Полный текст (1 175 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.
стр. 1121
الطرق الجائزة في علاج السحر
شياطين الجن والسحرة ونحوهم قد يسلطون أولياءهم على بعض المتعففين أو على بعض المتمسكين، يريدون بذلك إضراره ورده عما هو عليه، فالحيلة في إبطال هذا الكيد علاجه، ولا شك أنه لا علاج له إلا العلاج الرحماني وهو كلام الله وكلام رسوله ﷺ ، ولا يجوز علاجه بإتيان السحرة، ولا بطلبهم أن يفكوا عنه، ولا العلاج بمثله من السحر، وإذا عرف الساحر فإنه يقام عليه الحد: (حد الساحر ضربه بالسيف) ، فلا يجوز إقراره، فكيف يُؤتى إليه ويقال: فلان مصاب فعليك أن تعالجه! فلا يجوز ذلك، إنما نعالجه بكلام الله وبكلام رسوله ﷺ ، وبالأدعية النافعة، وبالأدوية المباحة.
ولقد تكلم العلماء على بعض العلاجات النافعة، فتكلم على ذلك ابن القيم ﵀ عندما فسر سورتي المعوذتين في كتابه (بدائع الفوائد) ، فإنه فسر سورتي المعوذتين، وأتى على قوله تعالى: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ [الفلق:٤] ، وأطال الكلام على السحر، وعلى ذكر حقيقته، وعلى ما قيل فيه، ثم تكلم عن فك السحر وحلّه عن المسحور وهو المسمى بالنشرة، وذكر الآثار في ذلك، فذكر الحديث الذي روي بلفظ: (أن النبي ﷺ سئل عن النشرة؟ فقال: هي من عمل الشيطان) ، وقال: النشرة: حل السحر عن المسحور، وهو قسمان: حلّ بسحر مثله، وهو الذي من عمل الشيطان، وعليه يحمل كلام الحسن البصري أنه قال: لا يحل السحر إلا ساحر، وصفته: أن الساحر والمسحور كل منهما يتقرب إلى الشيطان بما يحب، فأما أن يدعو الشيطان، وإما أن يطيع الشيطان، حتى يبطل عمله عن المسحور، فهذا حرام، وهذه هي النشرة المحرمة؛ لأن الناشر والمنتشر يتقربان إلى الشيطان بما يحب، فيبطل عمله عن المسحور.
الثاني: العلاج بالقراءة وبالأدعية وبالأوراد وبالآيات ونحوها؛ فهذا لا بأس به، وهو داخل في كون القرآن شفاءً كما وصفه الله؛ فإن الله تعالى وصف القرآن بأنه شفاء في قوله تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾ [الإسراء:٨٢] ، ولهذا إذا قرئ على المصاب بجن أو بسحر، وكان ذلك المصاب عاصياً أو فاسقاً أو متصفاً بخروج عن الطاعة لم تؤثر فيه القراءة حتى يقلع عن معصيته، أو حتى يعلن التوبة وعدم الرجوع، فهنالك يشفى بإذن الله تعالى عملاً بهذه الآية: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى﴾ [فصلت:٤٤] ، وقوله: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾ [الإسراء:٨٢] فهذا هو العلاج.
وقد ذكر ابن القيم وابن كثير أنواعاً من العلاجات، وابن كثير تكلم على السحر وأطال عليه في تفسير قول الله تعالى في سورة البقرة: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ﴾ [البقرة:١٠٢] إلى آخر الآية، وتكلم على قوله: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾ [البقرة:١٠٢] يعني: أن من السحر ما يسبب البغضاء بين الزوجين، والزوجان -غالباً- يكونان متآلفين، فالساحر يقدر بعمله الشيطاني على أن يوقع بينهما الوحشة، وأن يسبب الفرقة بينهما، أو يعمل عملاً يحجز به الزوج عن امرأته ويحبسها فلا يقدر على جماعها، فذكروا علاجاً وصفه ابن كثير ونقله عمن نقله من السلف، وهذا بلا شك من الأشياء المجربة، ذكر أنه يؤخذ سبع ورقات من السدر الأخضر، فتضرب بين حجرين، ثم يصب عليها ماء، ويقرأ فيها سورتي الكافرون والإخلاص: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون:١] و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] ، والمعوذتين، وآية الكرسي، وآيات السحر الثلاث: في سورة الأعراف قوله تعالى: ﴿فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانقَلَبُوا صَاغِرِينَ﴾ [الأعراف:١١٨-١١٩] ، وقوله تعالى في سورة يونس: ﴿قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ * وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾ [يونس:٨٠-٨١] ، وقوله تعالى في سورة طه: ﴿قُلْنَا لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الأَعْلَى * وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾ [طه:٦٨-٦٩] ، فيكرر المصاب أو المحبوس عن امرأته قراءتها، وسيفك ذلك عنه بإذن الله إذا توافرت الشروط.
وهناك آيات أخرى غير هذه، ونقل عن ابن عباس ﵄ أن سبعاً وثلاثين آية في القرآن فيها قول: لا إله إلا الله، من قرأها فإنه يُحمى من كيد الشياطين ونحوه، وأنه لا يضره سحر في ذلك اليوم إذا قرأها كورد في الصباح أو في المساء، يعني الآيات التي فيها التهليلات، وتسمى: تهليلات القرآن.
وعلى كل حال فالقرآن كله شفاء كما وصفه الله تعالى، وإن كان فيه آيات تخص قراءتها، وتكون حرزاً للمؤمنين ودعاءً، وكذلك أيضاً الأحاديث النبوية، وقد جمع العلماء متقدميهم ومتأخريهم أدعية من الكتاب والسنة، وجعلوها كأوراد، وقراءتها قبل المرض تكون حفظاً بإذن الله، وبعد المرض تكون علاجاً.
وقد أصيب بعض الإخوان واشتكى أنه تصيبه حشرجة وضيق في صدره؛ بحيث إنه لا يستقر ولا ينشرح باله إذا دخل منزله، فعمد إلى الورد المطبوع المشتهر الذي اسمه: (الورد المصفى المختار) الذي جمعه الملك عبد العزيز ﵀، يقول: أخذت هذا الورد، وجعلت أقرأه قبل أن أنام، إذا جلست على فراشي قرأته من أوله إلى آخره، وإذا أصبحت قرأته من أوله إلى آخره في المصلى، وأنا رافع يدي ومخبت قلبي، قال: فما لبثت إلا شهراً أو أقل من شهر حتى زالت عني تلك الوحشة، واتسع قلبي، وزال عني ما أجد من ذلك الضيق! وهذا دليل على أن كتاب الله وسنة نبيه والأدعية والأوراد سبب في الشفاء إذا وقع المرض، وسبب في الحمية والعصمة والحماية منه قبل وقوعه.
стр. 1122
الكرامات والخوارق الشيطانية
قال الشارح رحمنا الله تعالى وإياه: [والناس من أهل العلم فيهم على ثلاثة أحزاب: حزب يكذبون بوجود رجال الغيب، ولكن قد عاينهم الناس، وثبت عمن عاينهم أو حدثه الثقات بما رأوه، وهؤلاء إذا رأوهم وتيقنوا وجودهم خضعوا لهم.
وحزب عرفوهم، ورجعوا إلى القدر، واعتقدوا أن ثَّم في الباطن طريقاً إلى الله غير طريقة الأنبياء! وحزب ما أمكنهم أن يجعلوا ولياً خارجاً عن دائرة الرسول، فقالوا: يكون الرسول هو ممداً للطائفتين.
فهؤلاء معظمون للرسول جاهلون بدينه وشرعه.
والحق أن هؤلاء من أتباع الشياطين، وأن رجال الغيب هم الجن، ويسمون رجالاً، كما قال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ [الجن:٦] ، وإلا فالإنس يؤنسون، أي: يشهدون ويرون، وإنما يحتجب الإنسي أحياناً، لا يكون دائماً محتجباً عن أبصار الإنس، ومن ظنهم أنهم من الإنس فمن غلطه وجهله.
وسبب الضلال فيهم، وافتراق هذه الأحزاب الثلاثة: عدم الفرقان بين أولياء الشيطان وأولياء الرحمن، ويقول بعض الناس: الفقراء يُسلّم إليهم حالهم! وهذا كلام باطل، بل الواجب عرض أفعالهم وأحوالهم على الشريعة المحمدية، فما وافقها قُبِل، وما خالفها رُد، كما قال النبي ﷺ : (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) ، وفي رواية: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) ، فلا طريقة إلا طريقة الرسول ﷺ ، ولا حقيقة إلا حقيقته، ولا شريعة إلا شريعته، ولا عقيدة إلا عقيدته، ولا يصل أحد من الخلق بعده إلى الله وإلى رضوانه وجنته وكرامته إلا بمتابعته باطناً وظاهراً، ومن لم يكن له مصدقاً فيما أخبر ملتزماً لطاعته فيما أمر في الأمور الباطنة التي في القلوب والأعمال الظاهرة التي على الأبدان لم يكن مؤمناً، فضلاً عن أن يكون ولياً لله تعالى، ولو طار في الهواء، ومشى على الماء، وأنفق من الغيب، وأخرج الذهب من الخشب، ولو حصل له من الخوارق ماذا عسى أن يحصل، فإنه لا يكون مع تركه الفعل المأمور وعزل المحظور إلا من أهل الأحوال الشيطانية المبعدة لصاحبها عن الله تعالى، المقربة إلى سخطه وعذابه، لكن من ليس يكلف من الأطفال والمجانين قد رفع عنهم القلم، فلا يعاقبون، وليس لهم من الإيمان بالله والإقرار باطناً وظاهراً ما يكونون به من أولياء الله المقربين، وحزبه المفلحين، وجنده الغالبين، لكن يدخلون في الإسلام تبعاً لآبائهم، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ [الطور:٢١] ، فمن اعتقد في بعض البله أو المولعين -مع تركه لمتابعة الرسول ﷺ في أقواله وأفعاله وأحواله- أنه من أولياء الله، ويفضله على متبعي طريقة الرسول ﷺ ، فهو ضال مبتدع، مخطئ في اعتقاده، فإن ذاك الأبله إما أن يكون شيطاناً زنديقاً، أو زوكارياً متحيلاً، أو مجنوناً معذوراً، فكيف يفضل على من هو من أولياء الله المتبعين لرسوله أو يساوى به؟! ولا يقال: يمكن أن يكون هذا متبعاً في الباطن، وإن كان تاركاً للاتباع في الظاهر، فإن هذا خطأ أيضاً، بل الواجب متابعة الرسول ﷺ ظاهراً وباطناً.
قال يونس بن عبد الأعلى الصدفي: قلت للشافعي: (إن صاحبنا الليث كان يقول: إذا رأيتم الرجل يمشي على الماء فلا تغتروا به حتى تعرضوا أمره على الكتاب والسنة، فقال الشافعي ﵀: قصّر الليث ﵀، بل إذا رأيتم الرجل يمشي على الماء، ويطير في الهواء، فلا تغتروا به حتى تعرضوا أمره على الكتاب.
وأما ما يقوله بعض الناس عن رسول الله ﷺ أنه قال: (اطلعت على أهل الجنة فرأيت أكثر أهلها البله) فهذا لا يصح عن رسول الله ﷺ ، ولا ينبغي نسبته إليه؛ فإن الجنة إنما خلقت لأولي الألباب الذين أرشدتهم عقولهم وألبابهم إلى الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وقد ذكر الله أهل الجنة بأوصافهم في كتابه، فلم يذكر في أوصافهم البَلَه الذي هو ضعف العقل، وإنما قال النبي ﷺ : (اطلعت في الجنة فرأيت أكثر أهلها الفقراء) ، ولم يقل: البله] .
هذا الكلام حول هؤلاء الذين يسمون أنفسهم أهل الغوث، وهم ممن ينصبون أنفسهم لهذا الأمر، ولا شك أن الغوث إنما هو من الله تعالى، فمعلوم أن الغوث الذي هو إزالة الشدة وتفريج الكربات من الله، وأما الإنسان فلا يقدر أن يزيل شدة، ولا أن يفرج كرباً، ولا أن يسد حاجة إنسان بدون أمر وإعانة من الله تعالى، فذكر أن هناك من يقول: إن هؤلاء الذين وصلوا إلى هذه الحالة تفوقوا على الأنبياء، وأن الله يمدهم بعطاء من عنده، ويفتح عليهم، وينزل عليهم ملائكته أو ينزل عليهم وحيه بواسطة أو بغير واسطة، وأنهم قد استغنوا عن الوحي وعن شرائع الأنبياء، وهذه مقالة بعض العوام أو من يقلدهم.
والجواب عليها: أن هذا كفر، ولا يجوز لأحد أن يستغني عن الشريعة الإسلامية مهما كانت حالته، بل الشريعة المحمدية هي خاتمة الشرائع، والنبي محمد ﷺ آخر الأنبياء، ولا يسع أحد الخروج عن شريعته، ومن نواقض الإسلام أن يعتقد أحد أن إنساناً يسعه الخروج عن شريعة النبي ﷺ ، كما وسع الخضر الخروج عن شريعة موسى! ثم هناك طائفة اعتقدت أن هؤلاء الذين يسمون أهل الغوث أو نحوهم كذبة، وأنه ليس هناك ما يسمى بغوث أو ما يسمى بفتح أو إلهام أو نحو ذلك، وقد تقدم في كرامات الأولياء: أن الله قد يفتح على بعض أوليائه وينطقهم بكلمات هي حكمة، أو يكون فيها شيء مما يسمى بخرق العادة، ويكون ذلك كرامة لهم، فلا يجوز إنكار ذلك.
стр. 1123
أنواع الخوارق
خوارق العادة ثلاثة أنواع: النوع الأول: هو الذي يجري على أيدي الرسل والأنبياء، وهذه تسمى معجزات، ولا يستطيع أحد من البشر أن يأتي بمثل معجزات الأنبياء.
النوع الثاني: يجري على أيدي الصالحين من عباد الله، وهذه تسمى كرامات، بأن يفتح الله عليهم ويلهمهم، أو يعطيهم كرامات ظاهرها أنها تعجز البشر، ولكنها فتح من الله ومنّة منه؛ لتقوية الإيمان، أو لإمدادهم، أو لغير ذلك.
النوع الثالث: ما يجري على أيدي السحرة والمشعوذين والكهنة ونحوهم، وقد ذكرنا أن هذا يسمى بالأحوال الشيطانية، وأن الشيطان قد يلابس بعض الناس، ويظهر منه أفعال قد يتعجب منها، كما يحدث أناس بأفعالهم وبعجائب أمورهم، حتى ذُكر أن أحدهم لما لابسه شيطانه أتى إلى نار موقدة وفيها جمر أمثال الحجارة، وجعل يأخذ الجمر بيده ويأكلها، ويُسمع لها حس إذا دخلت في ريقه وانطفأت به، ثم يبتلعها، حتى ابتلع الجمر كله، ويقولون: كانت النار تتقّد لكثرة جمرها، فانطفأت من كثرة ما أكل، ولا شك أن هذا من الشيطان الذي لابسه، والشيطان مخلوق من النار، ولا يتأثر بالنار، قال تعالى: ﴿وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ﴾ [الحجر:٢٧] ، فلا ينكر أن تجري مثل هذه الأشياء على أيدي هؤلاء المشعوذين ومن أشبههم.
كذلك أيضاً لا شك أن هؤلاء الذين يسمون أنفسهم أو يسميهم بعض الناس أهل الغوث، ليس لهم طريق يسلكونه إلا سلوك الطريق النبوية، وليس لأحد أن يخالف الشريعة، بل الأمة مكلفة باتباع هذه الشريعة مهما كانت، ولو خالفت الأهواء، ولو صعبت في بعض الأحوال؛ إذ لا يجوز لأحد الخروج عن العقيدة قيد أنملة، بل يتقيد بها، والله تعالى سدّ الطرق إلا طريق النبي محمد ﷺ ، وكلف الأمة باتباعه وبتقليده مهما كانت الأحوال، وجعل طاعته سبباً للسعادة، ومعصيته سبباً للشقاوة؛ قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧١] ، وقال: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [النساء:١٤] .
стр. 1124
لا يُصدق أصحاب خوارق العادات حتى يُعرضوا على الكتاب والسنة
ذكر العلماء ﵏ أن ما يقوله هؤلاء الذين يسمون أنفسهم أهل الغوث من تسويل الشيطان غالباً، وأنه يلابسهم حتى ينخدع بهم من ينخدع، فلا بد أن نعرض أمرهم على الكتاب والسنة.
وذكر المؤلف كلام الليث بن سعد، وهو عالم مصر ﵀، فنقل إلى الشافعي أنه يقول: إذا رأيت صاحب هوى يمشي على الماء فلا تغتر به حتى تعرض أمره على الكتاب والسنة، والشافعي ﵀ يقول: قصر الليث، بل إذا رأيته يطير في الهواء فلا تغتر به حتى تعرض أمره على الكتاب والسنة؛ وذلك لأنه يُشاهد.
ونقل أيضاً متقدمون ومتأخرون أن السحرة ونحوهم قد يرفعون بعض الناس حتى يخيل للناس أنه بين السماء والأرض، فيتحرك ويضطرب ويتكلم، فيقولون: سبحان الله! يطير في الهواء بدون أن يمسكه شيء، وليس هناك شيء يرفعه، ولا يدرون أن الشياطين هي التي حملته!! وذكر شيخ الإسلام في كتاب (الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان) أن الشياطين أو الجن تحمل بعض أوليائها من مكان بعيد مسيرة شهر أو أشهر على الرواحل، وأنه يصل إلى الناس في عرفة، ويقف معهم، ويجلس معهم ساعة أو ساعات، ثم يردونه إلى مكانه في يومه أو في ليلته، وأنه يحدث الناس، ويقول: رأيت فلاناً وفلاناً، وسلمت على فلان، وقابلت فلاناً وهو راكب في كذا وكذا، وحدث كذا وكذا، إذا قدم الحجاج سألوهم، فقالوا: صحيح، هذا شيء وقع، وقد رأينا فلان حج معنا في عرفة، ولكن ما رأيناه في غير عرفة، ويتكلمون بما يطابق ما قال، فكيف حصل هذا؟! يقول: إن الجن حملته، والشياطين لها قدرة على الطيران لخفتها، فإذا كانت تصل إلى السماء كما قال الله عنهم: (وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ) فكيف لا تحمل هذا الشيء الثقيل وتوصله إلى مكان تقدر عليه إلى حيث تشاء ثم ترده؟!! ولكن لا تخدمه إلا إذا كان من أوليائها الموالين لها، والمتقربين إليها.
فكيف نقول في هؤلاء؟ نعرض أمرهم كما قال الشافعي والليث على الكتاب والسنة.
стр. 1125
حقيقة من يُسمون بالبله
اشتهر أناس في الزمان الأول كانوا يسمون بالبله، وقد يسمون بالمجانين، وكان يقال لأحدهم: المجنون فلان، والمجنون فلان، ثم ينقلون عنهم أفعالاً ويقولون: إنهم ممن رفع عنهم القلم، وسقطت عنهم التكاليف وأشباه ذلك.
