← Акыда

Акыда · id 7724

شرح العقيدة الطحاوية - ابن جبرين

ابن جبرين

Полный текст (1 175 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

اتصاف الله تعالى بالربوبية والخلق قبل وجود متعلقهما قال المؤلف ﵀: [قوله: (له معنى الربوبية ولا مربوب ومعنى الخالق ولا مخلوق) . يعني أن الله تعالى موصوف بأنه الرب قبل أن يوجد مربوب وموصوف بأنه خالق قبل أن يوجد مخلوق، قال بعض المشايخ الشارحين: وإنما قال: له معنى الربوبية ومعنى الخالق دون الخالقية؛ لأن الخالق هو المخرج للشيء من العدم إلى الوجود لا غير، والرب يقتضي معاني كثيرة، وهي: الملك والحفظ والتدبير والتربية وتبليغ الشيء كماله بالتدريج، فلا جرم أتى بلفظ يشمل هذه المعاني وهي الربوبية. انتهى، وفيه نظر؛ لأن الخلق يكون بمعنى التقدير أيضاً] . هذا مثل ما سبق قبله أن الله تعالى من أسمائه (الخالق) قبل أن يوجد المخلوقون، ومن أسمائه (الرازق) قبل أن يوجد المرزوقون، فمن صفاته (الربوبية) قبل أن يوجد المربوبون ومن صفة أسمائه (الخالق) قبل أن يأتي أو يوجد المخلوقون، وله معنى ذلك. ولا شك أن الربوبية تقتضي أنه الرب بمعنى (المالك) ، وتقتضي أنه الرب بمعنى (المربي) الذي يربي خلقه بالنعم أو الذي يربيهم بالعلوم ويفتح عليهم المعارف، فالكل من حق الله تعالى أنه الرب، بمعنى المالك المنعم المتصرف المربي المتفضل على خلقه، وكذلك الخالق، فالخالق بمعنى المنشئ للخلق المبتدئ لهم على غير مثال سابق، وكل ذلك له وحده.

стр. 177

اتصاف الله تعالى بإحياء الموتى وخلق الخلق قال المؤلف ﵀: [قوله: (وكما أنه محيي الموتى بعد ما أحيا استحق هذا الاسم قبل إحيائهم، كذلك استحق اسم الخالق قبل إنشائهم) . يعني أنه موصوف بأنه محيي الموتى قبل إحيائهم، فكذلك يوصف بأنه خالق قبل خلقهم، إلزاما للمعتزلة ومن قال بقولهم، كما حكينا عنهم فيما تقدم، وتقدم تقرير أنه تعالى لم يزل يفعل ما يشاء] . ويعتقد المسلم أن الله تعالى يفعل ما يشاء، فإن من صفاته أنه يحيي ويميت، فمن شاء أحياه ومن شاء أماته، ومن شاء رزقه، ومن شاء أفقره ومن شاء أغناه، يعطي من يشاء ويمنع، ويخفض من يشاء ويرفع، ويعز من يشاء ويذل، وهذه الأوصاف التي هي من صفاته هي أيضاً قديمة، بمعنى أنه موصوف بها أزلاً، أي: أن من أسمائه المحيي قبل أن يخلق الذين يحييهم، وكذلك المميت، وكذلك المعطي والمانع والخافض والرافع وما أشبه ذلك. والقصد من معرفة هذه الأسماء أن يعرف العبد أنها لله تعالى فيرغب إليه أن يعزه، ويعلم أن من أذله الله فلا معز له. ويرغب إليه أن يرفع قدره، ويعرف أن من خفضه الله فلا رافع له. ويرغب إليه بالهداية، ويعلم أن من يضلل الله فما له من هاد، وهكذا بقية الصفات. وذلك أن هناك فرقاً من المبتدعة كالمعتزلة الذين يعتقدون أنه لا يفعل إلا ما يقدر عليه، وأن العبد يفعل بغير قدرة الله -تعالى الله عن قولهم-، وأن العبد هو الذي يفعل باختياره وهو الذي يهدي نفسه ويضل نفسه، ولا شك أن هذا فيه اعتراض على الله وحجر لصفته، وأنه لا يفعل أو لا يقدر إلا على ما يقدر عليه بدون بعض الأشياء التي لا يقدر عليها، فالله تعالى قد وصف نفسه بعموم القدرة في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [المائدة:١٢٠] ، وسيأتينا هذا إن شاء الله.

стр. 178

عموم قدرته تعالى وضلال المعتزلة قال المؤلف ﵀: [قوله: (ذلك بأنه على كل شيء قدير، وكل شيء إليه فقير، وكل أمر عليه يسير، لا يحتاج إلى شيء ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] ) ] . قال الشارح: (ذلك) إشارة إلى ثبوت صفاته في الأزل قبل خلقه والكلام على (كل) وشمولها، وشمول (كل) في كل مقام بحسب ما يحتف به من القرائن يأتي في مسألة الكلام إن شاء الله تعالى. وقد حرفت المعتزلة المعنى المفهوم من قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة:٢٨٤] ، فقالوا: إنه قادر على كل ما هو مقدور له، وأما نفس أفعال العباد فلا يقدر عليها عندهم، وتنازعوا: هل يقدر على مثلها أم لا؟! ولو كان المعنى على ما قالوا لكان هذا بمنزلة أن يقال: هو عالم بكل ما يعلمه وخالق لكل ما يخلقه ونحو ذلك من العبارات التي لا فائدة فيها، فسلبوا صفة كمال قدرته على كل شيء. وأما أهل السنة فعندهم أن الله على كل شيء قدير، وكل ممكن فهو مندرج في هذا، وأما المحال لذاته مثل كون الشيء الواحد موجودا معدوما في حال واحدة فهذا لا حقيقة له ولا يتصور وجوده، ولا يسمى شيئا باتفاق العقلاء، ومن هذا الباب خلق مثل نفسه وإعدام نفسه وأمثال ذلك من المحال. وهذا الأصل هو الإيمان بربوبيته العامة التامة؛ فإنه لا يؤمن بأنه رب كل شيء إلا من آمن أنه قادر على تلك الأشياء، ولا يؤمن بتمام ربوبيته وكمالها إلا من آمن بأنه على كل شيء قدير، وإنما تنازعوا في المعدوم الممكن هل هو شيء أم لا؟ والتحقيق: أن المعدوم ليس بشيء في الخارج، ولكن الله يعلم ما يكون قبل أن يكون ويكتبه، وقد يذكره ويخبر به، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ [الحج:١] ، فيكون شيئا في العلم والذكر والكتاب لا في الخارج، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٢] ، قال تعالى: ﴿وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا﴾ [مريم:٩] أي: لم تكن شيئا في الخارج وإن كان شيئا في علمه تعالى، وقال تعالى: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ [الإنسان:١]] . يعتقد المسلمون ما أخبر الله به عن نفسه من عموم قدرته أنه على كل شيء قدير، وكلمة (شيء) يدخل فيها ما هو موجود وما هو معلوم مما يقدره الله تعالى، وتدخل فيها أعمال العباد، فيدخل فيها عمل العبد مثل عباداته وطاعاته وحسناته، وكذا سيئاته وخطاياه كلها داخلة في عموم (كل) في قوله تعالى: ﴿عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة:٢٠] ، فيدخل في ذلك كل الممكنات. أما غير الممكن المستحيل فإنه لا يدخل في هذا العموم، مثل كون الشيء معدوماً موجوداً في آن واحد، فهذا من المستحيل أن يوجد ويعدم في آن واحد، أو يكون الشخص حياً ميتاً في آن واحد، ومثل ما يورده بعض المتعنتين فيقولون: هل يقدر الله أن يخلق مثل نفسه؟ نقول: هذا محال، ولا ينبغي الخوض فيه، فهو من المحال؛ حيث إنه تعالى هو المنفرد الذي ليس له شريك وليس له شبيه ولا معين. والمعتزلة ينكرون هذا العموم (على كل شيء قدير) ، ويقولون: على ما يقدر عليه قدير. ولا شك أن هذا فيه تنقص؛ فإنه بمعنى: قدير على ما يقدر عليه، ولا شك أن هذا لا فائدة فيه. فقولهم: قدير على ما يقدر عليه، معناه أنه لا يقدر على كل شيء، وأن هناك أشياء لا يقدر عليها -تعالى الله عن قولهم- فيكون في هذا تنقص، فالآيات فيها العموم، فهو على كل شيء قدير عموماً لا يستثنى منه شيء مما يدخل في الإمكان. وأما كلامهم في المعدوم هل هو شيء أو ليس بشيء، فالمعدوم -على الصحيح- لا يقال له شيء حتى يوجد، ولكن الله تعالى عالم بما يوجد من المعدومات التي توجد، وقادر على إيجاده في الوقت الذي قدر إيجاده، وإلا فقد نفى أن يكون المعدوم شيئاً في قوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ [الإنسان:١] ، وكذلك قوله تعالى مخاطباً لزكريا: ﴿وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا﴾ [مريم:٩] يعني: لم تكن موجوداً، بل كنت معدوماً وقد خلقتك، فنفى أن يكون المعدوم شيئاً على الوجود، ولكن هو في علم الله شيء إذا قدر أنه سيوجد، فهو داخل في قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل:٤٠] . فالله تعالى أخبر بأنه إذا قال للشيء كن وهو معدوم كان، فسماه شيئاً مع كونه معدوماً؛ لأنه يوجد إذا قال الله له: (كن) ، وهذا معنى أن أمره تعالى بين الكاف والنون، فخلقه للمعدومات التي قدر أنها توجد بقول: (كن) ، وهكذا حقق المحققون أن المعدوم شيء في علم الله، وليس شيئاً في الوجود فيما يرى ولا فيما يشاهد.

стр. 179

التشبيه والتعطيل وموقف أهل السنة منهما قال المصنف رحمه الله تعالى: [وقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] رد على المشبهة، وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] رد على المعطلة، فهو موصوف بصفات الكمال، وليس له فيها شبيه، فالمخلوق وإن كان يوصف بأنه سميع بصير فليس سمعه وبصره كسمع الرب وبصره، ولا يلزم من إثبات الصفة تشبيه؛ إذ صفات المخلوق كما يليق به وصفات الخالق كما يليق به، ولا تنف عن الله ما وصف به نفسه وما وصفه به أعرف الخلق بربه وما يجب له وما يمتنع عليه وأنصحهم لأمته وأفصحهم وأقدرهم على البيان؛ فإنك إن نفيت شيئا من ذلك كنت كافرا بما أنزل على محمد ﷺ ، وإذا وصفته بما وصف به نفسه فلا تشبهه بخلقه فليس كمثله شيء، فإذا شبهته بخلقه كنت كافرا به، قال نعيم بن حماد الخزاعي شيخ البخاري: من شبه الله بخلقه فقد كفر، ومن جحد ما وصف الله به نفسه فقد كفر، وليس ما وصف الله به نفسه ولا ما وصفه به رسوله تشبيها. وسيأتي في كلام الشيخ الطحاوي ﵀: (ومن لم يتوق النفي والتشبيه زل ولم يصب التنزيه) ] . بعض الآية الذي هو قول الله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١] رد على طائفتين متقابلتين: إحداهما غلت في الإثبات، وهم الممثلة المشبهة. والأخرى غلت في النفي وهم المعطلة النفاة. فرد الله على الأولى ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:١١] أي: لا تجعلوا لله مثلاً. فليس له مثل في صفاته ولا في ذاته ولا في أفعاله، لا في صفاته الفعلية ولا في صفاته الذاتية، أي: لا يشبهه شيء. وذلك لأن الذين غلوا في الإثبات وجعلوا يد الله كأيدينا وسمعه كأسماعنا. أو قالوا: إنه يسمع بكذا وبكذا. أو: إنه ينظر بكذا وما أشبه ذلك مما غلوا فيه إلى أن أثبتوا له خصائص المخلوقين لا شك أنهم قد وقعوا فيما هو كفر، ولهذا يقول نعيم: من شبه الله بخلقه فقد كفر. ويقول آخر: المشبه يعبد صنماً، والمعطل يعبد عدماً، والموحد يعبد إلهاً واحداً فرداً صمداً, وهو الموحد الذي يثبت لله الصفات ويجعلها لله وحده لا يشبهه فيها شيء، وفي ذلك أيضاً يقول ابن القيم: لسنا نشبه ربنا بصفاتنا إن المشبه عابد الأوثان كلا ولا نخليه من أوصافه إن المعطل عابد البهتان والمعطل: هو الذي ينكر صفات الله، والذي ينفي أن الله متصف بصفات الكمال كالسمع والبصر والعلم المحبة والرحمة، وصفات الذات كاليد التي أثبتها لنفسه أو اليدين وكالعين والوجه وما أشبه ذلك من الصفات. ولا شك أن من نفى ذلك فقد عطل الله تعالى، وتعطيل الصفات يلزم منه تعطيل الذات، فكأنه لم يثبت إلهاً يعبد.

стр. 180

شرح العقيدة الطحاوية [١٣] من عقائد أهل السنة والجماعة اعتقادهم أن الله تعالى قدر الأقدار وضرب الآجال، فكل ما يجري في الكون من خلق وإحياء وإماتة وأعمال العباد؛ كل ذلك بتقديره وبعلمه، ولم يخالف في ذلك إلا من أعمى الله بصيرته عن الهدى، فلم يوفق للتسليم بما جاء عن الله وعن رسوله ﷺ .

