقالوا: إن النجاسة تطهر بالاستحالة، وما دام أنه عقم وأدخل في مصانع وأزيل أثر ذلك القذر الذي فيه؛ فلا مانع من التغذي به، وإن كان الأفضل أن أهل الدواجن لا يغذونه إلا من الشيء الذي يتحققون طهارته وبعده عن النجاسة. وبكل حال هذه أحاديث تدل على بعض ما يباح من الأطعمة، والأصل فيها أنها حلال، وقد عرفنا أن الطيور والحيوانات الأصل فيها الحل إلا ما استثني، فاستثنوا الدواب والطيور التي تأكل الجيف كالسباع والرخم والنسور والغراب والعقاب وما أشبهه، واستثنوا ما له مخلب، وغالباً أن الذي له مخلب يأكل الجيف كالصقر والبازي وما أشبه ذلك، واستثنوا ما تستخبثه العرب ولا تستطيبه، واستثنوا الحشرات، واستثنوا ما أمر بقتله كالفواسق أو ما نهي عن قتله كالنملة والنحلة والهدهد والصرد، وما بقي فالأصل فيه الإباحة.

стр. 985

شرح حديث: (إذا أكل أحدكم طعاماً فلا يمسح يده حتى يلعقها) قال المصنف ﵀: [عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: (إذا أكل أحدكم طعاماً فلا يمسح يده حتى يلعقها أو يلعقها) ] . قوله ﷺ : (إذا أكل أحدكم طعاماً فلا يمسح يده حتى يَلعقها أو يُلعقها) يعني: إذا أكل بيده، وكان في يده بعد الأكل بقية من ذلك الطعام فإن عليه أن يلعق يده أي: أصابعه وكفه الذي عليه بقايا ذلك الطعام، أو يُلعقها أي: يعطيها ولده أو خادمه يمصها وينظفها قبل أن يمسحها، وكانت عادتهم الأكل بالأيدي دون الأكل بملعقة ونحوها؛ وذلك لأن اليد هي التي جعلها الله آلة العمل، ومن العمل الأكل، فقد أعطى الله الإنسان هذه الجوارح، ومن جملتها الأيدي، وأمره وأباح له أن يعمل بها ما ينفعه.

стр. 986

آداب الأكل معلوم أن النبي ﷺ علم أمته العادات كما علمهم العبادات، وتلك العادات مع النية الصالحة يثاب العبد عليها إذا امتثل أمر الله وأمر رسوله، ولو كانت من العادات الطبعية، فقد علمهم ﷺ كيفية التخلي؛ حتى عاب ذلك اليهود وقالوا: علمكم كل شيء حتى الخراءة! ولا شك أن من أهم ما يعلمهم آداب الأكل والشرب، فقد حثهم على الآداب في الأكل وفي الشرب، فقال ﷺ : (إذا أكل أحدكم فليأكل بيمينه، وإذا شرب فليشرب بيمينه، فإن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله) ، فهذا تعليم منه ﷺ بالشرب باليد اليمنى، وهي مشتقة من اليُمن الذي هو الخير والبركة، فأمرهم بأن يأكلوا ويشربوا بها حتى يبتعدوا عن مشابهة الشيطان. وأمرهم أن يقتصدوا في الأكل ولا يسرفوا، فقال ﷺ : (ما ملأ ابن آدم وعاء شر من بطن، بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه، فإن كان ولابد فاعلاً فثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لنفسه) ، وهذا تعليم منه ﷺ على الاقتصاد في الأكل وعدم الإسراف، وقد نهى الله تعالى عن الإسراف فقال تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف:٣١] لما أباح الأكل أمر أن يكون باقتصاد بلا إسراف، فهذه تعليمات من الله تعالى ورسوله. كذلك كان ﷺ يعلمهم كيفية الأكل، فكان يأمرهم إذا كانوا جماعة أن يأكلوا من أطراف الصحفة، وقال لربيبه لما رأى يده تطيش في الصحفة: (يا غلام! سم الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك) ، فأمره بأن يبدأ باسم الله، وأن يأكل بيده اليمنى دون اليسرى، وأن يأكل مما يليه، وامتثل ذلك الغلام فقال: فما زالت تلك طعمتي، أي: ما زلت على ذلك لا أتجاوز ما يليني، أي: يأكل مما يليه. وكذلك أيضاً حث على حفظ الطعام، فإن الطعام له بركة وله فائدة، فقال: (كلوا من أطراف الصحفة، وذروا ذروتها) أي: إذا كانوا يأكلون من صحفة، فليأكلوا من أطرافها وليتركوا وسطها، فإن الرحمة تنزل وسطها، وهذه تعليمات بكيفية الأكل إذا كانوا مجموعة متحلقين على صحفة أو على قدح يأكلون منه، فيأكل كل منهم مما يليه، ويتركون وسطها حتى يصلوا إليه. وكذلك أيضاً ثبت أنه أمر بأخذ اللقمة إذا سقطت، فقال ﷺ : (إذا سقطت لقمة أحدكم فليأخذها وليمط ما فيها من الأذى وليأكلها، ولا يدعها للشيطان) ، وكانت عادتهم أنهم يجلسون على التراب، وقد يرفع أحدهم لقمة إلى فمه، فتسقط على التراب فيتقذرها، فأمره أن يرفع تلك اللقمة، وأن يزيل التراب الذي علق بها ويأكلها، وأخبر بأنه إذا تركها فإنه يتركها للشيطان، والشيطان معلوم أنه يحرص على تقليل بركة الطعام، وعلى نزعها منه، والإنسان لا يفرح بالشيء الذي يحبه الشيطان، ولا يكون عوناً للشيطان، بل يؤمر بمخالفته وبكل شيء يضره، فلا تدع اللقمة التي سقطت منك، بل ارفعها وكلها بعدما تنظفها، هذا وهي ساقطة على تراب، فإذا سقطت على سفرة، أو على خوان، أو على بساط، أو سماط نظيف؛ فمن المعلوم أنها لا تتلوث بتراب، ولا تتلوث بغبار غالباً، حيث إن البسط والفرش تنظف في الغالب يومياً أو نحو ذلك، وكذلك الخوان والسماط إذا سقطت عليه فمعلوم أنها لا تتلوث. إذاً: فأنت مأمور بأن تأخذ وتأكل ما تساقط من اللقيمات أو من هذه الحبات التي تتساقط منك، ولا تدعها للشيطان كما أمرك بذلك النبي ﵊. وهكذا أيضاً أمر بلعق الأصابع والصحفة وقال: (فإنكم لا تدرون في أي طعامكم البركة) ، فإذا انتهيت من الأكل أو انتهيتم وأنتم مجموعة، وفرغت الصحفة أو الصحن أو القدح الذي فيه الطعام، فإن السنة أن تلعق الصحفة بالأصابع، ثم تعلق وتمتص ما علق منها بأصابعك، وعلل بذلك بقوله: (فإنكم لا تدرون في أي طعامكم البركة) . وفي هذا الحديث: أمر بلعق الأصابع، حتى قال: (يَلعقها أو يُلعقها) أي: يَلعقها بنفسه أو يُلعقها غيره قبل أن يمسحها، ويلعق الصحفة قبل أن يغسلها، وكانوا يقتصرون على المسح، فلا يغسلون أيديهم بعد الأكل، وإنما يقتصرون على المسح بخرقة أو منديل أو نحو ذلك، فيمسحون أثر الأكل من اليد، ومعلوم أن الغسل لاسيما بصابون أو نحوه أبلغ في إزالة أثر الأكل، ونحن نقول: لا مانع من الغسل بالصابون ونحوه لإزالة أثرها، وقد ورد الأمر بغسل اليدين قبل الطعام، والأمر أيضاً بتنظيفهما بعده، ويقول بعض الحكماء: اغسل يديك قبل تناول الطعام وبعده، فغسلها قبله أمنة من الجذام، وغسلها بعده أمنة من الهوام، أي: أنك إذا نظفتها وزال ما فيها من الدسم أمنت من أن تعلق بها الهوام التي تأتي على رائحة الدسم، فربما لسعته هامة أو نحوها، فذلك أمنة، وهي من السنة، يعني: التنظيف، وإن زال ذلك الأثر بالمسح فإنه يكتفى به. ولاشك أن هذه التعليمات من النبي ﷺ هي حث لأمته على حفظ هذا الطعام، وعلى عدم إضاعته، وذلك لأن الطعام هو قوت البدن، وهو القوت الرئيسي الذي ينمو وينبت به هذا البدن، فأمر بحفظه والمحافظة عليه وعدم إفساده، وعدم تبذيره وتبديده، وعدم إضاعته بأي نوع من أنواع الإضاعة؛ وذلك احتراماً له، لأنه فضل الله وعطاؤه، وهو الذي يسر أسبابه، يسر لك السبب الذي تحصل منه على هذا الغذاء، وتتغذى به، وتسد به جوعتك، وينمو وينبت به جسدك، وتبقى به حياتك، فالله تعالى هو الذي سهله ويسره، وهو الذي يسهل كيفية التغذية به.

стр. 987

النهي عن إضاعة الطعام والإسراف فيه على كل حال، هذا الحديث ونحوه دليل على أنه يشرع للمسلم ألا يسرف في إضاعة الطعام، ولا في إفساده بأي نوع من أنواع الإفساد؛ وذلك احتراماً لهذا الطعام، ولهذه النعمة التي أنعم الله بها على العبد؛ مخافة أن يتمناه عند فقده، وليتذكر أن هناك من يتمنى كسرة الخبز التي يلقيها الكثير من الناس أو لقمة اللحم التي لا يعبأ بها، فقد كان ﵊ يحض على حفظ كل ما يتصل بالطعام، ذكر ابن القيم ﵀ أنه ﷺ رأى مرة كسرة خبز سقطت على الأرض فرفعها وقال: (يا عائشة! أحسني جوار نعم الله، فقل أن تنفر من قوم فتعود إليهم) ، ونعم الله من أجلها الطعام والمآكل ونحوها، فأمرها بأن تحسن جوار نعم الله، وأخبر أن إلقاءها على الأرض ولو كانت يابسة إهانة لها، واستهانة بقدرها، وسبب في نفورها، وعلامة على عدم شكرها، والنعم إذا شكرت قرت، وإذا كفرت فرت، فعلى المسلم أن يراعي ما أمر الله تعالى بمراعاته وأمر بحفظه. كان النبي ﷺ يعيش عيشة قلة، بحيث إنه كان يبقى شهراً أو شهرين لا يوقد في بيته نار، إنما قوته الأسودان: التمر والماء، وأحياناً يأتيهم شيء من اللبن، تقول عائشة: إلا أن نؤتى باللحيم، يعني: يأتيهم أحد بقطعة لحم أو نحوه، وكان ﵊ لا يدع شيئاً من آثار الطعام يفسد أبداً، بل يأكل منه ويعطي غيره، أو يأكل بقية ما أكله غيره، ولا يتحاشى مما أكل منه غيره، ذكرت عائشة أنها كانت تشرب من اللبن في القدح، ثم تناوله ﷺ فيشرب منه، ويضع فمه في الموضع الذي وضعت فيه فمها، ولا يتحاشى ويقول: إناء شرب فيه غيري لا أشرب فيه، بل يشرب فيه ولو كان قد شرب فيه غيره، وذكر أبو هريرة أنه وجد عند النبي ﷺ قدحاً فيه لبن، فأمره أن يأتي بأهل الصفة، فلما أتى بهم أمره أن يسقيهم واحداً بعد واحد، وكل واحد شرب من ذلك القدح حاجته، حتى انتهوا ورووا، ثم أمر أبا هريرة أن يشرب، ثم شرب ﷺ الفضلة، ولم يقل: هذا القدح قد شرب من حافته عشرة، فلا أقبله إلا بعد غسله وبعد تنظيفه، بل يشرب من موضع شربهم، ولا يتحاشى شيئاً من ذلك، ولا يحتاج إلى غسله، وكان إذا أهدي لهم عظم عليه لحم ينهسه بأسنانه يعني: يتعرقه ويأخذه بأسنانه، قالت عائشة: كنت أتعرق اللحم من العظم ثم أناوله النبي ﷺ بعدما آكل منه، فيضع أسنانه في مكان موضع أسنانها، ويتعرق منه ولا يتركه وعليه شيء مما يمكن أن تناله الأسنان، وكل ذلك حرص منه على عدم إفساد الطعام، وحرص منه على أن يكون المسلم محافظاً على نعم الله تعالى، وتحذير من إضاعتها، وعدم شكرها، وعدم حفظها؛ لأنه يخشى أنها تنفر أو يكون ذلك كفراً. الكثير من الناس في هذه الأزمنة يفسدون أنواعاً من الطعام، ولا يبالي أحدهم بما أفسد منه، وربما تشاهد اللحوم وأنواع الفواكه وأنواع المأكولات تلقى في القمامات ونحوها، ولا شك أن هذا يخاف منه أن يكون كفراناً للنعم، ذكرنا هذا بمناسبة أنه ﷺ أمر بلعق الأصابع، وقال: (إذا فرغ أحدكم من الطعام فلا يمسح يده حتى يَلعقها أو يُلعقها) ، مع أنه لا يعلق بالأصابع غالباً إلا دسم أو آثار قليلة من الطعام أو نحو ذلك، فإذا غسلها وعليها هذا الدسم، أو عليها هذا الطعام، ربما اختلط الطعام مع الأوساخ، وربما ذهب مع مجاري الفضلات، ومجاري الأوساخ والقاذورات، فيكون ذلك إفساداً لهذه النعمة، وعدم اعتراف بها، أما إذا أعطاها من يُلعقها حتى ولو بهيمة فإن ذلك يكون حفظاً لها، فإذا بقي على الخوان شيء من حبات الطعام، فإياك أن تلقيه في القمامات ونحوها، فستجد من يأكله ولو من الطيور ولو من القطط ونحوها التي تمتص العظام ونحوها، ولو من الدواب، ولو حتى من الذر والنمل التي تأكل ما عليها، وهذا أهون من أن تلقيها فتداس بالأرجل وتمتهن وتفسد، ويكون ذلك إفساداً لها، وعدم شكر لها، هذا في بقية الطعام الذي على العظم ونحوه، فبطريق أولى لا يجوز إفساد الأكل الكثير، وإلقاؤه وعدم إعطائه لمن يستحقه، وهناك بلا شك -كما تعرفون- بلاد كثيرة تشكو من الجوع وتشكو الفقر، يتمنون الخبزة التي نراها كثيراً في القمامات، ويتمنون التفاحة أو نحوها التي نراها تلقى وتفسد، وكذلك في هذه البلاد من يتمنى أكلة أو بعض أكلة، وهم في أطراف البلاد أو في البيوت القديمة، وهناك جمعيات يتلقون بقية الأكل وتعطى لهؤلاء حتى لا تفسد، ويفرقونها على من يعرفونه مستحقاً، فيتقبلها ويفرح بها.

