Полный текст (1 175 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.
стр. 1086
من كرامات الصحابة
الكرامات التي تجري على أيدي الصالحين من عباده وقع كثير منها لبعض الصحابة، كالنصر والتأييد لهم في الوقائع التي يقلّ فيها عددهم، ويكثر عدد عدوهم، فإذا دعوا ربهم وسألوه استجاب لهم، ونصرهم وخذل عدوهم، وقد ذكروا من ذلك وقائع: منها: أن عمر كان يخطب، فبينما هو يخطب جرى على لسانه: يا سارية الجبل! يا سارية الجبل! وكان سارية أميراً لجيش يقاتل في بلاد الشام، وكان في ذلك الوقت قد حمي القتال، وسمع الصوت من بعيد ولا يدري أحد ما مصدره، فقال لأصحابه: لوذوا بالجبل، واجعلوه خلف ظهوركم حتى تغلبوا عدوكم، فانتصروا بإذن الله.
وذكروا: أن رجلاً جاء إليه، فقال: ما اسمك؟ قال: جمرة، قال: ابن من؟ قال: ابن شهاب، فقال: من أي قبيلة؟ فقال: من بني ضرام من الحرقة، فقال: ما أظن أهلك إلا قد احترقوا، فوجد الأمر كذلك، فهو سمع أن اسمه يدور حول هذه الأمور: حرارة وشهب وجمر ونحو ذلك.
ولما قتل عثمان ﵁ كان أول قطرة منها وقعت على المصحف على قوله تعالى: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة:١٣٧] ، فقال الصحابة: لا بد أن ينتقم الله من هؤلاء، وأن ينتصر الذين يحمون له، واستنبط ابن عباس من قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنصُورًا﴾ [الإسراء:٣٣] أن معاوية ومن معه سينتصرون؛ لأنهم يقاتلون لأجل قتل مظلوم وهو عثمان، فصار ذلك سبباً لانتصارهم، وأمروا ألا يسرفوا في القتل.
ومن الكرامات ما جرى على يدي بعض الصحابة في عهد النبي ﷺ ، فـ أسيد بن حضير وعباد بن بشر صحابيان من الأنصار، خرجا مرة إلى النبي ﷺ في ليلة مظلمة شديدة الظلمة، فأضاء لهما طرف سوط أحدهما نوراً يشع أمامهما في ذلك الظلام وفي تلك الطرق الضيقة، حتى إذا افترقا وذهب كل منهما إلى داره، افترق النور بينهما مع هذا شعبة، ومع هذا شعبة، إلى أن دخل كل منهما على أهل بيته، وذلك كرامة لهما.
وكان أسيد بن حضير مرة يقرأ في سورة الكهف، فلم يشعر إلا وسرج أمثال المصابيح قد نزلت عليه، وكان فرسه مربوطاً، فلما أحس بتلك الأنوار التي نزلت من السماء حاس الفرس وتحرك، فأسرع بالصلاة، وكان ابنه قريباً من الفرس فخشي عليه، فلما انصرف من الصلاة ورفع رأسه وإذا تلك المصابيح قد ارتفعت، فقال له النبي ﷺ : (اقرأ يا ابن حضير فتلك الملائكة نزلت لقراءتك) .
стр. 1087
الكرامات لا تدل على الأفضلية
ذكر العلماء أن الكرامات للتابعين أكثر منها في الصحابة، وذكروا أمثلة كثيرة وجدت في عهد كثير من التابعين ومن بعدهم، ولا شك أنها دالة على صلاحهم أو حاجتهم، ومع ذلك فالكرامة لا تدل على أفضيلة ذلك الشخص الذي جرت على يديه، فإذا قلنا -مثلاً-: لماذا لم تجر على يدي أبي بكر مثل ما جرى على يد عمر وعثمان وعلي ونحوهم؟ نقول: ليست الكرامات دليلاً على الأفضلية، وإنما هي إما لحاجة الذي جرت على يديه، وإما لمناسبة، وإما لقطع حجة خصم أو نحو ذلك؛ ولأجل ذلك لا نقول: إن الصحابة مفضولون حيث إن الكرامات فيهم قليلة، وهي في التابعين كثيرة.
وعلى كل حال فالكرامات هي: الأمور التي تجري على أيدي بعض الأولياء من عباد الله الصالحين المؤمنين خارقة للعادة كالأمثلة التي ذكرنا قبل قليل، وهذه الكرامات لا شك أنها دليل على صلاحهم وحسن استقامتهم وديانتهم، ومع ذلك يستدل بها كثير من العلماء -كـ ابن كثير ﵀ في التاريخ- على أنها معجزات للنبي ﷺ ؛ وذلك لأن هؤلاء ما حصلت لهم هذه الكرامات إلا باتباعهم لهذا النبي الكريم، فلما كانوا متبعين له سائرين على نهجه وطريقته حصلت لهم هذه الكرامات.
ذكروا عن أبي مسلم الخولاني أنه غضب عليه الأسود العنسي، فأوقدوا له ناراً وألقوه فيها، وصارت عليه برداً وسلاماً، وخرج ولم يحترق، فلما وفد إلى عمر ﵁ قال: الحمد لله الذي أرانا في أمة محمد من فعل به كما فعل بإبراهيم خليل الله، وأمر الصحابة أن يسلموا عليه كلهم، وأن يهنئوه.
يعني: الصحابة الذين كانوا عند عمر.
وكان العلاء بن الحضرمي قائداً لجيش في ساحل هذا الخليج الفارسي أو العربي، فحال بينهم وبين عدوهم البحر، فأرادوا أن يتبعوهم فلم يجدوا بُدَّاً من أن يخوضوا بخيولهم، فنزلوا في البحر وهم على خيولهم، ولم يفقدوا متاعاً أبداً، ولم يفقدوا شيئاً، وجعلت الخيل تسبح على البحر كما تسبح السفن، فلما رآهم الفرس قالوا: ما هؤلاء إلى شياطين! فهربوا، وأتى المسلمون إلى مكان العدو وانتصروا عليهم، ولم يفقد أحد منهم شيئاً من متاعه، وعدوا ذلك من كرامات ابن الحضرمي ﵀ ورضي عنه.
وهذه الكرامات من الله تعالى، وهو الموصوف بالعلم، يعلم حال عبده هذا، ويعلم حاجته، ويعلم إيمانه وطمأنينة قلبه، وهي من قدرة الله، فالله تعالى على كل شيء قدير، فهو الذي قدر هذا الأمر لهذا العبد، وأقدره على ذلك، وأجرى على يديه هذه الكرامة، وكذلك الله تعالى موصوف بالغنى، فهو الغني عما سواه، وهذه الكرامات دليل على أن الرب سبحانه هو الغني المغني الذي يعطي من يشاء ما يشاء بدون حاجة إلى أحد، فهذه الصفات التي هي العلم، والقدرة، والغنى، المتصف بها هو الله وحده، والكرامات لا تحصل إلا من الله الذي هو عليم بهذا العبد، وقادر على أن يعطيه، وغني لا تنقص خزائنه، ولا تحصل لأي بشر كما سمعنا في الآية التي استشهد بها الشارح، وهي قول الله تعالى: ﴿قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللَّهِ﴾ [الأنعام:٥٠] يعني: الخزائن عند الله تعالى وهو الغني المغني، ﴿وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾ [الأنعام:٥٠] علم الغيب لا يعلمه إلا الله تعالى ﴿وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ﴾ [الأنعام:٥٠] يعني: لا أقول لكم إني من الملائكة، بل إنما أنا بشر ضعيف لا قدرة لي إلا على ما أقدرني الله تعالى عليه.
وهذه الأمور حكاها الله تعالى عن نوح، وأمر بها نبيه ﷺ .
فكلما كان العبد أتقى لله كلما كان أقوم سبيلاً وأعرف بالله سبحانه، فإن ربه تعالى يجري على يديه عند حاجته ما يكون مقوياً لإيمانه.
وعرفنا أنه ليس كل من جرت على يديه هذه الخوارق أو هذه الكرامات يتفوق على من لم تجر عليه، فلا نقول مثلاً: إن ذلك العابد الذي يقال له: سحنون، ويحكون عنه كرامات، أشرف من الإمام الشافعي الذي لم تجر على يديه هذه الكرامات ولا بعضها، وكذلك بهلول ورابعة العدوية، فيحكون في تراجمهم أشياء كثيرة من الكرامات ونحوها، ولا توجد تلك الكرامات في تراجم الأئمة: مالك وأبي حنيفة ومحمد بن الحسن وشعبة بن الحجاج والليث بن سعد والإمام أحمد والإمام الشافعي وإسحاق بن راهوية ويحيى بن معين وعلي بن المديني ويحيى بن سعيد القطان وأشباههم من العلماء، لماذا لم تجر على أيديهم هذه الكرامات وقد جرت على أيدي أولئك العباد؟ نقول: لأن هؤلاء اكتفوا بما فتح الله عليهم من العلوم التي فيها العلم بالله وبشرع الله وبأحكامه وبأمره وبنهيه، فكانت مقوية لإيمانهم، فلا يحتاجون إلى أن يجري على يديهم كرامة، بخلاف سحنون وبهلول ورابعة وبشر بن الحارث والجنيد ومعروف وأشباههم فإن هؤلاء قد يكون في إيمانهم شيء من الرقة والضعف، فيجري الله على أيديهم أشياء من الكرامات؛ حتى يقوى إيمانهم، وحتى يثبتوا ويرسخوا، هكذا قال بعض العلماء، وإلا فلا مساواة بين العلماء الذين لهم مكانتهم في العلم ونحوه وبين العباد.
стр. 1088
طلب الكرامات
سمعنا ما حكاه الشارح أن بعضاً من الزهاد أو العباد إذا تنسك وتعبد فإنه يطلب من ربه أن يجري على يديه كرامة، ويحزنه إذا رأى فلاناً وفلاناً وسمع فلاناً وفلاناً جرت على أيديهم كرامات وخوارق عادات، فيبقى منكسراً، ويكثر من فعل الأسباب أو السؤال عن الأسباب التي تحصل له مثل هذه الكرامة، ويبقى حسيراً إلى أن يحصل على يديه شيء مما حصل على أيدي أمثاله.
فنقول: إن الأولياء والصالحين من عباد الله وعلماء الشريعة وعلماء الأئمة لم يكونوا يهتمون بأمور الكرامات، بل قد تجري على أيديهم بدون أن يطلبوها، وهم لا يطلبونها، ولا يحزنون لعدمها، فلا يحزن لعدم جريان كرامة على يديه إلا ضعفاء الإيمان ونحوهم.
وأما استجابة الدعاء فلا شك أن المسلم إذا دعا الله تعالى وأخلص في دعائه، ثم لم ير لدعائه أثراً فإنه يحزنه، ومع ذلك نقول له: لا تنقطع عن الدعاء، بل أكثر من دعاء الله تعالى، فإن دعوتك ولو لم تجب، ولو لم تر أثرها، فهذا لا يدل على أنك مردود، ولا تدل على أنك لست من أولياء الله، فقد أخبر النبي ﷺ أن المسلم إذا دعا الله تعالى فإن ربه يعطيه بدعوته أحد ثلاثة أشياء: إما أن يعجل له دعوته وما طلب، وإما أن يدفع عنه من الشر مثلها، وإما أن يدخرها له في الآخرة، فلا يخيب أحد إذا دعا الله تعالى، فليس شرطاً أن تجاب دعوتك كلما دعوت الله ، وليس كل من أجيبت دعوته يحكم عليه بأنه مستجاب الدعوة أو بأنه ولي من أولياء الله.
وعلى كل حال نقول: إن هذه الكرامات وخوارق العادات التي يجريها الله تعالى على أيدي بعض عباده هي إما ابتلاء وامتحان، وإما لحاجة ألمت بهم، وإما لفضيلة وميزة حصلوا عليها، ولا تكون دائماً، بل قد يحتاج أحدهم إلى كرامة أو إلى إجابة دعوة فلا تحصل له؛ لبعض الموانع ولبعض الأسباب كغيرهم من بني الإنسان.
стр. 1089
أقسام الكرامات
قال الشارح ﵀: [ولهذا كان الناس في هذه الأمور ثلاثة أقسام: قسم ترتفع درجتهم بخرق العادة، وقسم يتعرضون بها لعذاب الله، وقسم يكون في حقهم بمنزلة المباحات، كما تقدم.
وتنوع الكشف والتأثير باعتبار تنوع كلمات الله.
وكلمات الله نوعان: كونية ودينية: فكلماته الكونية هي التي استعاذ بها النبي ﷺ في قوله: (أعوذ بكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر) ، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٢] ، وقال تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾ [الأنعام:١١٥] ، والكون كله داخل تحت هذه الكلمات، وسائر الخوارق.
والنوع الثاني: الكلمات الدينية، وهي القرآن وشرع الله الذي بعث به رسوله وهي أمره ونهيه وخبره, وحظ العبد منها العلم بها والعمل، والأمر بما أمر الله به، كما أن حظ العباد عموماً وخصوصاً العلم بالكونيات والتأثر فيها، أي بموجبها.
فالأولى تدبيرية كونية، والثانية شرعية دينية، فكشف الأولى العلم بالحوادث الكونية، وكشف الثانية العلم بالمأمورات الشرعية.
وقدرة الأولى التأثير في الكونيات، إما في نفسه كمشيه على الماء، وطيرانه في الهواء، وجلوسه في النار، وإما في غيره، بإصحاح وإهلاك، وإغناء وإفقار.
وقدرة الثانية التأثير في الشرعيات، إما في نفسه بطاعة الله ورسوله والتمسك بكتاب الله وسنة رسوله باطناً وظاهراً، وإما في غيره بأن يأمر بطاعة الله ورسوله فيطاع في ذلك طاعة شرعية.
فإذا تقرر ذلك، فاعلم أن عدم الخوارق علماً وقدرة لا تضر المسلم في دينه، فمن لم ينكشف له شيء من المغيبات، ولم يسخر له شيئاً من الكونيات: لا ينقص ذلك في مرتبته عند الله، بل قد يكون عدم ذلك أنفع له، فإنه إن اقترن به الدين وإلا هلك صاحبه في الدنيا والآخرة، فإن الخارق قد يكون مع الدين، وقد يكون مع عدمه، أو فساده، أو نقصه.
فالخوارق النافعة تابعة للدين، خادمة له، كما أن الرياسة النافعة هي التابعة للدين، وكذلك المال النافع، كما كان السلطان والمال النافع بيد النبي ﷺ وأبي بكر وعمر، فمن جعلها هي المقصودة، وجعل الدين تابعاً لها ووسيلة إليها، لا لأجل الدين في الأصل: فهو شبيه بمن يأكل الدنيا بالدين، وليست حاله كحال من تدين خوف العذاب، أو رجاء الجنة، فإن ذلك مأمور به، وهو على سبيل نجاة، وشريعة صحيحة.
والعجب أن كثيراً ممن يزعم أن همه قد ارتفع عن أن يكون خوفاً من النار أو طلباً للجنة يجعل همه بدينه أدنى خارق من خوارق الدنيا!! ثم إن الدين إذا صح علماً وعملاً فلابد أن يوجب خرق العادة، إذا احتاج إلى ذلك صاحبه.
قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق:٢-٣] .
وقال تعالى: ﴿إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾ [الأنفال:٢٩] .
وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا * وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا * وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ [النساء:٦٦-٦٨] .
وقال تعالى: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ * لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾ [يونس:٦٢-٦٤] .
وقال رسول الله ﷺ : (اتقوا فراسة المؤمن، فإنه ينظر بنور الله، ثم قرأ قوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ [الحجر:٧٥] ) رواه الترمذي من رواية أبي سعيد الخدري ﵁.
وقال تعالى فيما يرويه عنه رسول الله ﷺ : (من عادى لي ولياً فقد بارزني بالمحاربة، وما تقرب إلي عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه، وما ترددت في شيء أنا فاعله ترددي في قبض نفس عبدي المؤمن، يكره الموت، وأكره مساءته، ولابد له منه) .
فظهر أن الاستقامة حظ الرب، وطلب الكرامة حظ النفس، وبالله التوفيق.
وقول المعتزلة في إنكار الكرامة: ظاهر البطلان، فإنه بمنزلة إنكار المحسوسات.
وقولهم: لو صحت لاشتبهت بالمعجزة، فيؤدي إلى التباس النبي بالولي، وذلك لا يجوز، وهذه الدعوى إنما تصح إذا كان الولي يأتي بالخارق ويدعي النبوة، وهذا لا يقع، ولو ادعى النبوة لم يكن ولياً، بل كان متنبئاً كاذباً، وقد تقدم الكلام في الفرق بين النبي والمتنبئ، وعند قول الشيخ: وأن محمداً عبده المجتبى ونبيه المصطفى.
ومما ينبغي التنبيه عليه ههنا: أن الفراسة ثلاثة أنواع: إيمانية: وسببها نور يقذفه الله في قلب عبده، وحقيقتها أنها خاطر يهجم على القلب، يثب عليه كوثوب الأسد على الفريسة، ومنها اشتقاقها، وهذه الفراسة على حسب قوة الإيمان، فمن كان أقوى إيماناً فهو أحد فراسة.