стр. 181

الكلام على الدعاء فيما سبق به القدر

стр. 182

الكلام على آية: (وما يعمر من معمر) قال المؤلف رحمه الله تعالى: [واعلم أن الدعاء يكون مشروعا نافعاً في بعض الأشياء دون بعض، وكذلك هو، ولهذا لا يجيب الله المعتدين في الدعاء، وكان الإمام أحمد ﵀ يكره أن يدعى له بطول العمر، ويقول: هذا أمر قد فرغ منه. وأما قوله تعالى: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾ [فاطر:١١] فقد قيل في الضمير المذكور في قوله تعالى: (مِنْ عُمُرِهِ) إنه بمنزلة قولهم: عندي درهم ونصفه، أي: ونصف درهم آخر فيكون المعنى: ولا ينقص من عمر معمر آخر، وقيل: الزيادة والنقصان في الصحف التي في أيدي الملائكة. وحمل قوله تعالى: ﴿لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ * يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد:٣٨-٣٩] ، على أن المحو والإثبات من الصحف التي في أيدي الملائكة. وأن قوله: ﴿وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد:٣٩] اللوح المحفوظ، ويدل على هذا الوجه سياق الآية، وهو قوله: ﴿لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ﴾ [الرعد:٣٨] ، ثم قال: ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ [الرعد:٣٩] أي: من ذلك الكتاب ﴿وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد:٣٩] أي: أصله وهو اللوح المحفوظ. وقيل: يمحو الله ما يشاء من الشرائع وينسخه ويثبت ما يشاء فلا ينسخه، والسياق أدل على هذا الوجه من الوجه الأول، وهو قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ﴾ [الرعد:٣٨] ، فأخبر تعالى أن الرسول لا يأتي بالآيات من قبل نفسه بل من عند الله، ثم قال: ﴿لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ * يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ [الرعد:٣٨-٣٩] أي: أن الشرائع لها أجل وغاية تنتهي إليها ثم تنسخ بالشريعة الأخرى، فينسخ الله ما يشاء من الشرائع عند انقضاء الأجل ويثبت ما يشاء، وفي الآية أقوال أخرى، والله أعلم بالصواب] . هذا يتعلق بعلم الله تعالى بالكائنات قبل وقوعها وبتحديدها وتقديرها، ومن ذلك أن الله تعالى حدد أجل كل إنسان وقدر عمره كما في هذه الآية، وهي قوله تعالى: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾ [فاطر:١١] أي: الذي يعمر فيطول عمره هذا مكتوب، والذي ينقص من عمره فيموت وهو صغير أو وهو شاب أو وهو كهل لم يبلغ سن الشيخوخة أو الكبر، فذلك أيضاً مكتوب عمره ومحدد، وهو معنى الآيات التي فيها ذكر الآجال، كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف:٣٤] أي: ساعة، وكقوله تعالى: ﴿وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا﴾ [المنافقون:١١] أي: أجلها المحتوم المكتوب، فلا بد أن يكون موتها في الوقت الذي كتب الله. ولما قال المنافقون في غزوة أحد: ﴿لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا﴾ [آل عمران:١٦٨]-يعنون إخوانهم- قال الله: ﴿قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ﴾ [آل عمران:١٦٨] يعني: أنتم سوف تموتون فادفعوا الموت عن أنفسكم، وفي آية أخرى قال لهم: ﴿قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ﴾ [آل عمران:١٥٤] يعني: الله تعالى قد كتب القتل على هؤلاء الذين قتلوا، فلو تحصنوا في بيوتهم لجعل الله لهم أسباباً يبرزون بها ويخرجون حتى يأتيهم الأجل الذي كتب عليهم ولا بد. وهذا من حيث العموم، فيعتقد المسلمون أن الله سبحانه قدر الآجال وحددها.

стр. 183

سبق القدر لا ينافي جواز الدعاء بطول العمر ونحو ذلك واختلف في جواز الدعاء بطول العمر، كأن يقال: اللهم متعني بأولادي أو بأخي أو ما أشبه ذلك. وقد مر بنا الحديث الذي فيه إنكار النبي ﷺ على أم حبيبة في قولها: (اللهم متعني بزوجي رسول الله وبأبي أبي سفيان وبأخي معاوية. فأنكر عليها وقال: لقد سألت الله لآجال مضروبة، وأعمار محدودة، وأرزاق مقسومة) وأخبرها أنها لو سألت الله تعالى أن يعيذها من عذاب النار وعذاب القبر لكان خيراً. وذكر الشارح هنا أن الإمام أحمد كان يكره أن يدعى له بطول العمر، وقد اختلف في جواز ذلك، ولكن الصحيح أن ذلك جائز إن شاء الله، كما يدعى للإنسان بالجنة وبالمغفرة وبالرزق وبالحياة الطيبة وما أشبه ذلك، وكما يدعو الإنسان أيضاً لنفسه بهذه الأشياء، وقد سبق أن بينا أدلة ذلك، وأن هذا لا ينافي كونها مقدرة؛ فإن القدر عام لكل شيء حتى للجنة والنار، والله تعالى قد علم أهل الجنة ومع ذلك هم مأمورون بسؤالها. فلا يقال: لا تسأل الجنة لأنك إن كنت مكتوباً من أهلها فإنك ستصير من أهلها، بل يقال: سل الله الجنة، وقد أمر بذلك النبي ﷺ في قوله: (تسألونه الجنة وتستعيذون به من النار) ، وأقر ذلك الأعرابي الذي قال: (إنما أسأل الله الجنة وأعوذ به من النار. فقال: حولها ندندن) يعني: أننا ندندن ونسأل ونكثر من السؤال في طلب الجنة والنجاة من النار. فإذا كان قد كتب على الإنسان مقعده من الجنة أو مقعده من النار، ولا ينافي ذلك أن يسأل الله الجنة؛ فكذلك قد كتب له رزقه الذي سوف يأتيه ولا ينافي ذلك أنه يطلبه ويعمل ويتكسب، وقد كتب له أيضاً ما سوف يكتسبه أو يحويه، ومع ذلك فهو مأمور بأن يسأل الله رزقاً واسعاً حلالاً، أو ما أشبه ذلك، ومأمور أيضاً بأن يسأل ربه حياة سعيدة وحياة طيبة ولو كان ذلك مكتوباً. والحاصل أن كتابة الأعمار، وكتابة الأرزاق والآجال، وكتابة السعادة والشقاوة، وكتابة كل شيء يأتي الإنسان؛ لا تنافي أن يسأل ولا تنافي أن يعمل. وهكذا أيضاً هو مأمور بالسؤال ومأمور بالعمل، ولكن مع كونه مكتوباً فقد يكون معلقاً على سبب، كأن يقول الله أو يكتب الله: إننا سنرزقه بسبب سؤاله، أو: نجعله من أهل الجنة بسبب كثرة إلحاحه بالدعاء، أو: نوسع عليه رزقه بسبب كثرة طلبه؛ فيكون هذا الدعاء سبباً أزلياً، فيقال: قد كتب الله أنه يسأل ويكون سؤاله من الأسباب التي يرزق بسببها ويسعد بسببها ويكتسب بسببها وما أشبه ذلك. وهذا كما يفعل في الأشياء الحسية، فإن الإنسان مأمور بأن يأكل وبأن يشرب وبأن يتزوج وبأن يكتسي وبأن يبني سكناً وما أشبه ذلك، وإن كان ذلك أيضاً مكتوباً له. فعلى كل حال كتابة الأشياء في الأزل وكتابة الأعمار في هذه الآية وغيرها لا تنافي أن يسأل الإنسان ربه وأن يدعوه، فالله تعالى قد أمر بدعائه، قال تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر:٦٠] وغير ذلك من الآيات، وكما أمر بالعمل فقال تعالى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ﴾ [التوبة:١٠٥] .

стр. 184

عموم علم الله بكل شيء ولو لم يكن قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قوله: (ولم يخف عليه شيء قبل أن يخلقهم، وعلم ما هم عاملون قبل أن يخلقهم) . يعلم سبحانه ما كان وما يكون وما لم يكن أن لو كان كيف يكون، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام:٢٨] ، وإن كان يعلم أنهم لا يردون، ولكن أخبر أنهم لو ردوا لعادوا، وكما قال تعالى: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنفال:٢٣] ، وفي ذلك رد على الرافضة والقدرية الذين قالوا: إنه لا يعلم الشيء قبل أن يخلقه ويوجده، وهي من فروع مسألة القدر، وسيأتي لها زيادة بيان إن شاء الله تعالى] . هذا من تمام الكلام على أن الله تعالى علم ما كان وما سوف يكون وعلم ما لم يكن لو كان كيف يكون، ولا شك أن علم الله تعالى واسع لما مضى ولما يأتي، فالأشياء التي لم تأت وهي سوف تأتي قد علمها سبحانه، بل قد كتبها، فعلم عدد المخلوقات وعلم أعمالهم ونحو ذلك.

стр. 185

المحو والإثبات لما كتب وقد ذكر في الحديث الصحيح أن الله تعالى يكتب أو يأمر الملك أن يكتب أعمال الإنسان وهو في الرحم، يكتب رزقه وعمله وأجله وشقي أو سعيد، وإن كانت هذه كتابة ثانية، مع أن ذلك مكتوب في أم الكتاب وهو اللوح المحفوظ، وهذا لا تتغير الكتابة الموجودة فيه. وأما ما في أيدي الملائكة من الصحف فإن الله تعالى يمحو منها ما يشاء ويثبت، وهذا معنى الآية، وهي قوله تعالى: ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد:٣٩] ، والمراد: بأم الكتاب اللوح المحفوظ، فاللوح المحفوظ لا يتغير شيء مما كتب فيه، وأما ما في الصحف التي مع الملائكة فإنهم يكتبون أعمال الإنسان وأقواله: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق:١٨] . وبما أنه قد يكون من تلك الأقوال ما لا ثواب فيه ولا عقاب، فيمكن أن هذا هو الذي يمحى، ويبقى ما فيه ثواب أو فيه عقاب، والجميع مكتوب في اللوح المحفوظ، وعلى كل حال فإن علم الله تعالى بالآجال وبالكائنات وبما سوف يحدث علم أزلي قديم.

стр. 186

ذكر أول من أنكر علم الله وطريقة إفحامهم وقد أنكر ذلك بعض المبتدعة، وكان أول من أنكره من القدرية معبد الجهمي وغيلان القدري وعمرو بن عبيد القدري وواصل بن عطاء القدري، وكل هؤلاء أدركوا زمن الصحابة أو آخر زمن الصحابة، ولكنهم -والعياذ بالله- تلقوا هذه البدع عن بعض النصارى أو نحوهم، فكان من عقيدتهم أن الله لا يعلم الأشياء إلا بعد وجودها، وأن الأمر أنف، أي: مستأنف. وسئل عنهم ابن عمر فأنكر عليهم إنكاراً شديداً، كما في الحديث الذي ذكره مسلم في أول صحيحه فقال: (إذا لقيت أولئك فأخبرهم أني بريء منهم وهم برآء مني، والذي نفس ابن عمر بيده لو أنفق أحدهم مثل أحد ذهباً ما قبله الله منه حتى يؤمن بالقدر خيره وشره) ، يعني: أن يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطئه لم يكن ليصيبه. وعلى هذه العقيدة أيضاً الرافضة ونحوهم، وغالب الرافضة معتزلة، فهم جمعوا بين بدعة الرفض التي هي تكفير الصحابة، وبدعة الاعتزال التي هي إنكار صفات الله، ومن أبرز الصفات صفة العلم، وهؤلاء الذين ينكرون أن الله يعلم الأشياء قبل وجودها هم الذين عناهم الإمام الشافعي ﵀ بقوله: (ناظروهم بالعلم، فإن أقروا به خصموا، وإن جحدوه كفروا) يعني: إذا ابتليتم بأحدهم بمجادلته ومخاصمته ومناظرته فسلوهم عن صفة العلم لله، فإذا أقروا به خصموا، أي: يقال لهم: ما الفرق بين العلم الماضي وعلم المستقبل؟ فإنه إذا كان يعلم الماضي فهو يعلم المستقبل، وقولوا لهم أيضاً: هل تحدث هذه الكائنات بغير إرادته؟ فلا بد أن يقولوا: هو الذي يحدثها وهو الذي يوجدها، فيقال: كيف يوجدها وهو لا يعلم وقت وجودها؟ وناظروهم أيضاً بالأدلة كقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ﴾ [الحج:٧٠] ، ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة:٧] إلى آخر الآية، وأشباه ذلك، فإنهم بهذا سوف ينقطعون ولا يجدون حجة.

стр. 187

غاية خلق الخلق وإيجادهم قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قوله: (وأمرهم بطاعته ونهاهم عن معصيته) . ذكر الشيخ ﵀ الأمر والنهي بعد ذكره الخلق والقدر، إشارة إلى أن الله تعالى خلق الخلق لعبادته، كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات:٥٦] ، وقال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك:٢]] . أي: كما أن الله علم الأشياء قبل وجودها وقدرها وحددها وأرادها وشاءها فذلك لا ينافي الأمر والنهي، فهو الذي كلف العباد، ولا شك أنه ما كلفهم إلا وهم يقدرون، فلا يكلف من لا يقدر، دلت على ذلك الآيات: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦] ، ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ [الطلاق:٧] ، فالله تعالى أمرهم بأشياء أن يفعلوها ونهاهم عن فعل أشياء، ووعدهم على فعل المأمور وترك المنهي والمزجور بالسواء، وأنه توعدهم على المخالفة بالعقاب، ولا شك أنه ما أمرهم إلا وهم يستطيعون ويقدرون على مزاولة هذه الأشياء، وإلا فالعاجز لا يمكن أن يؤمر. وعلى قول الجبرية: يعتبر أمرهم أمر تعجيز، مثل الأوامر التي يخاطب بها أهل النار أو الكفار، كقوله: ﴿قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ﴾ [آل عمران:١١٩] هذا أمر تعجيز، وكقوله: ﴿فَاصْبِرُوا أَوْ لا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الطور:١٦] . والصحيح أن أوامر الله تعالى في قوله: ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الحج:٧٧] ، وبقوله: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [النور:٥٦] أمر لمن يقدر على الامتثال، أما من لا يقدر فلا يمكن أن يؤمر، خلافاً للجبرية فإنهم يعتقدون أنه يجوز الأمر بشيء غير مقدور عليه وغير ممكن، بمنزلة من أمر الأعمى أن ينقط المصاحف أو يكتبها، ومعلوم أنه لا يبصر، فكذلك الأمر عندهم، حيث سلبوا الإنسان قدرته واختياره وجعلوا حركته غير اختيارية، ومثلوه بحركة الشجرة التي تحركها الرياح بدون اختيار، فلو كان الإنسان غير مستطيع لما كلفه الله؛ فإن الله لا يكلف إلا من هو قادر على ذلك، ولعله يأتي لهذا تكملة في الرد على الجبرية ونحوهم.

