← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 7723

شرح عمدة الأحكام لابن جبرين

ابن جبرين

Полный текст (1 083 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

حكم نذر المعصية إذا كان نذر معصية ففيه كفارة، ولا يجوز الوفاء به، سواء أكانت المعصية من الذنوب أم من الشرك، فإذا قال -مثلاً-: إن شفى الله مريضي فعلي أن أشرب خمراً أو أن أزني بكذا فهذا حرام عليه الوفاء به، وعليه كفارة يمين؛ لحديث: (لا نذر في معصية الله، وكفارته كفارة يمين) ، وكذلك إذا كان من الشرك، كالنذور التي يفعلها القبوريون، كأن يقول أحدهم: إن ربحت تجارتي. أو: إن قدم غائبي. أو: إن شفي ولدي فعلي أن أذبح شاة عند قبر السيد فلان. السيد البدوي -مثلاً- أو الحسين أو علي أو نحوهم. والذبح لغير الله شرك؛ لقوله ﷺ : (لعن الله من ذبح لغير الله) ، فمن نذر به فلا يجوز الوفاء بهذا النذر. وهكذا لو نذر أن يسرج قبراً؛ لأن إسراج القبور أيضاً شرك ومنهي عنه. وهكذا لو نذر وقال: نذرت إن شفيت أو إن ربحت أن أهريق على ذلك القبر زيتاً أو دهناً. أو: أن أطعم من يسدن هذا القبر ويخدمه أو يصلي عنده. أو: أن أبني عليه قبة أو نحو ذلك، فإن هذا من الشرك، ولا يجوز الوفاء به. فالحاصل أن النذر في قوله: (لا نذر لابن آدم فيما لا يملك) هو أن ينذر التصرف في شيء لا يملكه، فلا يصح، ويكون عليه كفارة، وكذا لا يجوز الوفاء بالنذر إذا كان في معصية أو في شرك، وفيه كفارة.

стр. 947

وجوب الوفاء بالنذر إذا كان في طاعة ويلزم الوفاء به إذا كان في طاعة وعبادة، كأن يقول: إن شفى الله مريضي فلله علي أن أصوم شهراً، أو عشراً، أو: أن أتصدق بمائة، أو بألف. أو: أن أقوم هذا الليلة تهجداً. أو: أن أختم في هذا الشهر ثلاث ختمات، فهذه عبادات وقربات، فيلزم الوفاء بها، وأما إذا كان النذر ليس عبادة وليس معصية وإنما هو عادة من العادات فهو مخير، إلا أن يكون فيه إسراف فإنه يكره الوفاء به وعليه الكفارة، فإذا قال: إن ربحت أو إن شفيت أو إن نجحت فعلي أن أشتري -مثلاً- ثوباً بمائتين أو بخمسمائة. فلباس الثوب عادة ليس عبادة، أو قال -مثلاً-: عليّ أن أطعم زملائي وأصدقائي طعام كذا وكذا. فهذا أيضاً من العادات ليس من العبادات، وهكذا إذا نذر أن: إذا شفيت أن لا آكل إلا كذا وكذا من الطعام، أو كذا من اللحم، أو أن لا آكل الطعام إلا بلحم سمك، أو بلحم طير أو نحو ذلك، فهذا أيضاً من العادات وليس من العبادات، فيخير بين الوفاء به وبين الكفارة، فإن كان عليه مشقة أو أنه يكلف نفسه ويحمله على الاستدانة، أو فيه إسراف كما لو حلف -مثلاً- أن يذبح عشرين جملاً لأهل هذا البلد أو مائة شاة مع أنه لا يجد من يأكلها وستذهب فساداً فإذا نذر أن يذبح ذلك فمثل هذا إسراف يكفر عن نذره ولا يذبحها، أو يقتصر على ذبح بعضها الذي يستفاد منه.

стр. 948

حكم اللعن في حديث ثابت بن الضحاك جمل استطرادية، منها قوله ﷺ : (لعن المؤمن كقتله) ، وهذا وعيد شديد على اللعن، وذلك لأن اللعن دعاء بالإبعاد من رحمة الله، وقد وردت أدلة كثيرة في النهي عن اللعن، وعن التلاعن الذي هو الدعاء به، فقال ﷺ : (ليس المؤمن بالطعان ولا اللعان ولا الفاحش ولا البذيء) يعني: لا تكون هذا الصفات من صفات المؤمن. وورد في حديث آخر: (إن اللعانين لا يكونون شفعاء ولا شهداء يوم القيامة) ، وورد في حديث أن اللاعن إذا لعن ترفع اللعنة إلى السماء فتغلق دونها أبواب السماء، فتهبط إلى الأرض فتغلق دونها أبواب الأرض، فتذهب يميناً وشمالاً فلا تجد مساغاً، فتذهب إلى الذي لُعن، فإن كان مستحقاً لها وإلا رجعت إلى قائلها، فيصير اللاعن كأنه لعن نفسه. كذلك يجب على المسلم أن لا يلعن من لا يستحق، أما لعن المستحق فقد ورد في القرآن في أدلة كثيرة، كقوله تعالى: ﴿فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ [آل عمران:٦١] ، وقوله: ﴿أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود:١٨] ، وقوله: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ﴾ [ص:٧٨] ، ونحو ذلك، وكذلك الأحاديث الكثيرة، كقوله ﷺ : (لعن الله المحلِل والمحلَل له) ، وقوله: (لعن الله آكل الربا وموكله) ، وقوله: (لعن الله الراشي والمرتشي) ، وما أشبه ذلك. والإنسان قد يستعمل اللعن ويسهل عليه فيقع في هذا الوعيد: (لعن المؤمن كقتله) .

стр. 949

حكم قتل النفس وفي هذا الحديث أيضاً جملة أخرى استطرادية أيضاً؛ لأنه حديث جامع، وهي قوله: (من قتل نفسه بشيء عذب به) وقتل النفس هو الذي يُسمى الانتحار، وقد وردت أدلة في تعذيب من قتل نفسه، منها الحديث الذي في صحيح مسلم، قال ﷺ : (من قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يتوجأ بها في نار جهنم خالداً مخلدا ًفيها أبداً) (وجأ نفسه) أي: طعن نفسه حتى قتلها. وكذلك قوله: (من تحسى سماً -يعني: التهمه- فقتل نفسه فسمه في يده يتحساه في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً، ومن تردى من شاهق -يعني: من جبل- فقتل نفسه فهو يتردى في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً) وذلك بلا شك تهديد ووعيد؛ لأن الإنسان لا يملك نفسه؛ فنفسه ملك لربه سبحانه، فلا يجوز أن يتساهل في أن يقتل نفسه بسبب من الأسباب. والشاهد من الحديث ذكر اليمين، وذكر النذر كما ذكرنا، والله أعلم.

стр. 950

شرح عمدة الأحكام [٧٢] النذر أنواع، منها ما يجب الوفاء به، ومنها ما يحرم الوفاء به وفيه الكفارة، وهو في الجملة مكروه، وإنما يستخرج به من مال البخيل، وفي النذر أحكام كثيرة بينها أهل العلم ﵏.

стр. 951

شرح حديث: (فأوف بنذرك) قال المؤلف ﵀: [باب النذر. عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: قلت: (يا رسول الله! إني كنت نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة -وفي رواية: يوماً في المسجد الحرام- فقال: فأوف بنذرك) . وعن عبد الله بن عمر ﵄ عن النبي ﷺ (أنه نهى عن النذر، وقال: إن النذر لا يأتي بخير، وإنما يستخرج به من البخيل) ] . هذه الأحاديث تتعلق بالنذر، وهو إلزام المكلف نفسه ما لم يجب عليه شرعاً، وتارة يكون بلفظ النذر، كأن يقول: نذرت كذا وكذا. وتارة يقول: لله علي نذر أن أفعل كذا وكذا. وأحياناً لا يذكر كلمة النذر، ولكن يقول: علي أن أفعل كذا وكذا. أو ألزم نفسي بأن علي كذا، أو ما أشبه ذلك. وقد يكون معلقاً بشرط في المستقبل، كأن يقول -مثلاً-: إن رزقني الله ولداًَ ذكراً فعلي أن أحج ماشياً -مثلاً-، أو أن أتصدق بألف. وكذلك لو قال: إن شفى الله مريضي فعلي أن أتصدق بكذا، أو أصلي لله كذا وكذا، أو أصوم كذا وكذا. والآن عندنا مثال لذلك، وهو حديث عمر قال: (إني نذرت أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام. فقال: أوف بنذرك) ، والظاهر أن عمر نذر نذراً مطلقاً بأن قال: عليّ أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام. ويمكن أنه نذر نذراً معلقاً بقوله: إن نصر الله نبيه فعلي. أو: إن فتح الله علينا مكة فعلي أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام أو يوماً في المسجد الحرام. فأمره النبي ﷺ بالوفاء، وذلك لأنه نذر طاعة، فالاعتكاف طاعة وعبادة فيوفي به من نذره، ودليل وجوب الوفاء بالنذر إذا كان طاعة قوله ﷺ : (من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه) ، وفي حديث آخر قال ﵇: (لا نذر في معصية الله، وكفارته كفارة يمين) ، فنذر الطاعة مثل نذر الاعتكاف، إذا نذر أن يعتكف يوماً سواءً نذراً مطلقاً كأن يقول: لله علي أن أعتكف في هذا المسجد يوماً، أو لله علي أن أعتكف في المسجد الحرام، أو في المسجد النبوي، أو في المسجد الأقصى يوماً. أو: كان نذراً معلقاً كأن يقول: إن قدم غائبي. إن شفي مريضي. إن ربحت تجارتي. إن نجح ابني أو نحو ذلك فلله عليّ أن أعتكف في المسجد الحرام أو في هذا المسجد أو نحو ذلك. فيلزمه الوفاء إذا تحقق الشرط، فإذا وجد ما شرطه من الربح أو الشفاء أو القدوم أو ما أشبهه فيلزمه الوفاء به لهذا الحديث: (من نذر أن يطيع الله فليطعه) ، ولقوله لـ عمر: (أوف بنذرك) .

стр. 952

خلاف العلماء في الوفاء بنذر الاعتكاف إذا كان النذر اعتكافاً فقد اختلف فيه هل يجب الوفاء به أو لا؟ فالجمهور على أنه واجب، والحنفية قالوا: لا يجب وإنما يستحب. وذلك لأنهم لا يوجبون إلا ما جنسه واجب بأصل الشرع، وليس من الاعتكاف شيء واجب في أصل الشرع، هكذا عللوا، ويقولون: إذا نذر أن يصوم فيلزمه؛ لأن هناك صياماً واجباً كرمضان، وإذا نذر أن يصلي صلاة ركعتين أو أربعاً أو نحو ذلك فإن عليه أن يوفي به؛ لأن هناك صلاة واجبة كالصلوات الخمس، وإذا نذر حجاً أو عمرة فإن عليه الوفاء به، وذلك لأن هناك حجاً وعمرة واجبة، وكذلك لو نذر صدقة أو نفقة في سبيل الله أو أي عمل صالح فإنه يوفي به، وذلك لأن هذا جنسه واجب بأصل الشرع، وأما جمهور الأمة والأئمة فإنهم يرون وجوب الوفاء بالاعتكاف لهذا الحديث: (أوف بنذرك) .

стр. 953

حكم نذر المعصية إذا كان النذر نذر معصية كفّر وترك الوفاء، ففي حديث ثابت بن الضحاك قال: نذر رجل أن ينحر إبلاً ببوانة، فسأل النبي ﷺ فقال: (هل فيها وثن من أوثان الجاهلية يعبد؟ قالوا: لا. قال: هل فيها عيد من أعيادهم؟ قالوا: لا. قال: أوف بنذرك؛ فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله، ولا فيما لا يملك ابن آدم) ، فإذا كان النذر نذر معصية لم يجز الوفاء به وكان عليه الكفارة؛ لحديث: (لا نذر في معصية الله، وكفارته كفارة يمين) ، فإذا قال مثلاً: إن نجاني الله من هذا العدو فعلي أو فإني ألزم نفسي مثلاً أن أشرب خمراً. أو: أن أزني بفلانة مثلاً. أو: أن أسرق أو أنتهب. أو: أقتل فلاناً المسلم. فهذا نذر معصية يحرم عليه الوفاء به، ويكفر كفارة يمين. ومثله النذور التي يفعلها القبوريون، فكثيراً ما يقول أحدهم: إذا شفي مريضي فعلي للسيد الفاني صاحب القبر الفلاني أن أسرج قبرة ليلة أو ليالي. أو: أن أهريق على قبره سمناً. أو: أن أذبح عند قبره شاة أو بقرة. أو: أن أعتكف عند قبره ليلة أو ليالي. أوك أن أصلي عند القبر الفلاني كذا وكذا صلاة. ولا شك أن هذا كله نذر معصية يحرم الوفاء به، فنذر المعصية لا يجوز الوفاء به وأما نذر الطاعة فإنه يجب الوفاء به إذا قال: أن أصلي لله. أو: أن أنفق في سبيل الله أو ما أشبه ذلك.