قال أبو سليمان الداراني ﵀: الفراسة مكاشفة النفس ومعاينة الغيب، وهي من مقامات الإيمان.
انتهى.
وفراسة رياضية، وهي التي تحصل بالجوع والسهر والتخلي فإن النفس إذا تجردت عن العوائق صار لها من الفراسة والكشف بحسب تجردها، وهذه فراسة مشتركة بين المؤمن والكافر، ولا تدل على إيمان، ولا على ولاية، ولا تكشف عن حق نافع، ولا عن طريق مستقيم، بل كشفها من جنس فراسة الولاة وأصحاب عبارة الرؤيا والأطباء، ونحوهم.
وفراسة خَلقية، وهي التي صنف فيها الأطباء وغيرهم، واستدلوا بالخَلق على الخُلق لما بينهما من الارتباط الذي اقتضته حكمة الله، كالاستدلال بصغر الرأس الخارج عن العادة على صغر العقل، وبكبره على كبره، وسعة الصدر على سعة الخلق، وبضيقه على ضيقه، وبجمود العينين وكلال نظرهما على بلادة صاحبهما وضعف حرارة قلبه ونحو ذلك] .
وأهل السنة والجماعة يصدقون بكرامات الأولياء، وهي تعتبر كرامة لمن جرت على يديه، ولا تعتبر نقصاً فيمن لم تحصل له تلك الكرامة، وهناك من أنكر تلك الكرامات كالمعتزلة، فادعوا أنها لو حصلت لحصل الاشتباه بينها وبين معجزات الأنبياء، وبين العلماء أن الخوارق تنقسم إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: معجزات، وهي تختص بالأنبياء، وليس في قدرة البشر أن يأتوا بمثلها، كمعجزات نبينا ﷺ ، ومعجزات موسى وعيسى وغيرهم، وهي التي ذكرت في السنة، وحكيت عن الأنبياء في القرآن.
القسم الثاني: كرامات أكرم الله بها بعض أوليائه الصالحين، ويعتبرها العلماء دالة على صدق نبوة الأنبياء؛ وذلك لأنها ما حصلت لهم إلا باتباعهم لأنبيائهم، فأتباع نبينا ﷺ حصلت لهم كرامات؛ بسبب إيمانهم وتصديقهم بنبيهم ﷺ ، وتمسكهم بشريعته، فكانت تلك الكرامات منة من الله عليهم، وتقوية لإيمان بعضهم، وقطعاً لحجة من خالفهم أو طعن في معتقدهم، وكذلك أجراها الله على أيديهم لإظهار الحق الذي هم عليه، وبيان صحة ما يدعون إليه، وكذلك أجراها الله للدلالة على أنهم على دين صحيح، وأن نبوته ﷺ نبوة حق ليس فيها فرية ولا توقف، وقد ذكر العلماء جملة كثيرة من تلك الكرامات، وأفردت بالتآليف، وذكروا أن الله تعالى أجراها على أيديهم كما أجرى المعجزات على أيدي الأنبياء؛ للدلالة على أن كل النبوات من عند الله تعالى، فكما أن الله جعل النار على إبراهيم برداً وسلاماً فكذلك من أمة محمد ﷺ مسلم عالم هو أبو إدريس الخولاني ألقي في النار ولم تضره، بل كانت عليه برداً وسلاماً، فكان في هذه الأمة من جرى له مثل ما جرى للخليل ﵇.
وكذلك جعل الله البحر لموسى طريقاً يبساً -كما أخبر بذلك- فسلكه هو وقومه ولم تبتل ثيابهم ولا أقدامهم، وجرى مثل ذلك للعلاء بن الحضرمي، حيث خاض البحر هو وجنده المقاتلون، ولم يفقدوا من متاعهم شيئاً، وكأن البحر يبس، فكانوا يسبحون فوقه دون أن يغرقوا فيه مع عمقه، وهذه كرامة للعلاء ﵀، وأمثال ذلك كثير.
القسم الثالث: الأحوال الشيطانية التي تجري على أيدي السحرة والمشعوذين، وهذه الأحوال الشيطانية هي ما يتمكن منه السحرة من الصرف والعطف وتغيير الحقائق وقلب الأشياء، وكذلك ما يفعلونه من قطع المسافات، ومن حمل الأثقال، والطيران في الهواء، ونحو ذلك في زمن قصير، وهذه الأحوال تسمى أحوالاً شيطانية، وهي تجري بسبب خدمتهم للشياطين، فهم يتقربون إلى الشياطين وإلى مردة الجن بما يحبون، فتجري على أيديهم المخارق، والشعوذة، والتغيرات النفسية، ولكنها تبطل بإذن الله إذا عولجت بالآيات القرآنية والأدعية النبوية.
فما يحصل من أعمال السحرة والمشعوذين ونحوهم، من صرف وعطف، وإلقاء بغضاء بين متحابين، وإلقاء تقابل قوي بين المتباغضين، وكذلك من تغيير لمزاج بعض الناس إذا عملوا له سحراً شيطانياً ونحو ذلك؛ فهذا لا يسمى كرامة ولا فضل فيه، بل هو من عمل الشياطين؛ وذلك لأن هؤلاء السحرة والكهنة ونحوهم يتقربون إلى الشيطان، ويذبحون له، ويطيعونه حتى يخدمهم ويطيعهم فيما يشيرون إليه، فتصير الشياطين والجن خدماً لهذا الكاهن الذي عبدهم وذبح لهم، وركع للشياطين وسجد، وأشرك بالله، فصار من خدمهم، فأصبح بذلك من أعوانهم، فهم يتلبسون به، وينطقون على لسانه، ويخبرون بالأشياء الغيبية والبعيدة ونحوها، وكذلك يخبرون بالغائب والمسروق وما أشبه
стр. 1090
شرح العقيدة الطحاوية [٩٣]
للساعة أشراط كبرى وصغرى، ومن أعظم علامات الساعة الكبرى نزول عيسى ﵇، وخروج الدجال، وطلوع الشمس من مغربها، وخروج يأجوج ومأجوج.
стр. 1091
الإيمان بأشراط الساعة
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقوله: (ونؤمن بأشراط الساعة: من خروج الدجال، ونزول عيسى ابن مريم ﷺ من السماء، ونؤمن بطلوع الشمس من مغربها، وخروج دابة الأرض من موضعها) .
عن عوف بن مالك الأشجعي قال: أتيت النبي ﷺ في غزوة تبوك، وهو في قبة من أدم فقال: (اعدد ستاً بين يدي الساعة: موتي، ثم فتح بيت المقدس، ثم موتان يأخذ فيكم كقعاص الغنم، ثم استفاضة المال حتى يعطى الرجل مائة دينار فيظل ساخطاً، ثم فتنة لا يبقى بيت من العرب إلا دخلته، ثم هدنة تكون بينكم وبين بني الأصفر؛ فيغدرون، فيأتونكم تحت ثمانين غاية تحت كل غاية اثنا عشر ألفاً) وروي: (رايغ) بالراء والغين، وهما بمعنى.
رواه البخاري، وأبو داود، وابن ماجة، والطبراني.
وعن حذيفة بن أسيد قال: (اطلع النبي ﷺ علينا ونحن نتذاكر الساعة، فقال: ما تذاكرون؟ قالوا: نذكر الساعة، فقال: إنها لن تقوم حتى ترون قبلها عشر آيات فذكر: الدخان، والدجال، والدابة، وطلوع الشمس من مغربها، ونزول عيسى ابن مريم ﷺ ، ويأجوج ومأجوج، وثلاثة خسوف: خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب، وآخر ذلك نار تخرج من اليمن تطرد الناس إلى محشرهم) رواه مسلم.
وفي الصحيحين -واللفظ للبخاري - عن ابن عمر ﵄ قال: ذكر الدجال عند النبي ﷺ فقال: (إن الله لا يخفى عليكم، إن الله ليس بأعور، وأشار بيده إلى عينه، وإن المسيح الدجال أعور عينه اليمنى، كأن عينة عنبة طافية) .
وعن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (ما من نبي إلا وأنذر قومه الأعور الدجال، ألا إنه أعور، وإن ربكم ليس بأعور، ومكتوب بين عينيه: ك ف ر) فسره في رواية: (أي: كافر) .
وروى البخاري وغيره عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (والذي نفسي بيده! ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكماً عدلاً، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد، حتى تكون السجدة خيراً من الدنيا وما فيها) ، ثم يقول أبو هريرة ﵁: اقرءوا إن شئتم: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ [النساء:١٥٩] ، وأحاديث الدجال وعيسى ابن مريم ﷺ ينزل من السماء ويقتله، ويخرج يأجوج ومأجوج في أيامه بعد قتله الدجال، فيهلكهم الله أجمعين في ليلة واحدة؛ ببركة دعائه عليهم، ويضيق هذا المختصر عن بسطها] .
стр. 1092
نزول عيسى ﵊
ابتدأ الطحاوي ﵀ وكذا الشارح في ذكر أشراط الساعة، وأن أهل السنة والجماعة يصدقون بما ذكر منها في القرآن، وما ذكر منها في السنة في الأحاديث الصحيحة الثابتة التي لا تردد فيها، فأما ذكر المسيح ابن مريم وأنه يخرج في هذه الأمة، فورد في تفسير قول الله تعالى في سورة النساء: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ [النساء:١٥٩] أن معنى هذه الآية: أن من أهل الكتاب من يدركونه فيؤمنون به قبل موته، أي: إن منهم إلا سوف يؤمنون به، ومتى يؤمنون به؟ إذا خرج في آخر الدنيا؛ وذلك أنه ورد في الحديث خروجه فقال ﷺ : (ليوشكن أن يخرج فيكم ابن مريم حكماً مقسطاً يقتل الخنزير، ويكسر الصليب، ويضع الجزية، ويفيض المال حتى لا يقبله أحد) فذكر له هذه الصفات: أنه يقتل الخنزير؛ وذلك لأن لحمه حرام، والنصارى يبالغون في أكله.
ويكسر الصليب؛ لأن النصارى يعبدونه، ويدعون أن عيسى قتل وصلب عليه، فيعظمونه لأنه صلب عليه ربهم أو ابن ربهم! تعالى الله عن قولهم.
وأنه يضع الجزية، فلا يقبل إلا الإسلام أو السيف، وفي هذه الشريعة معلوم أن الكتابيين تقبل منهم الجزية ويبقون على دينهم، لكن عيسى في آخر الزمان لا يقبل الجزية، بل يقاتلهم إلى أن يسلموا أو يقتلوا، وينصره الله ويظهره، ويفيض المال في زمانه حتى لا يقبله أحد، أي: يكثر المال بأيدي الناس، وذلك ببركة ينزلها الله تعالى، ففي بعض الأحاديث: (أن الله تعالى يبارك في الرسل -يعني: في اللبن- حتى تكفي اللقحة الفئام من الناس، ويبارك في الثمار، حتى يأكل الجماعة من الرمانة ويستظلون بقحفها) يجعلون قحفها -يعني: غلافها- كخيمة يستظلون به، وذلك من آثار البركة.
стр. 1093
خروج الدجال
خروج الدجال من الأمور الغيبية التي أخبر بها النبي ﷺ ووردت الإشارة إليه في القرآن؛ فكان من الإيمان بالغيب التصديق بخروجه؛ لأن الله مدح الذين يؤمنون بالغيب، أي: بما أخبروا به ولم يشاهدوه.
ورد في الحديث قوله ﷺ : (لا تقوم الساعة حتى تروا عشر آيات -وذكر منها- خروج الدجال) وهو الأعور الكذاب الذي يخرج في آخر الزمان، ويدعي أنه الرب، ويفتن به خلق، فيأتي إلى القرية فإذا عصته أصبحوا ممحلين، وإذا أطاعته أصبحوا منعمين، عقوبة وفتنة، ويدعو القرية الخربة فيتبعه ذهبها كيعاسيب النحل، واليعسوب هو: ذكر النحل الذي يتبعه بقية النحل.
وأخبر ﵊ أن هذا الدجال يبقى أربعين يوماً، ولكنها مختلفة، يوم كسنة، ويوم كشهر، ويوم كأسبوع، وباقي الأيام كأيامكم، فسألوا النبي ﷺ عن ذلك اليوم الطويل هل يكفيهم فيه خمس صلوات، فقال: (لا، اقدروا له) أي: اقدروا لكل صلاة ما بينها وبين الأخرى ثم صلوا.
وكذلك أخبر أن الدجال يقتله المسيح ابن مريم بباب لد، وهو موضع في الشام، فإذا رأى المسيحُ ابن مريم الدجالَ ذاب كما يذوب الملح في الماء، فيقتله ويزول بذلك أثره، بعدما يفسد في الأرض.
وقد كان ﷺ يكثر من الاستعاذة من الشيطان، ويكثر أن يستعيد من أعوان الشياطين ومنهم هذا الدجال الذي هو المسيح الدجال المنتظر، فيقول: (إذا تشهد أحدكم فليعوذ بالله من أربع: من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، وفتنة المحيا والممات، وفتنة المسيح الدجال) أي: تقول: أعوذ بالله، أو: اللهم إني أعوذ بك وتذكر هذه الأربع في آخر التشهد، ومن جملتها المسيح الدجال، من شر فتنته ومن شر أذاه.
وفي الحديث أنه ﷺ ذكر له علامة، وهي: أنه أعور العين اليمنى، كأن عينه عنبة طافية، ومعروف أن العنبة إذا أخذ ماؤها بقيت ملتصقة قشرتها بعضها ببعض، فعينه حدقتها منطفئة، فهي ملتصق جلدها بعضه ببعض، مثل العنبة إذا أخذ ماؤها.
وكذلك أخبر أنه مكتوب بين عينه: كافر، حروف مقطعة منفصلة: (ك) و (ف) و (ر) ، يقرأها كل من نظر إليه من أهل الإيمان، وإن لم يكن قارئاً؛ حتى لا ينخدع به.
ولكثرة الأحاديث التي وردت في الاستعاذة منه، وفي بيان شره؛ جعله العلماء من أشراط الساعة، وصاروا يحذرون من شره، ولكن مع الأسف أن بعض المعاصرين أنكروه لما رأوا أن الواقع لا يساعد عليه، فصاروا يتأولون الأحاديث التي وردت فيه، ويصرفونها عن ظاهرها، حتى قال بعضهم: إن المراد بالدجال الشرور التي تحصل في آخر الزمان، والمنكرات، وغفلوا عن قوله ﵇: (إنه أعور العين اليمنى، كأن عينه عنبة طافية) ، وغفلوا عن أنه يدعو الناس ويفتنهم، وأنه يسلط على البلاد كلها، ما عدا مكة والمدينة، فإن الله يجعل عليهما ملائكة يحمونهما منه، ولكن المدينة ترجف ثلاث رجفات، فيخرج إليه من كان منافقاً، وغفلوا أيضاً عن أوصافه التي وصف بها، من أن بين عينيه كافر، ومن أنه إنسان يجول ويتقلب في البلاد، وأنه يسير بسرعة السحاب، فيقطع الأرض بسرعة.
هذا وكثير مما يكون معه من الخوارق هي من الأحوال الشيطانية، فإن هذه التي تجري على يديه أحوال شيطانية، حتى إنه يقطع الرجل قطعتين ثم يقول له: قم، فيقوم، وأنه إذا عصته أهل قرية أصبحوا ممحلين، قد جفت بلادهم، وإذا أطاعته بلدة أصبحوا في رفاهية ونعمة، وذلك دليل على أنه فتنة يخرجها الله للناس حتى يفتن بها العباد، فمن ثبته الله ورزقه علماً وبصيرة لم يزدد بأمره إلا بصيرة، ومن أراد الله فتنته فإنه ينخدع به.
وقد أكثر العلماء من الكلام عن المسيح الدجال، وعن المسيح ابن مريم، وذكروا عليهما أدلة كثيرة، وقد تكلم ابن كثير ﵀ عن ذلك في آخر تفسير سورة النساء عند قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ [النساء:١٥٩] ، فأطال الكلام في ذكر المسيح ابن مريم ونزوله، والآيات التي تدل على خروجه، وذكر الأحاديث، واستقصى غالباً ما ورد في ذلك.
وأما ذكر المسيح الدجال فذكره ﵀ في النهاية التي في آخر تاريخه، أي: في ذكر أشراط الساعة، وأطال في ذلك، وكذلك ألفت كتب في ذلك كثيرة من العلماء المتقدمين والمتأخرين، ومن أوفى من كتب في ذلك الشيخ حمود التويجري في كتابه المشهور الذي يسمى: إتحاف الجماعة في أشراط الساعة، فإن الجزء الثاني كله يتعلق بالأشراط المذكورة في هذه الكلمات، وقد توسع فيها، وأورد كل ما وقف عليه أو يصله من إيراد، وهكذا غيره، فنؤمن بهذه الأشياء وإن لم نرها.