стр. 188

الكلام على مشيئة الله ومشيئة العبد

стр. 189

نفوذ مشيئة الله تعالى وتبعية مشيئة العبد لها قال رحمه الله تعالى: [قوله: (وكل شيء يجري بتقديره ومشيئته، ومشيئته تنفذ لا مشيئة للعباد إلا ما شاء لهم، فما شاء لهم كان وما لم يشأ لم يكن) . قال تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الإنسان:٣٠] ، وقال تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير:٢٩] ، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الأنعام:١١١] ، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ﴾ [الأنعام:١١٢] . وقال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾ [يونس:٩٩] ، وقال تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ [الأنعام:١٢٥] ، وقال تعالى حكاية عن نوح ﵊ إذ قال لقومه: ﴿وَلا يَنفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ [هود:٣٤] ، وقال تعالى: ﴿مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الأنعام:٣٩] ، إلى غير ذلك من الأدلة على أنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن. وكيف يكون في ملكه ما لا يشاؤه! ومن أضل سبيلا وأكفر ممن يزعم أن الله شاء الإيمان من الكافر والكافر شاء الكفر فغلبت مشيئة الكافر مشيئة الله؟! تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا] . هذا الكلام على المشيئة والإرادة، والإرادة هنا هي الإرادة الكونية القدرية التي بمعنى (المشيئة) ، يعتقد المسلمون أن مشيئة الله عامة لكل ما في الوجود، فلا يكون في الوجود إلا ما يريد، سواء من الطاعات والأعمال والمعاصي ونحوها، أو من المخلوقات والموجودات والحوادث ونحوها، فكلها حصلت بمشيئته وبإرادته الكونية، والجملة التي ذكرها الطحاوي وردت في حديث في جملة الأدعية: (ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن) ، فقوله: (ما شاء الله كان) أي: ما أراده كوناً وقدراً فإنه سيوجد وسوف يحدث لأن الله أراده، وكل شيء أراده الله لا بد أن يكونه، وكذلك الله تعالى هو الذي يخلقه، وخلقه لهذه الأشياء أن يقول: (كن) فتكون، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٢] ، فمما يعتقده أهل السنة أن مشيئة الله تعالى عامة لكل ما في الوجود، سواء المخلوقات أو غيرها. وفي حديث للنبي ﷺ سأله بعض أصحابه عن العزل -والعزل يكون في الجماع مخافة أن تحمل المرأة، فإذا وطئها أنزل خارج الفرج حتى لا تحبل- فقال: (ما عليكم ألا تفعلوا؛ فإنه ما من نسمة كائنة إلا الله خالقها) ، وفي بعض الأحاديث أن رجلاً استأذنه في العزل فقال: (لا تقدر أن ترده، لو أراد الله أن يخلقه لم تقدر أن ترده) ، يعني: أن ترد ما قدر الله أنه سيوجد، ثم جاءه ذلك الرجل بعد أيام وأخبره بأن الأمة التي يعزل عنها قد حملت مع كونه يعزل عنها، فذكر أن من أراد الله أن يخلق له مخلوقاً أو ولداً فلا بد أن يكون. فالله تعالى قدر ما يكون، وإن كان العزل سبباً من أسباب عدم الحمل فهو مكتوب عند الله أن هذا سيستعمل كذا وكذا من موانع الحمل ويحصل له كذا وكذا من الأولاد، وهذا سيقل أولاده وهذا سيكثرون، فكل ذلك مكتوب مقدر. وهكذا أيضاً بالنسبة للدواب لا يستنكر مثلاً كثرتها أو توالدها أو ما أشبه ذلك، فيقال: الله الذي قدرها وقدر عددها وخلقها، وعلم بوقت خلقها وبعددها وبأعمارها وبأعمالها وما أشبه ذلك. وهكذا أيضاً النبات ونحو ذلك، قدر الله ما يكون منه وما يحصل، والأدلة على ذلك كثيرة، ومن ذلك الآيات التي ساقها الشارح، والآيات كثيرة فيما يتعلق بمشيئة الله تعالى وبقدرته وبإرادته، وببيان أن إرادة الإنسان مربوطة بإرادة الله، كما في الآيات الأول وهي قوله تعالى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ * وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [التكوير:٢٨-٢٩] ، فقد يستدل بأول الآية المعتزلة في أن الإنسان حر في مشيئته، وأن له أن يشاء، ولكن تمام الآية رد لهذا الفهم ودليل لربط مشيئة الإنسان بمشيئة الله، ولهذا قال: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [التكوير:٢٩] أي: لا تستطيعون شيئاً وتنفذونه ولو شئتموه وأردتموه إلا إذا كان الله قد شاءه وأراده وقدره وحدد وقته. فإذا لم يشأ الإنسان شيئاً فلا يحصل، وهذا معنى قول شيخ الإسلام في أبيات مشهورة: فما شئتَ كان وإن لم أشأ وما شئتُ إن لم تشأ لم يكن وهو معنى هذا الحديث، فما شاء الله كان وإن لم يشأ الناس، وما لم يشأ لا يكون وإن شاء الناس، ومعنى قوله في الحديث: (واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك) .

стр. 190

ذكر مذهب المعتزلة في المشيئة والرد عليه وأما استدلال المعتزلة ببعض الآيات التي فيها إطلاق مشيئة العبد فإنه مقيد بالآيات الأخرى، فهم يستدلون بمثل قوله: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُر﴾ [الكهف:٢٩] ، ويقولون: إن الأمر مسند إليه إن شاء اختار كذا وإن شاء اختار كذا، فالأمر راجع إليه. فهذا الإطلاق مقيد بالآيات الأخرى، ومنها آية الأنعام: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ [الأنعام:١٢٥] ، فربط الله الهداية والإضلال بمشيئته وبإرادته، فدل على أنه هو الذي يملك ذلك، ودلت على ذلك الآيات الأخرى، كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلٍّ﴾ [الزمر:٣٧] ، ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ [الرعد:٣٣] يعني: من قدر الله أن سيهتدي لم يقدر الخلق أن يضلوه، ومن قدر ضلاله لم يستطيعوا أن يهدوه وإن كان لذلك أسباب جعلها الله تعالى مؤثرة ومفيدة، ولكنها أيضاً أسباب أزلية، فقد كتب الله أن الولاية الصالحة والتربية الصالحة، والنصيحة وما أشبه ذلك من أسباب الهداية تؤثر بإذن الله، ولكن تأثيرها مكتوب وأزلي، وإلا فالآية على عمومها. وهكذا في الحديث في خطبة الحاجة: (من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له) ، حكم بأن الأمر لا يقدر على التصرف فيه إلا الله تعالى وحده، فيعرف الإنسان أن المشيئة والإرادة أمرهما إلى الله تعالى، فهو الذي يتصرف في الكون وحده، وهو الذي يهدي من يشاء ويضل من يشاء. قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فإن قيل: يشكل على هذا قوله تعالى: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا﴾ [الأنعام:١٤٨] ، وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [النحل:٣٥] ، وقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ [الزخرف:٢٠] ، فقد ذمهم الله تعالى حيث جعلوا الشرك كائنا منهم بمشيئة الله، وكذلك ذم إبليس حيث أضاف الإغواء إلى الله تعالى إذ قال: ﴿رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الحجر:٣٩] ، قيل: قد أجيب على هذا بأجوبة، من أحسنها: أنه أنكر عليهم ذلك؛ لأنهم احتجوا بمشيئته على رضاه ومحبته، وقالوا: لو كره ذلك وسخطه لما شاءه فجعلوا مشيئته دليل رضاه، فرد الله عليهم ذلك. أو أنه أنكر عليهم اعتقادهم أن مشيئة الله دليل على أمره به. أو أنه أنكر عليهم معارضة شرعه وأمره الذي أرسل به رسله وأنزل به كتبه بقضائه وقدره، فجعلوا المشيئة العامة دافعة للأمر، فلم يذكروا المشيئة على جهة التوحيد، وإنما ذكروها معارضين بها لأمره دافعين بها لشرعه كفعل الزنادقة والجهال إذا أمروا أو نهوا احتجوا بالقدر. وقد احتج سارق على عمر ﵁ بالقدر فقال: (وأنا أقطع يدك بقضاء الله وقدره) ، يشهد لذلك قوله تعالى في الآية: ﴿كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [يونس:٣٩] ، فعلم أن مرادهم التكذيب، فهو من قبل الفعل من أين له أن الله لم يقدره؟ أطلع الغيب؟]

стр. 191

الكلام على محاجة آدم وموسى ﵉ قال المؤلف ﵀: [فإن قيل: فما يقولون في احتجاج آدم على موسى ﵉ بالقدر إذ قال له: أتلومني على أمر قد كتبه الله علي قبل أن أخلق بأربعين عاما؟ وشهد النبي ﷺ أن آدم حج موسى -أي: غلب عليه بالحجة-: قيل: نتلقاه بالقبول والسمع والطاعة لصحته عن رسول الله ﷺ ، ولا نتلقاه بالرد والتكذيب لراويه كما فعلت القدرية، ولا بالتأويلات الباردة، بل الصحيح أن آدم لم يحتج بالقضاء والقدر على الذنب، وهو كان أعلم بربه وذنبه، بل آحاد بنيه من المؤمنين لا يحتج بالقدر؛ فإنه باطل، وموسى ﵇ كان أعلم بأبيه وبذنبه من أن يلوم آدم على ذنب قد تاب منه وتاب الله عليه واجتباه وهداه. وإنما وقع اللوم على المصيبة التي أخرجت أولاده من الجنة، فاحتج آدم بالقدر على المصيبة لا على الخطيئة؛ فإن القدر يحتج به عند المصائب لا عند المعائب، وهذا المعنى أحسن ما قيل في الحديث، فما قدر من المصائب يجب الاستسلام له، فإنه من تمام الرضا بالله ربا. وأما الذنوب فليس للعبد أن يذنب، وإذا أذنب فعليه أن يستغفر ويتوب، فيتوب من المعائب ويصبر على المصائب، قال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [غافر:٥٥] ، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾ [آل عمران:١٢٠] . وأما قول إبليس: ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾ [الحجر:٣٩] ، إنما ذم على احتجاجه بالقدر لا على اعترافه بالمقدر وإثباته له، ألم تسمع قول نوح ﵇: ﴿وَلا يَنفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [هود:٣٤] ، ولقد أحسن القائل: فما شئتَ كان وإن لم أشأ وما شئتُ إن لم تشأ لم يكن وعن وهب بن منبه قال: نظرت في القدر فتحيرت، ثم نظرت فيه فتحيرت، ووجدت أعلم الناس بالقدر أكفهم عنه، وأجهل الناس بالقدر أنطقهم فيه] . هناك من يحتج بالقدر كالمشركين الأولين وأتباعهم من الجبرية ونحوهم، فالمشركون احتجوا بمثل قولهم: ﴿لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾ [الزخرف:٢٠] ، كأنهم يقولون: الله هو الذي شاء عبادتنا لهم، وكذلك قولهم: ﴿أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ﴾ [يس:٤٧] ، كأنهم يقولون: إذا شاء الله أغناهم، فكيف نغنيهم أو نطعمهم؟ ولا شك أن هذه حجة باطلة، ويجب على المسلم أن يعلم أن الله -وإن كان له المشيئة التامة- قد أعطى الإنسان مشيئة تناسبه فيكون بذلك ممتثلاً لأمر الله، وإن كانت مشيئة الله هي الأصل وهي الغالبة على مشيئة المخلوق، فالثواب والعقاب على المشيئة التي في وسعه وفي مقدرته. ولكن لا يقال: إن مشيئة الإنسان تغلب مشيئة الله، كما تقول المعتزلة: إذا شاء الإنسان شيئاً وأراد الله غيره غلبت إرادةُ الإنسان إرادة الله، فهذا معناه: أن الله يعصى قسراً، وأنه يكون في ملكه ما لا يريد، وهذا كله باطل وضلال، والإنسان عليه أن يؤمن بمشيئة الله تعالى وإرادته. كذلك احتجاج آدم بالقدر في قوله: (أتلومني على أمر قد كتبه الله علي) ، إنما لامه موسى على مصيبة حصلت، واحتج آدم ﵇ بأن هذا مكتوب عليه، والاحتجاج على الأمر المكتوب على الإنسان قبل أن يوجد جائز؛ وذلك لأن الله قدر الأشياء قبل وجودها وحدد أزلها، فإذا علم الله تعالى آجال الأشياء وحددها، فلا بد من وجودها في الوقت الذي يحدده ويكونه.