стр. 954

شرح حديث: (إنه لا يأتي بخير، وإنما يستخرج به من البخيل قوله ﷺ في النذر: (إنه لا يأتي بخير، وإنما يستخرج به من البخيل) يراد بهذا نذر النفقة بالمال أو نحوه، فالبخيل لا يخرج المال إلا إذا نذره وألزم به نفسه، وقد يعتقد أن النذر يؤثر في الأمور المستقبلة، وهذا خطأ، فالنذر لا يغير شيئاً من الأمور المستقبلة المقدرة، فالذي يعتقد أنه يؤثر فاعتقاده خاطئ، ونذكر لذلك أمثلة حتى يتضح المراد، فالذي يعتقد أن الله لا يشفي مريضة إلا إذا نذر أن يتصدق بألف فيقول: إن شفى الله مريضي فلله علي أن أتصدق بألف هل النذر سبب شفاء المريض؟ الله تعالى قدر له الشفاء، سواء نذرت أو لم تنذر، وكذلك إذا قال: إن ربحت تجارتي فلله علي أن أتصدق بألف. كأنه بخيل، ما ينوي أن يتصدق إلا إذا أربح الله تجارته، فتجارتك قد قدر الله لها ما قدر، إما خسراناً وإما ربحاً، ليس خسرانها بسبب عدم النذر، وليس ربحها بسبب النذر، فالنذر لا يغير شيئاً من قدر الله. وكذلك لو قال -مثلاً-: إن قدم ولدي سالماً من هذا الغزو -مثلاً- أو من هذا السفر الذي فيه خطر فلله علي أن أتصدق بألف أو نحو ذلك، أو أن أنحر شاة، أو عشرين شاة. فهل نذرك بهذه الصدقة أو بهذه الذبائح هو الذي سبب أن ولدك يقدم سالماً؟ فالله قد قدر لك ما قدره، قدر أنه يقدم أو لا يقدم، وكتب ذلك، فليس النذر هو الذي سبب لك هذا، فالنذر لا يغير من قدر الله شيئاً، النذر لا يأتي بخير، وهذا بخيل لا يتصدق إلا بعد أن تحقق له نذره، لا يتصدق إلا إذا نجح ولده، ولا يتصدق إلا إذا شفي مريضه، ولا يتصدق إلا إذا قدم غائبه، أو إذا ربحت تجارته أو ما أشبه ذلك، فعرف بذلك أن النذر لا يغير شيئاً من أمر الله ولا من قضاء الله وقدره، وإنما يستخرج به من البخيل. والواجب عليك أن تتصدق إذا كنت عازماً، سواء نجحت أو لم تنجح، سواء ربحت أو لم تربح، أن تعزم على الصدقات سواء شفي مريضك أو لم يشف، تعزم على الصدقة وكذلك على غير الصدقة إذا كان النذر عملاً صالحاً كصيام مثلاً، فنقول: ما يخطر لك الصيام إلا إذا نجحت مثلاً أو إذا ربحت؟! عليك أن تتقرب إلى الله بالصيام، وما تخطر لك الصلاة أو الحج أو العمرة إلا إذا حصل لك مقصودك هذا؟! هذا لا ينبغي، عليك أن تأتي بالقربات وبالأعمال الصالحة سواء حصل لك مقصدك ومطلبك أو لم يحصل، عليك أن تتقرب بالصدقات، وأن تتقرب بالحج والعمرة، وأن تتقرب بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد وما أشبه ذلك، وأن تتقرب بالصلوات وما أشبهها، سواء حصل لك مقصودك أو لم يحصل، سواء ربحت أو لم تربح، سواء نجحت أو لم تنجح، سواء قدم غائبك أو لم يقدم، شفي أو لم يشف، عليك أن تشكر الله وأن تتقرب إليه بهذه العبادات، فإن ذلك هو شأن المؤمن التقي الذي يعبد الله على كل حال، في عسره وفي يسره، وفي رخائه وفي شدته، وهذه هي حقيقة العبودية لله تعالى.

стр. 955

شرح حديث: (لتمش ولتركب) قال المؤلف رحمنا الله تعالى وإياه: [عن عقبة بن عامر ﵁ قال: نذرت أختي أن تمشي إلى بيت الله الحرام حافية، فأمرتني أن أستفتي لها رسول الله ﷺ ، فاستفتيته فقال: (لتمش ولتركب) . عن عبد الله بن عباس ﵄ أنه قال: استفتى سعد بن عبادة رسول الله ﷺ في نذر كان على أمه توفيت قبل أن تقضيه، فقال رسول الله ﷺ : (فاقضه عنها) . وعن كعب بن مالك ﵁ قال: قلت يا رسول الله! إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى رسوله. فقال رسول الله ﷺ : (أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك) ] . هذه الأحاديث تتعلق بالنذور، والنذر هو إلزام الإنسان المكلف نفسه ما لا يلزمه شرعاً، سواء من العبادات أو من العادات أو من المحرمات، فمثال العادات أن يقول: لله علي أن أصوم شهراً، أو أتصدق بمائة. ومثال العادات أن يقول: لله علي أن أشتري ثوباً جديداً. أو: أن لا ألبس خلقاً. أو: أن أسكن داراً فارهة. أو نحو ذلك، ومثال المحرمات كأن يقول: لله عليه أن أشرب خمراً. أو: أن أقتل مسلماً. أو نحو ذلك. فمن نذر طاعة فعليه الوفاء؛ لقول الله تعالى: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ [الحج:٢٩] ، ومن نذر معصية فعليه الكفارة؛ لقوله ﷺ : (لا نذر في معصية الله، وكفارته كفارة يمين) ، ومن نذر مباحاً فله الخيار إن شاء وفى به وإن شاء كفّر.

стр. 956

حكم من نذر نذراً فيه مشقة عليه من نذر نذراً فيه مشقة وليس فيه طاعة فعليه كفارة، ودليله حديث أبي إسرائيل الذي رآه النبي ﷺ قائماً في الشمس، فسأل فقالوا: إنه نذر أن يقوم ولا يجلس، ولا يستظل، ولا يتكلم، ويصوم، ولما كان هذا ليس فيه عبادة إلا الصوم قال: (مروه أن يجلس ويستظل ويتكلم ويتم صومه) ، فالصوم عبادة فأمره أن يتمه، وأما تعذيب نفسه بالوقوف قائماً أو عدم الاستظلال أو بترك الكلام فهذا ليس فيه طاعة، فنهاه أن يفي به، والصحيح أن عليه الكفارة، لقوله في الحديث: (لا نذر في معصية الله، وكفارته كفارة يمين) . وكذلك أخت عقبة نذرت أن تحج ماشية، وفي بعض الروايات حافية، أن تحج من المدينة إلى مكة على قدميها ولا تلبس نعلاً، ولا شك أن في هذا تعذيباً للنفس لكونها تسير هذه المدة الطويلة دون أن تركب ودون أن تنتعل فتعذب نفسها، فقال لها النبي ﷺ : (لتمش ولتركب) ، لكن معلوم أن المشي للطاعة عبادة، ولذلك قال تعالى: ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾ [يس:١٢] فالمشي إلى المساجد عبادة، والمشي إلى أماكن الطاعات عبادة، والمشي في الجهاد عبادة، وورد أن بعضاً من الغزاة في عهد الصحابة كانوا سائرين في خراسان متوجهين إلى بعض البلاد الأفغانية غزاة، فحدث بعض الصحابة بقول النبي ﷺ : (من اغبرت قدماه في سبيل الله لم تمسه النار) ، فلما سمعوا بذلك نزلوا عن رواحلهم، وصاروا يمشون في تلك الأرض التي فيها غبار حتى يغبروا أقدامهم لكونهم غزاة في سبيل الله، وامتثلوا هذا الأمر، فأفاد بأن المشي طاعة وعبادة، لكن إذا كان فيه تعذيب للنفس فالله تعالى رحيم بعباده، وليس لأحد أن يكلف نفسه فوق طاقتها، وأن يشق عليها بعبادة يعجز عنها، ولذلك لو نذر عبادة فيها مشقة أمر بأن يفعل منها قدر ما يستطيع، أو أن يكفر إذا لم يقصد العبادة وإنما قصد الامتناع، وكثير من الناس في هذه الأزمنة ينذر أحدهم صيام شهر، ولكنه نذر معلق، ويقصد بذلك منع نفسه، أو ينذر صيام سنة، أو ينذر نحر جزور، أو نحر عشر من الإبل، ولكن لم يقصد الطاعة، وإنما قصد منع نفسه، مثل إنسان مبتلى بشرب الدخان فعاهد الله وقال: لله علي إن عدت أشربه أن أصوم سنة. ما قصد العبادة، ومع ذلك لم يصبر ورجع إليه -والعياذ بالله-، فهل يصوم سنة؟ لا شك أن في ذلك مشقة، مع أنه ورد النهي عن صوم الدهر، فمثل هذا يكفر كفارة يمين؛ لأنه ما قصد إلا منع نفسه من هذا الدخان أو نحوه، وكذلك من نذر نذراً ليس فيه طاعة أو فيه بعض من طاعة وبعض من معصية فيفعل ما يستطيعه، فنذر أخت عقبة فيه طاعة وهو المشي، وفيه مشقة وهو عدم الانتعال، وفيه أيضاً مشقة وهو تعذيب النفس لطول المسير في عشرة أيام، وربما كانوا يسيرون في اليوم ثنتي عشرة ساعة متواصلة، فكان في ذلك تعذيب للنفس، فلذلك قال في بعض الروايات: (إن الله لا يصنع بتعذيب أختك نفسها شيئاً، مرها فلتمش ولتركب) يعني: تمشي بقدر نشاطها ثم تركب إذا تعبت وعجزت ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦] .

стр. 957

شرح حديث: (فاقضه عنها) حديث سعد ذكر فيه أن أمه ماتت وعليها نذر صيام شهر، فأمره أن يصوم عنها، وثبت أيضاً في حديث آخر أن امرأة قالت: (يا رسول الله! إن أمي ركبت البحر فنذرت إن نجاها الله أن تصوم شهراً، ثم إنها ماتت ولم تصم. فقال ﷺ : أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضيته؛ اقضوا الله، فالله أحق بالوفاء) ، فأمرها بأن تصوم عنها وتقضي عنها، فمن مات وعليه صيام نذر فإنه يصام عنه، وقد تقدم في كتاب الصيام قول النبي ﷺ : (من مات وعليه صيام صام عنه وليه) ، وحمله بعض العلماء على صيام النذر؛ لأنه الذي ورد في حديث تلك المرأة الخثعمية، وقال بعضهم: إنه عام في صيام الفرض وفي صيام النذر، فصيام النذر دليله حديث سعد بن عبادة هذا، ماتت أمه وهو حي، وذكر أن عليها صيام نذر، وأنها لم تقضه، وكذلك حديث الخثعمية ماتت أمها وعليها صيام شهر نذرته، فأمرها أن تقضيه، فأفاد بأن صيام النذر يقضى عن الميت، وشبهه النبي ﷺ بالدين الذي في ذمة الميت يقضيه ورثته، ولو لم يخلف مالاً يتبرعون بقضاء دين والدهم أو والدتهم، وكذلك الصيام، إن تبرع أحد أن يصومه فإنه يجزيه، ولكن إذا تعذر ذلك أو لم يكن هناك ورثة يستعدون للصيام عن ميتهم فلابد من الإطعام عن كل يوم مسكيناً نصف صاع من البر أو نحوه، ويجوز أن يقضيه أكثر من واحد، فيجوز إذا كان له -مثلاً- أربعة أولاد وعليه صيام عشرين يوماً أن يصوم كل منهم خمسة أيام، ويجزئ ذلك عنه، ويجزئ أيضاً أن يصوم الأبعد مع وجود الأقرب، مثلاً: تصوم عنه أخته مع وجود بنته أو ابنه، وتصوم عنه خالته مع وجود أمه مثلاً، فيصوم عنه البعيد ولو كان هناك من هو أقرب منه، ما دام أنه تبرع بالصيام عن متوفى، فهذا في الصوم عمن مات وعليه صيام نذر، وأما إذا كان النذر غير صيام كنذر الصلاة فلم يأت دليل على أنه يصلي عنه، لكن إن نذر اعتكافاً أو حجاً أو طوافاً فقال: لله علي أن أحج حجتين. أو: أن أعتمر عمرة أو عمرتين ولم يقدر أن يفعل ذلك حتى مات فإن ورثته يقضون عنه أو يوكلون من يحج أو يعتمر أو يطوف عنه ولو بأجرة، وكذلك الاعتكاف يعتكف عنه أحد ورثته، وكذلك الصدقة يتصدقون عنه من ماله، فإذا نذر أن يتصدق بمائة فلم يفعل فإنها تكون ديناً في ذمته تقضى من تركته، فإن لم يكن له تركة قضاها أحد ورثته أو أحد أقاربه، وكذا لو تبرع عنه أجنبي.

стр. 958

شرح حديث كعب: (أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك) قصة كعب بن مالك قيل: إنها نذر. وقيل: إنها ليست بنذر وإنما هي توبة. وهو خبر أخبر به عن نفسه، وذلك لأنه لما تاب الله عليه بعد تخلفه عن غزوة تبوك ونزل قول الله تعالى: ﴿وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ [التوبة:١١٨] إلى قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة:١١٩] التزم بقوله: إن الله إنما أنجاني بالصدق، وإن من توبتي أن لا أحدث إلا بحديث صدق. فالتزم بذلك وقال: ما تعمدت كذبة منذ قلت ذلك لرسول الله ﷺ ، وإني لأرجو أن يحفظني الله في بقية حياتي. ثم أراد أن ينخلع من ماله ويجعله كله صدقة رجاء أن تقبل توبته، فقال: (إن من توبتي أن أنخلع من مالي كله صدقة إلى الله ورسوله) وجعل هذا توبة، فبعض العلماء يقول: إن هذا نذر، نذر أن يتصدق بكل ماله. وبعضهم يقول: هذا ليس بنذر، وإنما هو التزام أو عهد أو توبة أو نحو ذلك، فلا يكون نذراً حتى يوفي بالنذر. وإذا قلنا: إنه نذر فقد بين النبي ﷺ أن في الوفاء به شيء من المشقة، بقوله: (أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك) قال: فإني أمسك سهمي الذي بخيبر. وكأنه كان له أملاك في المدينة فتصدق بها، تصدق بملكه الذي في المدينة من أرض ونحوها، وأمسك أرضاً له في خيبر جاءته لما قسمت أرض خيبر، فجعل هذا توبة له. وفي بعض الروايات أنه قال: (يكفيك الثلث) ، فاستدلوا به على أن من نذر أن يتصدق بجميع ماله اكتفى بالثلث؛ فإن سعد بن أبي وقاص لما مرض في حجة الوداع قال: (يا رسول الله! إنه لا يرثني إلا ابنة، وإني ذو مال، أفأتصدق بثلثي مالي؟ قال: لا. قال: فالشطر؟ قال: لا. قال: فالثلث؟ قال: الثلث والثلث كثير) التزم أن يتصدق بثلثيه فاكتفى بثلثه، فأفاد أنه يكفيه الثلث إن كان نذراً على ما في هذا الحديث.