فنقول: ليس الأمر كذلك، والحديث الذي يتناقلونه وفيه: (أن أكثر أهل الجنة البله) لا يصح، بل الله تعالى ذكر أن أكثر أهل الجنة على لسان نبيه هم العاملون، وهم أولو الألباب، والله تعالى يذكر دائماً أولي الألباب -يعني: أهل العقول- ولا يذكر البله، ولا ناقصي العقول ولا المجانين ونحوهم؛ بل هؤلاء أقل أحوالهم أن تسقط عنهم التكاليف، ولا يكلف أحدهم إذا فقد العقل، كما قال النبي ﷺ : (رفع القلم عن ثلاثة -وذكر منهم- المجنون حتى يفيق) ، فالأبله ضعيف العقل، قريب من المجنون، فكيف يكونون أكثر أهل الجنة؟! بل هم إذا دخلوا الجنة فإنهم يعاملون على أنهم ممن أثيبوا لأجل أنهم لم يستطيعوا أن يعملوا لقلة فهمهم وعقلهم.
وبكل حال فهؤلاء الذين يسمون بالبله، قد انخدع بهم خلق كثير من المتقدمين والمتأخرين؛ بل وإلى زماننا، كما ذكر لنا أن هناك من المتأخرين في مصر وفي سوريا وفي كثير من البلاد الإفريقية من يعظمون هؤلاء الضعفاء، ويدعون أنهم أولياء، وأنهم ممن سقطت عنهم التكاليف، وأنهم ممن يأخذون الوحي بدون واسطة الأنبياء وأنهم وأنهم! ويقولون: إن من كراماتهم أن أحدهم إذا مات فإن الملائكة تحمله على النعش، والذين يحملونه فوق متونهم لا يحسون بثقله، فيخيل إليهم هذا، حتى قيل: إنه لما مات واحد من أولئك المجانين أراد أولياؤه أن يوهموا العامة أن هذا ممن حملته الملائكة، فصاروا يسرعون به سرعة زائدة، مع أنهم يحسون بثقله، ولكن كأنهم يقولون: انظروا -أيها العامة- أننا نحمله، وكأننا لا نحمل شيئاً؛ فالملائكة تحمله فوقنا، ونحن لا نحس به، فنحن الآن نسعى سعياً شديداً حتى كأننا لم نحمل شيئاً! وكل هذا لأجل إيهام هؤلاء العامة أنه من الأولياء، حتى يغلوا فيه، مع أنه مجنون لم يُعرف إلا بكلام ساقط.
والمتقدمون ترجموا لهؤلاء فيقولون: قال المجنون سحنون، قال المجنون بهلول! وهذه أسماء موجودة في كتب التراجم التي تتكلم عن كرامات الأولياء ونحوهم، ومع ذلك يعتدون بكلامه وهم يسمونه مجنوناً! وكذلك أيضاً يذكرون أنهم في بعض البلاد من جهلهم أو بلههم أن أحدهم يمشي عرياناً، فيقولون: هذا ممن سقط عنه التكليف! وهذا كان حتى في الزمن المتوسط في عهد الإمام محمد بن إسماعيل الصنعاني صاحب (سبل السلام) ، ففي قصيدته البائية يقول فيها: كقوم عراة في ذرى مصر ما على عورة منهم هناك ثياب يعدونهم في مصرهم من خيارهم دعاؤهم فيما يرون مجاب مع أنهم يمشون عراة ليس على عوراتهم ثياب، ومع ذلك يقولون: هؤلاء هم المجانين الذين سقطت عنهم التكاليف، وهؤلاء هم البله الذين لا حرج عليهم، ونقول: لا شك أن هذا من تلاعب الشيطان بهم.
فعلى كل حال: لا يُغتر بمثل هؤلاء؛ بل يُرد أمر الجميع إلى كتاب الله وإلى سنة نبيه ﷺ ، فما وافق ذلك فهو الصواب.
стр. 1126
شرح العقيدة الطحاوية [٩٧]
من ضلال بعض الصوفية تفضيلهم وتعظيمهم للمجانين على العقلاء الصالحين، وقد رد عليهم أهل العلم هذا الاعتقاد الفاسد الخاطئ.
стр. 1127
مجمل الكلام في تعظيم الصوفية لمن يسمونهم البله
نحمد الله أن جعلنا مسلمين، نحمد الله على النعمة بهذا الدين، نحمد الله أن جعلنا من أتباع خير المرسلين، لا شك -أيها الإخوة- أنها منة كبيرة ونعمة عظيمة، أن هداكم الله، وأقبل بقلوبكم، ومنّ عليكم بمعرفته، وبمعرفة دينه، وبمعرفة نبيه، ووفقكم للقبول وللاتباع، فقد رأيتم وقد سمعتم الفئام والأعداد الكبيرة الكثيرة الذين أُتوا علوماً، ولم يُؤتوا فهوماً، أوتوا أذهاناً وقلوباً ولم يؤتوا زكاءً؛ أذكياء ولكنهم ليسوا أزكياء، منّ الله عليهم بالسمع والبصر والفؤاد، ولكن لم تغن عنهم أسماعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء.
وما أكثر المنحرفين الذين رأوا الحق فحادوا عنه إما عن عمد وإما عن خطأ، وما أكثر الضالين المنكرين وهم يعلمون! فإذا وفق الله العبد ومنّ عليه وأقبل بقلبه فتلك نعمة عظيمة عليه أن يعرف قدرها، وعليه أن يشكر ربه عليها، ونحن إذا قرأنا وسمعنا ما يمر علينا في هذه الكتب وفي هذه الأخبار نرى العجب العجاب! هؤلاء من أهل العقول، ومن أهل الأفهام، ومن أهل الذكاء ومع ذلك يتركون الحق جانباً! ويتركون الحق وهم يرونه، ويرتكبون سبل الضلال! ونحن نسمع وتسمعون أخباراً في القريب والبعيد عن فئام من الناس قد كان آباؤهم على جهل؛ ولكن هم قد زال عنهم الجهل، كان آباؤهم على ضلال، ولكن هم أبصروا الهدى وعرفوه، ومع ذلك تشبثوا بسنن الآباء والأجداد وبعاداتهم! وصدق الله القائل: ﴿إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ * فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ﴾ [الصافات:٦٩-٧٠] .
مر بنا في الدرس الماضي أن في الزمان القديم بل وفي هذه الأزمنة من يعظمون البله، ورووا فيهم حديثاً عن النبي ﷺ أنه قال: (دخلت الجنة فرأيت أكثر أهلها البله!) ، وهذا الحديث لم يثبت؛ فهو حديث ضعيف، ولو نشروه، ولو اشتهر في مؤلفاتهم، فإنه لا حقيقة له، والأبله هو: ضعيف العقل، وأقل أحواله أن يكون مجنوناً ساقطة عنه التكاليف، فأما كونهم يُرفعون فوق الأبرار وفوق المقربين ويكونون أكثر أهل الجنة فإن هذا من الكذب.
ونحن نعرف أيضاً أن النبي ﷺ قد أخبر أن أكثر من يدخل الجنة هم الضعفاء والفقراء والمساكين الذين ليس لهم أموال تشغلهم، ولا تجارات يحاسبون عليها فيتأخرون، ولكن أهل الأموال يتأخرون في الحساب؛ ولذلك جاء في الحديث: (وأهل الجد محبوسون) يعني: أهل الحقوق محبوسون- يعني: للحساب- فأما أن يكون البله الذين هم ضعفاء العقول أكثر أهل الجنة فليس بصحيح، ثم لما فشا هذا الأمر عند كثير من الجهلة تشبثوا وتعلقوا بهؤلاء ضعفاء العقول، وصاروا يرفعون من شأنهم، ويعتقدون أن قولهم تنزيل من الله، وأن أفعالهم وحي من السماء، وأنهم معصومون، وأن أقوالهم متبعة، وأنهم صفوة الله من خلقه، فصاروا يتبعونهم، ويطيعون إشاراتهم وحكاياتهم، ولو كانت مخالفة للشرع، ولو كانت مخالفة للعقول السليمة! وهذا بلا شك من الانحراف العقدي، ومن المخالفة للكتاب وللسنة؛ وذلك لأن الله تعالى أمرنا بأن نتبع النبي ﷺ ، ونقتدي بسنته وسيرته، ونقتفي كتاب ربنا وسيرة نبينا، ونتمسك بذلك، ونلقي ما عدا ذلك خلف الظهور مهما كان القائل، ومهما كان المخالف، فكل ما خالف شرع الله تعالى فلا يلتفت إليه، وقد مر بنا قول النبي ﷺ : (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) ، وفي رواية: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) .
فطرق المتصوفة، وكذلك الملاحدة، والاتحاديون، وكذلك الطرقية ونحوهم من الصوفية الذين من جملة بدعهم تصفيقهم ورقصهم ونشيدهم ولهوهم ولعبهم وغير ذلك من البدع التي اتخذوها ديناً وما أنزل الله بها من سلطان.
كذلك أيضاً من المعلوم أنهم قد يلابسهم الشيطان، وقد يجري على أيديهم شعوذةً وأشياء تكون غريبة يموهون بها على العوام، ويوهمون من رآهم بأنهم على حق، وأنهم يستطيعون أن يفعلوا أشياء تخالف عادات الناس، فلا جرم أنه لا يجوز أن يغتر بهم، وقد مر بنا الأثر المنقول عن الليث ﵀ أنه كان يقول: لو رأيت صاحب هوىً يمشي على الماء فلا تغتر به حتى تعرض أمره على الكتاب والسنة.
فـ الشافعي ﵀ يقول: قصر الليث! بل لو رأيت صاحب هوىً يطير في الهواء فلا تغتر به حتى تعرض أمره على الكتاب والسنة.
فهؤلاء المشعوذون ونحوهم لو طاروا في الهواء، ولو مشوا على الماء، ولو أخرجوا الذهب من الخشب، ولو قلبوا الحجر ذهباً فنقول: لا نغتر بهم -بل نعتقد أن ذلك شعوذة وعمل شيطاني- حتى نعرض أمرهم على كتاب ربنا وسنة نبينا، فهما الميزان الذي يرجع إليه، كما قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء:٥٩] ، فالرد إلى الله: الرد إلى كتابه، وإلى الرسول: إلى سنته بعد موته، فما وافقهما فهو الصواب، وإلا فهو مردود على من جاء به، وأما هؤلاء الذين يسير خلفهم هؤلاء الضعفاء، ويعتقدون أنهم قد ارتقت قلوبهم، وقد تقربت إلى ربها، وقد سقطت عنهم التكاليف، وقد وصلوا إلى حظيرة القرب، وقد أطلعهم الله على اللوح المحفوظ، وقد صار لهم تمكن كما يزعمون أن يأخذوا من المعدن الذي تأخذ منه الملائكة ما توحيه إلى الرسل ونحو ذلك من الخرافات، فمثل هذه لا يلتفت إليها؛ بل مرجعنا هو شرع الله ودينه، وقد ذكرنا أن هذه الأمور فاشية منذُ أزمنة، وأن لهم حكايات ينقلونها، ومع ذلك يستشهدون بها.
ولا شك أن هناك من يسمون بالمجانين وليسوا مجانين، ولكن لما رآهم عوام الناس قد زهدوا في الدنيا واشتغلوا بالأعمال الصالحة سموهم مجانين! ولكنهم في الحقيقة حكماء، وأما بعض المتأخرين الذين نقلت عنهم أقوال شنيعة فإنهم ولو كانوا عقلاء فهم أقل حالة من المجانين، وهم من البله والسفهاء وضعفاء العقول، فالمرجع في ذلك إلى ما يقوله علماء الشريعة، وعلماء الملة الذين هم أعرف بالله وبما جاء عن الله تعالى.
стр. 1128
أحوال الطائفة الملامية والرد عليهم
قال الشارح رحمه الله تعالى: [والطائفة الملامية، وهم الذين يفعلون ما يلامون عليه، ويقولون: نحن متبعون في الباطن، ويقصدون إخفاء المرائين! ردوا باطلهم بباطل آخر! والصراط المستقيم بين ذلك.
وكذلك الذين يصعقون عند سماع الأنغام الحسنة، مبتدعون ضالون! وليس للإنسان أن يستدعي ما يكون سبب زوال عقله! ولم يكن في الصحابة والتابعين من يفعل ذلك، ولو عند سماع القرآن، بل كانوا كما وصفهم الله تعالى: ﴿إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال:٢] ، وكما قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ [الزمر:٢٣] ، وأما الذين ذكرهم العلماء بخير من عقلاء المجانين فأولئك كان فيهم خير، ثم زالت عقولهم.
ومن علامة هؤلاء: أنه إذا حصل في جنونهم نوع من الصحو تكلموا بما كان في قلوبهم من الإيمان، ويهذون بذلك في حال زوال عقلهم، بخلاف غيرهم ممن تكلم إذا حصل لهم نوع إفاقة بالكفر والشرك، ويهذون بذلك في حال زوال عقلهم، ومن كان قبل جنونه كافراً أو فاسقاً لم يكن حدوث جنونه مزيلاً لما ثبت من كفره أو فسقه، وكذلك من جن من المؤمنين المتقين، يكون محشوراً مع المؤمنين المتقين.
وزوال العقل بجنون أو غيره، سواء سمي صاحبه مولهاً أو متولهاً، لا يوجب مزيد حال، بل حال صاحبه من الإيمان والتقوى يبقى على ما كان عليه من خير وشر، لا أنه يزيده أو ينقصه، ولكن جنونه يحرمه الزيادة من الخير، كما أنه يمنع عقوبته على الشر، ولا يمحو عنه ما كان عليه قبله.
وما يحصل لبعضهم عند سماع الأنغام المطربة من الهذيان والتكلم ببعض اللغات المخالفة للسان المعروف منه فذلك شيطان يتكلم على لسانه، كما يتكلم على لسان المصروع، وذلك كله من الأحوال الشيطانية! وكيف يكون زوال العقل سبباً أو شرطاً أو تقرباً إلى ولاية الله -كما يظنه كثير من أهل الضلال-؟! حتى قال قائلهم: هم معشر حلوا النظام وخرقوا الـ سياج فلا فرض لديهم ولا نفل مجانين إلا أن سر جنونهم عزيز على أبوابه يسجد العقل وهذا كلام ضال، بل كافر، يظن أن للجنون سراً يسجد العقل على بابه؛ لما رآه من بعض المجانين من نوع مكاشفة، أو تصرف عجيب خارق للعادة، ويكون ذلك بسبب ما اقترن به من الشياطين، كما يكون للسحرة والكهان، فيظن هذا الضال أن كل من كاشفه أو خرق عادة كان ولياً لله!! ومن اعتقد هذا فهو كافر، فقد قال تعالى: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ * تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾ [الشعراء:٢٢١-٢٢٢] ، فكل من تنزل عليه الشياطين لا بد أن يكون عنده كذب وفجور] .
стр. 1129
نعمة العقل
لا شك أن العقول نعمة من الله على الإنسان، وأنه سبحانه منّ على هذا النوع الإنساني بأن ميزه بهذا الفهم، وهذا الإدراك، وهذا العقل الذي كلّفه لأجله، فالله تعالى ما كلف البهائم والدواب والوحوش والحشرات وبهيمة الأنعام؛ لأنها ليس لها عقول.
فالنوع الإنساني ميزه الله بهذا العقل؛ بحيث إنه يفهم الخطاب ويرد الجواب، ويعرف ما يقال له، ويتفكر فيمن خلقه، وفيما بين يديه وما خلفه، وجعل الله هذا العقل ينمو شيئاً فشيئاً، وجعله أكبر مِنّة، وجعل الذين يتفكرون ويتدبرون هم أهل العقول، وكثيراً ما يقول: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الرعد:٤] يعني: لا ينتفع بها إلا العقلاء، ويقول: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الرعد:٣] أي: يتفكرون بعقولهم، وكثيراً ما يأمر الله بالتفكر في المخلوقات كقوله: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [يوسف:١٠٩] ، وقوله: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ﴾ [المؤمنون:٦٨] ، وقوله: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ﴾ [ق:٦] يعني: نظر عبرة، وقوله: ﴿أَوَلَمْ يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الأعراف:١٨٥] ، والتفكر لا يكون إلا بالعقول، فإذا عرف ذلك فإن العقل هو ميزة الإنسان، وإذا فقد العقل فقد خصيصته، وفقد ميزته وفضيلته، والتحق بالبهائم؛ بل قد يكون أشر حالة من البهائم؛ فإن البهائم معها عقول معيشية، بمعنى: أنها تتبع مصالحها، وتطلب أسباب نجاتها، وتعرف ما يلائمها وما يناسبها من المآكل ومن المشارب ونحوها.
وأما من سلب عقله، فإنه لا يميز بين التمر والجمر، ولا يميز بين التراب والماء، ولا يميز بين الطعام الذي فيه سم والذي فيه دسم! وذلك لأنه فقد ميزته التي تميز بها، فأصبح بذلك أقل حالة من البهائم، وإذا كان كذلك فإنا نقول: إن الذين فقدوا عقولهم في الدنيا يعني: عاقبهم الله بأن أذهب عقولهم، أو ولدوا وهم مجانين، أو حصل لهم مرض ذهبت فيه عقولهم، ما هي حالتهم؟ هل يكونون أفضل من العقلاء عند الله؟
الجواب
ليسوا أفضل، وإنما أقل حالاتهم: أنهم معذورون يرفع عنهم التكليف، فلا يعاقبون، ولا يُقتل أحدهم إذا قتل؛ لأنه لا عمد له؛ وكذلك لا يُجلد لو زنى، ولا يُقطع لو سرق؛ وذلك لفقد العقل؛ لأن العقل يعقل صاحبه، يعني: يقيده عن أن يتقدم إلى ما فيه مضرة، وهؤلاء ليس عندهم ما يعقلهم ولا ما يقيدهم.
стр. 1130
كتابة الحسنات للمجانين
هل تكتب للمجانين حسنات؟
الجواب
لا تكتب لهم حسنات، ولا تكتب عليهم سيئات، ولكن تسقط عنهم التكاليف، وثوابهم في الآخرة على ما يشاء ربنا، فيمكن أن يلحقوا بأهل الفترات الذين لم تبلغهم الدعوة في أطراف البلاد، أو الذين لم يدركوا رسلاً قبلهم، ولم يأتهم رسل في زمان الفترة، فإنهم يقولون: يا رب! ما جاءنا بشير ولا نذير، وما بلغتنا دعوة الرسل، فكيف تعذبنا؟! فيقول الله تعالى: أرأيتم إذا أمرتكم أتطيعوني؟ فيقولون: وما لنا لا نطيعك؟ فتمثل لهم نار تشتعل، فيقول: ادخلوا هذه النار، فمن دخلها كانت عليه برداً وسلاماً، وصار من أهل الجنة، ومن امتنع أن يدخلها قال الله له: هذا وأنا الذي أمرتك، فعصيت أمري، فكيف لو جاءتك رسلي؟! فعلم الله في هؤلاء أنهم ممن حقت عليهم كلمة العذاب، فالمجانين الذين ولدوا مجانين، أو أصابهم الجنون بعد الولادة وقبل التكليف، وبقوا على ذلك، فهؤلاء يلحقون بأهل الفترات، ويمتحنون في الآخرة.