стр. 1094
خروج دابة الأرض
دابة الأرض ذكرت في قول الله تعالى في سورة النمل: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لا يُوقِنُونَ﴾ [النمل:٨٢] ، وقد تكلم ابن كثير في تفسيره عند هذه الآية عليها، وذكر الأدلة التي يمكن الاستدلال بها، والأحاديث التي وردت فيها، ولكن معلوم أن أكثر ما ذكر فيها لم يصح، مثل أنها دابة عظيمة، وأن طولها كذا وكذا، وأن معها عصا موسى، وأن معها خاتم سليمان، وأنها تجعل على المؤمن علامة الإيمان، وعلى الكافر علامة الكفر، حتى أن الناس يتبايعون بعد ذلك، فيقول هذا: يا مؤمن، وهذا: يا كافر، وما أشبه ذلك؛ فأكثر تلك الأحاديث لم تثبت، ولكن فيها أحاديث ثابتة، وفيها النص القرآني في هذه الآية: ((دَابَّةً مِنَ الأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ)) .
стр. 1095
طلوع الشمس من مغربها
طلوع الشمس من مغربها استدل عليه بقول الله تعالى في آخر سورة الأنعام: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام:١٥٨] قيل: إن هذه الآية التي إذا أتت لم ينفع أحداً إيمانه إذا لم يكن مؤمناً: طلوع الشمس من المغرب، وإذا طلعت يقول الناس: آمنا، فلا ينفعهم حينئذٍ إيمانهم، وفي ذلك الوقت يقرب انتهاء الحياة الدنيا، وتقرب قيام الساعة، وهذه علامة من العلامات، وقد استوفى أدلتها ابن كثير في آخر تاريخه في النهاية، وكذلك غيره ممن كتبوا في أشراط الساعة، وأنكرها في هذه الأزمنة من أنكر كثيراً من الغيبيات، وادعوا أنه لا يمكن أن تطلع الشمس من المغرب، فإن العادة جارية بأن الشمس تطلع من جهة مشرقها، ولا يتغير هذا الكون إلا تغيراً كلياً، وهذا على قول من يقول: إن الشمس ثابتة وإن الأرض هي المتحركة، ولكن هذا أيضاً يرد عليهم، والدليل الواضح يدل على أن الشمس تطلع من مغربها، وأن الناس إذا رأوا ذلك آمنوا، وحينئذ لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً.
стр. 1096
الدخان
الدخان المذكور في هذا الحديث قيل: إنه المذكور في سورة الدخان في قول الله تعالى: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ * يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الدخان:١٠-١١] ، وقد ذهب بعض الصحابة: إلى أنه شيء قد مضى، ومنهم ابن مسعود، قال: إن الدخان قد مضى، وأن المراد به الجوع الذي حصل لقريش لما دعا عليهم النبي ﷺ بسبع سنين تصيبهم كسبع يوسف لما لم يطيعوه، فأصابتهم سنة، يعني: قحط، فتأخر عليهم المطر، حتى أكلوا الجلود، وصار أحدهم من شدة الجوع ينظر إلى ما بينه وبين السماء فينظر كهيئة الدخان من الغشاوة التي على أبصارهم، فكان ذلك هو الدخان الذي ذكر في هذه الآية: ((يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ)) ، وهذا تفسير ابن مسعود، والجمهور: على أنه لم يأت، وأنه شيء يكون بين يدي الساعة، وأنه دخان حقيقي يغشى الكثير من الناس كما تغشاهم الرياح، وكما يغشاهم الغبار، بحيث يحول بينهم وبين نظرهم إلى السماء أو نحو ذلك، وأنه يعم البلاد، وهذا هو الذي ورد في بعض الأحاديث، وهو من جملة أشراط الساعة.
وبكل حال يحتمل أنه الذي ذكره ابن مسعود، وأنه ما حصل لقريش من الجهد حتى رءوا بينهم وبين السماء مثل الدخان، أو أنه شيء منتظر، والآية محتملة لذلك.
كذلك أيضاً من أشراط الساعة ما ذكر في بعض الأحاديث من البطشة، ولكن قيل: إنها مضت، وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى﴾ [الدخان:١٦] الصحيح أنها قد وقعت، وأنها غزوة بدر.
وقيل: إن من أشراط الساعة اللزام المذكور في آخر سورة الفرقان: (فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا﴾ [الفرقان:٧٧] ، وقيل: إن هذا اللزام هو القحط والعذاب الذي وقع بقريش لما لم يطيعوا النبي ﷺ ، وقيل: إنه عذاب مستمر مستقبل، وسوف يحصل، ولعل الأقرب ما ذكر أنه ما نزل بهم من القحط الذي نزل بهم مدة طويلة، حتى هرعوا إلى النبي ﷺ ، وطلبوا منه أن يدعو لهم، فدعا لهم، فرحمهم الله، وأزال عنهم القحط الذي نزل بهم.
стр. 1097
بعثة النبي ﵊ وموته
من أشراط الساعة التي ذكرت في الأحاديث: موت النبي ﷺ ، بل إن بعثته تعتبر من أشراط الساعة، يقول الله تعالى: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل:١] أي: قرب، ويقول تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر:١] ، ويقول: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء:١] أي: قرب وقت الحساب، وكل هذا دليل على قرب الساعة، وقال تعالى: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾ [محمد:١٨] ، ويقولون: إن من أكبر أشراطها بعثة النبي ﷺ ، فموته بعد بعثته شرط من أشراط الساعة.
أخبر النبي ﵊ في الأحاديث عن أشياء قد حصلت أو سوف تحصل ولا بد، فإخباره بالفتنة والهرج والخلاف الذي حصل بين المسلمين أمر قد وقع، وكذلك إخباره بالموتان قد حصل، وهو ما حصل في صدر الإسلام من الموت الذريع إما بسبب الفتن وإما بسبب الأمراض التي حصلت، فمات فيها خلق كثير، وهذا معنى قوله: (موتان) ، يعني: موت ذريع كبير كثير.
стр. 1098
فتح بيت المقدس
من أشراط الساعة فتح بيت المقدس، وقد فتحت في خلافة عمر ﵁، وقد غزا بنفسه إلى أن وقف عليها ففتحت بيت المقدس، ثم تغلب عليها بعد ذلك الإفرنج أثناء الحروب الصليبية، وبقي بأيديهم نحو مائة وثمانين سنة، ثم استعادها المسلمون وفتحت فتحاً مبيناً، واستولى عليها المسلمون بقيادة صلاح الدين الأيوبي، ثم في هذه الأزمنة استولوا عليها مرة ثانية، ولعل الله أن يعيد للمسلمين الكرة حتى يفتحوها ويعيدوها بلدة إسلامية كما أخبر بهذا الحديث في قوله: (فتح بيت المقدس) .
стр. 1099
الخسوفات الكبيرة
الخسوف كثيرة، ولعل التي تكون من أشراط الساعة هي الخسوف الكبيرة، خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب، وقد يكون منها أيضاً الزلال التي تحصل في كثير من البلاد، وقد تكون من العقوبات التي يعاقب الله بها بعض عباده في بعض الأزمنة إذا حصل منهم ذنوب أو تهاون بحقوق الله تعالى وبحدوده.
стр. 1100
نار تخرج من المدينة
أخبر ﷺ : (أنه يخرج من المدينة نار شديدة الضوء، تضيء لها أعناق الإبل ببصرى) وهي من قرى الشام، وقد حصلت هذه النار في القرن السابع، فخرجت في الحرة التي في شرق المدينة نار شديدة الضوء ترتفع أكثر من عشرين متراً، لها لهب ولكنها لا تحرق السعف، وإنما تحرق الحجارة، تشتعل النار بالحجارة وتتقد بها، ويلقى فيها السعف والخوص فلا يشتعل، واستمرت أكثر من شهر في شرق المدينة، وانزعج الناس منها، وعرفوا أنها ما أخبر به النبي ﵊ في هذه الأحاديث، وذكر أن أهل بصرى رأوا ضوءها، وأنهم رأوا أعناق الإبل في ظلمة الليل بواسطة ضوئها، فوصل ضوءها إلى تلك الأماكن البعيدة.
стр. 1101
نار تخرج من قعر عدن
من أشراط الساعة نار تخرج من قعر عدن، أي: أنها تخرج من أقصى اليمن، فتحشر الناس وتسوقهم إلى محشرهم، تقيل معهم حيث قالوا، وتبيت معهم حيث باتوا، وهذه من آخر أشراط الساعة.
وبكل حال فإن المسلم يصدق بما ورد في هذه الأحاديث من أشراط الساعة ويؤمن بها، وإن أنكرها بعض من استبعد وقوع ذلك، وادعى أن هذه أمثلة ضربت للتقريب أو تأولها بتأويلات بعيدة، فلا عبرة بقول المتأولين.
стр. 1102
أول الآيات خروجاً
قال رحمه الله تعالى: [وأما خروج الدابة وطلوع الشمس من المغرب، فقال تعالى: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لا يُوقِنُونَ﴾ [النمل:٨٢] ، وقال تعالى: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا قُلِ انتَظِرُوا إِنَّا مُنتَظِرُونَ﴾ [الأنعام:١٥٨] .
وروى البخاري عند تفسير الآية عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا رآها الناس آمن من عليها، فذلك حين لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل) .
وروى مسلم عن عبد الله بن عمرو قال: حفظت من رسول الله ﷺ حديثاً لم أنسه بعد، سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إن أول الآيات خروجاً طلوع الشمس من مغربها، وخروج الدابة على الناس ضحى، وأيهما ما كانت قبل صاحبتها فالأخرى على إثرها قريباً) أي: أول الآيات التي ليست مألوفة، وإن كان الدجال، ونزول عيسى عليه الصلاة السلام من السماء قبل ذلك، وكذلك خروج يأجوج ومأجوج، كل ذلك أمور مألوفة؛ لأنهم بشر مشاهدة مثلهم مألوفة، وأما خروج الدابة بشكل غريب غير مألوف، ثم مخاطبتها الناس، ووسمها إياهم بالإيمان أو الكفر؛ فأمر خارج عن مجاري العادات، وذلك أول الآيات الأرضية، كما أن طلوع الشمس من مغربها على خلاف عادتها المألوفة أول الآيات السماوية، وقد أفرد الناس في أحاديث أشراط الساعة مصنفات مشهورة، يضيق على بسطها هذا المختصر] .
الدابة من الآيات التي ذكرت في الأحاديث التي مرت، وورد ذكرها في القرآن في هذه الآية في آخر سورة النمل: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ﴾ [النمل:٨٢] ، ووصف الدابة، وطولها، وما معها وارد في أحاديث.
وأما طلوع الشمس من مغربها فذكر في الآية التي في آخر سورة الأنعام وهي قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام:١٥٨] ، فذكرت أن هذه الآية إذا خرجت وحصلت لم ينفع أحداً إيمانه، وفي الحديث أن هاتين الآيتين: الدابة وطلوع الشمس متقاربتان، إذا حصلت إحداهما تبعتها الأخرى.
стр. 1103
خروج يأجوج ومأجوج
ذكر الشارح أن خروج عيسى ابن مريم، وكذلك الدجال قبل طلوع الشمس من مغربها وخروج الدابة، ومعلوم أنهم من جنس البشر، فلا يستنكر خروجهم، وإنما أخبر بخروجهم كأمر غيبي، ولكن ليعلم أنهم ولو كانوا من البشر لكن لهم شأن، وكذلك خروج يأجوج ومأجوج، وقد ورد ذكرهم في القرآن، قال تعالى في آخر سورة الأنبياء: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ﴾ [الأنبياء:٩٦] ، وقد أخبر الله تعالى أن ذا القرنين بنى دونهم حاجزاً منيعاً، وسداً شديداً، وهو المذكور في آخر سورة الكهف في قوله: ﴿إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا﴾ [الكهف:٩٤] يعني: بناءً منيعاً يسد ما بيننا وبينهم حتى لا يتسلقوه ولا يصلوا إلينا، فعمل ذلك ذو القرنين وأمرهم أن يأتوه بزبر الحديد، أي: أكوام الحديد، ثم أوقد عليه، وقال: انفخوا، فلما أوقد عليها وذاب الحديد، جعله بين جبلين، فأصبح سداً منيعاً، وهو المذكور في قوله: ﴿آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انفُخُوا﴾ [الكهف:٩٦] إلى آخر الآيات، ثم قال: ﴿قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا﴾ [الكهف:٩٨] .
وقد أخبر النبي ﷺ أنهم سوف يحفرون هذا السد ويخرجون، وفي بعض الأحاديث عن زينب ﵂ قالت: دخل علي النبي ﷺ فزعاً فقال: (ويل للعرب من شر قد اقترب! فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه، وحلق بين أصبعيه السبابة والإبهام، قالت زينب: يا رسول الله! أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم، إذا كثر الخبث) وأخبر أنهم إذا خرجوا يعيثون في الأرض فساداً؛ وذلك لأنهم خلق كثير لا يعلم عددهم إلا الله، فإذا خرجوا امتصوا ما على الأرض من البحيرات والأنهار، حتى يمروا على بحر طبرية، فيشربون ما فيه، ويقول آخرهم: لقد كان في هذا المكان مرة ماءٌ، ويكون ذلك في زمن عيسى، فيدعو عيسى الله تعالى عليهم، فيسلط الله عليهم عقاباً وهو دود يخرج في رقابهم، فيصبحون موتى كموت رجل واحد، فعند ذلك تنتن الأرض من زهمهم، فيرسل الله طيراً تحملهم وتلقيهم في البحار، وينزل مطراً، وتصبح الأرض كالصدفة قد طهرت، ثم ينبت الله النبات بعد ذلك المطر وينزل البركة إلى آخر ما ذكر في الحديث الذي في صحيح مسلم وغيره.
هذه الأحاديث ثابتة في الصحاح، ورواها الأئمة بأسانيد ثابتة؛ ولذا اعتقد أهل السنة صحتها، وآمنوا بها، وإن قصرت العقول عن إدراك معانيها، فيفوضون كيفياتها كما يفوضون كيفيات الإيمان بجميع المغيبات.
стр. 1104
شرح العقيدة الطحاوية [٩٤]
إتيان السحرة من كبائر الذنوب، والسحرة كفرة، وقد حذر العلماء منهم، وبينوا حقيقتهم وما يجب على الولاة من منع شرهم، وكف الرعاع عن التردد إليهم.
стр. 1105
بيان حقيقة الكهنة والتحذير من سؤالهم وتصديقهم
قال المصنف ﵀: [قوله: (ولا نصدق كاهناً ولا عرافاً، ولا من يدعي شيئاً يخالف الكتاب والسنة وإجماع الأمة) .
روى مسلم والإمام أحمد عن صفية بنت أبي عبيد، عن بعض أزواج النبي ﷺ عن النبي ﷺ قال: (من أتى عرافاً فسأله عن شيء، لم تقبل له صلاة أربعين ليلة) .
وروى الإمام أحمد في مسنده عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: (من أتى عرافاً أو كاهناً فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد) .
والمنجم يدخل في اسم العراف عند بعض العلماء، وعند بعضهم هو في معناه.
فإذا كانت هذه حال السائل، فكيف بالمسئول؟ وفي الصحيحين ومسند الإمام أحمد عن عائشة قالت: (سأل رسول الله ﷺ ناس عن الكهان؟ فقال: ليسوا بشيء فقالوا: يا رسول الله إنهم يحدثون أحياناً بالشيء يكون حقاً؟ فقال رسول الله ﷺ : تلك الكلمة من الحق يخطفها الجني فيقرقرها في أذن وليه، فيخلطون معها أكثر من مائة كذبة) .
وفي الصحيح عنه ﷺ أنه قال: (ثمن الكلب خبيث، ومهر البغي خبيث، وحلوان الكاهن خبيث) .
وحلوانه: الذي تسميه العامة حلاوته.
ويدخل في هذا المعنى ما يعاطاه المنجم وصاحب الأزلام التي يستقسم بها، مثل الخشبة المكتوب عليها (أب ج د) والضارب بالحصى، والذي يخط في الرمل، وما يعاطاه هؤلاء حرام.
وقد حكى الإجماع على تحريمه غير واحد من العلماء، كـ البغوي والقاضي عياض وغيرهما.
وفي الصحيحين عن زيد بن خالد قال: (خطبنا رسول الله ﷺ بالحديبية، على إثر سماء كانت من الليل، فقال: أتدرون ماذا قال ربكم الليلة؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: قال: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر بي، فمن قال: مطرنا بفضل الله ورحمته، فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب، وأما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا، فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب) .
وفي صحيح مسلم ومسند الإمام أحمد عن أبي مالك الأشعري أن النبي ﷺ قال: (أربع في أمتي من أمر الجاهلية، لا يتركونهن: الفخر في الأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة) .
والنصوص عن النبي ﷺ وأصحابه وسائر الأئمة، بالنهي عن ذلك أكثر من أن يتسع هذا الموضع لذكرها] .