стр. 192

الرد على المعتزلة في إيجابهم الأصلح على الله تعالى قال المؤلف ﵀: [قوله: (يهدي من يشاء ويعصم ويعافي فضلا ويضل من يشاء ويخذل ويبتلي عدلا) . هذا رد على المعتزلة في قولهم بوجوب فعل الأصلح للعبد على الله، وهي مسألة الهدى والضلال. قالت المعتزلة: الهدى من الله بيان طريق الصواب، والإضلال تسمية العبد ضالا، وحكمه تعالى على العبد بالضلال عند خلق العبد الضلال في نفسه. وهذا مبني على أصلهم الفاسد: أن أفعال العباد مخلوقة لهم. والدليل على ما قلناه قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص:٥٦] ، ولو كان الهدى بيان الطريق لما صح هذا النفي عن نبيه؛ لأنه ﷺ بين الطريق لمن أحب وأبغض، وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ [السجدة:١٣] ، وقوله: ﴿يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [المدثر:٣١] ، ولو كان الهدى من الله البيان -وهو عام في كل نفس- لما صح التقييد بالمشيئة. وكذلك قوله تعالى: ﴿وَلَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾ [الصافات:٥٧] ، وقوله تعالى: ﴿مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الأنعام:٣٩]] . المعنى: نؤمن بأن الله تعالى يهدي من يشاء فضلاً منه ونعمة، ويضل من يشاء عدلاً منه وحكمة، فقد أنعم على من هداه وخذل من أضله، ولم يكن ظالماً لهذا، بل ذلك عدله وحكمه وخلقه يتصرف في الخلق كما يشاء. وذكر الشارح أن هذا رد على المعتزلة الذين يقولون بوجوب فعل الأصلح على الله. والمعتزلة فرقة انتسبت إلى الإسلام ثم انتحلت نحلاً، فمنهم من يقول: إن الله لا يقدر على الهدى والإضلال، فالله لا يقدر أن يضل أحداً ولا أن يهدي أحداً، بل العباد هم الذين يختارون بأنفسهم، فالعبد هو الذي يضل نفسه أو يهدي نفسه لا قدرة لله عليه. وفي هذا تنقص لله ، حيث جعلوا قدرة العبد أقوى من قدرة الله واختياره أقوى من اختيار ربه. وقد يقولون: إننا ننزه الله عن الظلم، ويقولون: إذا قدر على العبد فأضله فكيف يعاقبه؟ فلو عاقبة وهو الذي أضله لكان ظالماً له، فنحن ننزه الله عن الظلم ونصفه بالعدل. ويسمون هذا الأصل عدلاً، وهو أحد أصولهم الخمسة. و الجواب نعترف أن الهدى فضل والإضلال عدل، ونقول: إن الله تعالى ما ظلم أحداً من خلقه، وإنما هذا فضله يؤتيه من يشاء، فمنَّ على أهل الهداية ويسر لهم الأسباب وبينها لهم، وقذف في قلوبهم الرحمة وأعانهم حتى اختاروا الهدى وساروا على الصراط المستقيم، فاستحقوا بذلك الثواب وإن كان هو الذي تفضل عليهم أولاً وآخراً. فأولاً: تفضل عليهم بأن هداهم وسدد خطاهم وأقبل بقلوبهم على طاعته، وأمدهم بقوة منه وتأييد، وأعانهم على ذكره وشكره وحسن عبادته. وتفضل عليهم ثانياً بأن أهلهم للثواب الذي أعده لعباده المطيعين، فجعلهم من أهله وأدخلهم دار كرامته، وأعطاهم ما وعدهم من النعيم المقيم، فذلك فضله يؤتيه من يشاء. أما بالنسبة إلى الضُلال والكافرين فإنه ما ظلمهم، فقد بين لهم الحق وأوضحه لهم وأعطاهم قوة واستطاعة وقدرة يزاولون بها الأعمال، ولكنه حكم بعلمه في أنهم ليسوا أهلاً للقرب وليسوا أهلاً للهداية، فأضلهم وأصمهم وأعمى أبصارهم، وحال بينهم وبين أسباب الهداية حيث إنهم ليسوا أهلاً لذلك، فأصبحوا محرومين من الهداية، قال الله تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [فصلت:١٧] . فالله تعالى بين لهم الأسباب ولكنهم استحبوا العمى على الهدى، والمراد بالعمى هنا عمى البصيرة، يعني أنهم أصروا على العمى الذي هو عمى البصيرة والبعد عن الاستنارة بالحق، فلم يقبلوا ما جاءهم عن ربهم، بل ابتعدوا عنه فصاروا بذلك محرومين، ولم يظلمهم ربهم سبحانه بل هذا فضله يؤتيه من يشاء وهذا عدله يحكم به على من يشاء، وهو في كلا الحالين حكيم عليم يضع الأشياء في مواضعها اللائقة بها، فقد خلق هؤلاء وجعل في قلوبهم معرفة الحق وأهلهم لقبوله، وخلق هؤلاء وجعل فيهم إنكار الحق وأهلهم لرده، ولا خلاف أنه هو الذي أضلهم، أي: صرفهم عما لم يكونوا أهلاً له من الهداية. فأنت -أيها المهتدي- وأنت -أيها المؤمن- وأنت -أيها الموقن- قد أنعم الله عليك، فعليك أن تتمسك بهذه النعمة وبأسبابها، وعليك ثانياً أن تسأل ربك الثبات عليها وتحمده وتشكره على ما أعطاك وخولك، وعليك ثالثاً أن تجتهد في ثمرتها التي هي العمل بما أمرت به. وإذا رأيت القسم الثاني الذين صرفوا وحيل بينهم وبين الحق، فإن عليك شكر النعمة التي أنت فيها، ومعرفة أن هؤلاء محرومون ولو زعموا أنهم أهل معرفة وأن الصواب في جانبهم، فإنهم في الحقيقة مخذولون مصروفون عن صراط الله المستقيم.

стр. 193

الخلق يتقلبون بين فضل الله تعالى وعدله قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قوله: (وكلهم يتقلبون في مشيئته بين فضله وعدله) . فإنهم كما قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾ [التغابن:٢] ، فمن هداه إلى الإيمان فبفضله وله الحمد، ومن أضله فبعدله وله الحمد، وسيأتي لهذا المعنى زيادة إيضاح إن شاء الله تعالى؛ فإن الشيخ ﵀ لم يجمع الكلام في القدر في مكان واحد بل فرقه، فأتيت به على ترتيبه] . قوله: (يتقلبون في مشيئته) يعني أن ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وأن الله تعالى شاء من هؤلاء الإيمان وأحبه، وشاء من هؤلاء المعصية والكفر وقدره ولم يحبه، فأعمال أهل الطاعة قد شاءها كوناً وقدراً، وأمر بها ديناً وشرعاً، وأحبها ورضيها ووعد عليها بالثواب. وأما معاصي الكفار وذنوبهم فإنه قد قدرها وشاءها كوناً وقدراً، ولو شاء الله ما عصي، قال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾ [يونس:٩٩] ، ﴿لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [الرعد:٣١] ، ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ [السجدة:١٣] ، فلو شاء الله تعالى لأقبل بقلوبهم ولهداهم إلى الحق، ولكنه تعالى قدر أن هؤلاء محرومون وشاء منهم ما شاءه، فكلهم يتقلبون في مشيئته وفي إرادته، فإنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن.

стр. 194

علو الله تعالى عن الضد والند قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقوله: (وهو متعال عن الأضداد والأنداد) . الضد: المخالف. والند: المثل. فهو سبحانه لا معارض له، بل ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، ولا مثل له، كما قال تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:٤] ، ويشير الشيخ ﵀ بنفي الضد والند إلى الرد على المعتزلة في زعمهم أن العبد يخلق فعله] . يعني أن المعتزلة جعلوا الإنسان ضداً لله أو نداً مع أنهم ما صرحوا بذلك، ولكنهم لما زعموا أن العبد يخلق فعله، وزعموا أن الله لا يخلق أفعال العباد، واعتقدوا أن الله يعصى قهراً -تعالى الله عن قولهم- فعند ذلك أصبحوا قد جعلوا أنفسهم بل جعلوا كل مخلوق ضداً لله ونداً له، ولأجل ذلك يسميهم الصحابة -كما في بعض الروايات- مجوس هذه الأمة. وورد في بعض الأحاديث مرفوعاً وموقوفاً: (إن مجوس هذه الأمة الذين يقولون: لا قدر. إن مرضوا فلا تعودوهم وإن ماتوا فلا تتبعوهم) من باب الإنكار الشديد عليهم، وإذا قلت: كيف جعلوا لله ضداً أو نداً؟ نقول: ما داموا قد جعلوا المخلوق مستقلاً بتصرفه وبفعله فقد جعلوه متصرفاً بهذا الكون، والتصرف في الحقيقة إنما هو للخالق سبحانه، وليس للمخلوق شيء من التصرف، أعني التصرف المطلق. وسبب تسميتهم مجوساً أن المجوس ادعوا أن الكون صادر عن اثنين، وأن للعالم خالقين: النور والظلمة. فالنور خالق الخير والظلمة خالقة الشر، فلما جعلوا العالم صادراً عن خالقين أشبههم المعتزلة حيث جعلوا العبد خالقاً لفعله، فجعلوا مع الله خَاَلِقِيِنَ ليس خَاَلِقَينِ فقط، بل جعلوا العالم صادراً عن عدد. فالحاصل أن هذه الجملة تصلح رداً على المشركين وتصلح رداً على القدرية، ففيها الرد على المشركين الذين يجعلون لله نداً وضداً، سواء نداً في الخلق والتكوين أو نداً في استحقاق العبادة، فالله تعالى متعالٍ عن الأمرين، فهو الخالق وحده، فليس معه ندٌ يخلق كخلقه، وهو المستحق للعبادة وليس معه من يستحقها مثله.

стр. 195

لا راد لقضاء الله ولا غالب لأمره قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قوله: (لا راد لقضائه ولا معقب لحكمه ولا غالب لأمره) . أي: لا يرد قضاء الله راد، ولا يعقب -أي: لا يؤخر- حكمه مؤخر، ولا يغلب أمره غالب، بل هو الله الواحد القهار] . يعني أنه هو المتصرف وحده بخلاف المخلوق فإن هناك من يتعقبه، فكثيراً ما يفعل الابن فعلاً ويتعقبه الوالد ويقول: هذا خطأ، لو قدمت كذا أو أخرت! وكثيراً ما يحكم الحاكم أو يقضي القاضي ثم يُرد قضاؤه ويتعقبه مَن فوقه وينكر عليه ويقول: حكمك خطأ. ولو كان قد اجتهد وبذل وسعه، بخلاف الرب سبحانه فإنه إذا قضى أمراً فإنه لا يرد، وإذا حكم بحكم فإنه لا ينقض، وإذا أمر بأمر فإنه لا يتعقب. ولأجل ذلك حكموا بكفر من يرد أحكام الله تعالى ويدعي أنها لا تلائم كل وقت وزمان ومكان، ويفضلون عليها القوانين الوضعية التي هي من وضع أذهان البشر الذين هم محل النقص والعيب، ويتعقبون أحكام الله بأنها إنما تناسب الوقت الذي نزلت فيه. ولا شك أن هذا كفر؛ حيث إن الحكم -أي: الذي صدر من الله تعالى- أنزله لعباده وأمر به أمراً عاماً، وكلف به الخلق قاصيهم ودانيهم أولهم وآخرهم، فهو المناسب لهم، فمن رده أو ادعى عدم مناسبته فقد تعقب حكم الله وقد تنقص أمره، فهو شبيه بمن يرد العبادات التي كلف بها العباد ويدعي أنها إنما قصد منها أمر خاص أو نحو ذلك، والكلام على هذا لعل له محلاً يأتينا إن شاء الله.

стр. 196

وجوب التسليم لأقدار الله وأحكامه قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قوله: (آمنا بذلك كله وأيقنا أن كلا من عنده) . أما الإيمان فسيأتي الكلام عليه إن شاء الله تعالى، والإيقان: الاستقرار. من يقن الماء في الحوض: إذا استقر. والتنوين في (كلا) بدل الإضافة، أي: كل كائن محدث من عند الله. أي: بقضائه وقدره وإرادته ومشيئته وتكوينه، وسيأتي الكلام على ذلك في موضعه إن شاء الله تعالى] . بعدما ذكر القضاء والقدر، وذكر الحكم والأمر والشرع، وذكر التنزه عن الضد والند وما أشبه ذلك مما تقدم من الأحكام ذكر أن هذا مما يجب الإيمان به واليقين، وكأنه يقول: لا يجوز الشك ولا التردد في شيء من ذلك؛ لأنه مبني على أصل قوي ودليل راسخ معتمد، فلا بد أن تؤمن بذلك كله وأن توقن بأنه من عند الله، أو تجزم وتصدق بكل ما صدق وبكل ما يأتي، وتتحقق أنه عقيدة وأنه يقين، وأن من شك فيه فقد ضل سواء السبيل، وتوقن وتجزم بصحته وأنه حق لا تردد فيه. هكذا ينبغي لكل مؤمن، ويعم ذلك كل ما جاء به الشرع، فمثلاً القرآن من أوله إلى آخره نؤمن به ونوقن به، والكلمتان إحداهما تقوي الأخرى: (آمنت، أيقنت) ، وهما متقاربتان. فاليقين هو عدم الشك، أي: أن لا يتطرق إليك تردد ولا شك في اعتقادك لذلك الأمر، والإيمان هو جزمك وتصديقك بذلك واعتقادك لصحته. فكل ما جاء عن الله تعالى في القرآن آمنا به وأيقنا به، وكل ما جاء وبلغه الرسول ﵊ فإننا نؤمن به ونوقن به، وكذلك نوقن بكل ما جاءت به الرسل وبكل ما أخبروا به، وأنه حق ويقين على حقيقته، وأن من شك في شيء من ذلك أو تردد فيه فإنه ممن لم يؤمن بالله حق الإيمان، ولم يتقبل الشريعة كما أمر بأن يتقبلها.

стр. 197

شرح العقيدة الطحاوية [١٤] لا يتم إسلام العبد إلا بشهادته أن محمداً رسول الله مع شهادته أنه لا إله إلا الله، فالإيمان بالرسل -ومنهم نبينا محمد ﷺ واجب على كل إنسان، وقد أيدهم الله تعالى ببينات ومعجزات تشهد بصدقهم وصدق ما جاءوا به.