أما أن يقال: إنهم مقربون، أو إن لهم مكانة عند الله، أو إنهم من أهل الزلفى، أو إنهم ممن وصلوا إلى حظيرة القدس! فإن هذا كذب؛ بل هم أقل حالة بكثير من العقلاء، ولا شك أنهم عادةً إذا أصاب أحدهم الجنون في أثناء حياته، فإن كان قبل إصابة الجنون من أهل الفسوق، ومن أهل المعاصي، ومن أهل الذنوب، ومن أهل الجرائم الذين يسكرون، ويقتلون، ويسرقون، ويهجرون، فإنه إذا جُنّ يصير هذيانه فيما كان يفعله من قبل، فتراه يتكلم بأفعاله الشنيعة من فعل الفواحش والمنكرات ونحوها، وإذا ارتاح في وقت من الأوقات ورجع إليه عقله في حين من الأحيان فإنه يعود إلى غيه، كما قال الشاعر: والشيخ لا يترك أخلاقه حتى يوارى في ثرى رمسه إذا ارعوى عاد إلى قوله كدبٍّ عاد إلى نكسه أما إذا كان قبل الجنون من أهل الإيمان والأعمال الصالحة، وأهل التقوى؛ فإنه -والحال هذه- إذا أصيب بالجنون ثم بقي على جنونه أصبح معذوراً، ولا تزيد حسناته في حالة جنونه؛ بل يرفع عنه التكليف، وعادة أنه يهذو بما كان يعمله، فيتكلم في الحسنات، ويتكلم في القربات، وما أشبه ذلك، وهذا في المجنون الذي فقد العقل فقداً كلياً، وإذا عرفنا أن هذا الجنون نقص حقيقيٌّ فإننا نقول: لا يجوز للإنسان أن يتعاطى الأسباب التي تذهب عقله، فنقول: لماذا حُرم شرب المسكرات؟ الجواب: لأن المسكر يزيل هذا العقل، ولو إزالة مؤقتة.
فالشيء الذي يزيل عقل الإنسان ويلحقه بالبهائم ينبغي مباعدته ومحاربته، فهؤلاء الذين يتعاطون أشياء تزيل عقولهم عمداً سواءً كان ذلك الشيء من المحرمات كالإسكار وما أشبهه، أو من غيرها نقول: إنهم هم السفهاء، ولا يرضى عاقل فعل السفهاء، ولا يرضى أن يتعاطى شيئاً يذهب عليه عقله.
стр. 1131
الرد على أصحاب الفناء
بعض المتصوفة كانوا يجتمعون في أماكنهم ثم يغلب عليهم شيء يسمونه الفناء؛ وذلك إما بسماع يسمعونه من وعاظهم ونحوه، وإما برقص يرقصونه إلى أن يصلوا إلى الفناء، وإما بتفكير يفكرونه في أشياء إلى أن يغلب عليهم هذا الوصف الذي يسمونه الفناء؛ بحيث لا يشعرون بمن حولهم!! فهذا الفناء هل حصل للصحابة؟!
الجواب
لم يحصل، ولم يحصل للتابعين لهم بإحسان، ولم يحصل لأئمة الدين، وإنما وجد في هؤلاء المتصوفة الغلاة الذين يزعمون أن سببه هو هذا التواجد، ويقولون: إن أحدهم يتصل قلبه بربه، وأنه يفنى عن نفسه، ولا يشعر بحالته، ويقولون: يفنى من لم يكن، ويبقى من لم يزل، يفنى بموجوده عن وجوده، موجوده يعني: نفسه، أي: أنه يفنى بنفسه في ربه، ويفنى من لم يكن هو الإنسان، ويبقى من لم يزل، ويتصل روحه بالملأ الأعلى، هذا معنى الفناء، وهو بدعة من بدع المتصوفة، ومع ذلك فإنهم يعدونه رقياً، ويتمدحون به، ويزعمون أنه درجة رفيعة، وأنه درجة متمكنة لا يصل إليها إلا الخواص! كذلك أيضاً من أحوال المتصوفة، أن أحدهم إذا تليت عليه آيات أو مواعظ أو كلمات أو نحوها يصعق، ويزعم أن ذلك مما لا يطيق الصبر عليه، وهذا الصعق لم يُؤثر عن الصحابة، ولا عن أئمة الدين، بل كانوا كما ذكر الله تعالى عنهم أنهم يزيدهم القرآن خشوعاً، ويخضعون له ويسجدون، قال : ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ [مريم:٥٨] ، وقال: ﴿إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًا﴾ [الإسراء:١٠٧] ، وقال: ﴿تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر:٢٣] أي: تخشع قلوبهم، وتزيدهم الآيات إيماناً، هذه هي أوصاف أولياء الله، وهذا هو النص الحقيقي للمؤمنين، فأما أن يصل إلى أنه يصعق أحدهم أو يغمى عليه، فهذا أقل أحواله أن يكون معذوراً، وأن يكون الذي غلبه هو شدة الخوف، أو على ما يقول الصوفية: شدة التواجد، فلا شك أن هذا ليس أشرف حالاً من حال الصحابة والأئمة المهتدى والمقتدى بهم.
وأما ما ذكر عن أحوال هؤلاء الذين ذكرهم هذا الشاعر، وأن العقول تسجد على أبوابهم إلى آخره، فإن ذلك بلا شك كفرٌ وضلال، فنقول: لا تسجدوا إلا لله، وهذا التواجد الذي يحصل لهم كله خطأ لا أصل له.
فالمسلم يتقيد بأوامر الشرع، ويبتعد عن الأشياء التي لا أصل لها، وأما من يسمون بالملامية الذين ذكرهم، وأنهم الذين يفعلون الأشياء التي يلامون عليها، ويتعمدون ذلك؛ فهؤلاء من المنحرفين؛ واللوم في الأصل هو: أن يفعل الإنسان شيئاً لا يحسن بحيث يلام عليه، وقد ذم الله تعالى ذلك، ففي قوله تعالى في قصة فرعون: ﴿وَفِي مُوسَى إِذْ أَرْسَلْنَاهُ إِلَى فِرْعَوْنَ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ * فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ وَقَالَ سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ * فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ وَهُوَ مُلِيمٌ﴾ [الذاريات:٣٨-٤٠] أي: آثم بما يلام عليه، يعني: مستحق للوم الذي سبب أنه عذب به.
ثم هؤلاء يقولون: إنهم يفعلون هذه الأشياء، حتى إنهم يتعمدون أن يلاموا عليها، وليس في ذلك أصل من دين الله، فلا يغتر بمثل هذه الطرق التي لا أصل لها في شريعة الله.
стр. 1132
كل تعبد خالف الشرع مردود على صاحبه
قال الشارح رحمه الله تعالى: [وأما الذين يتعبدون بالرياضات والخلوات، ويتركون الجمع والجماعات، فهم الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً، قد طبع الله على قلوبهم، كما قد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: (من ترك ثلاث جمع تهاوناً من غير عذر طبع الله على قلبه) .
وكل من عدل عن اتباع سنة الرسول، إن كان عالماً بها فهو مغضوب عليه، وإلا فهو ضال؛ ولهذا شرع الله لنا أن نسأله في كل صلاة أن يهدينا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعم عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقاً، غير المغضوب عليهم ولا الضالين.
وأما من يتعلق بقصة موسى مع الخضر ﵉ في تجويز الاستغناء عن الوحي بالعلم اللدني، الذي يدعيه بعض من عدم التوفيق: فهو ملحد زنديق، فإن موسى ﵇ لم يكن مبعوثاً إلى الخضر، ولم يكن الخضر مأموراً بمتابعته؛ ولهذا قال له: أنت موسى بني إسرائيل؟ قال: نعم.
ومحمد ﷺ مبعوث إلى جميع الثقلين، ولو كان موسى وعيسى حيين لكانا من أتباعه، وإذا نزل عيسى ﵇ إلى الأرض إنما يحكم بشريعة محمد، فمن ادعى أنه مع محمد ﷺ كـ الخضر مع موسى، أو جوّز ذلك لأحد من الأمة فليجدد إسلامه، وليشهد شهادة الحق؛ فإنه مفارق لدين الإسلام بالكلية، فضلاً عن أن يكون من أولياء الله، وإنما هو من أولياء الشيطان، وهذا الموضع مفرق بين زنادقة القوم وأهل الاستقامة، فحرك ترَ، وكذا من يقول بأن الكعبة تطوف برجال منهم حيث كانوا!! فهلا خرجت الكعبة إلى الحديبية فطافت برسول الله ﷺ حين أحصر عنها، وهو يود منها نظرة؟! وهؤلاء لهم شبه بالذين وصفهم الله تعالى حيث يقول: ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً﴾ [المدثر:٥٢] إلى آخر السورة] .
هذه صفة لا شك أنها بشعة وشنيعة، وهؤلاء هم من المتصوفة، وكان مجموعة منهم يعتزلون إما في زاوية، وإما في مكان نازح، ثم يعكف في نظره بقلبه على ربه، ويجمع جمعيته، ويجيل فكره في الملأ الأعلى في نظره، ويبقى لا يخرج إلى المساجد، ولا يصلي جمعة ولا جماعة، ويزعم أنه إذا خرج تفرق عليه قلبه! ورأى ما يشتت عليه فكره! وأنه إذا بقي اجتمع عليه ذكره، وأعمل هذا العقل إلى أن يتجاوز السبع الطباق! إلى أن ينظر في الملأ الأعلى، وفي ملكوت السماوات والأرض، كما يقول! حتى يحصل له ما يُعبر عنه بالتواجد، ويحصل ما يحصل عليه مما يسمى بالاستلامات والحركات التي تخالف الحركات الطبيعية، وهؤلاء فرق كثيرة قديمة الوجود، وموجودة الآن في البلاد التي يكثر فيها التصوف.
ولا شك أنهم إذا تركوا الجمع والجماعات أنهم تركوا الشريعة والسنة المحمدية، وأنهم ابتدعوا ديناً من عند أنفسهم فضّلوه على شرع الله، وعلى دين الله، وليس لهم سنة وطريقة يستدلون بها، ولا دليل يحذون حذوه إلا مجرد التجربة في زعمهم أن هذا جُرب، وأنه لما جمع جمعيته رأى ما لم يره غيره.
فالحاصل: أنه تارة يكون الواحد منهم منفرداً في زاوية في بيته أو في صومعة أو في مكان خاص، وقد يخرج خارج البلد ثم يجيع ويظمئ نفسه ويتعبها، ويعمل فكره، ويبقى مفكراً يومه وليلته ويومه الثاني وليلته الثانية إلى أن يحصل له مطلبه، وهو الفناء الذي يعبر عنه بالتواجد وما أشبه ذلك.
ثم إنه يفضل نفسه على رسل الله؛ إذ لم يكن الرسل وخاتمهم محمد ﷺ يفعلون هذه الأشياء، فعرف بذلك ضلال هؤلاء، وبطلان طريقتهم، وأنهم لا يمكن أن يصلوا إلى ما وصل إليه رسل الله الذين فضلهم، والذين ميزهم بما ميزهم به من العلم، وهكذا ما شرعه في شريعة النبي محمد ﷺ التي هي خاتمة الشرائع.
فهذه من البدع المنكرة عليهم، وبلا شك أن البدع لا تتمكن إلا إذا رأى أهلها فيها شيئاً يجتذبون به الناس، وقد انخدع بهم خلق كثير عندما رأوا أنهم يحصل منهم هذه الكلمات، وهذه التوهمات، وهذه الأمور التي قد يظنون أن فيها شيئاً من الأمور الغيبية، وأنهم يطلعون على أمور سماوية، وأنهم وأنهم، فرآهم جمهرة وجمع كثير من الناس فتزينوا بزيهم، وساروا على نهجهم -والعياذ بالله- ووقعوا في هذا الأمر الذي هو ترك الشريعة واتباع هذه الطرق المبتدعة، وتعطيل ما هو عبادة سماوية مأمور بها، كما في قوله ﷺ : (من ترك ثلاث جمع تهاوناً طبع الله على قلبه) والعياذ بالله! فيجب أن نحذر من كل هذه الطرق وغيرها التي تخالف الشرع، ونتجنب أهلها، ونعرف أنهم يسيرون عليها لأجل أن يضلوا ويضللوا غيرهم، والعياذ بالله!
стр. 1133
الرد على الصوفية المعظمين للمجانين
تقدم ما ذكره الشارح ﵀ فيما يتعلق بالذين يعظمون البله والمجاذيب والمجانين ونحوهم، ويعتقدون أنهم من المقربين، ويعتقدون أنهم يصلون إلى الله تعالى من طرق غير طرق الأنبياء والرسل، وأنهم يمكن أن يستغنوا عن الشرائع السماوية، وأنهم لذلك يستحقون أن يُقتدى بهم في أفعالهم، ويُسار على مناهجهم، وهذه الأقوال -وللأسف- انتشرت في المتصوفة، ويكثر تواجدهم في الدول الإفريقية وفي غيرها، ويقول وجودهم إذا قويت العقائد السلفية، وإذا تمكنت معرفة التوحيد عند أهله، ولكن لا يزال الكثير على هذه المناهج الفلسفية والطرق الصوفية، ولا يزالون ينقلون تلك النقول ويموهون على العوام أن هؤلاء ولو كانوا ناقصي العقول فإن قلوبهم عند ربهم، وأنهم سقطت عنهم التكاليف ولو كانوا من البشر، وأن جميع كلامهم حكم وآيات وعبارة! ولكن ذلك كله لا يروج إلا على الجهلة الذين هم أتباع كل ناعق، أما أهل السنة والجماعة وأئمة الدين وفقهاء الإسلام فإنهم يعرفون أن الطرق كلها مسدودة إلا الطريق الشرعية، وهي طريق الرسل الذين أرسلهم الله ليوضحوا للناس الشرائع، وليدلوهم على ما يقربهم إلى ربهم، فمن سلك تلك الطرق التي هي طرق أولئك المشعوذين وأولئك المموهين ونحوهم فإنها تؤدي به إلى الهلاك، ومن سلك الطريق الأقوم الذي هو سنة النبي ﷺ فإنه يؤدي به إلى النجاة والفلاح.
ولقد ثبت أن النبي ﷺ : (خط خطاً مستقيماً، وخط خطوطاً عن يمينه وعن شماله، وقال للخط المستقيم المستمر: هذا صراط الله، وقال للطرق المنحرفة عن يمينه وشماله: هذه سبل على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه) ، فمن سار على ذلك الخط المستقيم وصل إلى النجاة، ومن انحرف وأخذ بنيات الطريق ضل وهلك وتردى.
وضرب بعضهم لذلك مثلاً بجريد النخل: فإنه يُشاهد أنه يتدلى بعضه حتى تصل أطرافه إلى الأرض، فلو أن حشرة من الحشرات ارتقت على الجريدة وسارت على وسطها ولم تنحرف فإنها تصل إلى أعلى النخلة، وتأكل من ثمرها، أما إذا انحرفت وركبت إحدى الأغصان المتدلية فإنها تسير عليها قليلاً، ثم تسقط بنهايتها، فهكذا من سار على هذا الخط المستقيم أوصله إلى كرامة الله، وأوصله إلى الدرجات، وأوصله إلى النجاة، أما من انحرف وركب هذه الطرق فلا يأمن أن يهلك ويتردى، وقد تمادى هؤلاء في مدح أولئك المجانين والمجاذيب الذين يسمون أحدهم مجذوباً، ويقولون: قلبه عند ربه! وتمادوا في تعظيمهم حتى ادعوا أنهم: إذا ماتوا رفعوا إلى السماء! هكذا يعتقدون فيهم، ويموهون أن هذا الذي هو سقيم العقل عند الناس ما ذُهب بعقله إلا أنه تعلق بربه، وأن ربه قد أسقط عنه التكاليف، وأباح له كل شيء، أباح له أن يفجر! وأن يزني! وأن يقتل! وأن يفعل الجرائم والبشائع دون أن يكون عليه إثم أو يكتب عليه سوء! ونحن نقول: إذا ثبت أنه مجنون بمعنى: أنه مسلوب العقل والفطرة فهذا أقل أحواله ألا تُكتب عليه لا حسنات ولا سيئات، فأما أن يتفوق على أهل الحسنات، وعلى الصالحين من عباد الله فحاشا وكلا، إذ لا يمكن أن يكون المجنون أرقى درجة من العاقل الذي عمَّر وقته بالصلوات، وعمَّر وقته بالعبادات، وأكثر من الحسنات! ثم إن المجنون قد يكون ملحقاً بأهل الفترات الذين لم تأتهم الدعوة، أو في أماكن نازحة لم تبلغهم الرسالة، ولم يسمعوا عن الإسلام، ولا عن دين الإسلام، فهؤلاء لا نحكم بضلالهم ولا بكفرهم، ولا نخلدهم في النار؛ لأنهم قد يعتذرون ويقولون: يا ربنا! بأي شيء نتعبد؟! لو أعطيتنا عقولاً لتعبدنا كما تعبد هؤلاء، أو لو بلغتنا الشرائع لتعبدنا كما تعبد أهلها؛ ولكن الله تعالى يمتحنهم، ففي الحديث أنه يقول لهم: (أرأيتم إذا أمرتكم بأمر أتطيعوني؟ فيقولون: وما لنا لا نطيعك وأنت ربنا؟! فتُمثل لهم نارٌ تشتعل، فيُقال: ادخلوها، فمن علم الله أنه من أهل السعادة والخير دخلها، وكانت عليه برداً وسلاماً، ومن علم الله أنه شقي ليس من أهل الجنة فإنه يتقاعس ولا يدخلها، فيقول الله: قد أمرتك فعصيتني، فكيف لو أمرتك رسلي! أنت من أهل النار) فيتميز بذلك أهل الجنة من أهل النار.
فالبُله والمجذوبون والمجانين وناقصو العقول ونحوهم الذين بلغوا واستمروا على ذلك إلى الممات ملحقون بأهل الفترات، وملحقون بأهل الأماكن النائية الذين لم تبلغهم الدعوة، هذه حالتهم.
وبذلك يُعرف أن الذين فضلوهم على العقلاء، وفضلوهم على الأنبياء، وجعلوهم مستغنين عن الشرائع؛ قد أتوا قولاً إدَّاً.
стр. 1134
شرح العقيدة الطحاوية [٩٨]
أهل السنة يرون الجماعة حقاً وصواباً، والفرقة زيغاً وعذاباً، والأدلة على ذلك من الكتاب والسنة وأقوال الأئمة كثيرة جداً.