قال الله تعالى: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ * تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ * يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ﴾ [الشعراء:٢٢١-٢٢٣] ، وفي الحديث: سئل النبي ﷺ عن الكهان فقال: (ليسوا بشيء) يعني: كذبة، ليسوا على يقين، ولا على دين، فقال الناس: إنهم يحدثوننا بالأمر فيكون حقاً، فيقولون: في اليوم الفلاني يحصل مطر، أو رعد، أو صواعق، أو ريح، مع أنه قد يحصل في اليوم الفلاني أن يمرض فلان، أو يموت فلان، أو ما أشبه ذلك، فقال النبي ﷺ : (تلك الكذبة تخطفها الشياطين فتلقيها على ألسنة الكهنة، فيزيدون فيها أكثر من مائة كذبة) .
وفي حديث أبي هريرة المشهور أن النبي ﷺ قال: (إذا قضى الله الأمر في السماء، ضربت الملائكة بأجنحتها خضعاناً لقوله، كأنه سلسلة على صفوان، فإذا سمع ذلك أهل السماء صعقوا وخروا لله سجداً، فيكون أول من يرفع رأسه جبريل، فيكلمه الله من وحيه بما يشاء، ثم يمر جبريل على الملائكة، كلما مر على سماءٍ سأله ملائكتها: ماذا قال ربنا؟ فيقول: قال الحق وهو العلي الكبير، فيسمعها مسترق السمع، ومسترق السمع هكذا بعضه فوق بعض، وصفه سفيان بكفه فحرفها وبدد بين أصابعه، فيسمع الكلمة فيلقيها إلى من تحته، ثم يلقيها الآخر إلى من تحته، حتى يلقيها على لسان الساحر أو الكاهن، فربما أدركه الشهاب قبل أن يلقيها، وربما ألقاها قبل أن يدركه، فيكذب معها مائة كذبة، فيقول الناس: أليس قد قال لنا: يوم كذا وكذا كذا وكذا؟ فيصدق بتلك الكذبة التي سمعت من السماء) يعني: أن الناس لا يعتبرون بمائة كذبة، ولكن يصدقون الكذب الكثير لتلك الكلمة التي اختطفها الجني من السماء، فيصدقونه بما يخبرهم به مما تلقيه عليه شياطين الجن.
وهؤلاء الكهنة الذين هذا حالهم ما حكمهم؟ في صحيح مسلم عن حفصة أم المؤمنين ﵂ أن النبي ﷺ قال: (من أتى كاهناً فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين يوماً) ، وذكر العلماء أنه إذا تاب وندم فإنها تجزيه ولا يعيدها، ولكن عقوبته على فعله أنها لا تقبل منه، سيما إذا أتاه وهو يقدسه، ويرفع مكانته، ويعترف بميزته أو بفضله، أو نحو ذلك.
وعن عمران بن حصين وعن غيره أن النبي ﷺ قال: (من أتى كاهناً فسأله عن شيء فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ وهذا أشد من الحديث الذي قبله، ولعل السبب أن هذا صدقه بكل ما يقول، صدقه في هذه المسألة وغيرها، واعتقد أنه صادق، وأن له ميزة وخصوصية، أو اعتقد أنه ملهم، أو اعتقد أنه ينزل عليه وحي، أو اعتقد أنه يعلم الغيب الذي لا يعلمه إلا الله، فعقوبة هذا الذي صدقه في كل ما يقول أنه يحكم بكفره، فيحكم بكفر السائل للكاهن المصدق بكل ما قال.
يقول الشارح ﵀: إذا كانت هذه حالة السائل، فكيف بحالة المسئول؟! الذي هو الكاهن، فإن كفره أشد، وخروجه من الإسلام أبعد وأبعد، فالسائل المصدق بما يقول حكم بكفره، قيل: معناه أنه كفر بما أنزل في أمور الغيب، وأن الغيب لا يعلمه إلا الله، فالأمور المغيبة علمها عند الله، قال تعالى لنبيه ﷺ : (وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ) يعني: لا أعلم المغيبات، وقال في آية أخرى: ﴿قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾ [الأعراف:١٨٨] ، وقال تعالى: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل:٦٥] ، فإذا كان حال نبينا ﷺ أنه يقول: (وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ) أي: لا أعلم ما في القلوب، ولا أعلم الأمور المغيبة، إنما الذي يعلمها الله وحده (لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ) ؛ فكيف بحال غيره من هؤلاء المتكهنة ونحوهم؟! فهذا حكم السائل، وهذا حكم المسئول.
стр. 1106
كسب الكاهن والمنجم والساحر خبيث
أخبر النبي ﷺ بخبث كسب الكهنة في قوله: (مهر البغي خبيث، وثمن الكلب خبيث، وحلوان الكاهن خبيث) وحلوان الكاهن هو: ما يبذل له إذا أخبر، فإذا جاءه إنسان وقال: أخبرني بمكان دابتي التي فقدت، أخبرني بمكان مالي الذي سرق أو نحو ذلك، فيستوحي من شيطانه ويقول: دابتك في الشعب الفلاني، وعلامتها أن فيها كذا وكذا ونحو ذلك، فيعطى مالاً على إخباره، فهذا المال الذي أعطيه يعتبر خبيثاً، ونسميه سحتاً وأي سحت.
وذلك لأنه أخذه على شيء محرم، وهو ادعاء علم الغيب.
ويدخل في ذلك من يسمى بالمنجم، ومن يسمى بالعراف، وكذلك الساحر، فهؤلاء: الكاهن، والساحر، والعراف، والمنجم، والرمال، والضراب، ونحوهم؛ كلهم يتدخلون فيما لا يعنيهم، فأما الكاهن فهو الذي يدعي معرفة المغيبات، ويخبر عما في الضمير، يقول: هذا يحدث نفسه بكذا، أو يخبر بمكان مسروق، يقول: مالك المسروق في المكان الفلاني، في البيت الفلاني، فتخبره شياطينه.
أما المنجم، فهو الذي يدعي علم الغيب بسير النجوم، يقول: علامة المطر أن يكون هذا النجم في المكان الفلاني في الليلة الفلانية فينزل مطر، أو ينزل برق، أو ما أشبه ذلك، وهذا بلا شك تدخل في علم الغيب الذي لا يعلمه إلا الله، وكذلك ادعاء أن هذه النجوم هي التي تنزل المطر.
وفي الحديث الصحيح أن النبي ﷺ صلى بأصحابه مرة في الحديبية، فلما انصرف من الصلاة -وكان قد أصابهم مطر في تلك الليلة- قال: (أتدرون ماذا قال ربكم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: قال: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته؛ فذلك مؤمن بي، كافر بالكوكب، وأما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا -النوء: النجم الذي ينوء أي: يطلع- فذلك كافر بي، مؤمن بالكوكب) أي: جعل الكوكب هو الذي يؤثر في الكون، وهو الذي يثير السحب، وهو الذي ينزل المطر، وذلك كله حق الله تعالى، فهو الذي ينفرد بذلك، يقول الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ [الأعراف:٥٧] ، ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ﴾ [الروم:٤٦] يعني: تبشر بالرحمة وبالمطر، فيرسل الله الرياح فتثير السحاب، ويحمل الله السحاب ماء فيصرفه الله تعالى حيث يشاء، وينزله حيث يشاء: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا﴾ [الفرقان:٥٠] صرفناه يعني: جعلنا المطر على هذه الأرض أكثر، وعلى هذه أقل، كيف يشاء الله تعالى.
إذاً: فليس للكواكب تأثير، فمن ادعى أن النجوم لها تأثير فإنه ممن يتدخل فيما لا يعنيه، ويقول على الله تعالى بغير علم.
قال النبي ﷺ : (أربع من أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن: الفخر بالأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة) فالفخر بالأحساب: كون الإنسان يفتخر بآبائه وبأجداده الذين ماتوا، وقد ورد في الحديث: (لينتهين أقوام يفتخرون بآبائهم الذين ماتوا أو ليكونن أهون على الله من الجعل) ، ويروى عن النبي ﷺ أنه قال: (لا فضل لعربي على عجمي، ولا لأسود على أبيض إلا بالتقوى) .
والطعن في الأنساب: هو العيب فيه، بأن يقول هذا ليس ابناً لفلان، أو ليس من آل فلان، أو نحو ذلك.
والاستسقاء بالنجوم: هو أن يقال: مطرنا بنوء كذا وكذا، هذا النجم فيه كذا، وكان الجاهلية يقولون: هذا نوء كذا وكذا، والنوء: هو النجم الذي ينوء يعني: يطلع، فكذبهم الله فقال تعالى: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة:٨٢] أي: الرزق الذي ينزله الله تعالى على عباده تجعلونه من غير الله، تجعلون رزقكم الذي سخره الله لكم ورزقكم إياه، تجعلونه منسوباً لغيره، فتنسبونه إلى النوء، وإلى النجوم، ولا شك أن النجوم مذللة ومسخرة.
стр. 1107
من الكهانة الخط في الرمل وضرب الحصى والاستقسام بالأنواء
الرمّال هو الذي يخط في الرمل، ويدعي معرفة الغيب به، فإذا جاءه إنسان ليستشيره، وقال: هل أفعل هذا أم لا أفعل؟ هل أسافر في هذا اليوم أم لا؟ هل أتزوج هذه المرأة أم لا؟ هل أبيع هذه السلعة بهذا الثمن أم لا؟ يقول: دعني أخط لك، فيأتي بعصا، ويخط خطوطاً كثيرة في الرمل بسرعة حتى لا يعرف حسابها، ثم يرجع فيمحو اثنين اثنين اثنين اثنين حتى ينظر الباقي، فإن بقي خط قال: افعل، وإن بقي اثنان قال: لا تفعل، وهذا بلا شك تدخل في علم الغيب، ما هذه الخطوط؟ وما فائدتها؟ هي لا تدل على صواب، ولا على خطأ، وليست علامة على معرفة الأمور المستقبلة، ولا على صدق هذا، ولا على كذبه.
ومثله أيضاً الضرّاب بالحصى، يجمع عنده حصىً كثيرة، فإذا جاءه إنسان يستشيره، يأخذ منها ويرمي ويرمي إلى أن يجعل حصىً كثيراً متراكماً، ثم يأخذ منه حجرين حجرين حتى ينظر هل يبقى واحد أم يبقى اثنان، فإن بقي واحد تفاءل، وإن بقي اثنان تشاءم، وهو قريب من فعل الرمّال الذي يخط في الرمل، وهؤلاء كلهم من الذين يتدخلون في الأمور الغيبية، ولا شك أنهم يقولون على الله ما لا يعلمون، وأنهم يدعون معرفة الغيب، والغيب لا يعلمه إلا الله.
وكذلك المستقسم بالأزلام، وهي عبارة عن حجارة كان أهل الجاهلية يستقسمون بها، فأبطلها الإسلام، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ [المائدة:٩٠] ، فجعلها رجساً، والرجس: هو النجس، وقال تعالى لما ذكر المحرمات: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ﴾ [المائدة:٣] إلى قوله: ﴿وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالأَزْلامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ﴾ [المائدة:٣] ، كان أهل الجاهلية يجعلون هذه الأزلام في كيس، فإذا أرادوا أمراً من الأمور استقسموا، فجاءوا إلى ذلك الكيس فنقضوه، ثم أخرجوا منه واحداً، فإن خرج الذي يقول له: افعل؛ فعلوا، وإن خرج الذي يقول: لا تفعل؛ تركوا، وإن خرج المهمل الذي ليس فيه شيء؛ أعادوا تقليبها مرة ثانيةً، وهكذا؛ فأبطل الله تعالى ذلك، وفي الحديث: (أنه ﷺ دخل الكعبة، ورأى المشركين قد صوروا صورة إبراهيم وإسماعيل وهما يستقسمان بالأزلام، فدعا بماء فمحا الصورة، وقال: قاتل الله المشركين.
والله ما استقسما بها قط) يعني: أن الله نزه إبراهيم وإسماعيل عن أن يعملا هذه الفعلة الجاهلية، فكل هذه من الأمور التي كان يفعلها المشركون، حتى الجهلة في هذه الأزمنة؛ ليتوصلوا بها إلى العلوم المستقبلة.
стр. 1108
حكم الكهنة
بعد أن عرفنا حال هؤلاء فنقول: على المسلم أن يعرف حكمهم، فهم كفرة فجرة ضلال، وقد حكم الشرع بكفرهم، فثبت في الحديث قول النبي ﷺ : (ليس منا من تطير أو تطير له، أو تكهن أو تكهن له، أو سحر أو سحر له) ومعنى (ليس منا) : يعني ليس من المسلمين، (من تكهن) يعني: تعاطى الكهانة أو (تكهن له) : يعني: ذهب إلى الكهان يطلب منهم الإخبار بأمر من الأمور.
وفي هذه الأزمنة كثر هؤلاء في هذه البلاد، وقد كانوا قلة وأذلاء، والآن انتشروا، وانتشر السحر، وانتشر الكهان، وكثر شرهم، وكثر ضررهم، وإذا قيل: ما سبب فشوهم وكثرتهم وانتشارهم؟ فنقول: السبب -والله أعلم- قلة العلم الصحيح، وقلة الإيمان، وقلة الأعمال الصحيحة التي يبطل بها كيدهم، ويبطل بها عملهم؛ وذلك لأن الكهنة والسحرة والمشعوذين ونحوهم عملهم يتوقف على الشياطين، فالشياطين هي التي تمدهم، وهي التي تخبرهم، وهي التي تعمل لهم، وهي التي تحركهم، وترفع وتخفض فيهم، وتتكلم على ألسنتهم، وتلابسهم، وتخدمهم بما يريدون، ومتى تكثر الشياطين؟ إذا كثر الخبث، إذا كثرت المعاصي، إذا ضعف الإيمان، إذا كثر الزنا، وكثر الربا، وكثر الخنا، وكثر الغناء، وكثر الفساد، وكثر اللهو والباطل، وانشغل الناس بالشهوات، وقل الإيمان وضعف أهله، وضعف المتمسكون عن أن يقاموا هذه الأشياء؛ عند ذلك تستولي الشياطين وتستحوذ على أولئك، ويقل نزول الملائكة الذين يسددون المؤمنين، والذين يوفقونهم، والذين تنفر منهم الشياطين، فإن الملائكة كلما عمرت مكاناً هربت منه الشياطين، فإذا كثرت الشياطين لم يكن هناك ملائكة.
إذاً: فشوا هؤلاء بسبب كثرة المعاصي التي تمكنت في كثير من البلاد، فكان من نتيجتها أن استحوذ الشياطين وأولياء الشياطين من هؤلاء السحرة والكهنة على هذه البلاد.
ومعروف أن السحرة والكهنة يعبدون الشياطين، وقد حكم العلماء بكفرهم وبردتهم وبشركهم، وبينوا أنهم لا تقبل منهم التوبة، بل يبادر بأحدهم فيقتل، ولا يبقى لحظة واحدة، ثبت أنه ﷺ قال: (حد الساحر ضربه بالسيف) ، وثبت أن عمر ﵁ كتب إلى بجالة بن عبدة أن يقتلوا كل ساحر وساحرة، قال بجالة: فقتلنا ثلاث سواحر، وقد ثبت أيضاً أن حفصة بنت عمر ﵂ -وهي إحدى أمهات المؤمنين- أمرت بقتل جارية لها سحرتها، فقتلت؛ وذلك لأنها كانت دبرتها، يعني: علقت عتقها بموتها، فحرصت تلك الجارية على أن تموت سيدتها حتى تعتق، فعملت لها سحراً واعترفت، فأمرت بها فقتلت.
وكذلك ثبت عن جندب الخير ﵁ أنه دخل على أحد خلفاء بني أمية، وكان عنده كاهن أو ساحر، وكان ذلك الساحر يقطع رأس الإنسان ثم يرده والناس ينظرون؛ وذلك لأنه يشعوذ ويزور على أعين الحاضرين، فيوهمهم أنه قطع الرأس، ولم يبق إلا الحنجرة، ثم بعد ذلك يرده فيقوم سوياً.
فيعجب الناس ويضحكون، فجاء جندب ﵁ ومعه سيف أخفاه، واستعاذ بالله، وقرأ آية الكرسي، فلما حاذى الساحر ضربه بالسيف حتى قطع رأسه، وقال: فليحي نفسه إن كان صادقاً، سمعت رسول الله ﷺ يقول: (حد الساحر ضربه بالسيف) أو قال هو: حد الساحر ضربه بالسيف، فهذا حده؛ لأنه تعاطى الكفر.