стр. 988

شرح عمدة الأحكام [٧٥] علم الله أن الإنسان يحتاج إلى اصطياد الحيوانات والطيور فأحل له منها ما هو طيب، وحرم عليه منها ما هو خبيث، والصيد جائز سواء اصطاده الإنسان بشبكة أو بسهم، أو بجارح من الجوارح المعلمة، وقد بين أهل العلم أحكام الصيد من أدلة الكتاب والسنة.

стр. 989

شرح حديث: (إنا بأرض قوم أهل كتاب، أفنأكل في آنيتهم ؟) قال المصنف رحمنا الله تعالى وإياه: [باب الصيد: عن أبي ثعلبة الخشني قال: (أتيت رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله! إنا بأرض قوم أهل كتاب، أفنأكل في آنيتهم؟ وفي أرض صيد، أصيد بقوسي، وبكلبي الذي ليس بمعلم، وبكلبي المعلم، فما يصلح لي؟ قال: أما ما ذكرت -يعني: من آنية أهل الكتاب- فإن وجدتم غيرها فلا تأكلوا فيها، فإن لم تجدوا فاغسلوها وكلوا فيها، وما صدت بقوسك فذكرت اسم الله عليه فكل، وما صدت بكلبك المعلم فذكرت اسم الله عليه فكل، وما صدت بكلبك غير المعلم فأدركت ذكاته فكل) ] . مما أحله الله تعالى الصيد الحلال، قال الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمْ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنْ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمْ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [المائدة:٤] ، والجوارح هي التي تعلم ويصاد بها، فمن الجوارح الكلاب المعلمة، ومن الجوارح الطيور المعلمة، وقد اشترط الله تعالى فيها التعليم: ﴿تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمْ اللَّهُ﴾ [المائدة:٤] فيعلم الكلب أو نحوه كيفية، الإرسال وكيفية الإمساك، وكذلك الطير الذي يصاد به كالباز والشاهين والباشق والصقر ونحوها من الطيور التي تعلم وترسل فتصيد، فأباح الله تعالى هذا الاصطياد، وأباح أكل هذا الصيد. والأمر في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة:٢] أمر إباحة، ومنع من الصيد في حالة الإحرام فقال: ﴿لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة:٩٥] ، وقال: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُماً﴾ [المائدة:٩٦] ، فدل على أنه إذا لم يكن هناك إحرام فإن الصيد حلال، وكذلك يحرم الاصطياد داخل الحرم؛ لأن مكة وما حولها حرم لا ينفر صيدها، يعني: لا يصطاد ولا يطرد، أما بقية البلاد غير الحرمين فإنه يجوز أن يصيد فيه غير المحرم.

стр. 990

حكم استعمال آنية الكفار هذا الحديث عن أبي ثعلبة جرثوم بن ناشر الخشني ﵁، ذكر أنه سأل النبي ﷺ سؤالين: سؤال يتعلق بآنية الكفار، وسؤال يتعلق بالصيد، فأما آنية أهل الكتاب فذكر أنهم يحتاجون لها، فما حكم الطبخ والأكل والشرب فيها؟ وكأنه توقف فيها لأن أهل الكتاب الذين هم النصارى أو اليهود كانوا يستحلون الخمر، فيشربون في آنيتهم الخمور، فتكون تلك الآنية قد تلوثت بهذا الشراب المحرم، وكانوا يطبخون في قدورهم الميتة، ويطبخون فيها لحم الخنزير، وهو محرم، فتكون تلك القدور بعد الطبخ فيها شيء من آثار ذلك المطبوخ، فما حكم طبخنا فيها، أو شربنا فيها، هل ذلك جائز أم لا؟ فأخبره النبي ﷺ بأنه يتركها إذا وجد غيرها، يعني: إذا وجدتم آنية غير آنية الكفار فلا تأكلوا ولا تشربوا فيها؛ مخافة أن يكون فيها شيء من أثر نجاسة، وقد يكون ذلك لأجل ألا يكون لهم منة على المؤمن، فيكون ذلك سبباً لمحبتهم ومودتهم، وموالاتهم وتقريبهم، بل لا تأخذوا منهم شيئاً وأنتم تجدونه عند غيرهم، فإذا لم تجدوا غير تلك الآنية فإن لكم رخصة في أن تأكلوا أو تشربوا أو تطبخوا فيها، ولكن بعد التطهير، بعدما تغسلها بالماء وتنظفها حتى يزول ما يخاف أن يكون فيها من آثار النجاسة، هذا جواب السؤال الأول.

стр. 991

حل الصيد السؤال الثاني عن الصيد، فذكر أن الصيد يكون بالرمي، ويكون بالكلب، والكلب قد يكون معلماً وقد يكون غير معلم، ويلحق بالكلب الجوارح التي ذكرها الله تعالى في القرآن: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنْ الْجَوَارِحِ﴾ [المائدة:٤] فالطيور المعلمة تسمى جوارح؛ لأنها تجرح الصيد إذا صادته، فأباح الله تعالى صيد الطيور المعلمة، وأباح أيضاً صيد الكلاب المعلمة، فقوله تعالى: ﴿مُكَلِّبِينَ﴾ [المائدة:٤] يعني: متخذين هذه الكلاب تعلمونهن مما علمكم الله. إذاً: الصيد بالكلب المعلم حلال، بشرط أن يكون معلماً، ومتى يكون معلَّماً؟ المعلَّم هو الذي إذا أرسل استرسل، وإذا زجر انزجر، وإذا أمسك لم يأكل، هذا حد المعلم. علم الله أن الإنسان قد يحتاج إلى الاصطياد من هذه الدواب المباحة المنتشرة في الأرض، وهذه الدواب منها ما هو حلال، ومنها ما هو حرام، وللحرام علامات يعرف بها، ويتميز بها الحلال من الحرام، فمنها ما يكون بالغذاء، ومنها ما يكون بوصف اتصف به، والدواب المباحة قد سبق ذكر بعضها، فتقدم أن الضب أكل على مائدة النبي ﷺ ، فهو من الصيد، وذكر أن الصحابة أنفجوا أرنباً، وأمسكها أنس وذبحها أبو طلحة، وأرسل إلى النبي ﷺ بوركها وفخذها فقبله، فدل على أنها من الصيد، وتقدم في الحج ذكر حمار الوحش، وأنه من الصيد، وهو دابة أكبر من الوعل أو قريب منه، أو هو نوع من الوعول، فهو من الصيد، وكذا الظباء، والوعول، والإيل، والأروى، هذه كلها من أنواع الصيد، ومن أنواع الصيد المتوحش ما يعيش في البراري كالوبر واليربوع، وما يلحق به، فهذه من أنواع الصيود التي تعيش في البراري، وتتقوت من القوت الحلال، فترعى من الرعي الذي ينبت في الأرض، وتشرب إذا وردت ماء أو تعيش بدون ماء. كذلك أيضاً أباح الله الكثير من الطيور المباحة، فالحمام بأنواعه من الطيور الحلال، وكذلك الحجل من الطيور المباحة، وهكذا الحبارى من الطيور المباحة؛ وذلك لأن قوتها وغذاءها حلال من الطيب، وأما الأشياء المستقذرة فإنها محرمة، حرم النبي ﷺ (كل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطير) ، فحرم ذوات المخالب، فالصقر ولو كان مما يعلم فإنه حرام لأنه ذو مخلب، وكذلك العقاب، والغراب، والباشق، والعقاب، والرخم، والنسور التي تأكل الجيف والقاذورات، فهذه ليست من الصيد، بل هي من المحرمات؛ لأنها تتغذى بالجيف وتأكلها وتأكل الأقذار، بخلاف الصيد الذي يتغذى بالأعشاب، أو الطيور التي تتغذى بالحبوب وبالأعشاب كالحمام ونحوها فهذه من الطيبات. فعرفنا بذلك الفرق بين ما هو حلال من الطيور وما هو حرام، وكذلك الوحوش، فذوات الأنياب حرام كالذئب والنمر والأسد والدب وما أشبهه، وأيضاً ما يأكل الجيف كالكلاب بأنواعها، فهذه كلها محرم أكلها ولو كانت أليفة، فليست من الصيد الذي أباحه الله في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة:٢] ، وفي قوله: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُماً﴾ [المائدة:٩٦] ، وفي قوله: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة:٤] ، وإنما المراد ما أمسكت من الصيد الحلال، فهذا الصيد يقتنصه المقتنصون؛ لأنه طعام لذيذ ولحم شهي كسائر اللحوم، والله تعالى أباح اللحوم الطيبة، فأباح بهيمة الأنعام، أباح لحم الإبل والبقر والغنم بأنواعها، وتقدم أن لحم الخيل أيضاً مباح؛ لأنه من الطيبات، وكذلك لحوم الأسماك ودواب البحر لقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعاً لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ [المائدة:٩٦] ، وتقدم أيضاً إباحة أكل الجراد، وهو من اللحوم المباحة وإن تقذره بعض من لم يألفه. وهذه الصيود جعل الله لها ما تتحصن به، فمنها ما يتحصن عن الاصطياد بجناحيه فيطير حتى يحرز نفسه وينجو بنفسه عن أن يدركه من يطلبه، فالحمام وما أشبهه من الحجلات والعصافير بأنواعها تتحصن وتتحرز بأجنحتها بأن تطير حتى تؤمن نفسها، والظباء ونحوها جعل الله لها حصناً بشدة السعي، فهي تسعى سعياً شديداً حتى لا يدركها الإنسان ولا يدركها إلا جارح قوي سابق من الكلاب ونحوها، ولاشك أن هذه كلها جعل الله لها سلاحاً تتوقى به حتى تحصن نفسها، ولكن إذا غلبها الإنسان بأن اصطادها بشبكة أو اصطادها بجارح أو اصطادها بسهم رماها به؛ فهي من الطيبات التي أحلها الله، وجعل أكلها من نعمه التي أنعم بها على عباده، فيأكلها المصطاد سواء أكل تفكه وتلذذ وتنعم وإن لم يكن جائعاً، وإن كان اللحم موجوداً، أو أكل غذاء، فهناك من ليس لهم كسب وليس لهم غذاء إلا الاصطياد، ليس لهم حرفة ولا صنعة، وليس لهم مورد إلا أن يصطادوا، وكان إسماعيل بن إبراهيم ﵇ صياداً، ما كان له حرفة إلا أنه يذهب فيصيد بالنبل، يعني: يرمي السهام فيصيد من الطيور المباحة ومن الوحوش المباحة ونحوها، فيكون ذلك غذاء له ولأولاده، ونسمع أن كثيراً من الناس ما كان لهم غذاء إلا ما يصطادونه مما أباحه الله تعالى من هذه الصيود التي امتن الله بإحلالها في قوله تعالى: ﴿قُلْ أُحِلَّ لَكُمْ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنْ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمْ اللَّهُ﴾ [المائدة:٤] .