стр. 1135
منهج أهل السنة في لزوم الجماعة وترك الفرقة
قال الشارح رحمنا الله تعالى وإياه: [قوله: (ونرى الجماعة حقاً وصواباً والفرقة زيغاً وعذاباً) : قال الله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعَاً وَلا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران:١٠٣] .
وقال تعالى: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران:١٠٥] .
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعَاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [الأنعام:١٥٩] وقال تعالى: ﴿وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾ [هود:١١٨-١١٩] ، فجعل أهل الرحمة مستثنَين من الاختلاف.
وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ [البقرة:١٧٦] .
وقد تقدم قوله ﷺ : (إن أهل الكتابَين افترقوا في دينهم على ثنتين وسبعين ملة، وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين ملة -يعني: الأهواء- كلها في النار إلا واحدة وهي الجماعة.
وفي رواية: قالوا: من هي يا رسول الله؟ قال: ما أنا عليه وأصحابي) ، فبين أن عامة المختلفين هالكون إلا أهل السنة والجماعة، وأن الاختلاف واقع لا محالة.
وروى الإمام أحمد عن معاذ بن جبل أن النبي ﷺ قال: (إن الشيطان ذئب الإنسان كذئب الغنم، يأخذ الشاة الشاردة القاصية، فإياكم والشعاب! وعليكم بالجماعة، والعامة، والمسجد) .
وفي الصحيحين عن النبي ﷺ : أنه لما نزل قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابَاً مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ [الأنعام:٦٥] قال: (أعوذ بوجهك! ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ [الأنعام:٦٥] قال: أعوذ بوجهك! ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعَاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ [الأنعام:٦٥] قال: هذه أهون) ، فدل على أنه لا بد أن يلبسهم شيعاً، ويذيق بعضهم بأس بعض، مع براءة الرسول ﷺ من هذه الحال، وهم فيها في جاهلية.
ولهذا قال الزهري: وقعت الفتنة وأصحاب رسول الله ﷺ متوافرون، فأجمعوا على أن كل دم أو مال أو فرج أصيب بتأويل القرآن فهو هدر، أنزلوهم منزلة الجاهلية.
وقد روى مالك بإسناده الثابت عن عائشة ﵂ أنها كانت تقول: (ترك الناس العمل بهذه الآية) يعني: قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات:٩] ، فإن المسلمين لما اقتتلوا كان الواجب الإصلاح بينهم كما أمر الله تعالى، فلما لم يُعمل بذلك صارت فتنة وجاهلية.
وهكذا مسائل النزاع التي تتنازع فيها الأمة في الأصول والفروع -إذا لم ترد إلى الله والرسول- لم يتبين فيها الحق، بل يصير فيها المتنازعون على غير بينة من أمرهم، فإن ﵏ أقر بعضهم بعضاً، ولم يبغ بعضهم على بعض، كما كان الصحابة في خلافة عمر وعثمان يتنازعون في بعض مسائل الاجتهاد، فيقر بعضهم بعضاً، ولا يعتدي ولا يُعتدى عليه، وإن لم يُرحموا وقع بينهم الاختلاف المذموم، فبغى بعضهم على بعض، إما بالقول مثل تكفيره وتفسيقه، وإما بالفعل مثل حبسه وضربه وقتله، والذين امتَحنوا الناس بخلق القرآن كانوا من هؤلاء، ابتدعوا بدعة، وكفَّروا مَن خالفهم فيها، واستحلوا منعَ حقه وعقوبتَه] .
هذا الكلام يتعلق بوقوع الاختلاف في هذه الأمة كما وقع في الأمم السابقة، ويجب على الأمة -أمة الإجابة والدعوة الاجتماع والائتلاف، يقول: إن الواجب على المسلمين جميعاً أن يأتلفوا ولا يختلفوا، وأن يكونوا إخوة كما سماهم الله تعالى.
стр. 1136
الجماعة في عهد النبي ﷺ والخلفاء الراشدين
كان أهل المدينة قبل الإسلام مختلفين، ويقع بينهم قتال كثير، ويستمر القتال حتى يُقتل فيه أعداد من هؤلاء وهؤلاء.
ولما جاء الإسلام زال ذلك الاختلاف، وزالت تلك الفرقة، واجتمعوا على الإسلام، فذكَّرهم الله تعالى بذلك في قوله: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعَاً﴾ [آل عمران:١٠٣] أي: تمسكوا بحبل الله الذي هو دين الإسلام.
﴿وَلا تَفَرَّقُوا﴾ أي: لا تكونوا فرقاً وأحزاباً.
﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانَاً﴾ [آل عمران:١٠٣] : فجعلهم إخوة وهو حق، فإنهم بعد أن دخلوا في الإسلام أصبحوا مثل الإخوة متحابين، وهكذا أصبحوا يحبون كل مؤمن، لما جاءهم المهاجرون صاروا يحبونهم كما يحبون إخوانهم أولاد آبائهم وأمهاتهم، كما ذكر الله ذلك بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ﴾ [الحشر:٩] يحبون المهاجرين، بل يقدمون محبتهم على محبة أنفسهم، كما في قوله: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر:٩] .
وما ذاك إلا أنهم عرفوا أن الله يحبهم فأحبوهم، ما دام أن الله يحب المؤمنين فإننا نحبهم، وما دام أنهم يحبون الله، ويحبون رسول الله فإننا نحب من يحب الله، نحب من يحب الرسول ﵊، وإذا ثبتت هذه المحبة فلا بد أن لها آثارها، وهي: الاجتماع، أن نكون مجتمعين غير متفرقين، أهدافنا موحدة مقاصدنا محددة كل منا على الإسلام كل منا يعبد الله ويعرف الله، ويعرف دين الله ويدين به، وكل منا على عقيدة واحدة، وعلى شريعة واحدة وهي: شريعة الإسلام.
هكذا كان الصحابة في عهد النبي ﷺ على هذه الشريعة، وكذلك في عهد أبي بكر، وفي عهد عمر، وفي عهد عثمان، كانوا على هذه الشريعة، لم يكن بينهم أي اختلاف يسبب التقاطع والتباغض والعداوات.
стр. 1137
من مقاصد الشريعة المحبة والاجتماع
من تأمل شرائع الأنبياء وشريعتنا خاصة، وجد أن كل المعاملات والأحكام تهدف إلى هدف واحد وهو تحصيل الأخوة بين المسلمين، الذي يكون من آثاره جمع الكلمة، إخوة في ذات الله تعالى، فعلى المسلمين أن يتركوا التقاطع والتباغض جانباً؛ ليكونوا متحابين في ذات الله.
ومن تأمل المنهيات التي تتعلق بالمعاملات وجد أن الحكمة من تحريمها ومن النهي عنها أنها تسبب البغضاء، وتوقع العداوة والوحشة بين المسلمين.
لأجل ذلك نهى الله عن أشياء تسبب هذا، فمثلاً قال الله تعالى: ﴿لا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ﴾ [الحجرات:١١] ، لماذا نُهينا عن السخرية؟ لأنها تسبب الفُرقة.
﴿وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرَاً مِنْهُنَّ وَلا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ﴾ [الحجرات:١١] .
اللمز هو العيب، قال الله: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ [الهمزة:١] ، وقال: ﴿هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ [القلم:١١] وهو الذي يتتبع العثرات، ويلصق بالإنسان ما ليس فيه، لماذا نهينا عن الهمز واللمز والعيب والثلب وتتبع العثرات وإظهار السوءات؟! لأنه يسبب الفُرقة.
وقال النبي ﷺ : (لا تَقاطَعوا، ولا تَدابَروا، ولا تَهاجَروا، ولا تَحاسَدوا، ولا تَنافَسوا) لماذا نهانا عن التقاطع والتهاجر؟ لا شك أن هذه الأشياء التي نهانا عنها تسبب الفُرقة، فإذا تركناها أصبحنا مجتمعين، ولا شك أن الإسلام يهدف إلى الاجتماع، ويحث عليه، وينهى عن الاختلاف.
стр. 1138
الآيات الدالة على لزوم الجماعة
الآيات التي أوردها الشارح ﵀ دالةٌ دلالةً واضحة على النهي عن الفُرقة: قال الله تعالى: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ [آل عمران:١٠٥] ، وقال: ﴿وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾ [هود:١١٨-١١٩] .
فدل على أن من ﵏ فإنهم غير مختلفين، وأن أولئك الذين اختلفوا قد فاتتهم الرحمة، ولا شك أن فوات الرحمة أمر عظيم وكبير، حيث حصل لهؤلاء رحمة، ولهؤلاء ضد الرحمة، أو نُزعت منهم الرحمة.
﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعَاً﴾ [الأنعام:١٥٩] يعني: أحزاباً ﴿لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ﴾ [الأنعام:١٥٩] .
وقال سبحانه: ﴿وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ * مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعَاً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [الروم:٣١-٣٢] .
إلى آخر الآيات التي سمعتم، ولا شك أنها نهي عن التحزبات، ونهي عن الاختلافات.
﴿وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام:١٥٣] أي: لا تتبعوا السبل المنحرفة فتتفرق بكم عن سبيله، فسبيل الله هو سبيل النجاة.
ومعلوم أن هذه الشريعة قد من الله تعالى ببقائها، وحفظها على الأمة، وأن حفظها عليهم نعمة عظيمة وكبيرة، حيث وفقهم لحفظها، ووفقهم لبقائها، وبين لهم تعاليمها، فكل شيء مما يتعلق بهذا محفوظ مبين.
стр. 1139
خطر التفرق والتنازع والتحزب
لا مبرر للاختلاف لا موجب للتفرق لماذا نتحزب أحزاباً؟! ولماذا نتسمى بأسماء ما أنزل الله بها من سلطان؟! القصد واحد، والجماعة واحدة، والتفرق -بلا شك- سبيل إلى التحزبات وإلى تفرق الكلمة، ولا شك أن المسلمين كلما تفرقوا وتباعدوا وتناءت كلماتهم ضعفت قوتهم، وإذا ضعفت قوتهم قوي أعداؤهم عليهم، فتسلطوا عليهم.
ولو تتبعنا التواريخ والوقائع التي وقعت على الأمم السابقة، بل وعلى هذه الأمة؛ لوجدنا أنهم إنما يسلط عليهم الأعداء عندما تتفرق كلمتهم، أما إذا اجتمعوا فإنهم يصيرون إخوة، وهدفهم واحد، ووجهتهم نحو العدو واحدة، وهكذا.
ذكروا في تاريخ آخر القرن الأول، أن المسلمين كانوا يقاتلون في حدود أفغانستان، فتركوا القتال في وقت من الأوقات، فظهرت بينهم أحزاب وخلافات بسبب المفاخرات، هذه القبيلة تفتخر، وهذه القبيلة تذكر نسبها، وهذه تذكر حسبها، فحصل بينهم شقاق وخلافات ومنازعات، مع أن كلهم مسلمون.
فتولى عليهم قتيبة بن مسلم الباهلي، وهو أحد القواد المصلحين، فخطبهم وقال: لماذا تتفرقون؟! ولماذا تتحزبون؟! كلكم من آدم! وكلكم مسلمون! وكلكم على شريعة واحدة! تعبدون رباً واحداً، وتدينون ديناً واحداً، فاجتمعوا ووجهوا قوتكم إلى عدوكم، فإن عدوكم بحاجة إلى أن تذلوه، وعدوكم يفرح بهذه التفرقات فيكم.
فلما لَمَّهم وجمعهم قويت كلمتهم، فتوجهوا وصاروا يفتحون بلاد أفغانستان، وبلاد السند، وبلاد ما وراء النهر، وفتحوها بلداً بلداً إلى أن وصلوا إلى ما وصلوا إليه، وحصل هذا بعد أن جمع الله كلمتهم.
فعُرف بذلك أن الشياطين وأعوان الشياطين لهم أغراض في تفريق الكلمة، والنبي ﷺ قد كان يحث على الجماعة، وقد مثّل ﷺ المنفردين بالشاة القاصية والبعيدة التي تبتعد وتنعزل عن الغنم، فيأتي الذئب على حين غفلة من الرعاة، فيأخذها ويختطفها، فهكذا الشيطان للإنسان، متى وجد هذا شاذاً في قول، وهذا منفرداً بعقيدة، وهؤلاء الفرقة القليلة على نحلة وعلى مذهب؛ تمكن منهم، وأدخل عليهم البدع، وأدخل عليهم الوساوس، فإذا انتبهوا لأنفسهم، ورجعوا إلى الطريق السوي، وتمسكوا بالصراط المستقيم، واجتمعت كلمتهم مع علمائهم ودعاتهم، ومع سائر إخوانهم؛ فإنهم يكونون يداً واحدةً، ولا يقوى عليهم الشيطان، كلما وسوس إليهم بوسوسة وألقى في قلوبهم أو في قلب أحدهم شكاً أو ريباً أو شبهةً احترقت بنور النبوة، احترقت بأنوار الشريعة، ولم يبق له سلطان: ﴿إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ [النحل:١٠٠] .
стр. 1140
حديث افتراق الأمة
حديث افتراق الأمة، فيه أن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة، وهو دليل على أن الله تعالى أطلع نبيه ﷺ على أن الأمة الذين استجابوا لدعوته سوف يقع بينهم شيء من الخلافات، وهذه الخلافات لا بد أن يكون لها آثار، فآثارها وقوع قتال ووقوع تفسيق وتكفير وتضليل فيما بينهم، وقد وقع هذا الاختلاف حتى في عهد الصحابة ﵃، فوقعت الفتنة الأولى التي هي خلاف بين علي ومعه أهل العراق، لما جاء بعض الصحابة يطالبون باستئصال قتلة عثمان، فوقعت وقعة بشعة تسمى وقعة الجمل، قتل فيها خلق كثير من هؤلاء وهؤلاء، مع أن الجميع مسلمون؛ ولكن تدخل الشيطان فأوقع هذا الاختلاف.
وأكثر الصحابة أجلاء لم يدخلوها بل اعتزلوها، وإنما دخلها من لا بد منه كـ علي ومن معه وعائشة ومن معها، وقتل فيها من الصحابة الزبير وطلحة، وقتل فيها من قتل من أتباع هؤلاء وهؤلاء.
ثم وقعت فتنة أخرى في صفين بين أهل الشام وأهل العراق، أهل الشام يطالبون بدم عثمان، ويطلبون باستئصال قتلته، وأما أهل العراق فيطالبون بجمع الكلمة ويقولون: إننا سوف نستأصلهم بعدما تجتمع الكلمة، فوقعت هذه الفتنة التي حصل فيها قتل كثير يقدر بعشرات الألوف من هؤلاء وهؤلاء، وكانت فتنة عظيمة، وممن قتل فيها من الصحابة عمار بن ياسر ﵁، وأكثر القتلى من غير الصحابة.
ثم انعزلت فرقة من أصحاب علي، وكفروا علياً ومعاوية، وسُموا بالخوارج؛ لأنهم خرجوا عن طاعة أمير المؤمنين، وعن موافقة المسلمين، وليس فيهم أحد من الصحابة، بل كلهم من غير الصحابة، فحصل أن الصحابة غزوهم وقاتلوهم، وحصل منهم ثورات وقتال استمر أكثر من سبعين سنة مع المسلمين، ولا شك أن ذلك من أسباب الفرقة، وأن الشيطان أوقع هذا الخلاف بينهم في هذه العقائد، حتى يضللهم ويوقعهم فيما أوقعهم فيه، مما له فيه هدف وقصد، ثم حدثت بعد ذلك فرق كثيرة، ومنها ما وصلت بدعتهم إلى الكفر، ومنها ما وصلت إلى الابتداع الذي هو دون الكفر.
стр. 1141
الحث على التمسك بسنة النبي ﷺ وهدي الصحابة
أهل السنة يعتقدون أن جميع أهل الأهواء مبتدعون، ويقولون: عليكم جميعاً أن ترجعوا إلى الأصل، فلو رجعتم إلى الأصل والشريعة، وإلى طريقة الرسول ﷺ لوجدتم أنها طريق واحدة بلا تثنية، وذلك مذكور في حديث التفرق، فإنه ﷺ سئل عن الفرقة الناجية: (من هي؟ فقال: من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي) .
ومعلوم أن سنة الصحابة وطريقتهم مجتمعة، وأنهم -والحمد لله- لم يكن بينهم اختلاف تضاد في الدين، ومعلوم أن ما كانوا عليه محفوظ مدوَّن قد يسر الله من العلماء من نقل عنهم أقوالهم وأفعالهم التي يتعبدون بها ويدينون بها، فعلينا أن نحرص على الاقتداء بسنتهم، وأن نترك كل المحدثات التي جاءت من بعدهم، ونعلم أنها بدع وضلالات.
النبي ﷺ كان يحث على التمسك بسنته، في آخر حياته وعظ الصحابة ﵃ موعظة بليغة، وجلت منها القلوب، وذرفت منها العيون، فقال الصحابة: (كأنها موعظة مودع فأوصنا، فقال: أوصيكم بالسمع والطاعة، وإن تأمر عليكم عبد، فعليكم بسنتي، وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي؛ تمسكوا بها، وعَضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور! فإن كل محدثة بدعة) .
فأمرهم أن يتمسكوا بالسنة بالأيدي، وكأنها شيء يُمسك بالأيدي، وإذا خافوا أن تتفلت من أيديهم عضوا عليها بالنواجذ التي هي أقصى الأسنان، وهذا أقصى شيء يمكن التمسك به، ألَّا يجد إلَّا أقصى أسنانه يُمسكه ويعض عليه به حتى لا يتفلت منه، وذلك لوجود من يحاول انتزاعه، فإن هذه السنة التي أنت متمسك بها هناك من يحاول أن ينتزعها منك، ويريد أن يبطلها، وذلك بما يلقي في قلبك من الشبهة والتشكيك والتوهمات، حتى يُضعف تمسكك، فإذا كنت متمسكاً تمسكاً قوياً فلن يستطيع أن يتغلب عليك، وأخبر بأن كل محدثة بدعة، وأن السنة طريقة واحدة.
وكان مما حُفظ عن النبي ﷺ أنه يكرر قوله: (إن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار) هكذا كان يخطب على المنبر على رءوس الأشهاد، يحث على هديه، وعلى التمسك بكتاب ربه، وينهى عن المحدثات في دين الله.
وكذلك يخبر بأن دينه لا يجوز تغييره، ولا الزيادة فيه، ولا النقص فيه، كما في قوله ﵊: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) ، والكلام في هذه المسألة معروف وطويل.
стр. 1142
أنواع الخلاف
قال الشارح ﵀: [فالناس إذا خفي عليهم بعض ما بعث الله به الرسول: - إما عادلون.
- وإما ظالمون.
فالعادل فيهم: الذي يعمل بما وصل إليه من آثار الأنبياء ولا يظلم غيره.
والظالم: الذي يعتدي على غيره.