стр. 1109
كفر السحرة وعبادتهم للشياطين
الساحر قد تعاطى الكفر، وقد سمعتم أعمال الكهنة والسحرة، وهي تدل على أنهم مشركون كفرة، فهم يتقربون إلى الشياطين بما تحب حتى تبطل عملها؛ فلأجل ذلك تخدمهم هذه الشياطين، فمنهم من لا تخدمه الشياطين حتى يترك الصلاة مدة؛ لأنه إذا تركها أصبح كافراً، فعند ذلك تحبه الشياطين، وتقترب منه، وتتولاه وتخدمه وتفعل له ما يريده، وتتكلم على لسانه، وتسترسل له حيث ما استرسل، ويستخدم منها ما يريد، فيستخدم منها مائة أو ألفاً أو نحو ذلك، ويكونون تحت طوع إشارته بسبب كونه تسلط عليهم بهذه الأمور التي استولى بها عليهم، وما فعل ذلك إلا بعدما كفر بالله، وآخرون من الكهنة أو السحرة لا تخدمهم الشياطين حتى يذبحوا لها قرابين، والشيطان يقنع ولو باليسير، ولو يذبحون له ذباباً تعظيماً له، أو عصفوراً، أو ديكاً، أو كبشاً، أو تيساً، أو نحو ذلك، فكل ذلك يقنع به الشيطان، ويكون ذلك سبباً لأن يخدمه؛ وذلك لأنه عرف أن هذا الساحر أو الكاهن أصبح مشركاً؛ لأنه أشرك بالله، فلما أشرك بالله خدمه الشيطان.
وكثير من السحرة والكهنة يستدعون الشياطين، ويسألونهم عن أسمائهم، فيحفظ أسماءهم، فلان الجان، وفلان الشيطان، وبعد ذلك يهتف بأسمائهم، ويناديهم في أوقات فراغه، حتى إذا ألفوه، وعرفوا أنهم من أوليائه؛ صاروا طوع إشارته، فيخبرونه بما يريد، ويسترقون له السمع، وينزلون عليه، ويلابسونه، ويتكلمون على لسانه، ويخبرونه بالأمور الغيبية التي لا يعرفها الناس، وما أشبه ذلك.
وآخرون من الكهنة أو السحرة لا تخدمهم الشياطين حتى يلابسوا النجاسات؛ وذلك لأن الشياطين تألف الأقذار، وتألف النجاسات، وتألف المستقذرات ونحوها؛ فلأجل ذلك أمرنا إذا دخلنا بيوت الخلاء أن نتعوذ بالله من شر الخبث والخبائث أي: ذكران الشياطين وإناثهم، وقال النبي ﷺ : (استتروا من البول فإن الشياطين تلعب بمقاعد بني آدم) فالأماكن التي لا يذكر فيها الله مثل بيوت الخلاء تألفها الشياطين، فأولئك السحرة قد يلطخون أجسامهم وثيابهم بالنجاسات، وبالقاذورات، وبالعذرة، حتى تأتيهم الشياطين التي تحب هذه النجاسات، وتكون في خدمتهم، ثم توحي إليهم بأن يفعلوا كذا، ويفعلوا كذا، فمتى فعلوا هذه الأشياء أطاعتهم وخدمتهم وصارت في ولايتهم.
فمثل هؤلاء لا شك أنهم كفار؛ لأنهم عبدوا غير الله تعالى، وقد أخبر الله بكفرهم في قوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ [البقرة:١٠٢] ، فجعل تعليم السحر كفراً، وجعله من عمل الشياطين، وأخبر عن الذين يعلمونه كهاروت وماروت ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ﴾ [البقرة:١٠٢] ، فأفاد أن كل من تعلم السحر فإنه يحكم بكفره؛ ولأجل ذلك يقول العلماء: إذا عثر على ساحر، فإن الصحيح أنه يقتل ولا يستتاب؛ وذلك لأنا لا نعلم حقيقة توبته، فقد يقول الساحر والكاهن: إني تبت، ولكن قلبه مضمر على ما هو عليه من العمل، وشياطينه الذين يخدمونه ملازمين له، لا ينفكون عنه، فإذن هو في الحقيقة كافر.
ومن بعض أفعال هؤلاء الكهنة وخدمة الشياطين أنهم يحملون الإنسان من مكان بعيد، ويقطعون به المسافات الطويلة، أو يأتونه مثلاً بعسيب نخل فيقولون له: اركب على هذا العسيب، والعسيب لا يحمل شيئاً، فيطيرون به على العسيب إلى أن يبلغ المكان الذي يريد، وقد يكون مسيرة شهر أو أشهر! هل معقول أن الإنسان يركب العسيب وأن الكاهن يركبه؟ لا شك أن الذي يفعل ذلك هم الشياطين التي أجسامها أو أرواحها خفيفة، فتحمل هذا بسرعة، وتقطع به هذه المسافات، وهي لا تفعل ذلك إلا لأوليائها الذين صاروا من خدمها، فهؤلاء بلا شك خدم للشياطين، فعلينا أن نعرفهم ونبتعد عنهم، وأن نعرف أن كل من قرب منهم فإنه يعطى حكمهم.
стр. 1110
شرح العقيدة الطحاوية [٩٥]
اختلف الناس في حقيقة السحر، كما اختلفوا في حد الساحر، وقد نوقشت الأدلة في ذلك وهي على كل حال دالة على خبث السحرة وانسلاخهم عن ركب المتقين.
стр. 1111
براءة أهل السنة من السحرة والكهنة
أهل السنة بريئون من السحرة والكهنة والمنجمين، وبريئون من أفعالهم؛ وذلك لأنهم يحكمون عليهم بالحكم الشرعي، وهو: الشرك والكفر، وقد كفرهم الله تعالى بقوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ [البقرة:١٠٢] ، وبقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ﴾ [البقرة:١٠٢] ، (من اشتراه) يعني: من تعلم السحر، وبذل فيه دينه أو بذل فيه عقيدته، فليس له عند الله من خلاق أي: من حظ ولا نصيب.
ولأجل ذلك وردت السنة بقتل السحرة والكهنة ونحوهم، ورد في الأثر: (حد الساحر ضربه بالسيف) ، ومجموعة من الصحابة قتلوا الساحر، فـ عمر كتب إلى بجالة أن اقتلوا كل ساحر وساحرة، وجندب الخير قتل الساحر، وحفصة بنت عمر أمرت بقتل جارية لها سحرتها فقُتلت؛ وذلك لأن هؤلاء اعتبروا السحر كفراً، واعتبروه ردةً، واعتبروه شركاً.
وقد استدل بهذا على أن عمل السحر كفر وردة، وأنه يقتل ولا تقبل له توبة في الدنيا، بمعنى أنه يحكم بقتله ولو قال: إني تبت، وإني ندمت، وإني سأترك العمل؛ لأن ذلك ليس بيقين حتى يصدق في قوله، فيقتل حداً؛ لعموم الأثر: (حد الساحر ضربه بالسيف) ، والحد هو العقوبة الشرعية التي لا تغير ولا تسقط بالتوبة، فإن الزاني لا تسقط عنه عقوبة الرجم أو الجلد ولو قال: إني تبت، وكذلك السارق تقطع يده ولو قال: إني تبت الآن، وكذلك بقية الحدود، وهكذا حد الساحر، وكذلك الكاهن الذي يخبر بالمغيبات، أو يخبر بما في الضمير، أو يدعي معرفة العلوم المغيبة بمقدمات يستدل بها على مكان الضالة وعلى المسروق، فيأتيه من فقد ضالة له فيقول: تجده في الشعب الفلاني، في المكان الفلاني، فيخبره شيطانه، وكذلك يأتيه من سرق منه مال، فيصف له السارق، ويقول: مالك في المكان الفلاني، وقد سرقه شخص صفته كذا وكذا، تخبره شياطينه بذلك.
فهؤلاء كفرة، وقد كفر النبي ﷺ من يصدقهم، فهم أولى بالتكفير، قال ﷺ : (من أتى كاهناً فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين يوماً) ، وقال ﷺ : (من أتى كاهناً فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد) ، وقد عرفنا أن هؤلاء كفرة؛ وذلك لأنهم مشركون؛ لأنا نعرف أنهم بشر مثلنا، ولا يمكن أن يعلموا الغيب، ولا يمكن أن يطلعوا على الأسرار كما لا نعرفها نحن، فلا بد أنهم يستخدمون الشياطين حتى تخبرهم بما غاب عنهم، فالشياطين تطلع على ما لا يطلع عليه الإنسان، وكذلك مردة الجن يطلعون لخفة أجسامهم على أشياء لا يعرفها الإنسان، فيقطعون المسافات الطويلة في زمن قصير لخفة أجسادهم، وكذلك يرون أشياء لا نراها، ونحن لا نراهم وهم يروننا، قال تعالى في الشيطان وجنده: ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ﴾ [الأعراف:٢٧] ، وهم لخفتهم يجري أحدهم في بدن الإنسان، يقول ﷺ : (إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم) أي: يجري في جسده، ويجري خلال لحمه ودمه، يجري مع عروقه، ويمشي في عروقه، ويسير فيه، وهذا هو سبب أنه يوسوس في صدور الناس، ويلقي في القلوب الوساوس للإنسان فيقول له: اذكر كذا، ويشككه في أمور الغيب، وفي أمور الساعة، وما أشبه ذلك.
فهؤلاء لما أطاعوا الشياطين وخدموها وعبدوها خدمتهم، فمن خدمها خدمته، ومعلوم أن الشياطين تحرص على إضلال الإنسان، وتحرص على أن توقعه في الكفر؛ لأن الشيطان عدو للإنسان، وقد أخبر الله عن إبليس أنه التزم أن يضل الناس، وأن يصدهم عن الهدى، قال الله تعالى عن إبليس: ﴿لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء:٦٢] ، ويقول: ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ [الأعراف:١٧] .
فهذا التزام عدو الله، فأخبر الله عنه بأنه التزم وتهدد بأن يضل جنس الإنسان، حتى لا يبقى أكثرهم شاكراً بل كافراً، وهؤلاء الكهنة والسحرة ونحوهم لما عبدوا هذا الشيطان، وتقربوا إليه، وذبحوا له، ودعوه مع الله أو من دون الله، عند ذلك أطاعهم عدو الله، وأظهر لهم ما لم يظهره لغيرهم، فانخدع الجهلة بهم، واعتقدوا أنهم مكرمون، واعتقدوا أنهم على صواب، وأن هذه ميزة لهم، وخارق عادة، وأنهم أفضل من غيرهم، حيث يخبرون بأمور لم تحصل فتقع، ويخبرون عن أشياء بعيدة فتعرف حالتها وأين هي، وأشباه ذلك، وما علموا أن هذا من الشياطين، وأن الشياطين لا تطيعهم إلا إذا صرفوا لها حق الله تعالى، ومن صرف لها شيئاً من حق الله فقد عبدها مع الله تعالى.
стр. 1112
حكم التنجيم وتعلمه
قال المصنف رحمنا الله وإياه: [وصناعة التنجيم التي مضمونها الأحكام والتأثير -وهو: الاستدلال على الحوادث الأرضية بالأحوال الفلكية أو التمزيج بين القوى الفلكية الأرضية- صناعة محرمة بالكتاب والسنة، بل هي محرمة على لسان جميع المرسلين قال تعالى: ﴿وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾ [طه:٦٩] ، وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوت﴾ [النساء:٥١] .
قال عمر بن الخطاب ﵁ وغيره: الجبت السحر.
وفي صحيح البخاري عن عائشة ﵂ قالت: (كان لـ أبي بكر غلام يأكل من خراجه، فجاء يوماً بشيء فأكل منه أبو بكر، فقال له الغلام: تدري مم هذا؟ قال: وما هو؟ قال: كنت تكهنت لإنسان في الجاهلية، وما أحسن الكهانة إلا أني خدعته، فلقيني، فأعطاني بذلك، فهذا الذي أكلت منه، فأدخل أبو بكر يده فقاء كل شيء في بطنه) .
والواجب على ولي الأمر وكل قادر أن يسعى في إزالة هؤلاء المنجمين والكهان والعرافين، وأصحاب الضرب بالرمل والحصى، والقرع والفالات، ومنعهم من الجلوس في الحوانيت والطرقات، أو يدخلوا على الناس في منازلهم لذلك، ويكفي من يعلم تحريم ذلك ولا يسعى في إزالته -مع قدرته على ذلك- قوله تعالى: ﴿كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المائدة:٧٩] ، وهؤلاء الملاعين يقولون الإثم، ويأكلون السحت بإجماع المسلمين.
وثبت في السنن عن النبي ﷺ برواية الصديق ﵁ أنه قال: (إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه أوشك أن يعمهم الله بعقاب منه) ] .
التنجيم من الأعمال الشيطانية، وهو الاستدلال بالأحوال الفلكية على الحوادث الأرضية، بمعنى أنه يقول: طلوع النجم الفلاني سبب لحدوث رياح، وسبب لحدوث غرق، أو لجدب أو لخصب، أو لوباء أو مرض، أو إذا غاب النجم الفلاني حدث في البلدة الفلانية فيضان أو غرق أو زلزال أو ما أشبه ذلك، وهذا فعل كثير من المنجمين، ويغلب عليهم أنهم شبه السحرة؛ وذلك لأن النجوم مسخرة مسيرة بأمر الله، ليست دليلاً على شيء مما يقولون، روى البخاري ﵀ عن قتادة قال: (خلق الله النجوم لثلاث: زينة للسماء، ورجوماً للشياطين، وعلامات يهتدى بها، فمن ادعى فيها غير ذلك فقد أخطأ، وأضاع نصيبه من الدنيا، وتكلف ما لا علم له به) ، يرد قتادة على المنجمين الذين يستدلون بطلوع النجوم على الحوادث التي تحدث في الأرض من العاهات والمصائب، ومن الأمطار والخيرات، ومن العقوبات ونحوها، وما ذاك ألا أن النجوم لا تحدث شيئاً بنفسها، بل الله تعالى جعلها مسخرة كما قال الله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ﴾ [النحل:١٢] ، وقال تعالى: ﴿وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [النحل:١٦] أي: يقتدون في طرقهم، وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [الأنعام:٩٧] (لتهتدوا) يعني: أنكم تستدلون بها على الجهة التي تريدونها، وتعرفون أي جهة تقصدونها، فجعلها الله علامات ليهتدى بها، كما جعلها زينة في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ﴾ [الملك:٥] أي: بهذه النجوم، وقال تعالى: ﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ﴾ [الصافات:٦] والكواكب التي في هذه السماء هي زينة لها، فإذا كنت في ليلة مظلمة ونظرت إلى السماء ترى نجومها تزهر في كل جانب، كالسرج تضيء، فهي زينة للسماء.
كذلك أيضاً أخبر الله تعالى بأنها رجوم ترجم بها الشياطين عن استراق السمع، كما قال تعالى: ﴿إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ﴾ [الحجر:١٨] والشهاب: هو هذا الذي يرمى به في الليلة الظلماء، فإذا أبصرته منقضاً فقد رمي به شيطان أو مسترق للسمع، وقال تعالى عن الجن: ﴿فَمَنْ يَسْتَمِعِ الآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا﴾ [الجن:٩] ، وقال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ﴾ [الملك:٥] أي: يرجمون بها، فهذه هي الحكمة في وجود هذه النجوم، فأما الذين يدعون فيها أنها تدل على وجود خير أو زواله، أو تدل على حدث أو أمر مستقبل أو نحو ذلك، فإن هذا من التكلف.
والنجوم يعرف بها مواقيت الشتاء والصيف، والغراس والزروع ونحو ذلك؛ وذلك لأن الله تعالى قدر لها مواقيت، فهناك نجوم تطلع في الشتاء، فإذا رآها الناس عرفوا أن هذا وقت زراعة البر ونحوه، ونجوم تطلع في الصيف، فإذا رأوها عرفوا أن هذا وقت يبذر فيه كذا وكذا، ويغرس فيه كذا وكذا، أو يعرفون بها دخول الشتاء أو انسلاخه، أو دخول البرد وإقباله أو انتهاءه، أو دخول الحر أو إقباله أو نحو ذلك، فتعلم هذا لا بأس به؛ لأنها مواقيت، كما أن الليل والنهار مواقيت، وكما أن الأشهر والأهلة مواقيت، فكذلك طلوع النجوم والبروج التي جعلها الله في السماء، قال تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ﴾ [البروج:١] ، وقال: ﴿وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا﴾ [الحجر:١٦] ، وقال: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا﴾ [الفرقان:٦١] ، فهذه البروج التي هي منازل الشمس، وهذه الأنواء أو النجوم التي هي منازل القمر كما في قول الله تعالى: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ﴾ [يس:٣٩] أي: ينزل في كل ليلة منزلة؛ لا شك أنها خلق الله تعالى، فتعلم منازل القمر وتعلم منازل الشمس ومعرفة أحوال كل منهما لا يدخل في التنجيم المحرم، إنما التنجيم المحرم هو أن يستدل بطلوع النجم الفلاني على أنه سوف يحدث كذا وكذا من الآفات، أو ما أشبه ذلك، فهذا من التدخل في علم الغيب، والله تعالى يقول لنبيه ﷺ : ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ [الجن:٢٦-٢٧] فلا يدخل في ذلك الكهنة ونحوهم.