стр. 992

حكم الصيد بالكلب أخبر النبي ﷺ أنه إذا أمسك عليك الكلب فإما أن يكون الكلب معلماً وإما أن يكون غير معلم، وقد عرفت أن المعلم هو الذي إذا أرسل استرسل، وإذا زجر انزجر، وإذا أمسك لم يأكل على صاحبه، بل أمسك على صاحبه ولم يأكل من الصيد، هذا هو الكلب المعلم، وورد أنه ﷺ قال: (فإن أكل فلا تأكل، فإني أخاف أنه إنما أمسك على نفسه) يعني: لم يمسك لك، وإنما أمسك لنفسه، فعلامة المعلم أنه يمسك الأرنب -مثلاً- بأنيابه حتى يأتي إلى صاحبه فيقبضها، فإن وجدها ميتة فهي حلال وإلا ذكاها، ويذكيها بكل حال. واختلفوا إذا قتلها الكلب، عادة أنه إذا أمسكها فإنه يمسكها بأنيابه، وقد يكون صاحبه بعيداً، فلا يدركه إلا وقد ماتت في فمه، فالأكثرون على أنها تؤكل لعموم قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة:٤] ، ولكن بشرط أن تسمي عند الإرسال، فإذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله بأن تقول: باسم الله، والله أكبر؛ فإذا أمسك عليك فكل حتى ولو قتل بعضِّه أو بتحامله على ذلك الصيد حتى مات بثقله فالصحيح أنه يباح، وذلك لكونه داخلاً فيما أباحه الله: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة:٤] ، والحديث لم يفصل في الكلب المعلم، بل قال: (إذا أرسلت كلبك المعلم فكل) ، ولم يقل: إن وجدته حياً، بل أطلق ذلك بشرط ذكر اسم الله تعالى، فالكلب المعلم إذا قتل فإن قتله حلال بشرط التسمية عند الإرسال، ولو لم يجرح، ولكن إذا وجدت الصيد حياً فلا بد من ذبحه وتذكيته؛ حتى يخرج الدم، وإذا وجدته قد مات فلا بد من قطع رأسه وحلقومه ولو لم يخرج منه دم حتى تتحقق التذكية ظاهراً، فهذا حكم صيد الكلب المعلم. أما الكلب غير المعلم من سائر الكلاب إذا استرسل وأمسك، ووجدت الصيد في فمه قد مات فلا تأكل؛ وذلك لأنه أمسك لنفسه، وإن وجدت الصيد حياً لم يمت وذكيته فإنه مباح، ويدخل في قوله تعالى: ﴿إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة:٣] ، والتذكية هي أن تذبحه من حلقه حتى تقطع الحلقوم والمريء والوريدين، حتى يخرج الدم المتحجر في بدنه، أباح الله المذكى بقوله: ﴿إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة:٣] ، وأباحه النبي ﷺ في هذا الحديث بقوله: (فأدركت ذكاته فكل) ، فأما إذا لم يكن معلماً وقتل فلا تأكل، وكذلك إذا أكل، فإذا وجدت الكلب قد أكل من الصيد سواء كان معلماً أو غير معلم فلا تأكل، فإنه أمسك على نفسه أي: اصطاد لنفسه ولم يصطد لصاحبه؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة:٤] يعني: أمسكن لكم، فأما إذا أكل فإنه لم يمسك عليك، وإنما أمسك على نفسه.

стр. 993

حكم الصيد بالطيور الجارحة الطيور الجارحة كالصقر والباز والشاهين والباشق ونحوها من الجوارح، الأصل أنها تجرح؛ وذلك لأن صيدها يكون بمخالبها، فهي تجرح الأرنب مثلاً بمخلبها حتى تفري ظهرها وتشق جلدها، وكذلك الحبارى تضربها بمخالبها في ظهرها حتى تمزق ظهرها وأجنحتها، فهذا لا شك أنه جرح، وأنه تحل به هذه الصيود، ولكن الطيور الجوارح الغالب أنها تأكل مما صادته؛ لأجل ذلك يجوز أكل ما بقي، فلو وجدت الصقر قد أكل من الصيد فلا مانع من أن تأكل ما بقي، أما إذا وجدته حياً فلابد من تذكيته، فإن وجدته قد مات فهو حلال سواء أكل منه الجارح أو لم يأكل، هذا حكم صيد الجوارح.

стр. 994

حكم الصيد بالسهام والرصاص والحجر يجوز الصيد بالسهام، فالسهم هو الذي يرمى به، وقديماً كان السهم يتخذ من الأعواد، يبرى عود من أعواد السلم ويكون محدداً، ثم يرمى به في القوس، وإذا كانت الرمية شديدة فإنه يخرق الصيد، كما في قوله: (يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية) يعني: يضرب الظبي من جانب ويخرج من جانب، يسبق الفرث والدم، فالأصل أن هذا السهم يخرق، ويصيب غالباً بحده فيقتل، فهذا دليل على أنه حلال، فإذا وجدت السهم قد خرق الجلد وخرق اللحم وماتت الرمية فإنها حلال بشرط أن تسمي عند الرمي، ومثله الرصاص الموجود الآن في البندقية، فإنه محدد، وهو يخرق الرمية وينفذ فيها، لذلك يقول بعضهم: وما ببندق الرصاص صيد فإنه مباح فحله استفيد أفتى به والدنا الأواه وانعقد الإجماع من فتواه فالحاصل أنه يحل أكل ما صيد بهذا الرصاص ونحوه، أما ما صيد بالحجر أو صيد بالعصا أو صيد بالسهم ولكن أصابه بعرضه، فلا يؤكل، بل يدخل في الموقوذة التي ذكر الله أنها من المحرمات، وهي التي تضرب حتى تموت، ولا تنجرح بالضرب، فإذا رميت عصفوراً مثلاً بحجر، وذلك الحجر كبير فشدخه ولم يجرحه ومات فلا تأكل، فإن وجدته قد جرحه فأسال منه الدم فكل إذا سميت عند الرمي، وهكذا إذا رميته بعصا وأصابته العصا بحدها وبرأسها فنفذت فيه وجرحته فإنه حلال إذا سميت عند الرمي، وأما إذا أصابته بعرضها فمات فإنه من الموقوذة فلا يؤكل، هذا ما يتعلق بالصيد بالقوس.

стр. 995

شرح حديث: (إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله عليه فكل) قال المصنف رحمه الله تعالى: [وعن همام بن الحارث عن عدي بن حاتم ﵁ قال: قلت: يا رسول الله! إني أرسل الكلاب المعلمة فيمسكن علي وأذكر اسم الله، فقال: (إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله عليه فكل ما أمسك عليك، قلت: وإن قتلن؟ قال: وإن قتلن، ما لم يشركها كلب ليس منها، قلت له: فإني أرمي بالمعراض الصيد فأصيب؟ فقال: إذا رميت بالمعراض فخرق فكل، وإن أصابه بعرضه فلا تأكله) ، وحديث الشعبي عن عدي نحوه، وفيه: (إلا أن يأكل الكلب، فإن أكل فلا تأكل، فإني أخاف أن يكون إنما أمسك على نفسه، وإن خالطها كلب من غيرها فلا تأكل، فإنما سميت على كلبك ولم تسم على غيره) ، وفيه: (إذا أرسلت كلبك المكلب فاذكر اسم الله، فإن أمسك عليك فأدركته حياً فاذبحه، وإن أدركته قد قتله ولم يأكل منه فكله، فإن أخذ الكلب ذكاته) ، وفيه أيضاً: (إذا رميت بسهمك فاذكر اسم الله عليه) ، وفيه: (وإن غاب عنك يوماً أو يومين -وفي رواية:- اليومين والثلاثة فلم تجد فيه إلا أثر سهمك فكل إن شئت، وإن وجدته غريقاً في الماء فلا تأكل، فإنك لا تدري الماء قتله أو سهمك) ] . في هذا تعليم من النبي ﷺ لمن سأله عن الصيد، والصيد هو اقتناص حيوان متوحش طبعاً غير مقدور عليه، واصطياده بواسطة الكلاب، أو بواسطة السهام، أو بواسطة المعراض، وقد أباح الله تعالى جنس ذلك بقوله: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة:٢] ، وحرم ذلك في حالة الإحرام بقوله: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُماً﴾ [المائدة:٩٦] وأفاد أنهم إذا لم يكونوا حرماً فإنه مباح لهم هذا الاصطياد، وقد عرفنا أن المراد بالصيد ما يمكن اقتناصه من الدواب المتوحشة التي يباح أكلها، وهي معروفة ومشهورة، وقد جعل الله سلاحها الذي تتوقى به مختلفاً، فمنها ما سلاحه الأجنحة بحيث يطير حتى ينجو بنفسه، وقد جعل الله بطبعها الهروب من الإنسان، فقد عرفت أنه إذا أمسكها ذبحها وأكلها، فإذا رأته هربت، فإن كانت ذات أجنحة نفرت وطارت لتنجوا بنفسها، وإن كانت من غير الطير سعت بجهدها حتى تنجو بنفسها، ومنها ما يتحصن في رءوس الجبال كالوعول ونحوها، ومنها ما يتحصن بحفر في الأرض كالضب ونحوه، فهذه الدواب وهذه الصيود أباح الله تعالى اصطيادها واقتناصها، فهي تعيش في البراري وتتوالد كما قدر الله، وتأكل من نبات الأرض، ومما تجده مما يناسبها، ويمسكها الإنسان فيأكل مما أحله الله منها، ويتجنب ما ليس بمباح مما ليس من الطيبات. وقد ذكر الله تعالى الاصطياد بالكلاب فقال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمْ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنْ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ [المائدة:٤] ، والجوارح تكون من الطير كالصقر أو البازي أو الشاهين أو الباشق، وغيرها من الطيور التي تجرح الصيد بمخالبها، ومن الجوارح الكلاب المعلمة، ولهذا قال: ﴿مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمْ اللَّهُ﴾ [المائدة:٤] أي: متخذين لهذه الكلاب المعلمة، فقد عرف أن الكلب لا يجوز اقتناؤه إلا إذا كان محتاجاً إليه، وثبت أن النبي ﷺ قال: (من اقتنى كلباً نقص من أجره كل يوم قيراط إلا كلب صيد أو حرث أو ماشية) كلب الصيد الذي يعدو ويصيد، وكلب الماشية الذي يحفظها ويحرسها من الذئاب والسباع، وكلب الحرث الذي يحرس الحرث؛ لأن أهله قد ينامون ويغيبون، فالكلب يكون حوله حتى لا تأتيه المواشي لتأكل من ذلك الزرع ونحوه، وكذلك يحرسه من اللصوص ونحوهم، فيجوز اتخاذها للحراسة لمثل هذه الأشياء، وأما ما عداها فلا يجوز اقتناؤها. على كل حال، الكلب المعلم صيده حلال؛ لقول الله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [المائدة:٤] ، فاشترط أن يكون معلماً لقوله: ﴿تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ﴾ [المائدة:٤] ، وقد ذكرنا أن المعلم هو الذي إذا أرسل استرسل، وإذا زجر انزجر، وإذا أمسك لم يأكل؛ فهذا هو الذي درب وعلم، يعلمه أهله أنهم إذا رأوا الصيد فإنهم يشيرون إليه، ويدعونه باسمه، ثم إنه يعدوا خلف ذلك الصيد، وإذا رأوه مثلاً متثاقلاً زجروه فانزجر وازداد في العدو، وإذا أمسك وأكل ضربوه فلم يعد، وليس تعبيرهم بالكلام وإنما بالفعل، فيدربونه على أنه يمسك ولا يأكل، وإذا أمسك وأكل ضربوه مرة فلم يعد يأكل، فهذا هو الكلب المعلم.