стр. 959

شرح عمدة الأحكام [٧٣] ما قامت السماوات والأرض إلا بالعدل، ولا يستقيم حال الناس إلا بالعدل، فهم في حاجة إلى قضاة يعدلون بينهم، ويفصلون في منازعاتهم، وفي القضاء أحكام وقواعد وآداب لا بد للقاضي أن يلتزمها في حكمه بين الناس.

стр. 960

القضاء قال المصنف ﵀: [باب القضاء: عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) وفي لفظ: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) . وعن عائشة ﵂ قالت: دخلت هند بنت عتبة امرأة أبي سفيان على رسول الله ﷺ فقالت: (يا رسول الله! إن أبا سفيان رجل شحيح لا يعطيني من النفقة ما يكفيني ويكفي بني إلا ما أخذت من ماله بغير علمه، فهل علي في ذلك من جناح؟ فقال رسول الله ﷺ : خذي من ماله بالمعروف ما يكفيك ويكفي بنيك) ] .

стр. 961

أهمية القضاء بين الناس بعدما أورد المؤلف الأحاديث التي تتعلق بالحدود والعقوبات والمعاصي والأيمان والنذور ذكر باب القضاء، وهو الحكم بين الناس فيما يختلفون فيه؛ وذلك لأنه من ضروريات الحياة، فالواقع أن الناس يحصل من بعضهم اعتداء وظلم وأخذ لغير ما يستحقه، وادعاءات منها ما هو حق ومنها ما هو باطل، فكان لابد أن يكون هناك من يفصل بينهم، ويحسم النزاع الذي يوجد فيما بينهم، ويكون هذا الذي يفصله هو القاضي الذي يحكم بين الناس، وقد كان النبي ﷺ هو الذي يتولى القضاء في حياته، عندما يختلف اثنان ويتنازعان يترافعان إليه، فيقضي بينهما، ويخبر بمن عليه الحق، ويأمره بأداء الحق الذي عليه، وهكذا الخلفاء بعده، وكان قد أرسل ﵊ إلى بعض الجهات من يقضي بين الناس، فأرسل معاذاً إلى اليمن، وأمره أن يقضي بين الناس، وأرسل علياً أيضاً إلى جهة أخرى من اليمن، وأمره أن يقضي بينهم فيما يختلفون فيه، وعلمه شيئاً مما يقضي به، فثبت عنه أنه قال: (إذا سمعت كلام الخصم فلا تقضي حتى تسمع كلام الآخر، فإنك تعرف كيف تقضي) ، قال علي: فما زلت قاضياً، وروي عنه ﷺ أنه قال: (أعلمكم بالحلال والحرام معاذ بن جبل، وأقضاكم علي، وأفرضكم زيد) إلخ الحديث، فجعل علياً ممن له معرفة بالقضاء، وجرت له مسائل قضى فيها بين الناس، ووافقه عليها أهل زمانه. القضاء في الأصل هو الفصل فيما يختلف فيه الناس، قال الله تعالى: ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ﴾ [ص:٢٦] والحكم بين الناس هو القضاء بينهم بالحق الذي أنزله الله. ويقول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [النساء:٥٨] أي: إذا قضيتم بينهم فالتمسوا الحق والعدل، فهذا هو المراد بالقضاء، وقد اشترطوا للقضاء شروطاً، واشترطوا في القاضي صفات لابد أن تتوافر فيه، وهي مذكورة في كتب الأحكام وكتب الفقه، لابد أن تتوافر تلك الشروط فيه حتى يتمكن من القضاء، وإذا تخلفت أو تخلف بعضها اختلت أهليته للقضاء. وعلى كل حال الأحاديث التي فيها تعليم القضاء ليس فيها شيء متفق عليه بين البخاري ومسلم، مثل قوله ﷺ : (البينة على المدعي، واليمين على من أنكر) ، ومثل قوله: (كيف تقضي؟ قال: بكتاب الله، قال: فإن لم تجد؟ قال: بسنة رسول الله، قال: فإن لم تجد؟ قال: أجتهد رأيي) ، وهو حديث معاذ، وغيرها من الأحاديث التي لم تثبت على شرط الشيخين، فلذلك لم يذكرها المؤلف صاحب العمدة.

стр. 962

يجب على القاضي تحري السنة في الصحيحين عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) ، وفي رواية لـ مسلم: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) . هذا حديث جامع يعتمد في إثبات السنن وفي رد البدع، فيعتمد في أن القاضي عليه أن يتحرى السنة، وعليه أن يعمل بها، وعليه أن يعمل بما ورد منها، وأن يتجنب القضاء الذي يتبع فيه الهوى، ويتجنب أن يحكم بين الناس برأيه، ويتجنب أن يجور في الحكم، وأن يظلم هذا لهذا، فإن هذا كله خلاف ما أمر الله به، وخلاف ما عليه أمر الله وأمر رسوله، ولا شك أن هذا الحديث جاء في بيان الشريعة، وهو أن شريعة الله سبحانه قد بلغها النبي ﷺ فيما يتعلق بالأحكام، وفيما يتعلق بالآداب وبالحلال والحرام، وبالسنن وبالواجبات وما أشبهها. هذا الحديث (من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد) فيه إثبات السنن ورد البدع، وأن كل من عمل عملاً مضافاً إلى الشريعة لا أصل له بالدين فإنه مردود، سواء كان تغييراً في العبادة، أو بزيادة فيها، أو شرعية عبادة أخرى، ويدخل في ذلك الإضافات التي يضيفها المبتدعة سواء في أذكار أو في أدعية أو ما أشبه ذلك.

стр. 963

اجتهاد القاضي بما لا يخالف الكتاب والسنة إن القضاء من أمر الله ومن أمر رسوله، وعلى القاضي أن يتقيد بكتاب الله، فإذا جاءه أمر في كتاب الله قضى به، وإذا لم يجد فإنه يتقيد بسنة رسول الله، فإذا لم يجد اجتهد، فإذا قضى مخالفاً لأمر الله فقضاؤه مردود ولو كان من كان، كما لو أمر بمنكر أو نهى عن معروف أو قضى للظالم وظلم بعض الناس، وقضى على هذا بأنه ظالم مع أنه مظلوم، وقضى على هذا بأنه مظلوم مع أنه ظالم، وحكمه يرد إذا ثبت أنه مخالف لعين الصواب، فيقال: هذا مردود؛ لأنه عمل ليس عليه أمر الله ولا أمر رسوله، فاستدلوا بذلك على نقض حكم الحاكم الذي خالف فيه الصواب، ولو كان من كان؛ وذلك لأن الحاكم بشر، وحكمه يصدر عن اجتهاد، وقد أخبر النبي ﷺ عن نفسه بأنه لا يعلم الغيب، وإنما يجتهد بحسب ما يصل إليه إدراكه وفهمه فقال: (إنكم تختصمون إلي، ولعل بعضكم يكون ألحن بحجته من بعض؛ فأقضي له بنحو مما أسمع، فمن قضيت له بحق أخيه فإنما أقطع له قطعة من النار فليأخذها أو ليدعها) ، يعض بذلك المتخاصمين اللذين اختلفا، هذا يقول: الحق معي، وهذا يقول: الحق معي، فإذا كان أحدهما يعلم أنه كاذب وأنه ظالم فإن حكم الحاكم لا يبرر موقفه، ولا يحل له ما كان حراماً، يقول الله تعالى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ﴾ [البقرة:١٨٨] يعني: إلى القضاة ﴿لِتَأْكُلُوا فَرِيقاً مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:١٨٨] فإذا غلط القاضي وحكم لك بشيء من حق أخيك -ولو شيئاً يسيراً شبراً من الأرض أو درهماً أو جزءاً يسيراً من المال- فلا تأخذه وأنت تعلم أنك كاذب لا تستحقه، والقاضي متى تبين له خطأ نفسه فإن عليه الرجوع، والقضاة الآخرون إذا علموا جور هذا القاضي وعرفوا أنه مخطئ في حكمه؛ لم يجز إبقاؤه على هذا، بل يرد حكمه، فيقال: حكمك مردود ولو كنت من كنت.

стр. 964

شرح حديث: (خذي من ماله بالمعروف ما يكفيك ويكفي بنيك) من القضايا التي قضى فيها النبي ﷺ هذه القصة مع امرأة أبي سفيان، فقد ذكرت له أن أبا سفيان بخيل وشحيح، لا يعطيها كامل حقها من النفقة، فاستأذنت أن تأخذ من ماله -وهو لا يدري- نفقتها ولأولادها، ما يكفيها لإطعامهم ولكسوتهم ولفرشهم وحاجاتهم، فرخص لها النبي ﷺ في أن تأخذ بالمعروف، يعني: لا تأخذ زيادة على ما تستحقه، وإنما تأخذ الذي تستحقه دون الزيادة، حتى لا يكون عليها جناح فقال: (خذي من ماله ما يكفيك وولدك بالمعروف) ، واختلف العلماء: هل هذا قضاء أو فتيا؛ لأنه لم يحضر الخصم الثاني الذي هو أبو سفيان؟ فالذين قالوا: إنه قضاء قالوا: إن النبي ﷺ عرف صدقها؛ لأنه يعرف أبا سفيان واتصافه بالإمساك وقلة الإنفاق، وكأن ذلك أمر مشهور عنه، فقضى لها وقال: خذي من ماله قدر الكفاية، فجعلوا هذه القضية دعوى ادعتها هند على أبي سفيان فقضى لها، ومعروف أنه واجب عليه نفقتها ونفقة عيالها بحكم الزوجية، فهي زوجته، والمرأة ينفق عليها زوجها، لقول الله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة:٢٣٣] ، فمعلوم أنه يلزمه نفقتها، وإذا كان يلزمه، وقد عرف بالبخل؛ فقد حكم لها بأن تأخذ حقها، هكذا قال الذين ادعوا أنه حكم وقضية. وقال آخرون: ليس هو حكم، وإنما هو فتيا؛ وذلك لأنه في غيبة أبي سفيان، وهو ﵊ قال: (إذا سمعت كلام خصم فلا تقضي له حتى تسمع كلام الخصم الثاني) أو كما قال، فنهى القاضي أن يحكم لأحد الخصمين قبل أن يحضر الخصم الثاني، فربما يكون عند الخصم الثاني حجج قوية تبرر موقفه، وتبين عذره، فلا يسمع من أحد خصميه بل يسمع منهما معاً، فقالوا: إنه فتيا، وأيضاً فقد أفتاها بقوله: (إن أعطاك ما يكفيك وإلا فخذي من ماله ما يكفيك وولدك بالمعروف) فجعل هذا لها كأنه يقول: أفتي بأنه يلزمه النفقة، وأن المرأة لها الحق في أن تأخذ نفقتها من مال زوجها إذا أمسك نفقتها ونفقة ولدها، أي: بما يكفيهم، هذا دليل من يقول: إنها فتيا، وليست حكماً وقضاءً.

стр. 965

وجوب نفقة الزوج على زوجته وأولاده من الأبواب التي تذكر في كتب الفقه باب النفقة، ويذكرون أن الزوج يلزمه أن ينفق على زوجته، وأن ينفق على أولاده نفقة تكفيهم، وأنه مطالب بذلك؛ وذلك لأنه إنما يجمع المال ويكتسبه لأجل أن ينفق عليهم، فيطعمهم ويكسوهم، ويعطيهم ما يكفيهم، ويكنهم ويسكنهم، ويقضي لهم الحاجات، فكل ذلك متعلق بوالدهم، والمرأة متعلق حقها بزوجها؛ وذلك لأنه أخذها من أبويها، واستباح نكاحها، وحل له وطؤها، فأصبحت في حوزته، وفي حجره، وتحت إمرته، وتحت تصرفه، لا تقدر أن تتكسب إلا بإذنه، ولا تقدر أن تخرج من بيته إلا بإذنه، فأصبح لها حق عليه، وأصبحت هي تشتغل في بيته وتخدمه وتخدم ولده، وتربي له أولاده، فلابد أن ينفق عليها، وأن يعطيها ما يكفيها مقابل تمكينها له من الاستمتاع بها، ومن قضاء وطره، فلابد أن ينفق عليها، وأن يعطيها حقها، وهذا مجمع عليه. وقد ذكر العلماء أن الناس ثلاثة أقسام: غني ومتوسط وفقير، وأن الغني ينفق على أهله من أفضل النفقة وأعلاها، النفقة المعتادة من البر ومن الأرز مثلاً، وكذلك من الأطعمة المعتادة من اللحوم ومن الفواكه وما أشبه ذلك على عادة أهل بلده، والتوسع في ذلك قد نهي عنه. وأما المتوسط فإنه يقتصد في النفقة، فينفق من أوسط الطعام في البلد، فلا يتكلف شراء الغالي ورفيع الثمن، سواء من الطعام كالبر والأرز، أو من اللحوم، بل يأخذ من الوسط. وأما الفقير فإنه يأخذ من أرخص الأطعمة؛ وذلك لفقره، ولأنه لو أنفق زيادة على ذلك لاحتاج إلى الاستدانة؛ ولذلك يؤمر بأن ينفق على أهله من أرخص الأطعمة، وألا يشتري الأشياء التي ليست ضرورية، بل يقتصر على الخبز مثلاً أو على الأرز دون أن يتكلف بشراء اللحوم، وبشراء الفواكه، وبشراء الخضار وما أشبه ذلك. وهكذا أيضاً في الكسوة، فكسوة الغني الثري أن يشتري لأولاده ولزوجته كسوة في كل سنة مرة أو مرتين، وتكون من أرفع الأقمشة وأحسنها وأضمنها، والمتوسط من متوسطها، والفقير من أرخصها. وهكذا في سائر الأمتعة التي يحتاج إليها، وهذا كله داخل في قوله: (خذي من ماله ما يكفيك وولدك بالمعروف) أي: لا تأخذ زيادة، فإذا كان هو من الأغنياء فالمعروف هو نفقة الأغنياء، وإذا كان من المتوسطين فالمعروف نفقة أمثاله من المتوسطين سواء في الغذاء أو في الكسوة أو في الفرش أو في الأواني أو ما أشبه ذلك. وبهذا يعلم أن الشريعة تكلفت ببيان كل ما يحتاج إليه، فبينت أمور النفقة، وتدخل الفقهاء في أمور الناس، وذكروا كيفية إنفاق المنفق من كثير أو من قليل، ومع ذلك كله فإنهم نهوا عن الإسراف وعن الإفساد وعن التبذير الذي فيه إتلاف للمال في غير فائدة، ولو أثرى الإنسان وامتلك مئات الألوف أو ألوف الألوف فلا يجوز له أن يفسد الأموال لا في الأطعمة ولا في الأكسية ولا في الأواني ونحوها، بل يمسك المال ولا يسرف فيه ولا يفسده، ويصرفه في وجوهه التي يؤجر عليها، فإنه سوف يجد من يتقبله من الفقراء، وسوف يجد مشاريع خيرية ينفق فيها ويصرف فيها هذا الزائد الذي ليس بحاجة إليه، وبذلك يخرج من قوله تعالى: ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمْ﴾ [النساء:٥] ، ومن قوله: ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ﴾ [الإسراء:٢٧] .