стр. 198

الإيمان بمحمد ﷺ رسولاً قال رحمه الله تعالى: [قوله: (وإن محمداً عبده المصطفى ونبيه المجتبى ورسوله المرتضى) . الاصطفاء والاجتباء والارتضاء متقارب المعنى، واعلم أن كمال المخلوق في تحقيق عبوديته لله تعالى، وكلما ازداد العبد تحقيقاً للعبودية ازداد كماله وعلت درجته، ومن توهم أن المخلوق يخرج عن العبودية بوجه من الوجوه وأن الخروج عنها أكمل فهو أجهل الخلق وأضلهم، قال تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾ [الأنبياء:٢٦] ، إلى غير ذلك من الآيات. وذكر الله نبيه ﷺ باسم العبد في أشرف المقامات، فقال في ذكر الإسراء: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء:١] ، وقال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ﴾ [الجن:١٩] ، وقال تعالى: ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ [النجم:١٠] ، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ [البقرة:٢٣] ، وبذلك استحق التقديم على الناس في الدنيا والآخرة، ولذلك يقول المسيح ﵇ يوم القيامة إذا طلبوا منه الشفاعة بعد الأنبياء ﵈: (اذهبوا إلى محمد عبد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر) ، فحصلت له تلك المرتبة بتكميل عبوديته لله تعالى] . الكلام هنا على الشهادة الثانية، وهي شهادة أن محمداً رسول الله، فبعد أن ذكر بعضاً مما يتعلق بالإيمان بالله تطرق إلى الإيمان بالرسول ﷺ ، وذلك لأن الشهادتين قرينتان لا تتم إحداهما إلا بالأخرى، فمن شهد أن لا إله إلا الله لزمته الشهادة بأن محمداً رسول الله، وذلك لأن الله سبحانه شهد له بذلك وسماه رسولاً، فقال تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ﴾ [الفتح:٢٩] ، وقال تعالى: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب:٤٠] ، وأمره أن يخبر بأنه أرسله في قوله: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف:١٥٨] . فإذا كان الله تعالى أخبر بأنه رسوله فمن كمال تصديق الله تصديق ما أخبر به من هذه الرسالة، وتصديق ما أخبر به من أنه مرسل من الله . كذلك إذا شهدنا لمحمد ﷺ بأنه رسول وصادق واعتقدنا صدقه، لزم من تصديقه الشهادة بأن الله هو الإله الحق؛ لأن جل دعوته إلى (لا إله الا الله) ، فأكثر ما دعا إليه تحقيق (لا إله إلا الله) . فعرف بذلك أن الشهادتين متلازمتان وأن إحداهما مرتبطة بالأخرى، ولأجل ذلك اعتبرتا ركناً واحداً من أركان الإسلام الخمسة، وهو الركن الأساسي الذي تنبني عليه بقية الأركان، وهو شرط لها كلها، فلا يقبل ركن من الأربعة إلا بعد أن يتحقق الركن الأول وهو الشهادتان.

стр. 199

شرف وصف العبودية للنبي ﷺ وهنا ذكر النبي ﷺ بثلاث صفات: الصفة الأولى: الاجتباء. والثانية: الارتضاء. والثالثة: الاختيار. وقد وصفه أيضاً بالعبودية، وتكلم الشارح هنا على العبودية، ونحن نتكلم عليها توضيحاً لما قاله، وإن كان فيما ذكره كفاية، فنقول: وصف الله نبيه بالعبودية في هذه الآيات، كما في قوله في مقام التحدي: ﴿وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ [البقرة:٢٣] ، فما قال: على رسولنا. وفي مقام الإسراء: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء:١] ، وفي مقام الدعوة: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ﴾ [الجن:١٩] ، وفي مقام إنزال الكتاب: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ﴾ [الكهف:١] ، ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾ [الفرقان:١] ، ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ [النجم:١٠] ، والآيات في ذلك كثيرة. وكذلك ذكر الشارح أيضاً أن عيسى وصفه بذلك، فإذا طلب من عيسى الشفاعة قال: (اذهبوا إلى محمد عبد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر) ، ولم يقل: (رسول) ، وذلك لأن العبودية هي الصفة الأصلية للخلق. وكذلك وصف بها أيضاً الأنبياء قبله، قال الله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُدَ﴾ [ص:١٧] ، ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ﴾ [ص:٤١] ، ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ [ص:٤٥] ، كلهم وصفهم بأنهم عبيد وعباد وواحدهم عبد. وكذلك حكى عن عيسى العبودية، وأنها أول ما تكلم به وهو في المهد، فقال: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾ [مريم:٣٠] ، وقال عنه في آخر سورة النساء: ﴿لَنْ يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ﴾ [النساء:١٧٢] أي: لا يأنف من العبودية، بل يراها صفة شرف، وكذلك الملائكة: ﴿لَنْ يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [النساء:١٧٢] ، فالملائكة أيضاً لا يستنكف أحدهم أن يكون عبداً لله، بل هم قد وصفوا بذلك في قوله تعالى: ﴿بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ * لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٦-٢٧] ، فأول ما وصفهم به أنهم عباد، يعني أنهم مملوكون لله. وقد وصف الله جميع الخلق بذلك في قوله تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم:٩٣] .

стр. 200

أقسام العبودية وقد ذكر العلماء أن العبودية لله تنقسم قسمين: عبودية عامة وعبودية خاصة. فالعبودية العامة يدخل فيها جميع الخلق مؤمنهم وكافرهم وهي المذكورة في هذه الآية: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم:٩٣] ، والعبودية هنا معناها أن كلهم خاضع لتصرف الرب سبحانه وكلهم مملوكون له، فإذاً هم عبيد لله سبحانه، وهو الذي يحكم فيهم ويعدل: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت:٤٦] ، ﴿وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [ق:٢٩] يقوله الله يوم القيامة. فالخلق عبيد لله بمعنى أنهم مملوكون، والله هو المالك لهم، فهم عبيده يتصرف فيهم، فهو الذي يميت من يشاء ويحيي من يشاء، ويمرض من يشاء ويشفي من يشاء، ويفقر هذا ويغني هذا، ويعز هذا ويذل هذا، ويمنع هذا ويعطي هذا، ويتصرف فيهم تصرف المالك في ملكه لا معقب له، فإذاً كلهم تحت تصرفه وتحت تقديره وفي قبضته، لا يخرج أحد منهم عن قبضته ولا يستقل بنفسه ولا بملكيته، بل إذا شاء الله انتزع ملكه من يده أو انتزع ما أعطاه له، فهذه عبودية عامة. وأما العبودية الخاصة فهي التي ذكرت في حق النبي ﷺ ، وفي حق الملائكة، وفي حق الأنبياء وغيرهم، وكذلك ذكرت في مواضع أخرى في حق أولياء الله كقوله تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا﴾ [الفرقان:٦٣] هؤلاء عبوديتهم خاصة. وذكروا في قول الله تعالى: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا﴾ [الإنسان:٦] أن هذه عبودية خاصة، وهذه العبودية مقتضاها ومدارها الذل لله تعالى والخضوع، وذلك أن العبد العابد متى شعر بأنه عبد لله مملوك له، وأن ربه المالك له يتصرف فيه كما يشاء، وأنه لا يملك التصرف لنفسه، ومتى شعر بأنه مخلوق مربوب ليس هو الذي خلق نفسه، ومتى شعر بأن خالقه على كل شيء قدير، ومتى شعر بأن ربه صادق الوعد فيما وعده به، ومتى شعر بأن ربه سبحانه قد وعده على الطاعة بالجزاء الأوفر وتوعده على المعصية بالعقاب الأكبر، إذا شعر بذلك ونحوه خضع لربه وخشع له، إذ التعبد التذلل الخضوع. فأصل العبودية الذل، ومنه سمي العبد المملوك عبداً؛ لأنه ذليل لمالكه وسيده، فالخلق كلهم يجب أن يظهروا هذا التذلل طوعاً واختياراً، أن يظهروا الذل لربهم، والخضوع له، والتواضع بين يديه، والاستكانة له، وأن يعترفوا بذلك لربهم، وأنه هو المستحق لذلك وحده. وقد فسرت العبادة التي أمر بها العبد بأنها غاية الذل مع غاية الحب، وذكر ذلك ابن القيم في النونية بقوله: وعبادة الرحمن غاية حبه مع ذل عابده هما قطبان وعليهما فلك العبادة دائر ما دار حتى قامت القطبان ومداره بالأمر أمر رسوله لا بالهوى والنفس والشيطان فإذاً: العبد الحقيقي هو الذي يذل لربه ويخضع، وهو الذي يحب ربه غاية المحبة، وهو الذي يتعبد له غاية التعبد، والأنبياء كذلك، لاشك أنهم قاموا بهذا الوصف، ونبينا محمد ﷺ قام بهذا الوصف، واعتبر في حقه شرفاً، فإذاً ليس في كونه عبداً لله شيء من التنقص، بل العبودية لله غاية الشرف، والعبودية لله غاية العلم، والعبودية لله غاية الرفعة، والعبودية لله والرق له والذل له هي الأصل في الفضل وفي التمكين، فكذلك الأنبياء يعتزون بذلك؛ لأنهم يتعبدون لمالكهم، بل المالك الحقيقي التذلل له والرق له والانتماء إليه يعتبر شرفاً وفضلاً، كما قال ابن القيم على لسان العابد الذي يفتخر بالعبودية: إذا قيل هذا عبدهم ومحبهم تهلل بشراً ضاحكاً يتبسم يعني: يفتخر إذا نسب إلى أنه عبد للرب ، وقد يفتخر أيضاً بعض المماليك بانتمائه إلى الرق لبعض الملوك، فيقول: أنا لي الفخر أن أكون عبداً للملك الفلاني أو مملوكاً له، فإذا كانوا يفتخرون بالرق وبالملكية لبعض من الخلق، فكيف لا تفتخر أيها الإنسان بالرق وبالملكية وبالعبودية لرب الأرباب ومسبب الأسباب، وخالق الكون .

стр. 201

طرق معرفة صدق النبي ﷺ

стр. 202

أحوال الأنبياء الدالة على صدقهم قال المؤلف ﵀: [وقوله: (وإن محمداً) بكسر الهمزة عطفاً على قوله: (إن الله واحد لا شريك له) ؛ لأن الكل معمول القول، أعني قوله: (نقول في توحيد الله) . والطريقة المشهورة عند أهل الكلام والنظر تقرير نبوة الأنبياء بالمعجزات، لكن كثيراً منهم لا يعرف نبوة الأنبياء إلا بالمعجزات، وقرروا ذلك بطرق مضطربة، والتزم كثير منهم إنكار خرق العادات لغير الأنبياء، حتى أنكروا كرامات الأولياء والسحر ونحو ذلك. ولا ريب أن المعجزات دليل صحيح، لكن الدليل غير محصور في المعجزات؛ فإن النبوة إنما يدعيها أصدق الصادقين أو أكذب الكاذبين، ولا يلتبس هذا بهذا إلا على أجهل الجاهلين، بل قرائن أحوالهما تعرب عنهما وتعرّف بهما، والتمييز بين الصادق والكاذب له طرق كثيرة فيما دون دعوى النبوة، فكيف بدعوى النبوة؟ وما أحسن ما قال حسان ﵁: لو لم يكن فيه آيات مبيِّنة كانت بديهته تأتيك بالخبر وما من أحد ادعى النبوة من الكذابين إلا وقد ظهر عليه من الجهل والكذب والفجور واستحواذ الشياطين عليه ما ظهر لمن له أدنى تمييز؛ فإن الرسول لابد أن يخبر الناس بأمور ويأمرهم بأمور، ولابد أن يفعل أموراً، والكاذب يظهر في نفس ما يأمر به وما يخبر عنه، وما يفعله ما يبين به كذبه من وجوه كثيرة، والصادق ضده، بل كل شخصين ادعيا أمراً أحدهما صادق والآخر كاذب، لابد أن يظهر صدق هذا وكذب هذا ولو بعد مدة؛ إذ الصدق مستلزم للبر، والكذب مستلزم للفجور، كما في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: (عليكم بالصدق؛ فإن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وما يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقاً، وإياكم والكذب؛ فإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وما يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذاباً) ] .