стр. 996

شروط الصيد بالكلب المعلم وبالسهم ونحوه في هذه الأحاديث تعليمات لحل الصيد بالكلب المعلم، وكذلك حل الصيد بالسهم وما أشبهه: أولاً: أنه إذا أرسله فإنه يسمي؛ لقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [المائدة:٤] ، فيذكر اسم الله بقوله: باسم الله، أو باسم الله والله أكبر، على هيئة ما يقوله عند ذبح الحيوان المباح. ثانياً: أن الكلب يمسك الصيد حتى يأتيه صاحبه، ثم يتسلمه منه، ويمسكه بفمه أو بيديه ويتثاقل عليه. ثالثاً: يجوز الصيد لو قتله الكلب، فتسميتك وإرسالك للكلب يعتبر ذكاة، والكلب قد يعض الأرنب حتى تموت، أو يكسر أضلاعها، وقد يتأخر صاحبه فلا يأتي إليه إلا وقد مات، فيكون إمساكه لها تذكية له، وقد ذكر بعضهم خلافاً فيما إذا قتله الكلب بثقله، فـ ابن كثير ﵀ تكلم على المسألة في أول تفسير سورة المائدة في تفسير قوله تعالى: ﴿تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمْ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة:٤] ، وهي الآية الرابعة من السورة، وكأنه يميل إلى أنه لا يؤكل إذا قتله بثقله، ولكن ظاهر الحديث أنه يؤكل؛ لقوله في هذا الحديث: (وإن قتل) يعني: وإن قتل الكلب فَكُلْ. والدليل عليه أنه قال: (وإن وجدت مع كلبك كلباً آخر أو كلاباً فلا تأكل، فإنك إنما سميت على كلبك ولم تسم على غيره) ، فدل على أنه إذا سمى على كلبه وقتل فإنه يأكله، وإذا لم يسم فلا يأكل، وإذا وجد مع كلبه كلباً آخر ولم يسم وقد قتل فإنه لا يأكل؛ مخافة أن تكون الكلاب اجتمعت عليه فقتلته، ولا يدرى أيها قتله، هل المسمى عليه أو الذي لم يسم عليه؟ والدليل أيضاً أنه قال: (فأدركت ذكاته) ، فإذا وجدت الصيد لم يزل حياً، لم تزل الأرنب أو اليربوع أو الحبارى أو نحوها فيها حياة، فإنك تذبحه بالسكين؛ وذلك لأنك إذا تركته حتى يموت فقد فرطت، ومثل ذلك القتل بالسهم.

стр. 997

الصيد بالوسائل المباحة امتن الله سبحانه على عباده بالصيد، وجعله من المباحات، ولما ذكر المحرمات في قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ [المائدة:٣] إلخ الآية، ذكر ما أحل لهم بقوله: ﴿قُلْ أُحِلَّ لَكُمْ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنْ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ [المائدة:٤] أي: وصيد ما علمتم من الجوارح مكلبين ﴿تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ﴾ [المائدة:٤] فأفاد بأن مما أحله الله تعالى، وجعله من الطيبات، هذه الظباء والوعول -والوعل الأنثى هي الأروى، والكبير من الوعول هو التيتل- وحمر الوحش، وبقر الوحش، وغنم الوحش -وهي دواب تشبه الضأن، وهي أنواع من الوعول- وكذلك ما يشبهها مما هو حلال طيب داخل في قوله: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمْ الطَّيِّبَاتُ﴾ [المائدة:٥] ، واصطيادها وإمساكها للإنسان فيه طرق ومسالك يسلكها، ويتوصل بها إلى إمساكها بأية وسيلة، لكن لابد أن تكون تلك الوسيلة مباحة، ونسمع أن كثيراً يأتون إلى الضب وهو في جحره فيوقدون عليه حتى ربما احترق في جحره من الدخان ومات في جحره، فمثل هذا تعذيب لا يجوز؛ وذلك لأن تعذيب الحيوان بالإحراق إفساد له، وتعذيب له بغير حق، أما صب الماء في جحره إلى أن يشعر بالماء ثم يخرج لئلا يغرق فهذا جائز، وكثيراً ما يحصل خروج الأضب من جحورها بواسطة نزول السيل ودخوله في جحورها، فعند ذلك تخرج، فيلحق بذلك إذا صب في جحره من الماء حتى يخرج، وأما ما يفعله بعضهم من إيقاد عليه، أو عمل من الأعمال الجديدة كإحراقه بالسيارات أو نحوها فنرى أن ذلك من التعذيب ومن الأذى. أما الصيد بالمعراض، فالمعراض: هو العصا التي ليست بمحددة، ولكن قد يكون رأسها يخرق، فإذا رمى صيداً ولو صغيراً -كعصفور أو حمّرة أو حمامة أو نحو ذلك- بهذا المعراض فإن كان المعراض قتله بثقله فلا يحل، وهو داخل في الموقوذة التي هي من جملة المحرمات، والموقوذة: هي التي تضرب إلى أن تموت، تضرب بعصا أو بحجارة إلى أن تموت دون أن تذكى -أي: تذبح- فلو استعصت شاة أو ناقة أو ثور لم يجز قتله بالمثقل، فلا يجوز أن يضرب بالحجارة أو بالعصي إلى أن يموت، لكن يجوز رميه بالسهام إذا نفر وهرب، ففي حديث رافع بن خديج: أنهم كانوا في سفر فندّ بعير -يعني: هرب-، ولما هرب رماه رجل بسهم فأثبته، فذلك السهم الذي رماه به خرق جلده وخرق بدنه وجوفه، فسقط ذلك البعير من آثار ذلك السهم، فأباح النبي ﷺ أكله، وقال: (إن لهذه الدواب أوابد كأوابد الوحش، فما ندّ منها فافعلوا به هكذا) ، أما كونه يضرب بعصي إلى أن يموت فإن هذا وقيذ، وقد شبه النبي ﷺ ما قتل بالمعراض بالوقيذ، فإذا رميت بالعصا صيداً طائراً أو حيواناً كيربوع أو أرنب أو ضب فقتله بالثقل فلا تأكله، وكذلك لو رماه بحجر ثقيل فشدخه ولم يجرحه، فمات من آثار الحجر، فإنه يلحق بالوقيذ فلا يحل أكله، ولو سمى عليه؛ وذلك لعدم الجرح فيه، ولا يلحق بالكلاب لأن الله أباح الصيد بها بقوله: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة:٤] ، فلا يدخل المعراض في إمساك الجوارح ونحوها. والسهام هي النبال، تكون محددة رءوسها، تقطع من شجر العضاة، ثم تحدد حتى تكون كرأس السكين، فإذا رموا بالسهم توجه إلى الرمية وطعنها؛ لأنه يقع على حده، فينفذ في الرمية؛ ولهذا قال ﷺ في صفة الخوارج: (يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية) أي: من المرمي كالظبي ونحوه، فهذا السهم قد يقتل، فتأتي إلى الصيد وقد قتله ذلك السهم سواءً كان ظبياً أو حماماً أو حبارى أياً كان، فإذا وجدته قد قتله وأنت قد سميت عند الرمي فإنه مباح وحلال أكله، أما إذا أدركته حياً فلا بد من ذكاته؛ لأنك قدرت على الذكاة فلابد أن تذبحه، ولا يجوز تركه والحال هذه بدون ذكاة، ومن فعل ذلك فإنه يعتبر مفرطاً، وكذلك لا يجوز تجاوزه وهو حي، فإذا رميته وأدركته وهو حي فلا تتجاوزه وتذهب لغيره، بل عليك أن تذكيه، فإن تركته حتى مات اعتبرت مفرطاً فلا تأكل، ويذكر أن بعض الصيادين إذا طردوا الظباء ونحوها رموا واحداً وأثبتوه فسقط، ثم واصلوا السير ليرموا الثاني، فيرجعون إلى الأول وقد مات، ومن العلماء من أفتى بأكله لأنه مات من أثر السهم، ومنهم من قال: لا يؤكل ما دام أنهم قدروا على ذكاته وتجاوزوه، ولعلهم إذا عرفوا أن السهم لا يقتله في تلك الحال، بل يبقى ساعة أو نصف ساعة؛ ففرطوا ولم يذبحوه فإنه لا يؤكل، وأما إذا عرفوا أن الصيد لن يبقى إلا ثواني -كما لو أصابه السهم في رأسه أو نحره- ففي هذه الحال لهم أن يأكلوا منه وإن تجاوزوه بلا تذكية حتى مات. وإباحة الصيد من نعم الله تعالى، حيث إن الإنسان يشتاق إلى مثل هذه الصيود التي فيها منفعة، وفيها لذة، ولو كان اللحم متوافراً.

стр. 998

حكم الصيد إذا وجد ميتاً بعد يوم وفيه أثر سهم الصائد ذكر النبي ﵊ أنك إذا وجدت الصيد وقد مات من أثر سهمك، ولم تر فيه أثراً غير أثر سهمك، ولو بعد يوم أو نصف يوم؛ فلك أن تأكله، لكن إن وجدته قد أنتن فإن الأولى عدم أكله؛ وذلك لتغيره، وذكر أنك لو وجدته قد سقط في ماء فلا تأكل؛ لأنك لا تدري هل مات بسبب سهمك أو بسبب سقوطه في الماء؟ ومثل ذلك أيضاً لو سقط من شاهق، فلو رميته وهو في رأس جبل فتدحرج من رأس الجبل وسقط في الأرض، فأدركته وقد مات، فالأصل أنه ما مات من السهم، وإنما مات من تدحرجه، حيث ضربته هذه الحجارة، أو سقط من أعلى جبل، ومن شدة سقوطه على الأرض مات، فيكون موته ليس بسبب السهم، ولكن بسبب السقوط، فأفاد أنه إذا تعاون على موته مبيح وغير مبيح غلب غير المبيح احتياطاً؛ حتى لا يأكل المرء إلا ما هو حلال ليس في حله شبهة، ففي هذه التعليمات الاحتياط من النبي ﷺ في تعليم أمته لما يحل لهم وما لا يحل لهم، كما أمر بالاحتياط في الأمور المشتبهة بقوله: (فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه) .