стр. 966

شرح حديث: (إنما أنا بشر، فلعل بعضكم يكون ألحن بحجته من بعض) قال المصنف رحمنا الله تعالى وإياه: [عن أم سلمة ﵂ (أن رسول الله ﷺ سمع جلبة خصم بباب حجرته، فخرج إليهم فقال: إنما أنا بشر، وإنما يأتيني الخصم، فلعل بعضكم أن يكون أبلغ من بعض فأحسب أنه صادق فأقضي له، فمن قضيت له بحق مسلم فإنما هي قطعة من النار فليحملها أو يذرها) . وعن عبد الرحمن بن أبي بكرة ﵁ قال: كتب أبي -وكتبت له إلى ابنه عبد الله بن أبي بكرة وهو قاض بسجستان- لا تحكم بين اثنين وأنت غضبان، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: (لا يحكم أحد بين اثنين وهو غضبان) وفي رواية: (لا يقضين حكم بين اثنين وهو غضبان) ] . حديث أم سلمة يتعلق بقضاء القاضي بحسب ما ظهر له، وفي هذا الحديث أنه ﷺ سمع جلبة خصم، أي: خصوم سمعهم يختصمون ببابه، وكانت خصومتهم في مواريث بينهم قد اندرست، واشتبه عليهم حق هذا بهذا، فاختلفوا، وكل منهم يدعي أنه أولى وأن الحق له، فترافعوا إلى النبي ﷺ ، وقبل أن يحكم بينهم أو أن يسمع كلامهم وعظهم بهذه الموعظة: أولاً: أخبرهم أنه بشر، والله تعالى قد وصفه بذلك، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ﴾ [الكهف:١١٠] أي: أنا إنسان مثلكم، لست ملكاً، ولست خلقاً آخر، قال الله تعالى عنه: ﴿قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إِلاَّ بَشَراً رَسُولاً﴾ [الإسراء:٩٣] اختص بأن ينزل عليه الوحي من الله تعالى، وأما علم الغيب فلا يعلمه، كما قال الله عنه: ﴿قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرّاً إِلاَّ مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنْ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِي السُّوءُ﴾ [الأعراف:١٨٨] فأخبر بأنه بشر، والبشر لا يعلم من الغيب إلا ما أطلعه الله عليه، فهو يأتي عليه ما يأتي على البشر، وقد ثبت عنه ﷺ أنه سها مرة في صلاته، ولما انصرف قال: (إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون، فإذا نسيت فذكروني) . ثانياً: أخبرهم أنه يحكم بما يسمع، وأن بعضهم قد يكون أقوى حجة وأبلغ من الآخر، وهذا شيء مشاهد، فإن الخصمين قد يكون أحدهما قوي البيان، بليغ اللسان، كثير الكلام، كلامه يفصل الأشياء، ويبين ما لم يكن بيناً واضحاً، ويظهر الأمور، حتى يوهم من يسمعه أن الحق باطل، وأن الباطل حق، ويسحر من سمعه، ويخدعه، ولعل هذا ما ذكره النبي ﷺ بقوله: (إن من البيان لسحراً) يعني: بعض الناس أعطاهم الله لسناً وقوة بيان، فقد يظهر الحق في صورة باطل، والباطل في صورة حق، فيتوهم من يسمعه أن الحق معه، وأنه صادق.

стр. 967

على القاضي ألا يتعجل في البت في القضية قوله: (إن بعضكم قد يكون ألحن من حجته من بعض) يعني: أقوى وأقدر على إظهار حجته، بينما يكون الآخر عيياً ضعيف اللسان، لا يقدر على بيان حجته، وقد يكون الصواب معه، فينقلب الحق عليه، وينقلب الباطل حقاً، والحق باطلاً، فيتوهم القاضي أن هذا هو الصادق، وأن هذا ليس بصادق؛ ولأجل ذلك فإن على القاضي أن يتأنى، وألا يأخذ الكلام على عواهنه، وألا يصدق من يقول بمجرد القول والكلمة، بل عليه التأني والتثبت إلى أن يتضح له الحق، ويظهر له جلياً. وكأنه ﷺ ينبه القضاة على ألا يعجلوا في البت في القضية حتى يسمعوا كل ما له صلة بهذه القضية، وألا يصدقوا من كان بليغاً في المقال، ومن كان كثير الكلام، حتى يتبين صدقه وأحقية ما قال، ويأخذ أيضاً ما لدى الطرف الثاني، ويتثبت في ذلك، فيعرف القاضي بعد ذلك كيف يقضي، وقد ذكرنا أن علياً ﵁ كان أقضى الصحابة كما روي أنه قال: (وأقضاكم علي) ، وأنه قال له النبي ﷺ : (إذا سمعت كلام الخصم فلا تقضي له حتى تسمع كلام الثاني، فإنك ستعرف كيف تقضي) ، قال علي: فما زلت قاضياً.

стр. 968

حكم القاضي بحسب الظاهر في هذا الحديث أخبر النبي ﷺ أنه يحكم بما يظهر له، وأن بعض الخصمين قد يكون كاذباً، ويعلم كذب نفسه، ويعلم أنه طلب ما ليس له، وأنه اعتدى على حق غيره، إما أنه جحد حقاً عليه لخصمه، وإما أنه عرف تعديه على ملك غيره، وأخذه ما لا يستحقه، وأخذه من ملك لا حق له فيه، أو نحو ذلك، فلا شك أنه إذا عرف ذلك، ثم تقدم إلى القاضي وأراد أن يأخذ بقدر ما يدعيه، فإنه ظالم سواء أتى بشهود زور كذبوا في شهادتهم أو حلف يميناً فاجرة يعرف فجوره فيها، أو أكثر من القول ومن التظلم ومن إظهار الصدق وأنه صادق وأن الصواب معه؛ حتى يوهم من يسمعه أنه مظلوم، وأنه صادق في قوله، فيحكم له القاضي بمجرد قوله، وهو في الحقيقة ظالم وليس بمظلوم، وهو يعلم من نفسه ذلك؛ فلا يحل له ما أخذ، يقول النبي ﷺ : (فمن قضيت له بحق أخيه فإنما أقطع له قطعة من النار، فليأخذها أو ليدعها) . هكذا وعظ هذين الخصمين، وأخبر بأنك -أيها الخصم الذي تعرف ظلمك وتعرف عدوانك- إذا كنت عارفاً بأن هذا لا يحل لك، وكنت تعرف أنك معتدٍ بحجتك، معتدٍ في قضيتك، وأن أخاك وخصمك مظلوم معتدى عليه وعلى حقه، فكيف مع ذلك تقدم على هذا؟ إن هذا الذي أخذته ولو استمتعت به في الدنيا؛ فإنه سيكون وبالاً عليك، وستعذب به عذاباً وبيلاً، وقد ثبت أنه ﷺ قال: (من اقتطع مال أخيه بيمين هو فيها كاذب لقي الله وهو عليه غضبان، قيل: يا رسول الله! وإن كان شيئاً يسيراً؟ قال: وإن كان قضيباً من أراك) يعني: عود سواك قدر ما يقبضه القابض، ما قيمة هذا العود السواك؟! إذا حلف أنه له وهو ليس له لقي الله وهو عليه غضبان، والله تعالى إذا غضب على عبده فلا يقوم لغضبه شيء.

стр. 969

على القضاة نصح الخصوم من واجب القضاة أن ينصحوا الخصوم، ويجب على الخصم ألا يقدم على خصومة وهو يعلم أنه لا حق له في هذه الدعوى التي يدعيها في مال أخيه، بل يعلم أنه معتدٍ ظالم خاطئ في تقدمه بهذه الدعوى، وقد حرم النبي ﷺ الاعتداء على الحق، حتى قال: (من اغتصب شبراً من الأرض طوقه من سبع أراضين) شبراً من الأرض إذا أخذه بغير حقه جعل طوقاً في عنقه يوم القيامة، فماذا يفعل؟ وهل يستطيع أن يحمله من سبع أراضين؟ جاء في بعض الروايات: (خسف به إلى سبع أراضين) ، وهذا فيه التخويف من اغتصاب الأرض، وكذلك اغتصاب الأموال الأخرى، فإنه يأتي بها وهو يحملها كما يقول النبي ﷺ : (لا ألفين أحدكم يأتي يوم القيامة وعلى ظهره بعير له رغاء) يعني: قد أخذه بغير حقه، (يقول: يا محمد يا محمد! فأقول: لا أملك لك شيئاً، قد أبلغتك، لا ألفين أحدكم يأتي يوم القيامة وعلى رقبته بقرة لها خوار، لا ألفين أحدكم يأتي يوم القيامة وعلى رقبته شاة لها يعار -يعني: ثغار- لا ألفين أحدكم يأتي يوم القيامة وعلى رقبته رقاع تخفق -يعني: الأكسية ونحوها- قد أخذها بغير حق) ، وهكذا بقية الأموال المغصوبة يأتي بها الظالم يوم القيامة، فالقاضي عليه أن يذكر الخصوم، وأن يبين لهم قبل أن يحكم بأنك أيها الظالم تعرف ظلمك، وتعرف اعتداءك، وتعلم أنه لا حق لك في هذا، ولكن حملك عليه الجشع، وحملك عليه التعدي، فلا حق لك فيه، فترفق وارفق بنفسك، فإن هذا الذي تأخذه تأتي به يوم القيامة، وتعذب به ويكون قطعة من النار، ولو حكم به القاضي فحكم القاضي إنما هو على الظاهر؛ لأنه لا يعلم بواطن الأمور، فلا يصير الحكم حلالاً، قال الله تعالى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ﴾ [البقرة:١٨٨] أي: ترفعوها إلى الحكام ثم تستدلوا بحكم الحاكم أنه حلال، حكم الحاكم لا يغيرها، ولا يجعل الحرام حلالاً، بل هو حرام عليك ولو حكم به عشرون قاضياً، فهو لا يزال حراماً، فحق أخيك المسلم الذي أخذته عدواناً وظلماً لا يصيره حكم الحاكم حلالاً.

стр. 970

شرح حديث: (لا يحكم أحد بين اثنين وهو غضبان) حديث أبي بكرة فيه أن النبي ﷺ قال: (لا يحكم الحاكم بين اثنين وهو غضبان) ، وهذا تأديب من النبي ﷺ للقضاة، وكأنه أراد أن القاضي يحكم في حالة قد اطمأن فيها قلبه، وقد ارتاح فيها بدنه، ولا يحكم إلا بعد التروي، وبعد التعقل، وبعد تتبع الحجج، وبعد التفقه فيها، وبعد النظر، وبعد البحث، وبعد معرفة صحة أو بطلان ما يدعيه وما يقوله كل منهما، وهذا لا يحصل إذا حكم وهو غضبان، والغضب قد يكون بسبب أحدهما، فقد يتكلم عليه أحدهما ويقول له مثلاً: أنت جائر، أو أنت خصم، أو أنت تحكم بالهوى، أو نحو ذلك، فيغضب من هذه الكلمة، فإذا أغضبه فلا يحق له أن يوقع به؛ وذلك لأن الخصمين دائماً كل منهما يوجه سباباً وكلاماً بذيئاً على خصمه، فلا يستنكر هذا. وهكذا إذا رأى أحد الخصمين من القاضي إقبالاً على أحد الخصمين؛ فقد يتهمه بأنه يميل معه، فيلقي له كلمة، فالقاضي الذي يسمع مثل هذه الكلمة لا يعيرها اهتماماً، وإذا غضب فعليه أن يتوقف عن القضاء، ولا يحكم في تلك الحال، حتى يهدأ ويذهب عنه الغضب؛ لأنه إذا حكم وهو غضبان فربما ظهر في قضائه ميل نحو الخصم الذي أغضبه أو سبه أو عابه أو قدح في عدالته، فيكون ذلك ظلماً وجوراً، وهذا لا يجوز في الشرع.