стр. 1113
وجود السحرة والكهنة منذ عهد الصحابة
السحرة والكهنة منتشرون ومتمكنون منذ زمن قديم؛ فالشارح ﵀ في القرن الثامن يشتكي من كثرتهم، وأنهم قد أضروا بالناس بأعمالهم الشيطانية، ويحرض من يعرف إنساناً يتعاطى السحر أو يتعاطى الكهانة أن يدل عليه، وأن يخبر به، وأن ينكر فعله، أو ينبه من ينكر فعله؛ فإن هذا من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بل ومن تغيير المنكر الواجب تغييره على كل من علمه، ويستدل بقوله ﷺ : (إن المعصية إذا خفيت لم تضر إلا صاحبها، وإذا ظهرت ولم تغير ضرت العامة) ، ويذكر أن الصحابة ﵃ كانوا ينكرون على الكهنة ويستبشعون صناعتهم، ويستشنعون أفعالهم، فهذا أبو بكر ﵁ كان له غلام مملوك لم يكن بحاجة إلى خدمته، فجعله يشتغل، فكان يقول له: اذهب واحترف واجمع لنا مالاً وخراجاً، فكان يأكل من خراجه، يعني: من كسبه وكد يمينه، فجاء ذلك الغلام مرة بمال أخذه من تكهن، وأخبره بأنه خدع إنساناً بالكهانة في الجاهلية وقال: إني أعلم كذا، وإنك مصاب بكذا وكذا، فلقيه ذلك الرجل فأعطاه حلواناً، يعني: مالاً عن كهانته، وكان أبو بكر ﵁ قد عرف تحريم الكهانة، وعرف أن حلوان الكاهن خبيث، فلما سمع من غلامه هذه القصة، وأن هذا المال الذي أكل منه سحت وحرام، وأنه حلوان كاهن وهو خبيث، لم يقر قراره وذلك الطعام في بطنه، بل أدخل إصبعه في حلقه فاستخرج كل ما أكله ذلك اليوم، حتى لا يكون في غذائه ولو لقمة من حرام، أو من مشتبه، ولو كان معذوراً؛ لأنه قد يقول: إثمه على من كسبه، وهو معذور لأنه قد يقول: ما شعرت حين أكلته ولا علمت أنه محرم؛ أو معذور لأنه قد يقول: إنه دفعه عن طيب نفس، ولكن لم تقبل نفسه مثل هذه التأويلات حتى استخرج ذلك الطعام، بل أخرج كل ما أكله ذلك اليوم، وهذا دليل على بعد الصحابة ﵃ عن المشتبهات وعن المحرمات، ودليل على أنهم يعرفون أن الكهنة كاذبون، وأن كسبهم حرام، وأن إقرارهم حرام؛ وذلك لأن الله تعالى كذبهم، وأخبر بأنهم يأخذون من الشياطين، فقال تعالى: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ * تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ * يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ﴾ [الشعراء:٢٢١-٢٢٣] أي: يتلقون السمع من الشياطين التي تُلقي عليهم، وأكثر الشياطين تكذب عليهم، وهم يكذبون على الناس.
فإذاً: الكهنة عبدة للشياطين، وإذا كانوا يعبدون الشياطين فلا يجوز أن نقرهم؛ لأن إقرارهم تمكين لهم من عبادة غير الله، وكذلك إقرار لهم على الشرك وعلى المنكر، فمتى قدرنا فإننا نحاربهم، ونحرص على أن نقضي على قوتهم، وعلى معنوياتهم.
وإذا كانوا كثيراً في زمن المؤلف ابن أبي العز ﵀، فكيف بزماننا الذي هو القرن الخامس عشر، والذي استحكمت فيه غربة الإسلام إلا ما شاء الله، والذي كثرت فيه الكهنة والسحرة والشعوذة، وتمكن فيه الأشرار، وصاروا قادة وسادة يفعلون بالأبرياء ما يريدونه؟!
стр. 1114
الواجب تجاه السحرة والكهنة
واجبنا تجاه السحرة والكهنة أن نحاربهم بقدر ما نستطيع، وكثيراً ما يشتكي لنا بعض الإخوان بأنهم أصيب منهم شخص بسحر، أو أصيب بعمل شيطاني، أو تسلط عليه جني، وأخبر بأن الذي سخره ساحر متشيطن متسلط، وأشباه ذلك.
ويذكرون أن الساحر متى تمكن من السحر فإنه يسخِّر له جنوداً من الشياطين ومن الجن، فالشياطين يدلونه ويخبرون بالأمور الغائبة ونحوها، والجن يتصرف فيهم، فيسلطهم على من يريد، فيقول: -أنت يا هذا- اذهب إلى فلان فلابسه، أو إلى فلانة فتلبس بها، ولا تخرج منها أبداً، وحاول أنك لا تخرج إلا بعد موت هذا الإنسان، فإذا نطق ذلك الجني الذي تلبس بذلك الإنسان، ذكر أنه لا يستطيع أن يخرج ولو قرأ عليه القارئ، ولو عالجه، ولو نفث عليه، ولو تضرر من القراءة؛ لأنه مسخر، من الذي سخرك؟ ومن الذي سلطك؟ فيدل عليه، ويقول: سلطني الساحر الفلاني الذي تحت سيطرته ألف جني أو خمسة آلاف أو خمسمائة من الجن، وهؤلاء كلهم تحت تسخيره، وتحت سلطته، فكيف تمكن منهم؟! وكيف استعبدهم؟! تقربوا إليه وتقرب إليهم، حتى أخذ بطاعتهم، وتعهدوا أنهم لا يخرجون عن طواعيته، ولا يستطيع أحدهم أن يعصيه، فمتى أشار إليه أن تسلط على فلان أو فلانة لم يستطع التأخر.
ومتى يبرأ هذا الذي أصيب بهذا المس؟ ومتى يبرأ هذا الذي أصيب بهذا الجنون؟ الغالب أنهم لا يبرءون حتى يموت ذلك الجني الذي لابسه، وكثير من القراء الذين يقرءون على أولئك المصابين يقرءون بشدة، وينفثون بشدة، ويستعملون أدعية وآيات من القرآن فيها شيء من القوة، فذلك الجني الذي لابس ذلك الإنسي يكاد أن يحترق ولا يستطيع الخروج، فأحياناً يموت وهو ملابس لذلك الإنسي، وبعد موته يفيق الإنسي بإذن الله سليماً، ويقول: أين أنا؟! لأنه لا يدري أين هو قبل ذلك، وإذا قيل لذلك الجني: لماذا لا تخرج؟ يتعذر ويقول: إني لا أستطيع حتى تقتلوا ذلك الساحر الذي سلطني عليه، ولو متُ ولو خرجت فإنه سيسلط عليه مثلي آخر وآخر؛ لأن تحت طواعيته هذا العدد الكثير، فاذهبوا فاقتلوا ذلك الساحر، حتى تريحوا أنفسكم، وحتى أخرج أنا براحة بدون أن تكرهوني، وأتخلص منكم وتتخلصون مني، هكذا يتكلم كثير من الجن على ألسنة من لابسوه.
ونقول: لا شك أن هذا الساحر الخبيث الذي سخر هؤلاء الجن ما سخرهم إلا بعد ما استعبدهم، وبعد ما تقرب إليهم، وبعد ما أخذ عليهم العهد، وبعد ما عبدهم مع الله، أو عبد الشياطين حتى ذللتهم لطواعيته.
إذاً: ما واجبنا نحو هؤلاء السحرة الذين يعيثون في الأرض فساداً، والذين يسلطون الجن على الأبرياء من الرجال والنساء؟ وقد يتظاهرون بأنهم لا يعملون ذلك، وربما يأتي أحد ضعفاء الإيمان إلى الساحر فيقول: أريد أن تسلط على فلان أو فلانة كذا وكذا! لا شك أن مثل هؤلاء يجب أن يحاربوا؛ حتى يخف شرهم، وحتى يُقطع دابرهم، وأما إذا بقوا فإنهم يزيدون ويزيد شرهم ويتمكنون، ويصعب بعد ذلك التخلص من شرهم.
ونحن نعرف أن هناك من وفقهم الله تعالى من أهل الخير ومن أهل الدين وأهل المعرفة يعالجون مثل هذه الإصابة الشيطانية، فيعالجون من إصابة المس، ويعالجون من إصابة السحر والصرف والعطف ونحو ذلك، ويشفي الله على أيديهم خلقاً كثيراً، ولكن هناك أحوال شيطانية تستعصي، ويصعب تخليصها إلا بقتل الجان، أو بقتل الساحر، فلو تعاون الأهالي على كل من عرفوا أنه ساحر، أو أن أنها ساحرة، وقضوا عليهم وقتلوهم؛ لاستراح منهم العباد والبلاد.
стр. 1115
أنواع السحرة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [وهؤلاء الذين يفعلون هذه الأفعال الخارجة عن الكتاب والسنة أنواع: نوع منهم: أهل تلبيس وكذب وخداع، الذين يظهر أحدهم طاعة الجن له، أو يدعي الحال من أهل المحال، من المشايخ النصابين، والفقراء الكاذبين، والطرقية المكارين، فهؤلاء يستحقون العقوبة البليغة التي تردعهم وأمثالهم عن الكذب والتلبيس، وقد يكون في هؤلاء من يستحق القتل، كمن يدعي النبوة بمثل هذه الخزعبلات، أو يطلب تغيير شيء من الشريعة، ونحو ذلك.
ونوع: يتكلم في هذه الأمور على سبيل الجد والحقيقة بأنواع السحر.
وجمهور العلماء يوجبون قتل الساحر، كما هو مذهب أبي حنيفة ومالك وأحمد في المنصوص عنه، وهذا هو المأثور عن الصحابة كـ عمر وابنه وعثمان وغيرهم.
ثم اختلف هؤلاء: هل يستتاب أم لا؟ وهل يكفر بالسحر أو يقتل لسعيه في الأرض بالفساد؟ وقال طائفة: إن قتل بالسحر يُقتل، وإلا عُوقب بدون القتل إذا لم يكن في قوله وعمله كفر، وهذا هو المنقول عن الشافعي، وهو قول في مذهب أحمد.
وقد تنازع العلماء في حقيقة السحر وأنواعه: والأكثرون يقولون: إنه قد يؤثر في موت المسحور ومرضه من غير وصول شيء ظاهر إليه.
وزعم بعضهم أنه مجرد تخييل.
واتفقوا كلهم على أن ما كان من جنس دعوة الكواكب السبعة، أو غيرها، أو خطابها، أو السجود لها، والتقرب إليها بما يناسبها من اللباس والخواتم والبخور ونحو ذلك فإنه كفر، وهو من أعظم أبواب الشرك؛ فيجب غلقه، بل سده، وهو من جنس فعل قوم إبراهيم ﵊؛ ولهذا قال ما حكى الله عنه بقوله: ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ * فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات:٨٨-٨٩] ، وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا﴾ [الأنعام:٧٦] الآيات إلى قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام:٨٢] .
واتفقوا كلهم أيضاً على أن كل رقية وتعزيم أو قسم فيه شرك بالله فإنه لا يجوز التكلم به، وإن أطاعته به الجن أو غيرهم، وكذلك كل كلام فيه كفر لا يجوز التكلم به، وكذلك الكلام الذي لا يعرف معناه لا يتكلم به؛ لإمكان أن يكون فيه شرك لا يعرف، ولهذا قال النبي ﷺ : (لا بأس بالرقى ما لم تكن شركاً) .
ولا يجوز الاستعاذة بالجن، فقد ذم الله الكافرين على ذلك فقال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ [الجن:٦] قالوا: كان الإنسي إذا نزل بالوادي يقول: أعوذ بعظيم هذا الوادي من سفهائه، فيبيت في أمن وجوار حتى يصبح: (فَزَادُوهُمْ رَهَقًا) يعني: الإنس للجن باستعاذتهم بهم، (رهقاً) أي: إثماً وطغياناً وجراءة وشراً؛ وذلك أنهم قالوا: قد سدنا الجن والإنس! فالجن تعاظم في أنفسها وتزداد كفراً إذا عاملتها الإنس بهذه المعاملة، وقد قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهَؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ * قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ [سبأ:٤٠-٤١] ، فهؤلاء الذين يزعمون أنهم يدعون الملائكة ويخاطبونهم بهذه العزائم وأنها تنزل عليهم ضالون، وإنما تنزّل عليهم الشياطين، وقد قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الإِنسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الإِنسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام:١٢٨] ، فاستمتاع الإنسي بالجني: في قضاء حوائجه، وامتثال أوامره، وإخباره بشيء من المغيبات ونحو ذلك، واستمتاع الجن بالإنس: تعظيمه إياه، واستعانته به، واستغاثته، وخضوعه له.
ونوع منهم: يتكلم بالأحوال الشيطانية والكشوف، ومخاطبة رجال الغيب، وأن لهم خوارق تقتضي أنهم أولياء الله، وكان من هؤلاء من يعين المشركين على المسلمين! ويقول: إن الرسول أمره بقتال المسلمين مع المشركين؛ لكون المسلمين قد عصوا!! وهؤلاء في الحقيقة إخوان المشركين] .
стр. 1116
قتل الساحر
ذكر المؤلف الخلاف في عدة مسائل منها: هل يقتل الساحر مطلقاً أو لا يقتل إلا بعد أن يستتاب؟ الأكثرون على أنه يقتل ولا يستتاب، وهذا هو قول الجمهور.
والشافعية ﵏ رأوا أنه يستفصل عن سحره ويستتاب، أو أنه لا يقتل إلا إذا قتل بسحره، لكنه لما ثبت عن الصحابة أنهم قتلوا الساحر ولم يستتيبوه دل ذلك على أن هذا هو حكمه، وأنه لا تقبل توبته، وأن توبته إنما تكون بينه وبين ربه.
стр. 1117
الخلاف في حقيقة السحر
هل للسحر حقيقة أم أنه خيالات؟ أنكرت المعتزلة أن يكون للسحر حقيقة، وأنكر ذلك أيضاً كثير من المتأخرين الذين ينكرون من العلوم غير ما تصل إليه إحساساتهم.
والصحيح أن له حقيقة؛ ولولا ذلك لم يحتج إلى الاستعاذة من السحرة، قال الله تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ * مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ * وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ * وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ [الفلق:١-٤] النفاثات: السواحر، وورد في الحديث قوله ﷺ : (من عقد عقدة ثم نفث فيها فقد سحر، ومن سحر فقد أشرك) ، ويذكر العلماء أن الساحر أو الساحرة إذا أراد أحدهما عمل سحر فإنه يأخذ خيطاً أو حبلاً، ثم يعقد فيه عقدة، ثم تكون نفسه قد امتزجت بها الصفات الشريرة، وتلبست بها الشياطين، وأصبحت ذات شر وذات أذى، فإذا تمثلت فيها تلك الصفة نفثت نفثاً من ذلك الريق المسموم، فأوقعتها في ذلك الحبل أو الخيط، وعقدت عليها، وتكلمت بكلام سيئ، بأن تقول: يُعقد فلان، أو يُضر فلان أو نحو ذلك، فهذا من عمل السحرة؛ فمن عقد عقدة ثم نفث فيها فقد سحر، ولو كان السحر ليس له حقيقة لما استعيذ من شره؛ لأنه لا يضر، وكذلك قد أخبر الله تعالى بشيء من ضررهم فقال تعالى: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾ [البقرة:١٠٢] ، فهم يفرقون بين المرء وزوجه، وهذا يُسمى بالصرف، وهناك أيضاً ما يُسمى بالعطف، فالسحرة من أعمالهم الصرف وهو: وقوع البغضاء بين المتحابين، والعطف وهو: جلب المودة بين المتقاطعين والمتباغضين، وهذا الذي يُسمى الصرف أو العطف كله عمل شيطاني، وتوصلهم إلى ذلك بأدوية أو بعلاجات لا شك أنها من وحي الشياطين، فهي التي تدلهم على أن النفث في الدواء الفلاني يسبب فرقة، ويسبب بغضاء بين فلان وفلانة، فإذا رأى زوجين بينهما عشرة طيبة حاول أن يفرق بينهما، فعمل ذلك السحر الذي يوقع عداوة من كل منهما للآخر، وهذا مشاهد كثيراً، وقد اشتكى إلينا كثير من الرجال بأنه إذا دخل بيته أو رأى امرأته وجد نفرة، ووجد ضيقاً، ووجد حشرجة، ووجد تكتماً؛ بحيث يكون في غم، وفي ضيق، وكأنه في سجن أشد ما يكون، ولا تستريح نفسه حتى يفارق بيته، أو يصد عن امرأته.