стр. 203

المعجزات والخوارق عرف المسلمون نبوة نبيهم ﷺ ، وشهدوا له بالرسالة، والطريق إلى معرفته والتصديق له ما أيده الله تعالى به من المعجزات التي دلت على صدقه. ومعروف أنه بشر، وأنه واحد من الناس، ولكن معلوم أن الله سبحانه يصطفي رسلاً من خلقه فينزل عليهم الآيات البينات بواسطة الملك، ويوحي إليهم من شرعه ما يشاء. فإذاً الرسل الذين يرسلهم إلى خلقه ويؤيدهم بهذه المعجزات يعرف صدقهم لعدة أسباب: منها ما يأتون به من الآيات والمعجزات، كما حصل لكثير من الأنبياء، فإن كلاً من الأنبياء أتى بمعجزات دلت على صدقه. فموسى أيده الله بعصاه التي تنقلب إلى حية، وبيده التي تخرج بيضاء، وبالطوفان، وبما أرسله على آل فرعون في قوله: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ﴾ [الأعراف:١٣٣] ، وبالغمام الذي ينزل ليظللهم، وبالحجر الذي يتفجر منه الأنهار، وبإنزال المنِّ والسلوى، وغير ذلك من المعجزات. وعيسى كذلك أخبر الله تعالى أنه يبرئ الأكمه والأبرص، ويحيي الموتى بإذن الله، ويخلق من الطين كهيئة الطير فينفخ فيها فتكون طيراً بإذن الله، وأخبر بأنه ينبئهم بما يأكلونه وما يدخرونه في بيوتهم، فيخبرهم بأشياء يخفونها، وأيد هذا بكتابه الذي هو الإنجيل. ونبينا ﵊ أيده الله تعالى بمعجزات، وقد استوفاها العلماء في كتب كثيرة تسمى (دلائل النبوة) من إخباره بمغيبات مما اعتمده من وحي الله ، وكذلك ما يقع منه من بركة طعام وبركة شراب وبركة ماء، وما أشبه ذلك. وهكذا ما يخبر به من الأمور التي لم تقع فتقع كما أخبر، وذلك كله اعتمادٌ على وحي الله . وهكذا ما وقع من المعجزات له، كحنين الجذع له، وتسبيح الحصى بين يديه، وسكون الجمل لما اضطرب وسكنه، وما أشبه ذلك. ولو لم يكن إلا تأييده بهذا القرآن الذي أنزله، وجعله معجزاً، وتحداهم أن يأتوا بمثله لكفى، والكلام على هذا يطول. ومما أيدهم الله تعالى به أيضاً أن جعل وجوههم دالة على صدقهم، كما في البيت: لو لم يكن فيه آيات مبينة كانت بديهته تأتيك بالخبر فلو لم يؤيده الله بهذه المعجزات لكان وجهه وبشره وطلاقته دليلاً على صدقه، فقد كان مأموناً قبل الإسلام، وكانوا يسمونه بالصادق الأمين، وكان أيضاً حسن الملاطفة، لا يأتي شيئاً من الذي ينكر في الجاهلية وذلك لأن الله حماه واصطفاه واختاره، وكان أيضاً موثوقاً عندهم بكلامه، لا يقول إلا الصدق ولا يتكلم إلا بالصدق، كما شهد له بذلك أعداؤه، فإنه لما سأل هرقل أبا سفيان بقوله: هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ فقال: لا. قال: إنه لم يكن ليدع الكذب على الناس ويكذب على الله.

стр. 204

الشريعة المحكمة ومما يدل على صدقه ما جاء به من هذه الشريعة التي إذا تأملها العاقل عرف أنها ليست من قبل نفسه، بل هي من حكيم حميد يضع الأشياء في مواضعها. فإنه لما أمر بهذه العبادات ونهى عن المحرمات، تأملها كل عاقل فعرف بذلك أنها صحيحة ملائمة للواقع؛ ولذلك روي أن بعض الأعراب لما أسلم ولامه بعض صحبه قال: إني تأملت ما جاء به محمد، فرأيته ما أمر بأمر فقال العقل: ليته نهى عنه، ولا نهى عن شيء فقال العقل: ليته أمر به. بل العقل موافق لما جاء به، وكذلك الفطرة السليمة. فهذا مما ميز الله تعالى به أنبياءه: أنه أيدهم بما يدل على صدقهم، حتى يكون ذلك دليلاً على أنهم جاءوا بالشرع الشريف من الله ، وأنهم صادقون ليسوا بكاذبين، ولو كان أحد منهم كاذباً على الله تعالى، لفضحه ولأظهر كذبه، فلا يجوز ذلك على الله سبحانه، فالله تعالى يتنزه أن ينصر من يكذب عليه، فلو كان كاذباً فيما جاء به لما قواه الله، بل لخذله كما خذل الكذابين، فقد ظهر في زمانه كذابون، ولكن كانت عاقبتهم المحو والاندحار، ظهر في اليمن كذاب يقال له: الأسود العنسي الذي استولى على أكثر اليمن من نجران إلى صنعاء، ثم لما ظهر أنه كاذب قام عليه بعض حشمه فقتلوه. وكذلك مسيلمة الكذاب لما ادعى النبوة تبعه من اغتر به، ففضحه الله تعالى وسلط عليه من قتله. وشريعة الله التي أوحاها إلى نبيه ﷺ باقية إلى أن يأتي أمر الله تعالى.

стр. 205

وضوح كذب الكهان ونحوهم قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ولهذا قال تعالى: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ * تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ * يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ * وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ * أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ * وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لا يَفْعَلُونَ﴾ [الشعراء:٢٢١-٢٢٦] . فالكهان ونحوهم - وإن كانوا أحياناً يخبرون بشيء من الغيبيّات ويكون صدقاً - فمعهم من الكذب والفجور ما يبين أن الذي يخبرون به ليس عن مَلَك، وليسوا بأنبياء، ولهذا لما قال النبي ﷺ لـ ابن صياد: (قد خبأت لك خبيئاً، وقال: هو الدُّخ. قال له النبي ﷺ : اخسأ فلن تعدو قدرك) يعني: إنما أنت كاهن. وقد قال للنبي ﷺ : (يأتيني صادق وكاذب) . وقال: (أرى عرشاً على الماء) ، وذلك هو عرش الشيطان. وبين أن الشعراء يتبعهم الغاوون، والغاوي: الذي يتبع هواه وشهوته، وإن كان ذلك مضراً له في العاقبة. فمن عرف الرسول وصدقه ووفاءه ومطابقة قوله لعمله، علم علماً يقيناً أنه ليس بشاعر ولا كاهن، والناس يميزون بين الصادق والكاذب بأنواع من الأدلة، حتى في المدعي للصناعات والمقالات، كمن يدعي الفلاحة والنساجة والكتابة، أو علم النحو والطب والفقه وغير ذلك، والنبوة مشتملة على علوم وأعمال لابد أن يتصف الرسول بها، وهي أشرف العلوم وأشرف الأعمال، فكيف يشتبه الصادق فيها بالكاذب؟! ولا ريب أن المحققين على أن خبر الواحد والاثنين والثلاثة قد يقترن به من القرائن ما يحصل معه العلم الضروري، كما يعرف الرجل رضا الرجل وحبه وبغضه وفرحه وحزنه، وغير ذلك مما في نفسه بأمور تظهر على وجهه، قد لا يمكن التعبير عنها، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ﴾ [محمد:٣٠] ، ثم قال: ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ [محمد:٣٠]] . هذا الكلام يتعلق برسالة نبينا ﵊، وكيف عرف أنه صادق، وذلك لأن المشركين رموه بالكذب، فمنهم من قال: ساحر كذاب، ومنهم من قال: كاهن، ومنهم من قال: شاعر. ورد الله عليهم، قال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ * قُلْ تَرَبَّصُوا﴾ [الطور:٢٩-٣٠] يعني: انتظروا ﴿فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنْ الْمُتَرَبِّصِينَ﴾ [الطور:٣٠] ، وأخبر بأنه ليس بشاعر فقال: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ [يس:٦٩] . وذم الشعراء في هذه الآية فقال: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمْ الْغَاوُونَ * أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ * وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لا يَفْعَلُونَ * إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيراً وَانتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ﴾ [الشعراء:٢٢٤-٢٢٧] ، فإن هذا تنزيه لنبيه أن يكون شاعراً أو يعلمه الشعر، وتنزيه لهذا القرآن أن يكون شعراً، ولهذا قال في آية أخرى: ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلاً مَا تُؤْمِنُونَ * وَلا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [الحاقة:٤١-٤٢] ، وذلك لأنهم يقولون عنه: إنه من الكهنة. لما رأوا الكهنة وسجعهم وإخبارهم بأشياء من المغيبات، ادعوا بأنه كاهن، والكاهن في الأصل هو الذي يدعي علم الغيب، أو يخبر عن المغيبات، أو يخبر عمَّا في الضمير، أو يدل على مكان المسروق ومكان الضالة واللقطة، وذلك بتنزل الشياطين عليه؛ فإن الشياطين تختطف السمع وتسترقه من السماء وتوحيه إلى أوليائها الذين هم السحرة والكهنة، كما أخبرالله تعالى بذلك في قوله: ﴿لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلإٍ الأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ * دُحُوراً وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ * إِلاَّ مَنْ خَطِف الْخَطْفَة﴾ [الصافات:٨-١٠] يعني: الكلمة يخطفها الشيطان من الملائكة فيستمعها، ثم يلقيها في أذن وليه الساحر أو الكاهن. أخبر الله تعالى في هذه الآية أن الشياطين تنزل؛ على أولئك الجهلة: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ * تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾ [الشعراء:٢٢١-٢٢٢] يعني: الكاهن، فـ (أفاك) أي: كذاب. و (أثيم) : أي: آثم. أي أنه من أهل الإثم الذي هو الزور والذنب العظيم. قال تعالى: ﴿يُلْقُونَ السَّمْعَ﴾ ، والسمع: ما يختطفونه من الملائكة ويلقونه إليهم، ﴿وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ﴾ [الشعراء:٢٢٣] وقد وردفي الحديث قوله ﷺ في صفة أخذ الكاهن الكلمة من السماء: (فيلقيها إلى من تحته -يعني: الذي يخطفها- ثم يلقيها الآخر إلى من تحته، حتى يلقيها على لسان الساحر أو الكاهن فيكذب معها مائة كذبة) ، فالكاهن يستمع الكلمة التي سمعت من السماء، ويضيف إليها كذباً، وهذا معنى قوله تعالى: ﴿يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ﴾ [الشعراء:٢٢٣] ، فعرف بذلك أن الله تعالى نزه نبيه عن أن يكون بمتهم كالذين تتنزل عليهم الشياطين، وإنما أنزل عليه الملك بهذا الوحي المتتابع المشتمل على الحكم والأحكام مما يدل على أنه من حكيم حميد، ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ﴾ [فصلت:٤٢] . وذكر أيضاً من الكهنة الذين في عهد النبي ﷺ شاب من اليهود اسمه ابن صياد، ورد في شأنه أحاديث كثيرة في الصحيحين وغيرها، حتى ظن بعض الصحابة أنه المسيح الدجال، واستأذن عمر النبي ﷺ في أن يقتله، فقال النبي ﷺ : (إن يكن هو فلن تسلط عليه، وإن لا يكن هو فلا خير لك في قتله) فإن كان الدجال فلا تستطيع أن تقتله؛ لأنه قد قدر الله أنه يخرج، وأنه يحصل منه ما سوف يحصل، فلن تسلط عليه. أما إذا لم يكن هو فلا خير لك في قتله، ولكن القرائن دلت على أنه ليس هو الدجال، وإنما هو كاهن من الكهنة الذين تنزل عليهم الشياطين، وأخبر بأنه يرى عرشاً في الماء، وذلك هو عرش الشيطان، وأخبر بأنه يأتيه صادق وكاذب، يعني: يأتيه وسوسة من الشيطان أو وحي من الشيطان، فتارة يصدق وتارة يكذب. وذلك وحي الشيطان، والشياطين يوحون كما في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ﴾ [الأنعام:١٢١] ، فهناك وحي شياطين تنزل به إلى أوليائها. ومما يدل على تكهنه أن النبي ﷺ سأله فقال: قد خبأت لك خبيئاًً. قال: هو الدخ. وكان قد خبأ له سورة الدخان، وفيها قوله تعالى: ﴿فَارتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ * يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الدخان:١٠-١١] إلى آخره، فقال: (اخسأ فلن تعدو قدرك) . فالحاصل أن النبي ﷺ قد نزهه الله تعالى عن صفات هؤلاء وهؤلاء، وقد وصفه الله بصفات تدل على صدقه وصحة كلامه، وذلك لما يشتمل عليه كلامه من الانتظام ومن الإحكام، وكذلك موقع كلامه في القلوب؛ حيث إنه متى سمعه السامع أصغى إليه والتذ به، سواء كان من القرآن أو مما علمه الله تعالى.

стр. 206

القرائن الدالة على التمييز بين الصادق والكاذب ولاشك أن الناس يفرقون بين صادق الدعوى وكاذبها، فالناس يعرفون كل من يدعي وينتحل أمراً من الأمور وهو ليس من أهله، وذلك ليس يخفى على الفطن، فكل من أعطاه الله تعالى فطنة فإنه يميز بين الصادق والكاذب، فلو كان كاذباً -وحاشاه من ذلك- لما خفي كذبه على جمهرة الصحابة، سيما عقلاؤهم الذين صحبوه مدة طويلة قبل الرسالة وبعدها، وعرفوا صدقه، والتذوا باتباعه، وحمدوا العاقبة لما آمنوا به، وتمنوا أنهم مع السابقين الأولين الذين سبقوا إلى تصديقه واتباعه، وتفانوا في نصرته، وبذلوا في سبيل نصرته أموالهم وأنفسهم، وهجروا بلادهم وأولادهم وأزواجهم وعشائرهم، فلما وصل الإيمان إلى قلوبهم وذاقوا حلاوة العلم والإيمان رخصت عندهم الدنيا بأسرها، وبذلوا في ذلك نفوسهم قتلاً في سبيل الله، ذلك كله دليل على أنهم عرفوا صدقه كما يعرفون أولادهم وأحفادهم. كذلك الكاذب في كل نحلة يعرف كذبه، فكل من انتحل شيئاً ليس له فإنه يظهر أمره ولا يخفى على فطناء الناس، وإذا عمل أي عمل وهو ليس من أهله وجرب ذلك وعرف منه، ابتعد عنه الناس وحذروا منه. ومثَّل الشارح بالأعمال التي في زمنه، كالخياطة والكتابة والخرازة وما أشبهها، فهذه حرف يدوية قد يتعلمها الإنسان في زمن يسير، ولكن قد يتسمى الإنسان بأنه من أهلها، ويظهر بالتجربة أنه ليس من أهلها، حتى قال بعضهم: فدع عنك الكتابة لست منها ولو سودت ثوبك بالمداد يعني: إنك لست من أهل هذه الصنعة ولو فعلت ما فعلت. وعرف بذلك أن كل من تعاطى شيئاً وهو ليس من أهله، فإن الناس يعرفون أنه كاذب ويظهر كذبه. وهذه الدعوى التي جاء بها الأنبياء الذين أرسلهم الله تعالى إلى خلقه لاشك أنها دعوى كبيرة، فلو كانوا كاذبين لما أيدهم الله بما يدل على صدقهم، ولظهر كذبهم وفضحهم الله تعالى على رءوس الأشهاد ونكَّل بهم. وساق الشارح هذه الآية، وهي قوله تعالى: (وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ [محمد:٣٠] ، وقد أخبر الله تعالى بأن نبيه يعرف بعض المتسترين بأوصافهم الظاهرة، كما في قوله: ﴿فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ﴾ [محمد:٣٠] يعني: بأمارات تظهر على وجوههم يعرف بها من هو صادق ممن هو كاذب. فإذا كانت هذه الأعمال تعرف بالسيما أو بالأمارات الظاهرة، فلا شك أن أمارات النبوة تعرف لمن تأملها.