стр. 999

شرح حديث: (من اقتنى كلباً إلا كلب صيد أو ماشية) قال المصنف ﵀: [عن سالم عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من اقتنى كلباً إلا كلب صيد أو ماشية فإنه ينقص من أجره كل يوم قيراطان) ، قال سالم: وكان أبو هريرة يقول: أو كلب حرث، وكان صاحب حرث. وعن رافع بن خديج ﵁ قال: كنا مع رسول الله ﷺ بذي الحليفة من تهامة، فأصاب الناس جوع، فأصابوا إبلاً وغنماً وكان النبي ﷺ في أخريات القوم، فعجلوا وذبحوا، ونصبوا القدور، فأمر النبي ﷺ بالقدور فأكفئت، ثم قسم فعدل عشرة من الغنم ببعير، فند منها بعير، فطلبوه فأعياهم، وكان في القوم خيل يسيرة، فأهوى رجل منهم بسهم فحبسه الله، فقال: (إن لهذه البهائم أوابد كأوابد الوحش، فما غلبكم منها فاصنعوا به هكذا، قال: قلت: يا رسول الله! إنا لاقوا العدو غداً، وليست معنا مدىً أفنذبح بالقصب؟ قال: ما أنهر الدم، وذكر اسم الله عليه، فكلوه ليس السن والظفر، وسأحدثكم عن ذلك، أما السن فعظم، وأما الظفر فمدى الحبشة) ] . أورد المؤلف الحديث الأول للدلالة على جواز اقتناء كلب الصيد الذي يقتنص به، وقد دل عليه أيضاً القرآن في قول الله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنْ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ [المائدة:٤] مكلبين، يعني: متخذي كلاب صيد تعلمونهن مما علمكم الله، فالكلب معروف بشدة السعي، وبشدة العدو، ومن آثار اشتداده في السير وفي العدو يدرك ما يدركه من الصيد، فقد يدرك بعض الظباء، وقد يدرك الأرنب ونحوه؛ فلأجل ذلك فإن كلاب الصيد مما يجوز اقتناؤه للصيد، وهذا هو وجه الاستشهاد بهذا الحديث.

стр. 1000

تحريم اقتناء الكلاب التي لا يحتاج إليها هذا الحديث فيه تحريم اقتناء الكلاب التي لا ينتفع بها ولا يحتاج إليها، وبيان أن الذي يقتنيها (ينقص من أجره كل يوم قيراطان) يعني: ينقص من ثواب عباداته، ثواب صلاته وثواب صدقاته وثواب تلاوته وثواب حسناته، ينقص منه كل يوم قيراط، والقيراط جزء من الثواب والأجر، والله أعلم بمقداره، ولا شك أن هذا دليل على تحريم اقتناء الكلاب لغير حاجة. وقد ورد في الكلاب الأمر بقتلها أولاً؛ وذلك بسبب أن الملائكة لا تدخل البيت الذي فيه الكلب، فذكروا أن جبريل ﵇ وعد النبي ﷺ أن يأتيه، فتأخر عليه، ولما أبطأ عنه خرج النبي ﷺ من البيت فنزل عليه جبريل فقال: ما منعني أن أدخل البيت إلا أن فيه جرو كلب، وكان هناك جرو كلب تحت السرير لأحد أولاد فاطمة ﵍، فأمر النبي ﷺ بعد ذلك بقتل الكلاب؛ لقول جبريل: إنا لا ندخل بيتاً فيه كلب، فصاروا يقتلونها، ولكن بعد ذلك نهى النبي ﷺ عن قتلها، وقال: (ما لكم ولهذه الكلاب؟ فإنها أمة من الأمم) ، فهذه الكلاب تتوالد كما يشاء الله، وتعيش على ما يسقط من الناس، وتأكل جيفاً، وتأكل أنتاناً، وتأكل لحوماً، والله تعالى هو الذي تكفل برزقها وبرزق غيرها، وهي داخلة في قوله تعالى: ﴿وَكَأَيِّن مِنْ دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ﴾ [العنكبوت:٦٠] فلأجل ذلك لا يجوز قتلها ما لم تكن مؤذية معتدية، أما إذا كانت مؤذية كالكلب العقور فقد أذن بقتله حتى في مكة، وحتى في حالة الإحرام؛ وذلك لضرره واعتدائه بعدوه على الناس، وشق ثيابهم، وعضهم وجرحهم، وهو معنى تسميته كلباً عقوراً، وأما بقية الكلاب فلا يعتدى عليها، ولا تقتل، ولكن لا تقتنى لغير حاجة، لماذا؟ أولاً: لأن الكلب نجس العين، لو غسل ثم غسل لم يطهر، فهو نجس العين، ونجاسته لا تزول أبداً؛ ولأجل ذلك أمر بغسل الإناء الذي ولغ فيه سبعاً إحداهن بالتراب أو الثامنة كما تقدم، وهذا دليل على نجاسته. ثانياً: أنه يمنع دخول الملائكة، فلا تدخل الملائكة البيت الذي فيه كلب، ولعل ذلك لنجاسته العينية، والملائكة إنما تدخل الأماكن النظيفة السالمة من الأقذار ومن النجاسات ومن المحرمات ونحوها. ثالثاً: أن فيه ترويع للناس، فالذي يقتنيه ويدخله في بيته كأنه يروع من دخل بيته أو من أتى إليه؛ فلأجل ذلك باء بهذا الإثم. رابعاً: الأصل أنه لا حاجة إليه إذا لم يكن فيه منفعة.

стр. 1001

ما رخص في اقتنائه من الكلاب رخص في ثلاثة أنواع من الكلاب: الأول: كلب الصيد، وهو الذي يعدو ويصيد الصيد الحلال، وذكرنا أنه يعدو إليه ويطرده حتى يدركه، فقد أباح الله ذلك بقوله: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [المائدة:٤] ، ومعروف أنه يعدو حتى يدرك الأرنب أو اليربوع أو الوبر، ثم يمسكه على صاحبه حتى يأتيه صاحبه ويستلمه ويذكيه إن وجده حياً. الثاني: كلب الماشية، المواشي هي الغنم، ولا شك أنها بحاجة إلى حراستها من السباع، ومعلوم أن أهلها في الليل قد يغلبهم النوم، وقد تأتي السباع في حالة نومهم فتفترس ما تقدر عليه من أغنامهم؛ فلأجل ذلك أبيح لهم أن يتخذوا الكلاب التي تحرس أغنامهم، وتطرد عنها هذه السباع، فيعلمونهن الحراسة، والكلب فيه خفة في نومه، وكذلك الذئاب كما يقول بعضهم في الذئب: ينام بإحدى مقلتيه ويتقي بأخرى الأعادي فهو يقضان نائم فالكلب أيضاً سريع الانتباه، ينتبه بأدنى حركة، فإذا أحس بأن السبع قد وصل إلى الأغنام ونحوها انتبه وطرده، وعادته أنه يخدشه ويخمشه إلى أن يطرده، وقد ينتبه الأهالي، ويجتمعون على طرده، وبكل حال أبيح أن يتخذ لحراسة الغنم وما أشبهها، فإن الغنم ليس لها القدرة على مقاومة السبع، هذا هو الذي حفظه عبد الله بن عمر، حفظ كلب الصيد وكلب الماشية، وأبو هريرة ﵁ كان صاحب حرث، فحفظ عن النبي ﷺ أنه قال: (أو كلب حرث) ، ولعله سأل النبي ﷺ عن ذلك؛ لأن الإنسان يهتم بالأشياء التي له فيها مصلحة، فلما كان له حرث اهتم وبحث وسأل حتى حفظ أنه استثنى أيضاً كلب الحرث، فإذا كان عند الإنسان حرث كزرع أو نحوه يحتاج إلى ما يحرسه من الغنم التي تعيث فيه وتفسده؛ فإن له أن يتخذ كلباً، والكلب إذا أحس بأن هناك أبقاراً أو أغناماً جاءت لتأكل من هذا الزرع أو نحوه انتبه وطردها.

стр. 1002

شرح حديث: (إن لهذه البهائم أوابد كأوابد الوحش) الحديث الثاني فيه مسائل: المسألة الأولى: ما فعله الصحابة ﵃ قبل أن يدركهم النبي ﷺ ، حيث كانوا في غزوة، وأصابتهم مجاعة، فحصلوا على غنيمة غنموها من بعض المشركين، وكانت الغنيمة إبلاً وغنماً، ولما حصلوا على هذه الغنيمة -وكان قد اشتد بهم الجوع- تعجل بعضهم فذبحوا بعضاً من الغنم، ونصبوا القدور، ووضعوا فيها شيئاً من اللحم قبل أن يأتيهم النبي ﷺ ، ولما لحق بهم -وكانت القدور تفور باللحم- أمر بها فأكفئت، وكأنه غضب عليهم لما تعجلوا؛ وذلك لأنها لا تزال مشتركة، فالذين تسرعوا قد يكونون أخذوا شيئاً من حق غيرهم، فلا يحق لهم أن يتصرفوا إلا فيما يملكونه، ويملكون التصرف فيه، وكيف أمر بتلك القدور فأكفئت؟ لعله لم يكن فيها لحم، أو كان فيها لحم ولكنه اعتبره كالنهبة، وفي بعض الروايات أنه قال: (إن النهبة ليست أحل من الميتة) ، فالميتة حرام، فاعتبر هذا نهباً، بمعنى أنه شبه نهب، حيث إن جميع الغنيمة للغانمين بعد أن يخرج منه الخمس الذي هو لبيت المال، ثم يفرق الباقي على الغانمين الذين حضروها، فلهم أربعة أخماس الغنيمة، وتسوى سهامهم فيها، إلا أنه يزاد للفارس على الراجل، للراجل سهم، وللفارس ثلاثة. والحاصل أنه رأى أن هذا تسرع، وأخذ لما لا يملكونه، فأمر بالقدور فأكفئت، وبعضها يفور باللحم، وجعل هذا عقوبة لهم على تسرعهم، فدل على أنه لا يجوز التصرف بالغنيمة قبل أن تقسم؛ لأنها مملوكة لجميع الغانمين، ولأن كلاً منهم له حق فيها، ولأن الذي يأخذ منها يعتبر أخذه نهباً، أو يعتبر غلولاً، فكأنه غل يعني: أخذ شيئاً من غير أن يستحقه، وقد توعد الله على الغلول فقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران:١٦١] ، فهذا هو السبب في كونه أتلف هذه اللحوم على أهلها، وأتلف ماءهم الذي كانوا يطبخون فيه لحماً ليأكلوه، فجعل ذلك عقوبة لهم على هذا التسرع، حتى لا يتسرعوا بعد ذلك، هذه المسألة الأولى.

стр. 1003

كيفية التسوية في قسم الإبل مع الغنم المسألة الثانية، هي القسم: فلما وصل إليهم قسم الإبل والغنم التي غنموها، فجعل البعير عن عشر من الغنم، أي: جعل قيمة البعير الواحد من الإبل ذكراً أو أنثى يساوي عشراً من الغنم، ولعل ذلك كان في وقت كثرت فيه الغنم ورخصت، وتنافس الناس في اقتناء الإبل، وفي محبتها، وفي رفع قيمتها، ولما قسم أعطى كلاً قسمه، فحصر الصحابة الغانمين، وجعل للعشرة بعيراً بينهم، أو جعل لهم عشراً من الغنم يقتسمونها، أو نحو ذلك، والحاصل أنه قسمها، وهذا يدل على أن أمير السرية أو الجيش يقسم الغنيمة بينهم، وينظر قيمة الغنم في قيمة الإبل، فيسوي بينهم في القسم، فإن كانت الغنم رفيعة القيمة كما في هذه الأزمنة، والإبل رخيصة القيمة، فإنه يسوي بينهما فيجعل مثلاً السبع عن بعير، أو الخمس عن بعير، أو نحو ذلك بحسب اختلاف قيمة الغنم من سمن وهزال، وصغر وكبر، وكذلك قيمة الإبل، وفيه دليل على أنه لابد أن تقسم الغنيمة بالسوية بين الغانمين، فيعطى كل ما يستحقه.