وكذلك أيضاً يقع كثيراً حبس الرجل عن امرأته؛ بحيث إنه لا يستطيع إتيانها، ويفعل ذلك أيضاً السحرة، فيكون الرجل على هيئته وقوته، فإذا قرب من امرأته لوطئها بردت همته، وهو على خلاف ذلك، ولا يدري ما السبب، إلا أنه من عمل هؤلاء السحرة! إذاً: فهذا دليل على أن السحر له حقيقة، وأنه يؤثر ويضر، وأما ما روى البخاري في صحيحه عن عائشة ﵁ قالت: (سحر النبي ﷺ حتى إنه ليخيل إليه أنه يفعل الشيء وما يفعله، ثم إنه سأل ربه وسأله، فقال: يا عائشة! أشعرت أن الله شفاني؟ إني قد أتاني ملكان، فقعد أحدهما عند رأسي، والآخر عند رجلي، فقال: ما بالرجل؟ قال: مطبوب، قال: ومن طبّه؟ قال: لبيد بن الأعصم، قال: في أي شيء؟ قال: في مشط ومشاطة وجف طلعة ذكر في بئر ذروان، فذهب إلى تلك البئر فاستخرج السحر منها، وإذا ماؤها مثل نقاعة الحناء، وإذا نخلها كرءوس الشياطين) فشفاه الله تعالى.
يقول العلماء: هذا العمل الذي عمله لبيد بن الأعصم اليهودي الساحر عمل خفي فيما بين النبي ﷺ وبين امرأته، بمعنى: أنه حبس عنها، ولأجل ذلك في بعض الروايات تقول: (حتى أنه يخيل إليه أنه يأتي النساء وما يأتيهن) ، وأما في مجال الرسالة وفي مجال تبليغ الرسالة فلم يتغير شيء من عقله؛ وذلك لأن الله تعالى حفظه عن أن يناله السحرة بشيء يضر فيما يتعلق برسالته، فهذا أيضاً دليل على أن السحرة قد يؤثرون في بعض الأمور، فأثر هذا الساحر، ولكن أبطل الله كيده، كما أن اليهود أرادوا أن يقتلوه بسم جعلوه في شاة لهم، ولكن الله حماه عن أن يضره ذلك السم.
وبكل حال فهذه أدلة على أن للسحر حقيقة، وأنه يضر، وأن الساحر قد يتمكن من سحره، ويقلب الإنسان حيواناً، أو الحيوان إنساناً، ولكن كيف يقلب الإنسان دابة، أو وحشاً، أو وعلاً، أو سبعاً أو نحو ذلك؟ نقول: يسلط عليه جنياً، ومعلوم أن الجني يتشكل بأشكال، فتارة يظهر بصورة سبع، وتارة يظهر بصورة إنسان، وتارة يظهر بصورة كلب، وتارة يظهر بصورة هامة، وتارة يظهر بصورة بقرة؛ لأن الله أعطاه من القدرة على التشكل في هذه الأجسام ما أعطاه، فإذا سلط الساحر شيطاناً على ذلك الإنسان، وقال له: اخرج بصورة حمار، أو بصورة كلب، أو بصورة كذا، لابسه ذلك الشيطان، وانقلبت هيئته إلى ما يريده ذلك الساحر، ولا يبطل عمله إلا بعدما يشفى -بإذن الله- بالقراءات والتعوذات التي تبطل عمل السحرة.
وبعد ذلك نقول: هذا يبطل قول من قال: إن السحر شعوذة، كالمعتزلة الذين يقولون: إن السحر ليس له حقيقة، وإنما هو تخيلات، ويستدلون بما حكى الله عن السحرة الذين جادلوا موسى، قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ [طه:٦٦] فقوله: (يخيل إليه) أي: أنهم جاءوا بعصي فألقوها فإذا هي تتحرك كأنها حيات، وكذلك ألقوا حبالاً فإذا هي تتحرك، ولما أن ألقى موسى عصاه فانقلبت حية قالوا: نحن نلقي عصينا وتنقلب حيات، ونلقي حبالنا وتنقلب حيات، فيقولون: ذلك خيال، ولكن قد يتمكنون من أن يسخروا بعض الشياطين التي تتحرك أمام الناظرين، ولكن بطل كيدهم لما جاء الحق، قال تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ * فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانقَلَبُوا صَاغِرِينَ﴾ [الأعراف:١١٧-١١٩] أي: أن موسى ألقى عصاه فالتقمت عصيهم وحبالهم كلها، وعادت عصاً كما كانت، فعرف السحرة أن هذا ليس عملاً شيطانياً، وأنه أمر رحماني، فعند ذلك أُلقي السحرة ساجدين، فبطل سحرهم، وعرفوا أحقية ما جاء به موسى.
стр. 1118
شرح العقيدة الطحاوية [٩٦]
يشرع للمسلم أن يتحصن من السحرة والشياطين بالأذكار والأوراد الشرعية، وقد بين العلماء علاج السحر والمس بالطرق الشرعية.
стр. 1119
سبب انتشار السحرة والكهان والمشعوذين
إن السحرة والكهنة والمشعوذين والمنجمين والعرافين هم خدمة الشياطين، أو هم رسل الشياطين، أو هم من شياطين الإنس الذين يخدمون شياطين الجن، وهؤلاء -مع الأسف- قد كثروا وتمكنوا، وبالأخص في الأزمنة المتأخرة؛ وكثرتهم سببها: ضعف الدين في القلوب، وضعف الإسلام والعاملين به في المجتمعات؛ وذلك أنهم كلما قوي المسلمون وكلما قويت العقيدة ضعفوا وضعف وجودهم، أو انقطعوا، أو كادوا أن ينقطعوا.
ولقد كانوا قبل الإسلام موجودين بكثرة، ولما بعث النبي ﷺ حُرست السماء، وحيل بين الشياطين وبين الاستراق؛ حتى ينقطع وحي الشياطين، وحتى ينقطع ما تسمعه الكهنة من أوليائها، وحتى لا يلتبس الحق بالباطل، ويلتبس وحي الرحمن بوحي الشيطان، وفي بعض الأحاديث: أن بعض الصحابة كانوا مع النبي ﷺ في ليلة مظلمة، فرمي بكوكب -وهو الشهاب الذي يُرمى به- فسألهم ﷺ : (ما تقولون في هذا النجم الذي رمي به؟) ، فلم يقولوا شيئاً، فأخبرهم: بأن الشياطين كانت تسترق السمع، وتنزل إلى الكهنة بما تأخذه من الملائكة، فتخبرهم بأن الملائكة تحدثت بكذا، وأنه سيحدث كذا وكذا، ولما أنزل الله وحيه على النبي ﷺ كثرت حراسة السماء، ورجمت الشياطين، واشتكوا إلى رئيسهم الذي هو إبليس، وقالوا: منعنا من السماء، ومنعنا من استراق السمع، فأرسل من يسأل ويستفصل: ما السبب؟ إذ لابد أن يكون هناك سبب، ثم إنهم وجدوا النبي ﷺ يصلي بأصحابه، فاستمعوا إليه، ورجعوا إلى قومهم، وقالوا: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا * وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا * وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾ [الجن:٨-١٠] ، ورجع الذين استمعوا القرآن إلى أوليائهم وقالوا: عرفنا السبب الذي لأجله حرست منا السماء، وهو بعث هذا النبي، فآمنوا به كما حكى الله عنهم قولهم: ﴿وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى آمَنَّا بِهِ﴾ [الجن:١٣] .
وبكل حال في ذلك الوقت حرست السماء حراسة شديدة؛ لقوة الإسلام، ولحماية الوحي من السماء، ولما ضعف العمل بالشريعة، وضعف التمسك بها؛ قوي وجود الكهنة، وقوي استراق الشياطين والجن للسمع، ونزولهم إلى أوليائهم من الكهنة والسحرة، فكثروا حينئذٍ، وصار الناس يشجعونهم، حيث يأتون إليهم، ويقولون: أخبرنا بكذا وكذا، فإذا أخبرهم بما توحيه إليه الشياطين قدسوه وعظموه، وقالوا: هذا هو الذي يعرف، وهذا هو العارف، وهذا هو العرّاف، ولا يزال الناس يترددون إليه، وما ذاك إلا لضعف الإسلام، وقد مر بنا الحديث الذي قال فيه ﷺ : (من أتى كاهناً فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ ، ولو كان ذلك الكاهن يخبر بأشياء مثل أن يخبر بمكان الضالة، ويخبر بمكان المسروق، أو بعين السارق، أو ما أشبه ذلك، فنقول: هذا مما يستوحيه من شياطينه، والواجب على الإنسان أن يلجأ إلى الله، وألا يصدق هؤلاء الكهنة.
والسحرة أيضاً قد تمكنوا، وقد كثروا مع الأسف، وأضروا بكثير من الناس، وكثر الذين يشتكون، وكثر الذين يقول أحدهم: إنه أصيب بكذا، أو أصيبت ابنته بكذا، بصرف أو بعطف، أو ببغض لبيتها أو ببغض لزوجها أو لأهلها، أو أصيب الرجل بضيق كلما دخل إلى بيته؛ بحيث إنه يصير محشرجاً، ويصير كأنه في سجن حتى يفارق بيته، أو حيل بينه وبين امرأته؛ بحيث إنه لا يقدر على إتيانها أو ما أشبه ذلك من الأشياء التي يكثر الشكاة لها، ما أكثر الذين يشتكون أنه أصيب أحدهم بكذا وكذا، وأنه أصيب بهذا الصرف، وأصيب بهذه المصائب التي لا شك أنها من عمل الشياطين، ونقول: ما السبب في كثرة هذه المصائب؟ وما السبب في إصابة هؤلاء بهذه الأمور؟ لا شك أن السبب هو: ضعف الإيمان، فمتى كنت مؤمناً، ومتى كنت مسلماً متمسكاً بإسلامك فثق بأن الله يحرسك، وأنه يحميك من كيد هؤلاء السحرة ومن ضربهم.
وما يصاب غالباً بهذه الأمور الشيطانية إلا ضعاف الإيمان، نشاهد أن أكثر الذين يشتكون إما من جن أصابه أو أصاب ابنته، وإما من صرف، وإما من سحر أو نحو ذلك هم من العصاة والفسقة، وإما من الجهلة، وإما من العامة الذين لا يتحصنون، أما أهل التحصن فإن الله يحميهم بما يتحصنون به.
стр. 1120
كيفية التحصن من كيد السحرة والشياطين
إذا أردت أن تكون في حصن حصين من عمل وكيد الشياطين وعمل السحرة فعليك أن تتحصن بالأشياء التي تحفظك: أولها: تحقيق العقيدة السليمة، وهي: كونك تصدق بأن الله هو النافع الضار، وتصدق بأنه هو الذي يحمي العباد إذا تحصنوا به.
ثانيها: كثرة ذكر الله في كل الأحوال؛ فلا تغفل عن ذكر الله فإنه يطرد الشياطين.
ثالثها: الدعاء، فعليك أن تدعو بما يحضرك من الأدعية النافعة التي يكون فيها حفظ لك وحفظ لأهلك وحفظ لبيتك ونحو ذلك.
رابعها: قراءة كتاب الله وكثرة تدبره وتكراره، فإنه حصن لمن قرأه وتحصن به.
خامسها: حماية منزلك من آلات اللهو والملاهي كلها، وعن المعاصي ونحوها؛ فإن الشياطين تألف تلك الأماكن وتلك البيوت الممتلئة بالملاهي، والممتلئة بآلات الفساد ونحوها، فإذا كان المنزل خالياً من هذه الأشياء فإن الملائكة هي التي تعمره، ولا تجتمع الملائكة والشياطين.
стр. 1121
الطرق الجائزة في علاج السحر
شياطين الجن والسحرة ونحوهم قد يسلطون أولياءهم على بعض المتعففين أو على بعض المتمسكين، يريدون بذلك إضراره ورده عما هو عليه، فالحيلة في إبطال هذا الكيد علاجه، ولا شك أنه لا علاج له إلا العلاج الرحماني وهو كلام الله وكلام رسوله ﷺ ، ولا يجوز علاجه بإتيان السحرة، ولا بطلبهم أن يفكوا عنه، ولا العلاج بمثله من السحر، وإذا عرف الساحر فإنه يقام عليه الحد: (حد الساحر ضربه بالسيف) ، فلا يجوز إقراره، فكيف يُؤتى إليه ويقال: فلان مصاب فعليك أن تعالجه! فلا يجوز ذلك، إنما نعالجه بكلام الله وبكلام رسوله ﷺ ، وبالأدعية النافعة، وبالأدوية المباحة.
ولقد تكلم العلماء على بعض العلاجات النافعة، فتكلم على ذلك ابن القيم ﵀ عندما فسر سورتي المعوذتين في كتابه (بدائع الفوائد) ، فإنه فسر سورتي المعوذتين، وأتى على قوله تعالى: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ [الفلق:٤] ، وأطال الكلام على السحر، وعلى ذكر حقيقته، وعلى ما قيل فيه، ثم تكلم عن فك السحر وحلّه عن المسحور وهو المسمى بالنشرة، وذكر الآثار في ذلك، فذكر الحديث الذي روي بلفظ: (أن النبي ﷺ سئل عن النشرة؟ فقال: هي من عمل الشيطان) ، وقال: النشرة: حل السحر عن المسحور، وهو قسمان: حلّ بسحر مثله، وهو الذي من عمل الشيطان، وعليه يحمل كلام الحسن البصري أنه قال: لا يحل السحر إلا ساحر، وصفته: أن الساحر والمسحور كل منهما يتقرب إلى الشيطان بما يحب، فأما أن يدعو الشيطان، وإما أن يطيع الشيطان، حتى يبطل عمله عن المسحور، فهذا حرام، وهذه هي النشرة المحرمة؛ لأن الناشر والمنتشر يتقربان إلى الشيطان بما يحب، فيبطل عمله عن المسحور.
الثاني: العلاج بالقراءة وبالأدعية وبالأوراد وبالآيات ونحوها؛ فهذا لا بأس به، وهو داخل في كون القرآن شفاءً كما وصفه الله؛ فإن الله تعالى وصف القرآن بأنه شفاء في قوله تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾ [الإسراء:٨٢] ، ولهذا إذا قرئ على المصاب بجن أو بسحر، وكان ذلك المصاب عاصياً أو فاسقاً أو متصفاً بخروج عن الطاعة لم تؤثر فيه القراءة حتى يقلع عن معصيته، أو حتى يعلن التوبة وعدم الرجوع، فهنالك يشفى بإذن الله تعالى عملاً بهذه الآية: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى﴾ [فصلت:٤٤] ، وقوله: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾ [الإسراء:٨٢] فهذا هو العلاج.
وقد ذكر ابن القيم وابن كثير أنواعاً من العلاجات، وابن كثير تكلم على السحر وأطال عليه في تفسير قول الله تعالى في سورة البقرة: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ﴾ [البقرة:١٠٢] إلى آخر الآية، وتكلم على قوله: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾ [البقرة:١٠٢] يعني: أن من السحر ما يسبب البغضاء بين الزوجين، والزوجان -غالباً- يكونان متآلفين، فالساحر يقدر بعمله الشيطاني على أن يوقع بينهما الوحشة، وأن يسبب الفرقة بينهما، أو يعمل عملاً يحجز به الزوج عن امرأته ويحبسها فلا يقدر على جماعها، فذكروا علاجاً وصفه ابن كثير ونقله عمن نقله من السلف، وهذا بلا شك من الأشياء المجربة، ذكر أنه يؤخذ سبع ورقات من السدر الأخضر، فتضرب بين حجرين، ثم يصب عليها ماء، ويقرأ فيها سورتي الكافرون والإخلاص: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون:١] و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:١] ، والمعوذتين، وآية الكرسي، وآيات السحر الثلاث: في سورة الأعراف قوله تعالى: ﴿فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانقَلَبُوا صَاغِرِينَ﴾ [الأعراف:١١٨-١١٩] ، وقوله تعالى في سورة يونس: ﴿قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ * وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾ [يونس:٨٠-٨١] ، وقوله تعالى في سورة طه: ﴿قُلْنَا لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الأَعْلَى * وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾ [طه:٦٨-٦٩] ، فيكرر المصاب أو المحبوس عن امرأته قراءتها، وسيفك ذلك عنه بإذن الله إذا توافرت الشروط.
وهناك آيات أخرى غير هذه، ونقل عن ابن عباس ﵄ أن سبعاً وثلاثين آية في القرآن فيها قول: لا إله إلا الله، من قرأها فإنه يُحمى من كيد الشياطين ونحوه، وأنه لا يضره سحر في ذلك اليوم إذا قرأها كورد في الصباح أو في المساء، يعني الآيات التي فيها التهليلات، وتسمى: تهليلات القرآن.
وعلى كل حال فالقرآن كله شفاء كما وصفه الله تعالى، وإن كان فيه آيات تخص قراءتها، وتكون حرزاً للمؤمنين ودعاءً، وكذلك أيضاً الأحاديث النبوية، وقد جمع العلماء متقدميهم ومتأخريهم أدعية من الكتاب والسنة، وجعلوها كأوراد، وقراءتها قبل المرض تكون حفظاً بإذن الله، وبعد المرض تكون علاجاً.