стр. 207

تفصيل الأحوال الدالة على صدق محمد ﷺ قال رحمه الله تعالى: [وقد قيل: ما أسرَّ أحد سريرة إلا أظهرها الله على صفحات وجهه وفلتات لسانه. فإذا كان صدق المخبر وكذبه يعلم بما يقترن من القرآئن، فكيف بدعوى المدعي أنه رسول الله؟ كيف يخفى صدق هذا من كذبه؟ وكيف لا يتميز الصادق في ذلك من الكاذب بوجوه من الأدلة؟. ولهذا لما كانت خديجة ﵂ تعلم من النبي ﷺ أنه الصادق البار، قال لها لما جاءه الوحي: (إني قد خشيت على نفسي، فقالت: كلا والله لا يخزيك الله أبداً؛ إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكلّ، وتقري الضيف، وتكسب المعدوم، وتعين على نوائب الحق) . فهو لم يخف من تعمد الكذب، فهو يعلم من نفسه ﷺ أنه لم يكذب، وإنما خاف أن يكون قد عرض له عارض سوء، وهو المقام الثاني، فذكرت خديجة ما ينفي هذا، وهو ما كان مجبولاً عليه من مكارم الأخلاق ومحاسن الشيم، وقد علم من سنة الله أن من جبله على الأخلاق المحمودة ونزهه عن الأخلاق المذمومة فإنه لا يخزيه. وكذلك قال النجاشي لما استخبرهم عما يخبر به، واستقرأهم القرآن فقرءوا عليه: إن هذا والذي جاء به موسى -عليه الصلاة السلام- ليخرج من مشكاة واحدة. وكذلك ورقة بن نوفل لما أخبره النبي ﷺ بما رآه، وكان ورقة قد تنصر، وكان يكتب الإنجيل بالعربية، قالت له خديجة: أي عم اسمع من ابن أخيك ما يقول. فأخبره النبي ﷺ بما رأى، فقال: هذا هو الناموس الذي كان يأتي موسى. وكذلك هرقل ملك الروم، فإن النبي ﷺ لما كتب إليه كتاباً يدعوه فيه إلى الإسلام طلب من كان هناك من العرب، وكان أبو سفيان قد قدم في طائفة من قريش في تجارة إلى الشام، فسألهم عن أحوال النبي ﷺ ، فسأل أبا سفيان وأمر الباقين إن كذب أن يكذبوه، فصاروا بسكوتهم موافقين له في الإخبار، سألهم: هل كان من آبائه من ملك؟ فقالوا: لا. قال: هل قال هذا القول أحد قبله؟ فقالوا: لا. وسألهم: أهو ذو نسب فيكم؟ فقالوا: نعم. وسألهم: هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ فقالوا: لا، ما جربنا عليه كذباً. وسألهم: هل اتبعه ضعفاء الناس أم أشرافهم؟ فذكروا أن الضعفاء اتبعوه، وسألهم: هل يزيدون أم ينقصون؟ فذكروا أنهم يزيدون، وسألهم: هل يرتد أحد منهم عن دينه سخطة له بعد أن يدخل فيه؟ فقالوا: لا. وسألهم: هل قاتلتموه؟ قالوا: نعم. وسألهم عن الحرب بينهم وبينه. فقالوا: يدال علينا مرة ونُدال عليه أخرى. وسألهم: هل يغدر؟ فذكروا أنه لا يغدر، وسألهم: بماذا يأمركم؟ فقالوا: يأمرنا أن نعبد الله وحده لا نشرك به شيئاً، وينهانا عما كان يعبد آباؤنا، ويأمرنا بالصلاة والصدق والعفاف والصلة. وهذه أكثر من عشر مسائل، ثم بين لهم ما في هذه المسائل من الأدلة فقال: سألتكم هل كان من آبائه من ملك؟ فقلتم: لا. قلت: لو كان من آبائه من ملك لقلت: رجل يطلب ملك أبيه. وسألتكم: هل قال هذا القول فيكم أحد قبله؟ فقلتم: لا. فقلت: لو قال هذا القول أحد قبله لقلت: رجل ائتم بقول قيل قبله، وسألتكم: هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ فقلتم: لا. فقلت: قد علمت أنه لم يكن ليدع الكذب على الناس، ثم يذهب فيكذب على الله تعالى، وسألتكم: أضعفاء الناس يتبعونه أم أشرافهم؟ فقلتم: ضعفاؤهم. وهم أتباع الرسل -يعني: في أول أمرهم-، ثم قال: وسألتكم: هل يزيدون أم ينقصون؟ فقلتم: بل يزيدون. وكذلك الإيمان حتى يتم، وسألتكم: هل يرتد أحد منهم عن دينه سخطة له بعد أن يدخل فيه. فقلتم: لا، وكذلك الإيمان إذا خالطت بشاشته القلوب لا يسخطه أحد. وهذا من أعظم علامات الصدق والحق، فإن الكذب والباطل لابد أن ينكشف في آخر الأمر، فيرجع عنه أصحابه ويمتنع عنه من لم يدخل فيه، والكذب لا يروج إلا قليلاً ثم ينكشف. وسألتكم: كيف الحرب بينكم وبينه؟ فقلتم: إنها دول. وكذلك الرسل تبتلى وتكون العاقبة لها، قال: وسألتكم: هل يغدر؟ فقلتم: لا. وكذلك الرسل لا تغدر. وهو لما كان عنده من علمه بعادة الرسل وسنة الله فيهم أنه تارة ينصرهم وتارة يبتليهم، وأنهم لا يغدرون علم أن هذه علامات الرسل، وأن سنة الله في الأنبياء والمؤمنين أن يبتليهم بالسراء والضراء لينالوا درجة الشكر والصبر، كما في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: (والذي نفسي بيده، لا يقضي الله للمؤمن قضاء إلا كان خيراً له، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له) . والله تعالى قد بين في القرآن ما في إدالة العدو عليهم يوم أحد من الحكمة، فقال: ﴿وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:١٣٩] ، وقال تعالى: ﴿الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت:١-٢] ، إلى غير ذلك من الآيات والأحاديث الدالة على سنته في خلقه وحكمته التي بهرت العقول. قال: وسألتكم عما يأمر به فذكرتم أنه يأمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً، وينهاكم عما كان يعبد آباؤكم، ويأمركم بالصلاة والصدق والعفاف والصلة، وينهاكم عما كان يعبد آباؤكم، وهذه صفة نبي، وقد كنت أعلم أن نبياً يبعث، ولم أكن أظنه منكم، ولوددت أني أخلص إليه، ولولا ما أنا فيه من الملك لذهبت إليه، وإن يكن ما تقول حقاً فسيملك موضع قدمي هاتين. وكان المخاطب بذلك أبو سفيان بن حرب، وهو حينئذٍ كافر من أشد الناس بغضاً وعداوة للنبي ﷺ ، قال أبو سفيان بن حرب: فقلت لأصحابي ونحن خروج: لقد أَمِرَ أَمْرُ ابن أبي كبشة؛ إنه ليُعَظِّمه ملك بني الأصفر. وما زلت موقناً بأن أمر النبي ﷺ سيظهر حتى أدخل الله عليَّ الإسلام وأنا كاره] . أرفق الشارح هذه القصص للاستدلال بها على صحة ما جاء به النبي ﷺ ، فإن هؤلاء العقلاء الذين معهم معرفة وعلم استدلوا بهذه القرائن على صدقه وعلى صحة رسالته. وذلك لأن الله تعالى أجرى العادة أن الكاذب يفضح ويظهر كذبه، فإذا أسر سريرة سيئة أظهرها الله تعالى على صفحات وجهه وفلتات لسانه، وعرف الناس ما يخفيه وما يضمره من كذب أو من حقد أو من نفاق أو نحو ذلك. ولهذا كان المنافقون الذين في عهد النبي ﷺ لا يخفى أمرهم بما يظهرونه من الكلمات السيئة التي فيها همز ولمز وعيب، فيعرفهم المؤمنون، فإذا عرفوا أن هذا يميل إلى المنافقين، ويجالسهم، ويتكلم معهم، ويلقاهم بوجه منبسط -ونحو ذلك- عرفوا أنه ليس بصادق الإيمان، ولو أنه يلاطف المؤمنين، ولو أنه يظهر لهم التصديق، كما ذكر الله ذلك عن المنافقين عموماً في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ [البقرة:١٤] ، ولكن فضحهم الله تعالى وأظهر سرائرهم، وعرفهم المسلمون وهجروهم، وحذر الله تعالى نبيه منهم فقال: ﴿فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمْ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [المنافقون:٤] ، أما صادق الإيمان فإنه يظهر صدقه ويظهر تصديقه بأعماله التي يعملها، فمن صار صادقاً من الصحابة عرفوا تصديقه بأقواله وبأعماله وبمحافظته. وهكذا كل صادق فإن الله تعالى يؤيده ويظهر علامة صدقه. وإذا كان هذا في الأمور العادية وفي أغراض الناس واحداً واحداً، حيث يعرف الصادق منهم من الكاذب، فيفضح الله الكاذب على رءوس الأشهاد في الدنيا وفي الآخرة، وإذا كان الناس يعرفون الصادق بالتجربة والكاذب بالتجربة؛ فكيف لا يعرف الكاذب المتنبئ؟ فلو أظهر ما أظهره من التحريف ومن التبديل ومن الكذب ومن السحر ومن الشعوذة وما أشبه ذلك، كما يجري على أيدي الكهنة والمتنبئين ونحوهم، فإن ذلك لا يخفى على الفطن. وإذا جبل الله العبد على صفات حميدة عرف أنه لا يتقول على الله تعالى.

стр. 208

شهادة خديجة رضي الله تعالى عنها والقصص التي أوردها فيها قصة خديجة، وهي زوج النبي ﷺ ، وأول زوجاته، وأم أولاده كلهم إلا إبراهيم الذي هو من مارية القبطية التي هي أم ولده، وخديجة هي أول من آمن به من النساء. ولما نزل عليه الوحي أول ما نزل وهو بغار حراء جاء إليها فزعاً وقال: (زملوني) فزملوه، أي: غطوه بغطاء حتى هدأ روعه. ثم أخبر خديجة الخبر، وقال لها: (لقد خشيت على نفسي) يعني: خشيت أن يكون نزل بي مس من الجن أو نحو ذلك. عند ذلك استدلت بصفات حميدة على أنه لا ينزل عليه هذا الأمر، ولا يسلط الله عليه شيئاً يفسد عليه عقله ويفسد عليه جسمه وعبادته، استدلت بالصفات التي جبله الله عليها، فقالت: (إنك لتصل الرحم) ، وصلة الرحم من الأقارب، تعتبر من الأمور التي يحمدها الله تعالى ويأمر بها. (وتقري الضيف) ، فالطارق إذا نزل به أضافه فأشبعه وأطعمه. (وتكسب المعدوم) والمعدوم الفقير ونحوه، تعني: تكتسب صداقته، أو تكسِّبه فتعطيه. (وتعين على نوائب الحق) ، ولاشك أن هذه الصفات مما جبله الله تعالى عليها، فمن كان فيه هذا الوصف لا يخزيه الله تعالى، هكذا استدلت خديجة ﵂.

стр. 209

شهادة ورقة بن نوفل والقصة الثانية مع ورقة بن نوفل، ذكروا أن ثلاثة من قريش أنكروا ما عليه قريش من الضلال، وذهبوا يطلبون ديناً أحسن من ذلك الدين، فكان منهم ورقة الذي اتصل بالنصارى، وتعلم دينهم وتعلم لغتهم وكتابتهم وتنصر، ثم رجع إلى قومه ومعه الإنجيل يترجمه إلى اللغة العربية، وينسخ منه ما شاء الله، وكان معه معرفة بالكتب الأولى وبما اشتملت عليه، وبصفات النبي ﷺ التي اشتمل عليها الإنجيل وغيره، فلما جاءت إليه أمرته أن يسمع ما يقوله النبي ﵊، فقص عليه ما رأى، فعرف من كلامه أنه ليس بكاذب، وأن هذا الذي نزل عليه هو الملك الذي نزل على موسى. كيف عرف ذلك؟ عرفه بالأمارات التي قرأها في كتب أهل الكتاب، وعرف أيضاً صدقه فيما جاء عنه أنه ليس من أهل الكذب، وقال: (هذا الناموس الذي نزل على موسى، ليتني أكون حياً إذ يخرجك قومك، فقال: أومخرجيَّ هم؟ قال: نعم. لم يأت أحد بمثل ما جئت به إلا أوذي، وإن يدركني يومك أنصرك نصراً مؤزراً) . فآمن به وصدقه وشهد بأن ما جاء به هو الذي جاء به موسى -يعني: وسائر الأنبياء-، وأخبر بأنه سيناله ما نال الأنبياء من الأذى في ذات الله تعالى. فهذا من أهل الكتاب شهد له بأنه جاء بما جاء به الأنبياء؛ لما عرف من الأمارات والدلالات على الصدق.