стр. 971

ما يلحق بالغضب المانع من حكم القاضي قال العلماء: إن الغضب كمثال، ويلحق به كل حالة يكون القاضي فيها ضجراً، فلا يحكم حتى يذهب عنه ذلك الضجر، فإذا جاءه أمر يغمه فلا يقضي وهو مغموم، وإذا اهتم لأمر من الأمور فلا يقضي حتى يزول عنه ذلك الهم، وإذا أتاه ما يحزنه على أمر قد فات من مرض أو موت أو نحو ذلك فلا يقضي حتى يذهب عنه ذلك الحزن، وكذلك لا يقضي في حالة جهد شديد وتعب مضني، ولا يقضي في حالة مرض شديد، ولا يقضي وهو جائع، ولا يقضي وهو ضمآن، ولا يقضي وهو ناعس أو بحاجة إلى راحة، ولا يقضي وهو مهموم بأمر من الأمور، لا يقضي في حالة شدة برد أو في حالة شدة حر أو نحو ذلك؛ لماذا؟ لأن هذه الأشياء تمنعه من التأمل في القضية، ومن التعقل في أطرافها، ومن تتبع الأطراف، وتتبع القضايا، وعرضها على فكره وعقله، فيكون في هذا التسرع ما يسبب خطأه، ويسبب وقوع الغلط في قضائه، فيندم بعد ما يفوت الأوان، فإرشاد النبي ﷺ إلى عدم القضاء في حالة الغضب يلحق به كل ما يقلق القاضي ويضجره حتى لا يعجل في القضية، ولا يقدم عليها إلا بعد تتبع أطرافها، وهذه إرشادات نبوية لئلا يقع ظلم أو حيف أو اعتداء على بعض الخصوم، فيقع القاضي في الظلم ويتسبب في أخذ الحق من مستحقه.

стр. 972

شرح حديث: (ألا أنبئكم بأكبر الكبائر ؟) قال المصنف رحمنا الله تعالى وإياه: [عن أبي بكرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (ألا أنبئكم بأكبر الكبائر ثلاثاً؟ قلنا: بلى يا رسول الله، قال: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وكان متكئاً فجلس، فقال: ألا وقول الزور وشهادة الزور، فما زال يكررها حتى قلنا: ليته سكت) . وعن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: (لو يعطى الناس بدعواهم لادعى ناس دماء رجال وأموالهم، ولكن اليمين على المدعى عليه) ] . هذان حديثان يتعلقان بالقضاء، فالحديث الأول يتعلق بشهادة الزور وقول الزور، والحديث الثاني يتعلق بكيفية القضاء، كيف يقضي القاضي بين اثنين إذا تنازعا؟ فأما الحديث الأول فأخبر أن شهادة الزور من أكبر الكبائر، يقول: (ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وكان متكئاً فجلس وقال: ألا وقول الزور، ألا وشهادة الزور، فما زال يكررها حتى قالوا: ليته سكت) ! الكبائر هي الذنوب الكبيرة التي تحتاج إلى التوبة، فمنها ما لا يغفر إلا بالتوبة كالشرك، ومنها ما يكون تحت المشيئة كالكبائر التي دون الشرك.

стр. 973

الشرك أكبر الكبائر قوله: (ألا أنبئكم) يعني: ألا أخبركم بأكبر الكبائر؟ وقد عرفوا أن الذنوب فيها كبائر وفيها صغائر، وأن الكبائر منها كبير ومنها أكبر، فكأنه أراد أن يخبرهم بالأكبر من الكبائر، فلما قالوا: بلى، ابتدأ بإخبارهم فقال: (الإشراك بالله) ، ولا شك أن الشرك بالله هو أكبر الكبائر؛ وذلك لأنه يوجب الخلود في النار إن كان شركاً أكبر، أو يسبب دخولها إن كان أصغر، يقول الله تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾ [المائدة:٧٢] وغير ذلك من الآيات، والمراد بالشرك هنا أن تجعل العبادة بين الله وبين غيره، أن يجعل أحد العبادة أو بعضها مشتركةً بين الخالق وبين بعض المخلوقين، فيشرّك المخلوق في حق الخالق، ويجعل المخلوق شريكاً لله، فيدعو الله ويدعو غيره، ويخاف الله ويخاف غيره، ويحب الله ويحب غيره، وما أشبه ذلك، وهو الذي ذكره ابن القيم في قوله: والشرك فاحذره فشرك ظاهر ذا القسم ليس بقابل الغفران وهو اتخاذ الند للرحمن أياً كان من حجر ومن إنسان يدعوه أو يرجوه ثم يخافه ويحبه كمحبة الديان فهذا الشرك أكبر الكبائر.

стр. 974

عقوق الوالدين قوله: (وعقوق الوالدين) ، الوالدان لهما حق كبير على أولادهما، فالإحسان إليهما يقرن بالتوحيد، وعقوقهما يقرن بالشرك، وكثيراً ما ذكر الله تعالى حق الوالدين بعد حقه كما في قوله: ﴿أَنْ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ﴾ [لقمان:١٤] ، وفي قوله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً﴾ [النساء:٣٦] ، وقال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً﴾ [البقرة:٨٣] (لا تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللَّهَ) هذا التوحيد، (وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً) هذا هو البر، فأعظم الحسنات التوحيد ثم البر، وأعظم السيئات الشرك ثم العقوق، والعقوق مشتق من العق وهو القطع، والعاق كأنه قطع الصلة بينه وبين أبويه، فبدل الإحسان أساء إليهما، وبدل البر عقهما، وبدل أداء حقوقهما جحد فضلهما. ولا شك أن للوالدين حقاً كبيراً على أولادهما؛ ولذلك قال تعالى: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنْ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً﴾ [الإسراء:٢٣-٢٤] وهذا تعليم من الله تعالى بكيفية البر، والتأفيف أقل ما يتصور من القول السيء، فعرف بذلك أن عقوق الوالدين من أكبر الكبائر، والأحاديث في ذم العقوق كثيرة معروفة.

стр. 975

شهادة الزور قوله: (وكان متكئاً فجلس) ، لما تكلم بأول الكلام كان متكئاً على جدار أو نحوه، ولأهمية ما سيذكره استوى جالساً متربعاً، وأخذ يكرر قوله: (ألا وشهادة الزور، ألا وقول الزور) ، ومع تكراره أشفقوا عليه، ورأوا أنه قد تأثر من الانفعال فقالوا: ليته يسكت أي: قد شق على نفسه بهذا التأثر، وتمنوا أن يسكت من شدة تكراره، ومن شده تأثره، ولا شك أنه لا يتأثر إلا من شيء له أهمية، فهو دليل على أن قول الزور وشهادة الزور من أكبر الكبائر؛ ولذا أشفق على أمته أن يقعوا في قول الزور أو في شهادة الزور. والزور هو الكذب، والتزوير معروف وهو التدليس والكذب في أمر من الأمور، يقال: زور فلان على فلان يعني: كذب عليه، وكتب عنه أنه قال: كذا، أو قلد كتابته أو نحو ذلك؛ حتى يظلمه، ويطلق الزور على كل من كذب على غيره، ولا شك أنه يعم الكذب على الله تعالى وعلى رسله، فإنه من أكبر الكبائر، وقد قرنه الله تعالى بالشرك في آية أخرى في سورة الحج، يقول تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنْ الأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ [الحج:٣٠] اجتنبوا الرجس أي: الشرك، والزور هو الكذب، ومدح الذين يتجنبونه بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ [الفرقان:٧٢] قيل: لا يحضرونه وقيل: لا يشهدون به، وبكل حال فهذا دليل على عظم الكلمة. وشهادة الزور هي الشهادة عند القاضي كذباً وزوراً وإثماً، جعلها النبي ﵊ من أكبر الكبائر، وما ذاك إلا لأنه يترتب عليها مظالم، فإن القاضي يبني على شهادة الشاهدين، فيحكم بما شهدا به، ومتى كانا كاذبين تحملا ذلك الإثم، فإذا اقتطع من هذا حقاً بموجب شاهدين كاذبين فهما الظالمان وهما الآثمان، وعليهما جرم ذلك الظلم، لا على القاضي؛ لأنه بنى على شهادة غيره، ولهذا روي عن شريح -وقد كان قاضياً لـ علي ولمن بعده- أنه أوصى بعض القضاة بقوله: إن القضاء جمرة فاجعل بينك وبينها عودين يقيانك منها، فسئل: ما هما العودان اللذان تأخذ بهما الجمرة؟ فقال: الشاهدان، فهما اللذان يقبضان هذه الجمرة، فإذا كنت تريد أن تقضي فكأنك تقطع جمرة من هذا لهذا، فلا تمسها، ولكن دع الذي يمسها غيرك، وهما الشاهدان، فإذا كانا كاذبين فهما الآثمان. وقد وردت الأدلة في ذم شاهد الزور، حتى روي في بعض السنن: (لا تزول قدما شاهد الزور حتى يستوجب النار) ، أو (حتى يوجب الله له النار) أي: بموجب شهادته كأنه لما اقتطع بهذه الشهادة حقاً لمسلم عاقبه الله بهذا العذاب، وهو استحقاقه لعذاب النار وبئس القرار. وقد تساهل الناس في هذه الأزمنة بشهادة الزور، فصاروا يشهدون حمية، يشهد أحدهم حمية لقريبة أو تعصباً أو نحو ذلك، ويشهد بعضهم لمصلحة كأن يبذل له المشهود له مالاً حتى يشهد له، فيأخذ مالاً دنياً دانياً مقابل أن يبيع دينه، ويستوجب عذاب الله، وشر الناس من ظلم الناس للناس، لا ينتفع بهذا بل ينفع غيره ويضر نفسه، فلو فكر في أنه يوصم بأنه كاذب، ويوصم بأنه آثم، ويوصم بأنه مزور، وهذه صمات كبيرة، وهي بعض ما يستحقه، فيشتهر بعد ذلك أنه شاهد زور، ويجب أن يشهر أمره إذا علم أنه شاهد زور، وذهب بعض العلماء إلى أنه يطاف به في الأسواق وفي الطرق، ويشهر ويقال: هذا شاهد الزور، هذا شاهد الزور؛ حتى يتجنبه الناس ويعرفون كذبه، وأنه قد تعمد الكذب، فيرتدع الناس حتى لا يشهدوا مثل شهادته مخافة الفضيحة، وكذلك يعرفونه فلا يقبلون قوله، ولا يقبلون معاملته، فيبوء بعد ذلك بالذل والهوان. يجب أن يتثبت الإنسان فلا يشهد إلا بما استيقنه، روي أنه ﷺ قال لرجل: (ترى الشمس؟ قال: نعم، قال: على مثلها فاشهد أو دع) أي: لا تشهد إلا على شيء تتيقنه كما تتيقن أن هذه هي الشمس إذا طلعت، فلا تشهد وأنت شاك أو متوهم، لا تشهد بما لا تعلم، وحكى الله عن إخوة يوسف أنهم قالوا: ﴿وَمَا شَهِدْنَا إِلاَّ بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ﴾ [يوسف:٨١] ، فذكروا أن شهادتهم إنما هي بما وصلت إليه معرفتهم، وبما رأوه دون أن يعلموا حقائق الأمور، فالشاهد يشهد بما ظهر له، فإن كان متيقناً أقدم، وإلا أحجم.

стр. 976

شرح حديث: (لو يعطى الناس بدعواهم لادعى رجال دماء قوم وأموالهم) حديث ابن عباس عن النبي ﷺ : (لو يعطى الناس بدعواهم لادعى رجال دماء قوم وأموالهم، ولكن اليمين على المدعى عليه) هذه رواية الصحيحين، ورواية أهل السنن: (البينة على المدعي، واليمين على من أنكر) ، ويعتبر هذا الحديث من جوامع الكلم حيث إنه بيّن كيف يقضي القاضي؛ وذلك لأنه كثرت الدعاوي، فيوجد من يدعي وهو كاذب ظلماً وبهتاناً، فلو أعطي بدعواه لادعى أن هذا قتل أباه، ويريد قتله، أو أن هذا انتهب ماله، أو أن هذا ظلمه، أو أن هذا ضربه وهو كاذب؛ حتى يحصل على مالٍ أو يحصل على ديةٍ أو يحصل على شفاء نفسه؛ فيكثر الظلم، ويعطى من لا يستحق غير ما يستحق. بين ﵊ أن على المدعى عليه اليمين: (اليمين على المدعى عليه) ، والمدعى عليه هو الذي إذا ترك سكت، وهو الذي يحب أنه يخلى سبيله، جاءه إنسان وقال: أنت يا هذا عندك لي حق، عندك لي دين، أو ظلمتني، أو أخذت مالي، أو اقتطعت أرضي، أو سفكت دمي، أو قطعت طرفي، أو قتلت ابني، أو هدمت جداري، أو قلعت شجرتي، أو صدمت سيارتي، أو نحو ذلك؛ فأنكر، وقال: ليس هو أنا، ما فعلت شيئاً من ذلك، لست أنا خصمك، وليس عندي لك حق، فالمدعي المطالب هو المبتدئ، والمدعى عليه يريد الهروب، ويريد السلامة، ينكر ذلك، وينكر أن يكون عنده شيء، ويحب أن يترك ويخلى سبيله، فلما كان جانبه أقوى -لأن الأصل البراءة- جعلت اليمين عليه، فإن اليمين تكون مع من جانبه أقوى، فيقال له: إما أن تثبت ببينة وشاهدي عدل أن هذا ظلمك وأخذ حقك وإما أن يحلف خصمك، وتبرأ منه، وقد وقع ذلك في حديث الأشعث بن قيس الكندي لما تخاصم هو ورجل من كندة في أرض، فقال: إنه اعتدى على أرضي، فقال الكندي الآخر: إنها أرضي ورثتها من أبي، فقال النبي ﷺ للأشعث: (ألك بينة؟ قال: لا، قال: فلك يمينه، فقال: إذاً يحلف ويأخذ أرضي) ، وفي رواية قال: (إنه رجل فاجر لا يبالي بالكذب، فقال: ليس لك إلا يمينه) ، ثم إنه ﵇ أخبر بشدة عذاب من حلف كاذباً، فقال: (من حلف يمين صبر وهو كاذب ليقتطع مال امرئ مسلم لقي الله وهو عليه غضبان) ، ونزلت في ذلك الآية الكريمة في سورة آل عمران: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً﴾ [آل عمران:٧٧] يعني: حظاً دنيوياً عاجلاً ﴿أُوْلَئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ وَلا يُكَلِّمُهُمْ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [آل عمران:٧٧] انظروا كيف توعد الله من حلف وهو كاذب، فعلى الشاهد أن يتثبت في شهادته، والحالف لابد أن يتثبت في حلفه، مخافة أن يأخذ بيمينه ما لا يحل له، ومخافة أن تنزل به عقوبة إذا حلف وهو كاذب، وبالأخص إذا حلف على أمر ماضٍ وهو يعلم أنه كاذب فيه، وهذه تسمى اليمين الغموس، فإنه يوشك أن يعاقبه الله عاجلاً، وقد ورد في بعض الآثار: (إن اليمين الكاذبة تدع الديار بلاقع) يعني: من حلفوا وهم كاذبون يسلط الله عليهم الآفات والمصائب والموت، ذكر ابن عباس أن رجلاً من قريش في الجاهلية قتله رجل من العرب، فطلبوا ديته فقالوا: ما قتلناه، فقالوا: يحلف منكم خمسون، فأحد الخمسين دفع ناقتين وقال: اعفوني من اليمين، والثاني من الخمسين أعفوه لأنه صهر لقريش، وثمانية وأربعون حلفوا وقالوا: ما قتلناه، فما دارت السنة وفيهم عين تطرف، هكذا في صحيح البخاري عن ابن عباس، فلذلك يتوقى من الحلف كاذباً كما يتوقى من الشهادة كاذباً.