وقد أصيب بعض الإخوان واشتكى أنه تصيبه حشرجة وضيق في صدره؛ بحيث إنه لا يستقر ولا ينشرح باله إذا دخل منزله، فعمد إلى الورد المطبوع المشتهر الذي اسمه: (الورد المصفى المختار) الذي جمعه الملك عبد العزيز ﵀، يقول: أخذت هذا الورد، وجعلت أقرأه قبل أن أنام، إذا جلست على فراشي قرأته من أوله إلى آخره، وإذا أصبحت قرأته من أوله إلى آخره في المصلى، وأنا رافع يدي ومخبت قلبي، قال: فما لبثت إلا شهراً أو أقل من شهر حتى زالت عني تلك الوحشة، واتسع قلبي، وزال عني ما أجد من ذلك الضيق! وهذا دليل على أن كتاب الله وسنة نبيه والأدعية والأوراد سبب في الشفاء إذا وقع المرض، وسبب في الحمية والعصمة والحماية منه قبل وقوعه.
стр. 1122
الكرامات والخوارق الشيطانية
قال الشارح رحمنا الله تعالى وإياه: [والناس من أهل العلم فيهم على ثلاثة أحزاب: حزب يكذبون بوجود رجال الغيب، ولكن قد عاينهم الناس، وثبت عمن عاينهم أو حدثه الثقات بما رأوه، وهؤلاء إذا رأوهم وتيقنوا وجودهم خضعوا لهم.
وحزب عرفوهم، ورجعوا إلى القدر، واعتقدوا أن ثَّم في الباطن طريقاً إلى الله غير طريقة الأنبياء! وحزب ما أمكنهم أن يجعلوا ولياً خارجاً عن دائرة الرسول، فقالوا: يكون الرسول هو ممداً للطائفتين.
فهؤلاء معظمون للرسول جاهلون بدينه وشرعه.
والحق أن هؤلاء من أتباع الشياطين، وأن رجال الغيب هم الجن، ويسمون رجالاً، كما قال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ [الجن:٦] ، وإلا فالإنس يؤنسون، أي: يشهدون ويرون، وإنما يحتجب الإنسي أحياناً، لا يكون دائماً محتجباً عن أبصار الإنس، ومن ظنهم أنهم من الإنس فمن غلطه وجهله.
وسبب الضلال فيهم، وافتراق هذه الأحزاب الثلاثة: عدم الفرقان بين أولياء الشيطان وأولياء الرحمن، ويقول بعض الناس: الفقراء يُسلّم إليهم حالهم! وهذا كلام باطل، بل الواجب عرض أفعالهم وأحوالهم على الشريعة المحمدية، فما وافقها قُبِل، وما خالفها رُد، كما قال النبي ﷺ : (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) ، وفي رواية: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) ، فلا طريقة إلا طريقة الرسول ﷺ ، ولا حقيقة إلا حقيقته، ولا شريعة إلا شريعته، ولا عقيدة إلا عقيدته، ولا يصل أحد من الخلق بعده إلى الله وإلى رضوانه وجنته وكرامته إلا بمتابعته باطناً وظاهراً، ومن لم يكن له مصدقاً فيما أخبر ملتزماً لطاعته فيما أمر في الأمور الباطنة التي في القلوب والأعمال الظاهرة التي على الأبدان لم يكن مؤمناً، فضلاً عن أن يكون ولياً لله تعالى، ولو طار في الهواء، ومشى على الماء، وأنفق من الغيب، وأخرج الذهب من الخشب، ولو حصل له من الخوارق ماذا عسى أن يحصل، فإنه لا يكون مع تركه الفعل المأمور وعزل المحظور إلا من أهل الأحوال الشيطانية المبعدة لصاحبها عن الله تعالى، المقربة إلى سخطه وعذابه، لكن من ليس يكلف من الأطفال والمجانين قد رفع عنهم القلم، فلا يعاقبون، وليس لهم من الإيمان بالله والإقرار باطناً وظاهراً ما يكونون به من أولياء الله المقربين، وحزبه المفلحين، وجنده الغالبين، لكن يدخلون في الإسلام تبعاً لآبائهم، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ [الطور:٢١] ، فمن اعتقد في بعض البله أو المولعين -مع تركه لمتابعة الرسول ﷺ في أقواله وأفعاله وأحواله- أنه من أولياء الله، ويفضله على متبعي طريقة الرسول ﷺ ، فهو ضال مبتدع، مخطئ في اعتقاده، فإن ذاك الأبله إما أن يكون شيطاناً زنديقاً، أو زوكارياً متحيلاً، أو مجنوناً معذوراً، فكيف يفضل على من هو من أولياء الله المتبعين لرسوله أو يساوى به؟! ولا يقال: يمكن أن يكون هذا متبعاً في الباطن، وإن كان تاركاً للاتباع في الظاهر، فإن هذا خطأ أيضاً، بل الواجب متابعة الرسول ﷺ ظاهراً وباطناً.
قال يونس بن عبد الأعلى الصدفي: قلت للشافعي: (إن صاحبنا الليث كان يقول: إذا رأيتم الرجل يمشي على الماء فلا تغتروا به حتى تعرضوا أمره على الكتاب والسنة، فقال الشافعي ﵀: قصّر الليث ﵀، بل إذا رأيتم الرجل يمشي على الماء، ويطير في الهواء، فلا تغتروا به حتى تعرضوا أمره على الكتاب.
وأما ما يقوله بعض الناس عن رسول الله ﷺ أنه قال: (اطلعت على أهل الجنة فرأيت أكثر أهلها البله) فهذا لا يصح عن رسول الله ﷺ ، ولا ينبغي نسبته إليه؛ فإن الجنة إنما خلقت لأولي الألباب الذين أرشدتهم عقولهم وألبابهم إلى الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وقد ذكر الله أهل الجنة بأوصافهم في كتابه، فلم يذكر في أوصافهم البَلَه الذي هو ضعف العقل، وإنما قال النبي ﷺ : (اطلعت في الجنة فرأيت أكثر أهلها الفقراء) ، ولم يقل: البله] .
هذا الكلام حول هؤلاء الذين يسمون أنفسهم أهل الغوث، وهم ممن ينصبون أنفسهم لهذا الأمر، ولا شك أن الغوث إنما هو من الله تعالى، فمعلوم أن الغوث الذي هو إزالة الشدة وتفريج الكربات من الله، وأما الإنسان فلا يقدر أن يزيل شدة، ولا أن يفرج كرباً، ولا أن يسد حاجة إنسان بدون أمر وإعانة من الله تعالى، فذكر أن هناك من يقول: إن هؤلاء الذين وصلوا إلى هذه الحالة تفوقوا على الأنبياء، وأن الله يمدهم بعطاء من عنده، ويفتح عليهم، وينزل عليهم ملائكته أو ينزل عليهم وحيه بواسطة أو بغير واسطة، وأنهم قد استغنوا عن الوحي وعن شرائع الأنبياء، وهذه مقالة بعض العوام أو من يقلدهم.
والجواب عليها: أن هذا كفر، ولا يجوز لأحد أن يستغني عن الشريعة الإسلامية مهما كانت حالته، بل الشريعة المحمدية هي خاتمة الشرائع، والنبي محمد ﷺ آخر الأنبياء، ولا يسع أحد الخروج عن شريعته، ومن نواقض الإسلام أن يعتقد أحد أن إنساناً يسعه الخروج عن شريعة النبي ﷺ ، كما وسع الخضر الخروج عن شريعة موسى! ثم هناك طائفة اعتقدت أن هؤلاء الذين يسمون أهل الغوث أو نحوهم كذبة، وأنه ليس هناك ما يسمى بغوث أو ما يسمى بفتح أو إلهام أو نحو ذلك، وقد تقدم في كرامات الأولياء: أن الله قد يفتح على بعض أوليائه وينطقهم بكلمات هي حكمة، أو يكون فيها شيء مما يسمى بخرق العادة، ويكون ذلك كرامة لهم، فلا يجوز إنكار ذلك.
стр. 1123
أنواع الخوارق
خوارق العادة ثلاثة أنواع: النوع الأول: هو الذي يجري على أيدي الرسل والأنبياء، وهذه تسمى معجزات، ولا يستطيع أحد من البشر أن يأتي بمثل معجزات الأنبياء.
النوع الثاني: يجري على أيدي الصالحين من عباد الله، وهذه تسمى كرامات، بأن يفتح الله عليهم ويلهمهم، أو يعطيهم كرامات ظاهرها أنها تعجز البشر، ولكنها فتح من الله ومنّة منه؛ لتقوية الإيمان، أو لإمدادهم، أو لغير ذلك.
النوع الثالث: ما يجري على أيدي السحرة والمشعوذين والكهنة ونحوهم، وقد ذكرنا أن هذا يسمى بالأحوال الشيطانية، وأن الشيطان قد يلابس بعض الناس، ويظهر منه أفعال قد يتعجب منها، كما يحدث أناس بأفعالهم وبعجائب أمورهم، حتى ذُكر أن أحدهم لما لابسه شيطانه أتى إلى نار موقدة وفيها جمر أمثال الحجارة، وجعل يأخذ الجمر بيده ويأكلها، ويُسمع لها حس إذا دخلت في ريقه وانطفأت به، ثم يبتلعها، حتى ابتلع الجمر كله، ويقولون: كانت النار تتقّد لكثرة جمرها، فانطفأت من كثرة ما أكل، ولا شك أن هذا من الشيطان الذي لابسه، والشيطان مخلوق من النار، ولا يتأثر بالنار، قال تعالى: ﴿وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ﴾ [الحجر:٢٧] ، فلا ينكر أن تجري مثل هذه الأشياء على أيدي هؤلاء المشعوذين ومن أشبههم.
كذلك أيضاً لا شك أن هؤلاء الذين يسمون أنفسهم أو يسميهم بعض الناس أهل الغوث، ليس لهم طريق يسلكونه إلا سلوك الطريق النبوية، وليس لأحد أن يخالف الشريعة، بل الأمة مكلفة باتباع هذه الشريعة مهما كانت، ولو خالفت الأهواء، ولو صعبت في بعض الأحوال؛ إذ لا يجوز لأحد الخروج عن العقيدة قيد أنملة، بل يتقيد بها، والله تعالى سدّ الطرق إلا طريق النبي محمد ﷺ ، وكلف الأمة باتباعه وبتقليده مهما كانت الأحوال، وجعل طاعته سبباً للسعادة، ومعصيته سبباً للشقاوة؛ قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:٧١] ، وقال: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [النساء:١٤] .
стр. 1124
لا يُصدق أصحاب خوارق العادات حتى يُعرضوا على الكتاب والسنة
ذكر العلماء ﵏ أن ما يقوله هؤلاء الذين يسمون أنفسهم أهل الغوث من تسويل الشيطان غالباً، وأنه يلابسهم حتى ينخدع بهم من ينخدع، فلا بد أن نعرض أمرهم على الكتاب والسنة.
وذكر المؤلف كلام الليث بن سعد، وهو عالم مصر ﵀، فنقل إلى الشافعي أنه يقول: إذا رأيت صاحب هوى يمشي على الماء فلا تغتر به حتى تعرض أمره على الكتاب والسنة، والشافعي ﵀ يقول: قصر الليث، بل إذا رأيته يطير في الهواء فلا تغتر به حتى تعرض أمره على الكتاب والسنة؛ وذلك لأنه يُشاهد.
ونقل أيضاً متقدمون ومتأخرون أن السحرة ونحوهم قد يرفعون بعض الناس حتى يخيل للناس أنه بين السماء والأرض، فيتحرك ويضطرب ويتكلم، فيقولون: سبحان الله! يطير في الهواء بدون أن يمسكه شيء، وليس هناك شيء يرفعه، ولا يدرون أن الشياطين هي التي حملته!! وذكر شيخ الإسلام في كتاب (الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان) أن الشياطين أو الجن تحمل بعض أوليائها من مكان بعيد مسيرة شهر أو أشهر على الرواحل، وأنه يصل إلى الناس في عرفة، ويقف معهم، ويجلس معهم ساعة أو ساعات، ثم يردونه إلى مكانه في يومه أو في ليلته، وأنه يحدث الناس، ويقول: رأيت فلاناً وفلاناً، وسلمت على فلان، وقابلت فلاناً وهو راكب في كذا وكذا، وحدث كذا وكذا، إذا قدم الحجاج سألوهم، فقالوا: صحيح، هذا شيء وقع، وقد رأينا فلان حج معنا في عرفة، ولكن ما رأيناه في غير عرفة، ويتكلمون بما يطابق ما قال، فكيف حصل هذا؟! يقول: إن الجن حملته، والشياطين لها قدرة على الطيران لخفتها، فإذا كانت تصل إلى السماء كما قال الله عنهم: (وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ) فكيف لا تحمل هذا الشيء الثقيل وتوصله إلى مكان تقدر عليه إلى حيث تشاء ثم ترده؟!! ولكن لا تخدمه إلا إذا كان من أوليائها الموالين لها، والمتقربين إليها.
فكيف نقول في هؤلاء؟ نعرض أمرهم كما قال الشافعي والليث على الكتاب والسنة.
стр. 1125
حقيقة من يُسمون بالبله
اشتهر أناس في الزمان الأول كانوا يسمون بالبله، وقد يسمون بالمجانين، وكان يقال لأحدهم: المجنون فلان، والمجنون فلان، ثم ينقلون عنهم أفعالاً ويقولون: إنهم ممن رفع عنهم القلم، وسقطت عنهم التكاليف وأشباه ذلك.
فنقول: ليس الأمر كذلك، والحديث الذي يتناقلونه وفيه: (أن أكثر أهل الجنة البله) لا يصح، بل الله تعالى ذكر أن أكثر أهل الجنة على لسان نبيه هم العاملون، وهم أولو الألباب، والله تعالى يذكر دائماً أولي الألباب -يعني: أهل العقول- ولا يذكر البله، ولا ناقصي العقول ولا المجانين ونحوهم؛ بل هؤلاء أقل أحوالهم أن تسقط عنهم التكاليف، ولا يكلف أحدهم إذا فقد العقل، كما قال النبي ﷺ : (رفع القلم عن ثلاثة -وذكر منهم- المجنون حتى يفيق) ، فالأبله ضعيف العقل، قريب من المجنون، فكيف يكونون أكثر أهل الجنة؟! بل هم إذا دخلوا الجنة فإنهم يعاملون على أنهم ممن أثيبوا لأجل أنهم لم يستطيعوا أن يعملوا لقلة فهمهم وعقلهم.
وبكل حال فهؤلاء الذين يسمون بالبله، قد انخدع بهم خلق كثير من المتقدمين والمتأخرين؛ بل وإلى زماننا، كما ذكر لنا أن هناك من المتأخرين في مصر وفي سوريا وفي كثير من البلاد الإفريقية من يعظمون هؤلاء الضعفاء، ويدعون أنهم أولياء، وأنهم ممن سقطت عنهم التكاليف، وأنهم ممن يأخذون الوحي بدون واسطة الأنبياء وأنهم وأنهم! ويقولون: إن من كراماتهم أن أحدهم إذا مات فإن الملائكة تحمله على النعش، والذين يحملونه فوق متونهم لا يحسون بثقله، فيخيل إليهم هذا، حتى قيل: إنه لما مات واحد من أولئك المجانين أراد أولياؤه أن يوهموا العامة أن هذا ممن حملته الملائكة، فصاروا يسرعون به سرعة زائدة، مع أنهم يحسون بثقله، ولكن كأنهم يقولون: انظروا -أيها العامة- أننا نحمله، وكأننا لا نحمل شيئاً؛ فالملائكة تحمله فوقنا، ونحن لا نحس به، فنحن الآن نسعى سعياً شديداً حتى كأننا لم نحمل شيئاً! وكل هذا لأجل إيهام هؤلاء العامة أنه من الأولياء، حتى يغلوا فيه، مع أنه مجنون لم يُعرف إلا بكلام ساقط.
والمتقدمون ترجموا لهؤلاء فيقولون: قال المجنون سحنون، قال المجنون بهلول! وهذه أسماء موجودة في كتب التراجم التي تتكلم عن كرامات الأولياء ونحوهم، ومع ذلك يعتدون بكلامه وهم يسمونه مجنوناً! وكذلك أيضاً يذكرون أنهم في بعض البلاد من جهلهم أو بلههم أن أحدهم يمشي عرياناً، فيقولون: هذا ممن سقط عنه التكليف! وهذا كان حتى في الزمن المتوسط في عهد الإمام محمد بن إسماعيل الصنعاني صاحب (سبل السلام) ، ففي قصيدته البائية يقول فيها: كقوم عراة في ذرى مصر ما على عورة منهم هناك ثياب يعدونهم في مصرهم من خيارهم دعاؤهم فيما يرون مجاب مع أنهم يمشون عراة ليس على عوراتهم ثياب، ومع ذلك يقولون: هؤلاء هم المجانين الذين سقطت عنهم التكاليف، وهؤلاء هم البله الذين لا حرج عليهم، ونقول: لا شك أن هذا من تلاعب الشيطان بهم.
فعلى كل حال: لا يُغتر بمثل هؤلاء؛ بل يُرد أمر الجميع إلى كتاب الله وإلى سنة نبيه ﷺ ، فما وافق ذلك فهو الصواب.
следующие страницы →