وأكثرهم إنما يظلمون مع علمهم بأنهم يظلمون كما قال تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيَاً بَيْنَهُمْ﴾ [آل عمران:١٩] ، وإلَّا فلو سلكوا ما علموه من العدل أقر بعضهم بعضاً كالمقلدين لأئمة العلم، الذين يعرفون من أنفسهم أنهم عاجزون عن معرفة حكم الله ورسوله في تلك المسائل، فجعلوا أئمتهم نواباً عن الرسول، وقالوا: هذا غاية ما قدرنا عليه.
فالعادل منهم لا يظلم الآخر، ولا يعتدي عليه بقول ولا فعل، مثل أن يدعي أن قول مقلده هو الصحيح بلا حجة يبديها، ويذم من خالفه مع أنه معذور.
ثم إن أنواع الافتراق والاختلاف في الأصل قسمان: - اختلاف تنوع.
- واختلاف تضاد.
واختلاف التنوع على وجوه: - منه ما يكون كل واحد من القولين أو الفعلين حقاً مشروعاً، كما في القراءات التي اختلف فيها الصحابة ﵃ حتى زجرهم النبي ﷺ وقال: (كلاكما محسن) .
ومنه اختلاف الأنواع في صفة الأذان، والإقامة، والاستفتاح، ومحل سجود السهو، والتشهد، وصلاة الخوف، وتكبيرات العيد، ونحو ذلك مما قد شرع جميعه، وإن كان بعض أنواعه أرجح أو أفضل.
ثم تجد لكثير من الأمة في ذلك من الاختلاف ما أوجب اقتتال طوائف منهم على شفع الإقامة وإيتارها ونحو ذلك! وهذا عين المحرم، وكذا تجد كثيراً منهم في قلبه من الهوى لأحد هذه الأنواع، والإعراض عن الآخر والنهي عنه؛ ما دخل به فيما نهى عنه النبي ﷺ .
- ومنه ما يكون كل من القولين هو في المعنى القول الآخر؛ لكن العبارتان مختلفتان، كما قد يختلف كثير من الناس في ألفاظ الحدود، وصيغ الأدلة، والتعبير عن المسميات، ونحو ذلك، ثم الجهل أو الظلم يُحمل على حمد إحدى المقالتين، وذم الأخرى، والاعتداء على قائلها، ونحو ذلك.
وأما اختلاف التضاد: فهو القولان المتنافيان إما في الأصول وإما في الفروع عند الجمهور الذين يقولون: المصيب واحد، والخطب في هذا أشد؛ لأن القولين يتنافيان؛ لكن نجد كثيراً من هؤلاء قد يكون القول الباطل الذي مع منازعه فيه حق ما، أو معه دليل يقتضي حقاً ما، فيرد الحق مع الباطل، حتى يبقى هذا مبطلاً في البعض، كما كان الأول مبطلاً في الأصل، وهذا يجري كثيراً لأهل السنة] .
لا شك أن التفرق والاختلاف من حيث هو فيه ضرر على الأمة، وفيه سبب لتفرقة الكلمة، ومما يسببه أيضاً كثرة المنازعات والمجادلات بين الأمة وبين الأفراد والجماعات ونحو ذلك، ومما يسببه أيضاً كثرة التحزبات والانتصار من هؤلاء لقولهم، ومن هؤلاء لقولهم، ويوقع في التعصب والتشدد، ورد الأقوال المخالفة بنوع من التعسف والتكلف في رد الأدلة وما أشبه ذلك.
وهذا بلا شك مذموم، ويعرفه المتخصصون الذين قرءوا في كتب الخلاف، وأما الذين لم يقرءوا فنحن ننصحهم بألَّا يقرءوا في مثل هذه الخلافات التي تحصل بين المختلفين، وفيها كثير من المماحكات والمنازعات والمُجادلات.
стр. 1143
اختلاف التنوع وكثرته في المسائل الفقهية
ذكر الشارح أن الاختلاف نوعان: - اختلاف تنوع.
- واختلاف تضاد.
اختلاف التنوع هو من طبيعة البشر، ومن طبيعة المجتهدين، فلا عجب أن يقع خلاف في المسائل الفرعية بين التلميذ وشيخه، فيكون هذا له رأي وهذا له رأي، هذا يختار قولاً وهذا يختار قولاً؛ ولكن لا يصل إلى التضليل والمقاطعة.
فمثلاً نقول: إن الإمام مالك بن أنس ﵀، إمام دار الهجرة، تلقى العلم عن أهل المدينة الذين هم أولاد الصحابة، وسمع ما سمعه بالمدينة، وأثبته في مؤلفه الموطأ، وتتلمذ عليه الشافعي فقرأ عليه، وأخذ من علمه، وروى أحاديثه، ومع ذلك خالفه في كثير من الأمور الاجتهادية؛ ولكنه لم يخطئه، بل قال: أنا مجتهد وهو مجتهد، ولكل مجتهد نصيب، فلما قيل له: هل نصلي خلف من يقلد مالكاً؟ غضب وقال: ألستُ أصلي خلف مالك؟! أي: مالك شيخي، وأنا أصلي خلفه، ولو خالفته في بعض الأشياء التي هي أمور اجتهادية، مثلاً: كان الإمام مالك لا يجهر بالبسملة لا في الفاتحة ولا في السورة، والشافعي يجهر بالبسملة في السورة وفي الفاتحة؛ ولكن لا يعيب على من أخفى البسملة، كما لا يعيب مالك وأحمد على من جهر بها وأعلن، فهذا الخلاف لم يؤدِّ إلى تهاجُر ولا تقاطُع.
كذلك الإمام الشافعي يرى أنه يتورك في كل تشهد عقبه تسليم، وأحمد لا يتورك إلا في الصلاة التي فيها تشهدان في الأخير منهما، ومع ذلك لم يقع بينهما بسبب هذا الاختلاف تقاطُع.
وقد وقع هذا الاختلاف زمن الصحابة، فمرة سمع عمر ﵁ في عهد النبي ﷺ هشام بن حكيم بن حزام يقرأ سورة الفرقان، واستنكر عليه حروفاً وكلمات زادها أو نقصها أو غيَّرها، فعند ذلك رفعه إلى النبي ﷺ وقال: (إنه يقرأ على خلاف ما أقرأتني! فأقر النبي ﷺ عمر على قراءته، وهشاماً على قراءته وقال: لا تختلفوا فإن القرآن أُنزل على سبعة أحرف) فأخبر بأن كلاً منهما مصيب، ونهاهم عن الاختلاف.
كذلك أيضاً ورد الاختلاف في الاستفتاحات، فتارةً كان النبي ﷺ يستفتح بقوله: (سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك) ، وتارةً يستفتح بقوله: اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب إلخ) ، وكان يستفتح تارةً بقوله: (وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض إلخ) ، وتارةً يستفتح بقوله: (اللهم رب جبرائيل وميكائيل إلخ) .
واختار هذا قوم، واختار هذا قوم، ولم يخطئ أحد الآخر.
كذلك أيضاً ورد الاختلاف في الأذان والإقامة، فالأذان بعضهم يجعل التشهدات فيه ثمانية، وبعضهم يجعلها أربعاً، وكلمات الإقامة بعضهم يجعلها سبع عشرة، وبعضهم يجعلها إحدى عشرة، وذلك من باب الاجتهاد أيضاً، وذلك لأن هذا رُوي، وهذا رُوي؛ مما يدل على التوسعة.
كذلك مثلاً تكبيرات الجنازة، رُوي أنه كبر أربعاً، وأنه كبر خمساً، وأنه كبر ستاً، ولم يقل أحد: إن من كبر خسماً فقد أخطأ.
كذلك أيضاً التسليم في صلاة الجنازة، روي أنه كان يسلم تسليمتين، وتارةً يسلم تسليمة واحدة، ولا يُخطَّأ من فعل هذا، ولا يُخطَّأ من فعل هذا؛ لأن هذا مروي، وهذا مروي أيضاً.
كذلك عدد التكبيرات في صلاة العيد، منهم من قال: يكبر في الأولى سبعاً، ومنهم من قال: تسعاً، وليس أحدهما بمخطئ، بل هذا مروي وهذا مروي.
وأنواع الاختلافات في مثل هذا يسمى اختلاف تنوع.
وقد سئل الإمام أحمد عن صلاة الخوف، وقد رويت بست روايات مختلفة، فقال: من صلاها على صفة ثابتة من الصفات المروية فلا أعيب عليه؛ ولكن أختار رواية سهل بن أبي حثمة، وهي صلاة النبي ﷺ في غزوة ذات الرقاع، وقال: إنها أقرب إلى نص القرآن، أي: الآية التي في سورة النساء، فلم يخطئ غيره؛ وذلك لأنه ﷺ صلاها هكذا وهكذا.
كذلك صلاة الكسوف رُوي أنه ركع في الركعة ركوعاً واحداً، ورُوي أنه ركع في الركعة ركوعين، ورُوي أنه ركع في الركعة ثلاثة ركوعات، ورُوي أربعة ركوعات، ورُوي خمسة ركوعات، وهو أقصاها، وحملوه على أن ذلك وقع تكراراً؛ تارةً اقتصر على ركعة، وتارةً ركع ركوعين، وتارةً ثلاثة إلى خمسة، أي: أن ذلك وقع منه متكرراً، وذلك دليل على الجواز، وكأنه لاحظ طول الوقت، كأنه يقول: إذا كان الوقت يحتمل أن يتمادى الكسوف أطال وأكثر الركوعات إلى خمسة ركوعات في كل ركعة، أي: عشرة ركوعات في الركعتين، وإن كان الكسوف سهلاً فإنه يقتصر على ركوع أو ركوعين، وذلك أيضاً من باب الاجتهاد أو من باب التوسعة.
وقد اختلف الصحابة ﵃ في أشياء كثيرة؛ ولكن لم يصل بهم هذا الاختلاف إلى أن يضلل بعضُهم بعضاً، بل كل منهم يرى أنه على صواب، وأن صاحبه مجتهد ومعذور، ولم يكن أحد يخطِّئ صاحبه.
стр. 1144
اختلاف التضاد
تفرق أهل الخير بقوتهم وبسيطرتهم من مفاسد التحزب، الواجب عليهم كلهم أن يرجعوا إلى كتاب الله وسنة رسوله، هذا هو الحكم فليس لنا إلا مرجع واحد، ونحن أمة واحدة كما أمرنا الله: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [الأنبياء:٩٢] فإذا كانت الأمة واحدة فليكن منهجها واحداً، وليتركوا هذه التحزبات والاختلافات، قد حصل هذا التفرق الذي أخبر به النبي ﷺ ؛ ولكن لنعرف ما هو الحق وما هو الصواب من تلك الفرق، فقد أخبر النبي ﷺ أن (هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلَّا واحدة، قيل: من هي يا رسول الله؟ قال: من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي) وأخبر بأن الذين تمسكوا بسنته وبما كان عليه أصحابه هم أهل النجاة، وما سواهم فإنهم أهل الهلاك، ولقد وقع هذا التفرق في الأمة فتفرقت وصاروا أحزاباً وشيعاً، وسُموا بأسماء مبتدَعة ما أنزل الله بها من سلطان، فهناك فرقة الرافضة، وهناك فرقة الجهمية، وهناك فرقة الجبرية، وفرقة المرجئة، وفرقة كذا وفرقة كذا من الفرق القديمة.
وهكذا أيضاً الفرق الجديدة: فرقة الشيعة، وفرقة الإباضية مثلاً، وفرقة البعثية، وفرقة الحداثية، وفرقة العلمانية، وأشباهها.
هؤلاء كلهم أو جلهم يقولون: نحن أهل الحق والصواب في جانبنا، ونحن على حق، وأنتم الذين خالفتمونا ضالون مضلون، وأشباه ذلك.
ولا شك أن هذا مصداق ما أخبر به النبي ﷺ ، ونحن نقول: المرجع كتاب الله، هذا كتاب الله ينطق بيننا بالحق، فنجعله حكماً ونترك ما سواه، ولا نتعصب لأقوالنا، فنرد ما خالف قولنا بأنواع من التكلفات كما تفعله الجهمية والجبرية ونحوهم.
ذلك لأن هؤلاء الذين خالفوا الحق قد أخبر الله تعالى بأنهم زائغون، يقول الله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران:٧] فهؤلاء يتمسكون بظواهر لا دلالة فيها، ويتتبعون آيات ويقولون: إنها في جانبنا، وهي عليهم لو تأملوا؛ ولكنهم يأخذون منها جانباً ويتركون البقية، ويتركون الآيات الصريحة الواضحة الدلالة، التي تخالف منهجهم ومعتقدهم، ويسلطون عليها التأويلات، وكذلك يتركون صريح السنة وصحيحها، ويردونها بأنها لا تفيد إلَّا الظن، وبأنها آحاد، وبأنها وبأنها فيقعون في رد السنة، وفي رد الدليل الواضح من حيث لا يشعرون.
نقول: لا شك أن هذا الفعل فعل شنيع مستبشع، وهو أخذهم ببعض من الآيات وترك بعض الآيات، فهذا هو الذي سلكه أهل الزيغ الذين يتتبعون المتشابه منه، يقول النبي ﷺ : (إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله، فاحذروهم) يعني: فأولئك هم الزائغون، لا شك أن زيغ القلوب من أشد الأمراض، يقول الله تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف:٥] ، والزيغ: هو الميل والانحراف يعني: أن في قلوبهم مرض، وفيها انحراف عن الحق وعن قبوله، فدل على أن مثل هؤلاء زائغون.
فمثلاً الرافضة اليوم يقولون: نحن على الحق، ويتمسكون مثلاً بحديث أن النبي ﷺ يقول: (ليردن علي أقوام، فإذا عرفتهم حيل بيني وبينهم، فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك! إنهم لم يزالوا مرتدين منذ فارقتَهم) يستدلون بهذا الحديث على أن الصحابة كلهم ارتدوا، وأنهم لم يبق منهم أحد على الحق إلا علي وذريته، ويستدلون على فضيلته وأفضليته بحديث: (أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلَّا أنه لا نبي بعدي) ، وبحديث: (من كنت مولاه فـ علي مولاه، اللهم والِ من والاه، وعادِ من عاداه) ويتركون الأحاديث الصريحة الصحيحة التي وردت في فضل الصحابة وفي فضائلهم وهي مشهورة، ويتركون أيضاً الآيات الواضحة التي تنص على فضائلهم، وعلى مدائحهم، فيتركون الصحيح الواضح ويتمسكون بأشياء لا دلالة فيها.
ونقول لهم: هذا الحديث يختص بأهل الردة الذين ارتدوا وماتوا وهم مرتدون بعد النبي ﷺ ، وقاتلهم أبو بكر، وقاتلهم علي، وقاتلهم الخلفاء، أما هؤلاء الخلفاء فلم يغيروا بعد موته، بل تمسكوا بسنته غاية التمسك.
وأما قوله: (أنت مني بمنزلة هارون من موسى) فالمراد القرابة والأخوة، لا أنه يُفضل بهذا على غيره.
ومثلاً الخوارج الذين يكفِّرون بالذنوب وبالسيئات، ويُخرجون العاصي أو المذنب من الإسلام ويُدخلونه في الكفر، ويستحلون دمه، ويخلدونه في النار إذا مات على ذلك، قد يتشبثون ببعض الأدلة وببعض الآيات في تخليد العصاة في النار كقوله: ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ [البقرة:١٦٧] ، ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا﴾ [المائدة:٣٧] ، ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا﴾ [السجدة:٢٠] ، وينكرون الشفاعة، وينكرون خروج العصاة من النار.
ويغفلون عن الآيات التي فيها مغفرة الله، وسعة رحمته وفضله، ويتركون الآيات الصريحة مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨] ، ومثل قوله تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ [الأعراف:١٥٦] ، ومثل قوله: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعَاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر:٥٣] ، ومثل أحاديث الشفاعة التي تعم كل من قال: لا إله إلَّا الله خالصاً من قلبه، وأشباه ذلك.
ونقول لهم: الآيات التي ذكرتم خاصة بالكفار الذين كُتب عليهم الخلود؛ وذلك لأن في أولها ذكر الكفر، وذكر الشرك، فهؤلاء هم الذين لا يخرجون من النار، وإذا أرادوا الخروج منها أعيدوا فيها، وأما الذين من أهل التوحيد ودخلوها عقوبة على ذنوب مؤقتة فإنهم يخرجون منها، إذاً: فلا دلالة لكم فيما تمسكتم به من العمومات، بل الأدلة واضحة في أنكم خاطئون ومائلون وزائغون عن الحق والصواب.
كذلك مثلاً المرجئة الذين يعتقدون أن المعاصي لا تضر، ويستدلون بآيات الوعد، ويتركون آيات الوعيد، فيستدلون بقوله: ﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرَاً عَظِيمَاً﴾ [النساء:٤٠] ويقولون: إن الشرك يحبط الأعمال، فإذا كان الشرك يحبط الأعمال، فكذلك الإيمان يمحو السيئات، فلا يضر مع الإيمان ذنب، كما لا ينفع مع الشرك عمل.
ونقول لهم: هذا قياس فاسد، وذلك لأن الله توعد العصاة بأنواع من الوعيد، وجعل هذا الوعيد خاصاً بأنهم يعذبون في النار على قدر ذنوبهم، فنحمل على ذلك الآيات التي تمسك بها الوعيدية.
وعلى كل حال: فإذا أردنا أن نجمع هؤلاء الخوارج وهؤلاء المرجئة والمعتزلة والأشعرية والكَرَّامية والكُلَّابية والخَطَّابية وأشباههم من المبتدعة، وكذا الرافضة والزيدية والإمامية والشيعة وما أشبه ذلك، لا بد أنهم إذا تليت عليهم الأدلة الواضحة لم يستطيعوا أن ينفصلوا عنها.
وكذلك نقول للمخالفين في هذا العصر وفي هذه الأيام؛ الذين تمذهبوا وتحزبوا نقول: لا شك أن خلافاتكم هذه صريحة في مخالفة الحق والصواب، إذا رجعتم إلى كتاب الله وسنة رسوله وجدتم أنها تقدح في معتقدكم، وأن الأدلة ترد أقوالكم، وتنص على خلاف ما تقولونه، وأنكم متى فضلتم رأياً أو نظراً أو ميلاً فقد أبطلتم الأدلة، وعدلتم عن السنة، وفضلتم اتباع الأهواء والشهوات، وملتم إلى ما تمليه عليكم نفوسكم، فأصبحتم بذلك مخالفين لدينكم الذي تنتمون إليه، وهو دين الإسلام، وأصبحتم بذلك خارقين لإجماع الأمة في أن المرجع إلى كتاب الله.
ولكن هؤلاء الذين خالفوا في هذه الأزمنة، وهؤلاء الذين تمذهبوا بهذه المذاهب الجديدة، في الغالب أن انتماءهم إلى الإسلام مجرد انتماء لا حقيقة له، وإلا فلو نظرنا في مناهجهم التي يسلكونها لوجدناها تخالف الإسلام، تخالفه مخالفة كلية.