стр. 1004

حكم حبس البعير الناد المسألة الثالثة: أنهم لما قسموا ند بعير، يعني: هرب وشرد، فتبعوه، ولحقوه بالخيل، وعجزوا عن أن يدركوه، فرماه بعضهم بسهم فحبسه، يعني: بغته ذلك السهم فسقط، فجاءوا إليه فنحروه، وأقرهم النبي ﷺ على هذا، وأخبر أن لهذه الدواب أوابد كأوابد الوحش، فما ند منها فإنه يفعل به هكذا، والأوابد هي الأشياء الغريبة أو التي تسبب الابتعاد عن الناس والتغرب عنهم، والتوحش منهم، يعني: أن هذه الدواب التي ملكها الله للإنسان وسخرها لهم كما قال تعالى: ﴿وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ﴾ [يس:٧٢] بعض منها قد يكون شروداً يهرب من الناس وينفر منهم، فلا يدرك إلا بقوة، فهم سعوا في طلبه فعجزوا عنه حتى بالخيل، ولم يجدوا بداً إلا أن يرموه، يقول: ما ند منها وهرب فلكم أن تفعلوا به هكذا، بمعنى أن ترموه إلى أن يحتبس، هكذا ورد في هذا الحديث، وإذا رمى بعيراً أو شيئاً مما شرد، ومات بسبب ذلك السهم، فإنه يعتبر كالصيد المتوحش، وقد تقدم أن الصيد إذا مات بسبب الرمية فإنه مباح أكله.

стр. 1005

جواز الذبح بالقصب والحجارة الحادة ونحوهما المسألة الرابعة: سأل الصحابة النبي ﷺ فقالوا له: إنا لاقوا العدو غداً، وليس معنا مدى، أفنذبح بالقصب؟ المدى هي السكاكين، يعني: أخبروه بأنهم سيلقون العدو غداً، وهم بحاجة إلى أن ينحروا ويذبحوا مما غنموه من الإبل ومن الغنم للأكل، فهم غنموا ويحتاجون إلى تذكية ما يذبحونه للأكل، فكيف يذبحونه ويذكونه وليس معهم المدى؟ وهل يذبحون بغيرها؟ وكان معهم القصب، وهو قصب الزروع، قد يكون في القصبة طرف محدد، إذا شقت نصفين صار طرفها محدداً، وإذا أجري على حلق الشاة يجرحها، ويقطع الجلد واللحم، فيتخذ منه ما يقوم مقام السكاكين، فأباح ذلك النبي ﷺ ، وأخبر بأنه يجوز أن يذبح بكل ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه، أنهره يعني: أساله وأجراه، فكل آلة إذا ذبحت بها جرى الدم إلى أن يسيل فإنه يباح الذبح بها إلا ما استثني.

стр. 1006

شروط الذكاة ذكر العلماء شروط الذكاة، وهي أربعة: الشرط الأول: أهلية الذابح، وهو أن يكون مسلماً، أو ذمياً متمسكاً بالكتاب الذي أنزل عليه؛ وذلك لأن من شرع أهل الكتاب أنها لا تباح الميتة، وأنه لابد من ذبحها ذبحاً شرعياً بقطع الودجين مع المريء والحلقوم، هذا من دينهم، وهو أيضاً من دين الإسلام، فإذا كان الذابح أهلاً مسلماً أو ذمياً، أبيح ذبحه الشرعي. الشرط الثاني: قطع الودجين مع المريء والحلقوم، فلابد من قطعها في أي مذبوح، حتى ولو طيراً أو بعيراً أو شاة أو بقرة، كل ما يذكى، والحلقوم هو مجرى النفس، والمريء مجرى الطعام، والودجان عرقان إلى جانب الحلقوم يجري معهما الدم، وإذا قطعا وفي المذبوح حياة فإنه يخرج الدم منهما خروجاً مندفعاً منسفحاً، حتى يخرج الدم كله من عروق الذبيحة، فهذا شرط من شروط حلها، قطع الودجين مع الحلقوم والمريء. الشرط الثالث: التسمية لقوله في هذا الحديث: (ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكل) ، فلابد أن يسمي عند الذبح، وقد ذكر الله التسمية في قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [المائدة:٤] فلابد أن يقول: باسم الله، أو باسم الله والله أكبر، والتكبير سنة، والتسمية واجبة، ويدعو في الأضحية بما ورد كما سيأتي، أما في التذكية فيقتصر على التسمية والتكبير، وإذا لم يذكر اسم الله تعالى، فإن كان تركها عمداً فلا تحل، قال الله تعالى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام:١٢١] أي: مما ذبح ولم يذكر عليه اسم الله تعالى، سواءً ترك التسمية عمداً أو ذكر عليه اسم المسيح أو اسم صنم أو غير ذلك. كذلك يقول تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام:١١٨] ، ﴿وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام:١١٩] ، أما إذا ترك التسمية جاهلاً وهو من المسلمين أو تركها ناسياً فإنه معذور، والصحيح أنها تباح ذبيحة من كان مسلماً ونسي التسمية، وأما إذا تعمد تركها فلا تباح. ونلاحظ أن كثيراً من الذين يذبحون في المجازر يكونون جهلة بالأحكام، ولكن ينبغي أن يحضرهم أهل المعرفة، فإذا وكلته أن يذبح لك شاة أو يذبح لك دجاجاً وأنت عنده، وعرفت أنه منشغل أو جاهل بالحكم؛ فعليك أن تسمي أنت عند ذبحه، أو تأمره وتكلفه بأن يسمي عند ذبح كل مذبوح ولو طيراً صغيراً أو نحوه. الحاصل أنه ﷺ قال: (ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكل) يعني: أي شيء أنهر الدم يعني: أساله، وقد ثبت أن شاة كانت مع غنم لبعض الصحابة فأدركها الموت، وكانت ترعاها جارية له، فكسرت حجراً وذبحتها بذلك الحجر، فأباح لهم النبي ﷺ أكلها، مع أنها ما ذبحت بحديد، وإنما ذبحت بحجر، ولكنه مما أنهر الدم وأساله. الشرط الرابع من شروط الذكاة: الآلة التي يذبح بها، وقد قال في هذا الحديث: (كل ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكل، ليس السن والظفر، أما السن فعظم، وأما الظفر فمدى الحبشة) فأمرهم بأن يذبحوا بكل شيء يسيل الدم إلا الظفر، فلو كان ظفر إنسان محدداً فذبح به طيراً لم يحل الذبح بهذا الظفر، وقد علل بأنه مدى الحبشة، يعني: سكاكينهم التي يذبحون بها، وكان الحبشة في ذلك الوقت نصارى، ومع ذلك كانوا يخالفون شريعتهم ويخالفون دينهم، ففيه النهي عن التشبه بهم، ويعم ذلك التشبه بهم وبالنصارى ونحوهم في كل شيء من اختصاصاتهم. ولا يجوز أيضاً أن يذبح بسنه أو بأسنانه، فلا يجوز مثلاً أن يعض الشاة بأسنانه أو يعض الدجاجة بأسنانه حتى يقطع حنجرتها أو يقطع مريئها أو نحو ذلك، لا يجوز الذبح بالسن، وعلل النهي في هذا الحديث بأنه عظم، فكأنه يقول: العظم لا يذبح به، ولو كان محدداً، يعني: لو لم يجد إلا عظم مذكاة مثلاً، ولكن له طرف محدد، فليس له أن يذبح به، ولعل السبب أنه من جملة ما يؤخذ من هذه الدواب فكأنه يذبحها بجزء منها. إذاً: عرفنا أن شروط الذكاة أربعة: الأول: أهلية الذابح بأن يكون مسلماً أو ذمياً عاملاً بكتابه. الثاني: ذكر اسم الله تعالى عند الذبح. الثالث: قطع الحلقوم والمريء والودجين. الرابع: الآلة التي يذبح بها، وهو ألا يذبح بسن ولا بظفر.

стр. 1007

شرح عمدة الأحكام [٧٦] الأضاحي من شعائر الإسلام المشهورة، ومن أعظم القربات المبرورة، وفيها فضائل متعددة، وفوائد متكاثرة، والأضحية تكون ببهيمة الأنعام، ولها شروط لابد من توافرها لإجزائها، وقد بين الفقهاء ﵏ أحكامها.

стр. 1008

شرح حديث: (ضحى النبي ﷺ بكبشين) قال المصنف رحمنا الله تعالى وإياه: [باب الأضاحي: عن أنس بن مالك ﵁ قال: (ضحى النبي ﷺ بكبشين أملحين أقرنين، ذبحهما بيده وسمى وكبر، ووضع رجله على صفاحهما) ، قال ﵁: الأملح: الأغبر، وهو الذي فيه سواد وبياض] . أكثر الفقهاء يذكرون باب الأضاحي بعد الحج؛ وذلك لأنها مناسك، فيقولون: باب الأضاحي والهدايا والعقيقة؛ لأنها ذبائح تعتبر عبادة وقربة وطاعة، فكان الأنسب أن تذكر مع المناسك، ولأن الهدي ما يتقرب به إلى الله تعالى بمكة بعد المناسك في يوم النحر، بما يذبحون لله تعالى من القرابين، ومن الهدايا، فيناسب أن تذكر مع الهدي، ولكن كثير من العلماء -متقدمين ومتأخرين- ذكروا الأضاحي مع الأطعمة؛ لأن الأطعمة غالباً تكون من بهيمة الأنعام، يعني: الأطعمة التي في أكلها خلاف أو ليس في أكلها خلاف، فيذكرون المباح من الصيد ومن الوحش وما ليس بمباح، ثم يذكرون أحكام الصيد وطريقة الاصطياد، ومتى يحل ومتى لا يحل، ثم يذكرون الذكاة، وكيف يحل المذكى ومتى لا يحل، وبيان التذكية التي يباح بها المذكى، ثم يذكرون باب الأضاحي لمناسبتها.

стр. 1009

فضيلة الأضحية وفوائدها الأضاحي جمع أضحيّة أو أضحية أو ضحية، وهي الذبيحة التي تذبح في يوم عيد الأضحى، وبها سمي العيد، فالعيد الذي هو اليوم العاشر من شهر ذي الحجة يسمى عيد الأضحى، ويسمى يوم النحر؛ لأنه ينحر فيه من الهدي ومن الأضاحي ما يتيسر للمسلمين، ينحرونه ويذبحونه في ذلك اليوم قربة إلى الله تعالى، فالذين بمكة يتقربون بذبحها والصدقة بثمنها، والذين في خارج مكة يشاركونهم في هذه الذبائح، ويتصدقون منها، وقد سئل النبي ﷺ : ما هذه الأضاحي؟ فقال: (سنة أبينا إبراهيم، قالوا: فما لنا فيها؟ قال: بكل شعرة حسنة) ، أو كما قال، فتبين بهذا أن فيها أجراً كبيراً، وأن الذي يقدمها ويجود بها يثاب عليها هذا الأجر، بكل شعرة حسنة، ومقدار الشعر لا يحصيه إلا الله، وكذلك ذكر أنها سنة أبينا إبراهيم، ويريد بذلك قول الله تعالى: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ [الصافات:١٠٧] وذلك أن الله تعالى ابتلاه أن يذبح ولده إسماعيل، حيث رأى في المنام أنه يذبحه، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾ [الصافات:١٠٢] ، وهذه القصة قيل: إنها كانت بمكة؛ وذلك لأن إسماعيل قد تركه أبوه مع أمه هاجر في مكة، فترعرع إسماعيل، وكان إبراهيم يجيء إليهم كل سنة، فلما بلغ معه السعي رأى في المنام وهو في المسجد الحرام قائلاً يقول: إن الله يأمرك أن تذبح ولدك إسماعيل، فانتبه وعرف أنها من الله، وليست من وساوس الشيطان، فأخبر ولده بذلك، وتوجه إلى منى ليكون الذبح فيها، فلما أضجعه واستسلم إسماعيل للذبح، عند ذلك ناداه الله تعالى: ﴿يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ [الصافات:١٠٤-١٠٥] ، ثم جاءه الملك بكبش، فذبحه فكاكاً لولده، ثم استمر إبراهيم ﵇ على ذبح هذه الأضحية، وأحياها النبي ﷺ ، فكان في كل سنة يذبح أضحية مما تيسر، وفي هذا الحديث أنه كان يضحي بكبشين أملحين أقرنين، وفي رواية: موجوئين، والكبش هو ذكر الضأن، وفي بعض الروايات أنه يقول في أحدهما: (اللهم تقبل عن محمد وآل محمد، ويقول في الثاني: اللهم تقبل عن أمة محمد أو عمن لم يضح من أمة محمد) ، فيجعله قربة لله تعالى، وقد ذكر الله تعالى أن الهدي يكون من بهيمة الأنعام في قوله تعالى: ﴿لا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلا الْهَدْيَ﴾ [المائدة:٢] فالمراد بالهدي ما يهدى إلى الله تعالى من بهيمة الأنعام، وكذلك في قوله تعالى: ﴿هَدْياً بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة:٩٥] فالصدقة بلحم الهدي سنة، يقول علي ﵁: (أمرني رسول الله ﷺ أن أقوم على بدنه، وأن أقسم لحومها وجلودها وجلالها على المساكين، وألا أعطي في جزارتها شيئا ًمنها) ، فأخذ من هذا أن الأضحية صدقة وقربة لما يلي: أولاً: أنها إحياء لسنة أبينا إبراهيم الذي استمر على ذلك، فهي سنة إبراهيمية. ثانياً: أنها سنة محمد ﷺ ، فقد استمر عليها طوال ما كان بالمدينة، فكان يضحي كل سنة بكبشين أو بكبش إذا لم يتيسر غيره، فيطعمون ويتصدقون ويأكلون، فهي قربة وصدقة. ثالثاً: أن فيها أجراً كبيراً، حيث إن فيها هذا الثواب وهذه الحسنات التي ذكرت في هذه الأحاديث. رابعاً: ما فيها من التوسعة على المسلمين وعلى المساكين، وبالأخص في البلاد الفقيرة، فإنها تقع موقعاً، حيث إنهم يتلذذون بأكل هذا اللحم الطيب، ويكون غذاء لهم، وينتفعون به، وقد ينتفعون أيضاً بجلدها أو بصوفها أو نحو ذلك، ففيها أجر. والأضحية سنة مؤكدة، وقد ذهب بعض العلماء إلى أنها واجبة على من كان عنده قدرة أو سعة، واستدلوا بما روي أنه ﷺ قال: (من وجد سعة فلم يضح فلا يقربن مصلانا) ، ولا شك أن في هذا دليلاً على آكديتها.