стр. 977

شرح عمدة الأحكام [٧٤] الحلال بين والحرام بين، ومن جملة ذلك المطعومات من أنواع اللحوم، فمنها ما هو بين الحلية، ومنها ما هو بين الحرمة، ومنه ما هو موضع اشتباه واختلاف بين العلماء ﵏، ومن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه.

стр. 978

شرح حديث: (إن الحلال بين وإن الحرام بين) قال المصنف ﵀: [كتاب الأطعمة: عن النعمان بن بشير ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول -وأهوى النعمان بأصبعيه إلى أذنيه-: (إن الحلال بين والحرام بين، وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه، ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله محارمه، ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب) . وعن أنس ﵁ قال: أنفجنا أرنباً بمر الظهران، فسعى القوم فلغبوا وأدركتها فأخذتها، فأتيت بها أبا طلحة فذبحها، وبعث إلى رسول الله ﷺ بوركها أو فخذها فقبله] . تحل الأطعمة سواء من اللحوم أو من النباتات، وقد تقدم حكم المعاملات من البيع والشراء، والتجارة، وتنمية الأموال، وبعض المكاسب، والإيجارات وما أشبهها، وتقدم متى تكون حلالاً، ومتى تحرم ويكون فيها غش أو ربا أو غرر أو خداع، أو نحو ذلك، وأما هنا فأرادوا بيان الأطعمة التي أحلها الله والتي حرمها، فيذكرون في هذا الكتاب ما يباح من المأكولات ومن الأشربة وما أشبهها. الله تعالى أحل الأطعمة التي لا ضرر فيها، وحرم ما فيه ضرر؛ لأن الله خلق هذه الأرض وخلق ما فيها مسخراً لمنفعة البشر كما في قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً﴾ [البقرة:٢٩] (لَكُمْ) أي: مسخراً لكم، لكن إذا كان فيه ضرر فإنه ينتفع به في غير الأكل. فجميع ما على وجه الأرض كله خلق لأجل الإنسان، لكن كثيراً من هذه المخلوقات خلقها الله تعالى لتكون آية ودلالة وعبرة على قدرة الخالق تعالى، وليعتبر بها العقل، ويعتبر بها الإنسان، ولا نتوسع في هذا فالباب طويل، ولكن نعود فنقول: المأكولات التي أحلها الله تعالى هي الطيبات، قال تعالى: ﴿كُلُوا مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلالاً طَيِّباً﴾ [البقرة:١٦٨] ، وقال: ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة:٥٧] ، وقال تعالى: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمْ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمْ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف:١٥٧] ، وهذا النبات الذي ينبت في الأرض منه ما هو غذاء للإنسان كالحبوب والثمار التي لا ضرر فيها، ومنه ما هو غذاء للدواب، يقول تعالى: ﴿كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ﴾ [طه:٥٤] ، ويقول تعالى: ﴿وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ﴾ [النحل:١٠] أي: ترعون دوابكم السائمة التي هي راعية بأفواهها (تسيمون) أي: ترعون. ولا شك أن الطيبات معلومة بالطبع، وبفكر الإنسان، وبعقله، فيرجع فيها إلى أهل الخبرة وأهل المعرفة، فمعلوم أن أكل السموم والأشياء الضارة محرمة لكونها ليست طيبة، ولكنها ضارة وخبيثة، ومعلوم أن أكل السباع وأكل الدواب الصغيرة كالبعوض والحشرات الصغيرة من المستخبثات، فلا تدخل في الطيبات، فإذاً: يبقى ما هو من الطيبات على أصله، وهذا ما قاله النبي ﷺ في هذا الحديث: (الحلال بين والحرام بين) فإن الطيبات بينة واضحة، والخبائث بينة واضحة، فالنفس تستخبث الجيف، وتستخبث النجاسات والقاذورات، وتنفر منها، ولو لم تكن عندها معرفة بتفاصيل الشريعة، وكذلك تستخبث الحشرات، يستقبح الإنسان أن يأكل الذباب أو يأكل الذر أو يأكل النمل، أو يأكل السوس من الدود، أو يأكل الحشرات الأخرى كالبعوض، والنحل، والزنابير، وكذلك العظاية وسام أبرص والوزغ والسحلية، ولا شك أن نفسه تتقزز أن يأكل من هذه الأشياء، فعرف بذلك أنها خبيثة، فهي من الحرام البين. وكذلك يعرف أن أنواع الخبز الذي يصنع من البر أو من الأرز ونحوه من الطيبات، وأنه طعام طيب، وكذلك اللحوم الطيبة المذكاة يعرف أنها طيبة، وكذلك الصيد الذي يقتل ويصاد من الظباء وما أشبهها يعرف أنها من الطيبات؛ فلذلك قال: (الحلال بين) ، وهو هذه الطيبات التي أحلها الله (والحرام بين) ، وهي الخبائث، والخبائث هي كل شيء ضار بالبدن أو ضار بالعقل، فالضار بالبدن مثل أكل الجيف وأكل لحم الخنزير؛ لأنه يتغذى بالنجاسات والأقذار ونحوها، فهذه لا شك أنها ضارة بالبدن، وتسبب ضرراً في تغذية البدن ونحوه، ولا تؤكل إلا عند الضرورة وخوف الموت، فقد أباحها الله عند الضرورة في قوله: ﴿فَمَنْ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة:٣] . وأما الطيبات فإنه يعرفها بفكره، ويعرفها بعقله، ويميز بين ما هو ضار وما هو نافع. وكذلك أيضاً يعرف أن من الطيبات الأشربة المباحة من الألبان والمياه وما حلي بعسل أو نحوه يعرف أنها من الأشربة الطيبة، وإذا كانت تضر بالعقل كالخمور ونحوها فإنها من الخبائث؛ لأنها ضارة بالعقل؛ ولأجل ذلك تسمى الخمر أم الخبائث، ومثلها ما هو ضار بالبدن كهذا الدخان الذي هو التنباك، فلا شك أنه من الخبائث؛ لأنه لا يسمن ولا يغني من جوع، ولأنه يضر بالبدن، ويعرف ذلك الذين حللوه، فهو من الحرام البين. وهكذا كل المباحات هي بينة لمن وفقه الله ورزقه معرفة وعقلاً، أما الذين زين لهم الشيطان الحرام، فاستحسنوا القبيح واستقبحوا الحسن، فهؤلاء لا عبرة بهم، فالذين يستحسنون أكل لحم الخنازير ويقولون: إنها دواب من جملة الدواب التي على الأرض، وهي داخلة في قوله: (لَكُمْ) ، ف الجواب أنها لما كانت خبيثة تتغذى بالنجاسات ونحوها دخلت في الخبائث، والذين يستحسنون الخمور ويسمونها: أشربة روحية نسوا أنها تزيل العقول، وأنها تلحق أهلها بالمجانين، ولا شك أنها محرمة لأجل هذه العلة، والذين يستحسنون شرب الدخان ويقولون: لا ضرر فيه، نسوا أنه لا نفع فيه البتة، وفيه أضرار كثيرة يعرفها من قرأ في تحاليله، وإذا كان فيه ضرر وليس فيه نفع فهو خسران مبين، فيه خسارة بعض المال، وإحراق له في غير منفعة بل في مضرة. إذاً: هناك من تنعكس فطرته، وتنقلب معرفته، فيرى الحلال حراماً، ويرى الحرام حلالاً، ويخيل إليه ما هو قبيح حسناً، فمثل هذا لا عبرة به، بل العبرة بأهل العقول الذكية، ثم يرجع في ذلك إلى ما شرعه الله، وإلى ما وضحه فيقال: إن الله تعالى قد بين ما هو حلال وما هو حرام بياناً واضحاً كافياً، فيرجع إلى بيانه، فحرم الخمر، وحرم كل ما هو ضار بالبدن، وحرم الخبائث بقوله: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمْ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف:١٥٧] ، وحرم كل ما يضر بالدين أو يقدح فيه من الأشياء التي تضره، فحرم المعاملات الربوية والغش في المعاملات والغصب والسرقة وأخذ المال بغير حق والنهب والظلم وما أشبه ذلك؛ لأن في ذلك أخذ لما لا يستحقه المسلم، فدل ذلك كله على أن الحلال بين، وأن الحرام بين؛ ببيان الله تعالى وبيان رسله عليهم الصلاة والسلام.

стр. 979

ترك المشتبهات قوله: (وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس) ، وفي رواية: (وبينهما مشبهات) ، هذه المشبهات قد تشتبه على بعض الناس إما في وجه الكسب، وإما في وجه المدخل، وإما من حيث الأصل، فتشتبه على الناس، فتتعارض فيها الأدلة أو الأقيسة، أو لا يوجد فيها دليل، ولها شبه بهذا، ولها شبه بهذا، فتلحق بما هو أقرب لها. فمن الدواب ما اختلف في حله وفي حرمته، فاختلفوا في لحم الخيل هل هو حلال أو حرام؟ فذهبت الحنفية إلى أنها حرام وألحقوها بالحمر، وذهب الجمهور إلى أنها حلال، واستدلوا بما ورد فيها من الأحاديث، مثل حديث أن النبي ﵊ (حرم الحمر الأهلية، وأذن في لحوم الخيل) . واختلفوا في أكل الفيل هل من هو الدواب المباحة أم لا؟ والجمهور على أنه حرام لأنه ذو ناب واختلفوا في أكل الزرافة، وأكثرهم على أنها حلال لأنها أشبه ببهيمة الأنعام. واختلفوا في أكل الضب، والجمهور على أنه حلال، وإن وردت فيه بعض الأدلة التي تدل على كراهته. واختلفوا في أكل الجراد، والجمهور على أنه حلال؛ لأن العرب تستطيبه، ولما ورد من الأحاديث في إباحة أكله. واختلفوا في أكل الدلدل ويسمى النيص وأكثرهم على أنه ملحق بما تستخبثه العرب، ولكن إذا غلب على الظن أن هذا الشيء مختلف فيه، وأن النفس تميل إلى النفرة منه؛ فإن الإنسان يترك الشيء المشتبة. أما الضبع فهو ملحق بما يأكل الجيف، وله ناب، ويفترس، فلأجل ذلك قال الجمهور: هو حرام، وجعلها بعضهم من المستثنى، وأباحها لأجل ما ورد فيها من الأحاديث، ولكن الورع ترك المشتبهات. وأما الأرنب ففيها هذا الحديث الذي في الصحيحين، يقول أنس: أنفجنا أرنباً بمر الظهران، فسعى القوم فلغبوا، يعني: تعبوا، فأدركتها فأخذتها، فأتيت بها أبا طلحة فذبحها وبعث إلى النبي ﷺ بوركها فقبله، فدل على أنها من المباح؛ لأنهم سعوا في أثرها، فدل على أنها مباحة الأكل، وقال بعضهم: إنها تحيض؛ ولأجل ذلك لا تباح، ولكن لا دليل على كراهتها. وعلى كل حال فالإنسان إذا اطمأنت نفسه إلى شيء فإنه من المباح، وإذا نفرت نفسه من هذا الشيء فيتركه حتى يقوم عنده دليل على حرمته أو على إباحته بناء على الأصل. وأما المعاملات فقد تقدم أن الكثير من المكاسب قد يكون فيه اشتباه على الإنسان، يشتبه عليه هذا المكسب، أو هذه المعاملة هل هي من المباح أم لا؟ فيشتبه عليه هذا المال الذي جاءه من هذه الجهة هل هو حلال أو حرام؟ فيدخل في قوله: (وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس) ، وإذا اشتبه عليك هذا الأمر، وتقززت نفسك منه، فإن الأولى الصبر عنه؛ ولأجل ذلك يقول ﷺ : (البر ما اطمأنت إليه النفس، واطمأن إليه القلب، والإثم ما حاك في النفس، وتردد في الصدر، وإن أفتاك الناس وأفتوك) ، وقال قبل ذلك: (استفت قلبك) يعني: انظر إلى هذا الشيء؛ هل تجد أن نفسك ترتاح لهذه المعاملة أم تجد أن نفسك تكرهها وتتوقف فيها؟ هذا من جهة، ولكن قد يكون بعض الناس معهم شيء من التساهل، فيتوسعون في المكاسب ويأخذون أموالاً بغير حق باسم أجرة أو باسم جعالة؛ وإن كانت لم تطب بها نفس الذي بذلها، أو أنه لا يستحقها لسبب من الأسباب، فإذا لم يكن لها جهة شرعية فما أحسن التورع، والبعد عنها، والسلامة من مآثمها؛ حتى يطيب مأكل الإنسان؛ لأن الأكل إذا كان طيباً كان البدن طيباً، وسلم من العذاب، وإذا تغذى البدن على حرام كان البدن آثماً أو نجساً، وفي بعض الأحاديث: (كل لحم نبت من سحت فالنار أولى به) . فعلى المسلم أن يكون متنزهاً عن الآثام، وأن يكون متحرياً للصواب، وأن يكون ورعاً عما ليس بحلال واضح الحلية، وهذا معنى قوله: (من اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام) ، فالشبهات هي هذه الأمور المشتبهة التي تأتيك، يأتيك هذا المال باسم مساعدة، وقد يكون قصد صاحبه أن يعطيك لأجل أن تشفع له، أو لأجل أن تقربه، أو لأجل أن تزيد له في سعر، أو أن تنقص له في ثمن، أو ما أشبه ذلك، ولا تطيب به نفس صاحبه، فيكون حراماً أو يكون مشتبهاً، فإذا توقيت هذه الأمور المشتبهة واقتصرت على ما هو حلال نجوت إن شاء الله من الحرام، واستبرأت لدينك، واستبرأت لعرضك، وأما من توسع في هذه المشتبهات فإنه يجره ذلك إلى الوقوع في الحرام؛ ولأجل ذلك قال: (من وقع في الشبهات وقع في الحرام) ؛ لأنها مع كثرتها لابد أن يكون فيها شيء حرام ولو كان قليلاً، ولو درهم من ربا أو شبيه بربا، أو شبيه برشوة، أو شبيه بغرر، أو شبيه بمال لم تطب نفس صاحبه، ولكن بذله قهرياً أو ما أشبه ذلك، فلا شك أنه والحال هذه يعتبر من المشتبه أو من الحرام. وإذا وقع في كثير من المشتبهات وقع في الحرام ولا بد، ومثل له النبي ﵇ بقوله: (كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه) ، الحمى هي الأرض التي يحميها ملك من الملوك أو نحوه، فإذا جاء راعٍ بغنمه ورعى حولها فقد يغفل عنها فتدخل غنمه في ذلك الحمى، فيمسكه الحماة الذين يحمونها، ويعذبونه ويعاقبونه على دخوله، فهكذا الذي يقرب من الحرام لا يأمن أن يقع في الحرام.