стр. 210

شهادة النجاشي رحمه الله تعالى والقصة الثالثة مع النجاشي ملك الحبشة، وكان نصرانياً، وكان أيضاً معه معرفة بالكتب، ومعرفة بصفة الأنبياء وغيرهم، فلما جاءه المهاجرون ونزلوا بالحبشة هرباً من أذى قريش وأقاموا عنده، أحضرهم وسمع ما قالوه في صفة النبي ﷺ ، وقرءوا عليه بعضاً من القرآن فبكى وخشع وآمن، وأقسم بأن ما جاء به محمد ﷺ هو الحق، وأخبر أن مقالته في عيسى هي المقالة الصحيحة، وأنه لم يتجاوز ما هو عليه مثقال هذه - وأشار إلى عود كان بيده ينكب به-، مما يدل على أنه صدقه وصحح رسالته. فعرف ذلك مع أنه ما رأى النبي ﵊، وإنما سمع ما جاء به، وسمع القرآن الذي أنزل عليه، وسمع بعض صفاته، فاستدل بها على صدقه وصحة رسالته، وآمن به، وكان يهدي إليه ويكاتبه، وأصدق عنه أم حبيبة لما تزوجها النبي ﷺ بعد موت زوجها، وأرسلها إليه ﵊، كل ذلك دليل على أنه قام معه وأنه صدقه، وصلى عليه النبي ﷺ صلاة الغائب لما سمع بموته، وذلك كله دليل على أنه كان من المصدقين بهذا الرسول ﷺ . عرف ذلك مع أنه ما رآه، ولو رآه لازداد يقيناً بصحة ما جاء به وبصدقه. فهذا دليل على أن الصادق يعرف الناس صدقه بأدنى ما يسمعون من خبره.

стр. 211

شهادة هرقل ملك الروم وأما القصة الأخيرة فهي مع ملك الروم وهو هرقل، والروم في الشام، وموطنهم في ذلك الوقت دمشق الشام، وكانوا يدينون بالنصرانية، فأرسل إليه النبي ﷺ كتاباً يدعوه إلى الإسلام، ويقول فيه: (أسلم تسلم، يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين) ، وكتب إليه آية من سورة آل عمران، هي قول الله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:٦٤] . فلما جاءه هذا الكتاب أرسل من يبحث عن أحد يعرف هذا الرجل الذي يدعي أنه نبي حتى يسأل عن أخلاقه وعن صفاته، فدل على أبي سفيان، وكان أبو سفيان قريباً للنبي ﷺ في نسبه؛ لأنه من بني عبد مناف، وهو الجد الثالث من أجداد النبي ﷺ ؛ إذ هو ﷺ ابن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، فكلاهما يجتمع في عبد مناف، وهو أعرف به، وإن كان صده عن الدخول في أول الإسلام أول مرة الرئاسة والمنصب. سأله هرقل عن هذه الأسئلة، واستدل بجوابها على صحة ما جاء به. فالسؤال الأول عن نسبه، فأخبره أبو سفيان أنه ذو نسب، يعني أنه من أشرف الناس وليس من أطرافهم، ولا من أراذلهم. فالأنبياء يبعثون في وسط القبائل وفي أشرفها، لا يبعثون من أطراف القبائل وأراذلها، فاعترف بأنه ذو نسب، يعني: أن آباءه وأجداده لهم شرف ولهم منصب. السؤال الثاني: هل ملك أحد من آبائه؟ فلما أخبره بأنه لم يملك استدل على أنه لو كان أحد من آبائه قد ملك لكان طالباً ملك أبيه، فلما لم يكن كذلك عرف أنه ليس له غرض في ذلك. والسؤال الثالث: هل كان كذاباً قبل أن يقول ما قال؟ فلما أخبره بأنه لم يجربوا عليه كذباً، قال: كيف يدع الكذب على الناس ويكذب على الله؟! هذا مستحيل، إذاً ليس هو كذاباً. والسؤال الرابع: هل سبقه أحد إلى هذه المقالة؟ فلما أخبر بأنه ما سبق استدل بذلك على أنه صادق؛ لأنه لو قالها أحد قبله لكان مقتدياً به. وسأله عن أتباعه فأخبر بأنهم ضعفاء الناس؛ وذلك لأن الضعفاء هم أرق قلوباً، وهم عادة الذين يتقبلون الحق، وهم أتباع الرسل، كما أخبر الله عن نوح في قوله: ﴿قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الأَرْذَلُونَ﴾ [الشعراء:١١١] يعني: أراذل الناس، ﴿وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا﴾ [هود:٢٧] ، ولكن في العاقبة وفي النهاية أسلم أشراف الناس واتبعوه. وسأله: هل يزيدون أم ينقصون؟ ولما أخبره أنهم يزيدون عرف أن زيادتهم دليل على صدق ما هم عليه، وأنهم يتبعونه لاقتناعهم بأن ما جاء به حق، فكل من تبين له الحق اتبعه. وسأله: هل يرتد أحد منهم؟ فلما أخبره بأنهم لا يرتدون، بل من دخل في الإسلام تمسك به ولم يرجع عنه أبداً، قال: هكذا الإيمان إذا خالطت بشاشته القلوب لا يسخطه أحد، فالإيمان الذي دخلوا فيه اطمأنت به قلوبهم، فلما اطمأنت به قلوبهم عرفوا صدقه وصحته فلم يسخطوه، بل تداعوا لنصرته. وسأله: هل قاتلتموه؟ فأخبر بأنهم قاتلوه، وأنه ينصر عليهم وينصرون عليه، وذلك من الابتلاء الذي يبتلي الله تعالى به أنبياءه ثم تكون العاقبة لهم. ويبتلي أيضاً أتباع أنبيائه كما في الآيات التي سردها الشارح، وقد علق الشارح على هذا تعليقاً حسناً، وذكر أن الله تعالى يبتلي الأنبياء ويبتلي الأولياء، ثم بعد ذلك يفرج عنهم ليظهر من يصدق ممن يكذب، كما قال تعالى: ﴿وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ﴾ [الحج:١١] . فالابتلاء الذي يبتلي به عباده إنما يكون لإظهار صدقهم من كذبهم، ليتميز من يكون مؤمناً صادق الإيمان ممن هو دعي ليس بصادق الإيمان. وسأله: هل يغدر إذا عاهدوه؟ فأخبر بأنه لا يغدر. وقد كان ﵊ حريصاً على أن يفي بالمواعيد، ولا يؤثر عنه غدر، وقد أمره الله تعالى إذا أحس أو خاف من قوم خيانة أن ينبذ إليهم عهدهم على سواء، قال تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ [الأنفال:٥٨] أي: عهدهم على سواء، وقل لهم: قد تبرأنا من العهد، ولا عهد بيننا وبينكم، فاستعدوا للحرب، ولا تأتهم بغتة وهم آمنون غافلون باقون على عهدهم وعلى مواثيقهم. وأما السؤال العاشر والأخير فإنه يتضمن شرعه الذي جاء به، فقد اعترف أبو سفيان بأنه يأمرهم بعبادة الله وحده، وهو التوحيد، وأنه ينهاهم عما يعبد آباؤهم من الأصنام، وهو الشرك بالله، وأنه يأمرهم بالأشياء التي يشهد العقل بسلامتها وبملاءمتها، ألا وهي الصدق في الحديث، وصلة الرحم، والصبر على الضراء والسراء ونحوها، والعفاف ونحوه، فهذه الخصال التي يأمر بها يشهد العقل بملاءمتها وحسنها. فالحاصل أن أبا سفيان لما أخبره بذلك عرف هرقل ملك الروم أنها صفات نبي، وصدَّق أبا سفيان في تلك الصفات، وصدقه أيضاً رفقاؤه ولم ينكروا عليه، وهي صفات صحيحة منقولة مشهورة متواترة عنه، فكان ذلك من الأدلة التي اتضح بها صدقه. فالحاصل أن صدق الأنبياء يعرف بالأمارات التي يتميزون بها، بحيث لا يخفى أمرهم على ذي عقل سليم.

стр. 212

الشهادة لمحمد ﷺ بالرسالة تمام للشهادة لله تعالى بالوحدانية فابتدأ الشارح ﵀ بالكلام على الشهادة الثانية، وهي شهادة أن محمداً رسول الله، وذلك لأنها أحد جزأي الركن الأول من أركان الإسلام والذي هو كالأساس لبقية الأركان، وهو ركن الشهادتين. ولا شك أن الشهادة للنبي ﷺ بأنه رسول الله متممة لشهادة أن لا إله إلا الله، وذلك لأنه الذي دل على ربه، والذي بلغ رسالة ربه، والذي عرف بحق الله على عباده، والذي جاء مرسلاً بهذه الشريعة، فالشهادة له بأنه رسول الله تعتبر مكملة لشهادة أن لا إله إلا الله. وقد فسرها الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ في الثلاثة الأصول بقوله: معنى شهادة أن محمداً رسول الله طاعته فيما أمر، وتصديقه فيما أخبر، واجتناب ما نهى عنه وزجر، وأن لا يعبد الله إلا بما شرع. وشرح هذه الكلمات وإيضاحها يحتاج إلى تطويل، ولكنها بحمد الله ظاهرة لكل متأمل، ولما تكلم أيضاً عن الشهادة في تفسيره للتشهد -أي: شهادة أن محمداً عبده ورسوله- فسرها بقوله: عبد لا يعبد، ورسول لا يكذب، بل يطاع ويتبع، هذا تفسير من الشيخ ﵀. ولا شك أن هذه الرسالة التي جاء بها هي هذه الشريعة، وإذا كان رسولاً فإن الرسول معه رسالة، ورسالته هي الشريعة المحمدية والشريعة الدينية، قال تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنْ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا﴾ [الجاثية:١٨] ، وهي هذا الدين الذي بينه وبلغه.

стр. 213

من لوازم الشهادة للنبي ﷺ بالرسالة

стр. 214

محبته ﷺ وطاعته وقد ذكر العلماء للنبي ﷺ حقوقاً على أمته، فمن تلك الحقوق محبته التي أمر الله بها في قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا﴾ [التوبة:٢٤] يعني: لا تقدموا محبة شيء على محبة الله ورسوله ومحبة الجهاد في سبيله. وثبت في الصحيح قوله ﷺ : (ثلاث من كن فيه وجد بهنَّ حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما) إلى آخره، بدأ بمحبة الله ورسوله وقدمهما على غيرهما، وثبت أيضاً قوله ﷺ : (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ونفسه ووالده والناس أجمعين) . ولاشك أن هذه المحبة لها علامات، ومن أظهر علاماتها الاتباع. وقد أخبر الله تعالى أن اليهود ادعوا المحبة بقولهم: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة:١٨] فأنزل الله آية تسمى آية المحنة، هي قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران:٣١] ، امتحن الله من ادعى محبته بهذه الآية، فجعل لمحبة الله علامة ظاهرة، وهي اتباع الرسول ﷺ ، وجعل لهذا الاتباع ثواباً، فقال: ﴿يُحْبِبْكُمْ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران:٣١] أي: هذا ثوابكم، فإذا اتبعتم النبي ﷺ أحبكم الله وغفر لكم ذنوبكم. وقد ذكر الله لاتباعه ثواباً آخر في قوله تعالى: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف:١٥٨] ، أمر بالإيمان به، ثم أمر باتباعه، ولذلك لا يكون صادقاً من لم يطعه، ولم يتبع سنته. وقد ذكر شيخ الإسلام أن الله تعالى أمر بطاعته وطاعة رسوله في أكثر من أربعين موضعاً، إما أن يصرح بالفعل كقوله: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [المائدة:٩٢] ، وإما أن يعطف بالواو كقوله: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ [آل عمران:١٣٢] ، وإما أن يقتصر على طاعة الرسول؛ لأنه لا يأمر إلا بأمر الله، كقوله: ﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [النور:٥٦] في عدة مواضع، ولاشك أن طاعته تستلزم اتباعه، فالأمر بالاتباع والأمر بالطاعة من متممات المحبة.

стр. 215

الاقتداء والتأسي به ﷺ ويدخل في ذلك أيضاً الاقتداء والتأسِّي، دليله قوله: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ﴾ [الأحزاب:٢١] ، وكلاهما علامة على صدق الإيمان به؛ فإن الله تعالى كما أمر بالإيمان بالله أمر بالإيمان بالرسول، ورتب عليه أجراً، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ [الحديد:٢٨] ، فأمر بتقوى الله والإيمان بالرسول، وجعل الثواب: ﴿يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ [الحديد:٢٨] ، وكفى بذلك ثواباً. وتقدم ذكر بعض الأدلة على ثبوت رسالة هذا النبي الكريم، فذكر الشارح قول خديجة لما أخبرها الخبر: (إنك لتصل الرحم، وتحمل الكلّ، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق) . وذكر أيضاً قول ورقة بن نوفل لما قص عليه القصة: (هذا الناموس الذي أنزل على موسى، ليتني فيها حياً إذ يخرجك قومك، ثم قال: لم يأت أحد بمثل ما أتيت به إلا أوذي، وإن يدركني يومك أنصرك نصراً مؤزراً) . وهذا لأنه كان قد قرأ الكتب وعرف ما فيها من صفة الأنبياء. وذكر أيضاً شهادة ملك الحبشة النجاشي لما سمع كلام النبي ﷺ وما أنزل عليه فقال: هذا والذي جاء به موسى ليخرج من إليم -يعني: من الله- أو: من مشكاة واحدة، فشهد له بأنه جاء بما جاء به موسى وعيسى والأنبياء قبلهما. وذكر أيضاً قصة هرقل لما سأل أبا سفيان عن تلك الأسئلة التي استدل بها على أنه رسول من الله، وأنه صادق فيما جاء به، ولاشك أن هذه الشهادات تؤكد صحة ما جاء به، وأنه مرسل من الله تعالى. وتأتي بقية الأدلة على هذه الشهادة عقلاً ونقلاً
следующие страницы →