стр. 1010

أنواع الأضاحي الأضاحي تكون من الأنعام الثمانية التي ذكرها الله في سورة الأنعام: ﴿مِنْ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ﴾ [الأنعام:١٤٣] يعني: ذكر وأنثى، ﴿وَمِنْ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ﴾ [الأنعام:١٤٣] يعني: ذكر وأنثى، ﴿وَمِنْ الإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنْ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ﴾ [الأنعام:١٤٤] فمن الضأن الكبش والنعجة، ومن المعز التيس والعنز، ومن الإبل الناقة والجمل، ومن البقر الثور والبقرة، هذه هي الأصناف الثمانية، فلا يضحى بالدجاج، ولا يضحى بالظباء، ولا بالصيد، ولا بالسمك ونحو ذلك؛ لأنها ليست من بهيمة الأنعام التي تهدى إلى الله تعالى، وليست من البهائم التي سخرت للإنسان.

стр. 1011

شروط الأضحية لابد أن تكون الضحية بما يجزئ، فلا تجزئ الصغيرة التي لم تبلغ سناً ينتفع بها، وحدد ذلك في الإبل بخمس سنين، فإذا تمت السنة الخامسة فهي ناقة أو بعير يضحى به، وتجزئ البقر إذا بلغت السنتين، والمعز إذا بلغت سنة، والضأن إذا بلغت نصف سنة، هكذا حددت أسنانها. ولابد أن تكون سليمة من العيوب الضارة التي تنقص قيمتها، أو تفسد لحمها، فكل عيب ظاهر يختل به اللحم، يفسد أو يكره ولا يقبل؛ فإنه يتجنب ذبحها أضحية، وكذلك العيوب التي تنقص القيمة نقصاً ظاهراً، وهي معروفة.

стр. 1012

كيفية توزيع الأضحية ورد في كيفية توزيعها أنهم يأكلون ويتصدقون، والأصل هو الصدقة؛ وذلك لأنها صدقة أخرجها الإنسان وتقرب بها إلى الله تعالى، فيتلمس لها من يتقبلها من المسلمين الضعفاء وذوي الحاجات، وهم موجودون بكثرة غالباً في كل بلاد، ولو أن يتكلف فيحمل لحمها في سيارته، ويطوف حتى يجد الفقراء في أماكنهم، سواء في المدن، أو في أطراف المدن، أو في القرى، أو في غيرها، فإنهم يفرحون بذلك، ويجعلونه قوتاً وغذاءً لهم، وما ذاك إلا لأنها من الصدقات، فلابد أن تعطى لأهل الصدقات الذين قال الله عنهم: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة:٢٧١] فمصرف الصدقات أصلاً للفقراء، ومن الصدقات هذه الذبائح التي هي الأضاحي. وإذا أكل منها فلا بأس، فله أن يأكل، وله أن يهدي لأقاربه، أو لجيرانه، أو أصدقائه، ونحو ذلك، وقد ورد في بعض الأحاديث أنهم يأكلون ويهدون ويتصدقون أثلاثاً، وإن زاد في الصدقة على الثلث أو زاد في الهدية فله ذلك، ولكن لابد من الصدقة.

стр. 1013

حكم بيع شيء من الأضحية وحكم الاشتراك فيها لا يجوز بيع الأضحية، ولا بيع شيء من لحمها، ولا بيع جلدها، بل ينتفع بجلدها بعد دبغه أو يتصدق به؛ وذلك لأنها بجميع ما يتعلق بها صدقة لله تعالى، واختيار الضأن أفضل كما في هذا الحديث، فالأكثر أنه ﷺ كان يضحي بالضأن، فقوله: (بكبشين) الكبش هو ذكر الضأن، وقوله: (أقرنين) يعني: لهما قرنان، أي: لكل واحد منهما قرنان في رأسه، وهذا معروف، وإن كان أصل هذا في المعز، ولكن يوجد من الضأن ما له قرون، وقوله: (أملحين) الأملح هو الذي فيه سواد وبياض، إما أن يغلب عليه أحدهما أو يكونا متساويين، ولكن لعل هذا من باب المصادفة، فيجزئ أي لون، فلو كان كله أسود، أو كله أبيض، أو فيه نقط بيضاء أو سوداء؛ أجزأ ذلك بلا كراهة. وفي بعض الروايات: (أنهما موجوءان) واستدلوا به على أنه يجوز الأضحية بالخصي الذي رضت خصيتاه؛ وذلك لأنه يطيب لحمه كما يذكر أهل الخبرة، والوجاء هو رض عروق الخصيتين دون قطع، فيرضون عروقها حتى لا ينزوا على النعاج، وحتى يطيب لحمه، فهذا هو الأفضل. وإذا ذبح من غير الضأن أجزأ، ومعلوم أنها تتفاوت القيم، فيسن أن يختار السمين، أو النفيس، ورفيع القيمة؛ لأن ذلك أدل على جوده، وعلى سخائه، وعلى سخاوة نفسه، وكونها طابت بهذا المال الذي بذله في سبيل الله، بدون أن يمن به أو يبخل به. ويجوز الاشتراك في الأضحية فالشاة الواحدة -التي هي الواحدة من الغنم- تكفي عن أهل بيت إذا كان مأكلهم ومجمعهم واحداً، ومطبخهم واحداً، ولو كانوا كثيرين، فيجعلها عنه وعن أهل بيته، وأما البقرة والبدنة فإنها تجزئ عن سبعة، وفي حديث أن البدنة تجزئ عن عشرة، ولكن لعل ذلك في باب القسمة، وأما في باب الأضحية فالظاهر أنها تكون عن سبعة.

стр. 1014

حكم الأضحية عن الميت الأصل في الأضحية أنها عن الأحياء، فالإنسان يضحي عنه وعن أهل بيته وعن أقاربه الأحياء، ولكنها جائزة عن الأموات؛ وذلك لأنها صدقة من الصدقات، فإذا ضحى عن أبويه شاتين، عن أبيه واحدة وعن أمة واحدة، أو عن إخوته الأموات، أو عن أعمامه أو أقاربه الذين قد ماتوا؛ نفعهم ذلك، وحصل له أجر بذلك؛ لأنها صدقة، فيصل أجرها إلى الأموات، وقد ورد في الحديث قول رجل للنبي ﷺ : (إن أمي ماتت، وأظنها لو تكلمت تصدقت، أفأتصدق عنها؟ قال: نعم) ، فمن الصدقة ذبح الأضحية، فينوي أجرها لأقاربه الأموات، كما يجوز للحي أن يوصي بضحية أو أضاحي يجعل ثوابها لأقاربه، ولهم الأجر في ذلك. وإذا قل نفعها أو قل الانتفاع بها فالأولى ألا يسرف فيها، بل يقتصر على ما يجزئ أو على ما يضحي به عامة الناس دون الإسراف، فإذا كان هناك وقف في أضاحي، وهذا الوقف مثلاً غلته عشرة آلاف كل سنة أو عشرون ألفاً فلا يقول: أشتري أضاحي بثمانية آلاف، أو بعشرة آلاف أو نحو ذلك، بل يضحي بما يضحي به الناس، فإذا اشتريت ضحية بخمسمائة أو بستمائة أو بسبعمائة كفت، والبقية تصدق بها على الفقراء والمعوزين، تصدق بها في غير وقت كثرة اللحوم، فلو أنه اشترى بالبقية لحماً في رمضان وتصدق به، أو في أي شهر من السنة؛ لأثيب على ذلك، وكذلك لو تصدق به دراهم أو طعاماً على المستضعفين والمستحقين لقبل منه ذلك إن شاء الله، فمن الإسراف أن يشتري ضحية من وصية بخمسة آلاف أو بسبعة آلاف أو نحو ذلك، ويصرفها جميعاً في هذه الأضحية، فهذه الأضحية التي بخمسة آلاف أو نحوها تقوم مقامها ضحية بخمسمائة ويكتفى بها، ويتصدق بالباقي في وجوه الخير، حتى ينتفع الميت بأجر مستمر، وذلك من أجر مؤقت منقطع.

стр. 1015

شرح عمدة الأحكام [٧٧] الخمر هي أم الخبائث ومفتاح كل شر، فمن رحمة الله بعباده أن حرمها عليهم؛ حفظاً لعقولهم وأديانهم وأموالهم وأعراضهم وأنفسهم، ومن شرب الخمر فقد وجب إقامة الحد عليه، إذا توفرت الشروط وانتفت الموانع، وقد بين ذلك أهل العلم ﵏.

стр. 1016

تحريم الخمر [كتاب الأشربة: عن عبد الله بن عمر ﵄ أن عمر قال على منبر رسول الله ﷺ : أما بعد: أيها الناس! إنه نزل تحريم الخمر، وهي من خمسة: من العنب والتمر والعسل والحنطة والشعير، والخمر ما خامر العقل. ثلاث وددت أن رسول الله ﷺ كان عهد إلينا فيهن عهداً ننتهي إليه: الجد والكلالة وأبواب من أبواب الربا. وعن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ سئل عن البتع فقال: (كل شراب أسكر فهو حرام) ، البتع: نبيذ العسل. وعن عبد الله بن عباس ﵄ قال: بلغ عمر أن فلاناً باع خمراً، فقال: قاتل الله فلاناً، ألم يعلم أن رسول الله ﷺ قال: (قاتل الله اليهود! حرمت عليهم الشحوم فجملوها فباعوها) جملوها: أذابوها] .