стр. 980

شرح حديث: (نحرنا على عهد رسول الله فرساً فأكلناه) قال المصنف رحمنا الله تعالى وإياه: [عن أسماء بنت أبي بكر ﵂ قالت: (نحرنا على عهد رسول الله ﷺ فرساً فأكلناه) ، وفي رواية: (ونحن بالمدينة) . وعن جابر بن عبد الله ﵁: (أن رسول الله ﷺ نهى عن لحوم الحمر الأهلية، وأذن في لحوم الخيل) ، ولـ مسلم وحده قال: (أكلنا زمن خيبر الخيل وحمر الوحش، ونهى النبي ﷺ عن الحمار الأهلي) . وعن عبد الله بن أبي أوفى ﵁ قال: (أصابتنا مجاعة ليالي خيبر، فلما كان يوم خيبر وقعنا في الحمر الأهلية، فانتحرناها فلما غلت بها القدور نادى منادي رسول الله ﷺ : أن أكفئوا القدور، ولا تأكلوا من لحوم الحمر شيئاً) ] . هذه الأحاديث تتعلق بالحلال والحرام من بهيمة الأنعام ومن الدواب ونحوها، وقد عرف أن الأصل في بهيمة الأنعام الحلّ وجواز الأكل، إلا ما ورد الشرع بالنهي عنه وتحريم أكله، فلا خلاف في أكل الإبل والبقر والغنم ضأناً أو معزاً؛ لأن الله سماها حلالاً، وسماها بهيمة الأنعام في قوله: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة:١] ، ويراد بها البهائم التي ذللت وسخرت للإنسان، وقال الله تعالى عن الإبل: ﴿وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ﴾ [يس:٧٢] ، وذكر الله تعالى الغنم والبقر في قوله: ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنْ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنْ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ﴾ [الأنعام:١٤٣] ، وقال: ﴿وَمِنْ الإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنْ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ أَالذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمْ الأُنثَيَيْنِ﴾ [الأنعام:١٤٤] ، وبقي هناك دواب سخرها الله تعالى أيضاً للإنسان كالخيل ذكرها في قوله: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ [النحل:٨] ، وذكرها من الزينة في قوله قوله: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنْ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ﴾ [آل عمران:١٤] ، وذكرها في قوله: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾ [الأنفال:٦٠] ونحو ذلك. فهذه الخيل مما سخرها الله تعالى للإنسان؛ ليركبها، وليحمل عليها، وليقاتل عليها، وللسباق ولغير ذلك، وفيها أيضاً زينة، وإذا كانت كذلك فإنها مباحة حلال الأكل؛ لأنها من جملة ما يسره الله وسخره للإنسان، فلا مانع من إباحة أكل لحمها بعد ذبحها وتذكيتها؛ لأنها من الطيبات، وتتغذى بالطيبات، والناس يتفاخرون بها ويحبونها، حتى مدحوها بقصائد كثيرة، يقول بعضهم: أحبوا الخيل واصطبروا عليها فإن العز فيها والجمال إذا ما الخيل ضيعها أناس ربطناها فأشركت العيال نقاسمها المعيشة كل يوم وتكسبنا المهابة والجمال وكانوا يفتخرون باقتنائها، فهي من الزينة التي سخرها الله وجعلها من زينة الدنيا؛ فلأجل ذلك رخص في أكلها، ففي حديث أسماء قالت: (نحرنا فرساً على عهد رسول الله ﷺ فأكلناه) ، ومعلوم أنه ﵊ علم بذلك وأقره؛ لأن أسماء هي بنت أبي بكر، وهي أخت عائشة، وزوجها هو الزبير الذي هو ابن عمة رسول الله ﷺ ، وكان له خيل، فتلك الفرس يغلب على الظن أنها من خيل الزبير، ولابد أنه أطعم منها النبي ﷺ ، أو أن أسماء أطعمت عائشة، وعائشة أخبرت النبي ﷺ ، فلا بد أنه أقر أكلها، وأنه أباحه، فهي من جملة الطيبات التي أباحها الله بقوله: ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة:٥٧] ، وقوله: ﴿كُلُوا مِنْ الطَّيِّبَاتِ﴾ [المؤمنون:٥١] . وقد ذهب بعض العلماء كالحنفية إلى تحريم أكلها، وألحقوها بالحمر، وقالوا: إن الله ما ذكر فيها إلا أنها زينة في قوله: ﴿لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ [النحل:٨] ، فدل على أنها غير مأكولة، ولو كانت مما يؤكل لذكر النعمة بالأكل كما ذكرها في الإبل بقوله: ﴿فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ﴾ [يس:٧٢] ، ولو كانت مما يؤكل لشرعت في الهدي، وجاز أن تذبح في الأضاحي، وفي جبران المناسك ونحو ذلك، ولم يعملوا بهذا الحديث مع أنه في الصحيح، ومع كونها من الطيبات، ولم يأت عن النبي ﷺ نهي عن أكل لحمها، فهذه التعليلات لا تنفي الأكل؛ وذلك لأن الآية إنما ذكرت الأغلب، فالأغلب أن الناس يقتنونها للزينة وللفخر وللقتال عليها؛ ولأجل ذلك يرفعون في أثمانها، ويحبونها، ويغالون في اقتنائها، وفي اقتناء نسلها ونحو ذلك، وإذا كانت حلالاً فجميع ما ينتج منها حلال، فلبنها حلال يشرب إذا كان فيها لبن كما يشرب لبن البقر والغنم ونحوها، ولحمها حلال، وكذلك ينتفع بجلودها كما ينتفع بجلود غيرها من بهيمة الأنعام، وما أشبه ذلك.

стр. 981

تحريم أكل الحمر والبغال الحمر والبغال كانت حلالاً في أول الإسلام، ثم حرمت في سنة سبع، واستقر الأمر على تحريم هذا الحمار الأهلي، والمراد بالحمر الأهلية الحمر التي تركب وينتفع بها في الركوب وفي الحمل عليها ونحو ذلك، والحمار الأهلي ينتفع به في الركوب، وذلك لأنه يصبر على الركوب، وقد يكون سيره أسرع من سير الإبل أو قريباً منها، وإن كان لا يحمل عليه الأثقال الكبار، ولا يركب إلى البلاد البعيدة؛ لكونه لا يحمل شيئاً كثيراً غير الراكب ونحوه، ولكن هو مما سخره الله للركوب كما في قوله: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ [النحل:٨] ، ولكن ورد ذم صوته: ﴿إِنَّ أَنكَرَ الأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ [لقمان:١٩] وفي هذا ذم له من هذا الوجه، وورد أيضاً ذمه في آية أخرى في قوله: ﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً﴾ [الجمعة:٥] فالحمار معروف أنه لا يستفيد من حمل الأسفار يعني: من حمل الكتب، فجعله مثلاً للذين ﴿حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا﴾ [الجمعة:٥] وهذا يفهم منه أنه مذموم؛ فلأجل هذا ورد تحريم أكل الحمر الأهلية، وذلك أنهم لما كانوا في غزوة خيبر في أول سنة سبع من الهجرة، وحاصروا خيبر، كأنه أصاب بعضهم جوع، فلم يجدوا أقرب من هذه الحمر فذبحوها، سواء كانت ملكاً لهم أو غنيمة مما غنموه من دواب أهل خيبر، فذبحوها ونصبوا القدور في ليلة مظلمة، فسأل النبي ﷺ : (ما هذه القدور؟ أو قال: على أي شيء توقد هذه القدور؟ قالوا: على لحم الحمر الإنسية، فقال: أهريقوها واكسروها -من باب الغضب- قالوا: أونهريقها ونغسلها؟ قال: أو ذاك) ، ومشى هو وبعض صحابته، وأخذوا يهرقون تلك اللحوم التي في القدور، وأخذ يدوسها في التراب ويتربها ونادى في تلك الليال: (إن الله ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحمر الأهلية فإنها رجس) ، وفي رواية: (ركس) ، وتكاثرت الأحاديث في أنه ﷺ نهى في تلك الليالي عن لحوم الحمر الأهلية، ولو كانت من بهيمة الأنعام، ولو كانت مما يركب ويعلف، لكن لم يذكر العلة، ولعله قذارتها، فإنها قد تتغذى بالنجاسات، فقد تأكل العذرة والنجاسات وتتغذى بها، وإن كان ذلك ليس أغلبياً؛ لأنها في الأصل تأكل من النباتات ونحوها. فبكل حال جاءت هذه الأحاديث صريحة بالنهي عنها، وعمل بها جمهور الأمة، وقالوا: إنها محرمة الأكل لهذه الأحاديث، فلا تؤكل وإنما ينتفع بها، واتفقوا على طهارة عرقها؛ لأن النبي ﷺ كان يركب الحمار الأهلي، ويردف عليه، وكان يركبه بدون وقاية، ولا شك أنه قد يعرق وهو عليه، ولم يكن يغسل ثيابه من عرق الحمار، فدل على طهارة عرقه، وكذلك طهارة سؤره، فإذا شرب من ماء فلا بأس أن يشرب منه أو يتوضأ من سؤره إذا عرف أنه لم يأكل نجاسة، فهو من الطاهرات إلا أنه سمى لحمه رجساً في قوله: (فإنها رجس) ، والرجس هو النجس الذي وصف الله به بعض المحرمات كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ [المائدة:٩٠] فكذلك جعل لحوم الحمر الأهلية رجساً فعمل بذلك أغلب الأئمة، وذهب بعض الصحابة -كما روي عن ابن عباس - وبعض الأئمة -وهو رواية عن الشافعي - أنه يباح أكلها كبهيمة الأنعام، وجعلوا النهي عنها خاصاً، وقالوا: إنما نهى عنها في خيبر؛ لأنها كانت حمولة الناس، وخاف أنهم إذا ذبحوها لم يبق لهم ما يحملون عليه أو ما يركبونه، ولكن هذا لا يوافق ما ذكر من قوله: (فإنها رجس) ، وعلى هذا؛ فالقول المعتمد لأئمة المسلمين أنها محرمة الأكل، وأنه لا ينتفع بلحمها لا أكلاً ولا انتفاعاً، وأن لبنها أيضاً نجس، حيث إنها نجسة -يعني: لحمها- فكذلك لبنها، وشحمها، وما يؤخذ منها بعد موتها، كل ذلك منهي عنه بموجب هذه الأحاديث.