فهذا ما يتعلق بأحد النوعين من الاختلاف، وهو اختلاف التضاد الذي كل واحد من الصنفين يضلل الآخر ويُبَدِّعه، وهو مثل الاختلاف الذي وقع بين اليهود والنصارى، حتى اختلفوا اختلاف تضاد، حكى الله عنهم هذا الاختلاف بقوله: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ﴾ [البقرة:١١٣] .
فكذلك هؤلاء المختلفون فإن اختلافهم أيضاً اختلاف تضاد، كل منهم يدعي الحق في جانبه.
فالخوارج يقولون مثلاً: ليست الجبرية على شيء، وكذا يقول المجبرة.
والأشاعرة يقولون: ليست المعتزلة على شيء، وكذا تقول المعتزلة.
وأهل السنة يقولون في الجميع: لستم على شيء، وكذلك أهل السنة مع الرافضة، كل منهم يقول: إنكم لستم على شيء، هؤلاء يقولون: الحق معنا وأنتم ضالون خاطئون، وهؤلاء يقولون كذلك أيضاً.
وكذلك الفرق التي حدثت في هذه الأزمان، وتسمت بأسماء جديدة، كل فرقة تجعل الحق في جانبها، وتفضل نفسها على الأخرى، وتقدح فيما يتمسك به الآخرون.
ولكن المرجع واحد، فإذا رجعنا إلى الأصل الذي هو الشريعة الإسلامية، وتركنا ما سواهما، عرفنا أن الحق واحد لا يتعدد، وحينئذ نقول: ليس لمن خالفه عذر، بل هو ملوم، وليس بمصيب، خلافاً للمعتزلة الذين جعلوا الاجتهاد يتعدد، والحق في جانب كل من المجتهدين وقالوا: إن كل مجتهد مصيب، ونحن نقول: الاجتهاد له حدود، ثم أيضاً النبي ﷺ أخبر بأن المجتهد واحد، والمصيب واحد، والمجتهد المخطئ معذور إذا أخطأ، وله أجر على اجتهاده، وخطؤه معفوٌّ عنه.
وهذا إذا كان الاجتهاد له مجال، وأما الذين قامت عليهم الحجة
стр. 1145
حقيقة الاختلافات الواقعة في صدر الإسلام
قال الشارح رحمنا الله تعالى وإياه: [وأما أهل البدعة فالأمر فيهم ظاهر، ومن جعل الله له هدايةً ونوراً رأى من هذا ما تبين له منفعة ما جاء في الكتاب والسنة من النهي عن هذا وأشباهه، وإن كانت القلوب الصحيحة تنكر هذا؛ لكن نور على نور.
والاختلاف الأول الذي هو اختلاف التنوع: الذم فيه واقعٌ على مَن بغى على الآخر فيه، وقد دل القرآن على حمد كل واحد من الطائفتين في مثل ذلك، إذا لم يحصل بغي، كما في قوله تعالى: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [الحشر:٥] ، وقد كانوا اختلفوا في قطع الأشجار، فقطع قوم، وترك آخرون.
وكما في قوله تعالى: ﴿وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ * فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلَّاً آتَيْنَا حُكْمَاً وَعِلْمَاً وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُدَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء:٧٨-٧٩] فخص سليمان بالفهم، وأثنى عليهما بالحكم والعلم.
وكما في إقرار النبي ﷺ يوم بني قريظة لمن صلى العصر في وقتها ولمن أخرها إلى أن وصل إلى بني قريظة.
وكما في قوله ﷺ : (إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر) .
والاختلاف الثاني هو: ما حُمد فيه إحدى الطائفتين، وذُمت الأخرى، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ [البقرة:٢٥٣] .
وقوله تعالى: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ﴾ [الحج:١٩] الآيات.
وأكثر الاختلاف الذي يؤول إلى الأهواء بين الأمة من القسم الأول، وكذلك إلى سفك الدماء، واستباحة الأموال والعداوة والبغضاء؛ لأن إحدى الطائفتين لا تعترف للأخرى بما معها من الحق، ولا تنصفها، بل تزيد على ما مع نفسها من الحق زيادات من الباطل، والأخرى كذلك، ولذلك جعل الله مصدره البغي في قوله: ﴿وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيَاً بَيْنَهُمْ﴾ [البقرة:٢١٣] ؛ لأن البغي مجاوزة الحد، وذكر هذا في غير موضع من القرآن ليكون عبرةً لهذه الأمة، وقريبٌ من هذا الباب ما أخرجاه في الصحيحين عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (ذروني ما تركتكم، فإنما أهلك مَن كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم) فأمرهم بالإمساك عما لم يؤمروا به، معللاً بأن سبب هلاك الأولين إنما كان كثرة السؤال، ثم الاختلاف على الرسل بالمعصية.
ثم الاختلاف في الكتاب من الذين يقرون به على نوعين: أحدهما: اختلاف في تنزيله.
والثاني: اختلاف في تأويله.
وكلاهما فيه إيمانٌ ببعض دون بعض.
فالأول: كاختلافهم في تكلم الله بالقرآن وتنزيله، فطائفة قالت: هذا الكلام حصل بقدرته ومشيئته، لكنه مخلوق في غيره لم يقم به، وطائفة قالت: بل هو صفة له قائم بذاته ليس بمخلوق؛ لكنه لا يتكلم بمشيئته وقدرته، وكل من الطائفتين جمعت في كلامها بين حق وباطل، فآمنت ببعض الحق، وكذبت بما تقوله الأخرى من الحق، وقد تقدمت الإشارة إلى ذلك.
وأما الاختلاف في تأويله الذي يتضمن الإيمان ببعضه دون بعض فكثير، كما في حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: خرج رسول الله ﷺ على أصحابه ذات يوم وهم يختصمون في القدر، هذا ينزع بآية، وهذا ينزع بآية، فكأنما فقئ في وجهه حب الرمان فقال: (أبهذا أمرتم؟! أم بهذا وكلتم أن تضربوا كتاب الله بعضه ببعض؟! انظروا ما أمرتم به فاتبعوه، وما نهيتم عنه فانتهوا) وفي رواية: (يا قوم! بهذا ضلت الأمم قبلكم، باختلافهم على أنبيائهم، وضربهم الكتاب بعضه ببعض، وإن القرآن لم ينزل لتضربوا بعضه ببعض؛ ولكن نزل القرآن يصدِّق بعضُه بعضاً، ما عرفتم منه فاعملوا به، وما تشابه فآمنوا به) ، وفي رواية: (فإن الأمم قبلكم لم يُلعنوا حتى اختلفوا، وإن المراء في القرآن كفر) وهو حديث مشهور مخرج في المسانيد والسنن، وقد روى أصل الحديث مسلم في صحيحه من حديث عبد الله بن رباح الأنصاري أن عبد الله بن عمرو قال: هجَّرت إلى النبي ﷺ يوماً فسمع أصوات رجلين اختلفا في آية، فخرج علينا رسول الله ﷺ يُعرف في وجهه الغضب فقال: (إنما هلك من كان قبلكم باختلافهم في الكتاب) .
وجميع أهل البدع مختلفون في تأويله، مؤمنون ببعضه دون بعض، يقرون بما يوافق رأيهم من الآيات؛ وما يخالفه إما أن يتأولوه تأويلاً يحرفون فيه الكلم عن مواضعه، وإما أن يقولوا: هذا متشابه لا يعلم أحد معناه، فيجحدون ما أنزله الله من معانيه! وهو في معنى الكفر بذلك؛ لأن الإيمان باللفظ بلا معنى هو من جنس إيمان أهل الكتاب، كما قال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارَاً﴾ [الجمعة:٥] ، وقال تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ [البقرة:٧٨] أي: إلا تلاوةً من غير فهم معناه، وليس هذا كالمؤمن الذي فهم ما فهم من القرآن فعمل به، واشتبه عليه بعضه، فوكَل علمه إلى الله، كما أمره النبي ﷺ بقوله: (فما عرفتم منه فاعملوا به، وما جهلتم منه فردوه إلى عالِمه) فامتثل ما أمر به نبيه ﷺ ] .
في هذا الكلام يبين الشارح أن الاختلاف جنسه مذموم، وما ذاك إلا لأنه يسبب الوحشة والعداوة والبغضاء بين المسلمين، ويفرق الكلمة، ويوقع الفرقة المعنوية، بحيث تكون كل فرقة وكل حزب ينتصر لمحنته ولمعتقده ولمذهبه، ويضلل الآخر، فلا يكون المسلمون جميعاً مجتمعين، بل فرقاً وأحزاباً.
وأما الاختلاف الذي هو واقعي ولا يصل إلى حد الذم ولا التضليل فهذا اختلاف في فروع، أو يسمى اختلاف تنوُّع، ليس اختلاف تضاد، وذلك لأنه من طبيعة المجتهدين أن اجتهادهم يصيب تارةً ويخطئ تارة، وأن الذي يخطئ قد يخيل إليه أن الصواب معه، وأن الخطأ مع الآخر، فيستمر على خطئه الذي يظنه صواباً وهو معذور والحال هذه.
стр. 1146
الاختلاف الواقع بين الصحابة في عهد النبي ﷺ
سمعنا ما نقله الشارح من الاختلاف الذي وقع بين الصحابة في عهد النبي ﷺ ، وأقرهم الله تعالى، وأقرهم رسوله ﵊.
ففي غزوة بني النضير -وهم يهود بجوار المدينة- حاصرهم الصحابة، وكانت نخيلهم محيطة بهم، فجعل بعض الصحابة يقطع من النخل ليكون غيظاً للكفار، وبعضهم يقول: لا تقطعوها فإنها في مآلها سترجع غنيمة للمسلمين، وكل منهم مجتهد، فأقر الله هؤلاء وهؤلاء فقال: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [الحشر:٥] .
وكذلك الاختلاف الذي حصل في غزوة بني قريظة، وهم أيضاً طائفة من اليهود، لما نقضوا العهد قال النبي ﷺ : (اخرجوا إليهم، لا يصلين أحد منكم العصر إلا في بني قريظة) ، وهم بمكان بعيد، لا يمكن أن يصلوه في الوقت القريب، فبعض الصحابة صلوا في الطريق، وبعضهم أخروا الصلاة حتى وصلوا بني قريظة بعد غروب الشمس، فأقرَّ هؤلاء وهؤلاء، الأولون قالوا: إنما أراد منا الإسراع، والآخرون قالوا: نمتثل أمره ولو فات وقت الصلاة، فكلهم مجتهد، ويسمى هذا اختلاف تنوع، ولم يُخَطَّأ أحد منهم لاجتهادهم.
وهذا مثل الاختلاف الذي وقع بين الصحابة لما توفي النبي ﷺ ، فبعضهم أنكر موته وقالوا: إنما هو إغماء، وبعضهم قال: إنه قد مات، فاختلفوا، ثم بعد ذلك اجتمعوا لما سمعوا أبا بكر يتلو قوله تعالى: ﴿أَفَإِينْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ [آل عمران:١٤٤] .
وكذلك لما ارتد المرتدون من الأعراب قال بعضهم: نقاتلهم، وقال بعضهم: إنهم يقرون بالشهادة، وإنما منعوا الزكاة فاختلفوا، ثم اجتمعوا بعد ذلك على قتالهم، قال عمر: (ما هو إلا أن رأيت الله شرح صدر أبي بكر للقتال فعلمت أنه الحق) .
فهذا يبين أنهم متى علموا أن الحق مع أحدهم رجعوا إليه، ولم يتعصب أحد منهم لرأيه ولا لمذهبه، ولا شك أن هذا هو الصواب والفعل الصحيح، كون الإنسان يرجع إلى الحق متى عرفه، فإن الحق قديم كما قاله عمر ﵁، والرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل.
ومن هذا أيضاً الاختلاف الذي وقع بين الأئمة، وقع بين الصحابة خلاف في بعض الفروع، فخالف ابن عباس في أشياء ولكن لم يضلله غيره، فرُوي عنه أنه خالف حتى في مسائل فرضية، خالف في حجب الأم بأخوين، ورأى أنها لا تُحجب إلا بثلاثة أي: تحجب من الثلث إلى السدس، وقال: إن الأخوين ليسا بإخوة، والله يقول: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ﴾ [النساء:١١] .
وخالف في العول وقال: إن الفرائض ليس فيها عول، يعني: زيادة في السهام، ونقص في الأنصباء، فقال: إن الذي علم عدد رمل عالج لم يجعل في المال نصفاً ونصفاً وثلثاً.
والصحابة الذين عملوا بالعول اتفقوا على العمل به؛ ولكن لم يضللوه، وقالوا: هذا اجتهاده، ولبقية الصحابة اجتهادهم.
وخالف في تحريم الحمر الأهلية، وقال: إن النبي ﷺ ما نهى عنها إلا أنها حمولة الناس، فرد عليه الصحابة الذين قالوا: إنه نهى عن الحمر وقال: (إنها رجس أو ركس) أو نحو ذلك، ولكن مع ذلك لم يعادوه، ولم يقاطعوه، ولم يكن بينهم وبينه عداوة وقالوا: هذا اجتهاده وللآخرين اجتهادهم.
стр. 1147
الاختلاف الواقع بين الأئمة الأربعة
الأئمة الأربعة الذين هم أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد اختلفوا اختلافاً كثيراً، وتعرفون الكتب المؤلفة بحيث إن هناك أربعة أقوال في المسألة الواحدة؛ ولكن بعضهم يصلي وراء بعض، ولم يضلل بعضُهم بعضاً.
فمثلاً الإمام مالك يقول: لا تُقرأ البسملة في الصلاة لا سراً ولا جهراً.
والإمام الشافعي يقول: يُجهر بها، ومع ذلك هو يروي عن مالك ويقول: هو شيخي أروي عنه، ولو كنت قد خالفته في هذا.
والإمام أحمد يقول: تقرأ سراً ولا يُجهر بها، والبسملة في الفاتحة وفي السورة.
وهذا الاختلاف لم يسبب تقاطعاً بينهم، بل كل منهم يروي عن الآخر، فالإمام أحمد يروي عن الشافعي، فيأخذ من آرائه ومن اجتهاداته، والشافعي يروي عن مالك، فيعترف به ويروي عنه في مسنده، وكذلك بقية العلماء.
وهكذا الخلاف الذي وقع بين أبي حنيفة ومالك، فمثلاً اختلفوا في تقدير الصاع، فقال أبو حنيفة: الصاع ثمانية أرطال، وقال مالك: الصاع خمسة أرطال وثلث، ومع ذلك كل منهما يرى أن له اجتهاده.
واختلافهم في الزكاة، واختلافهم في مسائل كثيرة من الحج، واختلافهم في علة الربا وما أشبه ذلك.
ولا نضللهم في هذه الاختلافات، بل نقول: إن هذا مما أدى إليه اجتهادهم، وهم في ذلك كله بذلوا وسعهم فيدخلون في قوله ﷺ : (إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر) .
الذي أصاب لا شك أنه بذل جهداً وتوسع في البحث والتنقيب، أو كان أمكن وأقوى وأفهم وأقدر؛ فوفقه الله فأصاب الحق، فله أجران: أجر الاجتهاد، وأجر الإصابة.
أما الذي أخطأ وقد بذل وسعه في البحث فله أجر الاجتهاد، يفوته أجر الإصابة، ويُعذر إذا أخطأ؛ ولكن ليس كل أحد يكون أهلاً للاجتهاد، بل إنما يجتهد في المسائل ويبحث فيها من يكون عنده القدرة والاستطاعة على البحث، وعلى الوصول إلى الصواب، وعلى عين المسألة المطلوبة، فأما إذا كان قاصراً في مثل هذه الأشياء فلا يليق أن يُمكن من الاجتهاد، ولا يقال: إنه من أهل الاجتهاد وإنه أصاب.
وبكل حال: الخلاف في فروع المسائل مشهور ومدون -والحمد لله- في الكتب الفقهية، وكل يأخذ مما تيسر منه، فإن وجدت المسألة فيها خلاف بين الشافعي وأحمد مثلاً أو بين مالك وأبي حنيفة فإنك تنظر أيها أقرب إلى الصواب، وأيها أمكن في نفسك، وأقرب إلى الإصابة والدليل، فتأخذ بها، ولا تأخذ بمجرد الميل، ولا بما تهواه النفس، بل ترجع إلى ما هو الأولى والصواب، وبذلك تكون موفقاً إن شاء الله.
стр. 1148
شرح العقيدة الطحاوية [٩٩]
للإسلام مميزات وفضائل كثيرة، وهو دعوة جميع الأنبياء مع اختلاف شرائعهم، وهو الذي أمر الله الناس باتباعه، ولكن أكثر الناس أعرضوا عنه اتباعاً للهوى أو تقليداً للآباء أو جهلاً بحقيقته.
стр. 1149
أسباب اختلاف التضاد في الأمة
تطرق الطحاوي ﵀ إلى أن دين الإسلام جاء بالاجتماع، وحث على لزوم جماعة المسلمين، ونهى عن التفرق والاختلاف.
وتوسع الشارح ﵀ في بيان أسباب الاختلاف، وبين أنواعه، وذكر أن الاختلاف: - اختلاف تنوع.
- واختلاف تضاد.
وأن اختلاف التنوع لا يُضلل به؛ وذلك لأنه يثبت عن اجتهاد، كاختلاف الصحابة في تفسير بعض الآيات، وكذا المفسرون بعدهم اختلفوا في بعض معاني الآيات، وإن كان المعنى واحداً.
ففسروا مثلاً (الصراط المستقيم) أنه الإسلام، وفسره بعضهم بأنه الرسول، ولا فرق فالمعنى واحد.
وكذلك اختلافهم في معاني كثير من الأحاديث التي يدخل فيها الاجتهاد.
أما اختلاف التضاد فلا شك أنه يُضلل به، وهو الذي يحدث عن هوى، ويكون سبب الاختلاف اتباع الأهواء، وذلك لأن المبتدع متى هوي نحلة ومال إليها فإنه يصر على تلك النحلة ويخالف الأدلة.
وهذا ما يسببه اتباع الهوى، وقد ورد في الأثر: (أن الهوى يُعمي ويُصم) .
كذلك أيضاً من أسباب اختلاف التضاد: تقليد الآباء، وذلك لأن كثيراً من الناس قد يتضح له الحق، ويعرف القول الصحيح، ثم يخالفه، لماذا؟ لأن آباءه وأسلافه ليسوا على هذا المسلك، وإذا خالفه أحد منهم هجروه وقالوا: تترك معتقد آبائك وأسلافك؟! وهذه سنة المشركين، ذكر الله أنهم يعرفون الحق ثم يخالفونه، ويعرفون أن الباطل باطل ويرتكبونه، لماذا؟ ﴿إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ * فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ﴾ [الصافات:٦٩-٧٠] .