стр. 1017

جناية الخمر على العقل هذه الأحاديث تتعلق بالخمر، ذكر عمر ﵁ أن الخمر ما خامر العقل، أي: غطاه وأغلقه، وأصل التخمير هو التغطية، ومنه قوله في الحديث: (خمروا الإناء وأوكوا السقاء) ، خمروه: غطوه، ومنه تسمية الخمار، وهو غطاء المرأة التي تغطي به رأسها ووجهها، وهو مذكور في قوله تعالى: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ [النور:٣١] ، فالخمر اسم لما يغطي العقل ويخالطه ويفسده. حرم الله تعالى الخمر، وكانت -عندما حرمت- تصنع في المدينة من خمسة أشياء كما قال عمر، يصنعها بعضهم من التمر، وبعضهم من العنب، وبعضهم من العسل، وبعضهم من الحنطة، وبعضهم من الشعير، يؤخذ من هذه الخمسة خمر، يعني: يطبخ حتى يتخمر ويشرب، ويكون له حلاوة، وتلك الحلاوة تخامر العقل فتغطيه، فيصل إلى حالة شبه غيبوبة بحيث لا يدري ما يقوله ولا ما يفعله. حرم الله تعالى الخمر؛ لأنها تسلب العاقل عقله، وما ذاك إلا أن ميزة الإنسان عقله، الله تعالى كلف الإنسان لكونه ذا عقل يفهم ما يقول، ويعقل ما يتكلم به وما يسمعه، ويميز بين الأشياء، فيعرف النافع والضار، ويعرف المصالح والمفاسد، ويميز بين ما له وما عليه، فكان في ذلك ميزة له وفضيلة، ورفعة له وشرف، والناس يتفاوتون في هذه العقول، ولكن يجتمع البشر في أن لكل منهم عقلاً يناسبه، وإذا سلب هذا العقل فإن ذلك الذي سلب عقله تسقط عنه التكاليف، ويلحق بغير المكلفين، ثبت أنه ﷺ قال: (رفع القلم عن ثلاثة: وذكر منهم: المجنون حتى يفيق) ، المجنون هو مسلوب العقل. ولما كانت هذه هي منزلة العقل كانت الجناية عليه أعظم الجنايات، فلأجل ذلك لو ضرب إنسان فذهب عقله، فإن فيه الدية كاملة كدية القتل، وهذا دليل على أهمية هذا العقل، ولما كان كذلك حرمت هذه الخمر التي تجني على العقل فتذهبه؛ فحرمت حتى لا يتمادى الإنسان بما يجني به على نفسه، وذلك لأنه إذا سكر فإنه تقع منه المخالفات التي تنافي ما يفعله العقلاء، وللسكارى قديماً وحديثاً حكايات عجيبة في أفعالهم، حتى ذكروا أن بعضهم دخل وهو سكران فعاتبته أمه وهي تسجر تنوراً، فألقاها في التنور حتى احترقت وهو ينظر، وذلك لأنه في تلك الحال ليس معه عقل يميز به، فانظر ماذا حصل منه! وذكروا أن رجلاً استدعته امرأة ليفجر بها، وكان عفيفاً ولكنها أحضرت له كأس خمرٍ، فلما شربها وزال عقله وقع منه الزنا، ووقع منه أكثر من ذلك بسبب أنه فقد العقل الذي كان يميز به بين ما ينفعه وما يضره، فصارت الخمر مفتاحاً لهذه الشرور ولهذه المعاصي، فحرمت لأجل ذلك.

стр. 1018

الآيات التي نزلت في تحريم الخمر نزل في تحريم الخمر أولاً: قول الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنْ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ [البقرة:٢١٩] ، ذهب بعضهم إلى أن هذه الآية هي التي حرمت الخمر، وذلك لأن الله وصفها بالإثم، ومعلوم أن الإثم محرم، قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّي الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ﴾ [الأعراف:٣٣] ، أخبر بأن الإثم محرم كما أن الفواحش محرمة، الفواحش منها الزنا ومنها اللواط ومنها فعل القبائح، فكذلك الإثم محرم، ولا شك أن الخمر والميسر فيهما إثم كبير. إذاً: هذه الآية دالة على أن الخمر محرم لما فيها من إثم كبير. ثم نزل فيها قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء:٤٣] ، ولما نزلت هذه الآية تركها كثير من الصحابة وقالوا: لا خير في شيء يحرمنا من الصلاة، وبعضهم كان يشربها في الأوقات الطويلة كبعد الفجر وبعد العشاء، بحيث يفيق قبل أن يأتي وقت الصلاة، وهذا دليل على أنهم عرفوا شناعتها وبشاعتها، ولما نزلت الآيات في سورة البقرة في الربا حرم النبي ﷺ التجارة في الخمر، فكان ذلك مقدمة لتحريم الخمر تحريماً باتاً. ثم نزل في سورة المائدة قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة:٩٠] ، ذكر بعض العلماء أنها دلت على تحريم الخمر من عشرة أوجه: الأول: أن الله قرنها بالأصنام والأزلام وهي محرمة. الثاني: أنه وصفها بأنها (رجس) ، والرجس هو النجس، وكل شيء نجس فإنه محرم. الثالث: أنه أضافها إلى الشيطان (مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ) ، وكل شيء من عمل الشيطان فلا شك أنه محرم؛ لأن الشيطان لا يأتي إلا بما يفسد الإنسان، وبما يبعده عن ربه. الرابع: أن الله أمر بالاجتناب لها (فَاجْتَنِبُوهُ) ، والاجتناب هو الابتعاد، يعني: ابتعدوا عنها بعداً شديداً، وهو أبلغ من قوله: (اتركوها) فإن الاجتناب أن تكون في جانب وهي في جانب بعيد. الخامس: تعليق الفلاح على تركها (لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) دل على أن من لم يتركها فهو بعيد من الفلاح. ثم ذكر السادس بقوله: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمْ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ﴾ [المائدة:٩١] ، فالشيء الذي يوقع العداوة بين المسلمين ويوقع البغضاء لا شك أنه حرام. العداوة هي كون بعضهم يعادي بعضاً ويقاطعه، والبغضاء وقوع البغض، ولعل سبب ذلك أنه إذا سكر فإنه قد يهلك المال، وقد يضرب من عنده، كما فعل حمزة قبل تحريم الخمر، لما اعتدى على شارفين لـ علي فنحرهما، وجب أسنمتهما وهما حيان، فكان في ذلك إفساد لهذا المال. فالخمر توقع العداوة بين الأخوين بهذه الأسباب التي يفعلها وهو سكران ثمل، وكذلك يوقع البغضاء، فهاتان مفسدتان هما الخصلة السادسة والسابعة. ثم ذكر الثامنة والتاسعة في قوله: ﴿وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنْ الصَّلاةِ﴾ [المائدة:٩١] فهاتان خصلتان تدلان على أن الشيطان حريص على كل ما يصد عن ذكر الله عموماً، وعن الصلاة خصوصاً، وذلك لأن مجالس أهلها غالباً مجالس لهو، ومجالس فساد، ليس فيها علم ولا ذكر ولا دعاء ولا فائدة، وإنما هي قيل وقال، أو سباب وهجاء وفساد، وقمار ولعب، ونحو ذلك، ينشغلون بها عن ذكر الله تعالى. كذلك انشغالهم عن الصلاة، لا شك أن انشغالهم عن الصلاة أعظم من انشغالهم عن غيرها؛ وذلك لأنهم إذا سكروا متى يأتون إلى الصلاة؟ إذا شربها في الظهر ضيع الصلاة الوسطى وهي العصر، وإذا شربها بعد المغرب ضيع صلاة العشاء، وإذا أتاها لم يأتها بقلب حاضر، بل يأتها وهو موسوس ثمل لا يدري ما يقول. إذاً: لا شك أن هذا من الشيطان حيث أوقعهم فيها حتى صدهم عن الصلاة. وختم الآية بقوله: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنتَهُونَ﴾ [المائدة:٩١] ، وهذه هي الخصلة العاشرة، يقول بعض السلف: لما نزلت هذه الآية قال الصحابة: انتهينا انتهينا.

стр. 1019

الأحاديث الواردة في تحريم الخمر نهى النبي ﷺ عن الخمر لما فيها من مفاسد، وشدد في النهي عنها فقال: (من شرب الخمر في الدنيا لم يشرب منها في الآخرة) ، فالله تعالى ذكر أن في الجنة خمراً لذيذاً، وهذا الشراب اللذيذ نفى الله عنه ما يكون في خمر الدنيا، فقال تعالى: ﴿وَكَأْساً دِهَاقاً * لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلا كِذَّاباً﴾ [النبأ:٣٤-٣٥] أي: ليس كخمر الدنيا الذي هو مملوء باللغو والكذب، وقال تعالى: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ * بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ﴾ [الواقعة:١٧-١٨] ، الكأس هنا هو الخمر وهو من معين، أي: صاف، سالم مما في خمر الدنيا ﴿لا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلا يُنزِفُونَ﴾ [الواقعة:١٩] الغول هو ما يغتال العقل، وكذلك ينزفه، فمن شربها في الدنيا حرم شرابها في الجنة. كذلك ثبت عنه ﷺ أنه أخبر بأن من شربها وكرر شربها كان حقاً على الله أن يسقيه من طينة الخبال، وهي عصارة أهل النار، وهذا دليل على أنه لابد لمن كررها وأدمن عليها أن يدخل في النار والعياذ بالله، وأن يكون ذلك سبباً في حرمانه من الجنة. ولما كان أمرها كذلك حرمها رسول الله ﷺ ، وبالغ في تحريمها، حتى لعنها ولعن فيها عشرة، كما ورد أنه ﷺ : (لعن الخمر وبائعها ومشتريها، وعاصرها ومعتصرها، وحاملها والمحمولة إليه، وآكل ثمنها) يعني: أنه لعن كل من ساهم فيها. وبكل حال فالأدلة كثيرة في أن هذه الأشربة المحرمة إنما حرمت لضررها الذي يحصل منها: ضرر على العقول، وضرر على المجتمعات، والحكايات عن أهل الخمر في هذه الأزمنة أشهر من أن تذكر، كم حصل من الحوادث بسبب أن بعض الذين يقودون السيارات سكران، فيقع منه حوادث يذهب في ضحيتها نفوس بريئة وأموال محترمة، وما ذاك إلا لأنه تعاطى هذا الشراب فأذهب عقله، فدخل في هذه الطرق وهو على هذه الحال، ولم يشعر بما أمامه لفقد عقله الذي يميز به، فحصل منه هذا الاصطدام وهذه الحوادث الشنيعة البشعة، ولا شك أن هذا دليل على بشاعتها وشناعتها.

стр. 1020

كل مسكر فهو خمر قال عمر ﵁: (الخمر كل ما خامر العقل) أي: كل ما غطاه وأزال الشعور فإنه يسمى خمراً، وليس خاصاً بما صنع من العنب، بل كل شيء يخامر العقل. وقد: (سئل النبي ﷺ عن شراب يقال له: المزر؟ فسأل: هل هو مسكر؟ فقيل: نعم، فقال: كل مسكر حرام) ، و (نهى عن كل مسكر أسكر عن الصلاة) ، وقال: (ما أسكر كثيره فقليله حرام) ، وقال: (ما أسكر منه الفرق، فملء الكف منه حرام) ، فلو قدر أنه لا يسكر حتى يشرب فرقاً، والفرق ثلاثة آصع، وإن كان ذلك نادراً، فإنه لا يجوز أن يشرب من هذا ولو جرعة واحدة، ما دام أن كثيره يسكر فقليله حرام، أي: فهو خمر. وكذلك تصريحه بقوله: (كل مسكر خمر) أي: سواء من العنب أو من التمر أو من الزبيب أو من العسل أو من الشعير أو من الحنطة، أو من الأشربة الجديدة التي تخمر إلى أن تبلغ حد الإسكار، أو نحو ذلك. والنبيذ: أصله أن ينبذ تمر في ماء، فإذا طبخ حتى ينعقد أصبح خمراً، وكذلك الزبيب والعنب إذا طبخ حتى ينعقد أصبح خمراً، وهكذا كل ما يلحق بمثل هذا. فإذا كانت الخمر محرمة فإن ثمنها حرام كما في أثر عمر أنه لما سمع أن رجلاً باع الخمر، فعاتبه وأخبره بأن الله حرمها وحرم ثمنها، حتى ولو باعها على يهود أو نصارى أو مشركين يستحلون شربها، فلا يحل له ثمنها، كما أنه لا يجوز ثمن الميتة وثمن الأصنام وثمن الأشياء المحرمة، قال النبي ﷺ : (إذا حرم الله شيئاً حرم ثمنه) .
следующие страницы →