стр. 982

شرح حديث: (لم يكن بأرض قومي فأجدني أعافه) قال المصنف رحمنا الله تعالى وإياه: [عن عبد الله بن عباس ﵄ قال: (دخلت مع خالد بن الوليد على رسول الله ﷺ بيت ميمونة، فأتي بضب محنوذ، فأهوى إليه رسول الله ﷺ بيده، فقال بعض النسوة اللاتي في بيت ميمونة: أخبروا رسول الله ﷺ بما يريد أن يأكل، فقلت: تأكله هو ضب؟ فرفع رسول الله ﷺ يده، فقلت: أحرام هو يا رسول الله؟ قال: لا، ولكنه لم يكن بأرض قومي فأجدني أعافه، قال خالد: فاجتررته فأكلته، ورسول الله ﷺ ينظر) قال ﵁: المحنوذ: المشوي بالرضف، وهي الحجارة المحماة. وعن عبد الله بن أبي أوفى قال: (غزونا مع رسول الله ﷺ سبع غزوات نأكل الجراد) . وعن زهدم بن مضرب الجرمي قال: كنا عند أبي موسى فدعا بمائدة عليها لحم دجاج، فدخل رجل من بني تيم الله أحمر شبيه بالموالي فقال: هلم فلتأكل، فتلكأ، فقال له: هلم فإني رأيت رسول الله ﷺ يأكل منه] . هذه الأحاديث تتعلق ببعض الأطعمة، وسياقها يدل على أنها في اللحوم التي قد يشك فيها، فالحديث الأول في حكم أكل الضب، وهو حيوان معروف، وصورته كصورة الوزغ أو السحلية أو سام أبرص أو الورل، ولكن استثني فأبيح، وقد ورد فيه أحاديث كثيرة، ومنها ما يدل على كراهته، ومنها ما يدل على إباحته، فمنها هذا الحديث، وفيه أن النبي ﷺ دخل على ميمونة وهي إحدى أمهات المؤمنين، ودخل معه خالد بن الوليد وهي خالته، فقدم إليه هذا اللحم، وإذا هو لحم ضب محنوذ، يعني: مشوي على الرضف، وهي حجارة محماة، فأهوى بيده ليأكل، فأخبروه بما يريد أن يأكل حتى يعرف حكم ذلك الطعام الذي يأكله هل هو مباح أم مكروه أم حرام؟ ولم يكن عندهم علم بحكم هذا الحيوان الذي هو الضب، فلما أخبروه بأنه الضب تورع عنه ورفع يده، فسألوه: أحرم هو؟ فقال: (لا، ولكنه لم يكن بأرض قومي فأجدني أعافه) ، وكأنه تورع عنه لأنه لم يتعود أكله في أول عمره، وكأنه في ذلك الوقت لم يكن كثيراً حول مكة، وإن كان يوجد بكثرة حول المدينة وحول القرى الأخرى، ولكن لأنه لم يعتاده في أول عمره كرهته نفسه فتورع عنه، فهذا هو السبب في كونه لم يأكله. ولكن اجتذبه خالد بن الوليد فأكله والنبي ﷺ ينظر، واستدلوا بإقراره على أنه مباح، فإنه لا يقر على ما هو مكروه أو ما هو حرام، ودل على أن تركه له إنما هو لأن نفسه تقززت وتوقفت عن أكل شيء لم يكن اعتاده ولا تعودت نفسه على استساغته. وبكل حال فهو دليل على إباحة لحم الضب، فهو من الطيبات؛ وذلك لأنه يأكل من الأعشاب التي تنبت في البراري، فهو من جملة الدواب التي تأكل منها كالظباء والوعول وما أشبهها التي هي من الطيبات، وهو لا يأكل الجيف، ولا يأكل الأقذار ونحوها. وورد في بعض الروايات أنه قال: (لا أحله ولا أحرمه) يعني: لا آكله ولا تستطيبه نفسي، ولكن لا أحرمه، والصحيح الرواية التي فيها: (لا آكله ولا أحرمه) يعني: لا تقبله نفسي، ولا أنهى غيري، ومع كثرة الأحاديث التي فيه؛ فإن الذين لم يألفوه ولم يعرفوه في بلادهم ينكرون أكله، وتنفر منه نفوسهم، فكثير من أهل البلاد النائية ما عرفوه، وإذا رأوه فإن نفوسهم تتوقف عن أكله، وتكرهه، وقد كرهه بعضهم لوجود رائحة فيمن أكله، فإنه يؤثر رائحة فيمن أكله، ولكن ليست تلك الرائحة رائحة كريهة، وإنما هي رائحة واضحة تبين أنه أكل شيئاً من لحم الضب، وهذا لا يبرر كراهيته، فهو من المباحات.

стр. 983

شرح حديث: (غزونا مع رسول الله سبع غزوات نأكل الجراد) قوله: (غزونا مع رسول الله ﷺ سبع غزوات نأكل الجراد) ، الجراد معروف، وهو هذه الحشرات الصغيرة التي تطير، وتوجد بكثرة في بعض الأوقات، وهي شبيهة ببعض الأشياء المحرمة كالزنابير والدبر وغيره، ولكن لها خاصية في أنها تأكل الأعشاب ونحوها وتتغذى بالنبات وما أشبهه، فلا إثم في أكلها، وأيضاً فهي مما يسلطها الله على بعض الناس، فتكثر فتأكل الثمار وتتسلط على الزروع وعلى البساتين، وإذا سلطها الله تعالى على قوم تكون من جملة العذاب الذي يرسله الله، وقد ذكر الله تعالى أنها من جملة ما أرسل على آل فرعون، فقال الله تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ﴾ [الأعراف:١٣٣] يعني: سلط الله عليهم هذه الأشياء، فسلط عليهم الجراد فأكل ثمارهم، وأكل أشجارهم، عذاب من الله لا يقدرون على رده؛ وذلك لكثرته وعدم استطاعة مقاومته إذا سلط، وما يؤخذ منه أو يصاد لا ينقصه، فالناس يصطادون منه شيئاً كثيراً، ثم بعد ذلك إذا أصبحوا وذهب إلى البلاد الأخرى وجدوه كأنه لم ينقص، فيصيدون منه، ثم في الصباح يطير ويذهب إلى قرية أخرى، فيجدونه كأنه لم ينقص، وهكذا ليس له نهاية إلا إذا سلط الله عليه ما شاء. إذاً: هذا الجراد من جملة ما يسلطه الله على عباده، ولما كان من جملة الطيبات، وأكله من الأشجار ونحوها؛ أبيح أكله، وجعل من الدواب التي لا تحتاج إلى تذكية، ففي الحديث: (أحلت لنا ميتتان ودمان: فأما الميتتان فالجراد والحوت، وأما الدمان فالكبد والطحال) ، فتباح ميتته، وإذا وجد ميتاً أبيح طبخه أو شيه، وكذلك إن صيد وهو حي فإنه لا يحتاج إلى ذبح، بل يشوى أو يطبخ وهو حي، ويحل أكله بعد ذلك، وما ذاك إلا لأنه ليس فيه دم إذا ذبح، وما يسيل منه لا يسمى دماً، وإنما يسيل منه شيء وهو حي شبه لعابه، فلا يسمى دماً، والميتة حرمت لأنها إذا ماتت تحجر الدم في عروقها وأفسد لحمها، بخلاف الجراد فإنه ليس فيه دم، فلذلك يباح أكله بعد ما يطبخ ولو لم يذبح. المصنف ذكر هذا الحديث لأن فيه خلافاً، وكثير من أهل البلاد الإسلامية ينكرون أكله؛ وذلك لأنهم لم يتعودوه، ولم يألفوه، لأنه غريب في بلادهم، أو أنه يأتيهم أحياناً، ولم يتعودوا اصطياده وطبخه، فلذلك يكون من جملة المكروه نفسياً، ولكن لما ثبت أن النبي ﷺ أكله، ولما ثبت أنه أباحه وإن لم يذك، وثبت أن الصحابة أكلوه؛ دل ذلك على أنه من جملة المباحات ومن جملة الطيبات، فهو غذاء يغني عن الطعام ويغني عن اللحوم، وقد يتلذذ بأكله، ويتفكه به، فلا كراهة فيه، ولكن لا يلزم كل أحد أن يأكله، إنما يأكله من اشتهاه، ولكن لا يعيبه أحد ولا يحرمه.

стр. 984

شرح حديث: (رأيت رسول الله يأكل الدجاج) الحديث الذي بعده يتعلق بأكل لحم الدجاج، وفيه هذه القصة، وهي أن أبا موسى ﵁ قدم إليه طعام وعليه لحم دجاج، وعنده رجل من بني تيم، فتلكأ لما دعي لأكله، فأخبر أبو موسى بأنه رأى النبي ﷺ يأكله، ولكن ذلك التيمي اعتذر بأنه رآه يأكل شيئاً فكرهه، وفي بعض الروايات فسر بأنه رآه يأكل النجاسات، فكرهته نفسه، وامتنع من أكله. وبكل حال الدجاج المعروف من جملة ما ذلل للإنسان، فهو من الدواب التي لا تنفر من الناس، بل تألف الناس، وتكون في البيوت، وهي لا تطير كما يطير غيرها من الطيور؛ ولهذا يقول بعضهم: كذا دجاج البيوت لهن ريش ولكن لا يطرن مع الحمامة فهي ولو كانت لها أجنحة لكن ليست مما ينفر من الناس ويذهب، بل تألف البيوت، وتتوالد عند الناس، ثم إذا أراد أهلها الذين يملكونها أن يأكلوها أمسكوها وذبحوها، وأكلوا لحمها، وأكلوا أيضاً من بيضها، فهي من جملة ما سخر للإنسان. وهذا الدجاج غذاء كثير من الناس، وقد لا يستغني عنه غالباً أهل بيت إلا ما شاء الله، فهو من جملة الأطعمة الحلال المباحة، لكن قد يقال: إنه أحياناً يتغذى بالنجاسة، فيأكل النجاسات، ولعله سبب كون ذلك التيمي كرهه، وهو قد يتغذى أحياناً بالنجاسات، إذا وجد العذرة أو نحوها من النجاسات يأكل منها، وحينئذ يكون له حكم الجلالة، والجلالة هي التي تأكل العذرة أي: النجاسات ورجيع الآدمي، وقد وردت أحاديث في النهي عن أكلها ما دام عرف ذلك عنها حتى تطهر، فقالوا: إذا كانت الناقة أو الجمل أو البقر جلالة -يعني: تأكل من النجاسات- فإنها تحبس، قيل: أربعين يوماً، وقيل: سبعة أيام، وتطعم طعاماً طيباً من النبات أو الشعير أو نحوه إلى أن يطيب لحمها، ويذهب عنها ذلك الغذاء الخبيث. أما إذا كانت من الغنم فقالوا: يكفي حبسها سبعة أيام حتى ينظف بطنها، ويزول ما فيها من ذلك الغذاء النجس، وأما إذا كانت من الدجاج فإنها تحبس ثلاثة أيام، وتطعم من الحبوب التي تتقوت بها غالباً كالبر ونحوه حتى يطيب لحمها أو يطيب غذاؤها، فيكتفى بحبسها ثلاثة أيام. وذهب كثير من العلماء إلى أنه لا يجوز أكلها حتى ينبت لها لحم غير ذلك اللحم أو يتغير، وفي هذا شيء من التشديد، وعلى كل حال يقول العلماء: إن هذا النجاسة التي أكلتها ولو أنها أثرت في بدنها وفي لحمها ولكن تأثيرها قليل، فاللحم موجود، وآثار ذلك الغذاء يرى في عروقها وفي أمعائها، ولكن بعد ما تحبس وتطعم الطعام الطيب يزول ذلك الأثر. ومعروف أن الدجاج في هذه الأزمنة قد تطعم طعاماً نجساً، الدواجن الموجودة الآن التي يبيعها أهلها يذكرون أنهم يغذونها بأغذية مستوردة قد يكون فيها شيء من النجاسات، يأخذون الدم أو غيره ويخلطونه بأشياء، ثم يجعلونه غذاء لهذه الطيور كالحمام والأوز والدجاج وما أشبهها حتى تتغذى به، لكن ذهب بعض العلماء إلى أنه طاهر؛ وذلك لأنه تحال، وقالوا: إن النجاسة تطهر بالاستحالة، وما دام أنه عقم وأدخل في مصانع وأزيل أثر ذلك القذر الذي فيه؛ فلا مانع من التغذي به، وإن كان الأفضل أن أهل الدواجن لا يغذونه إلا من الشيء الذي يتحققون طهارته وبعده عن النجاسة. وبكل حال هذه أحاديث تدل على بعض ما يباح من الأطعمة، والأصل فيها أنها حلال، وقد عرفنا أن الطيور والحيوانات الأصل فيها الحل إلا ما استثني، فاستثنوا الدواب والطيور التي تأكل الجيف كالسباع والرخم والنسور والغراب والعقاب وما أشبهه، واستثنوا ما له مخلب، وغالباً أن الذي له مخلب يأكل الجيف كالصقر والبازي وما أشبه ذلك، واستثنوا ما تستخبثه العرب ولا تستطيبه، واستثنوا الحشرات، واستثنوا ما أمر بقتله كالفواسق أو ما نهي عن قتله كالنملة والنحلة والهدهد والصرد، وما بقي فالأصل فيه الإباحة.

стр. 985

شرح حديث: (إذا أكل أحدكم طعاماً فلا يمسح يده حتى يلعقها) قال المصنف ﵀: [عن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: (إذا أكل أحدكم طعاماً فلا يمسح يده حتى يلعقها أو يلعقها) ] . قوله ﷺ : (إذا أكل أحدكم طعاماً فلا يمسح يده حتى يَلعقها أو يُلعقها) يعني: إذا أكل بيده، وكان في يده بعد الأكل بقية من ذلك الطعام فإن عليه أن يلعق يده أي: أصابعه وكفه الذي عليه بقايا ذلك الطعام، أو يُلعقها أي: يعطيها ولده أو خادمه يمصها وينظفها قبل أن يمسحها، وكانت عادتهم الأكل بالأيدي دون الأكل بملعقة ونحوها؛ وذلك لأن اليد هي التي جعلها الله آلة العمل، ومن العمل الأكل، فقد أعطى الله الإنسان هذه الجوارح، ومن جملتها الأيدي، وأمره وأباح له أن يعمل بها ما ينفعه.
следующие страницы →