يقولون: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف:٢٣] .
وكذلك بقية المبتدعة: يتمسكون بمذاهب آبائهم وأسلافهم ولو تبين لهم الحق.
فمثلاً: الرافضة كانوا قديماً لا يقرءون كتب السنة، وذلك لأنها لم تنتشر ولم تشتهر، وإنما يقرءون الكتب التي يكتبها أئمتهم، فكثير من عوامهم ممن يريد الحق لم يعرفه، ولم يصل إليه ما يبين الطريق الحق، فبقوا على ضلالهم؛ ولكن في هذه الأزمنة طُبعت الكتب، وانتشرت كتب الصحيح، وكتب السنن، وكتب المسانيد، وكتب السنة، ومن أرادها من الشيعة أو غيرهم قدر عليها، وتحصل عليها وعرف الحق.
فبعض الشباب من الرافضة تبين لهم طريق الحق فاهتدى منهم أفراد؛ ولكن لما اهتدوا وخالفوا طرق الرافضة ماذا فعل أهلوهم؟ هجروهم وقالوا: أتتركون سنة آبائكم؟! أتتركون عقيدة أسلافكم؟! فضايقوهم وأضروهم، أحدهم يحكي لنا أنه لما اهتدى تمسكت زوجته بمذهبها وقالت: لا يمكن أن تكون أهدى من أبي ومن أبيك ومن أسلافنا! وبقيت على طريقة آبائها، هو قرأ وعرف فسلك طريق الحق، وأما زوجته وأهله فإنهم مقتوه وطردوه.
وهكذا شابة أيضاً في الدمام أو في القطيف لما درست وسمعت الأخبار، وقرأت الكتب والنشرات، وأصغت إلى الإذاعة وما يُنشر فيها، واقتنت شيئاً من الكتب، واحتكت بأهل السنة؛ عرفت أن طريقة الشيعة باطلة وبعيدة من الصواب، فتلقت الحق واهتدت وتمسكت به، فماذا لقيت من الأذى؟! وماذا لقيت من الضرر؟! حبس وضرب! وطرد وإبعاد! ولكنها صبرت على ذلك كله.
نقول: لا شك أن الذين يقلدون الآباء والأجداد وهم على ضلال ضالون، والعاقل يختار الحق، يختار الصواب، ولو خالفه من خالفه، وذلك لأنه لا يهمه إلا نفسه، في الدار الآخرة يتبرأ منه أهله: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ﴾ [عبس:٣٤-٣٥] يفرون منه، ولا يتقبلون منه ولا يقبل منهم، ولا ينفع بعضهم بعضاً.
فإذاً: كيف يقدم أحدهم الباطل تقليداً للآباء والأجداد؟! والحاصل: أن من أسباب هذا الاختلاف: اتباع الهوى، ومن أسبابه: تقليد الآباء والأجداد والأسلاف، وهذا يؤدي إلى أنه قد يعرف الإنسان الحق ويتمسك بالباطل، الله تعالى يقول: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ﴾ [المؤمنون:٧١] ، فإذا كان الحق واضحاً فالحق أحق أن يُتبع.
стр. 1150
مفاسد اختلاف التضاد
اختلاف التضاد سبب التفرق بين المسلمين، وسبب ضياع الحقوق، وسبب التعصب، فكل طائفة تعرف الحق ولكنها تتعصب للباطل.
فلو قرأنا مثلاً كتب المعتزلة، لوجدنا فيها من التعصب والتشدد والتكلف في صرف الأدلة الشيء العجاب! ولو قرأنا كتب الخوارج أو الإباضية الموجودين في عمان؛ لعرفنا أنهم يعرفون الحق ثم ينكرونه، وكذلك إذا قرأنا الكتابات التي يكتبها هؤلاء المخالفون.
فالفرق الذين تفرقوا في هذه الأزمنة -وما أكثرهم! - كطائفة البعث، وطائفة العلمانيين ونحوهم، لا شك أنهم قد اتضح لهم الحق، وعرفوا الأدلة؛ ولكن لما لم تكن أهواؤهم منقادة نحو تلك الأدلة، ونحو العمل بها، تمسكوا بالباطل وتشبثوا به، وقدموا الباطل على الحق، فكان هذا هو السبب في كثرة الفرق، وتفرقت فرق الأمة، وصار بعضهم يضلل بعضاً، ويخالف بعضهم بعضاً، ويتبرأ بعضهم من بعض.
فمن الفرق ما يصل إلى حد الكفر، كفرقة غلاة الجهمية فقد أخرجهم كثير من الأمة ومن العلماء من الثنتين والسبعين فرقة، وقالوا: ليسوا من فرق الأمة، وكفرقة الفلاسفة والباطنية.
وفي هذه الأزمنة فرقة الدروز، وهم موجودون في سورية ولبنان، ذكر لنا بعض المشايخ أنهم عثروا على واحد منهم في الرياض وهو سكران، فجاءوا به ليعاقبوه؛ ولكن شهد عليه أناس أنه لا يصلي، فسألوه فقال: أنا لا أصلي.
قالوا: مكتوب في جوازك وفي إقامتك أنك مسلم، لماذا لا تصلي؟! فقال: ليس في ديننا صلاة، فبحثوا عنه فإذا هو درزي.
الدروز يكتبون في هوياتهم أنهم مسلمون! أين الإسلام؟! إسلام بلا صلاة؟! وكثير من الذين اهتدوا منهم قاطعوهم، قاطعوا أولادهم الذين اهتدوا أو بناتهم وتبرءوا منهم، بل لو وجدوهم لقتلوهم، من اهتدى منهم ورجع إلى الإسلام اغتالوه وقتلوه، وكانوا يخفون كتبهم التي فيها معتقداتهم؛ ولكن تسربت في هذه الأزمنة ولم يستطيعوا أن يخفوها، لوجود المطابع وآلات التصوير، ولوجود الناسوخ ونحوه، والذي يصور من بعيد، فافتضحوا وظهرت بذلك عقائدهم المشينة، فاتضح أنهم ليسوا من فرق الأمة.
وكذلك فرقة النصيرية موجودة في سورية وفي غيرها، وقديماً قد كتب عنهم العلماء كشيخ الإسلام ابن تيمية له رسالة فيهم مطبوعة مفردة، ومطبوعة مع المجموع، بين فيها فضائحهم وعقائدهم السيئة، إذا نظرنا في عقيدتهم قلنا: هؤلاء أكفر من اليهود والنصارى، وذلك لبعدهم عن الإسلام، ومع الأسف أنه يُكتب في بطائق هوياتهم: مسلم، وليس معهم إلَّا مجرد الاسم.
وهكذا غلاة الرافضة الذين يكفرون أجلاء الصحابة، ويطعنون في القرآن، لا شك أنهم يصلون إلى مرتبة الكفر، وذلك لأنهم إذا كانوا لا يؤمنون بالكتاب والسنة فماذا بقي عندهم؟! وبكل حال: فهذه فرق خرجت من ملة الإسلام، أما بقية الفرق فيمكن أن تكون من المسلمين، ويعمهم اسم المسلمين؛ لأنهم يصلون ويدينون بالإسلام، ولكن بدعتهم مضللة لا توصلهم إلى حد الكفر، كبدعة الإباضية الموجودين في عمان، وكذلك كثير من المبتدعة.
стр. 1151
حكم الأحزاب والفرق الموجودة في عصرنا
ما حكم الأحزاب والفرق الموجودة الآن في كثير من الدول الإسلامية، وقد تصل الأحزاب إلى عشرين أو إلى خمسين حزباً، وكل حزب يسجل أعداداً هائلة، ويحب أن يكون أكثر من الآخر؟! إذا نظرنا في تلك الأحزاب نجد كل حزب يتسمى باسم، ولا شك أنها لم ينزل الله بها سلطاناً، فهي فرق ضالة، يُنظر في معتقداتهم وما يميلون إليه.
فمنهم من يكون كافراً بحتاً كالشيوعيين، وفي بعض البلاد يكون لهم أحزاب إما واحد وإما عدد.
ومنهم من يكون معه شيء من الإسلام؛ ولكن ليسوا متمسكين به.
ومنهم من هم مسلمون؛ ولكن معهم شيء من المخالفة.
والجميع يعمهم أنهم أحزاب ومختلفون.
وهناك أحزاب في البلاد الإسلامية يتسمون بأسماء ظاهرها حسن، وأعمالهم فيها ما هو خطأ وفيها ما هو صواب، فمثلاً: جماعة التبليغ، هؤلاء فرقة نشئوا في الهند وفي الباكستان، وكان هدفهم أن يبلغوا الشرع، كما سموا بذلك أنفسهم، ولهم طريقة في الدعوة بمعنى: أنهم يقتصرون على بيان الفعل دون أن يوضحوا أو يدعوا بالقول غالباً، ويدعون الأفراد ولا يتكلمون في المجتمعات، لا في الخطب، ولا في المساجد العامة، ولا في محاضرات ولا غير ذلك، ورأوا أن هذه دعوة ناجحة.
أما طريقتهم في الدعوة فنقول: هكذا ظهر لهم، ولا نعيبهم في ذلك؛ لكن دخلت معهم فرق ضالة من الصوفية والقبوريين فأفسدوا عليهم دعوتهم، فالذين يتمسكون بالسنة ويعملون بها لا نعيبهم، والذين يصلون إلى بغض التوحيد بحيث لا يقرءون في كتب العقيدة ولا يقرون من يقرأ فيها، ولا يقرءون في كتب التوحيد، وبحيث أنهم يبايعون بعض رؤسائهم على الطاعة، وإن كان في خلاف الحق، وأنهم إذا كانوا في غير بلاد التوحيد يزورون المشاهد، ويعكفون عند القبور، ويتمسحون بها، ويقرونها، فمثل هذا لا يقره الإسلام.
وأما إذا لم يدخل معهم شيء من هؤلاء فلا بأس بهم.
وكذلك هناك طوائف في كثير من الدول الإسلامية، كسورية ومصر والسودان، ولهم أيضاً فروع في المملكة، ويتسمون بأسماء حسنة، ويهدفون إلى هدف واحد، ويدعون إلى دعوة واحدة، فمنهم من يسمون بالسلفيين، ومنهم من يسمون بجماعة أنصار السنة، ومنهم من يسمون أنفسهم بأهل التوحيد، والأسماء حسنة، والمقاصد متقاربة، والطرق تختلف، ولا يضر هذا الاختلاف، يعني: كون هؤلاء يفضلون طريقة، وهؤلاء يفضلون طريقة، هؤلاء مثلاً يفضلون الاقتصار على التأليف والنشر، وهؤلاء يفضلون الرحلات ودعوة الناس، وهؤلاء يفضلون الدعوة عن طريق المنابر والمساجد والحلقات والندوات والمحاضرات ونحوها، وهؤلاء وهؤلاء نقول: كل ذلك يصب في الدعوة ما دام أن المنهج سليم، ومناهجهم كما أخبرنا كثير منهم يدعون إلى العقيدة سواءً دعوا أفراداً أو أشتاتاً، يدعون إلى تحقيق التوحيد، ويحاربون البدع والشرك، فكلهم إن شاء الله على الخير، ولهم نشاط في كثير من البلاد الإسلامية، يوجدون حتى في غير البلاد العربية كالباكستان وغيرها، وفي البلاد البعيدة يُضطهدون ويُذلون، وذلك لأنهم يُتهمون في الهند والباكستان وغيرها، بل وفي بعض البلاد العربية؛ بكونهم وهابيين، وأنهم كفار وضُلَّال وما أشبه ذلك.
وعلى كل حال الإسلام أرشد أن يجتمع المسلمون، وأن يصيروا يداً واحدة، وألَّا يتفرقوا؛ لأنهم متى اجتمعوا واجتمعت كلمتهم فإنهم يقوون على مقاومة أعدائهم، ويصير لهم مكانة معنوية قوية، ويهابهم الأعداء والأضداد، ومتى تفرقوا ذلوا وهانوا، وهذا ما يريده العدو.
فنتواصى جميعاً بأن تجتمع كلمتنا متى رأينا من يخالف في منهج أو مسلك، ونحرص على أن نجمع بين المتخالفين، نقرب هذا ونقرب هذا، إلى أن يتآلفا ويصيرا يداً واحدة.
وهكذا أيضاً إذا رأينا من يعيب على بعض الطرق قلنا له: رويدك! ماذا تعيب عليهم؟ فإذا وجدنا أن ذلك العيب الذي يعيبه لا يبلغ أن يُهجروا لأجله، قلنا له: لا ينبغي لك أن تهجر إخوتك المسلمين أو مشايخك وعلماءك، ولا أن تسيء الظن بهم بمجرد هذا الفعل الذي لا يبلغ أن يكون ذنباً، بل هو إما اجتهاد، وإما قول مسلوك قد قاله من العلماء المتقدمين من قاله، فكيف تضلل بقولٍ هو محل اجتهاد.
وما يقع بين المسلمين في هذه البلاد وغيرها من هذا الاختلاف الذي سببه سوء الظن بكثير من المشايخ، حتى اتُّهموا بأنهم يحاولون الخروج، وبأنهم ضُلال، وبأنهم شر على الأمة من كذا وكذا لا شك أن هذا من وساوس الشيطان، وكيد الأعداء الذين يريدون أن يفرقوا بين المسلمين.
والواجب على شباب المسلمين وشباب الصحوة الذين انتبهوا وأقبلوا على ربهم أن يجتمعوا، وألَّا يخطئ بعضهم بعضاً إلا في الشيء الذي يكون خطؤه واضحاً، وأن يعذروا من رأوا منه شيئاً من النقص أو التقصير، ولا يشددوا ولا يتهموا إخوتهم أو علماءهم بمداهنة أو بنقص أو بتعمد خطأٍ أو نحو ذلك، بل يعذروهم ويقبلوا منهم عذرهم، وبذلك تجتمع كلمة المسلمين إن شاء الله.
стр. 1152
مميزات دين الإسلام
قال الشارح رحمنا الله تعالى وإياه: [قوله: (ودين الله في الأرض والسماء واحد وهو دين الإسلام، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ﴾ [آل عمران:١٩] .
وقال تعالى: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينَاً﴾ [المائدة:٣] ، وهو بين الغلو والتقصير، وبين التشبيه والتعطيل، وبين الجبر والقدر، وبين الأمن والإياس) .
ثبت في الصحيح عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (إنا معاشر الأنبياء ديننا واحد) ، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينَاً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران:٨٥] عامٌّ في كل زمان؛ لكن الشرائع تتنوع كما قال تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجَاً﴾ [المائدة:٤٨] .
فدين الإسلام هو ما شرعه الله لعباده على ألسنة رسله، وأصول هذا الدين وفروعه موروثة عن الرسل، وهو ظاهر غاية الظهور، يمكن كل مميز من صغير وكبير، وفصيح وأعجم، وذكي وبليد، أن يدخل فيه بأقصر زمان، وإنه يقع الخروج منه بأسرع من ذلك، من إنكار كلمة، أو تكذيب، أو معارضة، أو كذب على الله، أو ارتياب في قول الله تعالى، أو رد لما أنزل، أو شك فيما نفى الله عنه الشك أو غير ذلك مما في معناه.
فقد دل الكتاب والسنة على ظهور دين الإسلام، وسهولة تعلمه، وأنه يتعلمه الوافد، ثم يولي في وقته، واختلاف تعليم النبي ﷺ في بعض الألفاظ بحسب من يتعلم، فإن كان بعيد الوطن كـ ضمام بن ثعلبة والنجدي ووفد عبد القيس، علمهم ما لم يسعهم جهله، مع علمه أن دينه سيُنشر في الآفاق، ويرسل إليهم من يفقههم في سائر ما يحتاجون إليه، ومن كان قريب الوطن يمكنه الإتيان كل وقت بحيث يتعلم على التدريج، أو كان قد علم فيه أنه قد عرف ما لا بد منه، أجابه بحسب حاله وحاجته، على ما تدل قرينة حال السائل كقوله: (قل: آمنت بالله، ثم استقم) .
وأما من شرع ديناً لم يأذن به الله فمعلوم أن أصوله المستلزمة له لا يجوز أن تكون منقولة عن النبي ﷺ ولا عن غيره من المسلمين؛ إذ هو باطل، وملزوم الباطل باطل، كما أن لازم الحق حق] .
стр. 1153
الإسلام هو دين جميع الأنبياء مع اختلاف الشرائع
سمعنا أن الماتن والشارح رحمهما الله تطرقا إلى وحدة الإسلام، الذي هو دين الله الذي رضيه لنفسه، فقال تعالى: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينَاً﴾ [المائدة:٣] ، ورد ما سواه من الأديان فقال: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينَاً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران:٨٥] ، وأن أصل هذا الدين واحد عليه جميع الأنبياء، الوحدة والوحدانية اتفق عليها رسل الله، اتفقوا كلهم على الدعوة إلى التوحيد، فكل منهم يبدأ دعوته فيقول: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف:٥٩] .
فالتوحيد هو دين جميع الرسل، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء:٢٥] أي: كل الرسل أوحيت إليهم هذه الكلمة، وأمروا بها، وبلَّغوها إلى قومهم، وإن كانت الشرائع متنوعة، كما حكى الله عن عيسى أنه قال: ﴿وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [آل عمران:٥٠] فأحل لهم أشياء كانت محرمة عليهم في شريعة الأنبياء قبله، وكذلك حكى الله عن نبينا ﷺ أنه يحل لهم الطيبات، ويحرم عليهم الخبائث، ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم، أي: أنه قبل بعثة محمد ﷺ كان عليهم آصار يعني: أثقال من التكاليف، وأغلال من الأوامر والنواهي، وتشديدات، وأن تلك الآصار والأغلال وضعت وخُفف عنهم في هذه الشريعة التي هي خاتمة الشرائع.
стр. 1154
يسر الإسلام وسهولة تعلمه
دين الإسلام دين يسير سهل، تعاليمه يسيرة قريبة التناول، كان النبي ﷺ يعلمه أصحابه في لحظات وفي أوقات يسيرة، فيتعلمونه، فيخرج أحدهم معلماً ومبلغاً.
وفد عبد القيس علمهم أركان الإسلام، وعلمهم بعض المحرمات؛ ولكنهم فهموا بلغتهم وبسليقتهم وفطرتهم بقية الشريعة، فعلمهم الشهادتين، وعرفوا معناها وما تستدعيه كل واحدة منهما، بمجرد ما قالوا: لا إله إلَّا الله، محمد رسول الله؛ عرفوا معنى (لا إله إلَّا الله) فلم يعبدوا غيره، وعرفوا معنى (محمد رسول الله) فأطاعوه ولم يعصوه.
وأما الصلاة فإنهم صلوا معه يوماً أو يومين أو أياماً قليلة، وعرفوها.
وكذلك الزكاة بعث إليهم من يعلمهم في بلادهم، ومن يأخذ منهم الزكاة المفروضة.
وكذلك الصوم، والحج بمجرد ما أخبرهم.
وكذلك المحرمات، مجرد ما يقول: حرم عليكم كذا وكذا يعرفون، فالجلسة والجلستان في تلك الحلقات العلمية يصبح بها أحدهم عالماً، بينما أحدنا في هذه الأزمنة يبقى عشرين سنة ومع ذلك لا يأتي على جميع العلوم لقصر الأفهام، ولتغير الألسن والاستعمالات، وتغير اللغات واللهجات المحدثة البعيدة عن الأصل، فصار الواحد لا بد أن يبذل وقتاً في تعلم الكلمات، ثم يتعلم معانيها بعد حفظ الكلمات، ثم بعد ذلك يتعلم مدلولات واصطلاحات العلوم الشرعية.
ذكر الشارح أن النبي ﷺ كان يعلم كلاً بما هو أهم شيء عنده، ولأجل هذا اختلفت أجوبته، يُسأل سؤالاً واحداً ويجيب بعدة أجوبة، فإذا قيل له: ما أفضل الأعمال؟ فتارة يقول: (قل: آمنت بالله ثم استقم) ، وتارةً يقول: (من سلم المسلمون من لسانه ويده) ، وتارةً يفسره بأنه: (أن تطعم الطعام، وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف) ، وتارةً وتارةً وذلك لأنه يخاطب كلاً بما يرى أنه مناسب له، وأنه أهم له وأولى بأن يهتم به ويتأثر به أفضل من غيره.
فالجميع واحد، والمؤدَّى واحد، وذلك لأنها تعتبر من خصال الإسلام والإيمان، وهي العقائد والعبادات ونحوها.
وعلى كل حال: فالمسلمون يدينون بهذا الدين، ويعتقدون هذه الشريعة، ويتبعونها، ويعرفون أنه ليس فيها تعقيد، ولا صعوبات، لا في علومها ولا في أعمالها.
فالعلوم: سهلة ويسيرة؛ ولكنها تحتاج إلى تعقُّل، قد يقول القائل: إنني بذلت وتعلمت ولم أصِر عالماً! نقول: لأنك أولاً: لم تقبل على العلم بكليتك؛ بخلاف الصحابة، فإن أحدهم كان يقبل على العلوم بكليته وبقلبه وقالبه، فيتعلمها في يوم أو في أيام أو في عشرين يوماً كما في حديث مالك بن الحويرث.
ولأنك ثانياً: لم تطبق ولم تعمل مباشرة، وذلك لأن الإنسان الذي يسمع الكلمات ويعرفها؛ ولكنه لا يطبقها في حينه، تذهب من ذاكرته، ينساها بعد مضي سنة أو شهر أو نحو ذلك؛ بخلاف من إذا أراد التعلم، وتفرَّغَ له وأقبل بقلبه، ثم كلما تعلم شيئاً كرره وعمل به، فإنه يمكن أن ينال العلم ويكون عالماً في وقت قصير.
ومعلوم أيضاً أن العلوم كثيرة؛ ولكن يُبدأ منها بما هو الأهم، فالإسلام يعم الأعمال التي فعلها من الدين، والأعمال التي تركها من الدين، والمباحات ونحوها، وهذه كلها داخلة في مسمى الإسلام، ومعرفتها يسيرة، والحمد لله أن المسلمين الذين خرجوا من بين أهلينا من بنين وآباء وعلماء ومشايخ كلهم يدينون بالإسلام وبالعقيدة السلفية، ولا يخفى عليهم شيء من تعاليم هذا الدين.
стр. 1155
دين الإسلام وسط بين الغلو والتقصير
قال الشارح ﵀: [وقوله: (بين الغلو والتقصير) : قال تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ [النساء:١٧١] ، ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ﴾ [المائدة:٧٧] .
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ * وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالَاً طَيِّبَاً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ [المائدة:٨٧-٨٨] .
وفي الصحيحين عن عائشة ﵂ أن: (ناساً من أصحاب رسول الله ﷺ سألوا أزواج رسول الله ﷺ عن عمله في السر؟ فقال بعضهم: لا آكل اللحم، وقال بعضهم: لا أتزوج النساء، وقال بعضهم: لا أنام على فراش، فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال: ما بال أقوام يقول أحدهم كذا وكذا؟! لكني أصوم وأفطر، وأنام وأقوم، وآكل اللحم، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني) .
وفي غير الصحيحين: (سألوا عن عبادته في السر، فكأنهم تقالوها) .
وذُكر في سبب نزول الآية الكريمة عن ابن جريج عن عكرمة أن: (عثمان بن مظعون وعلي بن أبي طالب وابن مسعود والمقداد بن الأسود وسالماً مولى أبي حذيفة ﵃ تبتلوا، فجلسوا في البيوت، واعتزلوا النساء، ولبسوا المسوح، وحرموا طيبات الطعام واللباس إلا ما يأكل ويلبس أهل السياحة من بني إسرائيل، وهموا بالاختصاء، وأجمعوا لقيام الليل، وصيام النهار، فنزلت: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [المائدة:٨٧] يقول: لا تسيروا بغير سنة المسلمين، يريد ما حرموا من النساء والطعام واللباس، وما أجمعوا له من قيام الليل وصيام النهار، وما هموا به من الاختصاء، فلما نزلت فيهم بعث النبي ﷺ إليهم فقال: إن لأنفسكم عليكم حقاً، وإن لأعينكم حقاً، صوموا وأفطروا، وصلوا وناموا، فليس منا من ترك سنتنا، فقالوا: اللهم سلَّمنا واتبعنا ما أنزلت) .
وقوله: (وبين التشبيه والتعطيل) : تقدم أن الله يحب أن يوصف بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله ﷺ ، من غير تشبيه، فلا يقال: سمع كسمعنا، ولا بصر كبصرنا ونحوه، ومن غير تعطيل، فلا يُنفى عنه ما وصف به نفسه، أو وصفه به أعرف الناس به: رسوله ﷺ ، فإن ذلك تعطيل، وقد تقدم الكلام في هذا المعنى، ونظير هذا القول قوله فيما تقدم: (ومن لم يتوق النفي والتشبيه زَلَّ ولم يصب التنزيه) .
وهذا المعنى مستفاد من قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] .
فقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] : ردٌّ على المشبهة.
وقوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] : ردٌّ على المعطلة] .
في هذا بيان أن الحق وسط بين الطرفين، وأن أهل السنة وسط بين فرق الأمة، وأن الأمة وسط بين الأمم، والكلام على وسطية أهل السنة ووسطية الأمة طويل ومعروف، ومما ذكر الشارح أنهم لا يغلون ولا يقصرون، بل هم وسط بين ذلك.
فالغلو هو التشديد على النفس، كما حصل من هؤلاء الذين هموا أن يختصوا وحرموا الطيبات، وشددوا على أنفسهم، ولزموا البيوت، واقتصروا على العلقة من الطعام، وعزموا على أن يقوموا جميع الليل، ويصوموا جميع النهار، ويعتزلوا الملذات والشهوات، ويتشبهوا بالرهبانية، فهؤلاء غلوا.
والذين يقصرون هم الذين لا يأتون من الأعمال إلا بعض العمل، فلا يصلون إلا الفريضة مثلاً، وإذا صلوها صلوها خفيفة، ولا يصومون إلا الفرض، وربما يقصرون في الصيام، أو يأتون بما يفطِّر أو يفسد صيامهم، وكذلك في الطهارة يخففونها.
الأولون: يتشددون ويتقعرون في العبادة، والآخرون يخففون الطهارة وربما لم يبالغوا في غسل الأعضاء ولم يسبغوا.
فهؤلاء في طرف وهؤلاء في طرف، والوسط هو الخير بين الغلو والتقصير.
فالغلو مذموم لهذه الآية: ﴿لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ [المائدة:٧٧] .
والتقصير أيضاً مذموم؛ لأن فيه نقصاً في العمل، ونقصاً في لزوم ما أمر الله به.
كذلك أيضاً الغلو والتقصير يعم جميع الأحوال والعبادات ونحوها.
فجميع العبادات يمكن أن يُتصور فيها غلو وتقصير، فالمعاملات مثلاً فيها غلو وتقصير، فالذي يحرم البيوع أو يحرم أكثر الأطعمة ولا يتعامل إلا مع فلان وفلان، أو لا يتعاطى، أو لا يمتلك من الأموال إلا شيئاً دون شيء، يقال: هذا غالٍ قد حرم الطيبات، وكذلك لو حرم الصناعات الجديدة، إذا حرم مثلاً الركوب في السيارات، أو في الطائرات، أو حرم الانتفاع بالأجهزة الحديثة كمكبر الصوت والاستنارة بالكهرباء، والانتفاع بالكهرباء في مكيفات، أو في أنوار كهربائية أو نحو ذلك، نقول: هذا قد غلا.
والذي يتوسع في مثل هذه الأشياء يجره إلى الحرام، فيستعمل مثلاً السماع للموسيقى والأجهزة المفسدة كأجهزة الغناء، وأجهزة التصاوير والتمثيلات الخليعة، والصور والأفلام الماجنة ونحوها، ويتوسع في ذلك، نقول: هذا قصر.
فالأول قد غلا وتشدد، والثاني قد توسع وأتى بما يفسد دينه أو يقلل عليه ديانته، وما بينهما وسط لا تشديد وغلو، ولا تقصير وإخلال بالواجبات ونحوها.
стр. 1156
دين الإسلام وسط بين التشبيه والتعطيل
ذكر الشارح أن أهل السنة متوسطون بين المشبهة وبين المعطلة، وهذا بحث قد تقدم مراراً، فالمشبهة هم الذين غلوا في إثبات صفات الله، وقالوا: إنها كصفاتنا، يد كيد المخلوق، ووجه كوجه المخلوق، وهكذا.
والمعطلة هم الذين نفوا صفات الله وتأولوها، وتشددوا في صرفها عن ظاهرها، وعطلوا الله تعالى عن صفات الكمال.
وقد تقدم أن هؤلاء مقصرون وغالون، والحق بينهما وسط، وهو أنَّا لا نصل إلى درجة هؤلاء المعطلة ولا نسلك طريقة هؤلاء الذين هم ممثِّلة، بل نثبت الصفات كما أثبتها الله تعالى لنفسه، ونصفه بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله، دون تشبيه أو تمثيل.
стр. 1157
دين الإسلام وسط بين الجبر والقدر وبين الأمن واليأس
قال الشارح ﵀: [وقوله: (وبين الجبر والقدر) : تقدم الكلام أيضاً على هذا المعنى، وأن العبد غير مجبور على أفعاله وأقواله، وأنها ليست بمنزلة حركات المرتعش وحركات الأشجار بالرياح وغيرها، وليست مخلوقة للعبد، بل هي فعل العبد وكسبه وخلق الله تعالى.
وقوله: (وبين الأمن والإياس) : تقدم الكلام أيضاً على هذا المعنى، وأنه يجب أن يكون العبد خائفاً من عذاب ربه، راجياً رحمته، وأن الخوف والرجاء بمنزلة الجناحين للعبد في سيره إلى الله تعالى والدار الآخرة] .
لابد أن نعلم أن أهل السنة وسط في هذه الأمور، وذلك لأن القدرية الذين نفوا قدرة الله قالوا: إن الله لا يقدر على كل شيء، بل العبد يعصي قهراً على الله، والله لا يقدر أن يرد هذا العاصي، ولا يقدر أن يهدي من يشاء، ولا يضل من يشاء، بل العباد هم الذين يخلقون أفعالهم، وهؤلاء غلوا في نفي قدرة الرب، وجعلوا القدرة للعبد.
وأما الجبرية فضدهم، حيث نفوا قدرة العبد أصلاً، وجعلوا العبد مجبوراً ليس له أية قدرة، ولا أية مشيئة، ولا أية عمل، بل حركته كحركة أغصان الشجرة التي تحركها الريح، فلم يجعلوا له اختياراً.
فلا هؤلاء ولا هؤلاء، بل الحق وسط بينهما وهو أن نقول: إن للعبد قدرة، ولكنها تحت قدرة الله خاضعة لمشيئته وقدرته.
كذلك أيضاً أهل السنة وسط بين الأمن واليأس، الأمن: هو عدم الخوف من الله، كون الإنسان يقدم على المعاصي، ويتجرأ عليها، ويتجرثم في الذنوب، وكأنه عنده صك أمان من الله أنه في الجنة، فتراه يُقدم على الذنوب، ويكثر من السيئات، ولا يخاف من الله، هذا هو الآمن، قال الله تعالى: ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف:٩٩] .
وأما اليأس: فهو القنوط الذي هو قطع الرجاء، قال تعالى: ﴿إِنَّهُ لا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الكَافِرُونَ﴾ [يوسف:٨٧] ، وهو الذي يقطع رجاءه من الرحمة، وكأنه يجزم بأنه في النار ويقول: لا قدرة لي على التوبة، أنا قد عملت عملاً لا تنالني فيه الرحمة، ثم إذا نصحتَه يقول: عملي وذنوبي كثيرة، وأنا لا أستطيع أن أمحوها، وقد تكاثرت علي، فالآن أنا مقدم أو جازم على أني من أهل النار، ولو عملت ما عملتُ، ذنوبي لا تمحوها التوبة، ولا تصل إليها الرحمة، فيقطع رجاءه من رحمة الله.
نقول: هذا قنوط ﴿قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾ [الحجر:٥٦] بل الوسط هو الخيار، وهو أن تكون خائفاً راجياً، فيكون الخوف والرجاء للإنسان بمنزلة الجناحين للطائر مستويان، لا يكون في أحدهما زيادة على الآخر، إذا كان في أحدهما زيادة اختل طيران الطائر، وإذا تساويا استوى طيرانه، الخوف يحملك على أن تكثر من الأعمال، والرجاء يبرِّد قلبك على ألَّا تيئس من رَوح الله.
стр. 1158
شرح العقيدة الطحاوية [١٠٠]
لقد خرج عن منهج الله الصحيح طوائف من المسلمين، واتبعوا أهواءهم، فخالفوا منهج السلف، وجانبوا الصواب، وعلى رأس هؤلاء عمرو بن عبيد وواصل بن عطاء مؤسسا فرقة المعتزلة، والجهم بن صفوان والجعد بن درهم مؤسسا فرقة الجهمية، وكل يزعم أنه على الصواب والجادة، وهم أبعد عن الحق مما بين الشرق والغرب.
стр. 1159
قبض العلم بموت العلماء
نحمد الله على ما قضى وقدَّر، وعلى ما دبَّر ويسَّر، فهو أهل الحمد والثناء، يستحق الحمد على السراء والضراء، إذا ابتلى بالخير فهو أعلم بذلك وبمن يصلح له، وإذا ابتلى بالشر فهو أعلم بمن يبتليه، وبالأسباب التي يبتلي بها ولأجلها.
إذا مس بالخيرات عم سرورها وإذا مس بالضراء يعقبه الأجر في هذا المسجد قبل ثلاثة أيام شهدنا حشداً عظيماً، وجمعاً كبيراً، يجهِّزون ويودعون عالماً من علماء المسلمين، يحضرون من كل فج، ومن كل جهة؛ لأجل أن يشيعوه، وأن يحضروا الصلاة عليه، ألا وهو شيخنا الشيخ حمود بن عبد الله التويجري ﵀، الذي وافاه أجله قبل ثلاثة أيام، والذي فقد المسلمون به عالماً جليلاً، وشيخاً كبيراً، بذل جهده، وأفرغ وسعه، وقام لله تعالى بما يستطيع، وجاهد في الله حق جهاده، جاهد بقلمه، وجاهد بلسانه، ورد على أعداء الله الذين يحاولون النيل من كتاب الله، أو من سنة رسوله، أو من دينه، فأبطل كيدهم، ورد أباطيلهم، وبين الحق أوضح بيان، قد أعطاه الله ووهبه علماً وحفظاً وفهماً، وذاكرةً قويةً، ومعرفةً بالأدلة وبمواضعها، ومعرفةً بسبك الكلمات وبرصفها، وبكيفية جمعها، حتى تكون كافية ومقنعة.
لا شك أن فقد العلماء مصيبة عظمى، مصيبة كبيرة؛ لذلك قال النبي ﷺ : (إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من صدور الرجال؛ ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، فإذا لم يُبق عالماً اتخذ الناس رءوساً جهالاً، فسئلوا فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا) نخشى أن يقبض العلم من بيننا، ولا يبقى فينا من يكون أهلاً لتحمل العلم؛ لأجل ذلك يجب أن نبذل جهداً ووسعاً في أن نتحمل من العلم ما نكون أهلاً به أن نذبَّ عن دين الله، وأن نجاهد في سبيله، وأن نبلغ شريعته، وأن نقوم لله مثنى وفرادى كما يقوم العلماء المجاهدون العارفون بالله أمثال هذا الشيخ ﵀؛ مخافة أن يطغى الجهل على العلم، ويطغى الشرك على الإيمان، وتعظم المصيبة في هذا الدين، وتعظم البلوى بأعداء الدين.
وقد كان العلماء ﵏ دائماً يبكون على علمائهم إذا فقدوهم، ويخشون أن يكون هذا سبباً لنقص العلم ولتلاشيه، يقول ابن مشرف ﵀ في نظمه لرثاء العلم: على العلم نبكي إذ قد اندرس العلم ولم يبق فينا منه روح ولا جسم ولكن بقي رسم من العلم داثر وعما قليل سوف ينطمس الرسم وليس يفيد العلم كثرة كتبه فماذا تفيد الكتب إن فقد الفهم وعار على المرء الذي تم عقله وقد أُملت فيه المروءة والحزم إذا قيل ماذا أوجب الله يا فتى أجاب بـ (لا أدري) وأنى لي العلم وأقبح من ذا لو أجاب سؤالَه بجهل فإن الجهل مورده وخم نقول: إننا في زمان ينقص فيه العلم، والمراد: العلم الشرعي، العلم الحقيقي الذي هو العلم بالله وبآيات الله، والعلم بشريعته، والعلم بكتابه وبسنة نبيه، والعلم بتوحيده وبحقوقه، ولو كثر العلم الآلي الذي كثر ادعاؤه، وكثر تعلُّمه، العلوم الآلية، وعلوم الحرف، وعلوم الصناعات، والعلوم الدنيوية، لقد كثر الذين ينتحلونها ويتعلمونها واحداً بعد واحد، لا شك أن هذا من الإعراض عن العلم الأصلي.
стр. 1160
معنى الإسلام ووسطيته
قد قرأنا ما ذكره الطحاوي ﵀ من أن ديننا دين الإسلام، الذي لا يقبل الله من أحد ديناً غيره، هو أن يُسْلِم العبد قلبه وقالبه لربه، وأن يذعن له وينقاد، ويخضع له ويتواضع، وأن يعرفه بأسمائه وبصفاته، ويعرفه بما يجب أن يُعرف به، وأن يعبده حق عبادته، ويجاهد فيه حق جهاده.
следующие страницы →